← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

"الحرُّ إذَا وَعَدَ وَفَى، وإذا أَعَانَ كَفَى، وإِذَا قَدَرَ عَفَا". وقد جاء في كلام الرسول ﷺ النَّهْيُ عن سَجْعِ الكُهَّان، إبعاداً عن التشبُّهِ بهم، وهُو غير السَّجْعِ الذي إذا كان تلقائياً غير متكلف ولا مُلْتزَمِ به في كلّ الكلام، كان من المحسِّنات اللفظيّة، وكان من البديع، لوروده في القرآن وفي أقوال الرسول ﷺ . والأسْجَاعُ مبنيّةٌ على سكُونِ الأعجاز (أي: الأواخر) مثل: "مَا أبْعَدَ مَا فَاتْ، وَمَا أقْرَبَ ما هُو آتْ". والأصل في السّجع، أن يكون في النثر، لكنَّه قد يأتي داخل فِقَراتِ البيت من الشعر، فيزيدُه حُسْناً إِذَا كان مستوفياً شروطه الفنيّة غير متكلّف. وتأدَّب بعض العلماء فخصّ ما هو ملاحظٌ في القرآن من سجع باسم "فواصل". ويُطلق على الفِقَرَةِ المنتهية بالفاصلة: "سَجْعه" وجمعها "سجعَات" ويُطْلَق عليها "قَرينة" لمقارنَتها لأختها، وتجمع على "قرائن" ويُطْلَقُ عليها "فِقَرَة" وجمعُها "فقْراتُ" و"فِقَرَات" و"فِقَر". أقسام السجع: من الدقة في التقسيمات والتفصيلات لدى علمائنا الأقدمين تقسيمُهُمُ السّجع إلى عدّة أقسام هداهم إليها واقع الأمثلة التي نظروا في شرحها وتحليلها، مع النظر في الاحتمالات العقلية التي تتعرّض لها الْجُمَل المسجوعة في اللّسان العربي. فقسَّمُوا السَّجْع إلى عدّة أقسامٍ، ووضعوا لها أسماء اصطلاحية وفيما يلي بيانُها.

стр. 1052

أوّلاً: فمن جهة بناء كلمات السجعتين واتّفاقها في الوزن والحرف الأخير منها أو عدمه ظهرت لهم ثلاثة أقسام: القسم الأوّل: "التَّرصِيع" ويقال فيه: "السَّجْعُ المرصَّع". وهو أن تكون الألفاظ المتقابلة في السَّجْعَتَيْن متفقةً في أوزانها وفي أعْجَازِها، "أي: في الحرف الأخير من كلّ متقابلين فيها" مثل ما يلي: (١) قول الله في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) : ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الآيات: ٢٥ - ٢٦] . فالتقابُلُ في كَلِمَاتِ الفقرتين يُلاحَظُ فيه الاتفاق في الأوزان وفي الحرف الأخير. إنّ - إِلَيْنَا - إِيَابَهُمْ - ثم. إنَّ - عَلَيْنَا - حِسَابَهُمْ. أمّا كلمة "ثُمَّ" فهي بمثابة المشترك بين الفقرتين. (٢) قول الحريري: "فَهُوَ يَطْبَعُ الأَسْجَاعَ بِجَوَاهِرِ لَفْظِهْ، ويَقْرَعُ الأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهْ". التقابل في كلمات هَاتين الفِقْرتَيْن تقابُلُ اتّفاقِ في الأوزان وفي الحرف الأخير: فهو: يَطْبَعُ - الأَسْجَاعَ - بِجَواهِرِ - لَفْظِهْ. و: يَقْرَع - الأَسْمَاعَ - بزَواجرِ - وَعْظِهْ. ويُلاَحَظُ فيهما مع التَّرْصِيع، تصَنُّع الجناس الناقص. القسم الثاني: "المتوازي" ويقال فيه: "السَّجْع المتوازي".

стр. 1053

وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السّجعَتَيْن متَّفِقَتَيْن في الوزن وفي الحرف الأخير منهما، مع وجود اختلافٍ ما قبلهما في الأمرين، أو في أحدهما، مثل ما يلي: (١) قول الله في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) في وصف الجنة: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] . كلمتا: "مَرْفوعَة" و"موضوعة" متفقان في الوزن والحرف الأخير، لكنّ ما قبلهما وهما: "سُرُرٌ" و"أَكْوَابٌ" غير مُتَّفِقَتين فيهما. (٢) قول أبي منصور الثعالبي: "الْحِقْدُ صَدَأُ الْقُلُوبْ، واللَّجَاجُ سَبَبُ الْحُروبْ". اللَّجَاج: التمادي في الخصومة. كلمتا: "القلوب" و"الحروب" متفقتان في الوزن والحرف الأخير، لكنّ كلمتي "صَدَأ" و"سَبَب" مختلفتان في الحرف الأخير، وإن اتفقتا في الوزن، وكلمتي "الحقد" و"اللّجاج" مختلفتان في الأمرين كليهما. (٣) قول الحريري: "ارْتِفَاعُ الأخْطَارْ باقْتِحَامِ الأَخْطَارْ" الأخطارْ الأولى: المنازل الاجتماعية. والأخْطَارُ الثانية: المهالك. (٤) وقال أعرابي لرجُلٍ سألَ لَئيماً: "نَزَلْتَ بِوَادٍ غَيْرِ مَمْطُورْ، وَفِنَاءٍ غَيْرِ مَعْمُورْ، وَرَجُلٍ غَيْرِ مَيْسُورْ، فَأَقْدِمْ بِنَدَمْ، أو ارْتَحِلْ بِعَدَمْ".

стр. 1054

(٥) وقال أعْرابيّ: "بَاكَرَنَا وَسْمِيّ، ثُمَّ خَلَفَهُ ولِيّ، فالأَرْضُ كَأَنَّهَا وَشْيٌ مَنْشُورْ، عَلَيْهِ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورْ، ثُمَّ أَتَتْنَا غُيُومُ جَرَادْ، بِمَنَاجلِ حَصَادْ، فَجَرَدَتِ الْبِلاَدْ، وَأَهْلَكَتِ الْعِبَادْ، فَسْبُحانَ مَنْ يُهْلِكُ الْقَوِيَّ الأَكُولْ، بالضِّعيفِ الْمَأْكُولْ". الوسْمِيُّ: مطر الربيع الأول. الْوَلِيُّ: المطر يسقُط بَعْدَ المطر. القسم الثالث: "المطرّف" ويقال فيه: "السَّجْعُ الْمُطَرَّف". وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السَّجْعتين مختلفتين في الوزن، متفقَتَيْن في الحرف الأخير، وعندئذٍ لا يُنْظَرُ إلى ما قبلهما في الاتفاق أو الاختلاف، مثل ما يلي: (١) قول الله في سورة (نوح/ ٧١ مصحف/ ٧١ نزول) حكايةً لما قال نوحٌ ﵇ لقومه: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] . كلمتا: "وَقَارا" و"أَطْوَارَا" مختلفتان في الوزن، متفقتان في الحرف الأخير. (٢) قَوْلِ أحد البلغاء: "الإِنْسَانُ بآدَابهْ لاَ بِزِيِّهِ وَثِيَابِهْ". ثانياً: والسّجع في الشعر قد يأتي على وجوه السّجع في النثر، إلاَّ أنّه يختصّ بقسميْن لا يوجدان في النثر، هما: التصريع، والتشطير: * فالتصريع: يكون بجعل الْعَرُوض (وهي آخر المصراع الأوّل من البيت) مقفّاةً تقفية الضَّرْب (وهو آخر المصراع الثاني من البيت) ومنه أغلب أوائل القصائد، مثل:

стр. 1055

(١) قول امرئ القيس: أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ ... وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي صَرْمِي: أي: قطع وصالي. وقوله: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ (٢) وقول أبي الطيّب المتنبّي: مَغَانِي الشِّعْبِ طِيباً في الْمَغَانِي ... بِمَنْزِلةِ الرَّبيعِ مِنَ الزَّمَانِ * والتَّشْطِير: يكون بِجَعْلِ كلِّ شَطْرٍ مِنَ شطْرَي البيت مسجوعاً سجْعاً مخالفاً للسّجع في الشطر الآخر، مثل قول أبي تَمَّام: تَدْبِيرُ مُعْتَصِمٍ: بِاللَّهِ مُنْتَقِمٍ ... لِلَّهِ مُرْتَغِبٍ. في اللَّهِ مُرْتَقِبِ فالسَّجْعُ في الشطر الأول على حرف الميم، وفي الشطر الثاني على حرف الباء. أمثلة على السّجع من الشعر: (١) قول أبي تمّام يمدح أبا العباس "نَصْرَ بن بَسَّام": سَأَحْمَدُ نَصْراً مَا حَيِيِتُ وإنَّنِي ... لأَعْلَمُ أَنْ قَدْ جَلَّ نَصْرٌ عَن الْحَمْدِ تَجَلَّى بِهِ رُشْدِي وَأَثْرَتْ بِهِ يَدِي ... وَفَاضَ بِهِ ثَمْدِي وأَوْرَى بِهِ زَنْدِي ثَمْدِي: الثَّمْدُ: الماء القليل. أَوْرَى الزَّنْدُ: خَرَجَتْ نارُه، والزَّنْدُ هُوَ العودُ الأعْلَى الذي تقْدَحُ به النار. (٢) وقول الخنساء: حَامِي الحقيقةِ. مَحْمُودُ الْخَلِيقَةِ ... مَهْديُّ الطَّريقة. نَفَّاعٌ وضَرَّارُ

стр. 1056

جَوَّابُ قاصِيَةٍ. جَزَّارُ نَاصِيَةٍ ... عَقَّادُ أَلْوِيَةٍ. لِلْخَيْلِ جَرَّارُ ثالثاً: والسَّجْع من جهة الطّول والقصر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: "السَّجْعُ القصير". ومنه قول الله في سورة (المرسلات/ ٧٧ مصحف/ ٣٣ نزول) : ﴿والمرسلات عُرْفاً * فالعاصفات عَصْفاً﴾ [الآيات: ١ - ٢] . القسم الثاني: "السَّجْعُ المتوسط". ومنه قول الله في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) : ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر * وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ [الآيات: ١ - ٣] . القسم الثالث: "السَّجْعُ الطويل". ومنه قول الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) : ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ولاكن الله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ [الآيات: ٤٣ - ٤٤] . درجات السّجع في الْحُسْن: رتّب علماء البديع السَّجع من جهة الْحُسْن في ثلاث دَرجات: الدرجة الأولى "العليا": مَا تَسَاوَتْ سَجْعاته، مثل قول الله في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) : ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الآيات: ٢٧ - ٣٠] .

стр. 1057

مَخْضُود: أي: منزوع الشوك. وَطَلْح منْضود: الطَّلْحُ: الموز. منضود: أي: مضموم بعضه إلى بعض بتناسُق. الدرجة الثانية "الوسطى": مَا طَالَتْ سجْعتُهُ الثانية، أو الثالثة، مثل ما يلي: (١) قول الله في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) : ﴿والنجم إِذَا هوى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى﴾ [الآيات: ١ - ٢] . السجعة الثانية هنا أطول من الأولى. (٢) وقول الله في سورة (الحاقة/ ٦٩ مصحف/ ٧٨ نزول) بشأن من أوتي كتابه بشماله يوم الدّين: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ﴾ [الآيات: ٣٠ - ٣١] . السجعة الثالثة هنا هي الأطول. أقول: هذه الدرجة الثانية قد تكون في موقعها الملائم مثل الدرجة الأولى في الْحُسْن، وطولُ السجعة الثانية أو الثالثة قد يزيد السَّجْعَ حُسْناً، لأنَّه يُخْرجه عن النّمطيَّة المتناظرة، فيكونُ أكثر تنبيهاً وإثارةً لنفس الأديب الذّواق للجمال، وكتابُ الله مُتَشابه في الْحُسْن. الدّرجة الثالثة: مَا كانت سجعته الثانية أقصر من الأولى قصراً كثيراً، يُحسّ معه الذوق الجماليُّ عند الأديب بأنه كالشيء المبتور الذي قُطع قَبْل أن يسْتكْمل مَا كان ينبغي له. أقول: الْمُحَكَّمُ في كلّ ذلك الحسُّ الجماليّ لدى ذوّاقي الجمال في الكلام، لا التساوي في الفقرات المقترنات، ولا طول بعضها وقصر بعضها.

стр. 1058

على أنّ المعاني ينبغي أن تكون صاحبة الحظّ الأوفر من الاعتبار، وما تستدعيه المعاني من تساوٍ في الفقرات أو تفاضل فهو الذي يَحْسُن أن يُصَار إليه دواماً، والقيود من وراء ذلك قيودٌ شكليّة لا لُزُوم لها. أخيراً: قد يلجأ البليغ إلى بعض تَصَرُّفٍ في الكلمة على خلاف قاعدتها في اللّسان العربي مراعاةً للسَّجْع المتناظر، ومنه ما جاء في قول الرسول ﷺ لِلَّوَاتي كُنَّ يَخْرُجْنَ إلى المقابرِ للنُّواحِ على الموتى: "اِرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ". أصل "مأزورات" أن يقال فيها "مَوْزورات" فحصل التصرف في الحرف الثاني، لِتُنَاظِرَ الكلمةُ السَّجعةَ الثانية "مَأْجُورَات". ***

стр. 1059

البديعة اللفظية (٣) : "الموازنة " الموازنة: هي تساوي الفاصِلَتَيْنِ في الوزن من الفِقْرتين المقترنتين، مع اختلافهما في الحرف الأخير منهما "=القافية في الشعر". ولولا أنّ السَّجْعَ يُشْتَرَطُ فيه الاتّفاقُ في الحرف الأخير من سجعاته لكانت الموازنة قِسْماً منه. واشتق أهل البديع منها فرعاً أطلقوا عليه اسم "المُمَاثَلَة" وهي الموازنة التي كون كُلُّ مَا في إحدَى الفقرتين المقترنتين أو مُعْظَمُه مِثْلَ مُقابِلِه من الفقرة الأُخرى في الوزن. أمثلة: (١) قول الله في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) في وصف الجنة: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الآيات: ١٥ - ١٦] . هذا مثال للموازنة، إذِ اتَّفَقت الكلمتان الأخيرتان في الوزن دون التقفية، فالأولى على الفاء، والثانية على الثاء. نمارِقُ: جَمْعُ "نُمْرُق"، وهي الوسادة الصغيرة يُتَّكَأُ عليها، ويقال فيها: نَمْرَقَة، ونُمْرُقة، ونِمْرِقَة. زَرابِيّ: جمع "زَرْبِيَّة" وهي حشيَّةٌ تُبْسَطُ للجُلُوسِ عليها.

стр. 1060

(٣) قول أبي تمام: فَأَْحْجَمَ لَمَّا لَمْ يَجِد فِيكَ مَطْمَعاً ... وَأَقْدَمَ لَمَّا لَمْ يَجِدْ عَنْكَ مَهْرَباً هذا مثال للماثَلة، إذْ كُلُّ كلمات الفقرتين متفقات في الوزن. *فأحْجَمَ - لمَّا - لَمْ - يَجدْ - فِيكَ - مَطْمعاً. *وأَقْدَمَ - لمَّا - لَمْ - يَجِدْ - عَنْكَ - مَهْرَباً. ***

стр. 1061

البديعة اللفظية (٤) : "ردّ العجز على الصدر " يكُون في النثر ويكون في الشعر: * أمَّا في النثر: فهو أنْ يَجْعَلَ المتكلِّمُ أحَدَ اللّفْظَيْنِ المكرَّرَين، أو المتجانسين أو مَا هو مُلْحقٌ بالمتجانِسَيْن في أوّل الفقَرَة، والآخر في آخِرِها، مثل ما يلي: (١) قول الله في سورة (الأحزاب/ ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول) خطاباً لرسوله ﷺ بشأن تزوجّه من زينب مُطَلَّقة متبَنَّاه زَيْد: ﴿وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ... ﴾ [الآية: ٣٧] . هذا مثال اللفظين المكرّرَيْن. (٢) قول الله في سورة (نوح/ ٧١ مصحف/ ٧١ نزول) في حكاية ما قال نوحٌ ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [الآية: ١٠] . هذا مثال للّفظَيْن المتلاقِيَيْن في الاشتقاق. (٣) قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكاية لما قال لوطٌ ﵇ لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الآية: ١٦٨] . هذا مثال للّفظَيْنِ المتلاقِيَيْنِ فيما يشبه الاشتقاق.

стр. 1062

* وأمّا في الشعر: فهو أن يجعلَ المتكلم أحد اللّفظين المكرّرين، أو المتجانِسَيْن، أو ما هو مُلْحَقٌ بالمتجانسين في واحد من الوجوه التالية: الوجه الأول: أن يكون أحدُهما في آخر البيت والآخر في أول البيت، مثل قول الأفيشر: سَرِيعٌ إلى ابْنِ الْعَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ إلى دَاعِي النَّدَى بسَرِيعِ الوجه الثاني: أن يكون أحَدُهُما في آخر البيت والآخر في آخر الشطر الأول، مثل قول أبي تمام: وَمَنْ كَانَ بِالبِيضِ الكواعِبِ مُغْرَماً ... فَما زِلْتُ بِالبِيضِ القَوَاضِبِ مُغْرَمَاَ الكواعِبُ: جمع "كاعِب" وهي الجاريةُ حين يَبْدو ثدْيُها. بالْبِيضِ الْقَوَاضب: أي: بالسُّيوف القواطع. الوجه الثالث: أن يكون أحدهما في آخر البيت، والآخر في حَشْوِ الشطر الأول، مثل قول الصِّمَة بن عبد الله القُشَيْري: أقولُ لِصَاحبي والعِيسُ تَهْوِي ... بِنَا بَيْنَ المُنِيفَةِ فالضِّمَار تمَتعْ مِنْ شِميم عَرَارِ نجْدٍ ... فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ من عَرَارِ العَرَار: وردة ناعمة صفراء طيّبة الرَّائحة. الوجه الرابع: أن يكون أحدُهُما في آخِرِ البيت والآخَرُ في أوّل الشّطْر الثاني، مثل قول ذي الرّمّة: ألِمَّا عَلَى الدَّارِ الَّتِي لَوْ وَجَدْتُهَا ... بِهَا أَهْلُهَا مَا كَانَ وَحْشاً مَقِيلُهَا وَإِنّ لَمْ يَكُنْ إلاَّ مُعَرَّجَ سَاعَةٍ ... قَلِيلاً فإنِّي نَافِعُ لي قَلِيلُهَا أَلِمَّا: أي: انْزِلاَ نُزُولاً قَلِيلاً.

стр. 1063

مُعَرَّج: يُقالَ: عرَّجَ عليه، إذا مَالَ إليه. وعَرَّجَ بالمكان. إِذا نَزَل به. قليلاً: أي: إلاَّ مُعَرَّجاً قليلاً. أمثلة متنوعة من ردّ العجز على الصدر: (١) قال القاضي الأرّجاني: دَعَانِي مِنْ مَلامِكُمَا سَفَاهاً ... فَدَاعِي الشَّوْقِ قَبْلَكُما دَعَاني (٢) وقال الثعالبي: وإِذَا الْبَلاَبِلُ أفْصَحَتْ بِلُغَاتِهَا ... فَانْفِ الْبَلاَبِلَ باحْتِسَاءِ بَلاَبِلِ البلابل: الأولى جمع "بُلْبل" وهو الطائر المعروف بالتغريد. والثانية جمع "بِلْبَال" وهو الحزن. والثالثة: جمع "بُلْبُلَةْ" وهو إبريق الخمر. (٣) وقال الحريري: فَمَشْغُوفٌ بآياتِ الْمَثَانِي ... ومَفْتُونٌ بِرَنَّاتِ الْمَثَانِي المثاني: الأولى: آيات القرآن. والثانية: أوتار المزامير التي ضُمَّ طاقٌ منها إلى طاق. (٤) وقال القاضي الأرّجاني: أَمَّلْتُهُمْ ثُمَّ تَأَمَّلْتُهُمْ ... فَلاَحَ لي أنْ لَيْسَ فِيهِمْ فَلاَحْ (٥) وقال البحتري: ضَرَائِبُ أَبْدَعْتَهَا فِي السَّمَاحْ ... فَلَسْنا نَرَى لَكَ فِيها ضَرِيبا ضرائب: جَمْعُ "ضَرِيبة" وهي ما طُبِعَ عليه الإِنسان. ضَرِيباً: أي مثيلاً ونظيراً. (٦) وقال أبو العلاء المعرّي: لَوِ اخْتَصَرْ تُمْ مِنَ الإِحْسَانِ زُرْتُكُمُ ... والْعَذْبُ يُهْجَرُ لِلإِفْرَاطِ في الْخَصَرِ

стр. 1064

الْخَصَر: شِدَّةُ البُرُودَة. (٧) وقال ابنُ عُيَيْنَة الْمُهَلَّبِي: فَدَعِ الْوَعِيدَ فَمَا وَعِيدُكَ ضَائِرِي ... أَطَنِينُ أجْنِحَةِ الذُّبَابِ يَضِيرُ (٨) وقال أبو تمّام من قصيدة يرثي بها محمّد بن نَهْشَل حين اسْتُشْهِد: وَقَدْ كَانَتِ الْبِيضُ الْقَواضِبُ في الوغَى ... بَوَاتِرَ وهْيَ الآنَ مِنْ بَعْدِهِ بُتْرُ البيض القَوَاضب: السيوف القواطع. بَواتِر: أي: قواطع. بُتْرُ: جمع "أبْتر" وهي بمعنى: أقطع، أي: مقطوع. ***

стр. 1065

البديعة اللفظية (٥) : "الانسجام " الانسجام: هو أن يكون الكلام في مفرداته وجُمَله منساباً انْسِيَاب الماء في مجاريه السَّهْلة، مُتَحَدِّراً ليّناً، بسبب التلاؤم بيْنَ كلماتِه، وجُمَلِه، وعُذُوبة ألفاظه، وجَمَالِ تمَوُّجَاتِ فقَراتِه، وخُلوِّه من التعقيد والتنافر، وخُلُوّه من كلّ ما يَنِدُّ عن النُّطْقِ، ويَنْفِرُ مِنْهُ السَّمْع. وإذا قوي الانسجامُ في النَّثْر جاءتْ قراءتُه موزُونة ترقُّبٍ ولا قَصْدٍ ولا تكَلُّفِ، بل يَنْدَفع بتِلْقائيَّة الذوقِ الأدبي، والحسّ الجماليّ المرهف. والقرآن المجيد كُلُّه مُنْسَجم، قد يسَّرَهُ الله للذِّكر، وفيه فقرات موزونة وزناً شعريّاً، وهي في مواضعها من القرآنِ ليْسَتْ بشعر، ومن هذه الفقرات الموزونة ما يلي: (١) ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] شطر من "الطويل". (٢) ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] شطر من "المديد". (٣) ﴿فَأَصْبَحُوا لاَ تُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] شطر من "البسيط". (٤) ﴿وَيُخْزِهِمُو وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمنِينَ﴾ [هود: ٣٧] . ويُخْزِهِمُو: على قراءة من يَضُمُّ الميم مع الصّلة. هذا بيت من "الوافر".

стр. 1066

(٥) ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي من يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [البقرة: ٢١٣] متفاعل - متفاعل - متفاعل - متفاعل. (٦) ... [دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُها ... وَذُلِلَّتْ قُطُونُهَا تَذْلِيلاً] هذا بيت من الرّجز. إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة في القرآن. ***

стр. 1067

البديعة اللفظية (٦) : ائتلاف اللّفظ مع اللفظ وائتلاف المعنى مع المعنى * من المحسّنات البديعيّة اللّفظية أن يكون اللّفظ مع اللّفظ المجاور له في الكلام مؤتَلِفَيْن، وهذا يلزم منه أن تكون الألفاظ في الكلام متآلفة يُلائِمُ بعضُها بعضها. ومن الائتلاف في الألفاظ أن يُنْتَقَى في النصّ من الكلمات ما يكون من نوعٍ من الكلام واحد، كأن تكون الكلمات من نَوْعِ الغريب، أو من نوع المتَدَاوَل، أو ممّا يلائم العامّة، أَوْ ممّا يلائم الخاصّة، أو ممّا يلائم مخاطبين مُعَيَّنِين ذوي تخصُّصٍ واحدٍ من تخصصات المعارف والعلوم والصناعات والمِهَن. * ومن المحسّنات البديعيّة اللّفظيّة أنْ تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد منها، ومن هذه الملاءمة أن يحكي صوتُ الكلمة صوتاً يوجد فيما دلت عليه، مثل "حفيف" لحركة أوراق الشجر، و"فحيح" لصوت الأفعى، و"صَرْصَر" لصوت الريح الشديدة، والهمز للصوت الذي يصدر عنه إقفال القفل أو تحريك المزلاج في "مؤصدة" و"سلسبيل" لصوت الماء الذي يجري بيسر، و"خرير" للماء النازل في شلاّل، إلى أمثلة كثيرة. وإذا كان المعنى جزلاً اختيرت له ألفاظٌ جزلَةٌ تُلائمة. وإذا كان المعنى رقيقاً اختيرت له ألفاظ رقيقة تُلائمه. وإذا كان المعنى خَشِناً اختيرت له ألفاظ خَشِنةٌ تُلائمه.

стр. 1068

وإذا كان المعنى غريباً اختيرت له ألفاظٌ غريبة تُلائمه. وإذا كان المعنى متداولاً اختيرت له ألفاظٌ متداولة تُلائمه. وإذا كان المعنى متوسطاً بين الغرابة والتداول اختير له ما يلائمه. وإذا كان المعنى فخماً اختير له ألفاظ مفخمة تلائمه. وهكذا، فألفاظ الحب والْغَزَلِ، غير ألفاظ العتاب والتثريب، وألفاظ المدح غير ألفاظ الهجاء. إنّه ليس من المستحسن في المدح أن يُقالَ: ثَقِيلُ الجود، ولا أن يقال في الغزل: ثقيل الحبّ، أو عنيفُ الهوى، ولا أن يقال في الإِرهاب: لطيف العبور نافذ الإِرادة، إلاَّ في مُخَاطبة لمَّاحي الذكاء، وعلى سبيل الإِشارة، إلى غير ذلك من اختيار ألفاظ غير ملائمة للمعاني الّتي يُرادُ التأثير بها. أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) يحكي ما قال أولاد يعقوب ﵇ بشأن يوسف ﵇: ﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ [الآية: ٨٥] . في هذ النّص من الائتلاف جمع اللّفظ الغريب مع اللّفظ الغريب، وبيانُه "الْحَرَضَ" في اللّغة هو الّذِي أضناه الحزْنُ والعشقُ، فهو به شديد المرض، وهذا اللّفظ من الألفاظ الغريبة، وكان من فنيّةِ جمع الغريب مع الغريب اختيار أغرب ألفاظ القسم، وهي "التاء" فإنّها أقَلُّ استعمالاً وأبْعَدُ عن أفْهَام العامة من القسم، بحرف "الباء" أو حرف "الواو"، واختيار أغرب صِيغ الأفْعال التي ترفع الاسم وتنصِبُ الخبر من أخوات "كان" وهو فعل "تفتأ" وكان من الممكن اختيار فعل: "ما تزال" فهو أقرب إلى الأفهام، وأكثر استعمالاً من فعل: "ما تَفْتَأ" وهو بحذف "ما" منه أشدّ غرابة.

стр. 1069

وهكذا رأينا أن من حُسْن الاختيار في نظم الكلام اختيارَ الألفاظ المتلائمة في الغرابة، توخّياً لحسن الجوار كما يُجْمَعُ في الحفل من الناس كلّ صنف من صنفه. المثال الثاني: قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) : ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٣٨] . ألفاظ هذه الآية كُلُّها مُتَداوَلة لا غرابة في كلمة منها، فكانت متلائمة حسنة التجاور. المثال الثالث: قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) : ﴿وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النار﴾ [الآية: ١١٣] . في هذا النصّ تلاؤمٌ بديعٌ بين اللّفظ والمعنى المراد، وبيانُه أنَّ الرُّكُونَ إلى الذين ظَلَمُو نوْعٌ من الميْلِ إليهم والاعتماد عليهم، دون انغماس معهم في الظلم، فلاءم هذا المعنى أن يُخْتَارَ في بيان العقاب لفظ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النار﴾ لأنّ المسّ فيه معنى ملاصقة النار دون الانغماس فيها. أي: فعذاب من يركَنُ إلى الظالمين هو من نوع عذاب الظالمين، لكنَّهُ دُونه في الكيف والكَمّ، إنّه للراكنين مسّ، لكنّه للظالمين انغماسٌ وحريق. المثال الرابع: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... ﴾ [الآية: ٢٨٦] . جاء في هذا النصّ تلاؤم بين اللّفظ المختار والمعنى المراد به، إذْ جاء فيه التفريق بين ما يدلُّ على فعل الحسنات وما يدلُّ على فِعْلِ السيئات، فاختير فيه فعلُ

стр. 1070

"كَسَبَ" الذي يُسْتَعْمَل في مكاسب الحياة الدنيا من مالٍ وغيره مراداً به فعل الحسنات والخيرات، لأنها ثَرْوَةٌ يَدَّخرها الإِنسان، فتنفَعُهُ في دنياه وأخراه، وإنْ شقَّ فعلُهَا على نفسه. واختير فيه فعلُ "اكْتَسَب" الذي فيه معنى تَكَلُّف حَمْل الْعِبْء مراداً به فعلُ السّيئات والمعاصي والآثام، لأنّها أوزارٌ وأحمالٌ ثقيلة تأتيه بأنواعٍ من العذاب في دنياه وأُخراه، وإِنْ جلَبَتْ له لَذَّةٌ عاجلة، وهانَ فِعْلُها على نفسه. المثال الخامس: قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) بشأن إدخال أهل جهنّم فيها: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الآيات: ٩٤ - ٩٥] . جاء في هذا النصّ اختيار لفظ [كُبْكِبُوا] ملائماً تماماً للمعنى المراد منه، وذلك لأنّ فعل: "كَبّ" يَدُلُّ على المرّة الواحدة، والمعنيّون لا يُجْمَعُونَ ويُكَبُّونَ كبَّةٌ واحدة. أمّا فعل: [كَبْكَبَ] فهو يَدُلُّ على معنى الكبّ المتكرّر المتتابع، وهو أمْرٌ تدلُّ عليه الصيغة الّتي فيها تكرير للحروف كدلالة "الوسوسة" على التكرير، ودلالة "السلسلة" على تتابع الحلقات، ودلالة "الصلصلة" على تكرار الصوت، كصَوت الجرس. إنّ الكَبْكَبَةَ الجماعيّة المتكرّرة أَدلُّ على الإِهانة، وأكثر ملاءمةً للمعنى المراد. المثال السادس: قول الله في سورة [طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا ... ﴾ [الآية: ١٣٢] . جاء في النّصّ اختيار كلمة [اصْطَبِرْ] ملائماً للمعنى المراد، وهو تَكَلُّف الصَّبْر، بمغالبة النفس.

стр. 1071

ولو اختير لفظ "اصْبِر" لما استفيد هذا المعنى. إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة. *** خاتمة: لذَوّاقِي التلاؤم والائتلاف بين الكلمات من كبار البلغاء حِسٌّ أدبّي رفيع، قد لا يرقى إليه غيرهم من محبّي الأدب، وعُشّاقِ الكلام البليغ من شعرٍ أو نثر. وأذكر بهذه المناسبة ما رواه الواحدي في شرح ديوان المتنبّي أنّ المتنبّي لمّا أنشد سيف الدولة قولَهُ فيه: وَقَفْتَ وَمَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ ... كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وهْوَ نَائِمُ تَمُرُّ بِكَ الأَبْطَالُ كَلْمَى حَزِينَةً ... وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ أنْكر عليه سيفُ الدولة تطبيق عَجُزَي الْبَيْتَيْن علَى صَدْرَيهما، وقال له: كان ينبغي أن تَجْعَلَ عَجُزَ الثانِي عَجُزَ الأوّل، والعكس، وأنْتَ في هذا مثْلُ امرئ القيس في قوله: كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَاداً لِلّذَّةٍ ... وَلَمْ أتَبَطَّنْ كاعِباً ذَاتَ خَلْخَالِ وَلَمْ أَسْبَأِ الرَّاحَ الْكُمَيْتَ وَلَمْ أَقُلْ ... لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إِجْفَالِ قال سيف الدولة: وَوَجْهُ الكلام على ما قالَهُ الْعُلَماءُ بالشِّعر، أَنْ يكُونَ عَجُزُ البيتِ الأول للثاني، وعَجُزُ البيت الثاني للأوّل، ليكون ركُوبُ الْخَيْلِ مَعَ الأَمْرِ لِلْخَيْلِ بالْكَرّ، ويكونَ سَبَاءُ الْخَمْر مَعَ تَبَطُّنِ الْكَاعِب. فقال أبو الطيّب: "إنْ صَحَّ أَنَ الّذِي اسْتدرك على امرئ القيس هذا أعْلَمُ منه

стр. 1072

بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطَأْتُ أنا، ومولانا الأمير يعلَمُ أنّ الثوب لا يَعْرفُه البزّاز معرفة الحائك، لأنَّ البزّاز لا يعرف إلاَ جملته، والحائك يعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتفْصيله، لأنّه أخْرجه من الغزليّة إلى الثوبيّة، وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القيس لذّة النساء بلذّةِ الرُّكُوب للصيْد، وقرنَ السماحة في شراء الْخَمْر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنَا لمّا ذكَرْتُ الموتَ في أوّل البيت أتبعتُهُ بذكْرِ الرَّدَى لتجانسه، ولمّا كان وجْهُ المنهزم لا يخْلُو من أن يكونَ عَبُوساً، وعينُهُ من أن تكون باكية، قُلْتُ: "وَوَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِم" لأجْمَعَ بَيْنَ الأضداد في المعنى.. ". أقول: لقد أدرك المتنبّي بما لديه من ذوقٍ فنّيّ رفيع لدقائق الجمال في قَرْنِ الأشباه والنظائر والأضداد، أنّ قرن الأضدّاد الفكرية في تتابع اللّوحة البيانية، أجْمَلُ وأكثر تأثيراً في النفس من قرن الأشباه والنظائر بعضها ببعض، لأنّ تخاطرُ الأضداد في الأذهان أقربُ من تخاطر الأشباه والنظائر. ***

стр. 1073

البديعة اللفظية (٧) : "التعانق " وهو قسمان: القسم الأول: "اقتباس أوائل اللاّحق من أواخر السابق" ويُطْلَق عليه "تشابُه الأطراف". وهو أن يؤتَى بآخر الفِقَرَةِ السَّابقة من الكلام، أو بآخر الشطرة الأولى من البيت، أو بآخر البيت، فيُجْعلَ بدأَ للكلام اللاحق، وقد يُكَرَّرُ هذا في النصّ الواحد. * فمنه قول ليلى الأخيليّة في مدح الحجّاج بن يوسف الثقفيّ: إِذَا نَزَلَ الْحَجَّاجُ أَرْضاً مَرِيضَةً ... تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الّذِي بها ... غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاة سَقَاهَا سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشِرْبٍ سِجَالُهُ ... دِمَاءُ رِجَالٍ يَحْلُبُونَ صَرَاها أي: إذا نزل بأرض فيها خارجون يُفْسدون تتبَّعَهُم حتَّى قَتَل الهاربين والمتخفين ورؤُوسَ الفتنة منهم، وأجهز عليهم. بِشِرْب: أي: بِشَراب. سِجَالُه: السِّجال جمع "السِّجْل" وهي الدَّلْوُ العظيمة، والضَّرْعُ العظيمة، ومرادُها هنا الضروع، تَشبيها لأوعية دماء الخارجين المسفدين بالضروع الممتلئة الْمُصَرَّاة (وهي التي حُبِسَ فيها لَبَنُها) .

стр. 1074

يَحْلبُونَ صَرَاها: الصَّرَى ما طال مُكْثُه ففسد، تريد أنّ جنود الحجّاج يستخرجون برماحهم وسيوفهم الدّماء الفاسدة من الأشرار الخارجين المفسدين في الأرض. * ومنه قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) : ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ... ﴾ [الآية: ٣٥] . يلاحظ في هذا النّص ثَلاثُ فقرات اشتملت على هذا النوع من أنواع البديع: كمِشْكاةٍ فيها مِصْبَاحٌ. الْمِصْبَاحُ في زُجاجَة. الزُّجَاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ. *** القسم الثاني: "اقتباسُ الرَّكَائِز". وهو أن يؤتى من الجملة السّابقة ما يُتَخَذُ رَكيزَةً في بناء الجملة اللاّحقة. الركيزة في اللّغة: ما يُرْتكَزُ عليه مما هو ثابت في الأرض وغيرها، يقال لغة: رَكَزَ شيئاً في شيء إذا أثبته فيه. وركز السَّهمَ في الأرض إذا غرَزَه فيها، ويقال ارْتكز على الشيء إذا اعتمد عليه. ومن "اقتباس الرّكائز" قول الله في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [الآيات: ١٢ - ١٤] .

стр. 1075

في هذا النّص أُخِذَتِ الركيزة من جملة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ وهي كلمة ﴿نُطْفَةً﴾ وبُنِيَ عَلَيْهَا الْجُمْلَةُ التي بَعْدها، وهي: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً﴾ ، وأخذت الركيزة من هذه الجملة، وهي كلمة ﴿عَلَقَةً﴾ وبُنِيَ عليها الجملةُ التي بعدها، وهي: ﴿فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً﴾ وَأُخِذَتِ الرَّكيزة من هذه الجملة، وهي كلمة ﴿مُضْغَةً﴾ وبُنيَ عليها الجملة الّتي بعدَها، وهي: ﴿فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً﴾ وأُخِذَتِ الرَّكِيزَة من هذه الجملة، وأُخِذَتِ الرَّكِيزَةُ من هذه الجملة، وهي كلمة "عِظَاماً" وبني عليها الجملة التي بعدها، وهي: ﴿فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ . وهكذا تَعانق النصّ باقتباس الرَّكائز والبناء عليها، وساعد المعنى على إبداع هذا الفنّ. وهو فنٌّ يصلح في مجال التعليم والتفهيم، وبناء الأفكار بعضها على بعض وفي مجال الإِقناع وتثبيت الأفكار، كما تقول في الحساب مثلاً: خمسة أضف إليها خمسة تصير عشرة، عشرةٌ اضربها بعشرة تصير مئة، مئة قَسّمْها على خمسة يكون الحاصل عشرين. عشرون إذا قسمناها على أربعة يكون الحاصل خمسة إذن: (٥+٥×١٠÷٥÷٤=٥) . ***

стр. 1076

البديعة اللفظية (٨) : "التفويت " هو أن يأتي المتكلم بمعاني شتى من موضوعات مختلفات، كالمدح، والوصف، والإِقرار، والإِنكار، والنُّصْح، والأمر، والنهي، وغير ذلك ويجعل ذلك في جُمْلٍ متفاصلة، مع تساويها في الوزن بوجه عام. ويكون في الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة. ويبدو لي أنّ هذا العنوان الاصطلاحيّ مشتَقٌّ من كلمة "الْفَوْت" وهي الفرجَةُ بين كلِّ إصبعين، تشبيها للجمل المتفاصلة بأصابع الكفّ المتقاربة المتخالفة المتفاصلة. والأمثلة على هذا النوع من أنواع البديع في القرآن كثيرة منها ما يلي: المثال الأول: قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكاية لأقوال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقدمون * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين * الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [الآيات: ٧٥ - ٨٣] . المثال الثاني: قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) : ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل

стр. 1077

وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الآيات: ٢٦ - ٢٧] المثال الثالث: قول الله في سُورَةِ (الرحمن/ ٥٥ مصحف/ ٩٧ نزول) : ﴿الرحمان * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان * الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الآيات: ١ - ٦] . وهكذا إلى آخر السورة. المثال الرابع: قول الرسول ﷺ في دعائه: "اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالإِسْلاَمِ قَائماً، واحْفَظْنِي بِالإِسْلاَم قَاعِداً، واحْفَظْنِي بالإِسْلاَمِ رَاقِداً، وَلاَ تُشْمِتْ بِيَ عَدُوّاً وَلاَ حَاسِدَاً، اللَّهُمُّ إِنِّي أسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ". رواه الحاكم عن ابن مسعود المثال الخامس: خطبة "قَسّ بين سَاعِدة الإِيَادِي" الذي كان أسْقُفَّ نَجْرَان، وخطيبَ العرب، وحَكِيمَها وحَكَمَها في زمانه، توفي سنة "٦٠٠م". قال في خطبته التي خطبها في سوق عكاظ: "أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَعُوا، إِنَّهُ مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ. لَيْلٌ دَاج، ونهارٌ سَاج، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أبْرَاج، ونُجُومٌ تُزْهِر، وبحَارٌ تزْخَر، وجِبالٌ مُرْسَاة، وَأَرْضٌ مُدْحَاة، وأَنَّهَارٌ مُجْرَاة، إنَّ في السَّمَاءِ لَخَبَرَا، وإِنَّ فِي الأَرْضِ لَعِبَرَا. مَا بَالُ النّاسِ يَذْهَبُونَ وَلاَ يَرْجِعُون؟ أَرَضُوا فَأَقَامُوا؟ أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟. يَا مَعْشَر إيَاد، أَيْنَ الآبَاءُ والأجْدَاد؟ وَأَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ الشِّدَاد؟ أَلَمْ يكُونُوا أَكْثَرَ منْكُمْ مَالاً؟ وأَطْوَلَ آجَالاَ؟ طَحَنَهُمُ الدَّهْرُ بِكَلْكَلِه، ومَزَّقَهُمْ بِتَطَاوُلِهِ". بِكَلْكَلِهِ: أي: بصدره.

стр. 1078

البديعة اللفظية (٩) : "التشريع " التَّشْرِيع ويسمّى: "التوشيح" وهو بناء البيت من الشعر عل قافيتين أولى يَصِحُّ الوقوف عندها، فثانية يُوقَف عندها، ويَطُولُ بها البيت، وتشتمل الزيادة على إضافة معنىً. وهو فنٌّ يَحْسُنُ مَا لَمْ يَكُنْ مُتكَلَّفاً تظْهَرُ فيه الصنْعَةُ الَّتي قد تُعْجِبُ الفكر، لكن لاَ تستأثِرُ بالحسِّ الأدبي الذَّوّاق للجمال، ومتَّى كثُرْتِ الأبيات الّتي نُظِمَتْ على هذا المنوال من قصيدة واحدة ظهرت فيها الركاكة، وبدَتْ مَمْجُوجَةً غَيْرَ مُسْتَساغة. أمثلة: (١) قول الحريري في بعض مقاماته: يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ إِنَّهَا شَرَكُ الرَّدَى. وَقَرَارَةُ الأَكْدارِ دَارٌّ مَتَى مَا أضْحَكَتْ فِي يَوْمِهَا أَبْكَتْ غَدَا. بُعْداً لَهَا مِنْ دَارِ غَارَاتُهَا لاَ تَنْقَضِي وَأسيرُها لاَ يُفْتَدَى. بِجَلائِلِ الأَخْطَارِ (٢) قول أَحَدِهِمْ: اِسْلَمْ وَدُمْتَ عَلَى الْحَوَادِثِ مَارَسَا رُكْنَا ثَبِير. أَوْ هضَابُ حِرَاءِ ونَلِ الْمُرَادَ مُمَكَّناً مِنْهُ عَلَى كَرِّ الدُّهُورِ. وفُزْ بِطُول بَقَاءِ (٣) قولي صانعاً مثلاً: مَنْ رَامَ أَنْ يَنْجَحَ في. مَقْصُودِهِ. فَلْيَتَّئدْ. وَلْيَتَّقِ الْجَبَّارْ ولْيِمْشِ فِي صَبْرٍ على. مِنْهاجِهِ. وَلَيَسْتَنِدْ. لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارْ وَلْيَتِّخِذْ أَسْبَابَهُ. بِحَصَافَةٍ. وَلْيَسْتَفِدْ. مِنْ سَالفِ الأخْبَارْ

стр. 1079

البديعة اللفظية (١٠) : "لزوم مالا يلزم " هو فنٌّ في الشعر وفي السجع يلتزم فيه الشاعر أو السَّاجع قبل الحرف الأخير من أبيات قصيدته، أو سجعاته ما لا يلزمه، كأن يكون الحرفان الأخيران متماثلين في كلّ القوافي، أو الثلاثة الأخيرة، أو تكون الكلمات مع ذلك متماثلة الوزن، إلى غير ذلك من التزام ما ليس بلازم في نظام التقفيات. قال "عبد القاهر الجرجاني": لا يَحْسُ هذا النوع إلاَّ إذا كانت الألفاظ تابعةً للمعاني، فإنَّ المعاني إذا أُرْسِلَتْ عَلى سجيّتِها، وتُرِكَتْ ومَا تُرِيدُ طَلَبَتْ لأنْفُسِها الألفاظ، ولم تكْتَسِ إلاَّ مَا يَلِيقُ بها، فإن كان خلاف ذلك كان كما قال أبُو الطيّب: إِذَا لَمْ تُشَاهِدْ غَيْرَ حُسْنِ شِيَاتِهَا ... وَأَعْضَائِهَا فَالْحُسْنُ عَنْكَ مُغَيَّبُ وقد يقع في كلام بعض المتأخّرين ما حَمَلَ صاحبَه عَلَيْه فَرْطُ شغفة بأمور ترجح إلى ماله اسمٌ في البديع، على أنَّه نَسِيَ أَنَّهُ يتكلَّمُ لِيُفْهِم، ويَقُولُ ليُبين، ويُخَيَّلُ إلَيْه أنّه إذا جَمَعَ عِدَّةً من أقْسام البديع في بيتٍ، فلا ضَيْرَ أن يَقَعَ ما عَنَاهُ فِي عَمْياءِ، وأن يجعلَ السامع يتخبّطُ خبط عَشْواء" هـ.

стр. 1080

أمثلة: (١) قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾ [الآيات: ٢٠١ - ٢٠٢] . إنّ المماثلة بين: "مُبْصِرُون" و"يُقْصِرُون" في الوزن وحرفي الصّاد والراء مع الواو والنون من لزوم ما لا يلزم، وقد جاء حسناً بديعاً، لأنه جاء سلساً غير متكلّف، ولا مجلوب اجتلاباً، وجاء كُلُّ من اللّفظين ملائماً للمعنى المراد منه. (٢) قول عبد الله بن الزَّبِير الأَسدي في مدح عَمْرو بن عثمان بن عفان ﵄: سَأَشْكُرُ عَمْراً مَا تَراخَتْ مَنِيَّتِي ... أَيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ فَتىً غَيْرُ مَحْجُوب الْغِنَى عَنْ صَدِيقهِ ... ولا مُظْهرُ الشَّكْوى إذَا النَّعْلُ زلَّتِ رَأَى خَلَّتِي مِنْ حَيْثُ يَخْفَى مَكَانُهَا ... فَكَانَتْ قَذَى عَيْنَيْهِ حَتَّى تَجَلَّتِ لَمْ تُمْنَنْ: أي: لم تنقطع. رَأَى خَلَّتِي: أي: رأى خَصاصتي وفقري. قَذَى عَيْنَيْه: القذى جمعٌ مفردُه "الْقَذَاة" وهي ما يتكوَّنُ في العين من رمصٍ وغَمَصٍ وغيرهما. في هذه الأبيات التزم الشاعر ما لا يلزمه فجعل قبل حرف الروي وهو التاء، حرفاً آخر يكرره مع كلّ القوافي وهو اللاّم المشدّدة. (٣) قول الحماسي: إِنَّ الَّتِي زَعَمَتْ فُؤَادَكَ مَلَّهَا ... خُلِقَتْ هَوَاكَ كمَا خُلِقْتَ هَوىً لَهَا بَيْضَاءُ بَاكَرَهَا النَّعِيمُ فَصَاغَهَا ... بِلَبَاقَةٍ فَأَدَقَّها وَأَجَلَّهَا

стр. 1081

حَجَبَتْ تَحِيَّتَهَا فَقُلْتُ لِصَاحِبي: ... مَا كَانَ أَكْثَرَهَا لَنَا وَأَقَلَّهَا وَإِذَا وَجَدْتَ لَهَا وَسَاوِسَ سَلْوَةٍ ... شَفَعَ الضَّمِيرُ إلَى الْفُؤادِ فَسَلَّهَا فالْتَزم اللام المشدّدة قبل حرف الروي الذي هو "هَا". (٤) قول الفرزدق: مَنَعَ الْحَيَاةَ مِنَ الرِّجَالِ وَنَفْعَهَا ... حَدَقٌ تُقَلِّبُها النِّسَاءُ مِرَاضُ وَكَأَنَّ أَفْئِدَةَ الرِّجَالِ إِذَا رَأَوْا ... حَدَقَ النِّسَاءِ لِنَبْلِهَا أَغْرَاضُ *** خاتمة: رأىْ أبو العلاء المعرّي ما لديه من قدرة شعرية، وثروة لغويّة واسعة، فاهتمّ لهذا الفنّ من فنون البديع، فجمع ما أَمْلَى من شعر فيه، ووضعه في ديوان خاص بعنوان: "لزوم ما لا يلزم" ويُعْرَف باللُّزوميات. واعتنى المتأخرون بهذا الفنّ اعتناءً بلغ حدّ الإِسراف، ولئن وجدنا فيه ما هو جيّد، ففيه أيضاً الغثُّ السَّمِج. فلا ينبغي تكلُّفُه، ولا توجيهُ الاهتمام له، لكن إذا جاء تلقائيّاً مُنْساباً على السجيّة كان فنّاً بديعاً. ***

стр. 1082

البديعة اللفظية (١١) : "القلْب" أو "العكس اللّفظي " وهو أن يُقْرأ الكلام من آخره إلى أوّله كما يُقْرأُ من أوّله إلى آخره، والمعتبر فيه الحروف المكتوبة لا الملفوظة. وهو فنّ لا يَعْدو أن يكون مهارة شكليّة لفظيّة، لا يرتبط به معنى، وتكلُّفُه قد يُفْسِد المعاني المقصودة، أو يُلْجِئ إلى استجلاب معاني ليست ذات قيمة تُعْتَبَرُ لدى أهل الفكر، أو تَسْتَحِقُّ تخصيصَها بالذكر. * ومن أمثلته في القرآن مثالان لا ثالث لهما: ١- ﴿كُلُّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣] . ٢- ﴿رَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] * ومن الأمثلة قول بعضهم: *"أرانَا الإِلهُ هِلاَلاً أنَارَا"* * ومن الأمثلة قول الْقاضِي الأرّجاني: مَوَدَّتُهُ تَدُومُ لِكُلِّ هَوْل ... وَهَلْ كُلُّ مَوَدَّتُهُ تَدُومُ وقد تفنّن المتأخرون من الأدباء في صناعة أمثلة لهذا النوع الشَّكْليّ البحت، وللحريري في بعض مقاماته نَثْرٌ وشعر منه. ***

стр. 1083

البديعة اللفظية (١٢) : "الاقتباس " الاقتباس وما اشْتُقّ منه من فروع وهي: التضمين - العقد - الحلّ - التلميح الاقتباس: أن يُضَمِّنَ المتكلّم كلامه من شعر أو نثر كلاماً لغيره بلفظه أو بمعناه، وهذا الاقتباس يكون من القرآن المجيد، أو من أقوال الرسول ﷺ ، أو من الأمثال السائرة، أو من الْحِكَم المشهورة، أو من أقوال كبار البلغاء والشعراء المتداولة، دون أن يعزو المقتبس القول إلى قائله. والاقتباس مِنْهُ ما هو حسن بديع يقوي المتكلّم به كلامه، ويُحْكِمُ به نظامه، ولا سيما ما كان منه في الخطب، والمواعظ، وأقوال الحكمة، ومقالات الدعوة والإِرشاد، ومقالات الإِقناع والتوجيه للفضائل في نفوس المؤمنين بكتاب الله وكلام رسوله. وبعض الأدباء يقتبس من القرآن المجيد أو من أقوال الرسول مستنصراً بما اقتبس لتقوية فكرته، أو لتزيين كلامه في أغراض مختلفة كالمدح والهجاء والغزل والإِخوانيات ونحو ذلك، فإذا لم يُحَرّف في المعنى، ولم يكن في اقتباسه سوء أدب مع كلام الله أو كلام الرسول فلا بأس باقتباسه، وإذا كان في اقتباسه تحريف في المعنى، أو سوء أدب فهو ممنوع ويأثم به المقتبس، وقد يَصِلُ بعض الاقتباس إلى دركة الكفر والعياذ بالله. أمثلة: ١) قال عبد المؤمن الأصفهاني:

стр. 1084

لاَ تَغُرَّنَّكَ مِنَ الظَّلَمَةِ كَثْرَةُ الْجُيُوشِ وَالأَنْصَارِ ﴿إِنَّمَا نُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] . (٢) قول ابن نُباتة في بعض خطبه: فَيَا أَيُّهَا الْغَفَلَةُ الْمُطْرِقُون، أَمَا أَنْتُمْ بِهذَا الْحَدِيثِ مُصَدِّقُون، مَا لَكُمْ لاَ تُشْفِقُونَ ﴿فوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] (٣) قول ابن سَنَاء الْمُلْك: رَحَلُوا فَلَسْتُ مُسَائِلاً عَنْ دَارِهِمْ ... أنا "بَاخِعٌ نَفْسِي عَلَى آثَارِهمْ" مقتبس من قول الله لرسوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهمْ﴾ [الكهف: ٦] . باخِعٌ نَفْسَك: أي: قاتل نفسك غمّاً من أجلهم. (٤) قول بديع الزمان الهمذاني: لآِلِ فَرِيغُونَ فِي الْمَكْرُمَا ... تِ يَدٌ أَوَّلاً واعْتِذَارٌ أَخِيراً إِذَا مَا حَلَلْتَ بِمَغْناهُمُو ... "رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً" الشطرة الأخير مُقْتَبَسَةٌ مِنَ القرآن. (٥) قول الحماسي: إِذَا رُمْتُ عَنْهَا سَلْوَةٌ قَالَ شَافِعٌ ... مِنَ الْحُبِّ مِيعَادُ السُّلُوِّ الْمَقَابِرُ سَتَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ والْحَشَا ... سَرِيرَةُ حُبٍّ "يَوْمَ تُبْلَى السَّرائَر" "يوم تُبْلَى السَّرائِرُ": عبارة قرآنيّة. (٦) قول أبي جعفر الأندلسيّ: لاَ تُعَادِ النَّاسَ في أَوْطَانِهِمْ ... قَلَّمَا يُرْعَى غَرِيبُ الْوَطَنِ وَإِذَا مَا شِئْتَ عَيْشاً بَيْنَهُمْ ... "خَالِقِ النَّاسَ بُخُلْقٍ حَسَنِ" الشطرة الأخيرة مأخوذة من أقوال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1085

(٧) قول الصّاحب بن عبَّاد: قَالَ لي: إِنَّ رَقِيبي ... سيِّيءُ الْخُلْقِ فَدَارِهُ قُلْتُ: دَعْنِي "وَجْهُك ... الْجَنَّةُ حُفَّتْ الْمَكارِه" العبارة الأخيرة مقتبسة من قول الرسول ﷺ : حُفَّتِ الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النّارُ بالشَّهَوات. ولست أرى استخدام مثل هذه المعاني الدينيّة في فانيات الدنيا ولو كانت خالية من المعصية، فلا يستقيم هذا إلاَّ بتحريفٍ في أصل المعنى. (٨) قول الصاحب بن عباد أيضاً: أَقُولُ وَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ سَحَابَا ... مِنَ الْهِجْرَانِ مُقْبِلَةً إلَيْنَا وَقَدْ سَحَّتْ غَوَادِيهَا بِهَطْلٍ ... "حَوَالَيْنَا" الصُّدُودُ "وَلاَ عَلَيْنَا" مقتبس من دعاء الرسول ﷺ : "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا". (٩) قول ابن الرّومي: لَئِنْ أَخْطَأْتُ فِي مَدْحِكَ مَا أَخْطَأْتَ فِي مَنْعِي لَقَدْ أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي ... "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ" مقتَبسٌ من دعاء إبراهيم ﵇ كما جاء في القرآن: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرّيَتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّم﴾ [إبراهيم: ٣٧] استعمله ابن الرومي مجازاً في رجل بخيل لا خير فيه ولا نفع. (١٠) من كتاب لمُحْيِ الدّين عبد الظّاهر (من الكتّاب المقدَّمِين في دولة المماليك) : لاَ عَدِمَتِ الدَّوْلَةُ بيضَ سُيُوفِهِ الَّتِي ﴿تَرَى بِهَا الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] .

стр. 1086

(١١) قول عمر الخيّام: سَبَقْتُ الْعَالَمِينَ إلَى الْمَعَالِي ... بِصَائِبِ فِكْرَةٍ وَعُلُوِّ هِمَّه وَلاَحَ بِحِكْمَتِي نُورُ الْهَدَى في ... لَيَالٍ لِلضَّلاَلَةِ مُدْ لَهِمَّهْ يُرِيدُ الْجَاهِلُونَ ليُطْفِئُوهُ ... "وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَنْ يُتِمَّهْ" الشطرة الأخيرة مُقْتَبَسة من القرآن. *** ما اشْتَقَّ من الاقتباس من فروع اشتقّ البلاغيّون من الاقتباس أربعة فروع، وهي: (١) التضمين (٢) الْعَقْد (٣) الْحَلُّ (٤) التلميح. الفرع الأول: "التضمين" ومنه: "الاستعانة"، و"الإِيداع" و"الرّفْو". التضمين: هو أن يُضْمِّنُ الشاعر شعرَه شيئاً مِنْ شعْرِ غَيْرِه، مع التنبيه عليه إنْ لم يكن مشهوراً عند الْبُلَغاء، ودون التنبيه عليه إنْ كان مشهوراً. * ومن هذا التضمين قول الحريري: عَلَى أَنِّي سَأُنْشِدُ عِنْدَ بَيْعي ... "أضَاعُونِي وَأَيَّ فَتىً أضَاعُوا" الشطر الأخير لِلْعَرْجِى، وبيت العرجى هو: أضاعوني وأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ وقد نبَّه الحريري على التضمين بقوله: "سأُنْشِد". * ومن هذا التضمين قول ابن العميد: وَصَاحِبٍ كُنْتُ مَغْبوطاً بِصُحْبَتِه ... دَهْراً فَغَادَرَنِي فَرْداً بِلاَ سَكَنِ هَبَّتْ لَهْ رِيحُ إقْبَالٍ فَطَارَ بِهَا ... نَحْوَ السُّرُور وَألْجانِي إلَى الْحَزَنِ كَأَنَّهُ كَانَ مَطْوِيّاً عَلَى إِحَنٍ ... وَلَمْ يَكُنْ فِي ضُرُوبِ الشِّعْرِ أَنْشَدَنِي

стр. 1087

"إِنَّ الكِرَامَ إِذَا مَا أَيْسَرُوا ذَكَرُوا ... مَنْ كَانَ يَأْلَفُهُمْ فِي الْمَنْزِل الْخَشِنِ" البيت الأخير لأبي تَمَّام، وقد نبّه ابن العميد على التضمين بقوله: "ولم يكن في ضروب الشِّعْرِ أنْشَدَني". وأحْسَنُ التضمين ما زاد على الأصل أمراً حسناً، كتورية، أو تشبيه، ومنه قول ابن أبي الإِصبع مستغلاًّ شعر المتنبي لمعنى آخر غير الذي قصده: إِذَا الْوَهْمُ أَبْدَى لِي لَمَاهَا وَثَغْرَهَا ... "تَذَكَّرْتُ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَبَارقِ" وَيُذْكِروني مِنْ قَدِّهَا وَمَدامِعِي ... "مَجَرُّ عَوَالينَا وَمَجْرَى السَّوابِقِ" الشطران الثانيان مطلع قصيدة للمتنبّي يمدح بها سيف الدولة، ولم يُنَبّه ابن أبي الإِصبع على التضمين لأن قصيدة المتنبّي مشهورة عند المشتغلين بالأدب. الْعُذَيب وبَارِق: موضعان بظاهر الكوفة مَجَرُّ عَوَالينا: أي: مكان جرّ الرماح، وحركة جرّها. ومَجْرى السَّوابق: أي: مكان جري الخيل السوابق، وحركةُ جريها. فأخذ ابن أبي الإِصبع من "الْعُذَيْب" معنى عذوبة ريق صاحبته، وأخذ من "بَارِق" البريق الذي يُرَى من ثغرها، على سبيل التورية. وشبّه قدّها بحركة جرّ الرّماح، وشبّه جريان دمعهِ بِجَرْيِ الخيل السوابق. قالوا: ولا يَضُرُّ التغيير اليسير عند التضمين. والتضمين على حَالتين: * فإِذا بلغَ مقدارُه تضمينَ بيت فأكثر، فقد يُطْلَق عليه لفظ "الاستعانه". * وإذا كان مقدارُهُ شَطْرَ بيتٍ أوْ دونه، فقد يُطْلَق عليه "الإِيداع" إذ الشاعر قد أودع شعره شيئاً من شعر غَيْره، وقَدْ يُطْلَقُ عليه "الرَّفْوُ" لأنّ الشاعر "رَفَا" خَرْقَ شِعْرِه بشيءٍ من شعر غيره. ***

стр. 1088

الفرع الثاني: "الْعَقْد": وهو أن ينظم الشاعر نثراً لغيره لا على طريقة الاقتباس. * ومن الْعَقْد قول أبي العتاهية: مَا بَالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ ... وَجِيفَةٌ آخِرُهُ يَفْخَرُ؟! عقد أو العتاهية في هذا البيت قول عليّ بن أبي طالب ﵁: "وَمَا لابْنِ آدَمَ والْفَخْرَ، وإِنَّمَا أَوَّلُهُ نُطْفَة، وآخِرُهُ جِيفَة". ومن الْعَقْدِ قول أبي العتاهية أيضاً: وَكَانَتْ فِي حَيَاتِكَ لِي عِظَاتٌ ... وَأَنْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيّاً عقَدَ في هذا البيت قول بعض الحكماء في الإِسْكَنْدَرِ لمّا توفّي: كَانَ الْمَلِكُ أَمْسِ أنْطَقَ مِنْهُ الْيَوْم، وهُوَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْهُ أَمْسِ". *** الفرع الثالث: "الحلّ": وهو أن يَنْثُر الكاتب أو المتكلّم شِعْراً لِغَيرِهِ، ويكون حَسَناً إذا كان سَبْكُ الحلِّ حسَنَ الموقع، مستقرّاً غير قَلِقٍ، وافِياً بمعاني الأصل، غَيْرَ ناقصٍ في الْحُسْنِ عن سَبْكِ أصْلِه، أو أن يكون بمثابة الشَّرْح لدقائقه، وإلاَّ كان عملاً غَيْرَ مقبولٍ في الأعمال الأدبية. * ومن أمثلة الحلِّ الَّتي ذكرها البلاغيون قول بعض المغاربة، يَصِفُ شخصاً بأنَّه سَيِّئُ الظَّنّ، إذْ يَقِيسُ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِه: "فَإِنَّهُ لَمَّا قَبُحَتْ فَعَلاتُهُ، وَحَنْظَلَتْ نَخَلاتُهُ، لَمْ يَزَلْ سُوءُ الظَّنِّ يَقْتَادُهُ، وَيُصَدِّقُ تَوَهُّمَهُ في الّذِي يَعْتَادُه". حلّ بقوله قول المتنبّي: إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّم

стр. 1089

أي: ما يتوهُّمُه من أنّ الآخرين أساءوا يُصَدِّقُ توهُّمَهُ فيهم، لأنَّهُ يقيسُهم على نفسه، وما يَعْتَادُه من سوء عَمَل. * ومنه قول صاحب "الوشي المرقوم في حلّ المنظوم" يصف قلم كاتب: "فَلاَ تَحْظَى بِهِ دَوْلَةٌ إِلاَّ فَخَرَتْ عَلَى الدُّوَل، وَغَنِيَتْ بِهِ عَنِ الْخَيْلِ والْخَوَلِ، وَقَالَتْ: أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَقْلاَمِ لاَ عَلَى الأَسَل". العبارة الأخيرة حلّ لقول أبي الطيّب مع ردّ لمقاله وجعل أعْلَى الممالك ما يبنى على الأقلام: "أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ" ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ. *** الفرع الرابع: "التَّلْمِيح": وهو أن يُشِيرُ الناثر أو الشاعر إلى قصة أو شعْرٍ أو نثرٍ ذكر ما أشار إليّه. * ومنه قول أبي تَمَّام: لَحِقْنَا بأُخْرَاهُمْ وَقَدْ حَوَّمَ الْهَوَى ... قُلُوباً عَهِدْنَا طَيْرَهَا وَهْيَ وُقَّعُ فَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ وَاللَّيْلُ رَاغِمٌ ... بِشَمْسٍ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ الْخِدْرِ تَطْلُعُ نَضَا ضَوْؤُهَا صِبْغَ الدُّجُنَّةِ وانْطَوَى ... لِبَهْجَتِهَا ثَوْبُ السَّمَاءِ الْمُجَزَّعُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلاَمُ نَائِمٍ ... ألَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرّكْبِ يُوشَعُ فقد أشار إلى قصّة يُوشع ﵇ على ما رُوي أنّه قاتل الجبّارين يوم الجمعة، فلمَّا أدبَرَتِ الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحلّ له قتالهم، فدعا الله فردّ له الشمس حتّى فرغ من قتالهم. ومنه قول أبي تمّام أيضاً: لَعَمْرٌو مَعَ الرَّمْضَاءِ وَالنَّارُ تَلْتَظِي ... أَرَقُّ وَأحْفَى مِنْكَ في سَاعَةِ الْكَرْبِ

стр. 1090

يشير إلى البيت المشهور: الْمُسْتَجِيرُ بِعَمْروٍ عِنْدَ كُرْبَتِهِ ... كَالمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ وقصة ذلك أنّ عمرواً تَرصَّدَ كُلَيْباً حتى ابتعد عن الحمى، فركب فرسه فأتبعه فرمَى صُلْبَهُ، ثُمَّ وقَفَ عليه فقال له: يا عَمْرو أغِثْنِي بِشَرْبَةِ ماءٍ فَأَجْهَزَ عليه، فمات، فقيل هذا البيت. ونشبت العداوة بين تغلب وبكر أربعين سنة، وكان سببها ناقةً رماها كليب فقتلها، وكان اسم هذه الناقة أو اسم صاحبتها "الْبَسُوس" وفيها قيل: "أشأم من البسوس" وهذه الحادثة من حروب الجاهليّة قبل الإِسلام في قبائل العرب. ***
следующие страницы →