Полный текст (1 115 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
في باب "أعْطَى" مثل: "ظَنَنْتُ الْبَدْرَ طالعاً - أعطيت سعيداً الكتاب - كَسَوْتُ الفقِيهَ جُبَّةً".
قالوا: ويجوز العكسُ إنْ أُمِنَ اللَّبْسُ.
ويجب تقديم أحد المفعولين على الآخر في أربعة أحوال:
(١) أنْ لا يُؤْمَنَ اللَّبْسُ، فيجب تقديم ما حقُّه التقديم، وهو ما كان متبدأ أو فاعلاً في المعنى، مثل:
* "ظننتُ سعيداً خالداً" إذا كان سعيدٌ هو المظنون أنه خالد، وإلاَّ وجب تقديم خالد. "وهو من باب ظنّ".
* قول ذي السلطان: وهبتُ الأَبَ ابْنَهُ، إذا كان الابن هو مستحقّ العقاب فعفا عنه من أجل أبيه، وإذا كان الأب هو مستحقّ العقاب، قال: وهبتُ الابْنَ أباه. "وهو من باب أعطى".
(٢) أن يكون أحد المفعولين ضميراً والآخر اسماً ظاهراً، فيجبُ تقديمُ ما هو ضميرٌ وتأخيرُ ما هو ظاهر مثل: "أعطيتُكَ فرساً - فرساً أعطيتُهُ سعيداً".
(٣) أن يكون أحد المفعولين محصوراً فيه الفعل، فيجب تأخير المحصور سواءٌ أكان المفعولَ الأوّلَ أم الثاني، مثل: "ما أعطيت سعيداً إلاَّ دِرْهماً - ما أعطيتُ الدّرْهَمَ إلاَّ سعيداً".
(٤) أن يكون المفعول الأوّل مشتملاً على ضميرٍ يعودُ على المفْعول الثاني، فيجب تأخير الأوّل وتقديم الثاني، مثل: "أعْطِ الْقَوْسَ بَارِيَهَا".
إذْ لو قُدّم المفعول الأوّل في هذه الحالة لعاد الضمير على متأخّر لفظاً ورُتبةً، باعتبار أنّ المفعول الثاني رتبتُه التأخير عن المفعول الأول.
стр. 142
ولا يصحُّ في اللّسان العربي عوْدُ الضمير على متأخّر لفظاً ورتبةً معاً، إلاَّ في نحو ضمير الشأن والقصة.
هذه مقرّرات علماء النحو بالنسبة إلى ترتيب عناصر الجملة فيما يتعلّق بالفعل والفاعل والمفاعيل.
***
وقال النحويّون:
يجب تقديم المبتدأ في ستة أحوال:
(١) أن يكون المبتدأ من الأسماء التي لها صدْرُ الكلام، مثل:
* أسماء الشرط.
* أسماء الاستفهام.
* "ما" التعجبيّة.
* "كَمْ" الخبرية.
(٢) أن يكون المبتدأُ مُشَبَّهاً باسم الشرط، مثل: "الذي يجتهد فَلَهُ جائِزَةٌ - كلُّ تلميذٍ يَجْتَهِدُ فَهُو مؤهَّلٌ للنجاح".
(٣) أن يضافَ المبتدأ إلى اسم له صَدْرُ الكلام، مثل "غُلاَمُ مَنْ هُو؟ - زِمَامُ كَمْ مَدْرَسَةٍ في يَدِ وزير التربية؟ ".
(٤) أن يكون المبتدأ مقترناً بلام التأكيد، وهي لام الابتداء، مثل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
(٥) أن يكون كلٌّ من المبتدأ والخبر معرفةً نَكِرَةً، ولا تُوجَدُ قرينة تُعَيّنُ أحَدَهُمَا، فيجب تقديمُ المبتدأ خشية التباس الْمُسْنَدِ بالْمُسْنَدِ إليه، لأنّ الأصل في ترتيب المبتدأ أن يكون قبل الخبر، مثل:
* "أخوك عليٌّ" إذا أردتَ الإِخبار عن الأخ.
стр. 143
* "عليٌّ أخوك" إذا أردتَ الإِخبار عن عليّ.
(٦) أن يكون المتبدأ محصوراً في الخبر، مثل:
* ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ... ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
* ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ، أي ما أَنْتَ إلاّ نَذِيرٌ.
فالمبتدأ في المثالين محصورٌ في الخبر.
***
وقال النحويّون:
يجب تقديم الخبر على المبتدأ في أربعة أحوال:
(١) إذا كان المبتدأُ نكرةً غير مفيدةٍ ومُخْبَراً عنْها بظرْفٍ أو جارٍّ ومَجْرُورٍ، مثل: "في الدار رجُلٌ - عندكَ ضيفٌ - لَدَيْنَا مَزيدٌ - على أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ".
(٢) إذا كان الخبرُ اسْمَ استفهام، مثل: "كيفَ حَالُكَ؟ " أو مضافاً إلى اسم استفهام، مثل: "ابنُ مَنْ أَنت؟ - صبيحةً أيِّ يَوْمٍ سَفَرُكَ؟ ".
(٣) إذا اتّصَل بالمبتدأ ضمير يَعُودُ على شيءٍ من الخبر، مثل: "في الدار صاحبُها - مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها - أَمْ عَلى قُلوبٍ أقْفَالُها".
(٤) أن يكون الخبر محصوراً في المبتدأ، مثل:
* "مَا خالقٌ إلاَّ الله".
* إنّما محمودٌ مَنْ يَجْتَهِد" أي: ما محمودٌ إلاَّ مَنْ يجتهد.
* إنّما الخالقُ الله" أي: ما الخالقُ إلاَّ الله.
هذه مقررات النحويّين بالنسبة إلى ترتيب عنصري الجملة الاسمية.
***
стр. 144
وقال النحويّون:
الأسماءُ التي لها الصدارة في الجملة، فلا يتقدَّمُها إلاَّ جارٌّ لها، أو مضافٌ إليها، أو حُروفُ العطف؛ هي:
(١) أسماء الاستفهام.
(٢) أسماء الشرط.
(٣) "ما" التعجبيَّة.
(٤) "كم" الخبرية.
***
وقال النحويّون:
إذا اجتمعت التوابع في جملة واحدة قُدِّمَ منها:
(١) النعت.
(٢) فعطف البيان.
(٣) فالتوكيد.
(٤) فالبدل.
(٥) فعطف النَّسَق. وهو ما كان بحرف عطف.
مثل: "بعثَ اللهُ الرَّسُولَ العربيّ محمّداً نَفْسَه أخَا بَنِي إسْحَاقَ والرّسُلَ والنبيّينَ مِنْ قَبْلِه".
***
(٦) نظر الأديب البليغ حول مراعاة ترتيب عناصر الجملة
إذا كان نظر علماء النحو إلى ترتيب عناصر الجملة هو على النحو الذي سبق بيانه، فإن نظر الأديب البليغ لا يكتفي بالتقيُّد بما يجوز في التراكيب العربيّة،
стр. 145
فيستخدمُها كيفما اتفق، بَلْ يَنْظُر إلى دَلالاتها، وإلى المعاني التي تُؤدّيها مُخْتَلِفَاتُ التراتيب، والتركيبات، فيستَخْدِمُ منها ما يدُلُّ على ما يُريدُ التعبير عنه في كلامِهِ بأخْصَرِ عبارة، ويُحاوِل دوماً أن يطابِقَ بين اختياره منها وما يُريدُ التعبير عنه.
***
(٧) دوائر عطاء الجملة الكلامية
الدائرة الصغرى:
أصغر دائرة عطاءٍ بيانيّ تقدّمه الجملة الكلامية يظهر بنسبة شيءٍ إلى شيءٍ.
* كنسبة الوجود إلى الأرض، فنقول: الأرض موجود، أي: لها صفة الوجود، ففي هذه الجملة نَسَبْنَا الوجود إلى الأرض.
* وكنسبة العدم إلى شريك الباري، فنقول: شريك الباري معدوم، ففي هذه الجملة نسبنا العدَمَ إلى شريك الباري.
* وكنسبة الطلوع أو الأفول إلى القمر، فنقول: طَلَع القمر - أفل القمر.
* وكنسبة الموت إلى إنسان كان حيّاً فمات، فنقول: مات فيصل.
من هذه الأمثلة نُلاحظ أنّ ركناً من رُكْنَي كُلِّ جملةٍ فيها يتضمَّن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ، وأنّ الركْنَ الآخر من ركنيها يتضمن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ إليه معنى الركن الأول، وأن الألفاظ دوالٌّ على المعاني.
فبالتحليل يظهر لنا ثلاثة عناصر:
الْعُنْصُر الأول: مَنْسُوبُ.
العنصُر الثاني: منسوبٌ إليه.
стр. 146
العنصُر الثالث: نسبةٌ بينهما ذهنية، وقد يُدَلُّ عليها بلفظ، أو بحركة، وهذه النسبة هي الرابطة بين رُكني الجملة الكلامية.
والنسبة في الجملة قد تكون بالإِثبات كالأمثلة السابقة، وقد تكون بالنفي، وذلك حين تدخل على الجملة أداةٌ من أدوات النفي، فنقول مثلاً: ما طلع القمر، وما مات إبليس، وصوت الحمار ليس جميلاً، ولاَ يَمْشِي الجماد.
وللتفريق بين رُكْنَي الجُمْلَةِ الرّئيسَيْنِ والنسبة الرابطةِ بينهما ظَهَرَتْ عدّة مصطلحات عند العلماء على اختلاف تخصُّصاتهم.
فقالوا:
(١) المسند: وهو الخبر أو ما يَسُدّ مَسَدَّه في الجمل الاسمية، والفعل في الجمل الفعلية، أو ما يَعْمَلُ عَمَلَه.
(٢) المسند إليه: وهو المبتدأ في الجمل الاسمية، أو ما أصله المبتدأ، والفاعل أو ما ينوب عنه في الجمل الفعلية.
(٣) الإِسناد: وهو الرابطة الذهنيّة بين المسند والمسند إليه، وقد يُدَلُّ على الرابطة بنحو ضمير الفصل وحركة الإِعراب.
ويوجد هذا الاصطلاح لدى علماء اللّغة العربيّة.
***
وقالوا:
(١) محكوم به "أي: مسند".
(٢) محكوم عليه "أي: مسند إليه".
(٣) والنسبة الحكمية "أي: الإِسناد" وثمرة الجملة "الحكم" ويوجد هذا الاصطلاح لدى علماء أصول الفقه.
***
стр. 147
وقالوا:
(١) موضوع "أي: مسند إليه".
(٢) محمول "أي: مسند".
(٣) النسبة بينهما "أي: الإِسناد".
والجميع "قضيّة" وثمرة القضية "الحكم" إيجاباً أو سلباً. ويوجد هذا الاصطلاح لدى علماء المنطق.
هذه مصطلحات متعدّدة ومُؤَدَّاها لدى الجميع واحد.
ومن الْجُمل في حدود هذه الدائرة الصغرى ما يكون المسند فيها باعتبار مادته لا يتحقق إلاَّ باجتماع مُسْنَدٍ إليه متعدّد، مثل:
"اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرو - اجتمع خالد وسعيد - جُمِع الشَّمْسُ والقمر - تقاتل المسلمون والمشركون".
وهكذا كلُّ ما يقتضي بمادّته المشاركة بين فريقين من أفعالٍ وغيرها.
الدائرة الثانية:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرة عطاءٍ بياني يظهر بنسبة شيْءٍ إلى شيْئَيْن، أحَدُهُمَا هو الذي اتّصفَ بالشيءِ من جهة كونه مُؤَثِّراً به "أي: فاعلاً" والآخر هو الذي اتّصفَ بالشيء من جهة كونه متأثّراً به (أي: مفعولاً به) ، مثل: "ضرَبَ زيدٌ عَمْراً".
دلّت هذه الجملة على نِسْبة الضّرب إلى زيدٍ ووصفه به من جِهَةِ كونِه مؤثِّراً بالضّرْب (أي: ضارباً) ونِسْبَة الضرب نفسه إلى عَمْروٍ ووصفه به من جهة كونه مُتَأَثِّراً بالضرب (أي: مَضْروباً) .
فبالتحليل الفكريّ يظهر لنا أنّ الضَّرْبَ ذو نسبتين:
(١) نسبته إلى فاعله المؤثِّر به فهو ضارب. "لذلك سمّوه فاعلاً".
стр. 148
(٢) نسبته إلى الواقع عليه المتأثِّر به فهو مضروب "لذلك سمَّوْهُ مفعولاً به".
ومثل: "خلق الله الكونَ" فالخلق ذو نسبتين:
(١) أمّا فاعله والمؤثِّرُ به فهو الله . "وهو الخالق".
(٢) وأمّا الواقِعُ عليه والمتأثِّرُ به فهو الكون. "وهو المخلوق".
هذا تحليل قول علماء العربيّة: الفعل قد يتعدّى إلى المفعول به. وأضيف أنّه لا فرق من جهة المعنى بمقتضى هذا التحليل أن يكون تَعَدِّي الفعل بدون وساطة، أو بوساطة حرف جرٍّ، مثل: عَلِمَ فلانٌ المسألة، وعَلِمَ بها.
الدائرة الثالثة:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرة عطاءٍ بيانيّ يظهر بنسبة شيءٍ إلى ثلاثة أشياء.
الأوّل: هو الذي اتّصف بالشيء من جهة كونه مؤثراً به (أي: فاعلاً) .
الثاني والثالث: هما اللّذان اتّصَفَا بالشيءٍ من جهة كون كلٍّ منهما متأثِّراً به "أي: مفعولاً به" مع اختلاف صفة التأثّر.
مثل: "كَسَى الأبُ ولَدَهُ ثَوْباً" فالكَسْوُ ذو ثلاثِ نِسَب:
(١) نسبتُه إلى فاعله المؤثِّر به فهو كاسٍ.
(٢) نسبته إلى الواقع عليه المتأثِّر به فهو مَكْسُوٌّ، وهذا المكسوّ له جهتان مختلفتان.
الجهة الأولى: كون المكسُوِّ آخذاً لِلْكُسْوة، لا بساً لها.
الجهة الثانية: كون المكْسُوِّ مأخوذاً، مَلْبُوساً، وهو نفسه الكُسوة.
فصار بهذا للكَسْوِ في الجملة ثلاثُ نِسَبٍ مَقْصُودَةٍ بالبيان.
стр. 149
وقِسْ على هذا المثال أشباهَهُ، مثل "علَّمَ الأُسْتاذُ تلميذَهُ عِلْمَ النحو - أعطَى الْمُحْسِنُ الفقيرَ صَدَقَةً - وهَبَ الله أَيّوبَ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَعَهُمْ".
الدائرة الرابعة:
وهي الجملة التي تشتمل على دائرةٍ عطاءٍ بيانيّ يظهر بنسبة شيءٍ إلى أربَعَةِ أشياء.
الأول: هو الذي اتّصَفَ بالشيءِ منْ جهة كونه مؤثراً به (أي: فاعلاً) .
الثاني والثالث والرابع: هي الأشياء الّتي اتَّصَفَتْ بالشيء منْ جهة كون كلٍّ منها متأثّراً به "أي: مفعولاً به" مع اختلاف صفة التأثُّر في كلٍّ منها.
مثل: "أَعْلَمَ اللهُ النَّاسَ مُحمّداً رَسُولاً" فالإِعلام في هذه الجملة ذو أرْبَعِ نِسَب:
(١) نِسْبتُهُ إلى فاعله المؤثّر به، فهو مُعْلِمٌ بكَسْرِ اللام.
(٢) نسْبَتُهُ إلى الواقعِ عليه المتأثِّرِ به فهو مُعْلَمٌ بفتح اللاّم، وهذا المعلَمُ لَهُ ثلاثة جهاتٍ مختلفات:
الجهة الأولى: كَوْنُ الْمُعْلَمِ مُسْتَفِيداً كاسباً لِلْعِلْم.
الجهة الثانية: كَوْن الْمُعْلَم أَحَدَ رُكْنَي القضيّة الّتي جرى الإِعلام بها، وهو فيها مُسْنَدٌ إليه، وهو: "مُحَمّداً".
الجهة الثالثة: كون الْمُعْلَمِ أَحَد رُكْنَي القضيّة الّتي جرى الإِعلام بها، وهو فيها مُسْنَدٌ، وهو: "رَسُولاً".
وأصلُ القضيّة التي جرى الإِعلام بها هي: "مُحَمّدٌ رَسُولٌ".
فظهر بهذا التحليل أنّ الإِعلام ذو أربع نِسَب.
стр. 150
الاقتصار على بيان بعض النسب:
بعد بيان هذه الدوائر الأربع لعطاء الجملة الكلاميّة، نلاحظ أنّه قد لا يستدعي موضوع الجملة أكثر من الدائرة الأولى، وقد يستدعي موضوعُها الدائرة الثانية، أو الدائرة الثالثة، أو الدائرة الرابعة.
ومع استدعاء موضوع الجملة أكثر من الدائرة الأولى، فقد يتعلَّق غرضُ المتحدّث بالاقتصار على بعض النِّسَب وإغفال بيانِ ما يتعلَّق بالنِّسَبِ الأُخرى، وله ذلك متى أفاد بحديثه ما يريد إبلاغَهُ من الإِسناد، وأدناه الدائرة الأولى، ويكون فيها إسنادُ شَيْءٍ إلى شيءٍ بجملةٍ تُقَدِّمُ فائدةً ما. ودون ذلك يكون الكلام ناقصاً ولَغْواً.
ولا بُدَّ من ملاحظة أنَّ المحذوف المقدَّر الذي يُمْكن إدْراكُهُ وتصوُّرُهُ ذهْناً لوجود قرينة تدلُّ عليه لفظيَّةٍ أو غير لفْظيَّة، هو كالمذكور، ولدى علماء العربية والبلاغيّين ضوابط لذلك.
***
(٨) نظرة حول ما يُسَمَّى فضلةً في الجملة عند النحويين
لعلّ ما يَصِفُه النحويون في الجملة الكلاميّة بأنه فضلَةٌ يقْصِدون به أنَّهُ عطاءٌ فكريٌّ زائدٌ على أصغر دوائر الجملة الكلاميّة المفيدة.
فالّذي أرَاه أنَّه لا تُوجَدُ في الجملة الكلامية كلمةٌ تُؤدّي معنىً مقصوداً بالبيان، لا تؤدّيه كلمةٌ أخرى غيرها تأدِيَةً مباشرةً، يَصِحُّ أن تُسَمَّى لدى التحقيق فضلةً في علم المعاني، لأنّ الفضلةَ يَنْبَغي أنْ تُطْلَق على ما في الكلام من ألفاظٍ تدلُّ على معنىً هو زائدٌ على المطلوب بيانُه والتَّعْريفُ به.
فإذا قال النحويُون أو البلاغيّون تبعاً للنحويّين: إنّ ما زاد على رُكْنَي
стр. 151
الإسناد "المسند والمسند إليه" في الجملة الكلامية هو فضلة، كالمفاعيل وسائر متعلّقات الفعل، فَقَصْدُهُمْ من ذلك فيما أرَى أنّ الجملة المفيدة لا بُدَّ فيها حَتْماً مِنْ رُكْنَيْ الإِسناد، وإلاَّ كان الكلام غير مفيد، فما زاد على ذلك يعتَبَرُ زائداً على أدْنَى ما يَجبُ أَنْ تُبْنَى بِه جملةٌ كلاميّةٌ مفيدة، لا أنّه زائد على ما يَقْصِدُ المتكلِّمُ بيانه.
إذْ كُلُّ فِكْرَةٍ دلَّ عليها لفظٌ في الكلام - مهما دقَّتْ هذه الفكرة - إذا كانت مقصودة بالبيان، فإنَّه يُمْكِنُ أن تُصَاغَ لأَجْلِها جُمْلَةٌ مفيدة من "مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْه" وأن تكون هذه الجملةُ منفصلة مستقلّة، إلاَّ أنّ الاقتصادَ في التعبيرَ جعل الْجُمْلةَ تَسْتَوْعِبُ بتعلّقات الإِسناد في المفاعيلِ، وبقيود الإِسناد، وقيودِ الْمُسْنَدِ، وقيودِ الْمُسْنَدِ إليه عِدَّةَ جُمَلٍ، وهي لَوْ حُلِّلَتْ وَفُصِّلَتْ لكانت في بعضها جملتين، ولكانت في بعضها ثلاثَ جُمَلٍ، وفي بعضها أرْبعَ جمل، وخَمْسَةً وسِتَّةً وأكثر من ذلك، بعَدَدِ المتعلّقاتِ والقيود.
بهذا البيان التحليلي لا يصِحُّ أنْ نعتبر في مثل عبارة: "ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً" أنَّ "عَمْراً" فضلة، لأنّ فكرةَ وقُوع ضَرْبِ زيْدٍ على عَمْروٍ فكرةٌ مقصودةٌ بالبيان، تُصَاغُ لَهَا جُمْلَةٌ خاصَّةٌ مفيدة، نَقُولُ فيها: "ضُرِبَ عَمْروٌ" أو "عَمْروٌ مَضْرُوبٌ"، وهكذا سائرُ متعلّقاتِ الجملة الكلاميّة وقيودُها.
أمّا الفضلة الحقيقيّة فهي الكلمة التي لا تُضِيفُ إلى معنى الجملة معنىً مقصوداً بالبيان، كالمترادفات المتتابعات في الجملة، وكزوائدِ التأكيد في الجملة التي لا يُرْفَعُ بِذكْرها تَوَهُّمُ المجاز أو الْغَلَطِ وسَبْقِ اللّسان، كأن تقول: "جاء القومُ أجمعون أكتعون أَبْصَعُون" فالمترادفاتُ الإِطنابية، المؤكّدات الإِطنابيّة زوائد لم تُضِفْ جديداً، ولم ترفَعْ توهُّماً.
стр. 152
(٩) مشجَّرات تحليليّة للجملة الكلاميّة
(أ) الجملة الكلاميّة
١ - الْمُسنَد
ويأتي المسند في الجملة على وجوه:
- فعل.
- أو ما يقوم مقام الفعل.
- اسم مفرد أو ما يؤول به.
- جملة إسمية أو فعلية.
- شبه جملة (ظرف أو جار ومجرور) .
- كل ما يقوم مقام ما تقدم.
وقد يتعدد المسند والمسند إليه واحد، فَيُسْتَغْنى بحرف العطف عن إنشاء جملة جديدة أو أكثر، مثل: ((أكلَ وشرب ونام الأسد)) .
٢ - الإِسناد
وهو الربط بين ركْني الجملة بالاقتران مع علانة إعراب ظاهرة أو مقدرة، أو بضمير الفصل أحياناً. وقد يظهر هذا الرابط في غير العربية بما يُسمَّى فعل الكون
٣ - الْمُسنَد إليه
ويأتي المسند إليه في الجملة على وجوه:
- فاعل.
- مبتدأ.
- اسم كان وأخواتها.
- اسم إنّ وأخواتها.
- نائب الفاعل.
- كل ما يقوم مقام ما تقدم.
وقد يتعدّد المسند إليه والمسند واحد، فَيُسْتَغْنى بحرف العطف عن إنشاء جملة جديدة أو أكثر، مثل: ((أكلَ الأسد والذئب والثعلب والنَّسْرُ)) .
وقد يتعدَّد كلٌّ من المسند والمسند إليه مع تماثل النسبة في الإِسناد، فَيُسْتَغْنى بالعطف في كلٍّ منهما عن إنشاء جُمَلٍ متعدّدة، مثل: ((أكلَ وشرب ونام الأسدُ والذئبُ والثعلبُ والنَّسْر)) .
стр. 153
(ب) تابع تقسيمات الْمُسند
١ - المسند بحسب سنده
- لازم: وهو نسبة واحدة. فليس له إلاَّ فاعل أو ما يقوم مقامه.
- متعدٍّ ذو نسبتين: فله فاعل ومفعول به أو ما يقوم مقامهما.
- متعدٍّ ذو ثلاث نسب: فله فاعل ومفعول به أول، ومفعول به ثان، أو ما يقوم مقامها.
- متعدٍّ ذو أربع نِسَب: فله فاعل ومفعول به أول، ومفعول به ثانٍ، ومفعول به ثالث، أوْ ما يقوم مقامَها.
٢ - ما ينوب مناب المسند
- ما يعمل عمل الفعل:
كالمصدر، مثل: ((ضربي العبد مسيئاً)) .
واسم الفعل، مثل: ((هيهات لما توعدون)) .
- الظرف:
مثل: ((الجزاء الأمثل يومَ الدين)) .
- الجار والمجرور:
مثل:
((زيد في الدار)) .
((إبليس من الجنّ)) .
((منّا الصالحون ومنّا دون ذلك)) .
٣ - المسند بحسب إطلاقه وتقييده
- مطلق: مثل: ((مرض الحصان)) .
- مقيد بالوصف: مثل: ((مرض الحصان مرضاً شديداً)) . ((نام الأرنب نوماً عميقاً)) .
- مقيد بحرف الجرّ: مثل:
((مرض الفاسق بمرض الزهري)) .
((قتل قاتل بالسيف)) .
((أكل الرسول بيده)) .
((انطلق المسافرون من محطة القطار)) .
((تجاوز الله للعاصي عن سيئاته الصغرى)) .
- مقيد بقيد الغرض في المفعول لأجله:
مثل: ((حضرتُ إكراماً لك)) . أي: حضوري مقيّد بأنه لأجل إكرامك.
- مقيد بقيد الظرف الزماني أو المكاني:
مثل: ((وُجِدَ في داره يومَ السبت صباحاً)) .
стр. 154
(ج) تابع تقسيمات المسند إليه
١ -
- مطلق: مثل: ((مرّت سحابة)) . ((في الدار رجل)) . ((داهَمَ سيل)) .
- مقيّد بقيد الوصف: مثل: ((مرّت سحابة ثقيلة)) . ((في الدار رجُلٌ فاضل)) . ((داهَمَ سيلٌ يملأ الوادي)) .
- مقيَّدٌ بقيد الحال: مثل ((عاد الجيش منتصراً)) .
- مقيّد بالاستثناء: مثل ((رجع حُجَّاج المدينة إلاَّ سبعة)) .
- مقيّد بقيد الإضافة: مثل ((هلك قوم نوحٍ)) .
- مقيّد بالتمييز: مثل ((ذبح لضيوفه عشرينَ خروفاً)) .
- مقيّد بواو المعية: مثل: ((سارت القافلة وَسَاحلَ البحر)) .
٢ - قد ينوب عن المسند إليه جملة تُؤول بمصدر.
مثل:
((وأن تصوموا خير لكم)) . أي: صيامكم خير لكم.
((أن تفعلوا الخير احبُّ إلى الله ةأرجى ثواباً عنده)) . أي: فعلكم الخير أحبُّ إلى الله.
٣ -
- الضمائر: هي اختصار يُكَنَّى بها، فتغني عن تكرار المسند إليه، وعن ذكر الاسم الظاهر.
- أسماء الموصول: مبهمات يتوصّل بها إلى وصف المسند إليه بجماة كلامية. فَيُسْتَغْنى بذكر الوصف عن ذكر الاسم الخاص، للجهل به، أو لغرض بياني.
- أسماء الإشارة: يشار بها إلى المسند إليه، فتقع في الكلام موقع اسمه.
- قد يتوصل إلى المسند إليه بحرف الجرّ: مثل ((احتفل القوم بعالمهم)) . فعبارة"بعالمهم" مسنَدٌ إليه من رتبة المفعول به الأول
стр. 155
(د) تابع تقسيمات الإِسناد
النسبة بين المسند والمسند إليه مطلقة ومقيدة
١ - المطلقة
هي التي لا تقترن بقيْدٍ يقيدها. مثل:
((الله موجود)) .
((الكون مخلوق)) .
٢ - المقيدة
- مقيدة بقيد الزمن الماضي
المطلق: مثل: ((جاء سعيد)) . ((مات أهل القرون الأولى)) .
المحدّد: مثل: ((جاء سعيد أَمْسِ)) . ((يجب الصوم في شهر رمضان)) .
- مقيدة بقيد الزمن الحاضر مع التجدّد
مثل: ((يسير القطار - الشمس تجري - السحاب يسير - الارض تدور)) .
- مقيدة بقيد الزمن المستقبل
المطلق مثل: ((سيبعث الله الموتى)) . ((لتعلمُنَّ نَبأَه بَعْد حين)) .
المحدّد مثل: ((سيحضر الرئيس يوم الخميس القادم)) .
- مقيدة بغير ذلك من القيود:
كقيد المكان: مثل: ((زيد موجود في الدار)) . ((ينبت الشجر في الأرض)) .
كقيد الحال: مثل: ((جاء الأمير راكباً)) . أي: حصل مجيئه وهو راكب.
стр. 156
(هـ) الأسماء التي لها الصدارة في الجملة
توجد في اللّسان العربيّ أسماء لها الصدارة في الجملة العربية، فلا يصحّ أن يتقدّمَ عليها إلاّ جارٌّ لَهَا، أو مضاف إليها، أو حروف العطف، وهي:
- أسماء الاستفهام
مثل:
((كيف حالك)) .
((أين أبوك؟)) .
((متى يأتي موسم الحصاد؟)) .
((من أوّل من بنى الكعبة؟)) .
((حَتّى متى نَظَلَُ في حَالة الضعف؟)) .
((مَا لَوْنُها؟)) .
((لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟)) .
((كَمْ سورةٍ حَفِظْتَ؟)) .
- أسماء الإشارة
مثل:
((من يعملْ خيراً يجزَ به)) .
((أينما تكونوا يدرككم الموت)) .
((حيثُما تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ اللهٌ نجاحاً في غابر الأزمان)) .
((ما تفعلوا من خير يَعْلَمْهُ الله)) .
- ((ما)) التعجبيّة
مثل:
((ما أَحْسَنَ خَلْقَ الله!)) .
((ما أحْمَق مَنْ يتطاول على بارئه)) .
- ((كم)) الخيريّة
مثل:
((كمْ عَمَّةٍ لَكَ يَا جَرِيرٌ وخالَةٍ)) .
((كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ ِفَئًة كَثيرةً بإذْنِ الله)) .
стр. 157
(١٠) تقسيم الجملة إلى خبريّة وإنشائية
استقرّ رأي الحذَّاق من النحويّين وعلماء أصول الفقه وغيرهم، وعلماء البلاغة، على أنّ الكلام ينحصر في قسمين: "الخبر، والإِنشاء" وأنّه ليس له قسمٌ ثالث.
وقيل استقرار الرأي على هذا التقسيم كان للباحثين في هذا الموضوع أقوال، فقيل: أقسامُ الكلام عشرة، وقيل: تسعة، وقيل: ستّة، وقيل: خمسة، وقيل: أربعة، وقيل ثلاثة، على اختلاف وجهات أنظار أصحاب هذه الأقوال.
والدليل على انحصار الكلام المفيد في الخبر والإِنشاء، أنّ الكلام:
* إمّا أن يحتمل لِذات الكلام لا لمقتضياتٍ أخرى - أن يُقالَ فيه هو مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع، فهو الخبر.
* وإمّا أن لا يحتمل أن يقال فيه ذلك باعتبار منطوقة، لا باعتبار دلالاته اللّزُوميّة، فهو إنشاء.
فالجملة المفيدة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: الجملة الخبرية، وهي الجملة الّتي اشتملت على خَبَرٍ مَا، فَمَضْمُونُها إخبارٌ عن أَمْرٍ ما، إيجاباً أوْ سَلْباً.
والقصدُ منها الإِعْلاَمُ بأنَّ الْحُكْمَ الّذي اشتملت عليه له واقعٌ خارجَ العبارة الكلاميّة مطابقٌ له.
стр. 158
القسم الثاني: الجملة الإِنشائيّة، وهي الجملة الّتي لم تشتملْ على خَبَرٍ، وإِنَّما أنشأَ النُّطْقُ بِهَا حدَثاً ما، كإنْشاءِ طَلَبِ الفعل، إذا قُلْتَ لابْنِك: اسْقِنِي، أو قُلْتَ لَهُ: اجْتَهِدْ، أو لا تَكْسَلْ، وكإنْشاء طلَب الْفَهم، إذا قلْتَ للفقيه: هلْ يجوز أن أفعل كذا؟ أو ما حكمُ كذا شرعاً. ونحو ذلك.
فليس القصد من الجملة الإِنشائيّة الإِعلامَ بنسبةٍ حكميّةٍ تحقَّقَتْ أَوْ لم تتحقَّقْ في الواقع، وإنْ كان يلزم عقلاً منْ إيراد الجملة الإِنشائيّة فَهْمُ قضايا وجُمَلٍ خبريَّةٍ أُخْرَى لا تَدُلُّ عليها الجملة الإِنشائيّةُ بمنطُوقِها دَلالَةً مُبَاشِرة، بل تَدُلُّ عليها باللُّزوم الذهني.
كدلالة الجملة الاستفهاميّة على أنَّ المستَفْهِمَ جاهلٌ يطلبُ الفهمَ، وكدلالة جملة التَّمَنِّي على أنّ من أنشأها يتمنّى في نفسه ما دَلّت عليه عبارَتُه، وكدلالة جملة المدح على أنّ المادح بها يُعَبِّرُ بصِدْقٍ عمّا في نفسه.
إلى غير ذلك من دلالات خبريّة تُستفاد باللّزوم الذهني من الْجُمَلِ الإِنْشَائيّة.
تعريف الخبر:
الخبر: هو الكلام الذي يحتمل الصِّدْق والكذبَ، باعتبار كونه مجرّد كلامٍ، دون النظر إلى قائله، ودون النظر إلى كونه مقترناً بما يدُلُّ على إثباته حتماً، أو نَفْيهِ حتماً، ومَدْلُولُه لا يتوقّف على النُّطْق به، ويدخُلُ فيه الوعْدُ والوعيد، لأنهما خبران عمّا سيفعله صاحب الوعد والوَعِيد.
مثل: طلَعتِ الشَّمْس - نَزَلَ الغيثُ - بعثَ الله محمّداً رسُولاً - سيأتي الدّجالُ في آخر الزمان - سينزل عيسَى ويَقْتُلُ الدّجال - سَنُلْقِي في قلوب الذين كفروا الرعب - وَعَدَ الله الذين آمنوا وعلموا الصالحات لَيسْتخلفنّهم في الأرض - والكافرون لهم عذابٌ أليم.
стр. 159
تعريف الإِنشاء:
هوا لكلام الذي لا ينطبق عليه تعريف الخبر، ولدى تحليل حقيقته أقول: هو الكلام الذي يَتَوقَّفُ تحقُّقُ مدلوله على النُّطْقِ به، كالأمْرِ والنهي، والدّعاء، والاستفهام، والمدح والذّم، وإنشاء العقود الّتي يتمّ تحقُّقُها بالنُّطق بالْجُمَل الّتي تَدُلُّ عليها، مثل: بِعْتُك - اشتريتُ منك - زوَّجتُك - أنْتِ طالق - أعتقتُكَ.
(١١) هل التعجّب من الخبر أو من الإِنشاء؟
اختلفت العلماء في التعجب هل هو من أقسام الخبر أو من أقسام الإِنشاء، ورجّح الكثيرون أنّه من أقسام الخبر، لأنّه إخبارٌ عن حالة التَّعجُّب القائم في النفس.
والقائلون بأنّه من أقسام الإِنشاء لاحظوا أنّه صيغةٌ كلاميَّةٌ يُطْلَبُ بها تعظيم الأمر في النفس السَّامع.
وللعلماء في تعريف التعجّب أقوال:
قال ابْنُ فارس: هو تفضيلُ شيءٍ على أضْرابه.
وقال ابن الصائغ: هو استعظام صفةٍ خرج بها المتعجَّبُ منه عن نظائره.
وقال الزمخشري: معنى التعجُّب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأنّ التعجُّبَ لا يكونُ إلاَّ من شيءٍ خارجٍ عن نظائره وأشكاله.
وقال الرّماني: المطلوبُ في التعجُّب الإِبْهام، لأنّ من شأن الناس أن يَتَعَجَّبُوا ممّا لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، فكلّمَا اسْتَبْهَمَ السَّبَبُ كان التَّعجُّبُ أحْسَنَ ... وأصْلُ التعجُّب إنّما هو للمعنَى الذي خَفِيَ سبَبُه، والصيغة الدّالة عليه تُسَمَّى تَعَجُّباً
стр. 160
مجازاً ... ومن أجْلِ الإِبهام لم تَعْملْ "نِعْمَ" إلاَّ في الجنْسِ، من أجْلِ التفخيم، ليقَعَ التَّفْسِيرُ على نَحْوِ التَّفْخِيم بالإِضْمارِ قَبْلَ الذِّكر.
والتعجُّبُ يكون بصِيَغٍ تَدُلُّ عليه من لفظ المتعجَّب منه، وبصِيَغٍ أُخْرَى منْ غير لفظه.
فالصِّيَغُ الّتي يُتَعجَّبُ بهَا من لفظ المتعجّب منه تأتي على وِزانِ: "مَا أفْعَلَهُ" مِثْل: ما أَكْرَمه - ما أحْسَنَهُ - مَا أشجعَهُ. وعلى وِزان: "أَفْعِلْ به" مثل أَكْرِمْ به - أحْسِنْ به - أشْجِعْ به.
ومنها:
* قول الله في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول) :
﴿فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ... ﴾ [الأيات: ٣٧ - ٣٨] .
أي: ما أشدَّ سَمْعَهُمْ وما أشدَّ بَصَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
* قول الشاعر:
مَا أَحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وأَقْبَحَ الْكُفْرَ والإِفْلاَسَ بِالرَّجُلِ
* قولنا: ما أجمل الصّدق - أكْرِمْ بالعفيفِ الشريف.
استخدام الاستفهام للتعجّب:
وقد يُسْتَخْدَمُ الاستفهامُ للتَّعَجُّبِ، مثل قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الآية: ٢٨] ؟!
أي: كُفْرُكُمْ مع هذه الأدلة الداعِيَة إلى الإِيمان أَمْرٌ مستغربٌ يُنْشِىءُ التعجُّبَ مِنْهُ.
استخدام عبارات مختلفات في التعجب:
وتُسْتَخْدَم عباراتٌ أُخْرى في التعجّب، مثل:
стр. 161
"سُبْحَانَ الله - لله دَرُّ فلان - ما أَدْرَاكَ ماهِيَه".
لفظة "كَبُر" مثل:
* قول الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) :
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الآية: ٥] .
* وقول الله في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول) :
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الآية: ٣] .
وتُسْتَعْمَلُ في التعجُّب كلمةُ: "وَيْ" وهي كناية عن جُمْلَةٍ تعجُّبيَّة.
وتُسْتَعْمَل أيضاً كلمة: "واهاً" في التعجُّب من طيب الشيء، فهي بمعنى: "ما أَطْيَبه".
وتُسْتَعمل أيضاً كلمة: "هَيْتَ" في التعجب، تقول العرب: "هَيْتَ للْحلْم" و"هَِيْتَُِ لَكَ.
عبارات التعجب الواردة في كلام الله:
قال المحقّقون: إذا ورد التعجّبُ في كلام الله صُرِفَ إلى المخاطبين، ولهذا يُعَبِّر بعض العلماء بالتعجيب بدل التعجُّب، أي: هو تعجيب من الله للمخاطبين.
* قول الله بشأن أهل النار في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ [الآية: ١٧٥] .
أي: هؤلاء ينبَغِي أنْ تَتَعَجَّبُوا من شدّة صَبْرِهِمْ على عذاب النار.
* وقول الله السابق آنفاً: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] .
أي: تَعَجَّبُوا من شدّة سَمْعِهِمْ ومِنْ شِدَّةِ بَصَرِهِمْ.
стр. 162
الفصل الثالث: الجملة الخبريّة وأحوالها
(١) الصّادق والكاذب من الْخَبر والْمُخْبِر به
لا بد من التفريق بين الْخَبَرِ والمخْبِرِ به، من جهة الصدق والكذب، لتنحلَّ إشكالات قد تُوجَّه للتعاريف وبعض النصوص.
أولاً: الخَبَرُ الصّادِقُ: أو الْخَبَرُ الصِّدْقُ، هو ما كان من الكلام مطابقاً للواقع في حقيقةِ الأَمْرِ.
ثانياً: والْخَبَرُ الكاذبُ، أو الْخَبَرُ الكَذِبُ، هو ما كان من الكلام غَيْرَ مطابقٍ للواقع في حقيقة الأَمْرِ.
ثالثاً: أمّا الْمُخْبِرُ الصّادقُ فهو الْمُخْبِرُ بخَبَرٍ يدّعي أنّه صادقٌ فيه، وهو يَعْتَقِد أنّه حَقٌّ وصِدْقٌ، ولَوْ كان ما أَخْبَرَ به كذباً غَيْرَ مُطابِقٍ للواقع في حقيقة الأمْر. وحين يَنْفِي الحقَّ وهو يَعْتَقِد صحَّةَ ما يقولُ فإنَّه يُسَمَّى نافياً، وَلا يُسمَّى جاحداً للحق، إذ هو يقول ما يعتقد.
رابعاً: وأمَّا الْمُخْبِرُ الكاذبُ فهو الْمُخْبِرُ بخبرٍ يدّعي أنّه صادقٌ فيه، وهو يَعْتَقِدُ أنّه باطلٌ وكَذِبٌ، ولو كان ما أَخْبَر بِهِ صدْقاً مطابقاً للواقع في حقيقة الأمْرِ، ونفيُهُ للحقِّ يُسمَّى جَحْداً وجُحُوداً، فالذي ينفي أمْراً وَهو يَرَى أنه أمرٌ ثابت هُوَ جاحد، ويقالُ له نافٍ بمقتضى الإِطلاق العام.
стр. 163
فالمنافق الذي يقولُ بلسانه: "مُحَمَّدٌ رسولُ الله" هو كاذبٌ في قوله، لأنّه يقولُ خلافَ ما يَعْتقِد، وكلامُهُ حَقٌّ وصدْقٌ، لأنّه مطابقٌ للواقع، وقد دلَّنا الله على هذا التفريق في قوله في سورة (المنافقون/ ٦٣ مصحف/ ١٠٤ نزول) :
﴿إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [الآية: ١] .
وبهذا التفريق بين الخَبَر والمخبِرِ به تنحَلُّ إِشْكَالاَتٌ واعتراضاتٌ مُوَجَّهةٌ على التعاريف التي ذُكِرَتْ للصّدْقِ والكذب.
وفي بيان أنّ النافيَ المستيقن من الأمر جاحِد قال الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) :
﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هاذا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] .
ووصف الله بالجحود الذين يُدْركون آيات الله ثم ينكرون دَلاَلاتِها الدامغات، ومن ذلك قوله تعالى في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) خطاباً لرسوله:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولاكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الآية: ٣٣] .
***
стр. 164
(٢) أغراض توجيه الخبر
(١) الأصل في توجيه الكلام الذي يَتَضمَّن خبراً ما أن يكون الغرض منه الإِعلام بالخبر الذي دلَّ عليه الكلام، أي: إفادة المخاطب الحكْمَ الّذِي تضمَّنَتْهُ الجملةُ أو الْجُمَلُ الخبريَّة.
ويُسمَّى هذا عند عُلماء البلاغة "فَائِدَةَ الْخَبَر".
(٢) وَقَدْ يُرادُ من توجيه الكلام الّذي يتضمَّنُ خبراً مَا، إعْلاَمَ المخاطَبِ بأنّ المتكلِّمَ عالمٌ بالحكْمِ الذي تضمَّنَتْهُ الجملةُ الخبريَّة، ولا بُدّ عندئذٍ من أن يكون المخاطَبُ عالماً به.
ويسمَّى هذا عند علماء البلاغة "لاَزِمَ الفائدة".
(٣) وقد يُنزَّل العالم بالخبر منزلةَ الجاهل به لأنه لا يعمَلُ بمقتضى عِلْمِه.
(٤) وقد يراد من توجيه الخبر إعلانُ الفخر بما تضمّنَه الخبر، كقول الشاعر:
أنَا الْقَائِدُ الْحَامِي الذِّمَارَ وإنَّما ... يُدافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
الذِّمارُ: ما تجب حمايته، كالأهل والعِرْض.
الأحْسَاب: مَا يَعُدُّهُ المرءُ من مَناقبِ وشَرفِ الآباء.
(٥) وقد يرادُ منه المدح والثناء، مثل أن نقول: اللَّهُمّ أنْتَ خالق السماوات والأرض العليم القدير الحكيم الرحيم الغفار، ناصيتي بيدك، أنت قيّوم السماوات والأرض الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
(٦) وقد يُرادُ منه التحسُّرُ والتّأسّف، كقول الشاعر:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ ... وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ
стр. 165
(٧) وقد يُرادُ منه الاسترحامُ والاستعطاف، كقول الشاعر:
رَبِّ إِنيّ لاَ أَسْتطِيعُ اصْطِبَاراً ... فَاعْفُ عَنِّي يَا مَنْ يُقِيلُ الْعِثَارَا
(٨) وقد يرادُ منه إظهارُ الضَّعْف، كقول الشاعر:
قَدْ كُنْتَ عُدَّتِيَ الَّتِي أَسْطُو بِها ... وَيَدِي إذَا اشْتَدَّ الزَّمَانُ وسَاعِدِي
(٩) وقَدْ يُرادُ مِنْهُ التوبيخ، كجواب المؤمنين للمنافقين في موقفِ الحشر بَعْدَ أن يُضْرَبَ بيْنَ الفريقين بسورٍ له بابٌ، باطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهره مِنْ قِبَلِهِ العَذَاب، في الحوار بَيْنَهما الذي عرضَهُ اللهُ في سورة (الحديد/ ٥٧ مصحف/ ٩٤ نزول) :
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بلى ولاكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وارتبتم وَغرَّتْكُمُ الأماني حتى جَآءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾ [الآية: ١٤] .
وكالمقالة الَّتي تُوجّه للذّين يكنزونَ الذّهَبَ والفِضَّه حين يُعَذّبُونَ بصَفَائِحِهَا الْمَحْمِيَّةِ في نار جَهَنَّمَ، إذْ يُقَالُ لَهُمْ كَمَا جَاءَ في سُورَةِ (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) :
﴿ ... هاذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [الآية: ٣٥] .
(١٠) وَقد يُراد منه إظهار الفرح، كقولِ أَهْلِ الجنَّةِ مظهرين الفرحَ من خلال ثنائِهِمْ عَلَى الله بمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضله، كما جاء في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) :
﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ [الآية: ٧٤] .
(١١) وقد يراد منه الوعظ، بتحريك النّفسِ من مَحَاوِر مطامعها ومخاوفها، كاستعراض نعيم الجنَّةِ لاستثارة مطامع النفس، واستعراض عَذَاب النار لاستثارة مخاوف النفس، حتى تلتزم صراط التقوى.
стр. 166
(١٢) وقد يُراد منه الشتيمة، كأن يُقَال للَّقِيط: أنْتَ وَلَدُ زِنَا.
(١٣) وقد يُرادُ منه التذكير، كأن يُقَالَ عنْدَ المحتَضَر: أَشْهَدُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنّ محمداً رسول الله.
(١٤) وقد يراد منه إعلامُ غير المخاطب، على طريقة: إيَّاكِ أخاطبُ واسْمَعي يا جَارَة.
إلى غير ذلك من أغراض.
***
(٣) خروج الخبر عن أصل معناه للدلالة على الأمر والنهي والدّعاء
قد يَخْرُج الخبر عن أصل المعنى الذي وُضِعَتْ له صِيَغُه، فَيُدَلُّ به على الأمر والنَّهْي والدُّعَاء.
(١) فقد يُرَادُ من الخبر في الجملة الخبريّةِ الأمْرُ، ومِنْهُ:
* قولُ الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿*والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ... ﴾ [الآية: ٢٣٣] .
أي: ولْيُرْضِعِ الوالداتُ أَوْلاَدَهُنَّ.
* وقول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) :
﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَيُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ﴾ [الآية: ٧١] .
стр. 167
أي: ليكُن المؤمنون والمؤمناتُ بعضُهم أولياءَ بعضٍ ... إلى آخر الآية.
* وقول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول)
﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء ... ﴾ [الآية: ٢٢٨] . أي: ليتربَّصْنَ.
أقول: والسبب في دلالة الجملة الخبرية على الأمر أحياناً بمساعدة القرائن، ليس من استخدام الصيغة الخبريّة في معنى الأمر، ولكنَّ هذه الدّلاَلة آتيةٌ من دلالة اللّزُومِ الفكري.
فوصف الله المؤمنين بأنّ بعضَهُمْ أولياءُ بعْضٍ، وبأنهم يأمُرونَ بالمعروف وينهون عن المنكر، إلى آخر ما جاء في الآية، يدُلُّ باللُّزوم الفكريّ على أنّهم لا يَتَحَلَّون بهذه الصفاتِ إلاَّ بدافعٍ من إيمانِهِمْ وخوفهم من ربّهم، وحرصهم على طاعته فيما أمرهم به، ولو لم تكن هذه الصفاتُ ممّا أمَر الله به لمَا كانَتْ أثراً من آثار إيمانهم الصادق.
ثم إنّ مثلَ هذه الصيغةِ الخبريَّةِ الواردة في الآية والمحفوفة بالقرائن، تدُلُّ على أنّ الأمْر بما جاء فيها من صفاتٍ للمؤمنين، قد كان أَمْراً بالغَ الشّدَةِ والْجَزْمِ، فلم يَكُنْ في وُسْعِ المؤمنين الصادقين إلاَّ الالتزامُ بطاعة اللهِ فيه.
(٢) وقد يُراد من الخبر في الجملة الخبريَّة النهيُ، ومنه:
* قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ... ﴾ [الآية: ١٩٧] .
أي: فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحجّ فَلاَ يَرْفُثْ ولاَ يَفْسُقْ ولا يُجَادِلْ في الحجّ.
وأقول هنا نظير الذي قُلْتُه في دلالة الخبر على الأمر إذا حُفَّ بما يُخْرجه عن الخبريَّةِ من قرائن.
стр. 168
ورأَى ابْنُ العربي أنّ ما ذُكِرَ من خروج الخبر إلى النَّهْيِ غَيْرُ مقبول، لاحتمال حَمْلِ الكلام على معنى آخر غير ما ذكروا.
فقال في قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ... ﴾ ليس نفياً لوجودِ الرَّفَثِ، بل هو نفيٌّ لمشروعيَّتِه، فإّن الرَّفث يوجَدُ من بعض الناس، وأخبارُ الله تعالى لا يجوزُ أن تقع بخلاف الواقع، وإنما يَرْجِعُ النفيُ إلى وُجوده مشروعاً، لا إلى وُجوده مَحْسُوساً، قال: وهذه هي الدفينة التي فاتت العلماء فقالوا: إنّ الخبر يكون بمعنى النهي، وما وُجد ذلك قطُّ، ولا يصحُّ أن يُوجَد، فإنَّهما مختلفات حقيقةً، ويتباينان وصفاً.
أقول: ما ذكر ابْنُ العربيّ وجْهٌ يُمْكن أنْ يُقْصَد، لكن استعمالَ النَّفي بمعنى النَّهْي أمْرٌ متدَاولٌ بين الناس، ويدعو إليه عدّة دواعٍ بلاغيّة، منها التلطّفُ بالمخاطب.
(٣) وقد يراد من الخبر في الجملة الخبريّة الدعاء، وهذا كثير، منه:
* قولنا: يَرْحَمُ اللهُ موتانا ويَغْفِرُ لهم.
أي: اللهم ارحمهم واغفرْ لهم.
وفي استخدام الخبر في الدّعاء معنى التفاؤُلِ باستجابة اللهِ الدعاء، وتحقُّقهِ في الواقع حتَّى يكون خبراً.
* قولُ يوسف ﵇ لأخوته فيما حكى الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) :
стр. 169
﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [الآية: ٩٢] .
يَغْفُرُ اللهُ لَكُم: جملةٌ خَبَريَّةٌ أُرِيدَ منها الدُّعَاءُ لهم بأَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ.
* وكان من دعاء الرَّسُولِ ﷺ أصحابه: "غَفَر اللهُ له" بأسلوب الخبر، والمعنى: اللهم اغفرْ له، وكان هذا الدّعاءُ مشعراً بقرب وفاة من دعَا الرَّسُولُ له به.
***
(٤) التأكيد وعدمه في الجملة الخبرية
الإِخبار الابتدائي:
الأصل في الجملة الخبريّة مُثْبتةً كانت أو مَنْفِيَّةً أنْ يؤتى بها خاليةً من المؤكّداتِ، حينَ لاَ يكونُ حالُ المخاطَب يَسْتَدْعِي تأكيدَ الخبر لَهُ، وذلك إِذا كان خالِيَ الذّهْنِ، ليْسَ في نفسِه ضِدَّ مُقَدِّم الخبرِ عواملُ شَكٍّ أو إحجامٍ عن قَبُولِ أخباره.
ويَحْسُنُ في ابْتِدَاءِ الإِخْبار بِالْخَبرِ إيرادُهُ غيْرَ مُقْتَرِنٍ بأيَّةٍ مؤكِّداتٍ، ومن الأمثِلةِ قولُ اللهِ لرَسُولِهِ في أوَّلِ ما أنزل علَيْه من تنزيل في سورة (العلق/ ٩٦ مصحف/ ١ نزول) :
﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم * الذى عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [الآيات: ١ - ٥] .
فالجملُ الخبريَّةُ في هذا النّصّ خاليةٌ مِنَ المؤكّداتِ، لعدم وجود الدّاعي إلَى اقترانِها بما يقتضي تأكيدها.
стр. 170
الإِخيار الطّلَبي:
وحين يكونُ لدى المخاطَبِ شَكٌّ في الخبر، أَوْ عواملُ شَكٍّ أوْ إحجامٍ عن قبول الخبر، فإنّ حالَه تكونُ حالَ طالب يسأل عن صحة الخبر، فيَحْسُن أن يُؤتَى لَهُ بالجملة الخبريَّةِ مُقْتَرِنَةً بمَا يُؤَكِّدُ صحَّةَ مَضْمُونِ الْخَبَر، ويؤتَى فيها بمقدارٍ من المؤكّدات يُلائِمُ نِسْبَةَ التَّشَكُّكِ لديه وعَوامِلِ الإِحْجَامِ عَنْ قبوله الخبر.
فإذا كانَتْ عواملُ الشَّكّ والإِحجامِ غَيْرَ قويَّةٍ حَسُنَ في الْكَلاَمِ إيرادُهُ مقترناً ببعضِ المؤكّداتِ من درجَةٍ دُنْيَا.
* وكلّما زاد الشَّكُّ وقويت عوامل رفضِ قبولِ الخبر، كان من بلاغة الكلام الخبريّ زيادَةُ المؤكّداتِ فيه، بمقدار حالة نَفْس الْمُخَاطَبِ.
وقد يُنَزَّلُ غيرُ الشَّاكّ مَنْزِلَةَ الشّاكّ إذا بدَتْ علَيْه أماراتُ الشّكّ منذ بداية التلويح له بالخبر.
الإِخبار الإِنكاري:
* وحين يصِلُ المخاطب إلى حالة الإِنكار ورَفْض قبولِ الخبر، يكون من بلاغة الكلام الخبريّ وجوبُ اقتِرانِهِ بالمؤكداتِ التي تُلاَئم حالة الإِنكار والرَّفْضِ في نَفْس المخاطَبِ به ضعفاً وشدةً.
وقد يُنَزَّلُ غيرُ الْمُنْكِرِ منزلةَ المنْكِرِ إذا بدت عليه أماراتُ الإِنْكار.
أمثلة:
المثال الأول:
حذّر اللهُ الّذين كفروا من أن يُنْزِلَ بهم الإِهْلاَكَ الشَّامِلَ الّذي أنزلَهُ بكُفُّارِ أَهْلِ الْقُرُون الأولى، مبيّناً لَهُمْ أَنَّهُ إنّما أهلكهم ضمْن مَجْرى سنَّتهِ الثَّابِتَةِ في معاملة عباده.
стр. 171
* فكانَ البيان الإِخباريُّ في أوّلِ الأمْرِ بأسْلوبِ التَّساؤلِ عن إهلاك المكذّبين الأوّلين، لانتزاعِ الاعتراف بحصول المستَفْهَمِ عنه، فقالَ الله عزَّ جلَّ في سورة (المرسلات/ ٧٧ مصحف/ ٣٣ نزول) :
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾ [الآية: ١٦] .
فإهْلاكُ المكَذِّبينَ الأولينَ لرسُلِ رَبّهم قضِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ لدى الناس الموجَّهِ لهم هذا السؤال، لذلك اكتفى النّص في بدْءِ الأمر بتوجيه السؤال لهم عن إهلاك الأوّلين.
* ثُمَّ جاء البيان الإِخباريُّ مقْتَرِناً بمؤكّدِ واحدٍ ابتدائيّ، فقال اللهُ في سورة ﴿ق/ ٥٠ مصحف/ ٣٤ نزول) :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ... ﴾ [الآية: ٣٦] .
أي: هُمْ أشَدُّ بطْشاً من كُفّارِ أهْل مكَّة، كان هَذَا في الرُّبْعِ الأوّل من العهد المكّيّ من نشأة الدّعوة المحمّديّة.
فجاء في هذه الآية جَرٌّ تمييز "كم" الخبرية بحرف الجرّ "من" للتأكيد، مع أنّه يجوز مجيء هذا التمييز غير مجرور بمن.
* ثُمَّ جاء البيان الإِخباريُّ حول الموضوع نفسه مقترناً بمؤكِّدَينِ اثْنَيْن، فقال الله في سورة (ص/ ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) :
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [الآية: ٣] .
فأضيفت في الجملة كلمة "مِنْ" داخِلَةً عَلَى لفظ "قَبْلِهِمْ" مَعَ جرّ تمييز "كم" بحرف الجرّ "من" فهذه الزيادةُ في اللفظ قد جاءتْ لزيادَةِ التَّأْكيد على ما جاء في سورة (قَ) .
* ثم جاء البيان الإِخباريُّ حول الموضوع نَفْسِه مقترناً بتأكيد زائدٍ على
стр. 172
النَّصَيْنِ السَّابقين، فقال اللهُ في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) :
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ... ﴾ [الآية: ١٣] .
فجاء الخبر في هذه الجملة مؤكّداً بثلاثة مؤكّدات:
(١) لام الابتداء في "لَقَدْ".
(٢) حرف "قد" الذي من معانيه التحقيق، ويؤتَى به للتأكيد.
(٣) إدخال حرف "مِن" على لفظ "قَبْلهم" مع أنّ الكلام يتمّ بدونها.
المثال الثاني:
في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) قصّ الله قصّةَ الرُّسُل الثّلاَثَةِ الّذِينَ أرسَلهم إلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ يُقالُ: إنَّها إنطاكيّة، وَيقالُ: إنّ الرُّسُلَ الثّلاثَةَ هُمْ مِنَ الرُّسُلِ السَّبْعِينَ الَّذين أَرْسَلَهُمْ عيَسى ﵇ إلَى الأقاليم، لِنشْرِ دينِ الله في الأرْض.
فقال الله فيها:
﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فقالوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمان مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ * قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [يس: ١٣ - ١٧] .
* ففي ابتداءِ الأَمْرِ عَرَضَ الرَّسُولاَنِ عَلَى أصحاب هذِه الْقَرْيَةِ أنَّهمَا رسُولاَنِ يُبَلِّغَانِ تعاليم الدين، فكان بيانهما من قبيل الإِخبار الابتدائي غَيْرِ المقرون بمؤكّداتِ لفظيّة.
стр. 173
* فلمّا كذَّبَهُما القومُ عزَّزَهُما اللهُ برسولٍ ثالثٍ، وقالُوا لهم: ﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ فجاء الإِخبارُ مؤكِّداً تأكيداً متوسطاً، لأنّ إنكار القومِ كانَ في بدايته.
والتأكيدُ في هذِهِ الجملة الخبريّةِ قد جاء بحرف التأكيد "إنّ" ويمكنُ أن نفهم من تقديم [إليكم] على عامله [مُرْسَلُون] تأكيداً آخر، لأنّ فيه معنى القصر، أو زيادةَ الاهتمام، وكلاهُمَا يفيد تأكيداً، والمؤكد الثالث كون الجملة جُملةً اسميّة.
* ولمّا أصرّ القومُ علَى تكذيب الرّسُل الثلاثة، زاد الرُّسُل جملتهم الخبريّة تأكيداً، فقالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ .
والمؤكدات في هذه الجملة هي:
(١) ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ فهذه العبارة بمثابة القسم.
(٢) "إنّ" وهو حرف تأكيد.
(٣) اللاّم المزحلقة للخبر في عبارة ﴿لَمُرْسَلُونَ﴾ .
(٤) كون الجملة جملةً اسميّة.
مخالفة مقتضى الظاهر:
إذا أوردنا الخبر لخالي الذّهْنِ مجرّداً من المؤكدات، وللمتردّد الشاكّ مقروناً ببعض المؤكّدات استحساناً، وللمنكِر مقروناً بالمؤكدات بحسب درجة إنكاره وجوباً بلاغيّاً، كان إيرادُنا الخبر جارياً على مقتضى الظاهر، وهذا يُسمَّى "إخراج الكلام على مقتضى الظاهر".
وقد تقتضي حالةُ المخاطب الخفيَّة غيرُ الظاهرة تأكيد الخبر له، مع أنّ توجيه الخبر له كان بصورة ابتدائيّة لا تستدعي بحسب الظاهر تأكيد الخبر له، فحين نُؤكِّدُ له الخبر ملاحظين حالته الخفية، فإنّا نُوجّه له الخبر مؤكَّداً على
стр. 174
خلاف مقتضى الظاهر، وهذا يُسمَّى: "إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر".
ولإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر عدّة صور:
الصورة الأولى: أن يُنَزَّل خالي الذهن منزلة المتردّد السائل الذي يَطْلُبُ تأكيد الخبر له، وذلك إذا شَعَرَ من مقدّمات الكلام بما يُشير إلى مضمون الخبر، فاستشرفت نفسه وتتطلَّعَتْ تطلُّع المستغرب المتردّد في قبول الخبر، أو الطالب لما يُؤكّده له.
* فمن أمثلة هذه الصورة قول الله بشأن نوحٍ ﵇، في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) :
﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [الآيات: ٣٦ - ٣٧] .
من الظاهر أنّ مُقدّماتِ الكلام تُشْعِرُ بأنّ الله قضى أنْ يُغْرِقَ مَنْ لمْ يؤمنْ مع نوحٍ مِنْ قومه، إذ الإِخبارُ بأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ من قدْ آمن، والأَمْرُ بصناعةٍ الْفُلك الَّتي لا تتّسع إلاَّ لِلمُؤمنين ولما يحتاجون في رحلتهم البحريّة، يدلُّ علَى أنّ سائر القوم مُغرقون، فاستشرفَتْ نفس نوح ﵇ لطلَب تَأخيرِ إهْلاكهم إمهالاً، أوْ صَرْفِ النظر عن إهلاكهم أهْلاكاً عامّاً شاملاً، فبادره الله بقوله: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا﴾ . وَأكَّدَ لَهُ مَا قَضَاهُ سبحانه من إهلاَكِهِمُ بالْغَرق، فقال له: ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ . فاشتملت هذه الجملة على مؤكّدين: "إنّ" و"الجملة الاسمّية".
* ومن الأمثلة قول الله لرسوله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) بشأن الّذِين اعترفوا بذنوبهم خَلَطوا عمَلاً صالحاً وآخر سيّئاً:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ١٠٣] .
стр. 175
وصَلِّ عَلَيْهِمْ: أي: وادْعُ لهم بالرّحْمَة، مُسْمِعاً دُعَاءَكَ لهم.
بعْدَ هذا الأمر للرسول بأن يُصَلّي عليهم، استشرفَتْ نفس الرسول ﷺ للسؤال عن فائدة هذِهِ الصَّلاة الَّتي يُسْمِعُهُمْ إيّاها، فقال الله له مؤكِّداً: ﴿إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ . فاشتَمَلَتْ هذه الجملة على مؤكّدين: "إنّ" و"الجملة الاسميّة".
* ومن الأمثلة قول بشار بن بُرْد:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الْهَجِيرِ ... إنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ
الْهَجِيرُ: نصف النهار في القيظ عنْد شِدَّةِ الحرّ.
لمّا قدَّم الأمر بالتبكير كانت نفس المخاطب مستشرفَةً للسؤال عن السَّبب، طالبةً تأكيد مضمون الجملة التعليليّةِ التي تجيب على سؤالٍ يُلاحَظُ ذهنا، فقال: "إنّ ذَاكَ النجاحَ في التكبير". فأكَّد بمؤكِّدَيْنِ: "إنّ" و"الجملة الاسمية".
ونظيره قول بعض العرب يستحثّ على حُدَاءِ إبله لتُسْرعَ في السّير:
فَغَنِّهَا وَهْيَ لَكَ الْفِدَاءُ ... إِنَّ غِنَاءَ الإِبِلِ الْحُدَاءُ
الصورة الثانية: إنْ يُنزَّلَ مَنْ لا يُنْكِرُ ما سَيُقَدَّمُ لَهُ مِنْ خَبَرٍ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنكرُهُ، إذا ظهرت عليه بعْضُ أماراتِ الإِنْكار في داخل نفسه.
* فَمن الأمثلة التي ذكرها البلاغيون لهذه الصورة، قول "حجل بن نضلة القيسيّ" بشأن ابْنِ عَمِّهِ "شقيق":
جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضاً رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحٌ
مجيء "شقيقِ" واضعاً رُمْحَهُ عَرْضاً يُشْعِرُ بأنَّهُ يُنَافِسُ بشجاعَتِهِ وسلاحه، فكأنّه يُنْكِرُ أَنّ أبناء عَمِّه لديهم أسلحة وأنَّهُمْ شجعان، فاقتضَى حالُهُ تأكيد الْخَبَر الْمُوَجّه له، فقالَ له ابْنُ عَمِّهِ مؤكّداً: "إنَّ بَني عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحٌ".
فيهم رماح: أي: في حوزتِهم وفي ملكهم رماحٌ كثيرة.
стр. 176
الصورة الثالثة: أَنْ يُنَزّلَ المنكِرُ منزلةَ غَيْرِ المنكر، فَلاَ يُعْتَدَّ بإنكاره ولا يُلْتَفَتَ إليه، وذلك إذا كان لديه من الأدلّة الواضحة والبراهين القاطعة، ما يكفي لإِقناعِ أهل الفكر المنصفين الذين يَنْشُدُون الحقّ.
* فمن الأمثلة على هَذِه الصورة، أن يأتي واحدٌ من صغار الملاكمينَ فيَتَطَاوَلَ على شخْصٍ لا يَعْرفُه بذاته، ولكن يعرف اسْم الْبَطل العالمي للملاكَمَة، فَيَتَحَدَّى هذا الملاكمُ الصَّغِيرُ هَذا الشخْص، فيقُولُ له: "أَنَا فُلان" دون أن يؤكّد كلامه بأيَّةِ مؤكّدات، عندئذٍ يَنْخَلِع قلْب الملاكم المتحدّي ويَنْهَزِم.
الصورة الرابعة: أنْ يُنَزَّلَ العالِمُ بفائدةِ الخبر وبلازم فائدتِهِ منزلة الجاهل بالخبر، وذَلِكَ لأَنَّهُ غَيْرُ عَامِلِ بمقْتَضَى عِلْمِهِ، فَيُقَدَّمُ له الْخَبَرُ كَما يُقَدَّمُ للجاهلين به.
* فمن الأمثلة على هذه الصورة المواعظُ الَّتِي تُقَدَّمُ على ألْسِنَةِ الوعاظ للعاملينَ بِهَا، تنزيلاً لهم منزلة الجاهلين بها، لأَنَّهم لا يعملون بمقتضى ما يَعْمَلون.
ويُسمَّى هذا تذكيراً، أوْ تَنْبِيهاً للمخاطَبِينَ من غفلاتهم.
***
(٥) مؤكّداتُ الجملةِ الخبريةِ
التوكيد:
التوكيد في اللّغة: أصْلُهُ شدُّ السَّرْجِ على ظهر الدابَّةِ بالسُّيُور حتّى لا يسقط، وتسمّى هذه السُّيُور تواكيد وتآكيد.
ثم استعمل التوكيد في توثيق العهود.
стр. 177
ومن هذا المعنى اللُّغوي أُخِذَ لِتَقْوِيةِ صِدْقِ الكلام الخبريّ بما يؤكّده من ألفاظٍ اسْمُ "التوكيد".
والغرضُ من توكيد المتكلّم كلامَهُ، إعْلاَمُ المخاطَبِ بأَنّه يقول كلامه جازماً، قاصداً لما يَدُلُّ عليه كلامُهُ، مُتَثَبِّتاً مِنْه، لا يقولُه عن تَوَهُّمِ أَوْ ثَرْثَرَةٍ ِأوْ تَضْلِيلٍ أو اختراعٍ أو نحو ذلك، كما يفْعَلُ صَانِعُو القِصَصِ باستعمالِ قُدْرَاتهم التخيُّليّة في تأليف قصصهم المخترعة.
والتوكيد في الجمل إنَّما يكون للإِسناد "أي: الحكم" فيها، موجبةً كانت أو سالبة.
مؤكّداتُ الإِسناد الخبريّ:
لكلٍّ من الجملة الفعليّة والجملة الاسميّة موجبةً كانت أَوْ سالبةً مؤكّداتٌ تُؤكِّدُ إرادَةَ صِحّةِ وصِدْقِ الإِسناد فيها، أو تُؤكِدُّ تَحقُّقَ صِدْقِ الإِسْنادِ فيها موجباً كان أو سالباً.
والأصل في بناء الجملة في اللّسان العربيّ الجملةُ الفعليّة، خاليةً ممّا يدُلُّ على إرادة تأكيد النسبة فيها، مثل:
"اقتربت السّاعة - وانشقّ القمر - وأهلك اللهُ المكذبين الأوّلين - ولا تخفى عَلى اللهِ خافية - وما انتصر أولياءُ الشيطان عَلى أولياء الرحمن".
ويؤكَّد الإِسنادُ في الجملة الخبريَّة بمؤكدات، قد ينفرد بعضُها، وقد يجتمع مع غيره بشروط، ويختص بعضها بالجملة الفعلية، وبعضها يختصّ بالجملة الاسمية، وبعضُها يؤكَّدُ به الجملتان الفعلية والاسمية.
وفيما يلي بيانٌ لما تمَّ إحصاؤُه منها:
* المؤكّد الأول: تقديم ما هو فاعل في المعنى على فعله، مثل: ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ [المائدة: ٦٧] ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٨] .
стр. 178
وسبب إفادة هذا التقديم التأكيد، أنّ الْمُسْنَدَ إليه وهو الفاعلُ قد أُسْنِد إليه الفعلُ مَرَّتين.
الأولى: تظهر حينما نقول في نحو: "خالدٌ جاهَدَ في اللهِ حقّ جهاده" خالدٌ: مبتدأ، وخبرُهُ جملة: "جَاهَدَ ... ".
والثانية: تظهر حينما نقول: "جاهَدَ" فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر يعود على "خالد".
فالجهادُ أُسْنِدَ إلى لفظ "خالدٍ" أوّلاً، وأُسند إلى ضميره ثانياً، واجتماع هذَيْنِ الإِسْنَادَينِ في الجملة هو بمثابة تكرير الجملة.
وتقديم ما هو فاعل في المعنى على فعله يجعل الجملة جملةً اسمية.
* المؤكّد الثاني: اختيار الجملة الاسمية بدل الجملة الفعليّة ابتداءً، والسَّبَبُ في كون الجملة الاسمية تحمل تأكيداً لا تحمله الجملة الفعليّة، أنّ خبر الجملة الاسميّة يحمل في التقدير الذي يُلاحَظُ في ذهن العربيّ ضميراً يعودُ على المبتدأ، أوْ ما أصْلُه المبتدأ، فيكون حالُ الجملة الاسميّةِ دواماً مثل حال تقديم ما هو فاعل في المعنى على فعله، قد جرَى فيها الإِسنادُ إلى المسنَدِ إليه مرّتين:
الأولى: إسنادُه إلى الاسم الظاهر.
الثانية: إسنادُه إلى ضميره.
* المؤكّد الثالث: كلمة "قَدْ الحرفية، وتختصُّ بالدّخول على الفعل المتصّرف الخبريّ المثبَتِ المجرّدِ من ناصِبٍ وجازم، ومِنْ حرف تنفيس، وتكونُ معه كالجزء منه، فلا تُفصل عنْهُ إلاّ بالْقَسَمِ أحياناً.
ولكلمة "قد" الحرفية خمسةُ معانٍ، هي: التوقُّعُ، وتقريبُ الماضي من الحال، والتقليل، والتكثير، والتحقيق.
стр. 179
هذا المعنى الأخير وهو التحقيق هو المقصودُ هُنا، مثل:
* ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] أي: نُؤَكّدُ إثْباتَ فلاح مَنْ زَكَّى نفسه.
* ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤] أي: نُؤكّد تحقُّقَ هذا الْعِلْم.
* ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] أي: نُؤَكِّدُ تَحَقُّقَ حُصولِ عِلْمنَا بكلّ مَا يحْزُنُكَ حِيناً بعد حينٍ ممَّا يقولُ الكافرون.
* ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾ [النور: ٦٣] أي: نُؤكّد تحقُّقَ حصول هذا العلم.
* المؤكّد الرابع: الْقَسَم، مثل:
* والله لَفَعَلْتُ - والضحى واللّيل إذا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى - أُقْسِمُ لأَفْعَلَنَّ، بالنون الخفيفة أو الثقيلة - أَحْلِفُ بالله لَفَعَلْتُ أَوْ لأَفْعَلَنَّ بالنون الخفيفة أو الثقيلة.
وقد يجتمع الْقَسَمُ وحرف "قد" مثل:
﴿والتين والزيتون * وَطُورِ سِينِينَ * وهاذا البلد الأمين * لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ١ - ٤] .
* المؤكّد الخامس: نونا التوكيد الثقيلة والخفيفة، ويؤكِّدان الفعلَ المضارع، ويؤكدان فِعْلَ الأَمرِ، مثل:
* ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] .
* ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢] النون في "لَيُسْجَنَنَّ" هي نون التوكيد الثقيلة، وفي "لَيَكُوناً" هي نون التوكيد الخفيفة.
* المؤكّد السّادس: لاَمُ الابتداء، وهي التي تقع في صدر الجملة، وتُفِيد توكيد مضمون الجملة، وتخليص المضارع للحال، ولا تدخُل إلاّ على:
стр. 180
(١) الاسم، مثل: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ الله﴾ [الحشر: ١٣] .
(٢) الفعل المضارع، مثل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ﴾ [المائدة: ٨٢] .
(٣) الفعل الذي لا تصرَّف، مثل:
* ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢] .
* ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] .
* ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين﴾ [النحل: ٣٠] .
* ﴿فَلَنِعْمَ المجيبون﴾ [الصافات: ٧٥] .
* المؤكد السابع: اللاّم المزحْلَقَة، وهي لام الابْتداء حينما تُزحْلَقُ عن صَدْرِ الجملة.
وهِيَ تُزَحْلَقُ بَعْد "إنَّ" المكسورة عن صدر الجملة، فتدخُلُ علَى الخبر، مثل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء﴾ [إبراهيم: ٣٩] . وتدخُل على معمول الخبر إِذا كان صالحاً لدخول اللاّم عليه، مثل: إنَّ اللهَ لَكُلَّ شَيْءٍ يَعْلَمُ. وتَدْخُلُ على اسم "إنَّ" إذا كان مُتأخّراً عن خبرها، مثل: ﴿إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً﴾ [النور: ٤٤] . وتَدْخل على ضمير الفصل، مثل: ﴿إِنَّ هاذا لَهُوَ القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢] .
* المؤكّد الثامن: "إنّ" و"أَنَّ" بكسر الهمزة وفتحها، وهما من الأحرف المشبّهة بالفعل، لأنَّها تَعْمَلُ فيما بَعْدَها شبيه عَمَل الْفِعل فيما بَعْدَه، وتدخلان على الْجُمَلِ الاسميّة.
وكُلٌّ منْهما ينْصِب المبتدأَ الذي لا يَلْزَمُ الصدارة دائماً، ويُسَمَّى اسْمَها، وَيَرفَعُ الْخَبَرَ غَيْرَ الطَّلَبيّ والإِنْشائي، ويُسَمَّى خَبَرَها. وتفيدان تأكيد النّسبة بيْنَ اسْمِها وخبرها، مثل:
* ﴿*إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨] .
следующие страницы →