← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 1086–1115 · переход к 1091.

стр. 1086

(١١) قول عمر الخيّام: سَبَقْتُ الْعَالَمِينَ إلَى الْمَعَالِي ... بِصَائِبِ فِكْرَةٍ وَعُلُوِّ هِمَّه وَلاَحَ بِحِكْمَتِي نُورُ الْهَدَى في ... لَيَالٍ لِلضَّلاَلَةِ مُدْ لَهِمَّهْ يُرِيدُ الْجَاهِلُونَ ليُطْفِئُوهُ ... "وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَنْ يُتِمَّهْ" الشطرة الأخيرة مُقْتَبَسة من القرآن. *** ما اشْتَقَّ من الاقتباس من فروع اشتقّ البلاغيّون من الاقتباس أربعة فروع، وهي: (١) التضمين (٢) الْعَقْد (٣) الْحَلُّ (٤) التلميح. الفرع الأول: "التضمين" ومنه: "الاستعانة"، و"الإِيداع" و"الرّفْو". التضمين: هو أن يُضْمِّنُ الشاعر شعرَه شيئاً مِنْ شعْرِ غَيْرِه، مع التنبيه عليه إنْ لم يكن مشهوراً عند الْبُلَغاء، ودون التنبيه عليه إنْ كان مشهوراً. * ومن هذا التضمين قول الحريري: عَلَى أَنِّي سَأُنْشِدُ عِنْدَ بَيْعي ... "أضَاعُونِي وَأَيَّ فَتىً أضَاعُوا" الشطر الأخير لِلْعَرْجِى، وبيت العرجى هو: أضاعوني وأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ وقد نبَّه الحريري على التضمين بقوله: "سأُنْشِد". * ومن هذا التضمين قول ابن العميد: وَصَاحِبٍ كُنْتُ مَغْبوطاً بِصُحْبَتِه ... دَهْراً فَغَادَرَنِي فَرْداً بِلاَ سَكَنِ هَبَّتْ لَهْ رِيحُ إقْبَالٍ فَطَارَ بِهَا ... نَحْوَ السُّرُور وَألْجانِي إلَى الْحَزَنِ كَأَنَّهُ كَانَ مَطْوِيّاً عَلَى إِحَنٍ ... وَلَمْ يَكُنْ فِي ضُرُوبِ الشِّعْرِ أَنْشَدَنِي

стр. 1087

"إِنَّ الكِرَامَ إِذَا مَا أَيْسَرُوا ذَكَرُوا ... مَنْ كَانَ يَأْلَفُهُمْ فِي الْمَنْزِل الْخَشِنِ" البيت الأخير لأبي تَمَّام، وقد نبّه ابن العميد على التضمين بقوله: "ولم يكن في ضروب الشِّعْرِ أنْشَدَني". وأحْسَنُ التضمين ما زاد على الأصل أمراً حسناً، كتورية، أو تشبيه، ومنه قول ابن أبي الإِصبع مستغلاًّ شعر المتنبي لمعنى آخر غير الذي قصده: إِذَا الْوَهْمُ أَبْدَى لِي لَمَاهَا وَثَغْرَهَا ... "تَذَكَّرْتُ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَبَارقِ" وَيُذْكِروني مِنْ قَدِّهَا وَمَدامِعِي ... "مَجَرُّ عَوَالينَا وَمَجْرَى السَّوابِقِ" الشطران الثانيان مطلع قصيدة للمتنبّي يمدح بها سيف الدولة، ولم يُنَبّه ابن أبي الإِصبع على التضمين لأن قصيدة المتنبّي مشهورة عند المشتغلين بالأدب. الْعُذَيب وبَارِق: موضعان بظاهر الكوفة مَجَرُّ عَوَالينا: أي: مكان جرّ الرماح، وحركة جرّها. ومَجْرى السَّوابق: أي: مكان جري الخيل السوابق، وحركةُ جريها. فأخذ ابن أبي الإِصبع من "الْعُذَيْب" معنى عذوبة ريق صاحبته، وأخذ من "بَارِق" البريق الذي يُرَى من ثغرها، على سبيل التورية. وشبّه قدّها بحركة جرّ الرّماح، وشبّه جريان دمعهِ بِجَرْيِ الخيل السوابق. قالوا: ولا يَضُرُّ التغيير اليسير عند التضمين. والتضمين على حَالتين: * فإِذا بلغَ مقدارُه تضمينَ بيت فأكثر، فقد يُطْلَق عليه لفظ "الاستعانه". * وإذا كان مقدارُهُ شَطْرَ بيتٍ أوْ دونه، فقد يُطْلَق عليه "الإِيداع" إذ الشاعر قد أودع شعره شيئاً من شعر غَيْره، وقَدْ يُطْلَقُ عليه "الرَّفْوُ" لأنّ الشاعر "رَفَا" خَرْقَ شِعْرِه بشيءٍ من شعر غيره. ***

стр. 1088

الفرع الثاني: "الْعَقْد": وهو أن ينظم الشاعر نثراً لغيره لا على طريقة الاقتباس. * ومن الْعَقْد قول أبي العتاهية: مَا بَالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ ... وَجِيفَةٌ آخِرُهُ يَفْخَرُ؟! عقد أو العتاهية في هذا البيت قول عليّ بن أبي طالب ﵁: "وَمَا لابْنِ آدَمَ والْفَخْرَ، وإِنَّمَا أَوَّلُهُ نُطْفَة، وآخِرُهُ جِيفَة". ومن الْعَقْدِ قول أبي العتاهية أيضاً: وَكَانَتْ فِي حَيَاتِكَ لِي عِظَاتٌ ... وَأَنْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيّاً عقَدَ في هذا البيت قول بعض الحكماء في الإِسْكَنْدَرِ لمّا توفّي: كَانَ الْمَلِكُ أَمْسِ أنْطَقَ مِنْهُ الْيَوْم، وهُوَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْهُ أَمْسِ". *** الفرع الثالث: "الحلّ": وهو أن يَنْثُر الكاتب أو المتكلّم شِعْراً لِغَيرِهِ، ويكون حَسَناً إذا كان سَبْكُ الحلِّ حسَنَ الموقع، مستقرّاً غير قَلِقٍ، وافِياً بمعاني الأصل، غَيْرَ ناقصٍ في الْحُسْنِ عن سَبْكِ أصْلِه، أو أن يكون بمثابة الشَّرْح لدقائقه، وإلاَّ كان عملاً غَيْرَ مقبولٍ في الأعمال الأدبية. * ومن أمثلة الحلِّ الَّتي ذكرها البلاغيون قول بعض المغاربة، يَصِفُ شخصاً بأنَّه سَيِّئُ الظَّنّ، إذْ يَقِيسُ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِه: "فَإِنَّهُ لَمَّا قَبُحَتْ فَعَلاتُهُ، وَحَنْظَلَتْ نَخَلاتُهُ، لَمْ يَزَلْ سُوءُ الظَّنِّ يَقْتَادُهُ، وَيُصَدِّقُ تَوَهُّمَهُ في الّذِي يَعْتَادُه". حلّ بقوله قول المتنبّي: إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّم

стр. 1089

أي: ما يتوهُّمُه من أنّ الآخرين أساءوا يُصَدِّقُ توهُّمَهُ فيهم، لأنَّهُ يقيسُهم على نفسه، وما يَعْتَادُه من سوء عَمَل. * ومنه قول صاحب "الوشي المرقوم في حلّ المنظوم" يصف قلم كاتب: "فَلاَ تَحْظَى بِهِ دَوْلَةٌ إِلاَّ فَخَرَتْ عَلَى الدُّوَل، وَغَنِيَتْ بِهِ عَنِ الْخَيْلِ والْخَوَلِ، وَقَالَتْ: أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَقْلاَمِ لاَ عَلَى الأَسَل". العبارة الأخيرة حلّ لقول أبي الطيّب مع ردّ لمقاله وجعل أعْلَى الممالك ما يبنى على الأقلام: "أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ" ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ. *** الفرع الرابع: "التَّلْمِيح": وهو أن يُشِيرُ الناثر أو الشاعر إلى قصة أو شعْرٍ أو نثرٍ ذكر ما أشار إليّه. * ومنه قول أبي تَمَّام: لَحِقْنَا بأُخْرَاهُمْ وَقَدْ حَوَّمَ الْهَوَى ... قُلُوباً عَهِدْنَا طَيْرَهَا وَهْيَ وُقَّعُ فَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ وَاللَّيْلُ رَاغِمٌ ... بِشَمْسٍ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ الْخِدْرِ تَطْلُعُ نَضَا ضَوْؤُهَا صِبْغَ الدُّجُنَّةِ وانْطَوَى ... لِبَهْجَتِهَا ثَوْبُ السَّمَاءِ الْمُجَزَّعُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلاَمُ نَائِمٍ ... ألَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرّكْبِ يُوشَعُ فقد أشار إلى قصّة يُوشع ﵇ على ما رُوي أنّه قاتل الجبّارين يوم الجمعة، فلمَّا أدبَرَتِ الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحلّ له قتالهم، فدعا الله فردّ له الشمس حتّى فرغ من قتالهم. ومنه قول أبي تمّام أيضاً: لَعَمْرٌو مَعَ الرَّمْضَاءِ وَالنَّارُ تَلْتَظِي ... أَرَقُّ وَأحْفَى مِنْكَ في سَاعَةِ الْكَرْبِ

стр. 1090

يشير إلى البيت المشهور: الْمُسْتَجِيرُ بِعَمْروٍ عِنْدَ كُرْبَتِهِ ... كَالمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ وقصة ذلك أنّ عمرواً تَرصَّدَ كُلَيْباً حتى ابتعد عن الحمى، فركب فرسه فأتبعه فرمَى صُلْبَهُ، ثُمَّ وقَفَ عليه فقال له: يا عَمْرو أغِثْنِي بِشَرْبَةِ ماءٍ فَأَجْهَزَ عليه، فمات، فقيل هذا البيت. ونشبت العداوة بين تغلب وبكر أربعين سنة، وكان سببها ناقةً رماها كليب فقتلها، وكان اسم هذه الناقة أو اسم صاحبتها "الْبَسُوس" وفيها قيل: "أشأم من البسوس" وهذه الحادثة من حروب الجاهليّة قبل الإِسلام في قبائل العرب. ***

стр. 1091

" علم البديع" الفصل الثالث: ملاحق

стр. 1092

المقولة الأولى: السرقات الشعرية وتوافق القرائح كثيراً ما يحدث أن تتوافق قرائح الشعراء والكتّاب في إبداع فكرة، وفي أسلوب صياغتها، وقد يحدث أحياناً التوافق في الوزن والقافية وحرف الرّوي وكثير من الكلمات إذا كان الكلام من الشعر. وقد حدث لي وأنا في نحو العشرين من عمري أنّي نظمت قصيدة في الغزل، مبنيّة على حوارٍ: "قالت لي، وقلت لها" صَوَّرْتُ فيها تخيُّلاً مغامرة عاشق، اتفق مع معشوقته على أن يترصَّد غفلة الرّقباء في ليل ساتر، وتمّ لهما اللّقاء ثم تسلل إلى منزله دون أن يشعر بهما أحد. وبقيتُ مدّةً أقرؤها على أصدقاء المراهقة، وأنا أرى نفسي مبتكر طريقة الحوار ذي الفقرات القصيرات في قصيدة تزيد على عشرين بيتاً، مطلعها: قالت لي الحسناء: هل أنت لي ... قُلْتُ لها: مِلْكُكِ لي ظاهرْ قالت: وهل أنت مُطِيعٌ لَنَا ... قُلْتُ: وَهَذَا مَثَلٌ سَائِرْ وفي أحد الأيام أخَذْتُ جزءاً من كتاب الأغاني من مكتبة أبي - تغمّدَه الله برحمته - وَجَعَلْتُ أُقَلّبُ فيه، ففُوجئت بقصيدة على مثل قصيدتي وزناً وقافية وحرفَ رَوِيّ، وبعد أن استكملْتُ قراءتها وجدتها متماثلةً مع قصيدتي تماماً في موضوعها وأسلوبها وفي كثير جدّاً من عباراتها، وما كانت قبل ذلك قد قرأت هذه القصيدة ولا سمعتُها من أحد، فقلتُ في نفسي: لو اطّلع أحد قارئي كتاب الأغاني على قصيدتي لقال: سارقٌ انتحل القصيدة وهي ليست له، فاهملْتُ قصيدتي وطويتُها خشية أن أُتَّهَمَ بالسَّطْوِ على شعر غيري.

стр. 1093

مثل هذا قد يحدث على سبيل الندرة، ولكنّ الشعراء والكتّاب كثيراً ما يَسْرِقُ بعضهم من بعض، ويدّعون لأنفسهم أنّهم مبتكرو الأفكار، ومبتكرو الصياغة الرفيعة، وليسوا ناقلين ولا مقلّدين ولا سارقين. ونظير هذا يحدث في كلّ الإِبداعات والابتكارات، كالألحان الموسيقية، والمكتشفات العلميّة والصناعية، والمؤلفات في الكتب. وقد اهتم علماء البلاغة بهذا الموضوع، فدوّنوا في علوم البلاغة بحثاً يتعلّق بالسّرقات الشعريّة وتواطؤ القرائح واتفاقها، ورأوا أنّ التوافق له حالات ثلاث: الحالة الأولى: "الْمُوارَدة": وهي أن يتّفق المتكلّمان في اللّفظ والمعنى، أو في المعنى وحده، ولا يُعْلَم أخْذ أحدهما من الآخر. قالوا: إنّ مثل هذا يمكن أن يكون من اتفاق القرائح وتوارد الأفكار من غير أن يَسْرِقَ أحَدٌ من الآخر، ولو كان أحدهما متأخراً زمناً. ومن أمثلة هذه الحالة أنّ ابن الأعرابي أنشد لنفسه قوله: مُفِيدٌ ومِتْلاَفٌ إِذا مَا أتَيْتَهُ ... تَهَلَّلَ واهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ فقيل له: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ هَذا لِلْحُطَيْئَة. فقال ابن الأعرابي: الآن عَلِمْتُ أنّي شاعر، إذْ وافَقْتُهُ على قولِهِ ولم أسمعه إلاَّ السّاعة، أي: لم يَسْمَعْ قول الحطيئة إلاَّ في هذه الساعة. قالوا: وحين لا يُعْلَمُ أخذُ اللاّحق من السابق فالعبارة المهذّبة التي لا اتّهام فيها أن يُقال: قال فلانٌ كذا، وقد سبقه إلى هذا المعنى أو إلى نحوه فلان، فقال كذا. الحالة الثانية: "الاشتراك العامّ": وهي التوافق في الأغراض وفي الأفكار والمعاني المتداولة، الّتي يشترك معظم الناس بإدْراكها، سواء تناقلها بعضُهُمْ عن بَعْضٍ أو لم يتناقلوها.

стр. 1094

وفي هذه الحالة لا يُعْتَبَرُ اللاّحق سارقاً من السابق، ولا معتدياً على حقّه الأدبي. الحالة الثالثة: "السّرقات الأدبيّة": وهي الّتي يسْطو فيها اللاّحقُ على ما أبدعه السابق، من المعاني والعبارات، والتشبيهات، والاستعارات، والمجازات، وغير ذلك من مبتكرات الأفكار. وهذه هي التي يُقال فيها: فلانٌ السابق، وفلانٌ سرَقَ منه، أو فلان السابق، وأخذ الَّذِين جاؤوا من بعده فكرتَه، أو عبارته، أو أسلوبه، أو نحو ذلك. وهي التي يقال فيها: فلانٌ جاء بفكرة كذا، وأخذها منه فلان، فزاد عليها، أو نقص، أو أحْسَنَ الصياغة أو أساءها، أو استغلّها في موضوع آخر غَيْرِ الموضوع الذي أوردها فيه مبتكِرُها الأوّل. ومن أمثلة الإِبداع الذي لم يُسْبَق إليه مُبْدِعُهُ من الشعراء، أنّ أبا تمّام أَنْشَدَ قصيدته السينيّة التي مطلعها: *مَا فِي وُقُوفِكَ سَاعةً مِنْ بَاسِ * نَقْضي حُقُوقَ الأَرْبُعِ الأدْرَاسِ* حتّى وصَلَ إلى قوله فيها: إِقْدَامُ عَمْرو في سَمَاحَةِ حَاتِم ... في حِلْم أحْنَفَ فِي ذَكاءِ إِيَاسِ عندئذٍ قال الحكيم الكِنْدِي: وَأيُّ فَخْرٍ في تشبيه ابْن أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟!. فأطْرَقَ أبو تَمَّام ثُمَّ أَنْشَد: لاَ تُنْكِرُوا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ ... مَثَلاً شَرُوداً فِي النَّدَى والْبَاسِ فَاللَّهُ قدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ ... مَثَلاً مِنَ المِشْكَاةِ والنِّبْراسِ فابتكر بهذا معنىً لم يَسْبقْهُ إليه أحد، فمن أتى بعده بهذا المعنى أو ببعضه عُدَّ سارقاً، أو مُقْتَبساً، أو مُقَلِّداً.

стр. 1095

أقسام السّرقات: ونظر علماء البلاغة والأدب في مختلف السّرقات الأدبيّة فرأوا أنّها تنقسم إلى ثمانية أنواع، ثلاثة منها ظاهرة، وهي "النسخ أو الانتحال - المسخ أو الإِغارة - السَّلْخُ أو الإِلمام". وخمسة منها غير ظاهرة، وهي "التشابه - النقل - التعميم - القلب - الالتقاط والإِضافة" وفيما يلي شرح هذه الأنواع الثمانية: أمّا الظاهرة من أقسام السّرقات فهي الأنواع التالية: النوع الأول: "النسخ" ويقالُ له "الانتحال": وهو أن يأخذ أحد الشاعرين أو الناثرين المعنى الذي سبق إليه الآخر ولفظه كلّه أو أكثره. وهذا النوع يكون بثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يأخذ المنتحل لفظ السابق ومعناه، ولا يخالفه في شيْءٍ ومن أمثلة هذا الوجه ما حُكي أنّ "عبد الله بن الزبير" الشاعر، دخل على معاوية فأنشده: إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ ... على طَرَفِ الهِجْرَانِ إنْ كانَ يَعْقِلُ ويَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيمَهُ ... إِذا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيْفِ مَزْمَلُ فقال له معاوية: لَقَدْ شَعَرْتَ بَعْدِي يَا أبا بكر. ولم يفارق "عبد الله بن الزبير" الشاعر مجلس معاوية حتَّى دخَلَ مَعْنُ بن أوس المزني، فأنْشَدَهُ قصيدته التي يقول في مطلعها: لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإنِّي لأَوْجَلُ ... عَلَى أيِّنَا تَعْدو المَنِيَّةُ أَوَّلُ حتى أتمّها، وفيها البيتان اللَّذان أنشدهما "عبد الله بن الزبير". فأقبل "معاوية" على "عبد الله" وقال له: ألم تُخْبِرْني أنَّهُما لكَ؟! فقال "عبد الله": المعنى لي، واللَّفْظُ له، وبَعْدُ فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحقُّ بشِعْرِه.

стр. 1096

الوجه الثاني: أن يأخذ المنتحل لفظ السابق ومعناه، ولا يخالفه إلاَّ بالقافية أو نحوها، ومن أمثلة هذا الوجه قول امرئ القيس: وَقُوفاً بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ: لاَ تَهْلِكْ أسىً وتَجَمَّلِ هذا البيت سَطَا عليه "طَرَفهُ بن العبد" فقال: وَقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ: لاَ تَهْلَكْ أَسىً وتَجَلَّدِ فغيّر الكلمة الأخيرة من البيت، ليوافق رويّ قصيدته. الوجه الثالث: أنْ يأخذ المنتحل معنى السَّابق وأكثر ألفاظه، ومن أمثلة هذا الوجه ما رُويَ لِلأُبَيْرِد اليربوعي: فَتىً يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّنَاءِ بِمَالِهِ ... إِذا السَّنَةُ الشَّهْبَاءُ أَعْوَزَها القَطْرُ وما رُوي لأبي نُواس: فَتىً يَشْترِي حُسْنَ الثَّنَاءِ بِمَالِهِ ... وَيَعْلَمُ أنَّ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ فالشطران الأوّلان من البيتين متطابقان، والآخران مختلفان. *** النوع الثاني: "المَسْخ" أو "الإِغارَة": وهو أن يأخُذَ المُغِير بعض كلام السّابق، ولهذا النوع ثلاثة وجوه أيضاً: الوجه الأول: أن يكون ما جاء به المُغير أبْلَغَ من كلام السابق، لما فيه من تجويد في سبك الكلام، أو اختصارٍ، أو إيضاحٍ، أو زيادة معنى، أو نحو ذلك. وهذا الوجه مقبول ممدوح، ومن أمثلة هذا الوجه، قول الشاعر: خَلَقْنَا لَهُمْ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَحَاجِبٍ ... بِسُمْرِ القَنَا والبِيضِ عَيْنَا وَحَاجِباً أي: فقأنا عيونهم برماحنا فصَارتْ كالعيون تنزف دماً، وضربناهم بالسُّيُوف على جباههم فجعلنا لهم مع كلّ حاجبٍ من الشَّعَر مثلهُ من ضربَةِ سَيْف.

стр. 1097

أخذ ابْنُ نُباته هذا البيت وصاغَهُ صياغة أخرى فقال: خَلَقْنَا بِأَطْرَافِ الْقَنَا في ظُهُورِهِ ... عُيُوناً لَهَا وقْعُ السُّيُوفِ حَواجبُ فزاد ابن نباتة معنى انهزامهم لشدّة رُعْبِهِمْ، ومطاردتهم، ونَقَلَ من السابق فكرة فتح العيُونِ ولكن في ظهورهم، ورسم الحواجب بالسُّيُوفِ فوقها، فاستُحْسِنَ عَمَلُ ابنِ نباته. وقد يقال: إنّ بَيْتَ السّابق دلَّ على شدّة البأس، والسَّبْق إلى ضرب العدوّ قبل أن يتمكّن من الانهزام، وهذا أدَلُّ على الجرأة وسُرْعة الإِقدام. الوجه الثاني: أن يكون جاء به المغير مساوياً لما جاء به السابق في بلاغته. وهذا الوجه غير ممدوح ولا مذموم، على أنّ الفضل للسابق بلا ريب، ومن أمثلة هذا الوجه، قول أبي تمَّام وهو السابق: لَوْ حَارَ مُرْتَادُ المَنِيَّةِ لَمْ يَجِدْ ... إلاَّ الفِرَاقَ على النُّفُوسِ دَلِيلاً أي: لو حار طالب المنيَّة لأحدٍ في اتّخاذ وسيلة لا تُكلِّفهُ عنتاً لم يجد إلاَّ وسيلة فراق الأحبّةِ. أغار عليه المتنبي وصاغه بأسلوبه فقال: لَوْلاَ مُفَارَقَة الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ ... لَهَا المَنَايَا إِلى أَرْواحِنَا سُبُلاً قالُوا: البيْتانِ متكافئان في بلاغتهما. أقول: بيت المتنبّي أدَقُّ وأوضحُ وأشْعَرُ، فقد خصّص الفراق بفراق الأحباب، ولم يتكلّف كما تكلّف أبو تمام بقوله: "مْرْتَادُ المنيّة" والمنايا لا تحتاج دليلاً يدلُّها على النفوس إنّما لها سُبُل، وهذا ما اختاره المتنبي، فهو في عمله مُغِيرٌ مُجِيد، ومُستَفِيد مُحْسِن.

стр. 1098

الوجه الثالث: أن يكون ما جاء به المُغِيرُ دُونَ ما جاء به السابق في بلاغته، وهذا تقصير مذموم. قالوا: ومن أمثلة هذا الوجه قولُ أبي تمّام وهو السابق: هَيْهَاتَ لاَ يَأْتي الزَّمَانُ بِمْثْلِهِ ... إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ أغار عليه أبُو الطّيب فقال: أعْدَى الزَّمَانَ سَخَاؤُهُ فَسَخَا بِه ... ولَقَدْ يَكُونُ بِهِ الزَّمَانُ بَخِيلاً الشطر الثاني من بيْتِ أبي الطّيّبِ مأخُوذٌ مِنْ أبي تمّام، إلاَّ أنَّ قول أبي تمّام: "إِنَّ الزَّمَانَ بمثْلِهِ لبَخِيلُ" أبلغ من قول المتنبي: "وَلَقَدْ يكُونُ بِهِ الزَّمَانُ بخيلاً" ففي عبارة: "ولَقَدْ يكُون" قُصُورٌ عن المعنَّى المجزوم به المؤكَّد في عبارة أبي تمَّام: "إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبخِيلُ" وهذا واضح. أما الشطر الأول من بيت المتنبّي فقد جاء بنحوه أبو تمّام في قوله: عَلَّمَنِي جُودُكَ السَّمَاحَ فَمَا ... أَبْقَيْتُ شيئاً لَدَيَّ مِنْ صِلَتِكْ ولأبي تمّام السبْقُ. *** النوع الثالث: "السَّلْخُ" ويقال له "الإِلمام": وهو أن يأخُذَ السَّالِخُ المعنى فقط دون اللّفظ، ولهذا النوع ثلاثة وجوه أيضاً: الوجه الأول: أن يكون ما جاء به السَّالخ المُلِمُّ أحْسَنَ سَبكاً وبلاغةً ورصانة تعبير، وهو عَمَلٌ رَشيد ومَسْلَكٌ حميد، ومن أمثلته على ما ذكروا قول "البحتري" وهو السابق: تَصُدُّ حَيَاءً أَنْ تَرَاكَ بِأَوْجُهٍ ... أَتَى الذَّنْبَ عَاصِيهَا فلِيمَ مُطِيعُها أي: من أجل ذنوب الوجوه العاصية تُلاَمُ الوُجُوه المطيعة.

стр. 1099

هذا المعنى ألَمَّ به المتنبيّ فأخَذَهُ وصاغهُ بأسلوب أحْسَنَ سبْكاً وأجْودَ تعبيراً فقال: وَجُرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ ... وحَلَّ بِغَيْرِ جارِمِهِ العَذَابُ ولعلَّه مع نظره إلى قول البحتري نظر أيضاً إلى قول موسى لربّه في رحلة الوعد الثاني وعْدِ الاعتذار كما جاء في سورة (الأعراف/ ٧) . ﴿ ... قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ... ﴾ [الآية: ١٥٥] . الوجه الثاني: أن يكون ما جاء به السالخ الملِمُّ مساوياً لما جاء به السابق في بلاغَته. وهذا الوجه غير محمود ولا مذموم، ومنه كما ذكروا قولُ بعضهم يرثي ابْناً له: الصَّبْرُ يُحْمَدُ فِي المَواطِنِ كُلِّهَا ... إلاَّ عَلَيْكَ فإِنَّهُ مَذْمُومُ ألَمَّ به أبو تمَّام فقال: وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لاَبِسُ الصَّبْرِ حَازِماً ... فأَصْبَحَ يُدْعَى حَازِماً حِينَ يَجْزَعُ ومن أمثلته قول بعض الأعراب: وَرِيحُهَا أَطْيَبُ مِنْ طِيبهَا ... والطِّيبُ فيهِ المِسْكُ والعَنْبَرُ ألَمَّ بِه بشّار بن بُرْدِ فأخَذَهُ وَقَصَّرَ عنه، فقال: وَإِذَا أَدْنَيْتَ مِنْهَا بَصَلاً ... غَلَبَ المِسْكَ عَلَى رَيحِ البَصَلْ *** وأمّا غير الظاهرة من أقسام السّرقات فهي الأنواع التالية:

стр. 1100

ومعظم هذه الأنواع مقبول، وبعضُهَا ممدوح يستحقّ التقديرَ والإِعجاب لما فيه من تصرّف حسن، وحُسْنُ التصرُّف فيه يخرجه من الاتّباع إلى حيّزِ الابتداع، وأكثره خفاءً أكثره قبولاً. *** النوع الرابع: "التشابه": وهو أنْ يتشابه النصّان المأخوذ والمأخوذ منه، ولو كانا في غرضين مختلفين من الكلام، كالمدح والهجاء، والنسيب، ومنه على ما ذكروا قول الطِرِمّاح بن حكيم الطائي: لَقَدْ زَادَنِي حُبّاً لِنَفْسِيَ أنَّنِي ... بَغِيضٌ إِلى كُلِّ أمْرِئٍ غَيْرِ طَائِلِ غَيْرِ طَائل: أي: غَيْرِ ذي نفع وفائدة. أخذ فكرته المتنبّي فقال، وأحسن: وإِذا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ ... فَهِيَ الشَّهادَةُ لي بِأَنّي كَامِلُ *** النوع الخامس: "النقل": وهو أن ينقل الآخِذُ معنى المأخوذ منه إلى غير محلّه، ومن هذا النوع على ما ذكروا قول البحتري، وهو السابق: سُلِبُوا فأَشْرَقَتِ الدِّمَاءُ عَلَيْهِمُ ... مُحْمَرَّةً فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُسْلَبُوا أي: سُلِبُوا ثيابهم، فكانت الدّماء التي غطَّتُ أجْسَادَهُمْ بمثابَة الثياب عليها، فكأنّهم لم يُسْلَبُوا. *أخَذَ المتنبّي هذا المعنى ونقلَهُ إلى السَّيْفِ، فقال: يَبِسَ النَّجِيعُ عَلَيْهِ وَهْوَ مُجَرَّدٌ ... عَنْ غِمْدِهِ فَكأنَّمَا هُو مُغْمَدُ النَّجِيع: دَمُ الجَوْف، يقال: طَعْنَةٌ تمُجُّ النَّجِيعَ، أي: تخرج دمَ الجوف.

стр. 1101

النوع السادس: "التعميم": وهو أن يكون المعنى الِّذِي استفيد من كلام السابق أعمَّ وأشمل، ومنه على ما ذكروا قول جرير، وهو السابق: إِذا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيمٍ ... وَجَدْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَاباً أخَذَ أبو نواس هذا المعنى واستفادَ منه معنىً عامّاً شاملاً، فقال للرشيد يَسْتَعْطِفُه لمَّا سَجَن الفضل البرمكيّ: وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بمُسْتَنكَرٍ ... أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدِ وقد أجاد أبو نواس في هذه الاستفادة، وهي استفادة ذكيّة بارعة. *** النوع السابع: "القلب": وهو أن يَنْظُر الآخِذُ ممن سبقه في معنى كلامه ويستفيدَ نقيضه أو ضدّه، ومن هذا النوع على ما ذكروا قول أبي الشّيص: أَجِدُ المَلاَمَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيدَةً ... حُبّاً لِذِكْرِكَ فَليَلُمْنِي اللُّوَّمُ نظر في هذا المتنبّي فقلَبَهُ واستفاد المعنى المضادّ تماماً فقال: أَأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فِيهِ مَلاَمَةً؟! ... إِنَّ الْمَلاَمَةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ أي: كيْفَ أُحِبُّ فيه الملامَة وأنَا أُحِبُّهُ، والمَلاَمَةَ فيه هي من أعدائه؟! هذه أمُورٌ لاَ تجتمع، لتناقضها أو تضادها. المتنبيّ ضَمَّنَ كلامه الاعتراض على أبي الشّيص. *** النوع الثامن: "الالْتقاطُ والإِضافة": وهو أن يأخُذَ المستفيدُ بعض المعنى الذي سبَقَ إليه غَيْرُه ويُضيف إليه زيادة

стр. 1102

حَسَنة، ومن هذا النوع على ما ذكروا، قولُ الأفْوَهِ الأَوْدِي يصف خروج قومه إلى الحرب: وَتَرَى الطَّيْرَ عَلَى آثَارِنَا ... رَأَيَ عَيْنٍ ثِقَةً أنْ سَتُمَارُ أي: إِنَّ الطَّيرَ آكِلَةَ اللُّحوم تَتْبَعُ جَيْشَهُمُ الخارج إلى القَتَال لأنَّها واثقة بحَسَبِ ما اعْتَادَتْ أنَّها ستُصيبُ ميرَتَها، أي: طعامها من لحوم القتلَى الَّذِين يقعون صرعى من الأعداء. يقال لغة: مَارَ أهْلَهُ إذا أعَدَّ لهم مِيرَتَهُمْ، أي: موادّ طعامهم. نظر أبو تمّام إلى هذا الشِّعْر فأخذ منه وأضاف فأحْسَن، فقال: لَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبَانُ أَعْلاَمِهِ ضُحىً ... بِعِقْبَانِ طَيْرٍ في الدِّمَاء نَواهِلِ أقامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حتى كأنَّهَا ... مِنَ الجَيْش إلاَّ أنَّها لَمْ تُقَاتِلِ عِقْبانُ أعْلاَمِه: أي: الأعلام التي تشبه العِقبانَ، أو الأعْلامُ التي عليها أمثلة العِقبان. العِقبان: جمع مفرده "العُقَاب" وهو من كواسر الطير، ذو مخالب قويَّة. أهمل أبو تمَّام بعض ما جاء في كلام الأفوه الأودي، وأضافَ أنّ العِقْبانَ مقيمة مع الرَّايات حتّى كأنَّها جزءٌ من الجيش، تترقَّبُ الصَّرْعَى من الأعداء لتَنْقَضَّ عليهم، فزاد الفكرة حسناً. ***

стр. 1103

المقولة الثانية: توجيه العناية في صناعة الكلام الأدبي توجيه العناية في صناعة الكلام الأدبيّ للبدء - والتخلّص - والختام نظر علماء البلاغة إلى الكلام الواحد الذي له مقدّمة تمهيديّة هي بدايته، وموضوع مقصود بالذات هو وسطه، وله مؤخّرة يكون بها ختامُه، فرأوا التَّنْبيه على لزوم توجيه العناية لثلاثة أمور. (١) البدء بالمقدّمة التي فيها براعة استهلال، وحُسْنُ التأثير في المتلّقي، مع خلّوها ممّا يُسْتَنكَرُ أو يُتَشَاءَمُ به وسمّوا حُسْن اختيار البدء البديع: "براعة استهلال". (٢) التخلّص من المقدمة بأسلوب حَسَنِ بديع للدخول في الموضوع المقصود بالذّات، وسَمَّوا حُسْنَ الانتقال من المقدمة إلى الموضوع الرئيسي في الكلام: "حُسْنَ التخلّص". (٣) الختام الذي ينقطع عنده الكلام، وسَمَّوا حُسْنَ اختيار الختام الحَسَنِ الجميل الملائم: "براعةَ المقطع" أو "براعةَ الختام". وقالوا: ينبغي للمتكلّم أنْ يتأنَّقَ في مقدّمة كلامه، وفي التخلّص منها إلى مقصود بالذات، وفي الختام. ونلاحظ أنّ القرآن المجيد يتحلَّى بأبدع وآنَقِ بدايات، وأبدع وآنَق أوساط، وأبدَعِ وآنَقِ نِهَايات.

стр. 1104

فلنبحثْ بشيءٍ من التفصيل في: (١) براعة الاستهلال. (٢) وحُسُنِ التخلّص. (٣) وبراعة الختام. أمّا براعة الاستهلال: فتكونُ بالبدء بما يكون فيه إلماحٌ إلى المقصود الأول من النّص الأدبي، وإبداعٌ يَجْذبُ الانتباه، ويأسِرُ المتلَقِّي سامعاً أو قارئاً، مع حُسْنِ سَبْكٍ، وعذوبة لفظٍ، وصحَّةِ معنىً، ومن البديع في البدء ذكْرُ مُجْمل الموضوع أو مجمل القصة قبل التفصيل ومنه إجمال قصة أهل الكهف قبل تفصيلها في سورة (الكهف) : وينبغي للمتكلم أن يجتنب في بدء كلامه المواجهة بما يسوء، أو بما يُتَطَيَّر به، أو بما يُسْتكْرَهُ لفظُه أو معناه. فإذا لم يكُنْ في البدء إلماحٌ إلى المقصُودِ الأول الذي قد يُخَصُّ بعنوان "براعة الاستهلال" فلا أقلَّ من مراعاة الصفات الأخرى. * ومن أمثلة البدايات الحسنة ما يلي: ١- قولُ امرئ القيس في أوَّل معلقته: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ قالوا: إنّه في هذه البداية البارعة وقَفَ واسْتَوْقَف، وبَكَى واستَبْكَى، وذكَرَ الحبيبَ ومَنْزِلَهُ فِي مِصْراعٍ واحِد. ٢- وقول النابغة الْجَعْدِي (شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإِسلام. وفَدَ مَعَ قومه على الرسول ﷺ سنة تسع للهجرة مسلمين، وكان سيّداً فيهم، وأنْشَدَ الرَّسُولَ شعراً فأُعْجِبَ به) : كِلِيِني لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ ... ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِئِ الْكَواكِب

стр. 1105

٣- وقول أبي تمّام يُهنّئُ المعتصمَ بفتح عَمُّوِرِيّة، بادِئاً قصيدتَهُ باستهلالٍ بارعٍ يرُدُّ فيه على مزاعم المنجّمين الّذين زعَمُوا أنَّ عَمُّورية لا تفتَحُ في ذلك الوقت الذي تمّ فَتْحُها فيه: السَّيْفُ أصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حَدِّهِ الحدُّ بَيْنَ الْجدِّ وَاللَّعِبِ بِيضُ الصَّفَائِحِ لاَ سُودُ الصَّحَائِفِ فِي ... مُتُونِهِنَّ جَلاَءُ الشَّكِّ والرِّيَبِ ٤- وقول أشْجَع السُّلَمي: قَصْرٌ عَلَيْهِ تَحِيَّةٌ وَسَلاَمُ ... خَلَعَتْ عَلَيْهِ جَمَالَهَا الأَيَّامُ ٥- وقول المتنبّي: أَتُرَاهَا لِكَثْرَةِ الْعُشَّاقِ ... تَحْسَبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً فِي الْمَآقِي ٦- وقول المتنبي أيضاً يهنّئ سيف الدولة بالشفاء من مرض ألَمَّ به فيبدأ قصيدته باستهلالٍ بارع: الْمَجْدُ عُوفِيَ إِذْ عُوفِيتَ والْكَرَمُ ... وزَالَ عَنْكَ إِلَى أَعْدَائِكَ الأَلَمُ * ومن أمثلة البدايات السيّئة ما يلي: ١- قول ذي الرّمة حين دخل على هشام بن عبد الملك بن مروان: مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الْمَاءُ مُنْسَكِبُ ... كَأَنَّهُ مِنْ كُلىً مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ سَرَب: أي: قناةٌ تَسِيل. وكان بعينيْ هشام رَمَشٌ فهيَ تدمَعُ أبداً، فظنَّ أنَّه يُعَرّض به، فقال: "بل عينك" وأمَرَ بإخراجه. ٢- وقيل: لمَّا بنَى المعتصم قصْرَهُ بميْدَانِ بغداد، وجمع عظماء دولته، وجلس فيه في يوم الاحتفال به، أنْشَدَهُ إسحاقُ الموصلي: يَا دَارُ غَيَّرَكِ الْبِلَى وَمَحَاكِ ... يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي أَبْلاَكِ

стр. 1106

فتطيّر المعتَصِمُ بهذا الابتداء وأمَر بهدْمِ الْقَصْر. *** وأمَّا حُسْنُ التخلّص: فهو أن ينتقل الشاعر أو الناثر من فنّ من فنون الكلام إلى فنٍّ آخرَ، أو من موضوع إلى موضوع آخرَ بأسلُوبٍ حسَنٍ مستطاب، غير مستنكر في النفوس ولا في الألباب، وأحسَنُه ما لا يشعُرُ المتلقّي معه بالانتقال، لما أحدثه التمهيد المتدرّج من تلاؤم، أو لحُسْنِ اختيار المفصل الذي حصل عنده الانتقال، أو لغير ذلك، كاستغلال تقارُب الأشباه والنظائر بَعْضِهِا من بعض، ومن الانتقال البديع ما يشبه الانتقال من فرع من فروع الشجرة إلى فرعٍ آخر منها بينهما ملامَسَةٌ أو تراكُب، أو إلى فرع آخر من شجرة أخرى تلامست أغصانُهما أو تداخلت وتراكبت. ولم يكن هذا الفنّ متّبعاً عند شعراء وخطباء العرب القدماء، بل كانوا ينتقلون من الْغَزَل أو وصف أرضهم وأنعامهم، أو الحديث عن قومهم أو بطولاتهم أو غير ذلك، إلى المدح أو الاستجداء أو غير ذلك مما هو مقصودُهم الأساسي انتقالاً مفاجئاً، أو يفصلون بنحو قولهم: "دعْ ذا" و"عَدِّ عنْ ذا" أو بغير ذلك ممّا يُشْعِرُ بانتهاء كلام سابق وابتداء كلامٍ جديد في موضوعٍ آخر، ويُسمَّى هذا "اقتضاباً". ومن الاقتضاب المحمود الْفَصْلُ بعبارة "أمّا بَعْد" بعْدَ مقدّمة الحمد والثناء على الله ، والصلاة والسلام على نبيّه محمد ﷺ . ومن الاقتضاب البديع الفصل بين قِسْمٍ وقِسْمٍ آخَرَ باسم الاشارة "هذا" أو "هذا ذكْرٌ" أو نحوهما ممّا يُشْعِر بالانتهاء من الكلام على الْقِسْم السابق للْبَدْءِ بالكلام على قِسْمٍ آخَر من أقسامِ موضوعٍ كُلّي ذي أقسامٍ متعدّدة، ومن أمثلته ما جاء في سورة (ص/ ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) إذْ جاء فيها بيان ثلاثة أصناف من الرسل، وقد يُلْحَقُ بأصنافهم المحسنون والأبرار من غيرهم.

стр. 1107

الصنف الأول: صنف الأوّابين، وقد عرضت السورة ثلاثةً منهم، وهم: "داود وسليمان وأيوب" ﵈ والأوَّاب هو سريع الرجوع إلى الاستقامة المطلوبة منه بعْدَ انحرافه عنها. الصنف الثاني: صنْفُ المصْطَفَيْن الأخيار الذين لا يملأ ساحة تفكيرهم إلاَّ ذِكْرَى الدار الآخرة والعملُ لأعْلَى منازل الجنة فيها، وعرض الله في السورة ثلاثة منهم، وهم "إبراهيم، وإسْحَاقُ، ويعقوبُ" ﵈. الصنف الثالث: صنف الأخيار، ومرتَبَتُهُمْ وسْطَى بَيْنَ الأوّابين والمصْطَفَيْن الأخيار، وعرض الله في السورة ثلاثة منهم، وهم "إسماعيلُ، والْيَسَعُ، وذو الْكِفْلِ" ﵈. وبعد أن انتهى الحديث عن مراتب الأنبياء ومن يُلْحَقُ بهم من المحسنين والأبرار، واقتضت الحكمة الكلامَ عنِ المتقين من غير الأنبياء فصَلَ اللَّهِ تعالى بقوله: ﴿هاذا ذِكْرٌ﴾ [الأنبياء: ٢٤] وبعده قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ * هاذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب * إِنَّ هاذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [الآيات: ٤٩ - ٥٤] . وبعد وصف حالة المتّقين في جنّاتِ عدن جاءَ دور الحديث عن الطاغين أهْلِ جَهَنُّم، ففصل الله بقوله: ﴿هذا﴾ وبعده قال تعالى: ﴿ ... وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد * هاذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هاذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار * قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار * قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هاذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار * وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار﴾ [الآيات: ٥٥ - ٦٣] .

стр. 1108

وقد علّمنا الله في أداب المناظرة أن نبدأ بالحمد لله فالسلام على عباده الذين اصطفى، وننتقل مباشرة إلى أوّل فِقرَةٍ من فقرات المناظرة دون فاصل من الكلام، لأنّ عقد مجْلِس الْحِوَار قد كان لإِقامَةِ مُنَاظرةٍ بيْن فريقَيْن على موضوع معين، ولكن المسلم لا يبدأ بأيّ أمر ذي شأنٍ حتَّى يَحْمد الله ويُسَلّم علَى رُسُله، فإذا فعل ذلك بدأ موضوعه دون حاجةٍ إلى تمهيد، نظراً إلى أنّ النفوس مُهَيّأَةٌ لاستقبال أوّل فقرات المناظرة، بعد مقدّمة الحمد لله والسلام على رُسُله. نجد هذا التعليم في قول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) : ﴿قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفىءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السمآء مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أإلاه مَّعَ الله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض أإلاه مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلاه مَّعَ الله تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض أإلاه مَّعَ الله قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [الآيات: ٥٩ - ٦٥] . *** وأما براعة المقطع، أو "براعة الختام": فهي أن يختم المتكلّم كلامه بختامٍ حَسَن، إذْ هو آخِرُ ما يطْرُقُ الأسماع، أو يقع عليه نظر القارئ، فيَحْسُنُ فيه أن يكون بمثابة أطيب لُقْمةٍ في آخر الطعام، أو بمثابةِ آخر اللّمساتِ الناعمات المؤثرات الّتِي تعْلَقُ في النفوس، وتَسْكُنُ عندها سُكُونَ ارتياح، وتظلُّ لهَا ذكرياتٌ تُحرِّكُ النفوس بالشوق إلى المزيد من أمثال ذلك الحديث.

стр. 1109

ومن الحسن البديع في الختام أن يجمع خلاصة مختزلة لأمّهات الموضوع الذي سبق في الأوساط شرحه، مع التذييل بالعظة المقصودة، أو القاعدة الكليّة الاعتقاديّة الّتي بُنِيَ عليها الموضوعَ، أو اشْتُقَّ منها، أو اعتمد عليها. ومن الحسن في الختام أن يشتمل على الثناء على الله والصلاة والسلام على نبيّه، أو أن يكون مشعراً فكريّاً بانتهاء الحديث عن الموضوع الذي يتحدّث عنه المتكلّم، كأن يكون شرحاً لآخر الأقسام، وقد استوفى المطلوب فيه. وللبلغاء فنونٌ مختلفة كثيرة يختمون بها شعرهم أو نثرهم، ويكون آخِرُ كلامهم دالاًّ على أنَّهُمْ قد وصلوا فعلاً إلى آخر ما يقصدون من قول، وتتفاضل الخواتيم بمقدار ما فيها من إبداع دالّ على أنّها آخر القول. * ومن أمثلة "براعة المقطع" ما يلي: ١- قول أبي نُواس من قصيدة يمدح فيها المأمون: فَبَقِيتَ لِلْعِلْمِ الَّذِي تَهْدِي لَهُ ... وتقاعَسَتْ عَنْ يَوْمِكَ الأيَّامُ ٢- وقول أبي تمّام في آخر قصيدته في ممدوحه: فَمَا مِنْ نَدىً إلاَّ إلَيْكَ مَحِلُّهُ ... وَلاَ رِفْعَةٌ إلاَّ إلَيْكَ تَسِيرُ ٣- وقول الأرّجَاني في آخر قصيدته في ممدوحه: بَقِيتَ وَلا أَبْقَى لَكَ الدَّهْرُ كَاشِحاً ... فَإِنَّكَ في هذا الزَّمَانِ فرِيدُ كاشِحاً: أي: عَدُوّاً مبغضاً. ٤- وقول الآخر: بَقِيتَ بَقَاءَ الدَّهْرِ يَا كَهْفَ أَهْلِهِ ... وَهَذَا دُعَاءٌ لِلْبَرِيَّةِ شَامِلُ ***

стр. 1110

المقولة الثالثة: إعداد كلام أدبيّ في موضوع ما لا يُوجَد هيكلٌ واحد أو هياكلُ ذوات عدد محصور تُتَّخَذُ نماذج ثابتة يُنْتَقَى منها أحدها لتُوضَعَ على مُخَطّطة أفكار وعبارات كلام أدبيٍّ في موضوعٍ ما، شعراً كان أو نثراً، مهما اختلفت الموضوعات الفكريّة، وتنوّعت أغراضها، ومقتضيات أحوالها. وذلك لأنّ صور هياكل الكلام الأدبيّ تخضع للتّجْدِيد والابتكارات دون قَصْرٍ ولا حَصْر، وشأْنُها كشَأْن لوحاتِ الرّسّامين، ومخطَّطاتِ مهندسي الأبنية، فهي لا تقف عند حدود صُورٍ معيّنة وهياكل لا تتعدّاها. وعلى مقدار ما نجد في خَلْقِ الله من أشكال وصور مختلفة في أنواع الأشياء والأحياء، والأشجار والأزهار والثمار، نلاحظ أن الكلام الأدبيّ قابلٌ للتنوّع في صور لا حَصْر لها. وللإِبداع المقبول فيها شروطٌ عامّة لغويّة، وفكرية، وجمالية، وتلاؤميّة مع مقتضيات الأحوال. * فالشروط اللّغوية تأتي من قواعد اللّغة، في بناء كلمتها، ونحوها وصرفها، وبناء الجملة فيها، وأساليب الكلام بها. * والشروط الجمالية أمور خفيّة يصعب تحديدها، كما سبق في فصل "الجمال في الكلام" لكن يمكن استفادة عناصر كثيرة تكسب الكلام جمالاً أدبيّاً ممّا سَبَق بيانه في فنون "المعاني والبيان والبديع" وممّا جاء في فصل "الجمال في الكلام".

стр. 1111

على أنّ ذوّاقي الجمال الأدبيّ في الكلام يشعرون بتحقُّقِ الشروط الجمالية في الكلام، أو بتحقٌّقِ قِسْمٍ كبيرٍ منها، مَتَى أحَسُّوا بأذواقهم أنّه كلامٌ جميل، سواءٌ استطاعوا أن يكتشفوا العناصر الجمالية التي أمتعتهم في الكلام، أو لم يستطيعوا اكتشافها. * والشروط الفكريّة ترجع إلى كون العناصر الفكرية في الكلام عناصر منسجمة مع أصول شجرات الأفكار التي فطر الله عليها مَدَارِك النفوس القابلة للعلوم والمعارف، أو إلى قدرة صاحب الكلام على سَتْر الثُّغَرات التي تكون في أبْنِيتِه الفِكْرِيّة، بالإِيهام والتمويه وزخرف القول، حتّى يَبْدُوَ الباطل الذي يقدّمه مُزَيّناً مَطْوِيَّ الثغرات، في صورة حَقٍّ متعانِقِ الفِقَرات، وهي في الحقيقة متباينات متضادّات متنافرات. * والشروط التلاؤميّة مع مقتضيات الأحوال، ترجع إلى أنّ لكلّ مقامٍ حالاً، وأنّ لكلّ حالٍ مقالاً، وقد سبق بيان هذا في المقدمات العامة أوّل الكتاب. وأنبّه هُنا على ضرورة التفريق بين الكلام الأدبيّ في الموضوعات الأدبية العامة، كالنسيب والمدح والهجاء والموعظة والنصيحة وما يتضمن استثارة للانفعالات والعواطف الإِنسانية، وبين المقال الصحفي، والخطبة، والمقال العلمي، إذْ لكلِّ مجالٍ من هذه المجالات أسلوبٌ من الكلام يلائمه، وما يصلُحُ في واحدٍ منها قد لا يصلحُ في سائرها. إنّ جدول الماء مثلاً قد يراه العاشق في تعبيره الأدبيّ مثل مجرى دموعه، وتدفق أشواقه، ومثل لين جسد التي يعشقها، وهو مشوق لوصالها. ويراه الأديب الوصّاف فيصف انسيابه كالثعبان، وحركته الجمالية، ويصف ما يحيط به من نبات وحيوان، وما يتدلّى عليه من أغصان الشجر، وما يمتد إليه من أشعة وأنوار، وما يتناثر عليه من زهر، وما يتلاعَبُ على سطحه وفي جوفه من سابح طير وسمك.

стр. 1112

ويراه عالم الطبيعة من منظار ما درس في علوم الكيمياء والفيزياء والجغرافية وغيرها من علوم الطبيعة. ويراه الزارع من منظار الاستفادة منه في الزراعة وسَقْي الحقول، والأنعام التي يرعاها ويستثمرها. ويراع عالم الاقتصاد من منظار حاجة اقتصاديات البلاد إلى المياه ومصادرها. ويراه الواعظ الديني من خلال ما يُلاحظ فيه من طهارة ونقاء، وما يرى في مائه من نعمة الله على عباده بالرّيّ والتطهير، وتكون تعبيراته بشأنه مشتملة على ما يثير العواطف الدينيّة الإِيمانية، ويحثُّ على الالتزام بطاعة الله، والحرص على عدم إهدار نعمة الله والتبذير بها. والصحفيّ في مقاله يراه من خلال المناسبة الصحفيّة الزمنية التي استدعت ذكره، ويكون تعبيره بأسلوب المحادث الذي يؤنس محدّثه، ولا يُجْهِدُ فكره، ويتنقّل به من فكرة إلى فكرة بحسب مجاري أفكاره. ويشترط في كلّ كلامٍ أدبي في أيّ مجالٍ من المجالات المختلفات أن يكون بمثابة شجرة أو غُصْنِ من أغصانها معلوم الارتباط بها، أو بمثابة كائن حيٍّ أو عضْوٍ من أعْضَائه معلوم الارتباط به. ومعلومٌ أنّ كلّ كائن حيّ له أركان لكينونته تقع في المرتبة الأولى، وعناصر أخرى، منها ما يقع في المرتبة الثانية، ومنها ما يقع في المرتبة الثالثة، أو الرابعة، وله مظاهر جمالية تقع في المرتبة الأولى، وأخرى تقع في المرتبة الثانية، فالثالثة، فالرابعة ... فمن أركان الكائن الحيّ ذي الهيكل العظمي ما يلي: ١- الروح. ٢- الرأس.

стр. 1113

٣- القلب. ٤- الجملة العصبيّة. ٥- الهيكل العظمي العامّ. ٦- الكسوة الأساسيّة المتمّمة للهيكل، المالئة لأبوابه ومنافذه وعناصر قُوَّتِه. ٧- الكسوة الجمالية التي تتكوّن من لحمه وشحمه وجلده وشعره وقسماته وألوانه. ٨- الزينات الجمالية، وهي الألبسة من حُلَلٍ وحُلِيّ، وما يُضَاف إلى الجسم من تحسين وتشذيب وتهذيب ونحو ذلك. * فروح المقالة ما فيها من حياةٍ وحركةٍ يشعر بهما المتلقي. * ورأسُها ما فيها من نظامٍ فكريٍّ سَوِيّ وتعبيرٍ يَدُلُّ عليه. * وقلْبُها الغرض الأكبر الذي يقصد المتكلم توصيله للمتلقّي. * وجملتُها العصبية هي الروابط الفكريّة بين فقراتها وجُمَلها، ولو كانت روابط غيرَ مدلول عليها بكلماتٍ في النصّ. * وهيكلُها العامُّ الوعاء اللّغوي الذي تتألف منه كلماتها وجملها. * وكسوتها الأساسية هي الكلمات والجُمَلُ الفصيحة البليغة. * وكسوتها الجمالية هي الاختيارات الأدبية الملائمة لمعانيها، ولمقتضيات أحوال الموضوعات والمخاطبين. * والزينات الجمالية ما تشتمل عليه المقالة من فنون جمالية تستحوذ على إعجاب ذوّاقي الجمال الأدبي. ويتفاوت مؤلفو الكلام الأدبي في قدراتهم على صناعة الكلام الأدبي الرفيع، ويتفاضلون في درجات ما يصنعون منه تفاضلاً كبيراً، والارتقاء في هذه الدرجات يحتاج استعداداً فطريّاً، وممارسة طويلة الأمد، ونظراً تحليليّاً مُتَتَبِّعاً لروائع النصوص الأدبية، وكاشفاً للعناصر الجمالية فيها.

стр. 1114

خاتمة الكتاب هذا ما فتح الله به عليّ في تجديد هذا العلم النفيس (علم البلاغة العربية) الذي أسسه علماء المسلمين خدمة لكتاب الله المجيد المعجز في معانيه وفي مبانيه، وخدمة لأقوال الرسول محمّد بن عبد اللَّهِ ﷺ . إنّه لمّا كانت شجرة هذا العلم قابلة للتنمية والإِضافات الاستنباطيّة والابتكارية، وقابلة لتلقيح فروعها بلقاحات أشجارٍ أُخرى عربيّة وغير عربيّة، طبيعيّة أو مُسْتَنْبَتة بأعمالٍ تَطْوِيريّة مختلفة. ولمّا كان هذا العلم يخْدُم رسالَتَي الدعوة إلى دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولمّا كانت لي اهتماماتٌ بهذا العلم منذ نشأتي مُتَلَقِّياً دروس البلاغة في حلقات مدرسة والدي تغمّده الله برحمته، ثم أستاذاً فيها لمادّة "علم البلاغة" مقرّراً لكتاب "تلخيص المفتاح" للعلاّمة الشيخ جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، الذي لخَّصَ فيه وهذّب كتاب "المفتاح" في علوم البلاغة لأبي يعقوب يوسف السّكَاكي، ومتَتَبِّعاً شرّاح كتاب "التلخيص" وناظراً في كثير من كتب البلاغة والحواشي والتقريرات. ولمّا كانت لدَيَّ بفضل الله موهبة فطريّة موروثة في الشّعر والأدب وشغَفٌ بكتبهما، وممارسَةٌ للكتابة بهما، ثمّ كانت لي نظرات تَدَبُّرِيّة فكريّة وبلاغيّة وأدبيّة في كتاب الله ، وروائع أقوال الرسول ﷺ ، اهتديت من خلالها إلى

стр. 1115

تطبيقات كثيرات، واكتشافات قيّمات لعناصر جمالية بلاغيّة وأدبيّة فيهما، كُنْتُ أدَوّنها وأشرحها فيما أكْتبُ من تدبُّرٍ لهما، وكنتُ أجْمَع ما أظفر به من متناثرات جماليّة وبلاغيّة وأدبيّة تَصْلحُ لأَنْ تُضاف إلى هذا العلم النّفيس. لمّا تجمّعت لديّ كُلُّ هذه العوامل والمُحَرِّضات، ورأيتُ معونة الله تُمِدُّني، وتَوفيقَهُ يَرْعاني، وجَّهْتُ عزيمتي متوكّلاً عَلَيْه لكتابة هذا السِّفر مُشْتَمِلاً على نُقَايَاتٍ مِنْ مُدَوَّنَاتِ فُنُونِ عِلْمِ البلاغة، وما فتح الله به عليَّ مما يَصْلُح لأنْ يُضافَ إليه. ولمّا فاض ما جَمعْتُ عمَّا كُنْتُ آمُل رأيْتُ أن أقْتَصِر عليه، وأُخْرجَهُ في هذا الكتاب، عسَى أن ينفع الله به متدبّري كتابه المجيد، وأقوال رسوله الخاتم، وأن يُوَفِّق للاسترشاد به الدُّعاة إلى سبيل ربّهم، والقائمين برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتّى يُحْسِنُوا استخدامَ وسِيلَةِ الأدب الرفيع للتأثير فيمن يوجّهون لهم بياناتهم، ونصائحهم، ومواعظهم، بالحكمة والموعظة الحسنة. اللهم ربّ لك الحَمْدُ على ما وهبْتَ. اللهم ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتَك التي أنْعَمْتَ بها عليّ وعلى والِدَيَّ، وأَنْ أعْمَل صالحاً ترضاه مخلصاً لك في أقوالي وأعمالي. اللهم ربّ اغفر لي واجْعَل ما أكتُب وأنْشُر وأُبَلِّغُ خَالصاً لوجهك الكريم بفضلك ومَنِّكَ وجُودِك، رَبِّ وَزِدْنِي من فيوض عطاياك وفضلك وجودك في الدُّنيا وفي جنّاتِ النعيم، وأصلح أحوال الدّعاة والقائمين برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر المؤمنين المسلمين. وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. مكة المكرمة في يوم السبت التاسع من ربيع الآخر لسنة ١٤١٤ هجرية. الموافق للخامس والعشرين من / ٩ / ١٩٩٣ ميلادية.