← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ودعا المؤمن رَبّه، إذا ناداه وطلبَ منه تحقيق نفع أو دفع ضرّ من أمور الدنيا، أو أمور الآخرة. ودعا الوثنيُّ مَعْبُودَه، إذَا نَادَاه، وطلبَ أمراً من أمور الدّنيا. واشتهر الدُّعاء بأحد معانيه اللّغوية، وهو المعنى الدينيِّ له، مع توسُّعٍ شمَلَ كلّ ذِكْرٍ لله وثناء عليه بصفاته وأسمائه الحسنى، لأنّ ذكْرَ الله يُرجَى منه رضوان اللَّهِ وثوابُه، فهو ذو دَلاَلَةٍ طلبيَّةٍ، ويتضمَّن غالباً نداء اللَّهِ بحَمْدِه والثناء عليه. روى الترمذي عن عَمْروا بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جدّه، أنّ النبيّ ﷺ قال: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَة، وخَيْرُ ما قُلْتُ أَنَا والنَّبِيُّون مِنْ قبْلِي: لاَ إلَهَ ِإلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". فمن دعاء الله ما هو مُطْلَقُ ذكْرٍ له، ومن دعاء اللَّهِ ما نداءٌ له بطلَبٍ يتضمَّنْ اسْتِجْداءَ تحقيق مرغوبٍ فيه من خيرات الدنيا، أو خيرات الآخرة، أو دفْع مكروهٍ من أُمور الدنيا أَوْ أمور الآخرة. ويكون الدّعاء بصِيَغٍ كثيرة تَشْمَلُ صِيَغَ الأمر والنهي، وصِيَغَ الجمل الخبريّة، والأصلُ فيه النداء مع طلبٍ بصِيَغِ الأَمْرِ أو النَّهْي، وكثيراً ما يُحْذَفُ حَرْفُ النداء، مثل: رَبِّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي. وكثيراً ما يُدْعَى بصيغَةٍ خَبَرِيَّة، مثل: رَحِمَ الله فلاناً وغَفَرَ له، أو يَرْحَمُ الله فُلاناً ويَغْفِر له. والدعاءُ الموجَّه لله من أجَلِّ العبادات، والدعاءُ وفْقَ المعنى الديني الموجّه لغير الله شِرْكٌ بالله، والله لا يغفر أن يُشْرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وقد يتأدّب الداعي مع ربّه، في طلب بعض حاجاته الدنيوية، كما فعل موسَى ﵇، وهو عند ماءِ مَدْين، إذْ قال كما جاء في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) :

стр. 247

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [الآية: ٢٤] . فاستجاب الله طلبه الذي ألمح إليه دون تصريح، فدَعَاه الشيخ والد المرأتين اللَّتَيْن سقا لهما إلى منزله، وبعد أن قصّ عليه قصة خروجه من مصر، عرض عليه أن يُنْكِحَهُ إحدى ابْنتَيَيْه، فَتَمّ ذلك. وتأدب رسولُ الله محمد ﷺ مع ربّه، وفي نفسه أن يُحَوِّل الله القبلة إلى الكعبة المشرّفة، فجعل يقلّب وجْهَهُ في السّماء، فقال الله له كما جاء في سورة (البقرة / ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الآية: ١٤٤] . وتَأَدَّبَ أيضاً صلواتُ الله عليْه مع ربّه في دعائه الصريح، فلَمْ يَشْكُ ما يَتَعَلَّقُ بشَخْصِه من عداء قومه له، وتَدْبيرهِمْ وسائل محاربته وقمعه، واقتصر على ما يتَعلَّق بأمْرِ تبليغ القرآن، ومُتَابعةِ تذكير قومه به، فقال كما جاء في سورة (الفرقان/ ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول) : ﴿وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هاذا القرآن مَهْجُوراً﴾ [الآية: ٣٠] . فجاء الجواب الرّبّاني متعلّقاً بما كتمه الرسول ولم يُصَرِّح به، فقال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الآية: ٣١] . فبدأ العلاجُ القرآني بما كتمه الرسولُ ﷺ في دعائه ولم يُصَرِّحْ به. ***

стр. 248

(٦) النوع السادس: الاستفهام تعريفه: الاستفهام: هو من أنواع الإِنشاء الطّلبي، والأصل فيه طلَبُ الإِفْهامِ والإِعْلاَمِ لتَحْصِيلِ فائدةٍ عمليّةٍ مجهولةٍ لدَى الْمُستَفْهِم. وقَد يُراد بِالاستفهام غيْرُ هذا المعنى الأصليّ له، ويُسْتَدلُّ على المعنى المراد بالقرائن القوليّة أو الحالية، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. *** أقسام أدوات الاستفهام للاستفهام طائفةٌ من الأدوات، وهي تقع في ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يُسْتَفْهَمُ به عن التصوُّر والتصديق، وهو "همزة الاستفهام" فقط، وهو حرفٌ لا يكون له محلُّ من الإِعراب في الجملة. القسم الثاني: ما يُستَفْهَمُ به عن التصديق فقط وهو لفظ "هَلْ" وهو حرفٌ أيضاً، لا يكونُ له محلُّ من الإِعراب في الجملة. القسم الثالث: ما يُسْتَفهَمُ به عن التَّصَوُّر فقط، وهي سائر أدوات الاستفهام، وهذه جميعُها أسماء، وهي: "مَا - مَنْ - أَيٌّ - كَمْ - كَيْفَ - أَيْنَ - أَنَّى - مَتَى - أَيَّانَ". التّصوّر: هو إدْراكُ المفرد، ويُطْلَبُ بالاستفهام عن التصّور إدْراكُ المسند إليه، أو إدْراكُ المسند، لتعيينه، ويكونُ الجوابُ بتعيينِ المسؤول عنه، مُسْنداً كان أو مُسنداً إليه. مثل: * أضَرَبَ خالدٌ أَمْ أكل؟ والجواب: ضرب - أو - أَكل.

стр. 249

* أضُرِبَ زَيْدٌ أم عَمْروٌ؟ والجواب: عَمْرو - أو - زَيْدٌ. * متى يُفْطِرُ الصّائم؟ والجواب: إذا غربتِ الشمس. التصديق: هو إدْراك النسبة الحكميّة بين المسند والْمُسْنَد إليه، موجبةً كانت أو سالبة. مثل: * هل بُعِثَ خَاتم المرسلين؟ والجواب: نعم، بُعِث. * هل ظهر المسيح الدجال؟ والجواب: لا، لم يظهر بَعْدُ. ولكلّ أداة من أدوات الاستفهام صفاتٌ وخصائص، وفيما يلي بيان ذلك إن شاء الله. *** شرح أدوات الاستفهام وبيان ما يتعلّق بكُلٍّ منها الأداة الأولى: همزة الاستفهام "أ" ويُسْتَفْهم بها كما سبَقَ بيانُه عن التصوّر والتصديق، وهي أصل أدواتِ الاستفهام كلّها. ويرى "سيبويْهِ" أن العرب تركوا النُّطق بهمزة الاستفهام مع سائر أدوات الاستفهام لأنّهم أَمِنُوا الالتباس، فاكتسبَتْ هذه الأدواتُ معنى الاستفهام بالتداول. قال ابن مالك في "المصباح": "ما عدا الهمزة نائبٌ عنها، ولكونه "أي: الاستفهام" طلبَ ارْتِسَام صورةِ ما في الخارج في الذهن، لزم أن لا يكون حقيقةً إلاَّ إذا صَدَرَ من شَاكٍّ مُصدِّقٍ بإمكان الإِعلام، فإنّ غير الشاكّ إذا استفهم يلزمُ منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يُصدّقْ بإمكان الإِعلام انْتَفَتْ عنه فائدة الاستفهام".

стр. 250

* وتختصّ همزة الاستفهام عن سائر الأدوات بعدّة خصائص، هي الخصائص التالية: (١) جواز حَذْفِها وتقديرها ذهناً، مثل ما جاء في قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) في حكاية قول فرعون لسحرته بعْدَ أنْ غُلِبُوا وأعلَنُوا إيمانهم: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ ... ﴾ [الآية: ١٢٣] . أي: أآمنُتُمْ به؟ (٢) أنَّها أداةٌ يُطْلَبُ بها التصوّر، ويُطْلبُ بها التصديق، كما سبق بيانه. ويكْثرُ في طلب التصوّر بها أن يُذْكَر للمسْتَفْهَم عنه معادلٌ بعد "أم" وتسمَّى عندئذٍ همزة التسوية، مثل: * أخالد بن الوليد فتح دمشق أم أبو عبيدة بن الجرّاح؟ * ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ ؟ [البقرة: ١٤٠] . * ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؟ [النمل: ٥٩] . * ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . أي: سواءٌ عليهم إنذارُكَ وَعَدَمُه. * ألَحْمَ عِجْلٍ أطْعَمْتنا؟ فإذا طُلِبَ بها التصديق (وهو إدراكُ النسبة الحكميّة في الجملة) امْتَنَع ذِكْرُ معادلٍ للمستفهم عنه بها، مثل: * ﴿أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] . * ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] . * ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ [الضحى: ٦] .

стр. 251

* ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] . (٣) أَنَّها تَدْخُلُ على الإِثبات، وتدخل على النفي، مثل: * أدَرَسْتَ مادَةَ التفسير؟ * ألَمْ نَشْرَحْ لكَ صَدْرك؟ * ... أَبَعْدَ بَنِي عَمْروٍ أُسَرُّ بِمُقْبِلٍ ... مِنَ الْعَيْشِ أَوْ آسَى عَلَى إِثْرِ مُدْبِرِ (٤) أنّها لا يَلِيها إلاّ المسؤول عنه، سواءٌ أكان مسنداً، أَمْ مُسْنداً إليه، أَمْ مفعولاً به، أم حالاً أم ظَرْفاً أم غير ذلك من متعلقات الفعل. (٥) أنّ لها تمامَ الصدارة، فتُقَدَّم في الجملة حتّى على حروف العطف، مثل: * ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ ... ﴾ ؟ [الأعراف: ١٨٥] . * ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ﴾ ؟ [الروم: ٩] . * ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ... ﴾ ؟ [يونس: ٥١] . أمّا سائر أدوات الاستفهام فتتأخَّرُ عن حروف العطف، وتتأخّر عن "أمْ" التي للإِضراب، مثل: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ؟ - فَأيْنَ تَذْهَبُونَ؟ - فأنى تُؤْفَكُونَ؟ - فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون؟ - فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن؟ - فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن؟ - أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء؟﴾ . إلى غير ذلك من خصائص ذكرها النحاة. *** الأداة الثانية: كلمة "هل" وهي أداة يستفهم بها عن التصديق فقط، فلا يُذْكر مع الْمُسْتَفْهَمِ عنه بها معادل، بخلاف همزة الاستفهام، وهي "حرف" كالهمزة.

стр. 252

والأصل في كلمة "هل" أن تدخُلَ على جملة فعليّة، فِيَلِيَهَا فِعْلٌ لفظاً أَوْ تقديراً مثل: * قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ؟ ... ﴾ [الآية: ٣٣] . * وقول الله في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور؟ ... ﴾ [الآية: ١٦] . * وقول الله في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول) : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ [الآية: ١٥] . فإذا عُدِل عن الجملة الفعليّة فأدخلت "هل" على الجملة الاسمية، فذلك لنكتة يلاحظها الْبُلَغَاء، وهي جعل ما سيحصل كأنّه حاصل موجودٌ فعلاً، اهتماماً بشأنه، أو تأكيداً للرغبة بتحقُّقِ وُقُوعِهِ، مثل: * قول الله في معرض الحديث عن داوُد ﵇ في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) : ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ؟ [الآية: ٨٠] . أي: فهل ستكونُونَ حقاً شَاكِرينَ، أو هو استفهام تضمّن معنى الحضّ على الشكر. * قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) بشأن الخمر والميسر، خطاباً للذين آمنوا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ ؟! [الآية: ٩١] .

стр. 253

أي: فَهَلْ سَتَنْتَهون، أو هو استفهامٌ تضمّن معنى الحضّ على الطاعة. ولا تدخل أداة "هل" على: [النفي - والمضارع الذي للحال - والشّرط - حرف "إنّ" الذي ينصب الاسم ويرفع الخبر - وحرفِ العطف] . بخلاف الهمزة في كلّ ذلك. *** الأداة الثالثة: كلمة "ما" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ومعناها "أيُّ شيء؟ " وهي للاستفهام عن غير العقلاء، والمطلوب بها أحد أمور ثلاثة: الأمر الأول: إيضاح الاسم وشرحه، مثل: * ما النُّضار؟ وجوابه: الذهب. أو الخالِصُ من كلِّ شيء. * ما اللُّجَيْن؟ وجوابه: الفضّة. * ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين * قَالَ رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٨] [الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) . في هذا النصّ نلاحظ أنّ سؤال فرعون عن ربّ العالمين هو سؤالٌ عن شرح الاسم، أي: ما معنَى "رَبّ العالمين". إنّه لا يجهل معنى كلمة "رَبّ" ولا معنى كلمة "العالمين" لكنّه سأل عن الاسم المؤلّف من "ربّ العالمين". فشرح له موسَى ﵇ بقوله: "رَبُّ السَّمَاواتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا". فاتَّهَمَهُ فِرْعَوْنُ بالجنون، لأنَّه ذكر أنّ السَّمَاواتِ والأَرْض وما بينهما خاضعةٌ لسلطان رَبٍّ واحد، وهو يتصوَّرُ أنّ الكائنات يتحكَّمُ بها أربابُ مُتَعدِّدُون، وهو رَبُّ إِقليم مصر.

стр. 254

فتنزّل موسى ﵇ إلى مستوى إدْراك فرعون، فقال له ولِمَلَئِه: رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِب وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. أي: هو المتَصَرِّفُ بعمليّات الْخَلْق والتَّدْبِيرِ في هذِهِ الأَرْضِ من مَشْرِقِهَا إلَى مَغْرِبها، ومن ذلك حدود سلطانك في مصر يا فرعون. عندئذٍ اسْتكْبَر فرعونُ حِينَ فهم مراد موسَى ﵇، فقال له: ﴿لَئِنِ اتخذت إلاها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ [الآية: ٢٩] . أي: لَئِنْ اتَّخَذْتَ مَعْبُوداً غَيْرِي. الأمر الثاني: بَيَانُ حقيقةِ الْمُسَمَّى، مثل: * ما الْحَسَد؟. وجوابُه مثلاً: تَمَنِّي زَوالِ النعمة عن المحسود. * ما الكِبْرُ؟. وجوابُه: "بَطَرُ الْحَقِّ وَغْمْطُ النّاس". الأمر الثالث: بيان صفات المسؤول عنه وأحواله الخاصة أو العامة، مثل: * ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [الآيات: ١٧ - ١٨] [طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) . * أَنْ تَقُولَ لقادم عليكَ وأنت لا تعرف صفاته: مَا أَنْت؟ * قول المتنبّي في مَدْح سيف الدولة: لَيْتَ الْمَدَائِحَ تَسْتَوْفِي مَنَاقِبَهُ ... فَمَا كُلَيْبٌ وَأَهْلُ الأَعْصُرِ الأُوَلِ؟ أي: فَمَا صفاتُ كُلَيْب بجانبِ صفاتِهِ، وكان العربُ يقولون: أعزُّ من كليب بن وائل. ومَا صفاتُ الملُوكِ الأوّلين بجانب صفاته ومناقبه، ومرادُه التعظيم من مناقبه وصفاته، والتقليل من صفات السّابقين من سادَة العرب.

стр. 255

الأداة الرابعة: كلمة "مَنْ" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، قالوا: ويُطْلَبُ بها تعيينُ أحد العقلاء، أو العلماء، مثل: * ﴿قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا؟ ... ﴾ [الآية: ٥٢] (يَس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) . * ﴿ ... وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ... ﴾ [الآية: ١٣٥] (آل عمران/ ٣ مصحف/ نزول ٨٩) . * قول الشاعر: وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا؟ ... كَفَى الْمَرْءَ نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُه *** الأداة الخامسة: كلمة "متَى" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ويُسْتَفْهَمُ بها عن الزمان ماضياً كان أم مستقبلاً، فلها محلٌّ في الإِعراب في الجملة، كسائر الأسماء، مثل: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [الآية: ٢١٤] . * مَتَى قَامَتِ الْحَرْبُ العالميّة الثانية؟ * متَى يُفِيضُ الحاجّ من عَرَفَات يوم عرفة؟ * وقولي صانعاً مثلاً: *وَقَالُوا: مَتَى شَمْسُ الْهِدَايَةِ أَشْرَقَتْ؟ * فَقُلْتُ: بِعَامِ الْفِيلِ فِي الْحَرَمِ الْمَكّي* *** الأداة السّادسة: كلمة "أَيّانَ" وتأتي اسْمَ استفهام، ويستَفْهَمُ بها عن الزمان،

стр. 256

مثل "متى" ومعناها "أَيُّ حين" وتختصُّ بالاستفهام عن الزمان المستقبل، وتُسْتَخْدَمُ في الموضع الذي يَحْسُنُ فِيه التهويل والتعظيم، وتضخيمُ أمره، مثل: * قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا؟ ... ﴾ [الآية: ١٨٧] . * وقول الله في سورة (القيامة/ ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول) : ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ ؟ [الآيات: ٥ - ٦] * وقولي صانعاً مثلاً: أَيَّانَ يَأْتِي الْحَدَثُ الْعَجِيبُ ... وَيَرْتَضِي زَوْرَتَنَا الْحَبِيبُ؟ *** الأداة السابعة: كلمة "كَيْفَ" وَتأتي اسم استفهام، ويُسْتَفْهَمُ بها عن الحال، ويُطلَبُ بها تعيينُ الحال مثل: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿ ... وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ... ﴾ ؟ [الآية: ٢٥٩] . * وقول الشاعر: إِلَى اللَّهِ أَشْكُو بِالْمَدِينَةِ حَاجَةً ... وَبِالشَّامِ أُخْرَى كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ؟ *** الاداة الثامنة: كلمة "أَيْنَ" وَتأتي اسم استفهام، ويُسْتَفْهَمُ بِهَا عن المكان، وهي مبنيّةٌ على الفتح في كلّ حالاتها، مثل: * قول الله في سورة (القيامة/ ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول) : ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر * وَخَسَفَ القمر * وَجُمِعَ الشمس والقمر * يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾ [الآيات: ٧ - ١٠] .

стр. 257

* وقول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الآية: ٢٢] . * قول الشاعر: فَأَيْنَ إلَى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي ... أَتَاكَ أَتَاكَ اللاَّحِقُّون. أحْبِسِ أحْبِسِ يخاطب نفسه بقوله: "أتاكَ أتاكَ". *** الأداة التاسعة: كلمةُ "أنَّى" وَتأتي اسماً من أسماء الاستفهام بمعنى "مِنْ أيْنَ؟ " وبمعنى: "كَيْفَ؟ " وبمعنى "متى؟ " وبمعنى "أيْنَ؟ " فلها أربعة معانٍ. أمثلة: * قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) بشأن مريم ﵍: ﴿ ... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامريم أنى لَكِ هاذا﴾ [الآية: ٣٧] ؟. أَنَّى لَكِ هذَا؟ : من أَيْنَ لَكِ هَذَا؟. * وقول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) بشأن زكريّا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الآية: ٤٠] . أَنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ؟ : كَيْفَ يَكُونَ لي غُلاَمٌ؟ * وقول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :

стр. 258

﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ ... ﴾ [الآية: ٢٢٣] ؟. فأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم؟ : أي: متى شِئْتم؟، وكيف شِئْتُمْ؟ ولكِنْ من مكان الْحَرْثِ الّذِي يُنْبِت الزَّرْع. * وقول الله في سورة (المنافقون/ ٦٣ مصحف/ ١٠٤ نزول) بشأن المنافقين: ﴿هُمُ العدو فاحذرهم قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الآية: ٤] ؟. أَنَّى يُؤْفَكُونَ: أي: أَيْنَ يُصْرَفُونَ وَيَذْهَبُونَ؟. *** الأداة العاشرة: كلمة "كم" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ويستفهم بها عن العدد، ويطلب بها تعيين العدد، ومعناها: أيُّ عَدَد، مثل: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ؟ [الآية: ٢١١] . * قول الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) في عَرْض قصة أهل الكهف: ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ... ﴾ [الآية: ١٩] . * وقول الله في سورة (المؤمنين/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) بشأن سؤال المَبْعُوثين يَوْمَ الْبَعْثِ عَنْ مُدَّةِ إقامتِهِمْ في الأرض موتى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ العآدين * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١١٢ - ١١٤] . * وقولي صانعاً مثلاً:

стр. 259

قُلْتُ لاِبْنِي: كَمْ زُرْتَني عَبْرَ عَشْرٍ ... مُنْذُ فَارَقْتَ مَنْزِلي؟ قَال: عَشْراً قُلْتُ: يَكْفِيكَ أنْ يَزُورَكَ أبْنَا ... ؤُكَ في الْعَامِ مَرَّةً؟ قال: عُذْراً *** الأداة الحادية عشرة: كلمة "أيّ" وتأتي اسماً من أسماء الاستفهام، ويُسْتَفْهَمُ بها لتعيين أحد المتشاركين في أَمْرٍ يَعُمُّهُما، سواءٌ أكانَا شخصين مِمَّنْ يَعْقِلْ، أَم مِمَّا لاَ يَعْقِل، أو زمانين، أو مكانين، أو حالَيْن، أو عددين، أو غير ذلك، وتكُونُ بِحَسَبِ ما تُضاف إليه، نحو: "أيّ الرجلين؟ - أي المرأتين؟ - أيُّ الزمانين؟ - أيُّ المكانين؟ - أيُّ الحالين؟ - أيّ العدَدَيْن"؟. أمثلة: * قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... ﴾ [الآية: ١٩] . * وقول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) في حكاية محاجّة إبراهيم ﵇ لمشركي قومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؟ [الآية: ٨١] . * وقول الله في سورة (الرحمن/ ٥٥ مصحف/ ٩٧ نزول) خطاباً للجن والإِنس: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ؟ [الآية: ١٣] وهي مكرّرة فيها. *** خروج الاستفهام عن أصل دلالته إلى معاني أخرى كثيراً ما يخرج الاستفهام عن إرادة طلب الإِفْهامِ والإِعلام إلى معانٍ أخرى

стр. 260

أشار إليها به، ويُسْتَدَلُّ علَيْهَا مِنْ قرائِنِ الحال أو قرائن المقال، إذْ يَسْتَغْنِي الْبُلَغاء بعبارات الاستفهام عن ذكر الألفاظ الدّالة دلالةً صَريحةً على مَا يُريدون التَّعْبيرَ عَنْهُ مِنَ المعَاني، وبلاغةُ الدّلالة على هذه المعاني بأسْلُوبِ الاسْتفهام آتيةٌ من التعبير عنها بصورة غير مباشرة وهيَ دلالاتٌ تُتَصيَّدُ بالذكاء. قال شمس الدين ابن الصائغ في كتابه "روض الأفْهام في أقسام الاستفهام": "وقد توسعت العرب، فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعانٍ، أو أشربته تلك المعاني". وقد أحصى البلاغيّون معاني كثيرة خرج إليه الاستفهام عن حقيقته، إذْ تَنَبَّهُوا إليها لدى دراسة مُخْتَلِف النصوص، وهي ما يلي: "١- الإِنكار ٢- التوبيخ ٣- التقرير ٤- التعجّب أو التعجيب ٥- العتاب ٦- التذكير ٧- الافتخار ٨- التفخيم والتعظيم ٩- التهويل والتخويف ١٠- التسهيل والتخفيف ١١- التهديد والوعيد ١٢- التكثير ١٣- التسوية ١٤- الأمر ١٥- التنبيه ١٦- الترغيب ١٧- النهي ١٨- الدعاء ١٩- الاسترشاد ٢٠- التَّمنّي والترجّي ٢١- الاستبطاء ٢٢- العرض ٢٣- التحضيض ٢٤- التجاهل ٢٥- التحقير والاستهانة ٢٦- المدح والذّم ٢٧- الاكتفاء ٢٨- الاستبعاد ٢٩- الإِيناس ٣٠- التهكّم والسخرية ٣١- الإِخبار ٣٢- التأكيد" إلى غير ذلك من معادنٍ. أقول: من طبيعة الإِنسان إذا لم يُرِد التصريح بالمعنى الذي يَقْصِده، فإنّه يتّخذ للإِشعار به أسلوباً غير مباشر.

стр. 261

ومن الأساليب الذكيّة غير المباشرة أن يحاول جعل المخاطَب هو الذي يعبّر بنفسه عن المعنى، أو يُدْرِكُه بنفسه ولو لم يُعبِّر عنه بكلامه. والطريق السهل للوصول إلى هذه الغاية، أن يطرح على المخاطب جملةً استفهاميَّةً موجّهةً توجيهاً خاصّاً، إذ يحيطها بقرائن تجعله يدرك المعنى بنفسه، سواء عبّر عنه بالجواب أو لم يُعَبِّر. ولمّا كانت المعاني التي يمكن الإِشارة إليها من طرفٍ خفيّ كثيرة جدّاً، ويُمْكنُ استدعاؤها إلى الذهن عن طريق طرح السُّؤال الذي لا يُصَرَّحُ فيه بالمراد، كان من الأمر الطبيعيّ في الكلام أن يُصَاغ فيه جُمَلٌ استفهاميّة محفوفةٌ بقرائن الحال أو المقال، بغيَةَ استدراج المخاطَب لإدراكها، وقد يُصَرِّح في جوابه بما أدرك من معنى، أو يكتفي بإدراك المراد، ويعلم أن السؤال قد طُرِح لمجرّد إفهامه الغرض من السؤال. والمحققون من علماء البلاغة يَرَوْنَ أَنَّ معنى الاستفهام يبقَى ولكن ينضم إليه ما يُستفاد منه من المعاني التي يُدَلُّ بِه عليها. *** شرح المعاني التي يُدَلُّ عليها بالاستفهام مع الأمثلة (١) شرح الاستفهام المستَعْمَل في الإِنْكار: ويُسَمَّى استفهاماً إنكاريّاً، ويُرادُ منه النفي، مع الإِنكار على المثْبِتِ كَيْفَ أَثْبَتَ مَا هو ظاهر النفي، وكانَ الواجبُ عليه أن يَنْفِي، أو مع الإِنكار على المخاطب قضيَّته، وهي باطلةٌ في تصوُّرِ مُوجِّه الاستفهام. وقد يأتي بعدُه الاستثناء كما يأتي بعد المنفي بأداةٍ من أدوات النفي، وقد يعطفُ عليه المنفي.

стр. 262

وكثيراً ما يصحبُه التكذيب، وهو في الماضي بمعنى "ما كان" وفي المستقبل بمعنى "لا يكون" وقد يُشْرَبُ الإِنكار معنى التوبيخ والتقريع. أمثلة: * قول الله في سورة (الأحقاف/ ٤٦ مصحف/ ٦٦ نزول) : ﴿ ... بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون﴾ [الآية: ٣٥] . أي: لاَ يُهْلَكُ إِهلاكاً عامّاً شاملاً بعقوبةٍ دُنيويَّةٍ معجَّلةٍ إلاَّ الْقَوْمُ الفاسِقُون، من مستوى فسق الظلم الكبير فلا يكونون فاسقين إلاَّ وهُمْ ظالمون، وكذلك العكس، ولذلك جاء في (الأنعام/ ٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون﴾ ؟ [الآية: ٤٧] . * وقول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٦ نزول) حكاية لمقالة نوحٍ ﵇ له: ﴿قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ ؟ [الآية: ١١١] . أي: لاَ يكونُ منّا إيمانٌ بكَ وَإِسْلامٌ لَكَ والحالُ أنَّه اتَّبَعك الأَرْذَلُون. * وقول الله في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) حكاية لمقالة ثمود بشأن الرسول صالح ﵇: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر * فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٤] . أي: لا نَتَّبِع بشراً منَّا واحداً لمجرّد ادّعائه أنّه رسولٌ من ربّه، إنَّنا إذا اتّبعناه كُنَّا إذاً في ضلالٍ في مسيرتنا وجنونٍ في عقولنا. * وقول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) :

стр. 263

﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [الآية: ٢٩] . أي: لاَ أحد يحكم بالهداية لِمَنْ حَكَم الله عليهم بالضّلال، ومَا لهم من ناصرين ينصرونهم فيدفَعُون عنْهُمْ عذَابَ الله. فجاء في هذه الآية عطف الجملة المنفيّة على الاستفهام الإِنكاري، إذ معناه النفيُ. * وقول الله في سورة (الإسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) : ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الآية: ٤٠] . أي: أفَآثَرَكم رَبُّكُمْ بِالبنين على نفسه ... ؟ والمعنى: ما فَعَلَ ذلك ولم يتّخذ من الملائكة إناثاً لنفسه. * وقولُ الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) حكايةً لمقالة هود ﵇ لقومه: ﴿قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [الآية: ٢٨] . أي: لاَ نجْبرُكُمْ بِالإِكْرَاهِ على اتِّباعِ مَا جئتُكُمْ به، فاتّباع الدين لا يكن إلاَّ بإرادةٍ اختياريّة، إذْ لا إكْرَاهَ في الدين. * وقول امرىء القيس: أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَاب أغْوَال؟ ***

стр. 264

(٢) شرح الاستفهام المستعمل في التوبيخ والتقريع: ويسمَّى استفهاماً توبيخيّاً، أو تقريعيّاً. التقريع: توجيه اللّوم والعتاب الشديد الموجع، وأصْلُ الْقَرْعِ الضَّرْبُ. والاستفهام التوبيخي قد يُوجَّهُ للتوبيخ على فعل شيءٍ غير حَسَنٍ في نظر موجّه الاستفهام، أو تركِ فعْلٍ كانَ ينبغي القيامُ به في نظر موجّه الاستفهام. أمثلة: * قول موسى لأخيه هارون بشأن اتّخاذ قومه العجل، فيما حكاه الله في سورة (طه/٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) : ﴿قَالَ ياهرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؟ [الآيات: ٩٢ - ٩٣] . فَمُوسَى ﵇ يلوم أخاه بشدَّةٍ على أمْرٍ ظَنَّ أنَّهُ ارتكَبَهُ، وَهُو معصيةُ أَمْرِه، لكنَّ هارُونَ ﵇ اجْتَهَد وَلَمْ يَعْصِ، والمعنى: مَا مَنَعَكَ عَنِ اتَباعي وحَمَلَكَ على ألاَّ تتَّبِعَني. * وقول إبراهيم ﵇ لقومه بشأن أصنامهم التي يعبدونها، فيما حكاه الله في سورة (الصّافات/ ٣٧ مصحف/ ٥٦ نزول) : ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؟ [الآيات: ٩٥ - ٩٦] . فإبراهيم ﵇ يوبّخهم على أنّهم يَعْبُدون أوثاناً ينحوتها بأيديهم، والله خلقهم وخلق أوثانهم التي يعبدونها، وهو الذي يجب أن تكون العبادة له وحده. * وقول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/٨٧ نزول) خطاباً لبني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؟ [البقرة: ٤٤] .

стр. 265

الشاهد في الآية قوله تعالى: [أَفَلاَ تَعقِلُون؟] وفي ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر ... ﴾ ؟ معنى التعجيب منْ فعلهم كما سيأتي إن شاء الله. * قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فأولائك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ [الآية: ٩٧] . فالملائكة تُوبِّخُهُمْ وَتُقَرِّعُهُمْ لأنّهم لم يُهَاجروا من الأرضِ الّتي كانوا مستضعفين فيها، ورَضُوا بأن يكونوا ظالمي أنفسهم طاعةً للجبَّارين، من أنّ أرض الله واسعة، وكان بإمكانهم أن يهاجروا إلى أماكن لا يُكْرَهُونَ فيها على مَعْصِية الله. * قول العجّاج: أَطَرَباً وَأَنْتَ قَيْسَرِيُّ ... والدَّهْرُ بِالإِنْسانِ دَوَّارِيُّ؟ الْقَيْسَرِيُّ: الشيخ الكبير، أي: أتطربُ وأنت شيخ كبير؟ ويُرْوى "قِنَّسْريُّ" كما في اللّسان. وهو الشيخ الكبير أيضاً. *** (٣) شرح الاستفهام المستعمل في التقرير: ويُسمَّى استفهاماً تقريريّاً، والمرادُ منه حَمْلُ المخاطَب على الإِقْرار والاعتراف بأمْرٍ قد استقرّ عنده العلْمُ به، أو هو أمْرٌ باستطاعته معرفته حِسِّيّاً أو فكْرِيّاً، موجباً كان أو سالباً. فمن ادَّعَى أنَّكَ جئْتَه وأنْتَ لم تأته، قد توجّه له استفهاماً تقريريّاً قائلاً: هَلْ أَنَا جئتك؟ ومتَى جئتُك؟ وَمَاذَا كَانَ حين الْتَقَيْتُكَ، لتنزعَ منْه الإِقرارَ والاعْتِرافَ بأنَّك لم تَأْتِهِ. ومن بَدا عليه أماراتُ إنكارِ أمْرٍ وقع، قَدْ توجِّه له استفهاماً تقريرياً، قائلاً:

стр. 266

أَلَمْ يحدُثْ كذا؟ أَلَمْ أفعلْ كذا؟ ألَمْ يكُنْ منْكَ كذا وكذا؟ لِتَنْتَزعَ منه الإِقرار الاعتراف بالأمر الذي قد حدث ووقع فعلاً. أمثلة: * قول الله لرسوله في سورة (الشرح/ ٩٤ مصحف/ ١٢ نزول) : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الآيات: ١ - ٤] . * وقول الله له في سورة (الضحى/ ٩٣ مصحف/ ١١ نزول) : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ؟ [الآيات: ٦ - ٨] . * وقول الله للمكذّبين بيوم الدّين في سورة (المرسلات/ ٧٧ مصحف/ ٣٣نزول) : ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢٤] . * وقول إبراهيم ﵇ لمشركي قومه بشأن أوثانِهِم لانتزاع إقراراهم، فيما حكاه الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) : ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الآيات: ٧٢ - ٧٣] . فإذا لم يُقِرُّوا بألسنتهم بأنّ أوثانهم لا تَسْمَعُهم، فإنهم لا بُدَّ أنْ يُقِرُّوا بذلك في قلوبهم. * قول الله في سورة (الفجر/ ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول) : ﴿والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر * والليل إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ ؟ [الآيات: ١ - ٥] . الظاهر من الاستفهام في هذا النصّ أنّ الغرض منه انتزاع إقرار ذوي الفكر

стр. 267

والعلم والعقل بأن القسم بهذهِ الأشياء قسمٌ عظيم يثبت صدق وعيد الله، وأنّه بالمرصاد للمجرمين المفسدين في الأرض. * وقول في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) : ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ... ﴾ [الآية: ٣٦] ؟. * وقول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ ... ﴾ [الآية: ١٧٢] . فَمِنَ الظَّاهر في هذِهِ الأمْثلة أنّ الاستفهام فيها مُسْتَعْمَلٌ لاستِدعاء المخاطب إلى الإِقْرار بقضيَّةٍ مُوجَبَةٍ أو سالبة جرى حولها الاستفهام. فالجواب المستدْعَى في أمْثلة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ - أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى؟ - أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ؟ - أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ - أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ؟ هو: "بَلَى" وَكلمة الجواب هذه تدلُّ على نقيض المستَفْهَمِ عنه، أي: شَرَحْتَ صدْرِي - وَجَدني يتمياً فآوى - خَلَقْتَنَا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - اللهُ كافٍ عَبْدِهُ - أنْتَ رَبُّنا. والجوابُ المستدعى في مثال: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] هو: "لا" إذ الأوْثانُ المعنيَّةُ في الاسْتفهام لا تَسْمَعُ ولاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ. والجوابُ المستدعى في مثال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] هو: "نعم" أي: من تفكَّر بعقلٍ حصيفٍ في هذهِ الأشياء التي أقْسَمَ الله بها وَجَدها مؤكِّدة حقّاً لمضمون الْمُقْسَمِ عليه، وذلك لأنَّ الأزمان الّتي أقْسَمَ الله بها هي أزمان إهْلاك الله الأُمَمَ السَّابقة، وظاهرٌ أنَّ القَسَمَ بأزمَانٍ خاصة هو قَسَمٌ بالأَحْدَاثِ العظيمة التي جرتْ فيها، وهذه الأحداث أدلّةٌ تجريبيّةٌ ماضية تؤكد صدق الخبر بحدوث أشباهها مستقبلاً عند وجود المقتضيات المماثلات للمتقضيات التي حدثت بسببها الأحداث الماضية، لأنّ سنة الله القائمة على حكمته سنة دائمة، لا تتغيّر ولا تتبدّل. ***

стр. 268

(٤) شرح الاستفهام المستعمل في التعجُّب أو التعجيب: ويُسَمَّى اسْتِفْهَاماً تَعْجُبيّاً حين يَكونُ صَادِراً مِنْ متعجِّبٍ فعلاً، ويُسَمَّى اسْتِفْهَاماً تَعْجِيبيّاً حينَ يكونُ الغرض من إيراده إثارَةَ الْعَجَب عنْد مَنْ يخاطَبُ بهِ أو يتلقَّاهُ، منه ما يكون صادراً عن الله ، إذْ ليْسَ صفاتِهِ سبحانه أن يتعجَّب تَعَجُّبَ استِغْرابٍ واستبعاد، نظراً إلى سابقِ علمه تعالى بكلّ ما يحدُثُ منْ عباده قبْلَ حدوثه، وعِلْمِهِ بخلقِه وَصفاتِهِمْ وخصائصهم النّفسية والسلوكيّة. وما ورد في بعض الأحاديث النبويّة منْ نسبة العجب إلَى الله فهو بمعنى الاستحسان المقتضي للرّضى والمثوبة. أمثلة: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؟! [الآية: ٢٨] . الاستفهام في هذه الآية استِفْهَامٌ تَعْجيبيٌّ فيه معنَى التَّوْبيخِ والتْلويم والتَّأْنِيب والتَّقْريع، فَالْمَعْنَى أَنَّ كُفْرَكُمْ باللَّهِ مَعَ كَوْنِكُمْ كُنْتُمْ أَمْواتاً فأحْيَاكُمْ ولم تُحْيُوا أنتم أنْفُسَكُمْ، أمْرٌ ينْبَغِي أن تَعْجبُوا منه قبل غيركم، وأمْرٌ يتعجّبُ منه كلُّ العقلاء من أهل الرشد. فحالُكم يثير التعجُّب والاستغراب، كيف يصْدُرُ من ذوي عقول وأفكار؟!. * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً لعلماء بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكتاب أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؟! [الآية: ٤٤] . فالاستفهامُ في ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر﴾ الذي يخاطب اللهُ به علماء بني إسرائيل استفهامٌ فيه معنى التَّعْجيب مِنْ حالِهِمْ مع التوبيخ والتَّلْويم والتقريع، إذْ

стр. 269

يأمُرونَ الناسَ منْ عَامَّةِ بني إِسرائيل بالبرّ (أي: بالتَّوَسُّعِ في أعْمالِ الخير فوْقَ الواجبات) وأنْ يتركوا مَعَ ذَلك أنْفُسَهم فلا يؤدّوا ما فرض الله عليهم وأَخَذَ عليهم به الْعَهْدَ من الإِيمان بالرسول الخاتم واتّباعه، وهم يتلون كتاب التوراة، وفيه تكليفهم أنْ يؤمنوا بالرَّسول النبيِّ الأُمّيِّ الّذي يأْمُرُهُمْ بالْمَعْرُوف ويَنْهَاهم عن المنكر، ويُحِلُّ لهم الطَّيباتِ ويُحَرِّمُ عليْهِمُ الخبائث، ويَضْعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُم والأَغَلاَلَ الَّتِي كانت عليهم. * قول الله في سورة (النَّمْل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) في حكايةِ تفقُّدِ سُليمانَ ﵇ الطَّيْرَ واسْتِفهامه عن الْهُدْهُد إذْ لم يَرَهُ بينها: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين﴾ [الآية: ٢٠] . فالاستفهامُ في ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾ ؟ اسْتِفْهَامٌ تَعَجُّبِيٌّ، إذْ تعجَّب سليمانُ ﵇ مِنْ عدم رؤيته الْهُدْهُدَ مع أَنواع الطَّيْرِ وليْسَ من عادته أن يتخلَّف. * وقول الشاعر: مَالِي أَرَاكُمْ تُنْكِرُون مَكَانَتِي؟! ... الشَّمْسُ لاَ تَخْفَى معَ الإشرَاقِ * قول أبي تمَّام: مَا لِلْخُطُوبِ طَغَتْ عَلَيَّ كَأَنَّهَا ... جَهِلَتْ بِأَنَّ نَدَاكَ بالْمِرْصَادِ؟! الْخُطُوب: مُفْرَدُهَا "خَطْبٌ" وهو الأَمْرُ الشّديد الذي يكثُر فيه التخاطب. فأبو تمَّام يُبْدِي عجَبَهُ منْ طُغْيانِ الشدائدِ عليه مع أنَّ ممدوحه قائم بالمرصاد لها يدفعها عنه بنداه، أي: بعطاياه. * قول المتنبّي في سيف الدولة وهو يعودُه منْ دُمَّلٍ كَانَ فيه: وَكَيْفَ تُعِلُّكَ الدُّنْيَا بِشَيءٍ ... وأَنْتَ لِعِلَّةِ الدُّنْيَا طَبِيبُ؟! وَكَيْفَ تَنُوبُكَ الشَّكْوَى بِدَاءٍ ... وَأَنْتَ الْمُسْتَغَاثُ لِمَا يَنُوبُ؟!

стр. 270

أي: إنّ هذا لأمْرٌ يستَحِقُّ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُ. * قولُ إحْدى نِسَاءِ الْعَرب تَشْكُو ابْنَها وتُظْهر التعجُّبَ مِنْ عَمَله: أَنْشَا يُمَزِّقُ أَثْوابِي يُؤَدِّبُني ... أَبَعْدَ شَيْبِيَ يَبْغِي عِنْدِيَ الأدَبَا؟! أي: إنّ تأديبَ مَنْ شاب من العجَبِ الْعُجَاب. *** (٥) شرح الاستفهام المستعمل في العتاب: العتاب: أخفّ أنواع إظْهارِ عدم الارتياح لسلوكٍ ما، فعلاً كان أو تركاً، وقد يُسْتَخْدَمُ لدلالة عليه أسلوبُ الاستفهام للتخفيف من توجيهه، والتَّلَطُّفِ بنفس الموجّه له. أمثلة: * قول الله في سورة (الحديد/ ٥٧ مصحف/ ٩٤ نزول) : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ؟ [الآية: ١٦] . أَلَمْ يَأْنِ؟ : أي: أَلَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ؟ يُقَالُ لُغةً: أَنَى يَأْنِي أَنْياً وَإِنىً وأَنَاةً، إذا حَانَ وَقَرْبَ. الاستفهام في هذا النصِّ يتضَمَّن عِتَاباً لطائفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنينَ مرَّتْ عَلَيْهِمْ بعد إيمانهم مُدَّةٌ كافيةٌ، كَانَ يَنْبَغي أن يَرتَقُوا فيها من دَرَجَةِ إيمانِ الْوَجِلِ إلى دَرَجَةِ إيمانِ الخاشع. الوجَلُ: هو الخوف، والخوفُ يرافقُه قلَقٌ واضطرابٌ في القلب. الخشوع: هو الخضوع مع سُكُونِ القلب، وهو درجةٌ في الإِيمان أعلَى من درجةَ الوجَلِ.

стр. 271

وفوقهما درجة الطَّمَأْنينة. أخرج الحاكم بسنده عن أبن مسعود قال: ما كان بين إسلام هؤلاَءِ وبين أن عُوتِبُوا بهَذِهِ الآية إلاَّ أرْبَعُ سِنين. * قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) خطاباً لرسوله محمّد ﷺ بشأْنِ إِذْنِهِ لطائفةٍ من المنافقين عن الخروج معه إلى غزوة تبوك: ﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين﴾ ؟ [الآية: ٤٣] . فقول الله له: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ من ألْطَفِ صُوَرِ العتاب. * قول الحطيئة معاتباً: أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِي ... وبَيْنكُمُ الْمَوَدَّةُ والإِخَاءُ؟ * ويُفْهَمُ العتابُ من قول الشريف المرتضَى لِمَنْ يَهْجُره: أَتَبِيتُ رَيَّان الْجُفُونِ مِنَ الْكَرَى ... وَأبِيتَ مِنْكَ بِلَيْلَةِ الْمَلْسُوعِ *** (٦) شرح الاستفهامِ المستَعْمَلَ في التذكير: قد يستخدم الاستفهام للتذكير بقولٍ أو فِعْلٍ أو حادثةٍ جرَتْ، وقد يُقْتَصَرُ فِيهِ على بعض ما يُسْتَدْعَى بالاستفهامِ تَذكُّره، فتحصل به فائدةُ الإِيجاز في القول. أمثلة: * قول الله في سورة (يوسف/١٢ مصحف/٥٣ نزول) في حكاية قصّة يوسف ﵇ وإخوته: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ؟ [الآية: ٨٩] .

стр. 272

فيوسف ﵇ يُذَكِّرُ إخوته بما سَبَقَ أَنْ فَعَلُوا بِهِ وبأخيهِ "بنيامين" بأسلوب الاستفهام، وتُفْهَمُ مع هذا التذكير معانٍ أخرى كالعتاب أو التلويم. وقول اللَّهِ في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً للملائكة بعد أن أثبت لهم تفوْق آدم عليهم بمعرفةِ الأسماء الَّتي علّمهُ إيّاها، وبعد أن اعلنوا جهلهم بها: ﴿قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ؟ [الآية: ٣٣] . *** (٧) شرح الاستفهام المستعمل في الافتخار: ذكروا أنّ الاستفهام قد يُسْتعمل في الافتخار، ومثَّلُوا له بقول اللَّهِ في سورة (الزخرف/ ٤٣ مصحف/ ٦١ نزول) حكاية لنداء فرعون فِي قومه: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهاذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ؟ [الآية: ٥١] . قالوا: إنّ الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ خرج عن معناهُ إلى معنى الافتخار بما يملك في مصر. أقول: إنّ فرعون خاف على قومه أن يتأثّروا بدعوة موسى ويتّبعوه، بعد أن جاءهم بآياتٍ ذواتِ عدد، وبعد أن دعا رَبّه فكشَفَ عنهم ما أرسَلَ عليهم من رجز، فأراد فرعون أن يُقْنع قومه بتفوّقِهِ علَى مُوسَى بأنّ لَهُ مُلْكَ مصر، وبأنّ موسى لا مُلْكَ له ولا سلطان، وبأنّه إذا أراد أن يتكلّم فإنّه لا يكاد يُبين عن مراده، وعلى هذا فالاستفهام في كلامه مستعمل لانْتزَاع إقرار قومِهِ في جماهيريَّة غوغائيّة بتفوّقه على مُوسَى، وَلِلَفْتِ أنظارهم إلى عناصر التفوّق التي يريد أن يخدعهم بها عن الحقيقة، ولَيْسَ لمطلق الافتخار، وقد يكون فيه رائحة اْفتِخَار.

стр. 273

وقد يُفْهَم الافتخار من بعض أمْثِلَةِ الاستفهام كمَقْصَدٍ أوّل، وقد يكون أحد لوازم المقصد الأوّل منه، كقولي مفتخراً بأمجاد أُمَّتنا الإِسلامية: *أَما نَحْنُ الَّذِينَ غَدَوْا شُمُوساً * عَلَى الدُّنيَا وَعَمَّ بِنَا الرَّخَاءُ؟ *** (٨) شرح الاستفهام المستعمل في التفخيم والتعظيم: تندفع نفس المتكلّم حين يرى شيئاً عظيماً فخماً للتعبير عن عظمته وفخامته، بأسلوب التّعجُّبِ أحياناً، وبأسلوب الاستفهام أحياناً أخرى، فإذا رأى قصراً عظيماً فخماً قال: مَا هذا القصر؟. كيف بُنِي هذا القصر؟. مَنْ بنى هذا القصر؟. وإذا سمع شاعراً مُبْدعاً قال: ما هذا الشاعر؟. من أين له بهذا الشعر البديع؟ وهو لا يريد الإِجابة على استفهاماته، إنّما يريد التعبير عن عظمة ما رأى، أَوْ سَمع. أمثلة: قول الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) بشأن استعظام المجرمين يوم الدّين كتاب أعمالهم، الذي لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها: ﴿وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هاذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الآية: ٤٩] . مَالِ هذا الكتاب؟ : استفهامٌ يرادُ به تعظيمُ وتفخيم شأنه، وليس استفهاماً يطلب له الجواب. * قول الشاعر: ومَنْ الّذي تُرْضى سَجَايَاهُ كُلُّها ... كَفَى الْمَرْءَ نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ؟ أي: إنّ الذي تُرْضَى سجاياه كلُّها رَجُلٌ عظيم. * قول المتنبّي يمدح كافوراً:

стр. 274

وَمَنْ مِثْلُ كَافُورٍ إِذَا الْخَيْلُ أحْجَمَتْ؟ ... وَكانَ قَلِيلاً مَنْ يَقُولُ لَهَا اقْدُمِي أي: هو عظيم قليل النظير في الحثّ على وُرُودِ المعارك، فأورد الاستفهام والغرض منه التعظيم، والقرينة المْدحُ. * قول الشاعر: أَضَاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضَاعُوا؟ ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدادِ ثَغْرِ وأَيَّ فَتىً أضَاعُوا؟ : أي أضاعوا فَتىً عظيماً، فالشاعر يعظم من أمْرِ شجاعته. الكريهة: الشدّة المكروهة في الحرب. وسَدَادِ ثَغْر: أي: وَسَدِّ ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغُورِ البلاد لحمايتها من الْعَدُوّ. * قول ابن هانىء الأندلسي: مَنْ مِنكُمُ الْمَلِكُ الْمُطَاعُ كأنَّهُ ... تَحْتَ السَّوَابِغِ تُبَّعٌ فِي حِمْيَرِ؟ *** (٩) شرح الاستفهام المستعمل في التهويل والتخويف: وإذا كان المعظَّم شيئاً مُخِيفاً مَهُولاً، كان تعظيمه بالاستفهام فيه مَعْنَى التَّهْوِيل والتخويف. أمثلة: * قول الله في سُورة (الحاقّة/ ٦٩ مصحف/ ٧٨ نزول) يخوّف من يوم القيامة وأهْوَالها: ﴿الحاقة * مَا الحآقة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾ ؟ [الآيات: ١ - ٣] . فالاستفهام هنا للتخويف والتهويل. ونظيره قول الله في سورة (القارعة/ ١٠١ مصحف/ ٣٠ نزول) :

стр. 275

﴿القارعة * مَا القارعة * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة﴾ ؟ [الآيات: ١ - ٣] . *** (١٠) شرح الاستفهام المستعمل في التسهيلِ والتخفيف: وقد يُعبّر المتكلّم عمّا يراه أمراً سَهْلاً هيّناً خفيفاً بأسلوب الاستفهام، وتدلُّ قرينة الحال أو قرينة المقال على ما أراد التعبير عنه. كأن يقول قائل لشابّ رياضيٍّ معتادٍ صعود الجبال: أتستطيع أنْ تصعد هذا الجبل؟ فيقول له: وماذا في صعوده؟ ويقول قائل لخطيب مفوّهٍ معتادٍ أن يقف بين الجماهير خطيباً مرتجلاً، وبأسرهم بكلامه: أتستطيع أن تخطب لنا خطبةً في هذا الحفل؟ فيجيبه بالْمَثَل: أو للبطّ تُهَدِّدِينَ بالشَّطّ. أمثلة: * قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) : ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً﴾ [الآية: ٣٩] . أي: إنّ الإِيمان أمْرٌ سَهْلٌ يَسيرٌ هيِّنٌ لاَ ثِقَلَ فِيه عَلَى النفوس. * قول اللَّهِ في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين ... ﴾ ؟ [الآية: ٥٢] . أي: هَلْ تَنْتَظِرُون أَنْ يَنَالَنا إلاَّ إحْدَى الْحُسْنَيَيْن: الشَّهَادَة وهْي سَهْلَةٌ عَلَيْنا، أو النَّصْر وهو حبيبٌ إلينا. ***

стр. 276

(١١) شرح الاستفهام المستعمل في التهديد والوعيد: وقد يُهدِّد المتكلّم باستخدام أسلوب الاستفهام، وقَدْ يَتَوعَّدُ به. كأن يقول السُّلْطان لطائفةٍ منَ المجرمين الّذين لم تَثْبُتْ بَعْدُ إدانتُهم بجرائمهم: ألَمْ تَعلَمُوا أَنَّنا قطعْنَا أيدي الّذِينَ ثبتَتْ عليهم جريمة السّرقة؟. ألَمْ تَعْلَموا أنَّنا قتلْنَا من ثبتت عليهم جريمة القتل عمداً وعُدْواناً؟ ألم تَعْلَمُوا أَنَّنا عاقبنا من ثبتت عليهم جريمة الحِرابة بتقطيع أيديهم وأرجُلهم من خلاف، وبقتل القتَلة منهم؟. أمثلة: * قول الله في سورة (المرسلات/ ٧٧ مصحف/ ٣٣ نزول) : ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين﴾ ؟ [الآية: ١٦] . أي: كما فعلنا بالمجرمين الأولين من مكذّبي القرون الأولى سنفعل بأمثالهم من الأمم اللاّحقة. * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) يتوعّد الكافرين بما في يوم الدين: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ ؟ [الآية: ٢١٠] . * قول الله في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) يُهَدِّدُ المشركين: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ ؟ [الآية: ١٠٢] .

стр. 277

(١٢) شرح الاستفهام المستعمل في التكثير: وقد يعبّر المتكلم عن الكَثْرَة بأسلوب الاستفهام، والأداة المستعملة في هذا غالباً كلمة "كم" وتخرج حنيئذٍ عن الاستفهام وتسمى "كم" الخبرية التي يُعبَّرُ بها عَنِ الكثرة. وَيمكن أن يستعمل غيرها من الأدوات للدلالة على التكثير، كأن تقول الأم لابنها الذي يريد أن تحمله مع أن كبدها تذوب من توالي حمله: أَلَيْلَةً وَاحِدَةً ... أَرَّقْتَني يَا وَلَدِي؟ تُرِيدُ حَمْلاً وأنَا ... تَذُوبُ مِنْهُ كَبِدِي أمثلة: * قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ ؟ [الآية: ٤] . أي: كثيرٌ من الْقُرى أهْلَكْنَاها. * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ... ﴾ ؟ [الآية: ٢١١] . أي: آتيناهم آياتٍ بَيّنَاتٍ كثيرات. * قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ؟ [الآية: ٧] . أي: أنبتنا فيها أصْنافاً كثيرة. * قول أبي العلاء المعرّي: صَاحِ هذِي قُبُورُنَا تَمْلأُ الرَّحْـ ... ـبَ فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟

стр. 278

أي: فقبورٌ كثيرة من عَهْدِ عاد. *** (١٣) شرح الاستفهام المستعمل في التسوية: ويكون في الاستفهام الداخل على جملة يصحُّ حلول المصدر محلّها، ويأتي بعْدَها معادلٌ. أمثلة: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؟ [الآية: ٦] . أي: استوى إنذارهُمْ وعَدَمُهُ. * قول المتنبي: وَلَسْتُ أُبَالي بَعْدَ إِدْرَاكِيَ الْعُلاَ ... أَكَانَ تُرَاثاً مَا تَنَاوَلْتُ أَمْ كَسْبَا *** (١٤) شرح الاستفهام المستعمل في الأمر: كثيراً ما يتلطَّفُ المتكلم بالمخاطب فيوجّه له الأمر بأسلوب الاستفهام، والأمْرُ يَشْمَلُ كُلَّ مَا تُسْتَعْمَلُ له صيغة الأمْرِ من تكليف، أو نصيحة، أو موعظة، إو إرشادٍ، أو دُعاءٍ، أو التماسٍ، أو غير ذلك. فإذا قدّم له طعاماً مثلاً قال له: أتأكل؟ ألاَ تأكُل؟. وإذا أراد أن يأمُرَه بالصَّلاةِ وقد حانَ وقْتُها قالَ له: أَتُصَلّي؟ ألاَ تُصَلِّي.. وهكذا. أمثلة: * قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) خطاباً لرسوله محمد ﷺ :

стр. 279

﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ [الآية: ٢٠] . أَأَسْلَمْتُمْ؟ : أي: أسْلِموا. * قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ ؟ [الآية: ٩١] . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون؟ : أي: انْتَهُوا. قول الله في سورة (الفرقان/ ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول) : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ... ﴾ [الآية: ٢٠] ؟. أَتَصْبْرُون؟ : أي اصْبِرُوا. * قول الشاعر: أَلاَ ارْعِوَاءً لَمِنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ ... وآذَنَتْ بِمَشيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ؟ أي: فلْيَرْعَوِ عن المعاصي والقبائح وفعل السّيّئات. *** (١٥) شرح الاسْتِفْهَام المستعمل في التّنبيه: التنبيهُ في الحقيقة هو من أقسام الأَمر، ومن المعاني الّتي تُستعمل فيها صيغة الأَمر. أمثلة: * قول الله في سورة (الفرقان/ ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول) : ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ [الآيات: ٤٥ - ٤٦] .

стр. 280

ألَمْ تَرَ إلَى رَبّكَ؟ : أي: انظر وتفكّر وتنبَّه إلى هذه الآية من آيات الله. * قول الله في سورة (التكوير/ ٨١ مصحف/ ٧ نزول) بشأن القرآن المجيد: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * فَأيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الآيات: ٢٥ - ٢٧] . فَأَيْنَ تَذْهَبونَ؟ : أي: انْتَبِهُوا، ولاَ تَذْهَبُوا بعيداً منصرفين عن إدْراك الحقيقة. * قول الشاعر: *أَلَم تَسْمَعِي أيْ عَبْدَ في رَوْنَقِ الضُّحَى * بُكَاءَ حَمَامَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ؟ أي: انتبهي لبكائهِنّ، فإنّك عندئذٍ تذكرين بُكَاء عَاشقك. *** (١٦) شرح الاستفهام المستعمل في الترغيب: الترغيب في الحقيقة من المعاني التي تُسْتَعْمَلُ للدَّلالة عَلَيْها صيغة الأَمْر، فكما يستعمل الاستفهام في الامر يمكن أن يُسْتَعمل في الترغيب. أمثلة: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الآية: ٢٤٥] . أي: ارغبوا في هذا الثواب العظيم فأقْرِضوا الله قرضاً حسناً. * قول الله في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول) : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الآية: ١٠] . أي: ارغَبُوا في هذِهِ التجارة العظيمة الرابحة. ***

стр. 281

(١٧) شرح الاستفهام المستعمل في النهي: استعمال الاستفهام في النهي نظير استعماله في الأَمْر، لأنَّ الأمر بالشيءِ نهْيٌ عن ضدّه، وبالعكس. أمثلة: * قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) بشأنِ الحث على قتال أئمة الكُفر: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ﴾ ؟ [الآية: ١٣] . أي: لا تخشوهم، لأنّ الله ناصركم عليهم. * قول الله في سورة (الانفطار/ ٨٢ مصحف/ ٨٢ نزول) : ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الآيات: ٦ - ٧] . أي: لا تغتَرَّ بربّك. * قول الشاعر: أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ إمْرأً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ في اللَّيْلِ نَاراً؟ أي: لاَ تَحْسَبي ذلك. *** (١٨) شرح الاستفهام المستعمل في الدّعاء: استعمال الاستفهام في الدعاء نظير استعماله في الأمْرِ والنهي، فالدعاء تستعمل للدلالة عليه صيغتا الأمر والنهي، والدعاء يكون عادة من الأدنى إلى الأعلى، والحقّ أَنْ لا يكون إلاَّ من العبد لربّه .

стр. 282

أمثلة: * قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ... ﴾ [الآية: ١٥٥] ؟. أَتُهْلِكُنَا بَمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا؟ : أي: لاَ تُهْلِكْنَا بِمَا فعَلَ السُّفَهَاءُ منا. * قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) بشأن المشركين وتكذيبهم بالقرآن. ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ ؟ [الآيات: ٢٠٠ - ٢٠٣] . هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ: أي: أنْظِرْنَا رَبَّنا، يدعون بأسلوب الاستفهام لأنّهم يَعْلَمُونَ أَنَّهم مُذْنِبُون لا يستجاب لهم، فقد انتهت مدّة ابتلائهم. *** (١٩) شرح الاستفهام المستعمل في الاسترشاد: قد يطرح المتكلم سؤالاً استفهاميّاً ظاهره يُشْعر بالاستشكال أو الاعتراض، وغرضه الاسترشاد، ويمكن أن نعتبر من الأمثلة على هذا أسئلة موسى للخضر في اعتراضاته على تصرّفاته، كما أبان الله لنا في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) : ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ؟ [الآية: ٧١] . ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ ؟ [الآية: ٧٤] .

стр. 283

إِمْراً: أَيْ: عجيباً مُنْكَراً لاَ يَتَّفِقُ مع أحكام الشريعة فيما أَعْلَم. نُكْراً: أيْ: مُنْكراً لاَ يتَّفِقُ مع أحكام الشريعة فيما أعلم. لَقَدْ تعجَّلَ موسى ﵇ سؤال الاسترشاد، مع أَنْ موافقة الخضر على مصاحبته له كانت مشروطةً بِأَنْ يَصْبِرَ حتَّى يُبَيّنَ لَهُ أسبابَ تصرُّفاتهِ الَّتِي لم تكُنْ في الحقيقة مخَالِفةً لمقتضياتِ شَرْعِ الله، إذْ عَلِم الْخَضِر من الحقيقة ما لَمْ يَعْلَمْهُ موسَى ﵉. ومثَّلُوا لسؤال الاسترشاد الذي من هذا القبيل بسؤال الملائكة إذْ قَالُوا لربّهم كما جاء في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؟ [الآية: ٣٠] . *** (٢٠) شرح الاستفهام المستعمل في التمنِّي والترجي: يتمَنَّى المُتَمَنِّي أمراً يرى أنَّه معتذّر الحصول أو بعيد المنال، وقد يعبّر عن تَمَنِّيهِ بأسلوب الاستفهام، كأنّ يتمنَّى بعضُ أصحاب الأوهام أنْ ينام ليلة فيصحوَ وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب، أو صار عالماً من كبار العلماء، أو ألقي إليه من السماء كنز من الذهب أو نحو ذلك، فيقول: هلْ يَحْصُلُ لي كذا وكذا؟ وكذلك الترجّي. أمثلة: * قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) بشأن تمنّي الكافرين يوم الدّين أن يكون لهم شفعاء يشفعون لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ

стр. 284

يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الآيات: ٥٢ - ٥٣] . أي: نَتَمَنَّى أنْ يكون لنا شفعاء، أو نُرَدَّ إلى حياة الابتلاء لنعمل غير الذي كنّا نعمل، لكنّ أمانيَّهُمْ ضائعة ومطالبهم بها مرفوضة. * قول الشاعر: هَلْ بالطُّلُولِ لِسَائلٍ رَدُّ؟ ... أَمْ هَلْ لَهَا بِتَكَلُّمٍ عَهْدُ؟ * قول أبي العتاهية يمدح الأمين: تَذَكَّرْ أَمِينَ اللهِ حَقِّي وَحُرْمَتِي ... وَمَا كُنْتَ تُولِينِي لعلَّكَ تَذْكُرُ فَمَنْ لِيَ بالْعَيْنِ الَّتِي كُنْتَ مَرَّةً ... إِليَّ بِهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ تَنْظُرُ؟ أي: أتمنَّى أَنْ تعودَ لي تلك العين التي كنت تنظرُ إليَّ بها، أو أرجو. * قول الشاعر: مَضَى زَمَنٌ والنّاسُ يِسْتَشْفِعُونَ بي ... فَهَلْ لِي إلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ؟ فهو يتمنى أو يرجو. *** (٢١) شرح الاستفهام المستعمل في الاستبطاء: يستبطىء الموعود بوعْدٍ حدوث الموعود به، وقد يعبّر عن استبطائه له بأسلوب الاستفهام، فيقول لمن وعده بزيارته له: متَى تأتينَا؟. متى تزورنا؟ حتَّى متَّى تعِدُنا وَلا تفي بوعدك؟ أمثلة: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً للمؤمنين:

стр. 285

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [الآية: ٢١٤] . مَتَى نَصْرُ الله؟ أي: تأخَّرَ النَّصْرُ الْمَوْعود به، وهكذا حالُ البشر يستعجلون، وحكمةُ الله لا تُسَايرُ مطالب المستعجلين. * قول أبي العلاء المعرّي: إلاَمَ وفِيمَ تَنْقُلُنَا رِكابٌ ... وَتَأْمُلُ أَنْ يَكُونَ لَنا أَوَانُ؟ أي: إلى متى تسير مطاياناً وترجو أن يكون لنا وقتٌ نجزيها فيه على إحسانها بنا. *** (٢٢) شرح الاستفهام المستعمل في العرض: ويتلطّف الآمر، أو الناصح، أو الداعي، أو طالب أيّ مطلب، فَيَعْرِضُ ما يطلبه أو يدعو إليه عرضاً بأسلوب الاستفهام، والصيغة الأصلية التي تُسْتَعْمَل في ذلك صيغة الأمر، أو صيغة النهي. أمثلة: * قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) : ﴿ ... وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٢٢] . أي: إنْ عفوتم وصفحتُمْ غفر الله لكُم. * قول الله في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول) يعلّم موسَى ﵇ كيف يَعْرضُ دَعْوته على فرعون: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى * وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ ؟ [الآيات: ١٧ - ١٩] .
следующие страницы →