Полный текст (1 115 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
* كلمة "النُّقاخ" يقال لغة: ماءٌ نُقَاخٌ، إِذا كان ماءَ عذباً.
* كلمة "مُسْتَشْزِرَاتَ" بمعنى منفتلات، وقد جاءت في شِعْر امرىء القيس، إذْ قال:
وَفَرْع يَزِينُ الْمَتْنَ أَسْوَدَ فَاحِمٍ ... أَثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ الْمُتَعَثْكِلِ
غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلاَ ... تَضِلُّ الْمَدَارِي فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
الْفَرْعُ: الشَّعَرُ التَّامُّ الَّذى لا نقص فيه. الْمَتْنُ: الظَّهْرُ. الفاحِمُ: الشّدِيدُ السَّواد. الأَثِيثُ: الكثير. قِنْوُ النَّخْلة: عِذْقُها بما فيه من الرُّطب. الْمُتَعَثْكِل: الكَثِيرُ الشَّمَاريخ، وهي العيدان الحاملةُ للثّمر. غَدَائِرُهُ: أي: ذُؤاباتُه الْمَضْفُورة، مُفْردُها غديرة. مُسْتَشْزِرَات: أي: مُنْفَتِلاَتٌ، يقالُ: اسْتَشْزَرَ الحبلُ، إذا انْفتَل. تَضِلُّ الْمَدَارِي: أي: تَضِيعُ الْمَدَارِي، وهي جمعُ مِدْراة، والْمِدْراةُ ما يُعْمَلُ من حديدٍ أو خَشَبٍ على شْكلِ سِنٍّ مِنْ أسْنَانِ الْمُشْطِ، وأطول منه، يُسَرَّحُ بها الشِّعَرُ الْمُتَلَبِّدُ. والْمُثَنَّى: الْمُنْعَطِفُ بَعْضُهُ عَلى بعض. والْمُرْسَل: المتروكُ على طَبيعَتِه دُون ضَفْرٍ وَلاَ تَثْنِيَةٍ وَلاَ تَجْعِيد.
* كلمة "الْعَشَنْزَر" وهي بمعنى الشَّديد الْخَلْقِ العظيم من كلّ شيء، وَيقال: ضَبُعٌ عَشَنْزَرَة، أَي: سيِّئةُ الْخُلُق.
* كلمة "الابْرِغْشَاشِ" بمعنى الْبُرْءِ من الْمَرَض.
* كلمة "الخَنْشَلِيل" بمعنى الْمُسِنّ من الناس والإِبل، وبمعنى الجيّد الضرب بالسيف.
***
ثانياً:
شرح العيب الثاني: "الغرابة" الغرابة في الكلمة كونُها غير ظاهرة المعنى ولا مألوفةِ الاستعمال عند فُصحاء العرب، وبلغائهم، في شعرهم ونثرهم، لاعند
стр. 107
المولّدين ومَن بعدهم، فأكثر الكلام العربي الفصيح غريب عند غير فصحاء العرب وبلغائهم.
والغرابة إمّا تكون بسبب نُدْرة استعمال الكلمة عند العرب، وإمّا أن تكون بسبب أنّ التوصّل إلى المراد منها في الكلام يحتاج إلى تخريج مُتكَلَّف بعيد.
ومثَّلُوا للغريب النادر بما يلي:
* كلمة "مُسْحَنْفِرَة" بمعنى "متّسِعَة".
* وكلمة "بُعَاق" بمعنى "مطر".
* وكلمة "جَرْدَحْل" بمعنى "الوادي".
* وفُلانٌ جُحَيْشُ وَحْدِهِ، أي: عَيِيُّ الرّأْي يَسْتَبِدُّ بِهِ، وهذا ذَمٌّ.
* وكلمة "مُشْمَخِرّ" إذا استعملتْ فِي النَّثْر، وهي بمعنى "العالي".
ومثَّلُوا للغريب الذي يحتاج إلى تخريجٍ مُتكلَّف بعيدٍ لمعرفةِ المقصود به، بقول رؤبة بْنِ العجّاج يصِفُ الأنْفَ بكلمة "مُسَرَّج" فقال ابْنُ دُرَيد: هو من قولِهِمْ للسُّيوف سُرَيجيّة، أي: منسوبة إلى حدّادٍ يُسَمَّى سُرَيجاً، فهو يريد تشبيه الأنْفِ في دقَّتِهِ واستوائِه بالسَّيْفِ السُّرَيجيّ، وقال ابْنُ سِيدَه، صاحبُ المحكم: هو من السِّرَاج، فهو يريد تشبيهَ الأنْفِ في بريقه ولمعانه بالسِّراج.
أقول: ويكثر هذا التكلُّفُ الممجوجُ عند كثير من الشعراء والكتاب المبتدئين، فلا يُعْرَفُ الْمُرادُ من مفرداتهم، إلاَّ بسؤالهم عَنْ مقاصِدهم منها.
***
ثالثاً:
شرح العيب الثالث: "مخالفة الكلمة للقياس" أي: سوقُ الكلمة مخالفةً للقياسِ النحويّ أو الصّرفيّ، ومن أمثلة ما هو مخالف للقياسِ في الكلمة فكُّ
стр. 108
الحرف المضعّف في الكلمة التي يقتضي القياسُ فيها إْدغامَهُما بحرفٍ مُشَدَّدٍ، نحو:
* كلمة "الأجْلَلِ" والقياسُ أَنْ يُقَالَ فيها الأجَلّ.
ومنه قول أبي النّجم بن قُدامة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الأَجْلَلِ ... أَنْتَ مَلِيكُ النَّاسِ ربّاً فَاقْبّلِ
وممّا هو مخالف للقياس جمع "فاعل" وصفاً لمذكر عاقل على "فَواعل: قالوا: ومنه استعمال الفرزدق نواكس جمعاً لناكسٍ وصفاً لمذكّر عاقل في قوله:
وإِذَا الرّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيتَهُمْ ... خُضْعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ
أقول: ما في شعر الفرزدق ليس مخالفاً للقياس، لأنه يريد أَنْ يصف الأبصار بالنواكس، أي: هي منكسرة ذليلة، لا أَنْ يصف الذكورَ العقلاء، عَلَى أن جمع ناكس على نواكس، ممّا اسْتُعْمِل شاذاً عن القياس عند العرب، كما قالُوا في فَارسٍ فوارس، وفي هالِكٍ هَوَالِكَ.
وممّا هو مخالف للقياس استعمال هَمْزَةٍ القطْعِ بدلَ همزة الوصْل، واستعمال همزة الوصل بدل همزة الْقَطْعِ، ويكثُرُ مثُلُ هذَا في الشِّعْرِ لِمُرَاعَاةِ الوزن.
ومنه قول جميل:
ألاَ لاَ أرَى "إثْنَيْنِ" أحْسَنَ شِيمَةً ... عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ
فقطع همزة "اثنين" مع أنّها همزة وصْل، وحدَثان الدهر نوائبه، وأراد بِكَلِمَةِ "جُمْلِ" فَرَسَهُ أو جَمَلَه.
***
رابعاً: شرح العيب الرابع: "كون الكلمة مكروهةً في السمع" أي: كونُها ممجوجةً في الأسماع، تأنف منها الطّباع، خشنَةً وَحْشِيَّةً.
стр. 109
ومثَّلوا لهذا العيب، بنفور السمع عن كلمة "الْجِرِشَّى" بمَعْنَى "النفس" فعابوا على أبي الطيّبِ المتنبّي استعمالَها في قَوْلِهِ يمدحُ سيف الدولة:
مُبَارَكُ الاسْمِ أغَرُّ اللَّقَبْ ... كَرِيمُ الْجِرِشَّى شَرِيفُ النَّسَبْ
كَرِيمُ الجِرِشَّى: أي: كريمُ النفس.
أقوال مأثورة اشتملت على مفرداتٍ غير فصيحة لِعَيْبٍ ما فيها:
(١) كتب بعض أُمَراء بغداد رُقْعةً طرحها في المسجد الجامع حين مَرِضتْ أُمُّهُ، جاءَ فيها:
"صِينَ امْرُؤٌ وَرُعِي، دَعَا لاِمْرَأةٍ إِنْقَحْلَةٍ مُقْسَئِنَّةٍ، فَقَدْ مُنِيَتْ بِأَكْلِ الطُّرْمُوخِ، فَأَصَابَهَا مِنْ أجْلِهِ الاسْتِمْصَالُ، أَنْ يَمُنَّ اللهُ عَلَيْهَا بِالاطْرغْشَاشِ والابْرِغْشاشِ".
إنْقَحْلَة: أي: مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ يَبِسَ جلْدُهَا وسَاءَ حَالُها.
مُقْسَئِنَّة: أي: كبيرة السّنّ، ليس لها قدرة على الحركة.
الطُّرْمُوخ: الْخُفَّاش.
الاسْتِمْصَال: إسهالُ الطبيعة.
الاطرغْشَاش والابرغْشاش: كلاهما بمعنى البرء من المرض.
(٢) جاء في خُطْبَةٍ لابْنِ نُبَاتة، يَذْكُرُ فيها أَهْوَالَ يَوْمِ القيامة، قولُه:
"اقْمَطَرَّ وَبَالُهَا، واشْمَخَرَّ نَكَالُهَا، فَمَا سَاغَتْ وَلاَ طَابَتْ":
أقْمَطَرَّ وَبَالُهَا: ِأي: اشتَدَّ وعَظُمَ ثِقَلُها.
واشْمَخَرَّ نَكَالُهَا: أي: اشْتَدَّ وارتَفَعَ وعَظُمَ عِقَابُهَا.
فَمَا سَاغَتْ وَلاَ طَابَتْ: أي فَمَا سَهُلَتْ ولاَ كانَتْ طيّبَة.
(٣) قال امرؤ القيس حين أَدْركتْهُ المنيَّةُ، وَكان قَدْ ذَهَبَ إلى مَلِكِ الرُّومِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى قَتَلَةِ أَبيه:
стр. 110
"رُبَّ جَفْنَةٍ مُثْعَنْجِرَةٍ، وَطَعْنَةٍ مُسْحَنْفِرَةٍ، وَخُطْبَةٍ مُسْتَحْضَرَةٍ، وَقَصِيدَةٍ مُحَبَّرَةٍ، تَبْقَى غداً بِأَنْقِرَةٍ".
رُبَّ جَفْنَةٍ مُثْنْجِرَةٍ: أي: رَبِّ قَصْعَةِ طَعَامٍ مَلأَى.
وطَعْنَةٍ مُسْحَنْفِرَةٍ: أي: ورُبَّ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ في الْقِتَالِ واسِعَةٍ.
(٤) رُوي أنَّ أُمَّ الهيْثَمِ الأَعْرَابِيَّةَ قَالت لأَِبي عُبَيْدَة الرَّاوِية، حِينَ عَادَهَا فِي علَّةٍ أصابَتْها:
"كُنْتُ وَحْمَى سَدِكَةً، وَشَهِدْتُ مَأْدُبَةً، فَأَكَلْتُ جُبْجُبَةً مِنْ صَفِيفِ هِلَّعَةٍ، فَاعْتَرَتْنِي زُلَّخَةٌ".
فَقِيلَ لَهَا: أيَّ شَيْءِ تُقُولِينَ؟
فقالَتْ: أَوَ لِلنَّاسِ كَلاَمَانِ، والله مَا كَلَّمْتُكُمْ إِلاَّ بالْعَرَبِيِّ الْفَصيح.
كُنْتُ وَحْمَى سَدِكةً: وَحِمَتِ الْحُبْلَى، إِذا اشْتَهَتْ شيئاً عَلَى حَبَلِهَا، فَهِي وَحْمَى. سَدِكَةً: أي: مُولَعَةً بِنَوْع طَعَامٍ لِوَحَمِهَا. وَشَهِدْتُ مَأْدُبَةً: المَأدُبَةُ: الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ لِدَعْوَةِ. جُبْجُبَةً: الْجُبْجُبَةُ: الكَرِشُ يُجْعَلُ فيها اللّحم المقطَّعُ، ويُغْلَى ثُمَّ يُقَدَّدُ. من صَفِيفِ هِلَّعَة: الصّفِيفُ: رقائقُ اللَّحْم تُشْوَى. والْهِلَّعَةُ: الأنْثَى مِنْ أولاد المعز والغنم. فاعْتَرَتْنِي زُلَّخَةٌ: الزُّلْخَةُ: داءٌ يأخُذُ فِي الظَّهْرِ والجنب.
***
فصاحة الكلام
وأمَّا الكلامُ الفصيح: فهو عند علماء البلاغة ما كان سهْلَ اللفظ، واضح المعنى، جيّد السَّبكِ، متلائم الكلمات، فصيح المفردات، غير مُسْتكْرَهٍ ولا مَمْجوجٍ ولا مُتكَلَّف، ولا مخالفٍ لقواعد العرب في نحوها وصرفها، وغير خارج عن الوضْعِ العربي في مفرداته وتراكِيبِه، وليس في كلماته تنافر، وليس فيه تعقيدٌ لفظيٌّ، ولا تعقيدٌ معنويّ.
стр. 111
قالوا: ولا بُدَّ لكون الكلام فصيحاً من أن يكون خالياً مِنْ أربعة عيوب، مع شرط فصاحة مفرداته، وهي:
العيبُ الأول: تنافر الكلمات عند اجتماعها، ولو كانت مفرداتها فصيحة.
العيبُ الثاني: ضعف التأليف.
العيبُ الثالث: التعقيد اللفظي.
العيبُ الرابع: التعقيد المعنويّ.
أوّلاً:
شرح العيب الأول: "تنافر الكلمات عند اجتماعها" وهو وصفٌ يعرض للكلام من جرّاء اجتماع كلماتٍ فيه تجعل النُّطْقَ بها ثقيلاً ممجوجاً حال اجتماعها، مع كون كلّ كلمةٍ ليّنةً سهلة النطق بها.
ويُحِسُّ بهذا الثَّقَل الممجوج أصحابُ الذوق السليم في نُطْق الكلام العربي، ومن علامات التنافر في الكلام أن يَصْعُب على معظم ألسنة الناطقين العربية النُّطقُ به.
الأمثلة:
(١) من الأمثلة الّتي ذكروا أنّ فيها هذا العيب بشدّة، ما أورده عَمْرو بن بحر الجاحظ من شعر بشأن قَبْر حَرْب بن أميّة بن عبد شمس:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرُ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
رُفع لفظ "قَفْر" مع أنه نعتٌ للفظ "مكانٍ" لضرورة الشعر، وخرّجوه على أنّه من قبيل الصفة المقطوعة عن موصوفها.
وقد جاء الثقل من تكرار الراء والباء في البيت.
(٢) ومن الأمثلة الَّتي ذكروا أَنَّ فيها هذا العيب دون شدَّة، قولُ أبي تمّام:
стр. 112
كَرِيمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ والْوَرَى ... مَعِي وَإِذَا مَا لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِي
وقد جاء ثِقَلُهُ من تكرير لفظ "أَمْدَحْهُ" بما فيه من حاء وهاء.
وكذلك قول أبي الطيّب المتنبّي:
أَتُرَاهَا لِكَثْرةِ الْعُشَّاقِ ... تَحْسَبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً فِي الْمَآقِي
كَيْفَ تَرْثِي الَّتِي تَرَى كُلَّ جَفْنٍ ... رَاءَها غَيْرَ جَفْنِهَا غَيْرَ رَاقِي
"راءَهَا" أي: رآها، قَدَّم وأخَّرَ لضرورة الشِّعر.
"راقِي": اسم فاعل من رَقَأَ الدَّمْعُ إذا انْقطع.
ومعنى البيت الثاني: كيف تَرْحَمُ هذِهِ الْمَعْشُوقَةُ عَاشِقَهَا وهِي تَرَى كلَّ الأَجْفَانِ باكيَةً غيْرَ جَفْنِها، فتحسبُ أَنَّ العيون تذرف الدمع بالْخِلْقَةِ لاَ من العشق، لذلك فلا تُسْتثارُ فيها الرحمةُ على العشّاق.
وفي هذا البيت مع عيب الضرورة عيب تكرير الجيم والراء في كثير من كلماته، الأمر الذي أكسبَهُ بعض الثقل.
(٣) ومن الأمثلة التي ذكروا فيها عيبَ التنافُرِ في الكلام، أو ثِقَلَ النُّطْقِ بِهِ، أَوْ مَجَّ الذَّوْقِ له، قول عبد السَّلام بْنِ رُغْبَان المعروفِ بديكِ الجنّ:
أُحْلُ وامْرُرْ وضُرَّ وانْفَعْ وَلِنْ وَاخْشَنْ وَأَبْرِرْ ثُمَّ انْتَدِبْ لِلْمَعَالِي.
وعِلَّتُه تكرُّرُ أفعالِ الأَمْرِ فيهِ.
وأشدّ من هذا قول أبي الطيّب المتنبّي إذْ جَمَعَ أفْعالَ أمْرٍ دون عاطفٍ بينها، من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة:
أَقِلْ أَنِلْ أَقْطِعِ أحْمِلْ عَلِّ سَلِّ أعِدْ ... زِدْ هِشَّ بِشَّ تَفَضَّلْ أَدْنِ سُرَّ صِلِ
دفعه إلى هذا ولَعُه بالإِغْرابِ والإِبداع.
стр. 113
أَقِلْ: فعل من الإِقالَةِ. أَنِلْ: من الإِنالَة وهي العطاء. أقْطِعْ: من الإِقْطاعِ بمَنْح الأرض. احْمِلْ: من قولهم: حملتُهُ على فَرَسٍ. عَلِّ: من التَّعْلِيَةِ وَالرَّفْعِ. سَلِّ: من التَّسْلِية والترويح عن النفس. أَعِدْ: من الإِعادة، أي: في العَطاء. زِدْ: من الزّيادة في العطاء الثاني. هِشَّ: من قولهم: هَشَشْتُ إلى كذا أهِشُّ. بِشَّ: من البشاشة وهي طلاقة الوجه. تَفَضَّلَ: من الإِفْضَالِ وهو عطاء الفضل. أَدْنِ: من الإِدناء وهو التقريب. سُرَّ: أي: افعلْ ما يَسُرُّ. صِلِ: من الصِّلَةِ، وهي العطيَّة.
وهذا أشبَهُ بمنْظوماتِ مُتُونِ الْعِلْم، وعلّتُه تَكَرُّرُ أفعالِ فيه دون حرف عطف بينَها، فزاده ثقلاً.
(٤) ومن الأمْثِلَةِ أيضاً، قول أبي الطيّب المتنبّي، في قَصِيدَة يَمْدَحُ فيها عُبَيْدَ الله بْنَ خراسان الطرابلسيّ:
دَانٍ بَعيدٍ مُحِبِّ مُبْغِضٍ بَهِجٍ ... أَغَرَّ حُلْوٍ مُمِرًّ لَيِّنٍ شَرِسِ
شَرِس: الشَّرسُ في اللّغة الْعَسِرُ السَّيْىءُ الْخُلُق، ويريد أنَّه عَسِرٌ غير ليّن بالنسبة إلى الأعداء في الحرب.
بعض هذه الصفات يُعامل بها أولياءَه، وأضدادها يعامل بها أعداءه.
وعلّته إيراد صفاتٍ متعدّدات على نَسَقٍ واحدٍ.
(٥) ومن الأمثلة أيضاً، قول أبي تمّام يصِفُ مَمْدُوحَهُ:
كَأَنَّهُ في اجْتِمَاعِ الرُّوحِ فِيهِ لَهُ ... فِي كلِّ جارحَةٍ في جِسْمِهِ رُوحُ
أي: هو يقظ دواماً بكلّ جوارحه.
وعِلَّتُه تَعَاقُبُ الأَدواتِ فيه.
ونظيره قول أبي الطيب المتنبّي يصفُ فرساً:
وتُسْعِدُنِي فِي غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ ... سَبُوحٌ لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شواهد
стр. 114
في غَمْرَة: أي: في شِدَّة. سَبُوح: أي: فرسٌ شدِيد الجري. لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شواهِدُ: أي: لَها عَلى كرمها شَوَاهِدُ مِنْ صفاتها. على أن تعاقب الأدوات قد لا يكون ثقيلاً مستكرهاً، والحكَمُ ذوق الفصحاء.
(٦) ومن الأمثلة أيضاً قولُ ابْنِ بابك:
حَمَامَةَ جَرْعَى حَوْمَةِ الْجَنْدَلِ اسْجَعِي ... فَأَنْتَ بِمَرْأَى مِنْ سُعَادَ ومَسْمَعِ
يخَاطِبُ الشَّاعِرُ حَمَامَةَ جَرْعَى حَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، فَيَطالِبُهَا بأن تَسْجَعَ لِتَسْمَعَها مَعْشُوقَتُهُ سُعاد، والسَّجْعُ هديل الحمام.
جَرْعَى: مُؤنَّثُ أَجْرَع، وهي رَمْلَةٌ لاَ تُنْبتُ. حَوْمَةِ: مُعْظم. الجندل: الحجارة.
وَعِلَّتُه تَوالي الإِضافات، إذْ أضاف أولاً حمامة إلى جَرْعَى وأضاف أيضاً جَرْعَى إلى حَوْمَة التي أضافها إلى الجندل، فتوالت الإِضافات، ومن هنا كانت علّة الاستكراه، على أن توالي الإِضافات قَدْ لا يكون مستكرهاً.
***
ثانياً:
شرح العيب الثاني: "ضعفُ التأليف" وهو أنْ يكون تأليف الكلمات في الجمل أو إجراؤُها الإِعْرَابي على خلاف المشهور المتَّبَع من قواعد النحو، أو فيه لحْنٌ نحويٌّ أو صرفي، واللّحْنُ في اللّغة ليْسَ من فصيحها، بل هو من عامّيها، أو من نطق الدخلاء على أهلها ممن ليسوا منها، أو من نطق أطفال الأمة الذين لم يتمرّسوا بقواعد لغتهم، ومن أمثلة ما فيه ضعف التأليف:
* عوْدُ الضمير علَى مُتأخِّرٍ لفظاً ورُتبةً، بينَما الأَصْلُ أن يعودَ الضميرُ علَى مُتَقَدّمٍ في اللفظ أو الرتبة.
стр. 115
* استعمال الضمير المنفصل مع إمكان استعمال الضمير المتّصل، واستعمال الضمير المتصّل في حالِ وُجوبِ استعمال الضمير المنفصل.
* نصْبُ الفعل المضارع أو جزمُهُ بدون ناصبٍ أو جازمٍ.
تقديم غير الأَعْرَف في الجملة الاسميّة على الأعْرَف.
* تقديم المعمول على عامله مع عدم جواز ذلك، أو مع عدم وجودٍ مقتضٍ لَهُ بلاغيّاً.
* مجيء الضمير المتَّصِل بعد أداةِ الاستثناء "إلاَّ".
الأمثلة:
(١) قول حسّان بن ثابتٍ يرثي مُطْعِمَ بْنَ عَدِيّ أحد رُؤساء المشركينَ، وكان يُدَافع عن الرسول ﷺ :
وَلَوْ أَنَّ مَجْداً أَخْلَدَ الدَّهْرَ وَاحِداً ... مِنَ النَّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الدَّهْرَ مُطْعِماً
فأعاد الضمير في "مَجْدُهُ" على متأخّرِ لفظاً ورُتبة وهو "مُطْعِماً" على خلاف قانون التأليف المتّبع المشهور في العربيّة، وهذا من العيوب المخلّة بالفصاحة.
والمعنى: ولو أنّ مجداً مهما كان عظيماً جعل من يتّصف به يخلُد طَوال الدَّهر، لكان مَجْدُ مُطْعِم بن عديّ جعله خالداً.
(٢) قول زياد بن حَمَل التميميّ:
وَمَا أُصَاحِبُ مِنْ قَوْمٍ فَأَذكُرَهُمْ ... إِلاَّ يَزِيدُهُمُو حُبَّاً إِليَّ هُمُ
أي: وما أصاحبُ من قومٍ بعْدَ قومي فأذكُر لهم قومي، إلاَّ بالَغُوا في الثناء عليهم حتّى يَزِيدُوهُمْ حُبّاً إِلَيَّ.
فلم يأتِ بالضمير المتّصل الذي هو "واو" الجماعة في: "يَزِيدُونَهُمْ" بل
стр. 116
فصله، وجاء به ضميراً منفصلاً في آخرِ البيت، لضرورة الشعر، وهو لفظ "هُمُ" وهذا من العيوب المخلّة بالفصاحة.
(٣) قول الفرزدق:
بِالْبَاعِثِ الْوَارِثِ الأَمْواتِ قَدْ ضَمِنَتْ ... إِيَّاهُمُ الأَرْضُ في دَهْرِ الدَّهَاريرِ
فجاء بالضمير المنفصل "إيّاهُمْ" مع إمكان مجيء الضمير المتصل، لضرورة الشعر، وهذا من العيوب المخلّة بالفصاحة.
والمعنى: أحلف بالله الباعث الوارث الأموات قد ضَمِنَتْهم، أي: احتوتْهُمُ الأرض في دهْرِ الدّهارير.
في دَهْرِ الدَّهَارير: أي: سالف الأزمان، كلمة "الدهارير" تأتي بمعنى أوّل الدهر في الزمان الماضي "لا واحد لها من لفظها"
(٤) قول أبي الطيّب المتنبي، يمدحُ بدر بن عمّار:
خَلَتِ الْبِلاَدُ مِنَ الْغَزَالَةِ لَيْلَها ... فَأَعَاضَهَاكَ اللهُ كَيْ لاَ تحْزَنَا
الغزالة: الشمس.
يقول المتنبّي لممدوحه: خَلَت البلاد من الشمس في وقْتِ لَيْلِها، فجَعَلَكَ اللهُ لهَا عِوَضاً عن الشَّمس، لكيلا تحزن البلاد على فراق ضوءِ الشمس.
قال النحاة: إذا اجتمع ضمير المخاطب والغائب فالواجبُ تقديم ضمير المخاطب على ضمير الغائب، وهذا ما نصّ عليه سيبويه.
وكان على المتنبيّ أن يقول: فأعاضَكَها" بدل "أعَاضَهَاكَ" ولكن ضرورة الشعر ألجأته إلى ما قال.
بيد أنَّ العبّاس محمّد بن يزيد المبرَّد يجيز ما فعل المتنبّي.
стр. 117
(٥) قول الشاعر:
انْظُرَا قَبْلَ تَلُومَانِي إِلَى ... طَلَلٍ بَيْنَ النَّقَا والْمُنْحَنَى
فحَذَفَ "أن" النّاصبة لفعل "تَلُومَاني" وأبْقَى النّصْبَ في الفعل، إذْ حذف النون.
الطَّلَل: مابقيَ من آثار الدّيار.
النَّقَا - والْمُنْحَنَى: اسْمانِ لِمَوْضِعَيْن.
(٦) قول الشاعر:
وَمَا نُبَالِي إِذَا مَا كُنتِ جارَتَنا ... أَلاَّ يُجَاوِرَنَا إلاَّكِ دَبَّارُ
فجاء بالضمير المتّصل بعد "إلاَّ" والأصل أن يقول: إلاَّ إِيّاك، ولكن خالف القاعدة لضرورة الشّعر.
***
ثالثاً:
شرح العيب الثالث: "التعقيد اللفظي" ويكون بجعل الكلمات في جملة الكلام مرتَّبةً على غير الترتيب الذي يقتضيه نظام الكلام وتأليفُه في اللّسان العربيّ.
كتقديم الصفة على الموصوف، والصلة على الموصول، وكالتشتيت في الروابط بين عناصر الجملة الواحدة، أو بين عناصر الْجُمَل في الكلام الواحد.
وهذا العيب أشدّ نكارةً وبعداً عن فصيح الكلام من عيب "ضَعْفِ التَّأْليف" ولا يُغْني عن ذكره وبيانه ذكْرُ عيْبِ "ضَعْفِ التَّأْليف" وَإِنْ كان الصنفان يلتقيان في كون كُلٍّ منهما يخالِفُ نظام الكلام في اللّسان العربيّ، لأنّ ضعْف التأليف قلّما يؤدي إلى ما يُسِيءُ في الدلالة، بل هو مُجرَّد خروجٍ عن المشهور من فصِيحِ كلامِ العرب.
стр. 118
أمّا التعقيد اللفظيُّ ففي الغالب يؤدّي إلى الإِلْغازِ، أو الغموض، أو التشويش، أو الدلالة على معانٍ غَيْرِ مرادةٍ.
والكلام الْمُعَيبُ بعَيْبِ "التعقيد اللّفظي" مرفوضٌ غَيْرُ مقبولٍ عند أهل البيان، لأنّه يُفْضِي إلى اختلال المعنى المراد واضطرابه، وذلك مُبَاينٌ للفصاحة الّتي تقومُ على الإِبانةِ وتوضيح المعاني المرادة.
قال العتّابي: "الألفاظُ أَجْسَادٌ، والْمَعَانِي أرواح، وإِنّما نَراها بَعَيْنِ القُلُوب، فَإِذا قَدَّمْتَ مِنْهَا مُؤَخَّراً، أَوْ أَخَّرْتَ مِنْهَا مُقَدَّماً، أَفْسَدْتَ الصُّورَةَ، وغَيَّرْتَ الْمَعْنَى، كَمَا لَوْ حُوِّلَ رَأْسٌ إلى مَوْضِعِ يَدٍ، أَوْ يَدٌ إلَى مَوْضِعِ رِجْلٍ، فإنَّ الْخِلْقَةَ تَتَحَوَّلُ، والْحِلْيَةَ تَتَغَيَّر".
قالوا: والفرزدق أكثر من استعمل التعقيد اللفظيّ في شعره، وكأنَّه كان يَقْصِدُ إلى ذَلِكَ، لأنّه لا يجري على لسانِ عربي إلاَّ متكلَّفاً مَصْنُوعاً، والفرزدقُ عربيٌّ أصيلٌ لا يشكو من عجمة حتّى تؤثّر عليه.
الأمثلة:
(١) من أمثلة التعقيد اللّفظيّ قول الفرزدق، يمدحُ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خالَ هشام بن عبد الملك:
وَمَا مِثْلُهُ في النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً ... أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهُ
أي: وما مِثْلُ إبراهِيم في النَّاسِ حيٌّ يشبهه في فضائله غير مَلِكٍ أَبُو أُمِّهِ أبوه.
أصْلُ ترتيب الكلام: وما مثله في الناس حيٌّ يقاربُه إلاَّ مملَّكاً أَبُو أُمِّهِ أَبُوه، فقَدَّمَ وأَخَّرَ في الكلمات، فألْغَزَ إلْغازاً سَيِّئاً.
стр. 119
(٢) وقولُ الْفَرَزْدَق أيضاً يمْدَحُ الوليد بن عبد الملك:
إِلَى مَلِكٍ مَا أُمُّهُ مِنْ مُحَارِبٍ ... أَبُوهُ وَلاَ كَانَتْ كُلَيْبٌ تُصَاهِرُهُ
يريد: إلى مَلِكٍ أَبُوه ليستْ أُمُّه مِنْ مُحَارِبٍ، فقدّم وأخَّرَ فأبْهَمَ المعنى وألْغزَ وأفْسَد.
(٣) ومن أقبح أمثلة هذا التعقيد اللفظي، قول أحدهم يصِفُ دياراً درَسَتْ وعفَتْ آثارُها:
فَأَصْبَحَتْ بَعْدَ خَطّ بَهْجَتِهَا ... كَأَنَّ قَفَراً رُسُومَهَا قَلَماً
أي: فأصبَحَتْ بعد بَهْجَتِهَا قَفْراً، كأنَّ قَلَماً خطَّ رُسُومَها.
ويبدو أنّ هذا البيت مصنوعٌ لإِبراز قباحة التعقيد اللفظي، إذْ ليس من المعقول أن يقوله ناطق عربي له فكرٌ ما.
***
رابعاً:
شرح العيب الرابع: "التعقيد المعنوي" ويكون باستخدام لوازم فكرية بعيدة، أو خفيّةِ العلاقة، أو استخدام كنايات من الْعَسيرِ ِإدراكُ المراد منه، لعدم اقترانها بما يشير إلى دَلالاتها المرادة، فَيَنْجُم عَنْهُ خفاءُ دلالة الكلام، وصعوبَةُ التوصُّلِ إلى معرفةِ المراد منه من قِبَلِ أهل الفكر والاستنباط، أو منْ قبَل المخاطبين به إذا كان المخاطبون به دون مستَوى أهْلِ الفكر والاستنباط.
الأمثلة:
(١) ذكروا من الأمثلة على التعقيد المعنويّ قولَ العبّاسِ بن الأحنف:
سَأَطْلُبُ بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدا
أي: سأطْلُبُ بُعْدَ الدّار عنكم وأتحمَّلُ آلاَمَ الفراق وأصْبِرُ عليه، لأنّ عاقبة
стр. 120
الأَلم والصبر الفرجُ، وحين يأتي الفرجُ يكون قُرْبٌ دائم، ووصلٌ مستمرٌّ مصحوبٌ بسرور لا ينقطع، وقد أبعد في هذِه الكناية لكثرة لوازمها الذهنيّة التي لا تُدْرَكُ إلاَّ بإجْهادٍ ذهْنِيّ، على أنّ هذا المعنى حَسنٌ طرقَهُ الشعراء والأدباء وأهل الفكر، منه ما أجاب به الربيع بن خيثم، وقد صلَّى ليلةً حَتّى أصْبَح، إذْ قيل له، أتْعَبْتَ نفْسَكَ. فقال: راحَتَهَا أطْلُبُ. أي: أطلبُ راحَتَها الدائمة يوم الدين بإتْعَابِها في العبادة في الدنيا.
ونظيره في المعنى، قول أبي تَمّام:
أآلِفَةَ النّحِيبِ كَمِ افْتِرَاقٍ ... أَلَمَّ فَكَانَ داعِيَةَ اجْتِمَاعِ
وقولُ عُرْوَة بن الورد:
تَقُولُ سُلَيْمَى: لَوْ أَقَمْتَ بِأَرْضِنَا ... وَلَم تَدْرِ أَنِّي لِلْمُقَامِ أُطَوِّفِ
لكنّ العبّاس بن أحنف عبّر بعد ذلك بجمُود الْعَيْن كنايةً عن حالَةِ السُّرُور التي سَيَنالُها حينما يأتي الْفَرجُ بالوصْل بَعْد كثرة البكاء، في حين أنّ جُمَودَ العين يُعبَّرُ بِهِ كنايةً عن شُحِّهَا بالدُّموع عنْدَ حَاجةِ النفس إلى البكاء، ليكون في البكاء تخفيفٌ مِنْ آلاَم النفس بالفراق، أو مِنْ الحزن والكَمَد والتَّعَبِ والنّصب، فالشُّحُّ بالدمع يزيد في آلام النَّفس، ولَيْس من العلامات الدّالاّت على سرورهَا حتَّى يُكنَّى به عنه، ومن هُنا رَأَوْا أنّ في كلامِهِ تعقيداً معنويّاً.
(٢) ويُمْكن أن نُمثِّل للتعقيد المعنويّ بأن نقول: فَتَح السلطانُ أَبْوابَ السُّجُون.
ونحن نقصد بهذه العبارة أنّه نَشَر جُنْدهُ لملاحقة خصومه حتى يُودِعهم في السجون، مع أنّ المتبادر المتعارف في مثل هذه العبارة، أن تُقالَ لتكونَ كنايةً عن أنّه أخرج المساجين منها بإصدار عفوٍ عامٍّ عنهم، فاعتبارُهَا كنايةً عن المعنى المضادّ لهذا المعنى تعقيدٌ معنوي.
стр. 121
وقِسْ على هذا.
***
فصاحة المتكلم
المتكلّم الفصيح هو من كان كلامه فصيحاً، وكان ذا ملكةٍ يقتدر بها على التعبير عن مقصوده بكلام فصيح، دون تَلَعْثُم، ولا تلكُّؤٍ، فما شاء من معنى استطاع التعبير عنه بيُسْرٍ وسُهولةٍ، وبكلام فصيح المفردات، وفصيح الْجُمَل والتّراكيب.
ومع الهبة الفطريّة لا يكون المتكلم فصيحاً في اللّسانِ العربيّ، حتّى يكون مُلمّاً باللّغة العربيّة، عالماً بقواعد نحوها وصرفها، واسع الاطلاع على مفرداتها ومعانيها الدقيقة، كثير النظر في كتب الأدب، مطّلعاً على أقوال كبار الفصحاء، له درايةٌ بأساليب العرب في شعورهم ونثرهم وأمثالهم وكناياتهم ومجازاتهم، حافظاً لطائفةٍ جَمَّةٍ من عيون كلام فصائحهم وبلغائهم من أهل النثر وأهل الشعر، وأن يمارس موهِبَتَهُ بالتطبيقات العمليّة، حتَّى يكتسب مهارة التعبير عن مقاصده وما يجول في نفسه من معانٍ بكلامٍ فصيح.
***
стр. 122
الفصل الثالث: البلاغة - البلاغة في اللّغة
البلاغة في اللّغة:
البلاغة عند أهل اللّغة هي حُسْنُ الكلام مع فصاحته وأدائه لغاية المعنى المراد.
والرجل البليغ هو من كان فصيحاً حسَنَ الكلام يَبْلُغُ بعبارة لسانه غايةَ المعاني الّتي في نفسه، ممّا يُرِيد التعبير عنه وتوصيلَهُ لمن يُرِيد إبلاغه ما في نفسه.
وأصل مادّة الكلمة في اللّغة تدور حول وُصُولِ الشيء إلى غايته ونهايته، أو إيصال الشيء إلى غايته ونهايته.
تقول لغةً: بلغَ الشّيءُ يَبْلُغُ بُلوغاً وبلاغاً، إذا وصل وانتهى إلى غايته.
وتقول: أبلغْتُ الشيءَ إبلاغاً وبَلاَغاً، وبلَّغتُهُ تَبْليغاً، إذا أوصلته إلى غايته ونهايته.
وبَلَغَ الْغُلاَمُ وبَلغت الجارية، إذا وصَلا إلى انتهاء مرحلة ما دون التكليف، ودخلا في مرحلة التكليف، ويكون ذلك باحتلام الغلام وحيض الجارية، ويُقَال: ذكَرٌ بالغ، وأنثى بالغٌ وبالغة.
والأمر البالغ، هو الأمر الذي وصل إلى غايته فكان نافذاً.
والبلاغَةُ تكون وصفاً للكلام، ووصفاً للمتكلّم.
стр. 123
بلاغة الكلام في الاصطلاح:
هي مطابقة الكلام لمقتضى حَال من يُخَاطبُ به مع فصاحة مفرداته وجُمَله.
فيشترط في الكلام البليغ شرطان:
الشرط الأول: أن يكون فصيح المفردات والجمل.
الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لمقتضى حال من يُخَاطبُ به.
ولمّا كانت أحوال المخاطبين مختلفة، وكانت كلُّ حالةٍ منها تحتاج طريقةً من الكلام تلائمها، كانت البلاغة في الكلام تستدعي انتقاء الطّريقة الأكثر ملاءمة لحالة المخاطب به، لبلُوغ الكلام من نفسه مبلغ التأثير الأمْثل المرجوّ.
الأحوال التي تستدعي اختلافاً في طرائق الكلام وأساليبه:
أمّا الأحوال التي تستدعي اختلافاً في طرائق الكلام وأساليبه، فتكادُ لا تُحْصرُ.
* فمنها ما يستدعي من الكلام إيجازاً.
* ومنها ما يستدعي من الكلام بَسْطاً متوسّطاً.
* ومنها ما يستدعي من الكلام بَسْطاً مطوْلاً.
* ومنها ما يستدعي خطاباً بصورة مباشرة.
* ومنها ما يستدعي خطاباً بصورة غير مباشرة.
* ومنها ما يستدعي تنكيراً، أو يستدعي تعريفاً.
* ومنها ما يستدعي إطلاقاً، أو يستدعي تقييداً.
* ومنها ما يستدعي ذِكراً، أو يستدعي حذفاً.
* ومنها ما يستدعي وصلاً بحرف العطف، أو يستدعي فصلاً.
стр. 124
* وخطاب الذكيّ يُخَالف خطاب الغبيّ.
* وحال الوعظ يستدعي خطاباً غير حال البيان العلمي.
* وحال الدعاء والتماس مطلوب، يستدعي خطاباً غير حال التكليف من ذي سلطان.
* وخطاب أهل العلم والمعرفة يخالف خطاب الذين لا علم لديهم.
* وخطاب الملوك والأمراء والرُّؤساء يخالف خطاب العامّة.
* وخطاب أهل الحضر يُخَالف خطاب أهل البداوة وأهل المدَر.
* ولكل أهل صنعة خطابٌ يُلائم صناعتهم.
* والصغارُ وأحْداثُ الأسنان لَهُم ألوان من الخطاب تلائم حداثتهم، وصِغَر أَعْمَارِهم.
* إلى غير ذلك من أصناف المخاطبين، وأحوالهم النفسيّة والاجتماعية، وأحوال المتكلّم وظروف الكلام.
واختيار الأسلوب من الكلام الملائم للمخاطب، أو الأكثر ملاءمة له يحتاج فطنةً عاليةً، وذكاءً حادّاً، وخيرات كثيرات بخطاب الناس.
ويُلْحَقُ بمطابقة الكلام لمقتضى حال المخاطب وجوهٌ أُخَرُ كثيرةٌ تورثُ الكلامَ حُسْناً.
وَكُلَّما كان الكلام مع فصاحة مفرداته وجمله أكثر مطابقة لحال المخاطب وتأثيراً في نفسه، كانَ أعلَى حُسْناً، وأرفَعَ منزلةً في مراتب البلاغة ودرجاتِها.
وتتنازلُ الدرجات وتنحطُّ بمقدار بُعْدِ الكلام عن مطابقة مقتضى حال المخاطب وضَعْفِ تأثيره في نفسه.
стр. 125
وللكلام البليغ حدٌّ أعْلَى رفيعٌ، وهو حدُّ الإِعجاز، وما يَقْربُ منه. ولَهُ حدٌّ أسْفَلُ مُنْحطٌّ إذ نزلَ عنْهُ درجَةً واحدةً الْتحقَ عند البلغاء بأصواتِ الحيوانات.
وبين الحدّ الأعلى والحدّ الأسفل مراتب ودرجاتٌ كثيراتٌ يتعذَّرُ على الناس إحصاؤها.
بلاغة المتكلّم في الاصطلاح:
هي ملكَةٌ "أي: صفةٌ ثابتةٌ مستقرّة في ذاتِ المتكلّم" يستطيع بها تأليف كلامٍ بليغ.
ولمّا كان كلُّ كلام بليغٍ لا بدّ أن يكون فصيح المفردات والْجُمَل كان كلُّ كلامٍ بليغٍ كلاماً فصيحاً، وَكان كلُّ متكلِّمٍ بليغٍ متكلّماً فصيحاً.
لكن قد يكون الكلام فصيحاً وَلا يكون بليغاً، لأنّ الفصاحة أعمُّ، والبلاغةَ أخصُّ دائماً، فكلُّ بليغٍ فصيحٌ، كلاماً أَوْ متكلّماً، وليْسَ كلُّ فصيحٍ بليغاً، فالكلام الفصيح لا يكون كلاماً بليغاً حتَّى يكون مطابقاً لمقتضى حالِ المخاطب به.
عناصر البلاغة في الاصطلاح:
ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ البلاغة ترجع في أصولها العامة إلى تحقّق العناصر السّتَّةِ التالية:
العنصر الأول: الالتزام بما ثبت في متن اللّغة وقواعد النحو والصرف، واختيار الفصيح من المفردات والْجُمَل والقواعدِ.
العنصر الثاني: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد.
العنصر الثالث: الاحتراز عن التعقيد في أداء المعاني المرادة، سواء من جهة اللّفظ أو من جهة المعنى.
стр. 126
العنصر الرابع: انتقاء الكلمات والعبارات الجميلة، الّتي يُدْرِكُ جمالَها الحسُّ المرهف، والذّوْقُ الرفيع لدى البلغاء.
العنصر الخامس: تصيُّد المعاني الجميلة، وتقديمها في قوالب لفظيّةٍ ذاتِ جمالٍ.
العنصر السادس: تزيين الكلام بالمحسِّنَات التي تَسْتَثِيرُ إعجاب المخاطَبِين.
والمحسّنَاتُ التي تُزَيّنُ الكلامَ وتَزِيدُه جمالاً لا تُحْصَرُ، وباستطاعة الموهوبين أن يبتكروا فيها دواماً أشياء جديدةً لم يتوصَّلْ إليها البلغاء السّابقون من الناس.
***
стр. 127
" علم المعاني" الباب الأول: مدخل إلى علم المعاني
стр. 128
الفصل الأول: مقدّمات حول الكلمة والجملة
(١) مقدمة
* النحويّ يبحث في الكلام العربي من جهة إعراب مفرداته وجُمْله، وما يجب في تراكيب الجمل البسيطة والْمُرَكّبَةِ كجُمَلِ الشرط، وما يجوز فيها من تقديم أو تأخير، وما يجوز في الكلام من ذكر أو حذف أو نيابة، مع تحديد أصول المعاني التي تدلُّ عليها صِيَغُ الأسماء والأفعال ومشتقّاتها، ومتعلقات الفعل، وأصول المعاني التي تدلُّ عليها حروفُ المعاني.
* والصَّرْفيّ يبحث في الكلمة العربيّة من جهة بنائها وضوابطه في اللّسان العربي، وفي المعاني الأصول التي وُضعت صِيغُ الكلمات للدَّلالة عليها.
* ويشارِكُ النّحويُّ الصرفيَّ في بعض ما هو مختصٌّ به، وقد يشارك الصّرْفيُّ النحويّ في بعض مسائله الخاصة به.
* أمّا عالم البلاغة فيوجّه اهتمامَه حَوْلَ الكلمة والجملة العربية للمعاني التي تدلُّ عليها صِيَغُ الكلمات، وأُصُول التراكيب وفروعها، وللمعاني الّتي يَدُلُّ عليها التقديم والتأخير في مواضع الكلماتِ عمّا هو الأصْلُ في التراكيب، وللمعاني التي
стр. 129
يَدُلُّ عليها الذّكْرُ والحذف، والاقتصارُ، وَوَضْعُ نوع من الكلام بدَلَ نوعٍ آخر، كظاهر بدل مضمر، ومُضمَرٍ بدَلَ ظاهر، واسْمِ موصول بدل اسم جنس، أو اسْمٍ عَلَمٍ، وغير ذلك ممّا فيه دلاَلَةٌ على معنىً يمكن بحسب الاستعمال العربيّ أنْ يُدَلَّ به عليه، ممّا قَصَد به بُلَغاءُ أهل اللّسان الدلالةَ به عليه.
وقد وجّه علماء البلاغة اهتمامهم لهذه الأمور ضِمْن أمور أخرى احتفلوا بها، بغية التنبيه على معالم المنهج الأمثل للناطق العربي، كَيْما يُحْسِنَ تدبُّر النصوص الرفيعة، وفَهْمَ صُوَرِ الآداب الراقية ونقْدَها، وكيْمَا يتدرّبَ المؤهَّلُ للارتقاء في إنْشاء وارتجال الكلام الفصيح البليغ الراقي بعناصره الأدبيَّة، حتى يكون أديباً فصيحاً بليغاً منضبطاً مع أساليب اللّسان العربيّ، في الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والإِظهار والإِضمار، واختيار نوع دون غيره من أنواع الكلام، وانتقاء المفردات بعناية، وتجويد التراكيب وتَحْسِينها، وتصفيف الكلمات والْجُمَل بدقة، لتَبْلُغَ الْمَبْلَغ المطلوبَ من التأثير في الّذين يَتَلَقَّوْنَ كلامه، معَ دلالته على ما يريد من معانٍ بحسَب قواعد دلالاتها الصريحة أو الضمنيّة أو اللُّزومية، حتَّى مُسْتَوى الإِشارَةِ والرّمْزِيّة.
ومن هذا نشأ عند البلاغيين ما يسمَّى بعلم المعاني.
***
(٢) تعريف علم المعاني
هو علْمٌ يعرف به أحوال الكلام العربيّ التي تهدي العالمَ بها إلى اختيار ما يُطَابقُ منها مقتضى أحوال المخاطبين، رجاء أن يكون ما يُنْشِىءُ من كلامٍ أدبيٍّ بَلِيغاً.
стр. 130
ويدور هذا العلم حول تحليل الجملة المفيدة إلى عناصرها، والبحث في أحوال كلّ عنصر منها في اللّسان العربيّ، ومواقع ذكره وحذفه، وتقديمه وتأخيره، ومواقع التعريف والتنكير، والإِطلاق والتَّقْيِيد، والتأكيد وعدمه، ومواقع الْقَصرِ وعَدَمه، وحَوْلَ اقتران الجمل المفيدة ببعضها، بعطف أو بغير عطف، ومواقع كلٍّ منهما ومقتضياته، وحول كون الجملة مساوية في ألفاظها لمعناها، أو أقلَّ منه، أو زائداً عليه، ونحو ذلك.
***
стр. 131
الفصل الثاني: بناء الجملة في اللّسان العربي وتقسيمها
(١) تعريف الجملة
الجملة المفيدة كلامٌ تامٌّ يَدُلُّ على معنىً أقلُّه نسبةُ شيءٍ إلى شَيْءٍ إثباتاً أو نفياً، أو إنْشاءُ ربْطٍ بينَ شيءٍ وشيءٍ آخَرَ يكفي لإِنشائِهِ الْقَوْلُ، مثل أمْر التكوين، أو الأمْرِ بفعلٍ ما.
والجملة المفيدة تسمَّى عند علماء المنطق "قضيّة" وأقلُّ مَا تتألف منه الجملة عنصر أن يُعَبَّرُ عَنْهُما باللفظ، وهما:
(١) مُسْنَدٌ إليه، ويُسَمَّى محكوماً عليه، ويُسمّى عند علماء المنطق موضوعاً.
(٢) ومُسْنَدٌ، ويُسمَّى محكوماً به، ويُسمَّى عند علماء المنطق محمولاً.
ويلاحظ بين المسند إليه والْمُسْنَدِ شيءٌ ثالثٌ هو الإِسنادُ، وهو الرابط المعنويُّ بينهما، وقد يُوجد في اللفظ ما يدلُّ علَيْهِ، كحركة الإِعراب، وكضمير الفصل بين المبتدأ والخبر.
(٣) ويُلْحَقُ بالجملة المفيدة توابعُ المسند إليه والْمُسْندِ إنْ وُجدَتْ، فمنها المفاعيل، والأدواتُ، ما يَدُلُّ عَلى القيود لأرْكان الجملة، كالصفات والأحوال والقيودِ الزمانيّة والمكانيّة.
стр. 132
ولا تتم جملةٌ مفيدةٌ بأقَلَّ من مُسْنَدٍ، ومُسْنَدٍ إليه، وإسنادٍ يُلاحظُ ذهْنية بينهما.
***
(٢) تحليل بناء الجملة على اختلاف وجوهها
الجملَةُ الكلاميَّةُ بناءٌ من كلمتين فأكثر من أصول الكلمات الثلاث: "الاسم والفعل والحرف ذي المعنى".
ودلالة الكلمة في بناء الجملة تكون بواحد من الأمور التالية:
الأول: الوضع اللُّغوي الأوّل، أو الوضع الاصطلاحيّ كمصطلحات العلوم.
الثاني: ما تَطَوَّر إليه الوضع باستعمال أهل اللّغة، أو في العرف العام.
الثالث: ما يجري في الكلمات من استعارات ومجازات جرى بها أو بنظائرها لسانُ أهل اللّغة.
الرابع: ما تَحْمِلُهُ الكلماتُ من دلالات لزوميّة ذهنية، تُدْركُ بالذهن من معانيها، كالأمر بالعلم الذي يستلزم ذهناً اتّخاذ وسائله.
الخامس: ما في الكلام المذكور من إشارات تدلُّ على محذوفٍ يقتضيه الكلام، كحرف عطف ليس من الكلام المذكور ما يُعْطَفُ به علَيْه.
السادس: نيابة مذكور عن محذوف، بدلالة قرينةٍ ذهنيَّةٍ أو لفظيّة، كنائب الفاعل مع قرينةِ بناء الفعل على الصيغة الخاصّة بما لم يُذْكَرْ فاعِلُه.
السابع: اقتران كلمة بكلمة مع حركة إعرابِ ظاهرة أو مقَدَّرة، كحال المبنيّات من الأسماء، أو دون حركة إعراب كحال الحروف التي لا محلَّ لها من الإِعراب، عاملةً بغيرها أو غير عاملة.
***
стр. 133
(٣) أصول المعاني التي يُدَلُّ عليها بالألفاظ في الجملة الكلامية
بعد ملاحظة إرادة التعبير في الجملة الكلاميّة عن ربط شيءٍ بشيء لعلاقةٍ ما قامت بينهما، كالأكل والآكل، والنوم والنائم، والجمالِ والجميل، والْقِدَم والْقَدِيمِ والحدوثِ والحادث، والوجود والموجود، والعدم والمعدوم، وأيّةٍ صفةٍ والموصوف بها، وأيِّ حدثٍ ومَنْ فعله أو قام به، وزمانِ الحدث، وكانهِ، وآلته، وسببه، والباعث إليه، والغاية منه، وحُدود كلّ شيءٍ يُشار إليه بالعبارة الكلاميّة من كلّ ذلك، وقيودِهِ الوصفية الثابتة والمتحوّله، تظهر لنا مِنْ أصول المعاني التي يرادُ الدّلالة عليها بالألفاظُ طائفة يَسْهُلُ تمييزها وإحصاؤها، وتَبْقَى طائفةٌ أخرى يصْعُبُ وضْعُها في مواضِعِها من الشجرة الفكريَّة لأصول المعاني.
وأكتفي هُنَا بتوجيه نظرات تحليليّة لبعض أصول هذه المعاني، وتفرُّعها من شَجَرَتِها الفكريّة.
وأرى أنّها تبدأ من تلاقي زَوْجين: الشيء الّذي يُتَصَوّرُ أنَّهُ يقوم بنفسه، وهو ما يطلق عليه في اصطلاح الفلاسفة "الجوهر" والوصف الذي يُتَصَوَّرُ أنّه لاَ يقوم بنفسه، وهو ما يُطْلق عليه في اصطلاح الفلاسفة "الْعَرَض".
وتدعو الحاجة في الكلام إلى أن يُعَبَّر به عن الشيء والوصف الذي قام به، أو عن الوصف والموصوف به، وهنا تظهر لنا أدنى النِّسبِ التي يُعَبَّر عنها بالكلام، فذكر شيء ما يستدعي ذكر الصفة الّتِي دعت إلى ذكره، وذكر وصفٍ ما يستدعي ذكر الموصوف به.
فظهر لنا بهذا عنصران أساسان هما من أصول المعاني التي يُعَبَّر عنها بالكلام.
* الشيء. "= الجوهر" وهو يشمل الفاعل والمفعول به من حيث المعنى.
стр. 134
* ووصفه. "= العرض".
ويتمّ ربط العلاقة بينهما بإسناد أحدهما إلى الآخر في الجملة الكلامية، وهذه هي أدنى النِّسَبِ الّتي يُعَبَّرُ عنْها بالكلام.
ثمّ قد تدعو الحاجة البيانيّة إلى تحديد الشيء " = الجوهر" بالقيود الّتي تُميِّزُه عن غيره قَبْلَ أو مع إسناد الوصف إليه، لتُعْرَف حقيقة الموصوف، وكذلك قد تدعو الحاجة البيانية إلى تحديد الوصف " = العرض" بالقيود التي تميِّزُه عن غيره.
فظهر بهذا ما يُعْرَفُ بقيود المسند إليه، كالوصف، والحال، والتمييز ونحو ذلك.
وظهر أيضاً ما يُعْرَفُ بقيودِ الْمُسْنَدِ، فعلاً كان، أو خبراً أو نحوهما، كالحال، وقيود الزمان والمكان.
ثم نلاحظ أنّ الوصف " = العرض" قد يكون ملازماً للموصوف "= الجوهر" وقد يكون حَدَثاً طارئاً، كالحركة والسكون، والحرارة والبرودة، والحدث لا بدّ له من ظرف زمانٍ حدَث فيه، أو يَحْدُث فيه، ومفاصل الزّمن الكبرى التي يُعبَّر عنها بصِيَغِ الأفعال هي: "الماضي والحاضر والمستقبل" وهنا ظهرت الحاجة في الكلام إلى بيان الظرف الزماني بصيغة الكلمة، كالفعل الماضي والمضارع.
وظهرت الحاجة أيضاً للتعبير عن الزمان بمادة الكلمة، كالزمان، والحين، والدهر، والساعة، واليوم، والشهر، ونحو ذلك.
ثم نلاحظ أنَّ كل شيء من الأشياء المخلوقة ومعها أوصافُها القائمة بها، والأحداث الجارية فيها أو الصادرة عنها، لا بدّ أن تكون في ظرفٍ مكاني. وهنا ظهرت الحاجة في الكلام إلى بيان الظرف المكاني.
стр. 135
وبالظرف الزمانيّ والظرف المكانيّ وُجد في الكلام ما يُسَّمى المفعول فيه زماناً أو مكاناً.
ثم نلاحظ أنّ إحداث الحدث قد يكون بسبب أو بآلَة، وبهذا ظهرت الحاجة في الكلام أحياناً إلى بيان السبب أو الآلة، ومِن ثَمَّ جاء في الكلام ما يدلُّ على السبب والآلة.
ونلاحظ أيضاً أنّ الحدث المقصود إنّما يكون بباعثٍ ولغايَةٍ، ومن هذا ظهرت الحاجة في الكلام أحياناً إلى بيان الباعثِ للحدث، والغاية منه، فجاء في الكلام مايدلُّ على ذلك، ومنه ظهَرَ في الكلام ما يسمَّى "المفعولَ لأجله".
ونلاحظ أنه قد يقترن الحدث بحدث آخر، وقد تدعو الحاجة إحياناً في الكلام إلى بيان الحدث المقارن للحدث المراد بيانه أصلاً، ومن هذا ظهر في الكلام ما يُسمَّى "المفعول معه".
وتنفعل النفس الإِنسانية بأحاسيس مختلفة يُرِيدُ الإِنسان التعبير عنها بالكلام، فظهر في الكلام ما يدلّ على بعض هذه الأحاسيس الأصول، مثل: التَّوَجُّع، التَّفَجُّع، التَّعَجُّب، الْمَدْح، الذَّمّ، التَّحْذِير، الإِغْراء، الاسْتِفْهَام، الإِثبات، النفي، التأكيد.
إلى غير ذلك من أحاسيسَ ومعانٍ أصولٍ يرادُ التعبير عنها بصيغٍ خاصّة، أو كلماتٍ خاصّة، كعبارات التوجع والتفجُّع، وفِعْلَي التعجّب، وأفعال المدح والذّم، وصيغ التحذير والإِغراء، وأدواتِ الاستفهام، وأدوات النفي، والمؤكّدات.
***
стр. 136
(٤) ترتيب الجملة في اللّسان العربي
إذا أردْنا أن نصوغ جملة نبيّن فيها طلوع القمر أو عدمه، وجدنا أنفسنا أمام عَددٍ من الاحتمالات، مثبتين أو نافين:
(١) طلَعَ القمر، ما طلع القمر.
(٢) القَمَرُ طَلَع، القمَرُ ما طلع.
(٣) القَمَرُ طَالِعُ. القمر غير طالع. ليس القمر طالعا.
(٤) ما طالعٌ القمر.
ولكن هل هذه الصيغ تقع في درجةٍ واحدةٍ من البيان، أم هي مختلفة، مع جوازها جميعاً في اللّسان العربي؟
يقول النحويّ هذه كلّها جائزة، ولكلٍّ منها عندي تخريجٌ إعرابي.
لكنّ البلاغيَّ يقول: إن صِيَغَ "طَلَعَ القمر - ما طَلَع القمر - ما طالعٌ القمر" تقال في مقام الإِخبار الابتدائي الذي لا حاجة فيه إلى تأكيد، أما صِيَغ "القَمَرُ طَلَع - القمرُ ما طَلَع - ليس القمرُ طَالعاً" فتقال في مقامٍ يحتاج فيه الخبر إلى نوع تأكيد، فإذا لم تكن حال المخاطب تقتضي تأكيداً فلا داعي لاستخدام هذه الصّيغ، إذْ جاء فيها إسناد الطلوع إلى القمر مرّتين، فالقمر فيها مبتدأ أو أصله مبتدأ، وفعل طَلَع مُسْنَدٌ إلى ضمير يعود على المبتدأ، والجملة هي خبر المبتدأ، واسم الفاعل "طالعاً" كالفعل يحمل ضميراً يعود على القمر.
فتغيير الترتيب في أركان الجملة نَجَمَ عَنْه إضافَةُ دلالة، فَعَلَى الْبَلاَغِيّ أن يُلاحظها لدى إنشاء الكلام، ولدى فهم النصوص البليغة الرّفيعة.
ولركني الإِسناد الرئيسين في الجملة الكلاميّة توابع، منها المفعول به،
стр. 137
وموضعه الأصليّ في الجملة العربية بحسب ترتيب الكلام المعتاد يأتي بعد الفاعل، على الوجه التالي:
(١) ... .. (٢) ... ... . (٣)
فعل ... .. فاعل ... .. مفعول به
مثل: أكل ... الذئبُ ... الحَمَلَ
قال النحاة: ويجوز تقديم المفعول به على الفاعل، ويجوز تقديمه أيضاً على الفعل، إلاَّ عند اللَّبْس.
فيقال: أكَلَ الْحَمَلَ الذّئبُ.
ويقال: الْحَمَلَ أكَلَ الذئبُ.
ويقال: رفَعَ سعيدٌ طناً من الحديد.
يقال: طناً من الحديد رفع سعيد.
لكنْ البلاغيين قالوا: إنّ مخالفة الأصل في ترتيب بناء الجملة، واستخدامَ ما يجوز فيها بحسب استعمال العرب، هو في الغالب لغرض تأدية معنىً من المعاني، لا لمجرَّدِ استخدام احتمالات جائزة، باستثناء حالة الضرورة الشعريّة، أو حاجة توازن الجمل وتناسُقِها، ومراعاةِ السَّجْع أو القوافي، ضمن أغراضٍ جماليّةٍ في الكلام.
فتقديم المفعول به عن رتبته، ولا سيّما تقديمُهُ على الفعل الذي هو صَدْرُ الجملة الفعليّة بنبغي أن يكون لغرض، وهو الدّلالة على معنًى ما، كالتخصيص، أو الحصر، أو بالغ الاهتمام، أو نحو ذلك.
ورُتَبُ عناصر الجملة تشبه رُتَب جلساء رئيس القوم، فإذا قدَّم الرئيس إلى جواره من هو في العادة يجلس بعيداً عنه بحسب رتبته، فإنما يُقَدِّمه لغاية يفهمها الفطناء، فإذا وضعه في موضع وزيره الأول، أدرك أهل الفطانة أنّه مُهْتَمٌّ به وبتكريمه، أو أنّه سوف يستوزره.
стр. 138
(٥) معالم الترتيب في عناصر الجملة عند النحاة
قال النحويون:
الأصل في الفاعل أن يتّصل بفعله لأنّه كالجزء منه، ثم يأتي بعده المفعول به، وقد يُعْكَسُ الأمر، وقد يتقدّم المفعول به على الفاعل والفعل معاً، وكلُّ ذلك: إمّا جائزٌ، وإمّا واجب، وإمّا ممتنع.
* فيجوز تقديم المفعول به على الفاعل وتأخيره عنه في نحو: "كتب زُهيرٌ الدرسَ - كتبَ الدّرْسَ زُهَيرٌ".
* ويجب تقديم أحدهما على الآخر في خمسة أحوال:
(١) إذا خُشِي الالتباسُ والوقوعُ في الشّكّ، بسبب خفاء الإِعراب، مع عدم قرينة، فلا يُعْلَم الفاعل من المفعول به، فيجب تقديم الفاعل، مثل: "علَّمَ مُوسَى عيسَى - أكْرَمَ ابني أخي - غَلَبَ هذا ذَاك".
فإذَا أُمِنَ اللَّبْس لقرينة دالّة جاز تقديمُ المفعول به، مثل: "أكْرَمَتْ مُوسَى سَلْمَى - أضْنَتْ سُعْدَى الْحُمَّى".
(٢) أَنْ يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول به، فيجب تأخير الفاعل وتقديم المفعول به، مثل: "أكرَمَ سعيداً غُلامُه - وإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهيِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ - يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ".
وما ورد على خلاف ذلك فضرورة شعريّة.
(٣) أن يكون الفاعل والمفعول به ضميريْن، ولا حَصْر في أحدهما، فيجب تقديم الفاعل وتأخير المفعول به، مثل: "أطعمتهُ وسقيته".
стр. 139
(٤) أن يكون أحدهما ضميراً متّصلاً والآخر اسماً ظاهراً، فيجب تقديم الضمير منهما.
* فيُقَدَّمُ الفاعل وُجوباً في نحو "أكرمت عليّاً".
* ويُقدَّمُ المفعول به وجوباً في نحو "أكرمَنِي عليٌّ".
(٥) أن يكون أحدهما محصوراً فيه الفعل بحرف "إلاَّ" أو بحرف "إنّما" فيجب تقديم ما حُصِر فيه الفعل، سواءٌ أكان مفعولاً به، أَمْ فاعلاً، مثل: "ما أكرمَ سعيدٌ إلاَّ خالداً - ما أكرمَ خالداً إلاَّ سيعدٌ - إنَّما أكرم سعيدٌ خالداً - إنَّما أكرمَ خالداً سَعِيداً".
***
وقال النحويون:
يجوز تقديم المفعول به على الفعل والفاعل معاً، في نحو: "عَلِيّاً أكْرَمْتُ" ومنه قول الله تعالى: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] .
ويجب تقديمه عليهما في أربعة أحوال:
(١) أن يكون المفعول به اسمَ شرط، مثل: أيَّهُمْ تكْرِم أكرم - ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] .
أو مضافاً إلى اسم شرط، مثل: هَدْيَ مَنْ تَتْبَعْ يَتْبَعْكَ بَنُوكَ. والسبب أنّ اسم الشرط له الصدارة في الجملة.
(٢) أنْ يكون المفعول به اسمَ استفهام مثل: مَنْ أكْرَمْتَ؟ - مَا فعلْتَ؟ - كَمْ كتاباً اشترَيْتَ؟ - ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] .
أو مضافاً لاسم استفهام مثل: كِتَابَ مَنْ أَخَذْتَ؟
والسبب أنّ اسم الاستفهام له الصدارة في الجملة.
стр. 140
(٣) أن يكون المفعول به لفظ "كم" أو "كأيّن" الخبريَّتَيْن، مثل: "كَمْ كتاب ملكتُ - كَمْ عِلْمٍ حَوَيْتُ - وكَمْ عُلَماءَ تخرجُوا في مَدْرَسَتِي - وكأيّنْ من قصيدَةِ شعْرٍ كَتَبْتُ".
أو مضافاً إلى "كم" الخبريّة، مثل: "ذَنْبَ كَمْ مُذْنِبٍ غَفَرْتُ"
(٤) أن ينصب المفعولَ به جوابُ "أمَّا" وليسَ لجوابها منصُوبٌ مُقَدَّمٌ غيْرُهُ، مثل: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩ - ١٠] .
وإنّما وجب تقديمُهُ في هذه الحالة ليكون فاصلاً بين "أمّا" وجوابها، فإذا وُجد فاصلٌ غيره فلا يجب تقديمه، مثل:
لَقَدْ كُنَا نَخَافُ عَصَاكَ يَوْماً ... فَأَمَّا الْيَوْمَ فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكْ
***
وقال النحويون:
إذا تعددّت المفاعيل في الكلام فَلِبَعْضِهَا الأصالة في التقدُّمِ على بعض.
* إمّا بسبب كونة مبتدأً في الأصل، كما في باب "ظنّ".
* وإمّا بسبب كونه فاعلاً في المعنى، كما في باب "أعطى".
فمفعولاً "ظنّ" وأخَوَاتِها، أصلُهُما مبتدأ وخبر، فإذا قلت مثلاً: "عَلِمْتُ اللهَ رَحيماً" فالأصل: "اللهُ رحيم".
ومفعولا "أعْطَى" وأخواتها ليس أصلهما مبتدأً وخبراً، غير أن المفعول به الأول هو فاعل في المعنى، فإذا قلتَ مثلاً: "ألبَسْتُ الفقير ثوباً" فالفقير فاعلٌ في المعنى، لأنَّهُ هو الذي لَبِسَ الثوبَ، والثوبُ ملبوسٌ.
بناءً على هذا فالأصْلُ تقديم ما أصله المبتدأ في باب "ظنّ" وما أصله الفاعل
стр. 141
في باب "أعْطَى" مثل: "ظَنَنْتُ الْبَدْرَ طالعاً - أعطيت سعيداً الكتاب - كَسَوْتُ الفقِيهَ جُبَّةً".
قالوا: ويجوز العكسُ إنْ أُمِنَ اللَّبْسُ.
ويجب تقديم أحد المفعولين على الآخر في أربعة أحوال:
(١) أنْ لا يُؤْمَنَ اللَّبْسُ، فيجب تقديم ما حقُّه التقديم، وهو ما كان متبدأ أو فاعلاً في المعنى، مثل:
* "ظننتُ سعيداً خالداً" إذا كان سعيدٌ هو المظنون أنه خالد، وإلاَّ وجب تقديم خالد. "وهو من باب ظنّ".
* قول ذي السلطان: وهبتُ الأَبَ ابْنَهُ، إذا كان الابن هو مستحقّ العقاب فعفا عنه من أجل أبيه، وإذا كان الأب هو مستحقّ العقاب، قال: وهبتُ الابْنَ أباه. "وهو من باب أعطى".
(٢) أن يكون أحد المفعولين ضميراً والآخر اسماً ظاهراً، فيجبُ تقديمُ ما هو ضميرٌ وتأخيرُ ما هو ظاهر مثل: "أعطيتُكَ فرساً - فرساً أعطيتُهُ سعيداً".
(٣) أن يكون أحد المفعولين محصوراً فيه الفعل، فيجب تأخير المحصور سواءٌ أكان المفعولَ الأوّلَ أم الثاني، مثل: "ما أعطيت سعيداً إلاَّ دِرْهماً - ما أعطيتُ الدّرْهَمَ إلاَّ سعيداً".
(٤) أن يكون المفعول الأوّل مشتملاً على ضميرٍ يعودُ على المفْعول الثاني، فيجب تأخير الأوّل وتقديم الثاني، مثل: "أعْطِ الْقَوْسَ بَارِيَهَا".
إذْ لو قُدّم المفعول الأوّل في هذه الحالة لعاد الضمير على متأخّر لفظاً ورُتبةً، باعتبار أنّ المفعول الثاني رتبتُه التأخير عن المفعول الأول.
стр. 142
ولا يصحُّ في اللّسان العربي عوْدُ الضمير على متأخّر لفظاً ورتبةً معاً، إلاَّ في نحو ضمير الشأن والقصة.
هذه مقرّرات علماء النحو بالنسبة إلى ترتيب عناصر الجملة فيما يتعلّق بالفعل والفاعل والمفاعيل.
***
وقال النحويّون:
يجب تقديم المبتدأ في ستة أحوال:
(١) أن يكون المبتدأ من الأسماء التي لها صدْرُ الكلام، مثل:
* أسماء الشرط.
* أسماء الاستفهام.
* "ما" التعجبيّة.
* "كَمْ" الخبرية.
(٢) أن يكون المبتدأُ مُشَبَّهاً باسم الشرط، مثل: "الذي يجتهد فَلَهُ جائِزَةٌ - كلُّ تلميذٍ يَجْتَهِدُ فَهُو مؤهَّلٌ للنجاح".
(٣) أن يضافَ المبتدأ إلى اسم له صَدْرُ الكلام، مثل "غُلاَمُ مَنْ هُو؟ - زِمَامُ كَمْ مَدْرَسَةٍ في يَدِ وزير التربية؟ ".
(٤) أن يكون المبتدأ مقترناً بلام التأكيد، وهي لام الابتداء، مثل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
(٥) أن يكون كلٌّ من المبتدأ والخبر معرفةً نَكِرَةً، ولا تُوجَدُ قرينة تُعَيّنُ أحَدَهُمَا، فيجب تقديمُ المبتدأ خشية التباس الْمُسْنَدِ بالْمُسْنَدِ إليه، لأنّ الأصل في ترتيب المبتدأ أن يكون قبل الخبر، مثل:
* "أخوك عليٌّ" إذا أردتَ الإِخبار عن الأخ.
стр. 143
* "عليٌّ أخوك" إذا أردتَ الإِخبار عن عليّ.
(٦) أن يكون المتبدأ محصوراً في الخبر، مثل:
* ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ... ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
* ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ، أي ما أَنْتَ إلاّ نَذِيرٌ.
فالمبتدأ في المثالين محصورٌ في الخبر.
***
وقال النحويّون:
يجب تقديم الخبر على المبتدأ في أربعة أحوال:
(١) إذا كان المبتدأُ نكرةً غير مفيدةٍ ومُخْبَراً عنْها بظرْفٍ أو جارٍّ ومَجْرُورٍ، مثل: "في الدار رجُلٌ - عندكَ ضيفٌ - لَدَيْنَا مَزيدٌ - على أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ".
(٢) إذا كان الخبرُ اسْمَ استفهام، مثل: "كيفَ حَالُكَ؟ " أو مضافاً إلى اسم استفهام، مثل: "ابنُ مَنْ أَنت؟ - صبيحةً أيِّ يَوْمٍ سَفَرُكَ؟ ".
(٣) إذا اتّصَل بالمبتدأ ضمير يَعُودُ على شيءٍ من الخبر، مثل: "في الدار صاحبُها - مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها - أَمْ عَلى قُلوبٍ أقْفَالُها".
(٤) أن يكون الخبر محصوراً في المبتدأ، مثل:
* "مَا خالقٌ إلاَّ الله".
* إنّما محمودٌ مَنْ يَجْتَهِد" أي: ما محمودٌ إلاَّ مَنْ يجتهد.
* إنّما الخالقُ الله" أي: ما الخالقُ إلاَّ الله.
هذه مقررات النحويّين بالنسبة إلى ترتيب عنصري الجملة الاسمية.
***
стр. 144
وقال النحويّون:
الأسماءُ التي لها الصدارة في الجملة، فلا يتقدَّمُها إلاَّ جارٌّ لها، أو مضافٌ إليها، أو حُروفُ العطف؛ هي:
(١) أسماء الاستفهام.
(٢) أسماء الشرط.
(٣) "ما" التعجبيَّة.
(٤) "كم" الخبرية.
***
وقال النحويّون:
إذا اجتمعت التوابع في جملة واحدة قُدِّمَ منها:
(١) النعت.
(٢) فعطف البيان.
(٣) فالتوكيد.
(٤) فالبدل.
(٥) فعطف النَّسَق. وهو ما كان بحرف عطف.
مثل: "بعثَ اللهُ الرَّسُولَ العربيّ محمّداً نَفْسَه أخَا بَنِي إسْحَاقَ والرّسُلَ والنبيّينَ مِنْ قَبْلِه".
***
(٦) نظر الأديب البليغ حول مراعاة ترتيب عناصر الجملة
إذا كان نظر علماء النحو إلى ترتيب عناصر الجملة هو على النحو الذي سبق بيانه، فإن نظر الأديب البليغ لا يكتفي بالتقيُّد بما يجوز في التراكيب العربيّة،
стр. 145
فيستخدمُها كيفما اتفق، بَلْ يَنْظُر إلى دَلالاتها، وإلى المعاني التي تُؤدّيها مُخْتَلِفَاتُ التراتيب، والتركيبات، فيستَخْدِمُ منها ما يدُلُّ على ما يُريدُ التعبير عنه في كلامِهِ بأخْصَرِ عبارة، ويُحاوِل دوماً أن يطابِقَ بين اختياره منها وما يُريدُ التعبير عنه.
***
(٧) دوائر عطاء الجملة الكلامية
الدائرة الصغرى:
أصغر دائرة عطاءٍ بيانيّ تقدّمه الجملة الكلامية يظهر بنسبة شيءٍ إلى شيءٍ.
* كنسبة الوجود إلى الأرض، فنقول: الأرض موجود، أي: لها صفة الوجود، ففي هذه الجملة نَسَبْنَا الوجود إلى الأرض.
* وكنسبة العدم إلى شريك الباري، فنقول: شريك الباري معدوم، ففي هذه الجملة نسبنا العدَمَ إلى شريك الباري.
* وكنسبة الطلوع أو الأفول إلى القمر، فنقول: طَلَع القمر - أفل القمر.
* وكنسبة الموت إلى إنسان كان حيّاً فمات، فنقول: مات فيصل.
من هذه الأمثلة نُلاحظ أنّ ركناً من رُكْنَي كُلِّ جملةٍ فيها يتضمَّن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ، وأنّ الركْنَ الآخر من ركنيها يتضمن معنىً هو شيءٌ منسوبٌ إليه معنى الركن الأول، وأن الألفاظ دوالٌّ على المعاني.
فبالتحليل يظهر لنا ثلاثة عناصر:
الْعُنْصُر الأول: مَنْسُوبُ.
العنصُر الثاني: منسوبٌ إليه.
следующие страницы →