Полный текст (1 115 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ومن الأحوال التي يكون فيها الأسلوب المباشر السافر أوقع وأكثر تأثيراً، أو أنفع وأجدى، أو أكثر ضبطاً، الأحوال التالية:
(١) خطاب الذين يصعب عليهم الفهم بأسلوب غيره، كالصغار وضعفاء التكفير.
(٢) حينما يكون المخاطب في حالة انفعالية أفقدته الهدوء والصّفاء الفكري، فالإِنسان في مثل هذه الحالة لا يروق له إلاَّ الكلام الذي يدلّ على المقصود بطريقة مباشرة.
(٣) لدى بيان الحقائق الكبرى العقديّة، كالكلام الذي يحدّد قضايا الإِيمان، فهذه يجب فيها التصريح المباشر السافر، مثل: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله. آمنت بالله وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِه واليوم الآخر.
(٤) لدى بيان المبادىء التي تعلنها الشعارات، فهذه ينبغي فيها التصريح الذي يدلّ على المعاني دلالة مباشرة سافرة.
(٥) لدى كتابة نصوص التشريع أو التقنين، فالأدب الرفيع فيها هو التعبير بالأسلوب المباشر السافر، لئلاَّ يكون في الأفكار احتمالات تسمح بصرف الكلام عن دلالاته المقصودة.
(٦) لدى التعبير عن الأحكام القضائيّة، فالنّصوص ذات الدلالة المباشرة السافرة فيها هي أكمل الأدب وأحكمه، عملاً بما توجبه مقتضيات هذه الأحكام.
(٧) في معظم مواقف الدعاء لله تعالى، فالتعبير المباشر السافر الموجز فيها كثيراً ما يكون هو الأدب الأرفع، مثل: ربّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وسدِّدني، وعافني، وارزقني حلالاً طيِّباً مباركاً فيه.
(٨) في كثير من صور التعليم المنهجي.
стр. 37
(٩) في ذروات التعبيرات العاطفية، فالتعبير المباشر السافر فيها عند التصافي وانعدام الرقباء هو من أرقى الأدب وأرفعه. إنّه قد يكون أوقع عند وصول الحبيبين إلى التكاشف الصريح أنْ يقول كلُّ منهما لحبيبه: أنِّي أحبُّك، أو يا حبيبي.
والأسلوب الملامس بساتر:
هو الأسلوب الذي يُستخدم فيه للدلالة على المعنى المراد طريق التشبيه والتمثيل، أو الاستعارة، أو المجاز المرسل، أو المجاز العقلي إذا قلنا به.
فحين نقول: "وجهه كالقمر" فإنّ السامع أو القارىء يلمس أنّ المراد وصفه بأنّه جميل، ولكنّ حِسَّ اللّمس يقع على ساتر التشبيه بالقمر، ولا يباشر الملموس المراد، وإنّما يباشر الساتر، فبين اللاّمس والملموس فاصل الساتر، وهو هنا التشبيه.
ويتكاثف الساتر في التشبيه البليغ.
ويزداد الساتر كثافة في الاستعارة التصريحية.
ويزداد الساتر كثافة أخرى في الاستعارة المكنية.
مثلاً: حين نقول للولد: كنْ مع والديك كفرخ الطّير الذي يخفض جناحيه تذلُّلاً تحت صدر أمّه أو جناحها. فإنَّ الولد يلمس أنّ المراد مطالبته بأنّ يتواضع لوالديه كتواضع الذليل ذي الحاجة إلى الأمن والدفء والرزق، ولكن يلمس هذه المعاني فاصل ساتر التشبيه.
فإذا حذفْنا أداة التشبيه، وجعلناه تشبيهاً بليغاً، لَمَس المراد نفسه، إلاَّ أنّه شعر قليلاً بزيادة كثافة الفاصل.
ثمّ إذا قُلنا له كما جاء في القرآن في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
стр. 38
﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ [الآية: ٢٤] على طريقة الاستعارة المكنيّة، فإنّه يلمس المراد نفسه أيضاً، كلنّه يشعر بأنّ كثافة الفاصل قد زادت من جهة، وازدانت بحلاوة ملامس خاصّة بها، مع جسّ المراد من ورائها.
ونلاحظ نظير ذلك في المجاز المرسل، وفي المجاز العقليّ إذا قلنا به.
فقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت ... ﴾ [الآية: ١٩] .
هو من المجاز المُرسل بإطلاق الكلّ وإرادة البعض، ونحن حين نسمع هذا القول، ويسرع إلى تصوّرنا أنّ الإِصبع كلّها لا تدخل عادة في الأُذن، إنّما الذي يدخل منها رأس الأنملة فقط، نعلم أنَّ المراد أنَّهم يجعلون رؤوس أناملهم في آذانهم، ولكنْ لَمَسْنا ذلك من وراء فاصل، وهو هنا ساتر المجاز المرسل.
ومع لمسِ المراد من وراء الساتر أحسسْنا بزينة خاصّة في هذا الساتر نفسه، وبفكرة مضافة، وهي أنّهم يبالغون بضغط أصابعهم على آذانهم، فلو كان الواقع يسمح بدخولها كلّها في آذانهم لفعلوا من شدّة ذعرهم وحذرهم، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة.
وقول الله تعالى في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) :
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... ﴾ [الآية: ١٧] .
أسند فيه السيلان إلى الأودية، مع أنَّ السيلان للماء فيها، ولكنَّنا حين نقرأ أو نسمع هذا الكلام نلمَس المقصود به من وراء فاصل وهو ساتر المجاز، إِذْ أُسنِد السيلان للمحلّ، وهو هنا الأودية، ومع لمْس المراد من رواء الساتر نحسّ بزينة خاصّة في هذا الساتر، وبفكرة مضافة، وهي أنّ النّاظر إلى تدفّق الماء في الأودية، وتدافع أمواجه، يتوهّم في لحظات الانبهار أنّ الأودية تجري أيضاً مع
стр. 39
الماء، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة، ويصوّر حالة التخيّل التي تعتري الناظرين المندهشين.
إنّ هذا الأسلوب الذي هو وسط بين الأسلوب المباشر السافر، والأسلوب غير المباشر، أسلوب يتّسع لإضافة زينات أدبيّة كثيرة، تضفي على الكلام جمالاً، ورَوْنقاً وبهاءً، مع ما في هذه الزينات من أفكار ودلالات يمكن إضافتها، ومن تصوير فنّيّ بديع يمكن أنْ يقدّمه الأديب البارع عن طريقها.
الأسلوب غير المباشر:
والأسلوب غير المباشر يكون بالتعبير عن فكرة لتفهم معها فكرة أخرى، عن طريق اللّوازم العقلية القريبة، أو متوسّطة القرب، أو البعيدة، أو شديدة البعد.
وهذه الفكرة الأخرى إنّما يريد المتكلّم الإِشارة إليها من طرف خفي، ولا يريد التعبير عنها بأسلوب مباشر، لغرض بياني أو غرض تربوي، أو أي غرض آخر يقصده البلغاء.
فمع ما في هذا الأسلوب من دلالة على ذكاء من يستعمله، ومع ما فيه من مجال واسع لتفنّن أدبي لا حصر له من قِبَل نوابغ الأدباء، وعباقرة البلغاء والشعراء، فهو مجال لتحقيق أغراض كثيرة، منها الأغراض التالية:
(١) عدم مواجهة المخاطبين بما يراد إعلامهم به لدواع تربوية، أو لدواع نفسية، كعدم المواجهة بالتكليف، وعدم المواجهة بالنّقْد، وعدم المواجهة بالعتاب، وعدم المواجهة بالتلويم، وغير ذلك.
(٢) إرضاء نفس من يخاطب به، إذ يشعر بأنّه محترم مقدّر مِنْ قِبَل من يخاطبه، فهو في نظره من مستوى الأذكياء وكبراء القوم الذي يخاطبون بإشارات الكلام وكناياته، ولا يحتاجون إلى صريح القول.
(٣) إخفاء المراد على جمهور المستمعين، وإشعار المخاطب وحده بالرمز، لأغراض سياسيّة، أو عسكريّة أو تربويّة، أو نحوها.
стр. 40
كما وقع في غزوة الخندق، إذ بلغ الرسول ﷺ أنّ بني قريظة نقضوا عهدهم، فأرسل وفداً من الأنصار فيه سيِّدا الأوس والخزرج إلى كعب بن أسد القرظي سيِّد يهود بني قريضة ليستطلعوا الخبر، وقال لهم: انطلقوا حتّى تنظروا، أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أمْ لا؟ فإنْ كان حقاً فالْحَنُوا لي لَحْناً أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد القوم (أي: تكلّموا بالرمز ولا تتكلّموا بصريح القول) .
وكذلك فعلوا لمّا علموا أنَّ بني قريظة قد نقضوا عهدهم حقاً. إنَّهم لمّا عادوا إلى رسول الله ﷺ ، سلَّموا عليه، ثمّ قالوا له: عَضَلٌ والْقَارَة. ففَهِم الرسول المراد، وعلم أنّ القوم قد غدروا كما غدرت عَضَلٌ والْقَارة بأصحاب الرجيع.
(٤) التوصّل عن طريق اللّوازم العقلية إلى معان قد لايكن لها ألفاظ تدلّ عليها دلالة مباشرة
(٥) تزيين الكلام ليكن أكثر تأثيراً في نفوس المخاطبين.
(٦) وقد يكون الأسلوب غير المباشر مقرِّباً للفكرة الغامضة، أو مقدِّماً لها مقترنة بحُجَّتِها المُقْنعة بها.
(٧) إمكان التهرّب من إرادة المعنى عند الإِحراج، وذلك إذا كانت إرادته تسوء المخاطب به، أو تسوء غيره من أنداده أو حسّاده أو غيرهم.
ومِنْ أمثلة ذلك مَنْ يُشير بطَرْف خفيّ إلى حبِّه، أو يلمِّح إلماحاً خفيِّاً، لأنَّ أمامه رُقباء من الأنداد أو الحُسّاد، أو مَنْ لا يَرْضَى بهذه العلاقة غَيْرةً أو نَخْوة أو مخافة العار، والمتكلِّم لا يريد إثارة هؤلاء نحوه لئلاّ يَكِيدُوه.
وفي كثير من الأحوال يكون خطاب النّاس بالأساليب غير المباشرة هو الأجدى، لأنَّه أوقع في نفوسهم، وأكثر إرضاءً لغرورهم، أو أوفق لظروف أحْوالهم.
стр. 41
ولكن لا يصحّ أنْ يكون كلّ الكلام جارياً وفق الأسلوب غير المباشر، فالأصل في الكلام هو الأسلوب المباشر، وهو بمثابة الخبز الذي تؤكل معه ألوان الأطعمة، إنّ الأسلوب غير المباشر ينبغي أنْ لا يزيد في الكلام كثيراً حتى لا يفقد الكلام قواعده وأركانه الأساسيّة.
إنَّ الأسلوب غير المباشر ينبغي أن يكون في غضون الكلام الجاري على الأسلوب المباشر، وبمقدار الأغراض البلاغيّة، وبمقدار الحِلْيات التي تتزيَّن بها الحِسان عادة.
وينبغي أيضاً أن يكون الكلام متنوعاً، لا ملازماً لوناً واحداً من ألوان الأساليب غير المباشرة.
إنَّ أبدع الكلام وأحلاه ما كان متنوعاً كثير الألوان، غير مقتصر على نَمَطٍ واحد. ومع ذلك فليس هذا في كل مائدة كلاميّة. إنّه قد تجمل في بعض الأحيان وفي بعض المناسبات مائدة كلاميّة من لون واحد من الكلام فقط.
إنَّ طبائع النفوس عجيبة، وينبغي أنْ يكون ميزان الأديب تُجَاهها شديد الحساسية، يتتبعها بالمؤثّرات الآنية عليها.
ويُعرف الأسلوب غير المباشر عند علماء البلاغة باسم (الكناية) ويدخل فيه ما يعرف عند علماء أصول الفقه باسم (المفهوم) أو باسم (الفحوى) فيقولون: "منطوق اللّفظ ومفهومه" سواء أكان المفهوم موافقاً أم مخالفاً. ويقولون: "فحوى الكلام" وهو عندهم كالمفهوم المقابل للمنطوق.
والمعنى المدلول عليه بهذا الأسلوب غير المباشر:
(أ) إمّا أنْ يكون معنى قريب التناول لا يحتاج إلى متابعة لوازم عقليّة متعدِّدة مثل قولنا للدّلالة على طول إنسان: "لا يدخل الأبواب إلاَّ وهو يخفض رأسه أو يتقاصر بجسمه".
стр. 42
ويمكن أنْ نمثِّل له بقوله الله تعالى: ﴿وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] أيْ: ويثيبهم ويدخلهم جنّات النعيم. لأنَّ من أحبّه الله أكرمه وأدخله في رحمته، فهذه من لوازم المحبّة. ونظيره في القرآن كثير.
ويدخل فيه مثل قوله الله تعالى في سورة (الإِسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) في بيان واجبات برِّ الوالدين:
﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ... ﴾ [الآية: ٢٣] .
أي: ولا تفعل أيضاً ما هو أشدّ!، وهذا يفهم بداهة لأنّ من نُهِيَ عن القبيح الأخفّ فهو منهي عن القبيح الشديد والأشدّ لزوماً عقليّاً.
(ب) وإمّا أنْ يكون معنىً متوسّط البعد، يدركه الذهن دون تأمّل عميق، وينتقل مع لوازم منطوق اللّفظ إليه بغير مشقّة فكريّة.
مثل الكناية عن كَثْرة إطعام الضيفان عند البدو، أنْ يقول قائلهم فلان: "كثير الرَّماد" أيْ: مضياف جَوَاد. لأنَّ كَثرة الرّماد عندهم مِنْ كَثرة إيقاد النَّار، وكثرة إيقاد النَّار مِنْ كَثرة الطبخ عليها، وكَثْرة الطبخ تدلُّ على كَثْرة الضيوف بحسب العادة.
(ج) وإمَّا أنْ يكون معنىً بعيداً، بسبب كَثْرة لوازمه العقلية، أو بسبب أنَّ هذه اللَّوازم تحتاج إلى تعمّق في التفكير حتّى يدركها الذّهن، وغالباً لا يدركها إلاَّ الأذكياء والعلماء.
ونُمثِّل لهذا بقول إبراهيم ﵇ حين رفض عبادة الأصنام وكلّ ما في الأرض، وبدأ يبحث عن ربِّه في السماء. كما جاء في سورة الأنعام/٦مصحف/٥٥ نزول) :
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هاذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين﴾ [الآية: ٧٦] .
стр. 43
أيْ: إنَّ غياب الكوكب ظاهرة حدوث، وصفه الحدوث لا تكون من صفات الرَّب الخالق، فالكوكب لا يصلح لأنْ يكون ربّاً، فأنا لا أحب عبادة الآفلين الذين ليس أحد منهم يصلح لأنْ يكون ربّاً خالقاً، إنَّما أحبَّ عبادة ربِّي الحقّ.
فجملة ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ في معرض البحث عن الربِّ الخالق، تستدعي لدى أهل الفكر والنظر وأذكياء التأمّل كل هذه اللّوازم.
(د) وإمَّا أنْ يكون معنَى يُلمح لمحاً، أو يشم شمّاً، ويتطلّب إدراكه حِسّاً مُرْهَفاً، وممارسة لإِدراك مشاعر النفوس من وراء تعبيرات اللّسان.
وقد لا تظهر لوازم فكريّة تدلُّ عليه، بل قد تكون الإِشارة إليه من قرائن الأحوال، أوْ مِنَ التصريح بشيء وعدم التصريح بقرينه أو مُقَابِله، مع وجود الدواعي لهذا التصريح.
ويعمل الذّكاء وقوّة الحَدْس في هذا المجال لاكتشاف ما يختلج في النفوس من معانٍ لم يُفْصِحْ عنها اللّسان، لسببٍ مِنَ الأسباب، كالاستحياء، أو الكِبَر، أوْ العِفَّة، أو الخَوْف، أو غير ذلك.
ونستطيع أنْ نمثِّل لهذا القسم بالأمثلة التالية:
(١) قول موسى ﵇ بعد أن سقى لابنتي الشيخ الصالح عند ماء مدين ثم تولّى إلى الظّل، كما جاء في سورة (القصص/٢٨ مصحف/٤٩ نزول) :
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [الآية: ٢٤] .
فهو في هذا يشير باستحياء إلى حاجته إلى الزوجة إشارة خفيَّة لا تُعْرف إلاَّ من قرينة الحال.
(٢) قوْل أيُّوب ﵇ بعد أنْ طال به المرض ثمانيةَ عشر عاماً: يا ربْ إنِّي مسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذاب. قال تعالى مبيِّناً دعاءه في سورة (ص/٣٨ مصحف/٣٨ نزول) :
стр. 44
﴿واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [الآية: ٤١] .
بنُصْب وعذاب: أيْ بتعب وبلاء ومؤلمات جسديّة ونفسيّة، فهو في دعائه هذا يشير باستحياء إشارة خفيّة إلى طلب الشفاء، معلّلاً ذلك بأثر وساوس الشيطان في نفسه من جراء طول المرض، فهذه الوساوس قد زادت متاعب جسده وآلامه وعذَّبت نفسه.
(٣) قوْل امرأة عمران حين وضعت جنينها الذي كانت قد نذرتْهُ محرَّراً لبيت المقدِس، وكانت تنتظر أنْ يكون ذكراً، فجاء أنثى وأسمتْها مريم، قالت كما جاء في سورة (آل عمران/٣ مصحف/ ٨٩ نزول) :
﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ [الآية: ٣٦] . وقالت: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ... ﴾ [الآية: ٣٦] .
فهي تشير بقرينة الحال إلى مشاعر التحسُّر التي تشغل قلبها ساعتئذٍ.
(٤) قولُ ذي النّون ﵇ وهو في بطن الحوت لربّه، كما جاء في سورة (الأنبياء/٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) :
﴿لاَّ إلاه إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الآية: ٨٧] .
فالقول توحيد وتسبيح واعتراف بالذنب، إلاَّ أنَّه يشير باستحياء شديد من طرف خفِيّ ِإلى طلب النجاة.
***
الخلاصة:
فالمعانى:
(١) إمَّا أنْ تُسْتَفَاد مِنْ دلالة الكلام المباشرة السافرة.
(٢) وإمَّا أنْ تُسْتَفَاد من دلالة الكلام الملامسة بِسائر.
стр. 45
(٣) وإمَّا أنْ تُسْتَفَاد مِنْ دلالة الكلام غير المباشر، ويكون ذلك في حدود ظِلال الكلام.
ولهذه الحالة ثلاثة مراتب: قريبة، متوسّطة، وبعيدة، ولكلّ من هذه المراتب الثلاث درجات متفاوتات.
ويلحق بالأسلوب غير المباشر أنْ تُستفاد المعاني من قرائن الأحوال، ومن الإِشارات الخفيَّة الضمنيّة.
وهذه المعاني يُتَوصَّل إلى إدراكها بالذكاء والتفرّس والحَدْس، ومعرفة القرائن والملابسات.
فهي تُتصيَّد ممّا وراء ظلال الكلام، والإِلماح إلى هذه المعاني ذو نِسَب متفاوتة في الظهور والخَفَاء.
وعلى الدُّعاة إلى الله أنْ يكونوا على بصيرة بفنون دلالات الكلام على المعاني، وأنْ يتمرّسوا بألوان التعبير البليغ ويُدَرِّبوا أنفسهم على تذوُّق آداب القول، وعلى معرفة أحوال التلاؤم بين أُسلوب الكلام ومُقتضى حال المخاطب به، حتّى يكون كلامُهُمْ أكثر تأثيراً، وتكون متأسِّية بمنهج القرآن في الدّعوة، ومنهج أنبياء الله ورُسُلِه في دعَواتِهم إلى سبيل ربِّهم.
ثاثاً - مقولة الجهة الثالثة حول المعنى:
وهي جهة المعاني أنفُسِها وقِيَمها الفكرية والجماليّة.
(أ) إنَّ المعانيَ أنْفُسَها في أذهان النّاس ومقولاتهم تنقسم إلى أقسام خمسة:
(١) فمنها ما هو حقٌّ بلا ريب.
(٢) ومنها ما هو باطل بلا ريب.
стр. 46
(٣) ومنا ما يترجّح في الظن أنّه حق، وتختلف نسبة الرّجحان.
(٤) ومنها ما يترجّح في الظن أنّه باطل وتختلف نسبة الرّجحان.
(٥) ومنها ما هو واقف في المنطقة المتوسّطة تماماً، وهي الأمور التي تكافأت قوتا النفي والإِثبات بالنّسبة إليها، فلا هي راجحة إلى جانب الحقّ، ولا هي راجحة إلى جانب الباطل، وهذه الحالة الذهْنِيَّة بالنّسبة إلى الأمور التي هي منْ هذا القبيل، يُطلِق عليها علماؤنا كلمة (الشّك) في اصطلاحهم، لكنّ كلمة الشّك في التعبير القرآني تعني غير هذا: ﴿أَفِي الله شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] أيْ: أفي إثبات وجود الله أيّ احتمال مهما كان ضعيفاً يُفْتَرَضُ معه أنْ لا يكون للكون ربٌّ خالق فاطر؟ إنّ هذا مرفوض بداهة.
(ب) وإنّ المعاني أنْفُسها تختلف بالنّسبة إلى أَفْهَام النّاس بُعْداً وقُرْباً.
* فمنها ما هو قريب منْ مدارك النّاس، سَهْلُ المأخذ، سَهْلُ الفهم.
* ومنها ما هو بعيد نسبياً لا تتوصل إليه أفهام الناس ومداركهم إلاَّ بالتأمّل ودقّة الملاحظة، أو بقسط من البحث.
* ومنها ما هو عميق بعيد الغَوْر لا يصل إليه إلاَّ الأذكياء والنُّبهاء والعباقرة، أوْ الباحِثون المنقِّبون.
* ومنها ما لا تستطيع مدارك النّاس الوصول إليه أو الإِحاطة به، وقد أصبحت الآلات الإِلكترونية تقدِّم للعقول نتائج لا تستطيع العقول بأنْفُسِها التوصّل إليها. وهنالك في الغيب علوم لم يُؤْتَ النّاسُ وسائل الوصول إليها، نبّهت على بعضها الوسائل الحديثة، ودلَّ على بحورها العميقة. قول الله في سورة (الإِسراء/١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) :
﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الآية: ٨٥] .
ودلّ عليها قول الله في سورة (لقمان/ ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول) :
стр. 47
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الآية: ٢٧] .
إنَّ المعاني كبحور عظيمة لها سطوح وشواطىء، وتحت السطوح أعماق، وتحت الأعماق أعماق أخرى، وتحت الأعمال أغوار، وتحت الأغوار أغوار سحيقة.
ومِنَ النّاس مَنْ يأخُذ من المعاني ما يصل إلى الشواطىء، ومنَ النّاس منْ يركب بحار المعاني ويجري على سطوحها، ويتناول منَ السطوح أو منَ العمْقِ القريب. ومنَ النّاس منْ يغوص إلى بعض الأعماق، ومنَ النّاس منْ يغوصُ إلى بعض الأغوار، ويتفاوت النّاس في نِسَب غوصهم، وكل منهم يستخرج منْ بحار المعاني على مقدار غوصه، وعلى مقدار استيعابه.
عناصر الجمال في المعاني:
أمّا عناصر الجمال في المعاني فمتنوِّعة، منها العناصر التالية:
العنصر الأوّل: تناسُق الأفكار وترابطها بوشائجها المنطقيّة دون إعنات للفكر، ثمّ تكاملها ولو مع طيّ بعض العناصر التي يمكن أنْ تفهم ذهناً، ولا يشترط التعبير عن وشائج الترابط، بل ربّما يكون طيّ ذلك أحلى وأكثر جمالاً أدبيَّاً.
العنصر الثاني: الانتقال من الجذور والأصول في الأفكار إلى الفروع الكبرى فالصغرى فالأوراق والثِّمار. أوْ مِنَ الفروع إلى الأصول. أمّا الخلط من غير ترابط منطقي فهو قبيح تنفر منه الأذهان، لأنَّها لا تستطيع أن تُجريه في جداولها المنطقيّة الفطرية، ولأنّه يتنافى مع أُسلوب الطبيعة المنظَّمة بأبدع نظام.
العنصر الثالث: محاكاة الواقع بتصوير فنِّيِّ يُبْرِزُ الحركة والحياة والمشاعر، ويعبِّر عن مختلف أبعاد الواقع، ولا يقتصر على التصوير الجامد للأشكال والرسوم الظاهرة.
стр. 48
العنصر الرابع: الصدق في التعبير عن الحقيقة، أو عن المشاعر والأحاسيس، أو عن الآمال والرغائب، أو عمّا يسبح فيه الخيال متأثّراً بمطالب النفوس، وشهواتها، ومطامحها.
العنصر الخامس: ما تشتمل عليه المعاني ممّا يحرّك في النّاس المشاعر الوجدانيّة أو النفسيّة الحلوة، والعواطف الوجدانيّة أو النفسيّة الحلوة، أو يرضي شهوات النفوس.
العنصر السادس: ما يُعجب الأذهان من إشراقات ذكاء، وأفكار جديدة مبتكرة، بشرط أنْ لا تكون قبيحة بطبيعتها.
العنصر السابع: ما يسرُّ الخيال ويعجبه ويُمْتِعُه ممّا يرضي الرغبات النفسيّة التي يتمنّاها الإنسان ويعجز عن الوصول إليها وتحقيقها:
(أ) فمن الحق والصدق ما هو جميل جداً:
إنّ التصوير الفنّي الذي يُبرز في الكلام صورة الواقع المتحدَّث عنه، حتّى كأنّه مُشَاهَدٌ ملموس بحركته وحياته ورونقه وجماله هو من أرفع الأدب وأجمله، وكم من واقع هو أجمل وأكمل من الخيال.
وإنّ الكلام الذي يعبِّر عن الحقائق الفكرية المجرَّدة بطريقة مفهومة سهلة ليِّنة طيّعة في الفكر وفي اللسان، هو من أرفع الأدب وأجمله.
وإنّ الكلام الذي يحدِّد الأحكام الشرعية أو الأحكام القانونية أو مسائل العلوم بوضوح، ودقّة تامّة، ورشاقة وعذوبة لفظ، هو من أرفع الأدب وأجمله.
وإنَّ الكلام الذي يعبِّر تعبيراً صادقاً عن مشاعر النّفس الوجدانيّة أو التخَيُّلِيَّة لدى مُشاهَدةٍ طبيعية أو حادثة إنسانيّة هو من أرفع الأدب وأجمله.
وإنّ الكلام الحلو الذي يُرضي الآمال والمطامع النفسيّة، بإقناعات صادقات، أو بإقناعات توهِم بأنّها صادقات، فتستر بها عورات التلفيق والكذب، هو من أرفع الأدب وأجمله.
стр. 49
أمّا الكلام الذي تنكشف فيه عورات التلفيق والكذب فهو كلام قد تمجُّه النفوس، ولو سِيق لإِرضاء الآمال والمطامع النفسيّة.
وإنَّ الكلام الذي يَصْنَعُ قصصاً مقتبسة ممّا يجري في الواقع نظائرها، هو من أرفع الكلام القصصي وأجمله.
دعوى "أعذب الشعر أكذبه":
أمّا دعوى: "أعذب الشعر أكذبه" فهي دعوى لا أساس لها من الصحّة، لدى التحليل والبحث عن العناصر الجماليّة في الأدب.
إنّ الحقّ إذا لبس ثوباً أدبيّاً جميلاً كان أجمل من الباطل لا محالة، مهما لبس من أثواب جميلة مزخرفة.
إنّ الحُلَّة والحِلْيَة الأدبيَّة اللَّتَيْن يرفل بهما قول الله تعالى في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) :
﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [الآية: ١٧] .
للفكرة الحقِّ التي تبيّن واقع انتصار الحقّ والمحقِّين بعد أحداث الصِّراع بين الفريقين، أجمل من كل أدب يُزيِّن فكرة باطلة لتكون مقبولة محبَّبَة.
ربّما يكون تضخيم الحقّ وتجسيمه في الصورة الأدبيّة عملاً أدبيّاً جميلاً، لأنّ التضخيم والتجسيم في مفاهيم النّاس لون من ألوان البيان والشرح للحقيقة، وبعد الشرح ترجع الحقيقة في تَصَوُّرِ النّاس إلى حجمها الطبيعي.
إنّ الفكرة المشتملة على كذب سخيف ممجوج قد يستعذِبها الذهن لطرافتها، ولكن يمجّها الذَّوق والحسُّ المرهف العارف بألوان الجمال لسخافتها ومجافاتها للحقيقة مجافاةً واسعة المسافة.
стр. 50
في قول المتنبّي:
كفى بجسمي نحولاً أنّني رجل ... لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
وفي قول الآخر:
ولوْ أنّ ما بي من جَوىً وصبابةٍ ... على جَمَلٍ لم يدخل النّار كافر
قد نلاحظ فكرة غريبة لا يتصيّدها إلاَّ شاعر ذَكِيّ، فنُعْجَبُ بطرافتها، ولكنّنا مع ذلك نمُجُّها، لأنَّها تشتمل على دعوى كاذبة سخيفة.
أمَّا حين تكون الفكرة مبتكرة حلوة، وتكون الدَّعوى صادقة في أصلها، مضخَّمة مجسَّمة مبالغاً بها في صورتها الأدبيّة، فإنّ الكلام يكون حينئذٍ أرفع أدباً، وأعلى كعباً، وأوقع في النّفس.
هَلُمَّ فَلْنَلْحظ اجتماع الصدق والأدب الرفيع في قول الله تعالى في سورة (ق/ ٥ مصحف/ ٣٤ نزول) :
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] .
إنَّ في هذه الآية حلاوة فكرة السؤال والجواب. وحلاوة الجواب الذكي الذي لم يكن مباشرة بصيغة: (لم أمتلىء) أو بصيغة (لا) مع كثرة الذين أُلقوا فيها. وإنّما جاء على صغية سُؤال النَّهِم الشَّرِه طالب المزيد: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ ؟!!.
وما دام باستطاعة الإِنسان أنْ ينتقي من الحقّ والصدق عناصر جماليّة لأدبه فما أوفر الحقّ والصدق في بيانات الإِسلام أما الدّعاة إلى الله، وما عليهم إلاَّ أنْ يغترفوا.
(ب) ومن الأفكار الجديدة المبتكرة ما هو جميل جداً:
وكلّنا نلاحظ أنّ النّاس تُعْجِبُهم وتحلو لديهم المعاني الجديدة المبتكرة، ويقولون في عباراتهم الدارجة: لكل جديد لذّة.
стр. 51
فاشتمال الكلام على المعاني الجديدة المبتكرة - دون أنْ تكون قبيحة في ذاتها - هو من عناصر الجمال الأدبي، والزينة الجوهريّة في الكلام.
على أنَّ كلّ فكرة جديدة مبتكرة يستعذبها النّاس ويُعْجَبُون بها، قد تمسي مبتذلة مزهوداً فيها، متى تداولها النّاس واستعملوها كثيراً، باستثناء الأفكار التي هي بمثابة الخبز في الأكل، أو الملح في الطعام، أو الماء والهواء.
وما أوفر المعانيَ الجديدة التي يمكن استنباطها من كتاب الله ، ويمكن إِرضاء عقول النّاس بها، وما على الدّعاة إلى الله إلاَّ أنْ يحسنوا الاستفادة منها.
ومن المبتكرات في المعاني ما تكون جِدَّتُه في الجمع والتركيب.
مثلاً:
إنّ التعبير الساذج عن عدم الْعَدْلِ في مجال الحبّ الذي يعاتب به الإِنسان العادي أميراً ذا مكانة، أنْ يقول له: يا سيّدي إنِّي أُحبُّك حبّاً عظيماً مع المحبِّين ولكنَّك لا تعامل حُبِّي بالعدل كما تعامل الآخرين.
إنَّ مشاعر هذا الإِنسان وقفت عند هذا الحدّ فأعطى هذا التعبير.
لكن المتنبّي بذكائه تجاوز هذه المشاعر الساذجة، فأدرك أنّ سيف الدولة أعدل النّاس، وأدرك أنّه هو الْحَكَمُ لو شاء أنْ يشكوه إلى حَكَم، ثم رجع فأدرك أنّه هو الخصم، ثم استدرك ليكشف أنّ الخصومة على حُبِّه وما يقتضيه هذا الحب.
كل هذه الأفكار والمشاعر قد اجتمعت وتراكبت! وتدخّل الذكاء فأحاط بها معاً، وتدخَّلت القدرة البيانيّة على التعبير عنها مجتمعة بطريقة تُفْهَمُ بلا تعقيد ولا كدٍّ للذِّهْن، فقال المتنبِّي لسيف الدولة:
يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إلاَّ فِي مُعَامَلَتِي ... فِيكَ الْخِصَامُ وأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
стр. 52
(ج) ولإِشراقات الذكاء في الأدب تأثير عظيم جدّاً في ارتفاع المستوى الأدبي:
إنّ التعبيرات غير المباشرة أو المباشرة بساتر عن الأفكار المقصودة بالذات لا تكاد تُحْصَر.
ويتفاوت النّاس فيها بمقدار تفاوتهم في القدرة على تصيّد المعاني التي لها بالأفكار المقصودة صِلَة يمكن عن طريقها الإِشارة إليها، أو الدّلالة عليها، ولو إلماحاً، أو من جانب خفي.
ومن الأسباب الجوهريّة في ارتقاء المستوى الأدبيّ للكلام ما يكون لدى المتكلّم أو الكاتب من قدرة في هذا المجال.
كالقدرة على تصيُّد الأشياه والنظائر، واستخدام بعضها لبعض، في الأمثال والتشبيهات، والاستعارات، وأنواع المجاز التي يُكَنِّي بها الأدب عن مراده، وكالقدرة على معرفة الروابط بين الأفكار، والانتقال فيها بين اللوازم والملزومات، والأجزاء والكل الذي يجمعها، والخاصِّ والعام، والمتناقضات والأضداد، وغير ذلك من المعاني ذات الترابط فيما بينها في الواقع أو في الفكر، فهي تتخاطر معاً ولو كانت متناقضاتٍ وأضداداً، ويستدعي بعضها بعضاً.
ولا بدّ مع ذلك من توافر الذوق الفنّي، والحسِّ الجمالي الرفيع، لوضع هذه الأشياء في مواضعها، بحسب مقتضى حال المخاطب، فرداً كان أو جماعة.
مثلاً:
اعتاد الأُدباء والشعراء أن يُشَبِّهوا الجواد بالبحر، لأنّ البحر ماؤه كثير، وعطاؤه وفير، فهو لا يمنع آخذاً منه، لكن إشراقات الذكاء مكَّنت الشاعر من أنْ يعطي هذا التشبيه المتداول زينةً جديدة مُحَبَّبة بتقسيم البحر إلى لُجَّةٍ وساحل، فقال في ممدوحه:
стр. 53
هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ ... فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ والْجُودُ سَاحِلُهُ
(د) ولتحريك المشاعر الوجدانيّة والنّفسيّة الحلوة تأثير عظيم في ارتفاع المستوى الأدبيّ:
ولا ريب في أنّ النّاس تُعجبهم وترضيهم وتحلو لديهم المعاني التي تحرّك لديهم المشاعر الوجدانيّة والنّفسية الحلوة، والعواطف الوجدانية والنّفسيّة الحلوة، أو تذكّرهم بها.
مثل: مشاعر الحبّ، ولقاءات الأحبّة، وعواطف الحنان والشفقة، ومشاعر الشوق لدى العُشّاق، ومشاعر الإِيمان وأحاسيسه العميقة لدى المؤمنين، ومشاعر العبادة الحلوة لدى العبّاد الصالحين، ومشاعر الفخر والاعتزاز بالأمجاد، ومشاعر الإِحسان وفعل الخير، ومشاعر الأخوّة والصدق والوفاء، ومشاعر الأبوَّة والأمومة وسائر القرابات، ومشاعر العطف على الأيتام، ومشاعر التوبة والندم والرجعة إلى الله، ومشاعر الزهد في الدنيا والتطلُّع إلى النعيم المقيم في الآخرة، ومشاعر التضحية والبطولة والفداء، ومشاعر الإِيثار، ومشاعر البرّ والتّقوى، ومشاعر التحدِّي والصمود وآمال النصر على الطغاة والبغاة وعُبَّاد الشيطان.
وما أوفر المعاني التي تحرِّك هذه المشاعر الحلوة لدى الدّعاة إلى سبيل الله، وما عليهم إلاَّ أنْ يُحْسِنُوا الاستفادة منها.
ثمّ إنّ المشاعر النّفسيّة والوجدانيّة منها ما هو ساذج بسيط، ومنها ما هو مركَّب متفاصل، ومنها ما هو مركَّب متداخل معقّد.
ويرتقي مستوى الكلام الأدبي لدى عِلْية الأدباء، ولدى العامّة أيضاً، بقدر ارتقاء المشاعر التي يأتي التعبير عنها ولو بطريقة مباشرة.
ويصلح مثالاً لهذا سموُّ المشاعر في قول المتنبِّي لسيف الدولة:
إنْ كَان سَرَّكُمُو مَا قَالَ حَاسِدُنَا ... فَمَا لِجُرْح إِذَا أَرْضَاكُمُو ألَمُ
стр. 54
يَامَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ ... وِجْدَانُنا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ عَدَمُ
ومركب المشاعر في قوله له:
يَا أَعْدَلَ النَّاسِ إلاَّ فِي مُعَامَلَتِي ... فِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ
المشاعر الوجدانيّة والنّفسيّة في الدّعوة إلى الله:
وإذا كان للمشاعر الوجدانيّة والنّفسيّة هذا الأثر في ارتقاء مستوى الكلام الأدبيّ، وفي تأثيره القويّ على النّفوس، فإنّ لدى الدّعاة إلى الله كنزاً عظيماً من المشاعر التي يتيسّر لهم الانتفاع منها في تحقيق أهداف الدّعوة، وفي رفع مستوى كلامهم الأدبيّ.
ولكن لا بدّ من أنْ نُنَبِّه على عنصر مهم جدّاً، ألاَ وهو أنّ يكون المتكلِّم منفعلاً حقَّاً في عمق وجدانه ونفسه، بالمشاعر التي يريد التعبير عنها، ويحرص على تحريكها في أعماق سامعيه أو قارئيه.
إنّه كلَّما كانت مشاعر الداعي حول ما يدعو إليه من دين الله أعمق، وكان إحساسه بها أعنف وأوضح، كان تأثيره في سامعيه أكثر وأعمق، ولذلك نجد تأثير المخلِصين عظيماً.
وحين تقترن بهذه المشاعر الصادقة العميقة قدراتٌ أدبيّة على البيان، وتجارب مختلفات في ميادين التعبير الأدبي عن الأفكار وعن الأحاسيس والمشاعر النفسيّة أو الوِجْدَانيّة، فإنَّ القدرة على التعبير عن هذه المشاعر تكون أكمل وأوفى، ثم يكون الكلام أكثر نفاذًا إلى أعماق سامعيه أو قارئيه، وأكثر تحريكاً لمشاعرهم.
ويرتقي الدّاعي إلى سبيل الله في تعبيراته الأدبيّة البليغة ضمن دعوته بمقدار ارتقاء تجاربه الإِيمانيّة، وتجاربه الوجدانيّة، ومشاعره النّفسيّة الحلوة، في مجالات
стр. 55
الصّلة بالله، والطاعة له، والتوبةِ والنَّدَمِ، وعطاءات الخير، والتطبيقات الإِسلاميّة المسعدة للنفوس، والمريحةِ للضمائر، والْمُمِدَّةِ للقلوب بالطمأنينة ...
***
منثورات في عناصر الجمال الأدبي
أوّلاً: الأسلوب البياني:
من عناصر الجمال الأدبي في الكلام ملاءمة أسلوبه البياني للأمور التالية:
(أ) للهدف العام من الكلام.
(ب) للمضمون الفكري في الموضوع العامّ الذي يجري فيه الكلام، وفي الفكرة الخاصّة التي يَتَحَدَّث عنها.
(ج) لوضع المخاطب وحالته الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعية.
(د) لِلْمُنَاخ النفسيّ العام الذي يُلقى فيه، أو يوجَّه له، فالمناخات النفسيّة كثيرة، ولكلٍّ منها أسلوب بياني يلائمه.
وللتوصّل إلى الملاءمة المطلوبة التي هي عنصر مهمٌّ جداً من عناصر الجمال الأدبي لا بدّ من ملاحظة الأمور التالية بعناية ودقّة:
(١) ملاحظة حال المخاطبين أو الّذين يُوَجَّه لهم الكلام وذلك بصفة عامّة.
ويدخل في هذا ملاحظة بيئتهم العامّة، ومفاهيمهم السائدة بينهم.
(٢) ملاحظة الحالة النّفسية والفكريّة والاجتماعية التي يكون عليها المخاطبون بصفة عامّة.
ويدخل في هذا ملاحظة حالات السلم والحرب والأمن والخوف، وسعة الرزق والجوع، والنّصر والهزيمة، والإِيمان الكُفر والنِّفاق، والطمع واليأس،
стр. 56
والمسرّة والحُزْن، والصفاء والكَدَر، ونحو ذلك من الأحوال النفسيّة الخاصّة، التي يستدعي كلٌّ منها ما يلائمه من أساليب البيان.
ويدخل في هذا أيضاً ملاحظة حالات الذّكاء والغباء، وطمأنينة الفكر واضطرابه، والعلم والجهل، ونحو ذلك من الأحوال الفكريّة التي يستدعي كلٌّ منها ما يلائمه من أساليب البيان.
ويدخل في هذا أخيراً ملاحظة الحالات الاجتماعيّة، كالبداوة والتحضُّر، والرفعة والضِّعة، والقوَّة والضعف، والقيادة والانقياد، ونحو ذلك من الأحوال الاجتماعية التي يستدعي كلٌّ منها ما يلائمه من أساليب البيان.
(٣) ملاحظة الظرفين الزماني والمكاني اللَّذين يُقَالُ فيهما أو يُعدُّ لهما لكلام.
فمن الأساليب البيانيّة ما يلائم ظرفاً من الظروف الزمانيّة أو المكانيّة، في حين أنّه قد لا يلائم ظرفاً آخر.
إنّ ما يلائم في مواسم الأعياد، قد لا يلائم في أوقات التحريض على الجهاد، وما يلائم في مكان الفرح، لا يلائم في كان التَّرَح، وما يلائم في مواطن تأدية النُّسُك، قد لا يلائم في أسواق البيع والشراء، وكذلك العكس، وقس على هذه المتخالفات.
(٤) ملاحظة الْمُنَاخ النفسيّ العام، فالمناخات النّفسيّة كثيرة، ولكلٍّ منها أُسلوب بيانيّ يلائمه.
ومنْ أمثلة الْمُنَاخات النّفسيّة: المناخ الخطابي، الْمُناخ الحربي، المناخ العاطفي، مناخ السفر، مُنَاخ الحضَر، مُنَاخ الخوف، مناخ الطمَع، مناخ القلق، مناخ الهدوء والسكينة، مناخ الغضب، مناخ الرِّضا، مناخ التربية والتعليم، مناخ الموعظة والإِرشاد، مناخ الخصومة والجدل، مناخ الطلب والاستجداء، مناخ الدُّعاء، وهكذا إلى مُنَاخات كثيرة أخرى.
стр. 57
الشرح:
منَ المعلوم أنّ المتكلّم لا بدَّ أنْ يكون ذا هدف من كلامه، وللوصول إلى الهدف المقصود من القول أساليب بيانيّة كثيرة، ولكل هدف أساليب تناسبه.
وملاءمةُ الأسلوبِ البيانيّ للهدف من الكلام هي فيما أرى رُكن أساسي وجوهري لارتفاع مستوى الكلام الأدبي البليغ.
* فحين يكون غرض الكلام مثلاً أنْ يُحْدِث تأثيراً إقناعياً، يكون الأسلوب البياني الأكثر إقناعاً وتأثيراً في هذا المجال هو الأكثر أدباً، والأرفع منزلة في هذه الحالة.
* وحين يكون غرض الكلام أنْ يُحْدِث انفعالاً حماسيّاً، ويستثير خلق الشجاعة والبسالة والإِقدام، يكون الأسلوب البياني الأكثر إثارة للحماسة واستثارة للبسالة والشجاعة والإِقدام هو الأكثر أدباً، والأرفع منزلة في هذه الحالة.
* وحين يكون غرض الكلام أنْ يُثِير الغضب أو يُحْدِث الغيظ، يكون الأسلوب البيانيّ الأكثر إثارة للغضب أو إحداثاً للغيظ، هو الأكثر أدباً، والأرفع منزلة في هذه الحالة.
فمن أرفع الأدب في هذا المجال قوله الله تعالى في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) بشأن المنافقين الّذين إذا خلَوا عضُّوا أناملَهم غيظاً من المؤمنين:
﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [الآية: ١١٩] .
وقول الله تعالى بشأن المشركين الذين يَكْرَهُوَن ظهور الإِسلام وانتصاره في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/١٠٩ نزول) :
﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ [الآية: ٩] .
стр. 58
ولكنّ الإِسلام قد عزل السباب والشتائم عن أدبه، وأوصى المسلمين بذلك، فقال الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/ ٥٥ نزول) :
﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الآية: ١٠٨] .
كما عزل عن أدبه ما يسمّى بالأدب المكشوف أو أدب الفراش، وسَتَرَ القرآن عوراتِ هذا المجال بالكنايات والعمومات، مثل:
﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء﴾ [النساء: ٤٣] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء﴾ [آل عمران: ١٤] ﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، [الأحزاب: ٤٩] ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: ٣، ٤] ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
* وحين يكون غرض الكلام تحقير من يوجّه الكلام ضدّه، أو السخرية منه، يكون الأُسلوب البيانيّ الأكثر تحقيقاً لهذه الغاية هو الأكثر أدباً، والأرفع منزلة في هذه الحالة، بشرط أن لا يعكس الأثر على موجِّه الكلام.
* وحين يكون غرض الكلام أنْ يستعطف من يُوَجَّهُ له، فيحرِّك لديه عاطفة الشفقة، أو الرحمة أو يحرِّك لديه خُلُق الجود، أو نحو ذلك، يكون الأسلوب البياني الأكثر تحقيقاً لهذه الغاية هو الأكثر أدباً، والأرفع منزلة في هذه الحالة.
* وحين يكون غرض الكلام التودّد والتحبّب لمن يوجّه له الكلام، يكون الأسلوب البياني الأكثر تحقيقاً لهذه الغاية هو الأكثر أدباً والأرفع منزلة في هذه الحالة.
* وحين يكون غرض الكلام استرضاءَ مَنْ يُوَجَّهُ له الكلام صراحة أو ضمناً، في دافع من دوافع نفسه، كالكِبْر، أو العُجْبِ بالنفّس، في جمالٍ، أو علمٍ أو حَسَبٍ، أو نَسبٍ، أو مكانةٍ اجتماعية، أو قُدْرَةٍ إداريّة، أو حِكْمَةِ أو حُنْكَةٍ، أوغيرِ ذلك، يكون الأسلوب البياني الأكثر تحقيقاً لهذه الغاية هو الأكثر أدباً والأرفع منزلة في هذه الحالة.
стр. 59
وهكذا في سائر أغراض الكلام.
ولكلّ غرض من أغراض الكلام أساليبُ تُنَاسبه، فما يصلح في مجال الحماسة لا يصلح في مجال الإقناع، وما يحلو في الخطابة لا يحسن في مقام التعزية، وما يحسن في الجدل لا يحسن في مقام الاعتذار، وما يلائم بثّ الوَجْد، قد لا يلائم اسْتِجْدَاءَ الرَّفْد، وما يُنَاسِبُ المدح قد لا يناسب الهجاء.
وذوق الأديب البليغ يُحِسُّ بوجوه الملاءمة أوعدمها بين أساليب الكلام وبين الأهداف منه، فيتحَرَّى أفضل الأساليب مُلاَءَمَةً للهدف الذي يقصده من كلامه.
ولا غَرْوَ أنَّ بعض الأساليب الملائمة للهدف أكثر ملاءمة وأعظم تأثيراً من بعض.
ثمّ لكل صنف من أصناف المخاطبين، ولكلّ حالٍ من أحوالهم الفكريّة والنفسيّة والاجتماعية أساليبُ ملائمة، وأساليبُ غير ملائمة، وعلى المتكلِّم البليغ أنْ ينظر في صنف من يريد توجيه كلامه له، وأنْ ينظر في حالته الفكرية والنّفسيّة والاجتماعية، ويُحسن اختيار الأسلوب الكلامي الذي يُلائمه ويؤثّر فيه فرداً كان أو جماعة.
فمن أصناف النّاس: عامّة وخاصّة، وجاهلون وعلماء، وأغبياء وأذكياء ودَهْمَاء وأمراء، وبُدَاة جفاةٌ ومتحضِّرون، وأهلُ حِلْم وعقل، وأهلُ خِفّة وطَيْش، ومنهم من يُمْلَكُ من طريق عاطفته، ومنهم من يُمْلك من طريق عقله.
وهكذا تختلف أصناف النّاس اختلافاً كثيراً، ولكل صنف منهم أساليب من القول تلائمه، وتكون أكثر تأثيراً في من أساليب أخرى.
ونظير اختلاف النّاس اختلاف أحوالهم الفكرية والنّفسيّة والاجتماعية، فما يلائم الإِنسان وهو هادىء الفكر قد لا يلائمه وهو مشوّش الفكر مضطربه، وما يلائمه وهو في حالة الرضا قد لا يلائمه وهو في حالة الغضب، وما يلائمه وهو
стр. 60
فقير ذليل قد لا يلائمه وهو في سَعَة من المال وعِزّ، وما يَصْلُح له من الخطاب وهو وحده قد لا يصلح له وهو بين النّاس.
وهكذا إلى سائر اختلاف الأحوال، ولكل حال أساليبُ من القول مناسبة، وبعضها أكثر مناسبة وملاءَمة وتأثيراً من بعض.
وفي هذا المجال الذي تختلف فيه أهداف الكلام، وتختلف فيه أصناف المخاطبين، وتختلف فيه أحوالهم، تتفاوت مراتب البلغاء والبيانيِّين.
ما هو المراد من الأسلوب البياني؟
قد لا نستطيع حصر الأساليب البيانيّة وإنْ حاولنا ذلك، ولكنّنا نستطيع توضيح المراد من الأسلوب البياني بذكر طائفة من الأساليب الكلاميّة التي إذا كانت ملائمة للغرض العام من الكلام، والوضع العام للمخاطب، والحال الخاص له، والْمُنَاخ النفسيّ العامّ، كانت أسلوباً بيانيّاً مُرْتَقِياً في معارج البلاغة الراقية، والأدب الرفيع.
فمن الأساليب الكلاميّة مايلي:
(١) أسلوب الْعَرضِ المباشر الصريح للفكرة المراد الإِعلام بها، أو العرض الملامس بساتر.
(٢) أسلوب العرض غير المباشر الذي يُعْتَمَدُ فيه على مقدار ذكاء المخاطب، ويدخل في أسلوب العرْض غير المباشر التعريضُ والتَّلمِيح، ومعاريض الأقوال، والإِشارةُ الخفيّة، وفحوى الكلام، ولهذا الأسلوب صُوَر كثيرة جداً.
(٣) أسلوب الإِطناب وعرض الفكرة مبسّطة موضّحة من كل جوانبها، ولهذا الأسلوب مراتبُ وصُوَر كثيرة، وهذا الأسلوب يناسب أصنافاً من النّاس، وأغراضاً معيّنة من الكلام، وأحوالاً خاصّة للمخاطبين.
стр. 61
(٤) أسلوب الإِيجاز والاختصار، ولهذا الأسلوب أيضاً مراتب وصُوَر كثيرة، وأسلوب الإِيجاز والاختصار يناسب أصنافاً من النّاس، كالأذكياء، والأمراء، وأهدافاً معيّنة من الكلام، وأحوالاً خاصّة للمخاطبين.
(٥) أسلوب الترغيب، وله مراتب وصُوَر كثيرة، وهو في الغالب يلائم معظم النفوس الإِنسانيّة، لما أودع الله فيها من مطامع.
(٦) أسلوب الترهيب، وله أيضاً مراتب وصوَر، وهو كأسلوب الترغيب يلائم في الغالب معظم النّفوس الإِنسانيّة، لما أودع الله فيها من حذر وخوف.
(٧) أسلوب العُنْفِ والقسوة، وهو يلائم بعض النّاس وفي بعض الأحوال.
(٨) أسلوب الرِّقَّة واللّين.
(٩) أسلوب الإِثارة للعواطف والانفعالات، وكثيراً ما يكون هذا الأسلوب نافعاً ومجدياً في الحماسة والخطابة.
(١٠) أسلوب الإِقناع الفكري الهادىء.
(١١) أسلوب الجدل.
(١٢) أسلوب الكتابة التَّقْنِينيَّة، والكتابة العلميّة المحرّرة، والمحدِّدَة للمقاصد بنصوص بعيدة عن الاحتمالات الأخرى.
وهكذا تختلف أساليب الكلام، وكلُّ منها يناسب أهدافاً معيّنة، وأصنافاً معيّنة من النّاس، وأحوالاً خاصّةً للمخاطبين، ومُنَاخَاتٍ نفسيّةً عامّة، وقد يجتمع عدد من أساليب الكلام في كلام واحد حينما لا تكون متنافية، أو حينما يلائم بعضها بعضاً.
مثال:
ولتقريب فكرة اختلاف الأساليب البيانيّة التي يُتوخَّى منها تحقيق الغرض من
стр. 62
الكلام، ويُرَاعَى فيها أوضاع المخاطَبين وأحوالهم، نضرب المثال التالي:
نضع في هذا المثال مطلباً من المطالب التي قد يراد الإِعلام بها، بغية تحقيقها، ثم ننظر إلى طائفة من الأساليب الكلاميّة التي يمكن أنْ يُتَوَصَّل بها إلى الإِعلام بالمطلوب.
وهنا لا بدّ أنْ نرى من الأساليب ما هو ساذج صريح، يتناول الطَّلب مباشرة، ثمّ نرى من الأساليب من يدلّ على المطلوب دلالة غير مباشرة، ويُعْتَمَدُ فيها على ذكاء المخاطبَ وقدْرَتِه على إدراك المطلوب من خلال إشارات القول ومعاريضه.
ومن المسلَّم به أنّه كلّما كان المخاطب أكثر ذكاء ورغبةً في تَلْبية الطلب، كان إخفاء الإِشارة إلى الطلب في أسلوب القول الدّال عليه لدى مخاطبته أعلى منزلة من الناحية البيانيّة، وأكثر بلاغة، هذا من غير النّصوص التي يُقصد منها تثبيت أحكام بعيدة عن الاحتمال الذي قد يُفهم منه غير المراد.
وهنا تتكاثر الأساليب التي تشير في خفاء إلى المطلوب، وبعضها أرقى من بعض، أو أعذب وأحلى، أو أبدع أو أكثر نفعاً وتأثيراً.
ولنفرض أنَّ عدداً من النّاس كلُّ واحد منهم يُريدُ الحصول على كأس ماء يروي ضمأه، وهم متفاوتون في قدراتهم البيانيّة، وحاول كل واحد منهم الإِعلام بما يريده.
أمّا الساذج منهم فيأمر أمراً بإحضار كأس الماء الذي يريد بطريقة لا لِينَ فيه ولا حِلْيَة، وقد يكون هذا الأسلوب هو الأبلغ في مخاطبة بعض النّاس، وفي بعض الأحوال والأوضاع، لا سيما في طلب الأكبر من الأصغر، فالأسلوب البياني الأبلغ حينئذٍ هو الطلب بالأمر المباشر، والأوامِرُ العسكرية من القادة إلى الجنود قد لا ينفع فيها إلاَّ مِثْلُ هذا الأسلوب المباشر الجاف، لمقتضيات التدريب على الانضباط العسكري، وكذلك شأن القرارات والمراسيم والأوامر التي توجّهها
стр. 63
سلطات الحكم، ومن هذا الباب التكاليف الشرعية فيها أوامرُ ونواهٍ، مثل: "أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وافعلوا الخير، ولا تقتلوا النّفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تسرقوا، ولا تزنوا" ومع ذلك فإنّنا نلاحظ معظم التكاليف الشرعية تقترن بتَطْرِيةِ الترغيبِ والترهيب، وبيانِ الحكمة، والتمهيد بالمقدِّمات، والتلطّف بالنداء التكريمي، مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ومثل: ﴿ياعبادي﴾ [الزمر: ٥٣] .
وترتقي من فوق الأمر المباشر الجافّ أساليبُ الإِعلام بالطلب، فيأتي أسلوب الطلب المقترن بما يشعر بتكريم المخاطب، ومن أمثلة ذلك في موضوع طلب كأس الماء "من فضلك أعطني ماء".
ثمّ يأتي فوقه أسلوب الشكر على تحقيق المطلوب قبل تحقيقه، ومن أمثلة ذلك: "أشكرك على كأس الماء الذي ستقدّمه لي".
ثمّ يأتي من فوق ذلك أسلوب التلميح والتعريض، ولهذا الأسلوب صور كثيرة، ودرجات بعضها أرقى وأعذب من بعض ومن أمثلة هذا الأسلوب:
(١) ماؤكم عذب لا يشبَعُ منه الشاربون.
(٢) الحرُّ شديد يورث الظمأ.
(٣) طعامكم طيِّب ولذيذ أكْثَرْنَا منه فألهب الأكباد.
وهكذا من أمثلة المعاريض التي لا تحصر.
أَلَسْنا نلاحظ أنّ الهدف المطلوب تحقيقه واحد في كلّ الأساليب السابقة، إلاَّ أنّ الأساليب البيانيّة للإِعلام بالهدف قد تفاوتت تفاوتاً كثيراً.
ومع تفاوت الأساليب البيانيّة وارتقاء بعضها فوق بعض، نؤكد أنّه ربّما كان الأدنى منها أصلح وأجدى من الأساليب التي هي أرقى، مع بعض المخاطبين، أو في أوضاع وأحوال خاصّة، أو في موضوعات معيّنة أو بالنسبة إلى أهدافٍ
стр. 64
خاصّة من الكلام. وعندئذٍ يكون الأدنى في أسلوبه البياني هو الأبلغ لتحقيق الهدف، كشأن أساليب التربية.
ومن أجل ذلك لا بدّ من النّظر إلى الأسلوب البياني ومرتبته من جهة، وإلى ما يَقْتَضيه الهدفُ وإلى وضع المخاطب وحاله من جهة أخرى.
ومن هذا تبيّن لنا أنّ الأساليب البيانية تختلف أنواعها اختلافاً كثيراً، وأنّ الأهداف من الكلام، وأوضاع المخاطبين وأحوالهم، والموضوعات العامّة التي يجري فيها الكلام، والمضامين الفكرية التي يراد الدلالة عليها، والْمُنَاخات النّفسية والاجتماعية التي يوجّه فيها الكلام، تختلف اختلافاً كثيراً أيضاً.
والبليغ حقاً هو الذي يُحْسِنُ الملاءَمَة بين أسلوبه البياني وبين الهدف الذي يقصده، والموضوع الذي يتحدّث فيه، ووضع المخاطب الذي يُوَجِّهُ له كلامه، وحاله التي هو عليها، وسائر الأمور التي يمكن أن يُلائِمَها أسلوب من الكلام ولا يلائمها أسلوب آخر.
ولا بد من الإِشارة هنا إلى أنّ هذه المَلاءَمَة في الأسلوب البياني، ليست هي كلَّ شيء في تحديد الجمال والأدبي، بل توجد عناصر جماليّة أخرى كثيرة، قد يشتمل عليها الكلام أو لا يشتمل عليها مع مراعاة الملاءمة في الأسلوب البياني.
ونظرةٌ في مختلف الأساليب البيانيّة تجعلنا نمرُّ على أسلوب العرض المباشر الجاف، فأسلوب العرض المباشر المغلّف بما يلطِّفه ويخفّف جفافه، ونمرُّ على الأسلوب الساذج البسيط، فما هو قريب منه. وقد يلطِّف العرضَ المباشر التشبهُ والتمثيلُ فيجعلُه ملموساً بساتر، والمحسِّنات اللّفظية، وأنواع من الزينة المعنوية، ودَعْمُ الخبر بالمؤكدات والشواهد، ودَعْمُ الطَّلَب بالمبرّرات والترغيب والترهيب.
ثمّ نمرّ على أساليب العرض غير المباشر التي يدخل فيها التعريض،
стр. 65
والتلميح، والكناية، والقصّة، وضرب الأمثال، وتَرْكُ صِيَغ الطلب إلى صيغ الْخَبَر الذي يراد منه الطلب، إلى غير ذلك من الأساليب البيانية الكثيرة التي لا يُعرض فيها المطلوب بشكل مباشر، وقد يقترن أسلوب العرض غير المباشر بما يؤكد الخبر الذي تضمّنه الكلام، أو بما يحرِّض على تحقيق المطلوب في الكلام، كالترغيب والرهيب.
وأصحابُ الذَوق البياني الرفيع يُحسنون استخدام الفنون البلاغيّة التي يذكرها علماء البلاغة، وفنوناً أخرى يبتكرونها، فالفنون البيانيّة لا تُحصر، والفكر الإِنساني مؤهل لأن يبتكر فيها بدائع وروائع جديدة، تهديه إلى خصائص الإِبداع الفنّي التي وهبها الله للإِنسان.
والدعاة إلى الله مطالبون بتدريب أنفسهم لاكتساب هذا الذوق البياني، ولاكتساب المهارة في صناعة الكلام الرفيع، ثم هم مطالبون بتسخير أدبهم في دعوتهم إلى سبيل ربِّهم، اقتداءً بنبيّهم ورسولهم محمد ﷺ ، واقتباساً من المنهج القرآني في بلاغته العظيمة.
ثانياً - التنويع والتنقّل والتلوين:
ومن عناصر الجمال الأدبيّ الذي يزيد الجمال جمالاً، والحسن حسناً وبهاء، التنويع والتنقّل والتلوين بين الصور والأشكال الجماليّة في الكلام.
إنّ التزام الأديب لطريقة واحدة من الجمال الأدبيّ يكرّرها باستمرار في كلامه أو في معظم كلامه، ممّا يجعل مشاعر سامعيه أو قارئيه تَتَبَلّد تجاه هذا اللون من الجمال، فتفقد ما كنت تحسّ به من استعذاب وحلاوة وطلاوة، ويدبّ السأم إليها، ولو أنَّ أدبه كان كالمنِّ والسلوى، لأمست مشاعرهم أمام التزامه الوتيرة الواحدة كنفوس بني إسرائيل.
لمّا أكثر طه حسين من استخدامه للون جميل في الكلام هو الاستفادة من
стр. 66
عكس الكلام للدلالة على فكرة أخرى، غدا هذا اللون بعد حين مادّة لتندّر بعض المقلّدين الساخرين.
وهذا العكس في الكلام هو ما كان على وزن العبارة المشهورة: "كلام الأمير أمير الكلام" ونقول في نظائرها:
"الجمال الأدبيّ وأدب الجمال" - "الطَّبْعُ الْحَسَنُ والْحُسْنُ المطبوع".
"شعراءُ العلماء وعُلَمَاءُ الشعراء" - "روائع النَّثْرِ ونَثْرُ الرَّوَائع".
ومن التزام الوتيرة الواحدة المملّة ما نجده في مقامات الحريري على الرّغْم من حلاوة بعضه لأوّل مرة، لكنّ التّنقّل في الألوان الأدبيّة، والتنويع في استخدام العناصر الجمالية في الكلام، من الأسباب التي تجدّد إثارةَ الانتباه للإِحساس بالجمال، وتجدّد الاستمتاع بلذّة الأدب الجميل، وترفعه إلى مستوى الروائع، وتَمْنَعُ تسلُّل والْمَلَلِ إلى نفوس المستمعين أو القرّاء.
إنّ التَّنَقُّل مثلاً في النَّثْر من المتوازنات القصيرة، إلى المتوازنات الطويلة، إلى المتفاوتات الرشيقة ضمن نسق معجب جميل أَحبُّ إلى النّفوس الحضاريّة الذوّاقة للجمال من الثبات على وتيرة واحدة منها.
ثم إذا استطاع الأديب أنْ يُلاَئِمَ بين المضامين الفكرية وبين الأسلوب الذي اختاره كان ذلك أكثر إعجاباً وإبداعاً.
وكذلك التَّنَقُّل من الخبر، إلى التساؤل، إلى الجواب، إلى التمنِّي فإلى الخبر، فإلى الحوار والمناقشة، فإلى الْجَدَلِ، فالْحَماسة، فالمنطقيّة العقليّة، فالعاصفة، فالحديثِ الهادىء، إلى غير ذلك من ألوان وفنون بيانيّة، مع شرط الملاءمة، وعدم التنافر الجمالي.
ومع التنقّل ينبغي للأديب أنْ يكون قادراً على الإِحساس بالتحوّلات النّفسيّة لدى من يُوَجِّهُ له كلامه، ليختار من أساليب القول ما يلائم الحالة النّفسيّة التي
стр. 67
وصل إليها. إنّ هذه القدرة على هذا الإِحساس، مع القدرة على التكيُّف السريع والانتقال إلى الأسلوب الأدبيّ الجديد الملائم، هي الوسيلة البارعة الموصلة إلى امتلاك الألباب والقلوب والنّفوس بأدب رفيع.
ومهما كان الأديب أقدر على هذا التكيُّف، مع اختيار اللّون الأدبيّ الملائم، وأقدر على استخدام مختلف الأساليب في كلامه، والتَّنقُّل البارع بينها من غير تكلُّف ولا قفزات منفّرات، كان أكثر أدباً، وأرفع أسلوباً، وأقدر على امتلاك من يُوَجِّه له كلامه.
ولنا في هذا بكتاب الله العظيم أسوةٌ رائعة، فمن خصائص الإِعجاز القرآني التنويع البديع الرائع في الأساليب، مع ملاءمة كلّ نوع من أنواع الأساليب للمضمون الفكري الذي يُرَادُ بيانه في النَّظْم القرآني المنزَّل.
***
ثالثاً - تزيين الأفكار المقصودة بالذات بأفكار أخرى:
ومن عناصر الجمال الأدبيّ تزيين الفكرة المقصودة بالذات بأفكار أخرى عن طريق التمهيد أو المقارنة أو التذييل.
(١) فالتمهيد يكون بعرض أفكار تمهّد للأفكار المقصودة بالذات، وتزيِّنُها وتجعلها مقبولة.
كالتمهيد بمَقُولة إقناعيّة تتضمّن ضرورة العناية بالصحة، والمحافظة عليها، قبل التّحذير من شرب الخمر، أو من شرب الدخان، أو نحو ذلك من الأمور الضارّة بالصّحة.
وكاستثارة عناصر الإِيمان قبل توجيه التكليف.
وكالتمهيد بعبارات تشعر بتكريم المخاطب والتلطّف معه، بحسب مكانته
стр. 68
الاجتماعية بين قومه، ومن ذلك الديباجات التي يُقدِّم بها الناس خطاباتهم للملوك والعظماء والرؤساء.
وأمثلة هذا التمهيد كثيرة في القرآن العظيم ومنها:
(أ) قول الله لرسوله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزل) :
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ [الآية: ١٥٩] .
فقول الله لرسوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] تمهيد حلو في ثناء وتكريم، لتحذير ضمني من شيء غير واقع حتماً، ألاَ وهو الفظاظة وغلظ القلب الذي جاء بصيغة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ثمّ نلاحظ أنَّ الجملتين معاً كانتا تمهيدين رائعين لتوجيه التكليف بقوله تعالى لرسوله: ﴿فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] . (ب) قوله الله تعالى في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزل) : ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الآية: ١٦٤] .
إنَّ هذه الآية بمضامينها قد كانت تمهيداً يهيِّىء نفوس المؤمنين لتقبّل تلويمهم على ما بَدر منهم من تذمُّر واستنكار لبعض المصائب التي أصابتهم في أعمالهم الجهاديّة، بأسباب من عند أنفسهم، وهو ما جاء في الآية التالية للآية السابقة:
﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هاذا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] .
(ج) وقد علّم الله موسى أن يُمهِّد لفرعون بمقدِّمات العرض الرفيق جدّاً،
стр. 69
قبل أنْ يوجِّه له الدَّعوة المقصودة، وهي أنْ يتزكّى أي يتطهّر من الكفر والطغيان والظلم والعدوان.
فقال له كما جاء في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزل) :
﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى * وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ [الآيات: ١٧ - ١٩] .
فأدب الدعوة لعظيمٍ بلغ به الأمر إلى ادّعاء الربوبيّة، قد اقتضى اتّخاذ الحكمة في دعوته، بتقديم مقدمات العرض الرفيق المهذّب جدّاً، دلَّ عليها في النص: ﴿هَل لَّكَ إلى أَن﴾
لقد كان يفكي أنْ يقول له: أدعوك أنْ تزكّى. أو يكرّمه قليلاً بصيغة العرض الاستفهامي: هل تتزكَّى، أو يكرمه أكثر فيقول له: هل ترى أن تتزكّى، أو نحو ذلك.
لكنّ الله علّم موسى أنْ يفرش لفرعون مقدّمات تكريم أكثر تناسب مكانة فرعون في قومه، وقد جاء التعبير عن هذه المقدّمات الطويلة نسبيّاً بقوله: ﴿هَل لَّكَ إلى أَن تزكى﴾
فأطال المقدّمات بحسب عادات القوم، واختصر المطلوب الأساسي، فقال ﴿تزكى﴾ بدل ﴿تتزكّى﴾
(٢) والمقارنة تكون بإلباس الفكرة المقصودة ثوباً من فكرة أخرى تقبَّلها المخاطب أكثر من تقبُّلِه الفكرة المقصودة عارية مجرّدة.
وتطبيق ذلك يكون باستخدام الأساليب غير المباشرة التي سبق شرحها بتفصيل.
(٣) والتذييل يكون بعرض الأفكار المقصودة بالذّات أوّلاً، وإتباعها بما يُزّينها ويجعلها مقبولة.
стр. 70
كالإِتيان بالفكرة ثم بإتباعها بالاستدلال عليها استدلالاً برهانياً أو دون ذلك. بإتباعها بالوعد المحبوب ترغيباً بها، بالوعيد المكروه ترهيباً منها وتحذيراً. أو بإتباعها ببيان دواعيها المنطقيّة، أو دواعيها الالتزاميّة، ومن الدّواعي الالتزاميّة التذكير بعهد الإيمان والإِسلام، أو بسوابق الوعود والعهود، ونحو ذلك.
والأمثلة القرآنية على هذا النوع كثيرة جداً.
فمنها قول الله تعالى في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :
﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٢٢] .
فأَمَرَ الله بالعفو والصفح، ثمّ أتبعه بعرضٍ فيه الوعد بالمغفرة لمن يعفو ويصفح. ونجد في القرآن آيات كثيرةً مختومة بنحو قوله تعالى:
﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ [التوبة: ٤، ٧] . ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] ، [المائدة: ١٣] . ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢] . ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨] . ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ [القصص: ٧٧] . ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ [آل عمران: ٣٢] ممّا يشير إلى الوعد أو الوعيد بعد بيان المطلوب من فعل وترك.
***
رابعاً - ضرب الأمثال:
ومن عناصر الجمال الأدبيّ الرفيع في الكلام ضرب الأمثال، بشرط أن تتوافر فيها الشروط الفنِّية للأمثال، وتستجمع الشروط الأساسيّة العامّة للكلام البليغ.
ويشترط في ضرب المثل أنْ يكون له غرض بيانيّ، لا أنْ يكون مجرّد عبث في القول.
стр. 71
ولدى تتبُّعي للأمثال القرآنيّة وجدْتُ أنَّ أهمّ الأغراض التي يحسن أنْ يقصدها البلغاء هي الإغراض الأخلاقية والتربوية التي هدَفَتْ إليها الأمثال القرآنيّة، تتلخّص بالأغراض الست التالية:
الغرض الأوّل: تقريب صورة الممثَّل له إلى ذهن المخاطب عن طريق المَثَل.
الغرض الثّاني: الإِقناع بفكرة من الأفكار، وهذا الإِقناع قد يصل إلى مستوى إقامة الحجّة البرهانيّة، وقد يقتصر على مستوى إقامة الحجّة الخطابيّة، وقد يقتصر على مجرّد لفت النّظر إلى الحقيقة عن طريق صورة مشابهة.
الغرض الثّالث: الترغيب بالتزين والتحسين، أو التَّنفيرُ بكشف جوانب القبح، فالترغيب يكون بتزيين الممثّل له وإبراز جوانب حسنة، عن طريق تمثيله بما هو محبوب للنّفوس مرغوب لديها. والتنفير يكون بإبراز جوانب قبحه، عن طريق تمثيله بما هو مكروه للنّفوس أو تنفر منه.
الغرض الرابع: إثارة مِحْوَر الطّمع، أو مِحْوَر الخوف لدى المخاطَب، ففي إثارة محوَر الطمع يتّجه الإِنسان بمحرّض ذاتيّ إلى ما يُرَادُ توجيهه له، وفي إثارة محور الخوف يبتعد الإِنسان بمحرِّض ذاتيّ عما يُرَادُ إبعاده عنه.
الغرض الخامس: المدح أو الذّم والتعظيم أو التحقير.
الغرض السادس: شَحْذُ ذهن المخاطَب، وتحريكُ طاقاته الفكرية، أو استرضاء ذكائه، لتوجيه عنايته حتّى يتأمّل ويتفكّر ويصل إلى إدراك المراد عن طريق التفكُّر.
والأمثال التي يَدْفَعُ إليها هذا الغرض إنّما يُخَاطَب به الأذكياء، وأهل التأمُّل والنَّظر والبحث العلمي، وكبراء القوم.
стр. 72
أمّا الأغراض غير الأخلاقيّة فقد تجافت الأمثال القرآنيّة عنها كالسخريّة في ابن الرومي إذ قال:
قَصُرَتْ أَخَادِعُه وَطَالَ قَذَالُهُ ... فَكَأَنّهُ مُتَرَبِّصٌ أنْ يُصْفَعَا
ومن شاء أنْ يتعلّم فن ضرب الأمثال، فليهتد بهدي خصائص الأمثال القرآنية.
ولدى تتبُّعي للأمثال القرآنيَّة اكتشفت من خصائصها الخصائص الست التالية:
الأولى: دقّة التصوير مع إبراز العناصر المهمّة من الصُّورة التمثيليّة.
الثانية: التصوير المتحرِّك الحيّ الناطق، ذو الأبعاد المكانيَّة والزمانيَّة، والذي تبرز فيه المشاعر النَّفسيّة والوجدانيّة، والحركات الفكرية، للعناصر الحيّة في الصورة.
الثالثة: صدقُ المماثلة بين الممثَّل به والممثّل له.
الرابعة: التنويع في عرض الأمثال، مرّة بالتشبيه، ومرّة بالعرض المفاجىء وبالتمثيل البسيط، وأخرى بالتمثيل المركّب الذي يطابق كل جزء منه جزءاً من الممثَّل له، وأخرى بالتمثيل المركّب الذي يُنْتَزَع منه وَجْهُ الشبه بنظرة كليّة عامّة.
الخامسة: البناء على المثل والحكم عليه كأنَّه عين الممثَّل له، على اعتبار أنَّ المثل قد كان وسيلة لإِحضار صورة الممثَّل له في ذهن المخاطب ونفسه، وإذْ حضرت صورة الممثّل به ولو تقديراً، فالبيان البليغ يستدعي تجاوز المثل، ومتابعة الكلام عن الممثَّل له، وتسقط صورة المثل لتبرز القضايا المقصودة.
السادسة: قد يحذف من المثل القرآني مقاطع اعتماداً على ذكاء أهل
стр. 73
الاستنباط، وقد تُحذف من الممثَّل له مقاطع أيضاً، ويبقى في دلالات الألفاظ أو لوازم المعاني ما يدلّ على المحذوف.
واجب الدّعاة:
وعلى الدُّعاة إلى سبيل الله بالحِكْمة والموعِظَة الحسَنَة أنْ ينتفعوا من هذا العنصر من عناصر الجمال الأدبي، ويهتدوا بهَدْي كتاب الله وهَدْي سنّة رسول الله ﷺ في ذلك، فكم فيهما من أمثال رائعات.
وللقارىء أنْ يرجع إلى كتابي: "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع".
***
خامساً - السطح والعمق:
ومن عناصر الجمال والكمال الأدبيّ الرفيع في الكلام أنْ يكون له سطح تفهمه العامّة دون غموض ولا ارتباك ذهنيّ، وأنْ يكون له مع ذلك عمقٌ تفهمه الخاصّة بالتأمّل والتعمُّق وإعمال الذكاء.
ولا يستطيع تقديم بيان رفيع مثل هذا البيان الذي له سطح وعمق إلاَّ نوابغ البلغاء الأذكياء.
والقُدوة الهادية لهؤلاء النوابغ بلاغة القرآن المعجز. إنّ المتدبِّر لكلام الله في القرآن يلاحظ عجباً، إنّه إلى آية فيفهمها، ويأخذ منها دلالة صحيحة ينتفع منها انتفاعاً عظيماً.
ثمّ تأتيه نفحات في تدبُّر آخر، فيفهم من الآية معانيَ جديدة لم ينتبه إليها في التدبُّر الأول، وهذه المعاني لا تتعارض مع ما فهمه في التدبُّر الأوّل إذا كان تدبُّراً صحيحاً. بل تعطيه إضافات متمِّمة لما كان قد تدبَّره من قبل.
ثمّ كلّما تعمَّق في التدبُّر تواردت عليه مفاهيم جديدة تتكامل بها لديه المعرفة المتعلِّقة بدلالة الآية.
стр. 74
والعمق في الكلام يتكوّن من أسباب، منها مايلي:
الأوّل: عدم الإشارة باللّفظ إلى الترابط المنطقي بين المعاني، أو إلى الترتيب الزماني أو المكاني بين الأحداث، أو غير ذلك من أمور مع إبقاء كل جملة في محلِّها الطبيعي.
ولوْ أنَّه جاءت الإشارة الصريحة إلى هذا الترابط، أو هذا الترتيب بلفظ دالٍّ، لخرج المعنى من العمق إلى السطح.
ولكن يفقد النّص بذلك عاملاً من عوامل جدّته في نفس القارىء عند كل تدبُّر.
الثاني: الكنايات البعيدة ذوات الدلالات المتتابعات.
الثالث: المحاذيف التي تُحْذَف للإِيجاز، ويقتضيها معنى النّص، أو يستدعيها التوازن والتناظر والتكامل فيه، أو غير ذلك، ويبقى المعنى بعد حذفها صحيحاً، إلاَّ أنّه جزء من المعرفة التي يدلُّ عليها السطح والعمق معاً.
والعمقُ القرآنيّ عمقٌ معجز، لهذا سيظلّ في القرآن جديد يفهمه المتدبّرون المتعمّقون.
والسّطحُ والْعُمْقُ في القرآن شيءٌ غير الظاهر والباطن الذي تدّعيه الباطنيّة كذِباً وبهتاناً وافتراءً على الله ورسوله، إنَّ الذي يقولون به خرافةٌ يُقْصَدُ بها تحريف نصوص كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ .
ومن ميزة السطح والعمق في القرآن أن الْعُمْقَ يُكَمِّل السطح، ولا ينقضه، ولا يتنافى معه.
وشأن المتدبِّر في القرآن كشأن الباحث في سطح البحر وعمقه.
ومن بُلغاء البيان مَنْ يكون لبعض كلامهم سطح وعمق، إلاَّ أنّ العمق لديهم سهل الاستخراج وقد يتنافى مع السطح.
стр. 75
إنّْ قول المتنبِّي لكافور الإِخشيدي:
*"لقد كنت أرجو أنْ أراك فأطربا"*.
له سطح يمدح به كافوراً، لكنَّ له عمقاً يسخر به منه.
***
سادساً - أوجه النَّص:
ومنْ عناصر الجمال والكمال الأدبيّ الرفيع في الكلام أنْ يكون له عدّة أهداف، وهذه الأهداف كلُّها مقصودة به، ويظهر هذا بجلاء حينما يكون المخاطب بالكلام جماعة ذات فئات مختلفة، وعناصر متباينة.
فمن أمثلة النَّصّ ذي الهدف المزدوج أن يوجِّه ذو سلطان عدم تهديده الشديد للَّذين يخالفون أوامر مبعوث من قبله للقيام بمهمّة من المهمّات السلطانيّة، إنّنا نلاحظ في هذا النَّص التهديدي هدفين معاً:
أحدهما: تهديد الذين يخالفون.
وثانيهما: رفع معنويَّة المبعوث، وشدُّ أزره وشحذُ همّته للقيام بما بُعِثَ به أفضل وجه.
وقد يكون الكلام مثلّث الهدف، أو أكثر من ذلك، وكل صاحب علاقة يأخذ من النَّصّ ما يناسب حاله، ويكْثُر هذا في النُّصوص القرآنيّة، فقد يكون الكلام تهديداً وتوعُّداً للكافرين، ووعداً للمؤمنين، وتربيةً وتأديباً وتسلية للرسول صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الأمثلة القرآنية على تَعَدُّد الهدف من النصّ قول الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) :
﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ [الآية: ٥٩] .
следующие страницы →