← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(١٧) شرح الاستفهام المستعمل في النهي: استعمال الاستفهام في النهي نظير استعماله في الأَمْر، لأنَّ الأمر بالشيءِ نهْيٌ عن ضدّه، وبالعكس. أمثلة: * قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) بشأنِ الحث على قتال أئمة الكُفر: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ﴾ ؟ [الآية: ١٣] . أي: لا تخشوهم، لأنّ الله ناصركم عليهم. * قول الله في سورة (الانفطار/ ٨٢ مصحف/ ٨٢ نزول) : ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الآيات: ٦ - ٧] . أي: لا تغتَرَّ بربّك. * قول الشاعر: أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ إمْرأً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ في اللَّيْلِ نَاراً؟ أي: لاَ تَحْسَبي ذلك. *** (١٨) شرح الاستفهام المستعمل في الدّعاء: استعمال الاستفهام في الدعاء نظير استعماله في الأمْرِ والنهي، فالدعاء تستعمل للدلالة عليه صيغتا الأمر والنهي، والدعاء يكون عادة من الأدنى إلى الأعلى، والحقّ أَنْ لا يكون إلاَّ من العبد لربّه .

стр. 282

أمثلة: * قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ... ﴾ [الآية: ١٥٥] ؟. أَتُهْلِكُنَا بَمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا؟ : أي: لاَ تُهْلِكْنَا بِمَا فعَلَ السُّفَهَاءُ منا. * قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) بشأن المشركين وتكذيبهم بالقرآن. ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ ؟ [الآيات: ٢٠٠ - ٢٠٣] . هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ: أي: أنْظِرْنَا رَبَّنا، يدعون بأسلوب الاستفهام لأنّهم يَعْلَمُونَ أَنَّهم مُذْنِبُون لا يستجاب لهم، فقد انتهت مدّة ابتلائهم. *** (١٩) شرح الاستفهام المستعمل في الاسترشاد: قد يطرح المتكلم سؤالاً استفهاميّاً ظاهره يُشْعر بالاستشكال أو الاعتراض، وغرضه الاسترشاد، ويمكن أن نعتبر من الأمثلة على هذا أسئلة موسى للخضر في اعتراضاته على تصرّفاته، كما أبان الله لنا في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) : ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ؟ [الآية: ٧١] . ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ ؟ [الآية: ٧٤] .

стр. 283

إِمْراً: أَيْ: عجيباً مُنْكَراً لاَ يَتَّفِقُ مع أحكام الشريعة فيما أَعْلَم. نُكْراً: أيْ: مُنْكراً لاَ يتَّفِقُ مع أحكام الشريعة فيما أعلم. لَقَدْ تعجَّلَ موسى ﵇ سؤال الاسترشاد، مع أَنْ موافقة الخضر على مصاحبته له كانت مشروطةً بِأَنْ يَصْبِرَ حتَّى يُبَيّنَ لَهُ أسبابَ تصرُّفاتهِ الَّتِي لم تكُنْ في الحقيقة مخَالِفةً لمقتضياتِ شَرْعِ الله، إذْ عَلِم الْخَضِر من الحقيقة ما لَمْ يَعْلَمْهُ موسَى ﵉. ومثَّلُوا لسؤال الاسترشاد الذي من هذا القبيل بسؤال الملائكة إذْ قَالُوا لربّهم كما جاء في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؟ [الآية: ٣٠] . *** (٢٠) شرح الاستفهام المستعمل في التمنِّي والترجي: يتمَنَّى المُتَمَنِّي أمراً يرى أنَّه معتذّر الحصول أو بعيد المنال، وقد يعبّر عن تَمَنِّيهِ بأسلوب الاستفهام، كأنّ يتمنَّى بعضُ أصحاب الأوهام أنْ ينام ليلة فيصحوَ وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب، أو صار عالماً من كبار العلماء، أو ألقي إليه من السماء كنز من الذهب أو نحو ذلك، فيقول: هلْ يَحْصُلُ لي كذا وكذا؟ وكذلك الترجّي. أمثلة: * قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) بشأن تمنّي الكافرين يوم الدّين أن يكون لهم شفعاء يشفعون لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ

стр. 284

يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الآيات: ٥٢ - ٥٣] . أي: نَتَمَنَّى أنْ يكون لنا شفعاء، أو نُرَدَّ إلى حياة الابتلاء لنعمل غير الذي كنّا نعمل، لكنّ أمانيَّهُمْ ضائعة ومطالبهم بها مرفوضة. * قول الشاعر: هَلْ بالطُّلُولِ لِسَائلٍ رَدُّ؟ ... أَمْ هَلْ لَهَا بِتَكَلُّمٍ عَهْدُ؟ * قول أبي العتاهية يمدح الأمين: تَذَكَّرْ أَمِينَ اللهِ حَقِّي وَحُرْمَتِي ... وَمَا كُنْتَ تُولِينِي لعلَّكَ تَذْكُرُ فَمَنْ لِيَ بالْعَيْنِ الَّتِي كُنْتَ مَرَّةً ... إِليَّ بِهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ تَنْظُرُ؟ أي: أتمنَّى أَنْ تعودَ لي تلك العين التي كنت تنظرُ إليَّ بها، أو أرجو. * قول الشاعر: مَضَى زَمَنٌ والنّاسُ يِسْتَشْفِعُونَ بي ... فَهَلْ لِي إلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ؟ فهو يتمنى أو يرجو. *** (٢١) شرح الاستفهام المستعمل في الاستبطاء: يستبطىء الموعود بوعْدٍ حدوث الموعود به، وقد يعبّر عن استبطائه له بأسلوب الاستفهام، فيقول لمن وعده بزيارته له: متَى تأتينَا؟. متى تزورنا؟ حتَّى متَّى تعِدُنا وَلا تفي بوعدك؟ أمثلة: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً للمؤمنين:

стр. 285

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [الآية: ٢١٤] . مَتَى نَصْرُ الله؟ أي: تأخَّرَ النَّصْرُ الْمَوْعود به، وهكذا حالُ البشر يستعجلون، وحكمةُ الله لا تُسَايرُ مطالب المستعجلين. * قول أبي العلاء المعرّي: إلاَمَ وفِيمَ تَنْقُلُنَا رِكابٌ ... وَتَأْمُلُ أَنْ يَكُونَ لَنا أَوَانُ؟ أي: إلى متى تسير مطاياناً وترجو أن يكون لنا وقتٌ نجزيها فيه على إحسانها بنا. *** (٢٢) شرح الاستفهام المستعمل في العرض: ويتلطّف الآمر، أو الناصح، أو الداعي، أو طالب أيّ مطلب، فَيَعْرِضُ ما يطلبه أو يدعو إليه عرضاً بأسلوب الاستفهام، والصيغة الأصلية التي تُسْتَعْمَل في ذلك صيغة الأمر، أو صيغة النهي. أمثلة: * قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) : ﴿ ... وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٢٢] . أي: إنْ عفوتم وصفحتُمْ غفر الله لكُم. * قول الله في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول) يعلّم موسَى ﵇ كيف يَعْرضُ دَعْوته على فرعون: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى * وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى﴾ ؟ [الآيات: ١٧ - ١٩] .

стр. 286

* قول الله في سورة (الذاريات/ ٥١ مصحف/ ٦٧ نزول) بشأنِ دعوة إبراهيم ﵇ ضيوفه ليأكلوا ما أَعدَّ لهم من طعامٍ، وكان عِجْلاً مَشْوِيّاً: ﴿فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ ؟ [الآيات: ٢٦ - ٢٧] . *** (٢٣) شرح الاستفهام المستعمل في التحضيض: ويريد المتكلم حَضَّ مَنْ يخاطبه على فعل أمرٍ أو ترِك أمْرٍ، وقد يجد استعمال أسلوب الاستفهام أوقع في نفسه، وأكَثْرَ تَأْثيراً، إذا كانت القرينة القولية أو الحالية تشعر بالتلويم على عدم الاستجابة. أمثلة: * قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) يحضُّ على قتال المشركين: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نكثوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ ... ﴾ [الآية: ١٣] ؟. * قولي صانعاً مثلاً: أَلاَ قُمْتُموُ يَا رِجالَ الْهُدَى ... لنُصرَةِ دِينِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ؟ *** (٢٤) شرح الاستفهام المستعمل في التجاهل: قد يتجاهل العارف بالأمر أو بالشخص أو بصفاته لأغراضٍ بلاغيّة، منها استزادة المعرفة، ومنها انتزاع الاعتراف، ومنها تحقيره والتقليل من شأنه حتّى كأنه غير معروف، ومنها الإِثارة لإِفاضة البيان حوله من بعض حاضري المجلس للتعريف به مدحاً أو ذمّاً، إلى غير ذلك من إغراضٍ بلاغية، ويستعمل في التجاهل أسلوب الاستفهام.

стр. 287

ويمكن أن نعتبر من أمثلة الاستفهام المستعمل في التجاهل ما جاء في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) ضمن عرض قصة إبراهيم ﵇ لمّا حطّم أصنام قومه إذْ تخلف عنهم يوم خرجوا ليلهوا في عيد لهم، قال الله فيها: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هاذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هاذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾ ؟ [الآيات: ٥٩ - ٦٢] . (٢٥) شرح الاستفهام المستعمل في التحقير والاستهانة والاستهزاء: وقد يستعمل الاستفهام أسلوباً من أساليب تحقير المستَفْهَم عنه والاستهانة به، لأنّ الاستفهام يشعر بأنّ المستَفْهِمَ غَيرُ مهتَمٍّ بما يَسْتَفْهِمُ عنه، ولا مكثرتٍ له لحقارته في نفسه، واستهانته به، ثم صار الاستفهام يدلُّ على التحقير والاستهانة بمساعدة قرائن الحال أو المقال: أمثلة: * قول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) في بيان بعض مواقف الذين كفروا من الرسول ﷺ : ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أهاذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمان هُمْ كَافِرُونَ﴾ ؟ [الآية: ٣٦] . * وقول الله في سورة (الفرقان/ ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول) في ذلك أيضاً: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أهاذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ ؟ [الآية: ٤١] . لقَدِ احتقروه واستهزؤُوا به أوَّلاً إِذْ بعثه الله رسولاً، فسورة الفرقان قد نزلت قبل سورة الأنبياء، ثم احتقروه واستهزؤوا به دفاعاً عن أوثانهم بعد أنْ أَبَانَ أنَّها حجارةٌ لا تضُرُّ ولا تنفَعُ.

стр. 288

* قول الشاعر: فَدَعِ الْوَعِيدَ فَمَا وَعِيدُكَ ضَائِرِي ... أطَنِينُ أَجْنِحَةِ الذُّبَابِ يَضِيرُ؟ *** (٢٦) شرح الاستفهام المستعمل في المدح أو الذمّ: وقد يُسَاقُ الاستفهام للدلالة على مدح المتحدّث عنه والثناء عليه، أو للدلالة على ذمّة وكشف مثالبه، والقرائن القولية أو الحالية كواشف. أمثلة: * قول جرير في مدح عبد الملك: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأنْدَى الْعَالَمِين بُطُونَ رَاحِ؟ * قول المتنبي حينما صَرَعَ بدْرُ بن عمَّار أسداً بسوطه يمدحه: أَمُعَفِّرَ اللَّيْثِ الْهِزَبْرِ بِسَوْطِهِ ... لِمَنِ ادّخَرْتَ الصَّارِمَ الْمَصقُولاَ؟ * قول الشاعر: أَرَأَيْتَ أَيّ سَوالِفٍ وَخُدُودٍ ... بَرَزَتْ لَنَا بَيْنَ اللِّوَى فَزَرُودِ؟ * قول ابن الرومي في المدح: أَلَسْتَ الْمَرْءَ يَجْبِي كُلَّ حَمْدٍ ... إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَمْدِ جَابِ؟ جَابٍ: أي: مَنْ يَجْبِي بمعنى يجمع. * قول الشاعر في الاستفهام المعبّر عن الذمّ: فَقَالَتْ: أَكُلَّ النَّاسِ أصْبَحْتَ مَانِحاً ... لِسَانَكَ كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا؟ ***

стр. 289

(٢٧) شرح الاستفهام المستعمل في الاكتفاء: وذكروا أنّ الاستفهام قد يستعمَلُ لبيان الاكتفاء، ومثلوا له بقول الله في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول) : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ؟ [الآية: ٦٨] . * وبقول الله في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ؟ [الآية: ٣٢] . ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ؟ [الآية: ٦٠] . أي: يكفيهم عقاباً لَهُمْ مَثْواهُمْ في جَهَنَّمَ يوم الدين. أقول: الأقرب اعتبار هذه الأمثلة من الاستفهام المستعمل في التهديد والوعيد والترهيب. *** (٢٨) شرح الاستفهام المستعمل في الاستبعاد: وَكثيراً ما يُسْتَخْدمُ الاستفهام للدلالة على استبعاد المستفهم عنه، والتشكُّك في حدوثه. أمثلة: * قول الله في سورة (الدخان/ ٤٤ مصحف/ ٦٤ نزول) بشأن الدخان الذي هو أحد أشراط السّاعة:

стр. 290

﴿فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى الناس هاذا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أنى لَهُمُ الذكرى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الآيات: ١٠ - ١٤] . أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى؟ : أي: تَذَكُّرُهُمْ واتِّعاظُهُمْ أَمْرٌ مُسْتَبْعَد. * قول الشاعر أَتُقْرَحُ أَكْبَادُ الْمُحِبِّينَ كَالَّذِي ... أَرَى كَبِدي مِنْ حُبِّ مَيَّةَ تُقْرَحُ؟ أي: أستبعد ذلك. *** (٢٩) شرح الاستفهام المستعمل في الإِيناس: ويريد المتكلم أن يؤانِسَ من يخاطبه، فيطرح عليه أسئلة يَجُرّهُ بها إلى المحادثَة، مع أنّ المتكلم عالم بجواب أسئلته. أمثلة: * قول الله في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) مبيّناً ما كلّم الله به مُوسَى في رحلة التكليم: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [الآيات: ١٧ - ١٨] . * قول الزوج في ليلة عرسه لعروسه: مَنْ أهْداكِ هذا العقد النفيس؟ مِنْ أيْنَ جئتِ بهذا الشعر الذهبي الجميل؟ مَاذَا تُحَبّين أنْ يكون بِكْرُكِ؟ أذكراً أم أنْثَى؟ *** (٣٠) شرح الاستفهام المستعمل في التهكُّم والسخريَة: ويستعمَلُ الاستفهام عند إرادة التهكُّم أو السخرية، ومن الأمثلة مقالة قوم

стр. 291

شعيب ﵇ له، كَما حكى الله في سورة (هود/١١ مصحف/ ٥٢ نزول) : ﴿قَالُواْ ياشعيب أصلاوتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد﴾ ؟ [الآية: ٨٧] . ومقالة إبراهيم ﵇ لآلِهَةِ قَوْمِه مِنَ الأَوْثَانِ كما حكَى الله في سورة (الصّافات/ ٣٧ مصحف/ ٥٦ نزول) : ﴿فَرَاغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ ؟ [الآيات: ٩١ - ٩٢] . أَلاَ تأْكُلُونَ؟ : استفهامٌ تَهَكُّمِيُّ سَاخِر. وكذلك: مَالَكُمْ لاَ تنطقُونَ؟ *** (٣١) شرح الاستفهام المستعمل في الإِخبار: وقد يستعمل الاستفهام أسلوباً من أسَالِيب الإِخبار، وهو يدخل في طريقة الإِعلام غير المباشر. أمثلة: * قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) بشأنِ طائفةٍ من المنافقين: ﴿وَإِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق يأتوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أولائك هُمُ الظالمون﴾ [الآيات: ٤٨ - ٥٠] . أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا: أي: هم فريقانِ، فريقٌ في قلوبهم مرض النفاق، وفريق دخل إلى قلوبهم الرّيبُ. * قول الله في سورة (الإِنسان/ ٧٦ مصحف/ ٩٨ نزول) :

стр. 292

﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ [الآية: ١] . أي: قَدْ أتى عليه هذا الحين. *** (٣٢) شرح الاستفهام المستعمل في التأكيد: وقد يأتي الاستفهام تأكيداً لاستفهام قبله، حين تدعو الحاجة البيانيّة الرفعية لذلك، ومن الأمثلة على هذا قول الله في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) : ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار﴾ ؟ [الآية: ١٩] . قال الموفّق عبد اللطيف البغدادي: "أي: مَنْ حقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ فإنَّكَ لاَ تُنْقِذُهُ، فـ "مَنْ" للشَّرْطِ، و"الفاء" جواب الشرط، و"الهمزة" في: ﴿أَفَأَنتَ؟﴾ دخلَتْ مُعَادَةً لطولِ الكلام، وهذا نوعٌ من أنواعها". قال الزمخشري: "الهمزة الثانية هي الأولَى كُرّرَت لتوكيد معنى الإِنكار والاستبعاد". *** خاتمة: قد نلاحظ معاني أخرى في بعض أمثلة الاستفهام غير التي ذكرها مُحْصُو المعاني السابقة، كالاستعطاف والاسترحام، والتيئيس وقطع الرجاء، والشكوى، والتشوّق، والغيرة، والتفجّع والهلع. * فمن الاستعطاف قول الشاعر: أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيكُونَ بَيْنِي ... وَبيْنكُمُ الْمَوَدَّةُ والإِخَاءُ؟

стр. 293

ومن التيئيس وقطع الرجاء قول الشاعر: قَدْ قِيلَ مَا قيلَ إِنْ صِدْقاً وَإِنْ كَذِباً ... فَمَا اعْتِذَارُكَ مَنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلَ؟ ومِنَ الشكوى قولُ الشاعر: أَلاَ تَسْأَلاَنِ الدَّهْرَ مَاذا يُحَاوِلُ؟ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ؟ ومن التشوّق قولُ الشاعر: فَقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتَاعاً فَأَرَّقَنِي ... فَقُلْتُ: أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عَادَنِي حُلُمُ؟ ومن الغيرة قول مجنون لَيْلَى: بِرَبِّكَ هَلْ ضَمَمْتَ إِلَيْكَ لَيْلَى ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَوْ قَبَّلْتَ فَاها؟ * وأرى من الهلع والجزع قول موسى ﵇ في ميقاتِ المناجَاةِ الثاني لربه، كما جاء في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿ ... أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ ... ﴾ ؟ [الآية: ١٥٥] . ***

стр. 294

" علم المعاني" الباب الثاني: أحوال عناصر الجملة

стр. 295

الفصل الأول: مقدمات عامّة المقدمة الأولى: الأصل في الكلام ذكر ما يدُلُّ على العنصر المراد بيانُه من عناصر الجملة، إلاَّ أنّ أهل اللّسان اعتادوا أن يحذفوا من الجملة عناصر يفهمون معانِيَها دون ذكر ألفاظها، لكثرة الاستعمال، أو لورود الجملة على طريقة الأمثال، أو لوجود قرينة تدُلُّ عليها من قرائن الحال أو قرائن المقال. فما اعتاد أهل اللّسان أو اعتاد البلغاء منهم على حذفه، أو هو ممّا يمكن إدراكُه بسهولة إذا حُذِف، فإنّ ذكره يُعْتَبر إسرافاً في التعبير يتحاشاه البلغاء، وحين يَعْمَدُ البليغ الذوَّاق للأدب الرفيع إلى ذكره فإنَّما يَفْعَلُ ذلك لغرضٍ بلاغيٍّ يقْصِدُه. *** المقدّمة الثانية: ويتعرّض كلُّ عُنْصرٍ من العناصر الأساسيّةِ التي تُبْنَى منها الجملة المؤدّية لما يَقْصِد المتكلّم بيانَهُ، لاحتمال تقييده بالوصف أو غيره من القيود، كالحال، والبدل، وعطف البيان، والتأكيد، والظرف الزماني أو المكاني، والجارّ والمجرور به، وغير ذلك، ويتعرّض أيضاً لاحتمال إطلاقه وعدم تقييده. والبليغ الذّوّاق للأدب الرفيع يختار من احتمالي التقييد وعدمه، ما يَراهُ مُحقّقاً لغرضٍ بلاغِيٍّ يقْصده، أو يَراهُ أَوْفَى بتحقيقه ممَّا يطابقُ به مقتضَى حال من يُوَجّه له بيانه، فرداً كان أو جماعة. ***

стр. 296

المقدمة الثالثة: وكلُّ ما يُمْكن في الجملة الكلاميّة إيرادُه من الأسماء معرفةً أو نكرة، فإنّ على البليغ الذّوّاق للأدب الرفيع أن يختار من الاحتمالات الممكنة ما يُحَقِّق به غرضاً بلاغيّاً يقصِدُهُ، أو يراه أَوْفَى بتحقيقه، ممّا يطابق به مقتضى حال من يوجّه له بيانه، فرداً كان أو جماعةً. ويَتحقِّقُ باختيار الاسم النكرة أغراضٌ بلاغيّة متعدّدة، تقتضيها أحوال المخاطبين، ويُسْتَدَلُّ على المراد من هذه الأغراض بقرائن الحال، أو قرائن المقال. ويتحقَّقُ باختيار الاسم المعرفة أغراضٌ بلاغيّةٌ مُتَعَدِّدةٌ أيضاً تقتضيها أحوال المخاطبين، ويُسْتَدَلُّ على المراد من هذه الأغراض بقرائن الحال، أو قرائن المقال، وذلك بحسب نوع المعرفة، إذ الاسم المعرفة ينقسم إلى ستة أنواع، وهي الأنواع التالية: النوع الأول: ما يكون تعريفه بسبب كونه ضميراً. النوع الثاني: ما يكون تعريفه بسبب كونه عَلَماً. النوع الثالث: ما يكون تعريفه بسبب كونه اسم إشارة. النوع الرابع: ما يكون تعريفه بسبب كونه اسم موصول. النوع الخامس: ما يكون تعريفه بسبب كونه محلَّى بالأَلف واللاّم. النوع السادس: ما يكون تعريفه بسبب كونه مضافاً إلى واحدٍ ممّا سبق. قالوا: وأعْرَفُ هذه الأنواع الضمير، ويليه في الرُّتْبَة الْعَلَم والمضاف إلى الضمير، فرتبةُ اسم الإِشارة، فرتبة اسم الموصول، فرتبة المحلَّى بالأَلف واللاّم، فرتبة المضاف إلى أحد المعارف غير الضمير.

стр. 297

ولمّا كان مُنْشِىء البيان الكلاميّ أمام احتمالاتٍ وصُورٍ متعدّدة من كلّ ما سبق، وكان عليه أن يختار لبيانه واحداً منها. ولمّا كان كلُّ احتمال يُمكن أن يَقْصِدَ بِه البليغ معنىً بلاغيّاً يطابق مقتضى الحال، وهذا المعنى لا يتحقّق بغيره من الاحتمالات. ولمّا كانت مقتضيات أحوال المخاطبين مختلفات، فما يطابق مقتضى حال بعضهم قد لا يطابق مقتضى حال غيره. لمّا كانت كلُّ هذه الأمور مُجْتَمِعةً في وقت واحد، كان على البليغ أن يختار بلاغيّاً لبيانه ما هو الأبلغ والأَجمل المطابق لمقتضى الحال، وكان مسؤولاً عن هذا الاختيار. لكنَّ مراتبَ أذواقِ الْبُلَغاء متفاوتة متفاضلة، ومراتب الاختيارات الجماليّة متفاوتة متفاضلة أيضاً، لذلك كان لا بُدَّ أَنْ تتفاوت بلاغة الكلام، وتتفاضَل نِسَبُ الجمال فيه، بحسب تَفَاوُتِ الاختيارات، وتفاضل مستوياتها. *** المقدمة الرابعة: وللجملة في اللّسان العربيّ نظامٌ أصليٌّ ينبغي ملاحظته لدى ترتيب عناصرها، واحتمالاتٌ فرعيّة جائزة يتمُّ بها تقديم ما حقُّه الأصليُّ التأخير، لأغراضٍ بلاغيّةٍ أو جماليّة. لذلك كان على البليغ الذّوّاق للأدب الرفيع أن يتقيّد بنظام ترتيب عناصر الجملة، ولا يلجأ إلى الاحتمالات الفرعيّة الجائزة إلاَّ لأسباب بلاغيّةٍ أو جمالية دَعَتْهُ إلى ذلك. والباحثُ البلاغيُّ يُنَبِّهُ على طائفةٍ من الأغراض البلاغيّة أو الجمالية الداعية إلى مخالفة النظام الأصلي في ترتيب عناصر الجملة الكلاميّة، حتَّى يهتدي بها

стр. 298

منشىء البيان الكلامي، ويَتَحرَّى فيما ينشىء من قول ما هو الأبلغ والأجمل دواماً، قدر استطاعته وتذوُّقِه لدقائق المعاني ومستويات الجمال. *** المقدمة الخامسة: ولدى إنشاء الكلام ومتابعة بناء بعضه على بعض، ورصْفِ بعضه إلى جانب بعض، يلاحظ كلُّ ذي فكرٍ متذوّقٍ لأساليب الكلام، أنّه تُوجَدُ طرائق وأساليب يقتضيها ظاهر النَّسّق، فالمتكلّم يتابعها بتلقائيّة، كتتابع الماء في مَجرىّ متماثل الأجزاء، ليس فها انحرافٌ ولا دورانٌ ولا الّتِوَاء، وليس فيها صَواعِد ولا نوازل. ولكِنْ قد تدْعو دواعي بلاغيّة أو جمالية إلى مخالفة مقتضى الظاهر في الكلام، كما تدعو دواعي نفعيّة لعطف مجرى الماء عن نَسَقه المتماثل، أو تدعو دواعي جماليّة لإِيجاد دوائر ومنعطفات، وصواعد ونوازل في مجرى الماء، لإِحْدَاث مشاهد جماليّة بديعة لا تتحقّق بمتابعة النَّسَق المتماثل. والباحثُ البلاغيُّ يُنَبِّهُ على طائفة من الأغراض البلاغيَّةِ أو الجماليّة الداعية إلى مخالفة مقتضى ظاهر النسق الكلامي، ليهتَديَ بهَدْيِها مُنْشِىءُ البيان، ويتحرَّى فيما ينشىء من قولٍ ما هو الأبلغ والأجمل دواماً قدر استطاعته، وتذوُّقِه لدقائق المعاني، ومستويات الجمال. *** خاتمة: هذه الأحوال التي تَقَدَّم الحديث عنها مجملاً في المقولات الخمس السابقات، تتطلّبُ دراسة تفصيليّة مُدَعَّمَةً بالأَمثلة والشواهد المقرونة بالتحليل، ليستفيد منها دارس علوم البلاغة وفنونِها في تحقيق أربع غايات، وهي ما يلي: الغاية الأولى: حُسْنُ تَفَهُّم وتَدَبُّر النَّصوص البليغة الرفيعة من القرآن المجيد، وأقوال الرسول ﷺ ، وكلام أساطين البلغاء والشعراء.

стр. 299

الغاية الثانية: اكتساب القدرة على نقد النصوص المشتملة على ما هو سمين وغثٌ من الكلام، وبيان ما في النصوص التي يَنْقُدُها من محاسن وعيوب بلاغيّة وأدبيّة. الغاية الثالثة: اكتسابُ الذوق الرفيع الذي يُحِسُّ بمواطن البلاغة والجمال الأدبيّ. الغاية الرابعة: الاهتداءُ بهَدْي ما أعطَتْهُ الدراسة، لدى إنشاء الكلام، وكتابةِ المقالات والخطب والرسائل والمؤلفات، واكتسابُ الدافع الذّاتي لِتَحَرِّي ما يَرَاه الأَبْلَغَ والأجْمَل فيما يُنْشِىءُ من بيان، ولا سيما حينما يقول بوظيفة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأَمْرِ بالمعروف والنّهي عن المنكر. ولا يَفُوتُنا أخيراً ملاحظةُ أَنَّ حظوظ الناس فيما يستفيدونه من دراستهم متفاوتة متفاضلة، وهي تكون بحسب هِبَاتِهم الفطريّة، من الاستعداد لتَذَوُّق البيان الرفيع، وصناعَةِ الكلام البليغ وصياغته. ***

стр. 300

الفصل الثاني: الذكر والحذف (١) مقدمة * كل ما يُرادُ الإِعلامُ به من عناصر الجملة في اللّسان العربيّ، فالأصل السّاذَجُ بالنِّسْبَةِ إليه أنْ يُذْكر ولاَ يُحْذَفَ، لأنَّ ذِكْره دليلٌ على إرادة الإِعْلامِ به، أمّا حَذْفُه فهو دليلٌ على عدم الإِعْلامِ به. * هذا هو الأصلُ في الآليَّة المادّيّة لبناء الكلام الدّالِّ على المعاني الّتي يرادُ الإِعلامُ بها، إذا عَزَلْنا قُوى الإِدْراكِ اللَّمْحِيّ والإِشاريّ، وقُوى الاستدلالِ بقرائِن الأحوال وقرائن الأقوال، لدَى مُتَلقِّي الخطاب، ولا سيما أهلُ الفطانة والذّكاء وأهل الخبرة في حِيَلِ المعبِّرين عمّا في نفوسهم بأساليبِ وطرائق الكلام المختلفة، فهؤُلاءِ يكفيهم الرّمز وتُقْنِعُهم الإِشارة عن صريح العبارة. وقديماً قال العرب في أمثالهم: "تُقْرَعُ العصا لذي الْحِلْمِ" أي: يُدْرك ذو العقل الراجح والفطانة اللَّماحة الْمُرَادَ من قرع العصا على الأرض، فيستخرج منها رُمُوزاً ودلالات يقصِدُها قارعُها، كما ورد في قصّة مَضْرِب هذا المثل. ورَمزَ وفْدُ الرسول ﷺ إلى بني قريظة في غزوة الخندق، بقولهم له: "عضَل والقارة" أي: غَدَرَ بَنُو قريظة كما غدرت من قبلُ "عَضَلٌ والقارة". وحين دخل داهية العرب أَمِيرُ جيش المسلمين عمرو بن العاص، على

стр. 301

الداهية العجمي "أرطبون" حاكم القدس، مُدَّعِياً أنه رسول أمير جيش المسلمين إليه. وفَطِن "أرطبون" أنّ مثل هذا الرسول لا بدّ أن يكون هو أمير جيش المسلمين، فأمَرَ خاصَّتَهُ بأن يقتلوه قبل أن يخرج من المدينة، ووصل الخبر إلى عَرَبيٍّ في القدس يَعْرِف عمرو بن العاص، فقال له بعد أن خرج من قصر "أربطون" يَا عَمْرو أحسنْتَ الدُّخول فأحْسِنِ الخروج. ففطن عمرو بن العاص ﵁، أنّ أَرْطَبون شكّ في أمْرِه فأمَرَ سِرّاً بقتله، فعاد إلى "أرطبون" وزعم له أنّه واحدٌ من عشرةِ هم أهْلُ مشورة أمير جيش المسلمين، فإنْ رأيْتَ أن آتيكَ بهم ليسمعوا منك الذي سَمِعْتُه أنا منك، فتكون موافقتهم أوثق للأمر الذي تفاوضنا فيه، فطمع "أرطبون" بقتل العشرة فأَمَر سرّاً بعدم قتله، حتّى يأتيه ببقيّة أهل مشورة الأمير كُلِّهم فيقتلهم، ونجا عمرو بن العاص بهذه الحيلة الذكيّة. * ونلاحظ أنّ في كثيرٍ من الجمل العربيّة مخاذيفَ واجبَة الحذف أو جائزَته، قد لوحظ فيها أن المحذوف هو من الأكوان العامّة الّتي تُفْهَمُ بالْفِطْنَة دون أن تُذكَر، أو من الضمائر التي يُوجَدُ في الملفوظ من الكلام ما يَدُلُّ عليها، أو ممّا يسْهُلُ إدْراكُه ولو لم يُوجدْ في الكلام لفظ خاصٌّ يَدُلُّ عليه. وقد اعتاد أهل اللّسان العربيّ على حَذْفِها دواماً، أو أحياناً، لأنّ اللٍّسان العربيَّ مَبْنِيٌّ في مُعْظَم تعبيراته على الإِيجاز، وحذْفِ ما يُعْلَم ولَو لَمْ يُذكر، وهذا من مزايا اللّغة العربيّة. * وحينما يكون المتكلّم العربيّ الْبَلِيغُ أمام احتمالَيْنِ جائزيْنِ في اللّسان العربي كالذِّكْر والحذف، ويَرَى أنَّ كُلاًّ منهما يُحَقِّق توصيل ما يُريدُه من المعاني، إلاَّ أنّ أحدهما أكْثَرُ تأثيراً في المخاطب بحسب حاله، أو أكثر جمالاً لدى ذوّاقي

стр. 302

الجمال في الكلام، أو يراه يُحَقِّق له غرضاً بلاغيّاً لا يحقِّقُه له الاحتمال الآخر، فإنّ عليه أن يكون دقيق الملاحظة في خصائص الاحتمالات وفُروقِ دلالاتها، ويُحَدِّد منها ما يدعوه إلى ما يختار من ذكر العنصر من عناصر الجملة التي يُنْشِئُها أو حذفه. فإذا ذَكَرَ العنصُرَ وكان بالإِمكان إدْراكُ المخاطب معناه لو لم يَذْكُرْه، فينبغي أن يكونَ ذكره له مستنداً إلى داعٍ بلاغيٍّ رجَّحَ لَدَيْه ذكْره. وإذا حذَفَ الْعُنْصُرَ الذي يُمْكن إدْراكُ المخاطب معناه لو لم يذكُرْهُ، فينبغي أن يكون حذفُه له مستنداً إلى داعٍ بلاغيٍّ رجّح لَدْيه حَذْفه، وأدنَى ذلك الرغبةُ في الإِيجاز والاقتصادِ في القول، والبُعْدِ عن الإِسراف فيه، وإيثار جِسْمٍ للعبارة مُكْتَنِزٍ مُضمِّرٍ، على جِسْمٍ مُتَرَهِّلٍ مُنتَفخٍ لا رصانة فيه ولا قُوّة ولا جزالة. فلكلِّ من الذكر والحذف مقامٌ ينَاسِبُه، وحالٌ تقتضيه. * وقد نَبَّه البلاغيُّونَ على طائفةٍ من دواعي الذكر، وطائفةٍ أخرى من دواعي الحذف، وأشاروا إلى أنّ ما ذكروه من ذلك لا يُمَثِّل إحصاءً شاملاً لكلِّ الدواعي، وإنّما يُقَدِّم صُوراً ونماذج يمكن أن يهتدي بهديها الباحثون، ويَحْذوا حذوها، وأن تكون لديهم منطلقاتٍ للبحث الذكيِّ الفطن اللّماح في هذا المجال. *** (٢) دواعي ذكر العنصر مع إمكان إدراك معناه لدى حذفه ذكر البلاغيّون طائفةً من دواعي ذكر العنصر الذي يُراد الإِعلام به من عناصر بناء الجملة، مع إمكان فهم معناه العامّ لدى حذفه، وهذه الدواعي تُحَقّق أغراضاً بلاغيّة يَهْدِفُ إليها المتكلمّ البليغ.

стр. 303

وقد ظهرت لي بعض دواعي أخرى لم يُصَرِّحوا بها، وهي تحقّق أغراضاً بلاغيّة وهذه الدواعي الَّتي ظهرت لي تُقاس على ما ذكروا وهي ممّا يقع في نفوس المتكلمين البلغاء، وله تأثيرٌ ما في المخاطبين. وأُأكّد أنّه يَعْسُر إحصاءُ كلّ الدواعي الّتي تقوم في نفوس المتكلمين البلغاء لذكر ما يمكن حذفه، لذلك رأيتُ أن أعرض للدارسين ما ذكره البلاغيون، وأضيفَ إليه ما ظهر لي، وهي بمجموعها الدواعي السّتةَ عشر التالية: الداعي الأول: الاحتياط بذكر العنصر، لضعف التعويل على القرينة فيما لو حُذِف، إذْ تكون القرينة غير كافية للدلالة عليه، ويخشى المتكلّم أن يَلْتَبِسَ المرادُ على المتلَقِّي إذا حذفه تعويلاً على القرينة التي يمكن أن تدُلَّ عليه. الداعي الثاني: الإِشعار بغباوة المخاطب، وأنّه ليس من الّذين يُدْرِكون المراد بالقرائن، بل لا بدَّ من إعلامه باللّفظ الخاصّ الصريح الدّال على العنصر. الداعي الثالث: إرادة زيادة الإِيضاح والتقرير، وذلك حين يكون الموضوع يقتضي ذلك، كأمور العقائد، وأحكام الحلال والحرام، والصِّيغ القانونيّة التي قد يتلاعبُ بمعانيها أصحاب الأهواء، ولا تكفي القرائن لإِلزامهم بالمعاني المرادة. ويَحْسُنُ هذا الإِيضاح والتقرير في مجال تعليم مسائل العلوم، وفي الوعظ والإِرشاد، وفي مقام إثارة الحماسة وسائر العواطف، وفي البيانات والبلاغات العامّة للجماهير. الداعي الرابع: إرادة التعظيم والتفخيم، ويظهر هذا في نحو الأسماء والألقاب التي يُشْعِر ذكْرُها بعظمة أصحابها وفخامتهم، وفيما يُثِير ذكرُه في النفوس المهابة أو الإِجلال. الداعي الخامس: إرادة الإِهانة والتحقير، ويظهر هذا في نحو الأسماء

стр. 304

والألقاب، التي يُشْعِرُ ذكرها بمهانة أصحابها وحقارتهم، وفيما يُثيرُ ذكْرُهُ في النفوس الاحتقار والاستهانة. الداعي السادس: إرادة التهويل، ويظهر هذا فيما يُثيرُ ذكرُه في النفوس مشاعر الخوف والرهبّة. الداعي السابع: إرادة استثارة ما في نفوس المتلقّين من كوامن المشاعر، كإثارة شوق المخاطب بذكر اسم محبوبه، وإثارة الشوق إلى الوطن، بذكر اسمه لدى المسافر البعيد عنه، المشوق إلى العودة إليه. الداعي الثامن: إرادة التلَذُّذ، ويظهر هذا الداعي في الألفاظ الّتي يُحبُّ المتكلّم أن يُرَدِّدَها على لسانه، لأنّه يحبُّ مسمَّيَاتها، كاسم المعشوقة عند العاشق، واسم الذهب عند عشاقه. ويقول الناس: من أحبّ شيئاً أكثر من ذكره. الداعي التاسع: إرادة التبرُّك، أو العبادة ويظهر هذا في الأدعية، والأوراد، والأذكار. الداعي العاشر: إرادة ترسيخ ما يدُلُّ عليه اللّفظ في نفوس المتلقِّين، كألفاظ الأذان التي تعاد وتكرّر. وكما يعفل مُرَدِّدو الشعارات، بغية ترسيخها في نفوس الجماهير، حتى تكون معانيها جزءاً من مفاهيمهم الثابتة، ففي خطبة واحدة يُرَدِّدُ زعيم اشتراكيٌّ مثلاً لفظ "الاشتراكية" مئة مرّة، ولا يكتفي بأن يدُلَّ عليها بالضمائر. الداعي الحاي عشر: إرادة بسط الكلام في المقام الذي يحسُنُ فيه بسط الكلام، كمقام الافتخار، أو المدح، أو الذمّ والتشنيع والتوبيخ، وكمقام التعليم، أو الترويج لفكرةٍ ما، أو الترغيب فيها، أو الترهيب منها.

стр. 305

ويُراد بسْطُ الكلام لإِطالة وقت المحادثة والمحاورة، بغية التشرُّف، أو التبرّك، أو الاستئناس، أو الاستمتاع والتلذّد. وقد يُراد بسط الكلام بغية استدراج المخاطب للإِفاضة عمّا في نفسه، إذْ يُفْصِحُ في حالة الإِفاضة عن أشياء يَحْرِصُ في العادة على كِتْمانِها وعدم الإِعلام بها. الداعي الثاني عشر: إرادة التسجيل على المخاطب حتَّى لا يتأَتى له الإِنكار. الداعي الثالث عشر: إرادة تأكيد الرّدّ على المخاطب إذا كان يُنْكِرُ صحة ما يقال له، مثل قوله الله في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [الآيات: ٧٨ - ٧٩] . لقد كان يمكن فهم المراد دون ذكر [يُحْيِيها] لكن اقتضَى الردُّ على سؤالِ منكر البعث بإحياء العظام وهي رميم، بأنْ يُقالَ له: يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة. الداعي الرابع عشر: كونُ المختار للذكر نوعاً من الكلام يُفِيدُ معنىً خاصّاً مراداً لا يُسْتفاد هذا المعنى عند حذفه، ولو كان أصل المعنى قد يُفْهَم، ولكن بوجه عامّ، أو على وجه الإِجمال، فَيُقْصَدُ التعيين بالذكر. ويظهر هذا في نحو دلالة الفعل المضارع على التجدّد، ودلالة الاسم على مطلق الثبوت، والدلالات الخاصّة لأسماء الموصول، وأسماء الإِشارة، وغير ذلك. الداعي الخامس عشر: إرادةُ تكوين جُمَلٍ مستقلّة في الكلام، حتَّى يتَهَيّأَ إمكان سَوْقٍ كلٍّ منها منفردةً في المقام الملائم لها عند الحاجة. ويكثُرُ هذا في الْجُمَلِ القرآنيَّةِ التي يصلُح الاستشهاد بها في المواضع الملائمة

стр. 306

لها، فإذا حُذِفَ منها ما يمكن فهمه مع حذفه ضمن جُمَلِ الآية وهي مجتمعة، لم يتيسَّر الاستشهاد بالواحدة منها بصورة منفردة عند المناسبة الداعية إلى الاستشهاد بها، مثل قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) : ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ [الآية: ١٢٦] . فلو حذف لفظ الجلالة الذي بعد [وكان] لما نقص من المعنى شيء، ولكن لا يَحْسُنُ عندئذٍ اقتطاعُ جملةٍ: "وكانَ بكلّ شيء محيطاً" والاستشهاد بها منفصلةً عن الجملة السابقة لها. الداعي السادس عشر: إرادة إظهار التعجّب والاستغراب، كأن يقول قائل بشأن شخص حذّاء اسمه "مسرور" لم يُعرَف عنه أنّه خطب بين الناس خُطبةً ما: لقد خطب اليوم مسرورٌ الحذاء خطبةً عصماء أَسَرَتِ الجماهير، وأثَّرَتْ فِي عَواطفهم تأثيراً عظيماً، فيقول المخاطَبُ مُتَعَجِّباً: أمسرورٌ الحذاء هو الذي خطب هذه الخطبة العصماء؟! وقد كان يكفي أن يقول: أحقّاً خطب هذه الخطبة، ولكنَّه أعاد ذكر اسمه متعجّباً، ومستعيداً تذكّر صفاته التي لم يكُنْ يَتَخَيَّلُ معها أن يكونَ خطيباً، فضلاً عن أن يخطب خُطْبَةً عصماءَ. *** أمثلة وتطبيقات المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) بشأن المتقين: ﴿أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولائك هُمُ المفلحون﴾ [الآية: ٥] . في تكرير المسند إليه وهو اسم الإِشارة في الجملة الثانية مع فهم المراد دون

стр. 307

ذكره غرض بلاغيّ وهو زيادة الكشف والإيضاح بالتنبيه على أنّهم كما تحقّق منهم أنّهم متمكّنُونَ من تحقيق الْهُدَى الذي جاءهم من عند ربّهم بأعمالهم الصالحة، فقد ثبت لهم أنّهم هم المفلحون عند ربهم يوم الدّين، أي: هم الظافرون بما يريدون والفائزون بجنّات النّعيم. وفي هذه الإِعادة أيضاً فائدة جعل كلّ جملة من الجملتين وحدةً مستقلة، ولو انفردت كُلُّ جملةٍ منها لكانت كافية للدّلالة على الأخرى منهما عن طريق اللّزوم الفكري، لأنّ من كان على هدى من ربّه لا بُدّ أن يكون مُفْلِحاً، ومن كان من المفلحين فلا بدّ أنه قد كان على هُدىً من رَبِّه، ففي استقلاليّةِ كُلٍّ من هاتين الجملتين تأكيد لمعنى كلّ منهما عن طريق دلالة ما في الأخرى من اللُّزوم الفكري. ونظيره قول الله بشأن الّذِين كفروا في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) : ﴿أولائك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ وأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ [الآية: ٥] . ويكثر في القرآن ذكر المسند إليه أو المسند مع إمكان حذفه أو حذفهما لتكون الجمل مستقلّة، قابلةً لأن يُسْتَشْهد بها منفردة في المناسبات الداعيات إلى الاستشهاد بها، ومن ذلك قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) : ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل * فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء واتبعوا رِضْوَانَ الله والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [الآيات: ١٧٣ - ١٧٤] . لقد كان من الممكن الاستغناء بالضمير في "من الله - رضوان اللهِ - واللهُ ذو" لكن إعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجمل يجعل كلاًّ منها جملةً مستقلّة، مع

стр. 308

ما في ذكر لفظ الجلالة من تربية الإِجلال والإِعظام في القلوب، وإمكان الاستشهاد ببعضها منفردةً عن سائرها. ومن ذكر المسند والمسند إليه مع إمكان حذفهما قول الله في سورة (لقمان/ ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول) : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [الآية: ٣٤] . فقد كان من الممكن أن يقال: ولا بأيّ أرض تموت. المثال الثاني: ما جاء في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) بشأن تكليم الله موسَى ﵇: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى * قَالَ أَلْقِهَا ياموسى﴾ [الآيات: ١٧ - ١٩] . في هذا النَّصّ نلاحظ ذِكْرَ كلماتٍ كان من الممكن حَذْفُها دونَ أن يُؤَثِّرَ عَلى المعنى شيئاً. لقد كان يكفي أن يقول موسى ﵇ في جواب سؤال ربّه: "عَصَايَ" دون أن يقول: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ . وكان من الممكن أن يقتصر على بيان أنها عصاه، دون أن يشرح أعماله فيها بقوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [الآية: ١٨] . وكان من الممكن أن يقول الله له: ﴿أَلْقِهَا﴾ دون أن يناديَهُ ﴿ياموسى﴾ . لكن دعَا إلى بسط الكلام وإطالةِ الحديث رغبةُ الإِيناسِ مِنَ الرَّبّ ، ورغبةُ التشرّف والاستئناس والتلذّذ بطول المحادثة من موسى ﵇. ***

стр. 309

المثال الثالث: في قصّة إبراهيم ﵇ وتحطيمه أصنام القوم التي كانت على أشكال الناس، إلاَّ كبيراً لهم، وذلك حين خرج القوم من بلدتهم لعيدٍ لهم ولم يخرج معهم إبراهيم ﵇، جاء فيها بيانُ سؤال قومه له عمّن حطّم أصنامهم، فأجابهم ﵇ جواباً فيه تعريض بغباوتهم، إذْ ذَكَرَ في كلامه ما يُمْكن فَهْمُه لو حذفه، فقال الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) : ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هاذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هاذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هاذا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الآيات: ٥٩ - ٦٣] . لَقَدْ كَان يكفي أن يقول لهم: "بل فعله كبيرهم" أو يقول لهم: "بل فعله هذا" لكنّه شعر أنّهم أغبياء إذْ يُدَافِعونَ عن آلهتهم من الأصنام التي حُطِّمَتْ ولم تستطعْ أن تُدَافع عن أَنْفُسِها، ولم يُقْنِعهم تحطيمها بأنّها لو كانت تملك لأنفسها أو لغيرها نفعاً أو ضرّاً لحمت أنفسها من التحطيم، ولمنَعتْ مُحَطِّمَها من أن يجعلَهَا جُذاذا. ومن كان يمثل هذا الغباء فإنّه يُناسبُه أن لا يُحْذَفَ له من الكلام ما يُمْكن أن يفهمه أقَلُّ النَاس ذكاءً وإدراكاً لدلالات القول. *** المثال الرابع: جاء في المأثور من الأقوال، ويُرْوى عن عليّ بن أبي طالب ﵁: "اعمل لدُنيْاك كأنّكَ تعيشُ أبداً، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ كأنَكَ تَمُوتُ غداً". نلاحظ في هذا القول تكرير عبارة "اعمل" في الجملة الثانية، مع إمكان فهمها لو حُذفت، والغرض إرادة زيادة التقرير والإِيضاح، مع جعل كلّ جملة وحدةً مستقلّة. ***

стр. 310

المثال الخامس: قول الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم" في معلقته يفاخر بقومه فيكرّر المسند إليه فيقول "وأنّا" مع كلّ منقبة يَصِفُ بها قومه: وَقَدْ عَلِمَ الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ ... إِذَا قُبَبٌ بأَبْطَحِهَا بُنِينَا بِأَنَّا الْمُطْعِمُونَ إِذَا قَدَرْنَا ... وَأَنَّا الْمُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا وأنَّا الْمَانِعُونَ إِذَا أَرَدْنَا ... وأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا وأنَّا التَّارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا ... وأنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا وأنَّا الْعَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا ... وأنَّا الْعَازِمُونَ إِذَا عُصِنَا وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا الْمَاءَ صَفْواً ... وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وطِينَا قُبَب: جمع قُبَّة، وهي بناءٌ معروف، وقد تكون من بيوت العَرَبَ الرُّحّل من الأقْمشَةِ والجلود. بأبْطَحِها: الأبْطَحُ: الأرض الخلاء الواسعة. إِذَا ابْتُلِينَا: أي: إذا امتحنَّا بالقتال. ويصف قومه بأنهم أعِزَّاء يَمْنَعُون ما يريدون مَنْعَه فلا أحَدَ من الناس يُكْرِهُهُمْ على بذل شيءٍ لا يريدون بذله، ولا أحد من العرب يستطيع منعهم من أن ينزلوا بأيّ أرضٍ يريدون النزول فيها. ويصف قومه بأنّهم إذا سخطوا على إنسان مهما علت مكانته فإنهم يرفضون عطاياه ويتركونها، وإذا رَضُوا عنه فإنّهم يقبلون هداياه. ويصف قومه بأنَّهم يَعْصِمُون بالحماية والحفظ من يطيعهم، وأنّهم أهل عَزْمٍ وجِدٍّ وقُوّةٍ في تأديب من يعصيهم. ألا تُلاحظُ أنّه كرّر عبارة "وأنَّا" مع كلّ منقبة ذكرها لقومه مفاخراً، وغرضُه

стр. 311

إلصاق المنقبة في قومه بذكرهم عند ذكرها، وإبرازُها في جملة مستقلّة، وكان بإمكانه أن يعطف المناقب دون تكرير المسند إليه. ومن هذا القبيل قول الرسول ﷺ مفاخراً في إحدى الغزوات: أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابْنُ عَبْدِ المطلّب. *** المثال السادس: ما جاء في شعر الشاعرة الخنساء، تُمَاضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بني سُلَيم، مُضَرِّية من أهل نجد، أشعر شواعر العرب، أدركت الجاهلية والإِسلام، ووفدت مسلمة على رسول الله ﷺ مع قومها بني سليم، ومن شعرها قولُها في رثاء أخيها صخر: أَعَيْنَيَّ جُودَا وَلاَ تَجْمُدا ... أَلاَ تَبْكيَانِ لِصَخْرِ النَّدَى ألاَ تَبْكِيَانِ الْجَوَادَ الْجَمِيلَ ... أَلاَ تَبْكِيَانِ الْفَتَى السَّيّدا قالت هذا وهي في موقف الحزن، فَحَسُنَ في حِسِّها الملتهب بالمشاعر، وهي من أشعر الشواعر، أن تكرّر قولَها تخاطب عينيها: "أَلاَ تبكيان" مع أن العبارة الأولى كانت كافيةً للدلالة على المقصود، حتى العبارةُ الأولى كان بالإِمكان فهمُ أصل المراد منها من قولها في الشطر الأول: "أَعينيَّ جودا ولا تجمدا" لكن في عبارة الاستفهام من أغراضٍ بلاغية ما ليس في عبارتي الأمر والنهي، وفي فعل "تَبْكِيان" من دلالة على تجدِيد البكاء المتتابع ما ليس في "جُودا ولا تجمُدا" فقصدت إلى تعيين نوع البكاء، وأنّه ينبغي أن يكون بكاءً متجدّداً، فاستعملت الفعل المضارع الدالّ على هذا المعنى. وبكت أخاها صخراً في شعرها، فجعلتها شاعريَّتُها تكرّر في مقام رثائها لأخيها وفجيعَتِها به عبارةً "وابكي أخاك" تخاطب نفسها على طريقة التجريد:

стр. 312

وَابْكِي أَخَاكِ وَلاَ تَنْسَيْ شَمَائِلَهُ ... وابْكِي أَخَاكِ شُجَاعاً غَيْرَ خَوَّارِ وابْكِي أخَاكِ لأَِيْتَامٍ وأرْمَلَةٍ ... وابْكِي أَخَاكِ لحَقِّ الضَّيْفِ والْجَارِ لقد كان من الممكن أن تُعَدِّدَ ما تُرِيدُ من شمائل أخيها، دون أن تكرّر عبارة "وابْكي أخاكِ" لكنّها في مقام التوجّع والتفجُّعِ والرّثاء والنحيب، وفي هذا المقام الملتهب بمشاعر الحزن الحارّ، يحلو في أنْفُسِ ذواتِ الحزن التكرار، كما يَشْفِي تكرار تدفُّق الدموع. المثال السابع: هجا جرير قبيلة "سدوس" وذمَّهَا فكرّر في هجائه ذكر اسمها مع كلّ صفة ذمّ ذكرها لها، إمعاناً منه بإلصاق المثالب التي ذكرها بها إلصاقاً يُصاحِبُهُ التشهير، والإِذاعةُ بالتكرير، مع أنّه كان يكفي العطفُ في ذكر الصفات، دون إعادة ذكر اسم القبيلة التي يذُمُّها، فقال في هجائه: أَخِلاَّئِي الْكِرَامُ سِوَى سَدُوسٍ ... وَمَالِي فِي سَدُوسٍ مِنْ خَلِيلِ إِذَا أَنْزَلْتَ رَحْلَكَ فِي سَدُوسٍ ... فَقَدْ أُنْزِلْتَ مَنْزِلَةَ الذَّلِيلِ وَقَدْ عَلِمَتْ سَدُوسٌ أَنَّ فِيهَا ... مَنَارَ اللُّؤْمِ واضِحَةَ السَّبِيلِ فَمَا أعْطَتْ سَدُوسٌ مِنْ كَثِيرٍ ... وَلاَ حَامَتْ سَدُوسٌ عَنْ قَلِيلٍ ففي البيت الأوّل يذكر جرير أنّه اتّخذ أخلاءه الكرام من غير سدوس، وأنّه لم يتخذ منها خليلاً واحداً، مشيراً إلى انعدام الكرام فيها. وفي البيت الثاني يخاطب نفسه وكلّ مسافر بأنّه إذا أنزل رحله في أرض سدوس لم يجد لديهم مقاماً كريماً، بل يجد نفسه قد أُنْزِل منزلة الذليل، لأنّ سدوساً أذلاء لا عزّة لهم وَلا مَنَعة عندهم. وفي البيت الثالث يذكر أنّ سدوساً تَعْلَم من أنفسها أنّها منار اللُّؤْم بين القبائل.

стр. 313

وفي البيت الرابع يصفُ سدوساً بأنّها غاية في البخل، وغاية في الضعف والجبن، فهي لا تعطي شيئاً حينما يكون لديها الكثير لبُخْلِها، وهي لا تحمي الشيء القليل الذي لديها، لضعفها وجُبْنِهَا إذا لم يكن عندها إلاَّ القليل، وهي مضطرة إليه. *** المثال الثامن: يحرّك الله في أهل القرى "وهي كلُّ مجمّع سكني ولو كان من المدن الكبرى" الذين كذّبوا رُسل رَبّهم المخاوف من مفاجأة نقمة الله وعذابه ليلاً أو نهاراً، فيقدّم لهم التنبيهات المتتابعات، مع تكرير ما يمكن أن يُفْهَم لو حذف، لأنّ تكرار الذكر يساعد على عدم شرود الذهن عن إدراك ما جاء في عبارات الترهيب، بخلاف الحذف فإنّه يساعد على شرود المقصودين بالخطاب، نظراً إلى أنّهم كافرون قد انصرفت أذهانهم عن سماع عبارات الإِنذار والترهيب، بسبب كفرهم، فهي تحتاج إلى دقّاتٍ متواليات كدقَات الناقوس، أو أصوات البوق المتواليات المنذرات بالخطر. فقال الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض ولاكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ [الآيات: ٩٦ - ٩٩] . المقامُ مقامُ تهديدٍ ووعيدٍ واستثارة لمخاوف أهل القرى، فاقتضى هذا المقام إعادةَ ألفاظٍ كان يمكن فهم معناها بِدون إعادتها، لأنّ هذه الإعادة هي بمثابة الدَّقَات المتواليات التي تثير الانتباه بسبب مخالفتها لما يقتضيه المألوفُ في الأسماع. ***

стр. 314

المثال التاسع: رثت ابنة النعمان بن بشير الأنصاري الصاحبي زَوْجَها مالكاً، فعبّرت في رثائها عن فاجعتها بزوجها، فكرَّرتَ عبارة من الممكن فهمها بداهة ولو لم تكرّرها، لكِنَّ التفجُّع في الحُزْنِ الحارّ يَحْسُنُ معَهُ التكرار، فقالت: وحَدّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكاً ... أَقَامَ ونَادَى صَحْبُهُ بَرِحِيلِ وحَدَّثَنِي أصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكاً ... ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ نَكُولِ وحَدَّثَنِي أَصْحابُهُ أَنَّ مَالِكاً ... صَرُومٌ كَمَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ ضَروبٌ: أي: كثير الضرب. غَيْرُ نكُولِ: أي: غيرُ ضعيفٍ ولا جبانٍ. صَرُوم: حادٌّ شديد المُضَاء قاطع. كماضِي الشفرتين: أي: كسيفٍ ذي حَدَّيْنِ وَهو فيهما ماضٍ حادٌّ قاطع. صَقِيل: أي: مجلوّ يتلامع من شدّة جلائه. المثال العاشر: مدحت الشاعر "ليلى الأخيلية" من بني عامر بن صعصعة، الحجّاجَ، فقد وفدت عليه مرّات، فكان يُكرمُها ويُقَرِّبُها، فكرَّرتْ بعض العبارات في مدحها له بفنّية جمالية بارعة، لتبني على ما تكرّره تفصيلات يحْسُن لدى ذكرها تكرير العبارة التي تريد أن تبني عليها تفصيلاتها، فقالت: إِذا هَبَطَ الحجَّاجُ أَرْضاً مَرِيضَةً ... تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الّذي بها ... غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشُرْبٍ سِجَالُهُ ... دِمَاءُ رِجَالٍ حَيْثُ مَالَ حَشَاهَا إِذَا سَمِعَ الْحَجَّاجُ رَزَّ كَتِيبَةٍ ... أَعَدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُولِ قِرَاهَا أَعَدَّ لَهَا مَسْمُومَةً فَارِسِيَّةً ... بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلُِبُونَ صَراهَا

стр. 315

أرضاً مَرِيضَةً: تريد أرضاً فيها خارجون على مُلْك بني إميّة، فبخروجهم صارت أرضاً مَرِيضةً "على سبيل الاستعارة". الدّاء الْعُضَال: هو الداء الشديد الذي لا طِبَّ له. سِجَالُه: السجال جمع "السَّجْل" وهي الدلو العظيمة. حشاها: ما في بطونها من أحشاء. رَزّ كتيبة: أي: صوت كتيبة مقاتلة. صَرَاهَا: أي: ما جمعتْ في ضرْعها. يلاحظ أن معظم عباراتها اعتمدت على الاستعارة، فقد استعارت الشفاء لقتال الخارجين على سُلْطة بني أميّة واستئصالهم، واستعارت "السقيا" لاصطباغ الرماح بدماء الخارجين، إذ شبَّهتْها بالظامىء، لكنها ظامئة لدماء أهل الْحِرابة، وشبَّهت عمل جنود الحجّاج بمن يحلب الضروع المصرّاة حين يمسحون الدماء عن نصالها. المثال الحادي عشر: وقف الجاهليّ امرؤ القيس على أطلال صاحبته "سلْمَى" وحيّاهُ تحيّة الجاهليّة، ثم توارَدَتْ عليه الذكريات، وأيْأسَهُ ما رأى من واقع عفاء الدّيار، وخلوّها من ساكنيها فقال مكرّراً عبارة: "وتحسبُ سَلْمَى لا تزال" استئناساً بإعادة الاسم، عند فقد المسمَّى: وتَحْسَبُ: سَلْمَى لاَ تَزَالُ تَرَى طَلاَ ... منَ الْوَحْشِ أَوْ بِيضاً بِمَيْثَاءَ مِحْلالِ وتَحْسَبُ: سَلْمَى لاَ تَزَالُ كَعَهْدِنا ... بِوَادِي الْخُزَامَى أَوْ عَلَى رَأْسِ أَوْ عَال تَرى طلاً: الطَّلا: الصغير من كلّ شيءٍ، وولد الظبيَةِ، والصغير من الوحش منذ ولادته حتى يشتَدَّ.

стр. 316

أو بِيضاً: البيض جَمْعُ أبْيضَ، ولعلّهُ يقْصِدُ ولداناً بيضاً، لأنّ الذكريات عن العهود الغوابر يبرزُ منها ما فيها من صُوَرٍ جماليّة، وأجملُ ما يثبتُ في الذكريات الصغارُ من النَّعَمِ والوحش، والولدان البيض في ملاعبهم. بِمَيْثَاءَ: الميثَاءُ الرَّمْلَةُ السهلة، والرابية الطيِّبَة، والتَّلْعَةُ العظيمة. مِحْلاَل: يقال لغةً: مكانٌ مِحْلاَلٌ إِذا كَانَ كثير الرُّوَّاد، ولاَ يكون كذلك إلاَّ لما فيه من صفاتٍ تُرَغَّبُ فيه. بِوَادِي الْخُزَامَى: أي بالوادي الذي يكثر فيه نبات "الخُزَامَى" في دِيارِ سَلْمَى التي صارت أطلال خالية من ساكنيها الغابِرينَ. أو على رأس أَوْ عَالٍ: أي: أو على رأْسِ صُخُورٍ مُشْرِفَةٍ فوق القِمَم، شُبِّهَتْ هذه الصُّخور بالأوعال جمع "وَعِل" وهو تَيْسُ الجبل، لأنّ الأوعال تَصْعَدُ رؤوس التلال والجبال، وتُشْرِف برؤوسها، وتوجد في المرتفعات صخور تُشْبِهُها، يَصْعَدُ إليها المتنزّهون، ويجلسون عليها، مستمتعين بالارتفاع والمشهد والحديث، وكان لامرىء القيس مجالس هنا لك مع صاحبته سلْمَى. هذه طائفة من الأمثلة اكتشفنا فيها بعض أغْراض ذكر العنصر الذي يمكن فهمه بوجه عامّ فيما لو حُذِف من الكلام، لكنَّ الداعيَ البلاغِيّ رجَّحَ في ذَوْقِ الأَديب البليغِ ذكره على حذفه، لإِفادة المعنى البلاغيّ الذي قصده. والدواعي التي لم أورد أمثلة لها من أقوال البلغاء والفصحاء، ليس من الصّعْب وضْعُ أمثلة لها، أو اكتشاف أمثلة لها لدى الاطلاع على النصوص البليغة من النثر والشعر. فعلى مُحَلّل النصوص الآدبيّة البليغة أن يكون على بصيرة بمختلف الأغراض البلاغيّة، وحتى يكون شرحُهُ الأدبيُّ البلاغيُّ للنصوص كاشفاً بِدِقَّةٍ أغراضَ البلغاء. ***

стр. 317

(٣) دواعي الحذف في الكلام مقدم: قد يرى المتكلّم البليغ الذّوّاقُ للأدب الرفيع أن يحذف من كلامِه الذي يُريدُ توصيلَ معناه لمَنْ يتلَقَّى كلامه، مَا يمكِنُ أن يفهمه المتلَقّي بقرائن الحال، أو قرائن المقال، أو باللّوازم الفكرية الجليّة، أو باللّوازم الفكرية الخفية وبالإِشاراتِ الّتي تُدْرَكُ بالذكاء اللّمَّاح، ومن المعلوم أنّ الأذكياء يكفيهم الإِلْماح، لأنهم يدركون المقاصدَ باللّمح. وقد اهتمّ علماءُ البلاغة، والباحثون في إعجاز القرآن بدراسة ما في كتاب الله من محذوفات، وبدراسة أقوال كِبَارِ البلغاء والفصحاء، وما فيها من عناصر محذوفة مع أرادة توصيلِ معانيها للمخاطبين بها، فاكتشفوا أنّ الحذف من صريح البيان، والاكتفاء بدلائل قرائن الأحوال أو قرائن الأقوال، أو دلائل اللّوازم الفكرية، وما في الأقوال المذكورة من إشارات، قد يكون أبلَغ وأبدَعَ وأكْثَرَ جَمالاً، إذَا كان المتلَقِّي ممَّنْ تقتضي حالُه أنْ يُخَاطَبَ بمثل ذلك، اعتماداً على ذكائه وفطنته، أو كان في المتلقّين من هم كذلك، وهؤلاء يكشفون لسائر المخاطبين ما فهموه من الكلام الموجّه للنّاس بوجهٍ عامٍّ، فَيُغْنِي إفهام أهل البحث والعلم والفطنة بكلام يُلاَئمُ مقتضى حالِهم، إذْ هم مُكَلَّفُونَ إِفْهَامَ الآخرين وتعليمَهُم، ولا حاجة في كلّ الكلام أَنْ يلائم أحوال متوسطي الذكاء فمن دونهم، إذا كان الكلام موجّهاً للناس بوجه عامّ. ولذلك نجدُ في كتاب الله الموجّه للناس أجمعين ما يمكنُ أَنْ يفهمه بسهولة كلُّ المخاطبين، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ متوسّطٍ أو فوق المتوسط، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ فائقٍ وفطنةٍ رفيعة عالية، ليشرح هؤلاء ما فهموه من كتاب الله، ويقدّموه لسائر الناس بما يفهمون من بيان.

стр. 318

وَإِذْا أحسَّ أستاذُ علوم البلاغة "عبد القاهر الجرحاني" أَنَّ حذفَ ما يُمْكن أن يُدركَهُ أهل الذكاء والفطنة بالقرائن أو الإِشارات، ممّا يرفع مستوى الكلام إلى مراتب عاليةٍ في البلاغة والإِبداع والجمال البياني، قال كما جاء كتابه "دلائل الإعجاز" بشأن الحذف: "هذا بابٌ دقيقٌ الْمَسْلَكِ، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمْر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإِنَّكَ ترى به تركَ الذّكر أفْصَح من الذكْر، والصَّمْتَ عن الإِفادة أزيد للإِفادة، وتجِدُكَ أنْطَقَ ما تكونُ إِذَا لَمْ تَنْطِقْ، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لمْ تُبَيّنْ، وهذه جُمْلَةٌ قدْ تُنْكِرُها حتَّى تَخْبُر، وتَدفَعُهَا حتَّى تَنْظُر". وممّا سبق ندرك أنّ من شرط حَذْفِ ما يُرادُ الدلالة على معناه، أن يمكن القول، إدراكُهُ بقرائن الحال أو قرائن المقال، أو اللّوازم الفكرية، أو إشارات المذكور من القول وإلاَّ كان تَعْمِيَةً لا تليق بذي بيان بليغ. ومن علامات الحذف البليغ الذي يرفع قيمة الكلام، أنَّه إذا أُظْهِرَ المحذُوف زالَ ما في الكلام من بهجة وطلاوة وجمالٍ فنّي وإبداع. *** أقسام الحذف: لدى استقرار صوف الحذف في الكلام العربي البليغ يظهر لنا أنّه يدور حول حذف جُزْءٍ من الكلمة أو ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَة جزئها، كأداة النداء وياء المتكلّم. وحذف جُزْءٍ من الجملة كحذف المسند أوحذف المسند إليه أو حذفهما، أو حذفِ شيءٍ من متعلّقاتِ الفعل أو ما يَعْمَلُ عمله. وحذف جملة كاملة. وحذف أكثر من جملة. فالحذف إذَنْ يقع في أربعة أقسام: القسم الأول: حذفُ جُزْءٍ مِن الكلمة أو ما يُنَزَّلُ منزلة جُزْءِ الكلمة، ولم

стр. 319

يوجّه البلاغيون عناية لهذا القسم، لكن تنبَّهَ إلى بَعْضِهِ "الأخفش" من علماء العربيّة، وحاول تعليله وفق مناهج النحاة والصرفيين، لا وفق مفاهيم البلاغييّن والأدباء، وذلك في قول الله في سورة (الفجر/ ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول) : ﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾ [الآية: ٤] . بحذف "الياء" من "يَسْرِي" مراعاة لرؤوس الآيات، دون أن يُوجَدَ مقتضٍ نحويٌّ لهذا الحذف. وتنبَّهَ إلى هذا القسم وأضافه اقتراحاً إلى أقسام الحذف البلاغي من المعاصرين "د. محمد أبو موسى" في كتابه "خصائص التراكيب" وقد أحسن صُنْعاً. وأقول في شرح هذا القسم: إِنّ العربيّ قد اعتاد أن يختصر من الكلمة إيجازاً في نُطْقِه وتخفُّفاً، وذلك في بعض كلامه ممّا يكثر تداوله، فيحذف بعض حروف الكلمة، وأن يختصر أيضاً فيحذف بعض ما يُنَزّلُ مَنْزِلَة جُزْءِ الكَلمة، كالجزء الثاني من المركب تركيباً مَزْجِيَّاً، وكالمضاف إليه، وكياء المتكلم، وأداة النداء. ويظهر لنا هذا في بعض أنواعٍ من الكلام العربي، ومنه ما نجده في الأبواب التالية: فمنه ما يُسمَّى الترخيم في باب النداء، فقد يحذف العربيُّ في النداء آخر حرف في الكلمة، أو الحرفين الأخيرَيْن منها، وقَدْ يَحْذِفُ الجزءَ الثانِيَ من جزئي الكلمة المركّبة تركيباً مزجيّاً، وقد يحذف في الترخيم المضاف إليه. ومن دواعيه إلى ذلك الإِيجاز، والتحبُّبُ لِلْمُنَادى أحياناً، ومراعاة جمال فنّيٍّ في نَسَقِ الكلام، وإيثار اللفظ الأخف على اللّسان، إلى غير ذلك.

стр. 320

الأمثلة: (١) قول امرىء القيس: أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ ... وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجمِلِي أي: أفاطمةُ، وفي هذا الترخيم يظهر معنى التحبُّب مع إرادة سلامة الوزن الشعريّ. (٢) قول الْعَجَّاج يخاطِبُ امرأته "جارية" وهو يُعِدُّ رحل ناقته للسَّفر، فقالت له: "ما هذا الذي تَرُمُّ" أيْ: تُعِدُّهُ من أمْرٍ رغبةً في الارتحال: فقال لها: جَارِيُ لاَ تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي ... سَعْيِي وإشْفَاقِي عَلَى بَعِيري فحذَفَ حرفَ النداء ورَخَّمَ، وأصلُ الكلام: "يَا جاريَةُ" ومعنَى "عَذِيري": حالي، وما أحاول من سَفر، فعذيرُ الرَّجل ما يرومُ وما يُحَاول مما يُعْذَرُ عليه إذا فعله. (٣) قول الفرزدق، يخاطب مروان بن عبد الملك: يَا مَرْوَ إِنَّ مطيّتِي مَحْبُوسَةٌ ... تَرْجُو الحِبَاءَ وَرَبُّهَا لَمْ يَيْأَسِ أي: يا مروان، فحذف الحرفين الأَخيرين من "مروان". (٤) قول لبيد: يَا أَسْمَ صَبْراً عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدَثٍ ... إِنَّ الْحَوَادِثَ مَلْقِيٌّ وَمُنْتَظَرُ أي: يَا أسماء، فحذف بالترخيم الحرفين الأخيرين من "أسماء". (٥) وقالوا مُرَخّمين في نداء نحو"حضر موت" وفي نداء نحو "مَعْدِ يكرب": يا حَضْرَ - يَا مَعْدِ. (٦) وكثيراً ما يحذف العرب أداة النداء، وياء المتكلم التي يضاف إليها المنادى، مثل: "يَارَبّ - يَا أبَتِ - يا ابْنَ أمَّ - يَا عبادِ - يَا غلامِ".
следующие страницы →