← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حصلت فيه سرقَةٌ فعلاً: "ما أنا سرقتُ المنزل" أو "ما أنا سارقٌ المنزل" أي: بل غيري هو الذي سرقه، فقَصَرَ نَفْي السّرقة على نفسه، ولم يَنْفِ حصول السرقة نفياً كليّاً. يضاف إلى ما سبق أنّ ما يعتني الإِنسان بتفخيمه وتعظيمه في كلامه يحاول تقديمه على غيره في الذكر، كما يقدَّم العظماء في المجالس والمواقف. وكذلك ما يريد توجيه العناية له في أمْرٍ من الأمور، نظير تقديم العروسين في ليلة عرسهما، وتقديم المتخرجين لتسليمهم شهاداتهم، وتقديم المتفوقين لتسليمهم جوائز تفوّقهم. وعلى نظير ذلك نلاحظ البدء بطرق المسامع بالمسند إليه في مجال الافتخار، ولدى إرادة تعجيل المسرّة بالبشرى والوعد ونحوهما، أو تعجيل المسَاءَة بالإِنذار والوعيد ونحوهما، ولدى الرغبة في تعجيل التلَذُّذ بذكره، ولدى الإِشعار بأنه حاضر في التصوّر لا يغيب عنه، فهو يَسْبِقُ غيره إلى النُّطق به، ولدى الإِشعار بالاهتمام بمدحه أو ذمّه، إلى غير ذلك ممّا قد يلاحظه فطناء البلغاء. وفي كلّ الأحوال ترجع مزايا التقديم إلى أمرين رئيسين: الأمر الأول: ما يفيد زيادةً في المعنى وزيادةً في جمال اللفظ، وهذا غاية ما يعتني به البلغاء في هذا المجال. الأمر الثاني: ما يفيد زيادةً في أحدهما فقط، ويدخل هذا أيضاً ضمن مقاصد البلغاء. أمّا ما يتكافأ فيه التقديم والتأخير فلا يهتم له البلغاء، وأمّا ما يختلُّ به المعنى أو يفقد عنصراً من عناصر جمال اللّفظ فيتجافون عنه وينفرون منه. ***

стр. 352

(٣) دواعي تقديم المسند إليه من البيان السابق نستطيع استخلاص طائفةٍ من دواعي تقديم المسند إليه على المسند حينما يكون الْمُسْنَد فعلاً، أو اسماً ممّا يحتمّل الضمير كالفعل، إذْ يعمل مثل عمله، ولو كان محذوفاً من اللفظ إلاَّ أنّه مقدّر ذهناً كمتعلّق الظرف والجار والمجرور أحياناً. والطائفة التي نستخلصها هي ما يلي: الداعي الأول: تقوية الحكم الذين دلّت عليه الجملة وتوكيده على ما سبق به البيان. الداعي الثاني: إرادة إفادة اختصاص المسند بالمسند إليه، إذا كان في السّباق أو السياق أو القرائن الأخرى ما يساعد على ذلك، كالرّدّ على مدّعي خلافه، فإذا كان يدّعي انفراد غيره به، أو مُشَاركته له فيه قال له: "أَنَا فعلتُه" أي: فعلته وحدي. الداعي الثالث: الرغبة في تعجيل المسرّة، أو تعجيل المساءة، وذلك في مواطن البشرى والوعد، ومواطن الإِنذار والوعيد. الداعي الرابع: الإِشعارُ بأنه حاضرٌ في التصوّر لا يغيب، لذلك فهو يسبق غيره في التعبير، فيبدأ اللّسان بالنطق به. الداعي الخامس: الرغبة في تعجيل ذكره، لما يحصل في النفس من مشاعر لذّة، إذ هو محبوبٌ لديها، ومعلومٌ أنّ المحبّ يتلذّذ بذكر اسم محبوبه. الداعي السادس: مراعاة حال المخاطب الذي يسُرُّه البدء بالمسند إليه، لتشوّقه إلى معرفة أخباره، أو استئناسه أو تلذّذه بسماع اسمه.

стр. 353

الداعي السابع: الرغبة في البدء بالمسند إليه تفاخراً، في المواطن التي يكون ذكر المسند إليه فيها يُشعر بالفخر، كأن يقول من يريد الفخر من الطائيين: "حاتم الطائي جدي" وكأن يقول الشريف: "محمّد رسول الله جدي" ومنه قول سيدنا "علي بن أبي طالب" ﵁ في غزوة خيبر: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي الْحَيْدَرة ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ غَلِيظِ الْقَصَرةِ أَضْرِبُ بِالسَّيْفِ رِقَابَ الكَفَرة ... أَكِيلُكُمْ بالسّيُفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة حَيْدَرَة: من أسماء الأسد، قال ابن الأعرابي: الحيدرةُ في الأُسْدِ مثل الملك في الناس. القَصَرَة: العنق وأصْلُ الرقبة. السَّنْدَرة: مكيالٌ كبير. فقدم المسند إليه "أَنَا" مفاخراً في مقام يحْسُنُ فيه الفخر، لأنَّه يقاتل الكفَرَة أعداء الله. الداعي الثامن: كون المسند إليه أمراً مستغرباً أو مفاجئاً أو نادِراً أو مخفياً، مثل: "الحيتانُ العظمى أقبلت إلى الشاطىء - الجنُّ لها مساكن في أمّ لقرى - جيش العدوّ دخل المدينة - بَقرةٌ تكلّمت - الكنْزُ ظهَرَتْ مَعَالِمُه". الداعي التاسع: الرّغبة في الإِسراع بالتبرك، ويظهر هذا في أسماء الله الحسنى. الداعي العاشر: الاهتمام بالممدوح بتقديم اسمه في الجملة، كقولي من قصيدة: مُحَمَّدٌ أنت مَا أَحْلاَكَ تَسْمِيَةً ... اللَّهُ سَمَّاكَهَا والحمد مُنْتَظَرُ لقد حَسُن في مدح الرسول البدءُ بذكْر اسمه.

стр. 354

وفي تقديم لفظ الجلالة "الله" ما يشعر بالتفخيم والتعظيم، وهذا من الدواعي أيضاً كما يأتي. الداعي الحادي عشر: إرادة التفخيم والتعظِيم، كأن يسأل سائل: ما بال أهل مدينتنا ينصبون الزّينات في الشوارع وعلى الأبنية وعلى الحافلات وكلّ السّيّارات، وبالتلقائيّة يأتيه الجواب: مَلِكُ البلاد سيزورنا قريباً. الداعي الثاني عشر: إرادة تمكين المسْنَد، لأنّ في المسند إليه تشويقاً إليه. إلى غير ذلك من دواعي تتفتَّقُ عنها قرائح البلغاء. *** ملاحظتان الملاحظة الاولى: حول كلمتي "مثل - غير". ذكر علماء البلاغة أنّ كلمتي "مثل" و"غير" تلازمان التقديم في التراكيب البليغة، إذا أُرِيد بهما الكناية عن الشخص الذي يجري الحديث عنه. كأنْ تقول له: * "مثْلُكَ لاَ يَبْخَل - مثلُكَ لا يقصر في فعل الخير - مثلك لا يترك الصلاة المفروضة عامداً". أي: أنت لا تفعل ذلك، دون أن تريد التعريض بغيره، مُومِئاً إلى أن من تُعَرّضُ به يتصف بالبخل، أو بالتقصير في فعل الخير، أو بترك الصلاة المفروضة عمداً. * "غَيْرُك يُسِيءُ إلى أصدقائه - غيرك لا يُعاشر أهْلَهُ بالمعروف - غيرُكَ يمنَعُ الزكاة.

стр. 355

أي: أنت لا تسيءُ إلى أصدقائك - وأنت تُحْسِن معاشرة أهلك بالمعروف - وأنت لا تمنع الزكاة، دون أن تريد التعريض بغيره، مُومِئاً إلى أن من تعرّض به يسيءُ إلى أصدقائه، أو لا يعاشر أهله بالمعروف، أو يمنع الزكاة. * ومنه قول المتنبي من قصيدة يُعَزِّي بها أبا شجاع عضد الدولة وقد ماتتْ عمّته: مِثْلُكَ يَثْني الْحُزْنَ عَنْ صَوْبِهِ ... وَيَسْتَرِدُّ الدَّمْعَ عَنْ غَرْبِهِ وَلَمْ أَقُلْ "مِثْلُكَ" أَعْنِي بِهِ ... سِوَاكَ يَا فَرْداً بِلاَ مُشْبِهِ يَثْنِي: أي: يَعْطِفُ ويَصْرِف. عَنْ صَوْبِهِ: أي: عن قَصْدِه. عن غَرْبِهِ: أي: عن مجراه. الْغَرْبُ: مجْرَى الدَّمْعِ وَجمعه "غُروب". والمعنى: أنت تقدر أن تَعْطِفَ وتصرفَ الحزْنَ عن قصده حين يتوجه لنفسك وقلبك، بالحكمة والصّبْر. وأنت تستطيع أن تسترجع بقوّة احتمالك وبالغ عزمك الدمعَ عن مجراه، وتمنعَهُ من متابعة الجري. *** الملاحظة الثانية: على خلاف ما ذكر البلاغيون فإنني لست أرى أن يُلْحق بباب التقديم والتأخير البلاغي تقديم أداة النفي على اللفظ الدالّ على العموم، ولا تقديم اللفظ الدالّ على العموم على أداة النفي، فهذه قضية فكرية تتصل بأصل بناء الكلام في أدائه للمعاني، وهي ترجع إلى قاعدة "سَلْبِ العموم أو عُموم السلب" فإذا سُلِّط النفي على العموم لم يلزم منه نفي جميع الأفراد، لأنّ المنفيّ حنيئذٍ هو

стр. 356

العموم لا جميع أفراده، وإذا سُلّط العموم على المنفي بأداة النفي فإنَّه يَدُلُّ حينئذٍ على نفي جميع الأفراد. فإذا قلنا: "ليس كان إنسان كاتباً" بتسليط السَّلْب على العموم فمعنى هذه الجملة أنّ بعض الناس غير كاتب، وهذا حكم صادق. وإذا قلنا: "كُلُّ إنسان ليس كاتباً" بتسليط اللفظ الدال على العموم على الجملة المنفيّة "المسلوبة" فمعنى هذه الجملة أنه لا أحد في الناس هو كاتب، وهذا حكم كاذب غير صحيح. فمعني كلٍّ من الجملتين قد أُخِذَ عقليّاً من تسليط النفي على العموم، ومن تسليط العموم على النفي، ولم يُؤْخَذْ من دواعي بلاغية، وهذا الموضوع هو من اهتمامات علماء المنطق وعلماء أصول الفقه، وقد شرحتُه في مقولةٍ خاصة في كتابي: "ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة". انظر إلى قول القائل: "كُلُّ كبائر الإِثم لم أرتكبها" فإنّك تجد أن هذا الكلام يفيد أنه لم يرتكب شيئاً من كبائر الإِثم، ولذلك قد يعترض عليه بمثل قول القائل: "بل ارتكبْتَ بضعها". انظر إلى قول القائل: "لم أرتكبْ كُلَّ كبائِرِ الإِثْم" فإنّك تجد أنَّ صاحب هذا الكلام لا ينفي عن نفسه أنّه ربما ارتكب بعض كبائر الإِثم، من أجل هذا لم يصحّ أن يُعتَرضَ عليه بمثل قول القائل: "بل ارتكبت بعضها" لأنّ هذا أمر لم ينفه عن نفسه، وإنما قد يُعْتَرض عليه بمثل قول القائل: "بل ارتكبْتَ جَميعَ كَبَائر الإِثم" إذا كان قد ارْتكبَهَا فِعلاً.

стр. 357

فقول أبي النجم: قَدَ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعي ... عَليَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أَصْنَع يفيد أنه لم يصنع شيئاً منه، لأنّه قدّم أداة العموم على أداة السلب. أمثلة وتطبيقات أُقدّم أمثلة وتطبيقاتٍ قد لا تكون شاملة لكل دواعي تقديم المسند إليه على المسند الفعلي، والمسند الذي يتحمّل الضمير كالفعل، رجاءَ أن تكون هاديةً للدّارس الباحث البلاغي، فيقيسَ عليها، ويستخرج ما يراه من دواعي بلاغيّةٍ في مختلِف النُّصوص التي يدرسها من كتاب الله ، وأقوال الرسول ﷺ ، وأقوال البلغاء من ناثرين وشعراء ذوّاقي الأدب الرفيع، وعناصره الإِبداعيّة والجمالية: المثال الأول: قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) بشأن فريق من اليهود: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٧٨] . جملة: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حالية قُدِّمَ فيها المسند إليه على المسند الفعلي لتقوية الإِسناد فيها وَتأكيده، لأنّ مقتضى الحال يستدعي التقوية والتأكيد. والسبب في ذلك أنّ هؤلاء كانُوا يكتبون مكتوبات يزعُمُون أنَّها ممّا أنْزَل اللهُ في الكتُب على رسُلِهِمْ، ويتخذون مع ذلك حيلةً لترويج ما كتبوه وافتروهُ على اللَّهِ

стр. 358

بغية أن يقبله عوامُّهم، وهي أن يَلْوُوا ألْسِنَتَهُم به لدى تلاوته، كما يفعلون لدى تلاوة ما أَنْزَل الله من كتاب، فيخلطون المدسوس الذي هو من افترائهم بالأصل الصَّحِيح، للإِيهام بأنّه من كتاب الله، وهم بذلك يقولون على اللهِ الكذب، ويعلمون ذلك من أنفسهم. لكنّهم لا يعترفون بأنّهم يكذبون، فاقتضى واقع حالهم سوق الكلام لهم بطريقة فيها تقوية وَتأكيد، فجاء في الجملة تقديم المسند إليه على المسند الفعلي، لما في هذا التقديم من تقوية وتأكيد، كما سبق بيانه في المقدمة. مع ما في تأخير المسند من داعٍ جمالي في اللّفظ، وهو مراعاة التناظر في رؤوس الآيات قبل الآية وبعدها. *** المثال الثاني: قول أبي العلاء "أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّي" من أبيات يرثي بها أحد الفقهاء: بَانَ أَمْرُ الإِلَهِ وَاخْتَلَفَ النَّا ... سُ فَدَاعٍ إلى ضَلالٍ وَهَادِي وَالَّذِي حَارَاتِ الْبَرِيَّةُ فِيهِ ... حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ لقد صاغ جملةً اسميّةً في تابع خبرها ما يحمل ضميراً يعود على مبتدئها المسند إليه، فتمّ له تقديم المسند إليه في جملته الاسميّة التي فيها تقوية وتوكيد. والداعي إلى هذا التقديم تمكينُ المسند في ذهن المتلقّي، لأنَّ في المسند إليه "المبتدأ" هنا تشويقاً للتعرّف على خبره، إذ جاء فيما يتّصل به أنّه شيءٌ حارتْ البريَّةُ بأمره، فالنفس تتساءل بشوق: ما هذا الذي حارت البريَّةُ فيه؟ ويأتي الجوابُ في الخبر: "حيوانٌ مستحدثٌ من جماد" والمرادُ الإِنسانُ وسائرُ ما خلق الله من ترابٍ فنفخ فيه نسمة الحياة. ***

стр. 359

المثال الثالث: قول الله في سورة (الحجرات/ ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول) : ﴿ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الآية: ١٣] . فإنّ في المسند إليه "أكرمكم" الذي هو اسم "إنَّ" تشويقاً للتعرّف على الخبر وهو "أتقاكم" فإذا جاء الخبر بعد ذلك تمكن من النّفس لأنه جاء بعد تساؤلٍ نَفْسِيٍّ عنه. *** المثال الرابع: قول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) : ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [الآية: ١٧] . فَهُم يُوزعون: أي فهم يُجْمعون في مكان جامعٍ، ويُرَتَّبُونَ صفوفاً ويُسَوَّوْن بانتظام، للقيام بما يكلفون من أعمال، أو للاستعراض. أصل الوزْعِ: الكفُّ والحبْسُ، والمراد كفُّهم - بترتيبهم صفوفاً منتظمةً - عن التفرق والانتشار، ومعلوم أنّ الجنود حينما يُجْمعون صفوفاً مُسوَّاة منتظمة يسْهُل توجيهُ الأوامر والنواهي لهم للتحرّك والتوقف، من قِبَلِ وليّ أمرهم القائد. وقد جاء تقديم المسند إليه في هذه الجملة لتأكيد الخبر باعتباره أمراً غريباً، إذْ من المستغربِ أن يُجْمَعَ جَيْشٌ واحدٌ في مكان جامعٍ، ويُنَظَّمَ صفوفاً مُسَوَّاةً، وأن يكون جُنُودُ هذا الجيش من الجنّ والإِنْسِ والطير. مع ما في تأخير المسنَدِ من داعٍ جماليٍّ في اللّفظ، وهو مراعاة التناظر في رؤوس الآيات. ***

стр. 360

المثال الخامس: قول الله في سورة (الحجر/ ١٥ مصحف/ ٥٤ نزول) بشأن القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الآية: ٩] . يُلاحظُ في هذه الآية تقديم المسند إليه، باختيار كون الجملتين فيهما اسميّتَيْن خبرُهما يتحمّل ضميراً يعود على المسند إليه فيهما. ويظهر لنا من هذا التقديم عدّة دواعي بلاغية: (١) ابتداءُ طَرْقِ الأسماع بضمير المتكلّم العظيم، لإِلقاء المهابة والإِجلال ومشاعر التعظيم والتفخيم. (٢) تمكين الإِسناد الخبريّ فيهما وتوكيده، بالعدول عن اختيار الجملة الفعلية، إلى اختيار الجملة الإسميّة التي يتحمّل خبرها ضمير المبتدأ. (٣) التوطئة لإِيراد مؤكّداتٍ تلائمها الجملة الاسميّة، وهي: (حرف التوكيد "إنّ" وضمير الفصل "نحن" في الجملة الأولى) و (حرف التوكيد "إنّ" واللاّم المزحلقة، وتقديم معمول الخبر "له" المفيد للتخصيص في الجملة الثانية) . *** المثال السادس: قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) : ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [الآية: ٦٩] . حَِنيذٍ: أي: مَشْوِي، يقال لغة: حَنَذَ العِجْلَ ونَحْوَه يَحْنِذُهُ حَنْذاً وتحْنَاذَا إذا شَوَاه، بأنْ دسّه في النار أو في حجارة مُحْمَاةٍ بالنار. نلاحظ في هذه الآية أنّ الرسُلَ من الملائكة لما جاءوا سيدنا إبراهيم عليه

стр. 361

السلام ليبشّروه بغلام من زوجته "سارة" العجوز العقيم، على صور بشرٍ، لم يعرفهم في أول الأمر، وظنّهم ضيوفاً من الناس، فسلموا عليه سلاماً اتبدائياً بجملة فعليّة حُذِف فعلُها، وأبقي منها المفعول المطلق منصوباً بالفعل المحذوف، فقالوا: "سَلاماً" أي: نُسلّم عليكَ سلاماً. فردّ إبراهيم ﵇ تحيّتهم بأحسن منها، فجاء بجملة اسميّة هي أقوى وآكد من الجملة الفعليّة، فقال: "سَلاَمٌ" بالرْفع، أي: سلامٌ عليكم، سواءٌ اعتبرنا "سلامٌ" مبتدأ، وهذا ممّا يجوز فيه الابتداء بالنكرة، لأنه من المصادر، فعبارة "عليكم" المحذوفة إيجازاً، هي جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف هو اسم فاعلٍ من الكون العام، وهو يتحمل الضمير كالفعل، وتقديره: سلامٌ كائنٌ عليكم، وقد سبق أن عرفنا أنّ الجملة الاسمية التي يتحمل خبرها أو ما يتعلّق به ضمير المبتدأ أقوى وآكد من الجملة الفعليّة، أو اعتبرنا "سلامٌ" خبر مبتدأ محذوف تقديره: تحيتي سلام عليكم، فلفظ "سلام" مصدر يعمل عمل الفعل، فهو بقوة الجملة الفعلية. *** المثال السابع: لاَمَ عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بني أميّة على قبولهم استخلاف عُمَرَ بن عبد العزيز، لمّا أخذ هذا الخليفة الصالح التقيّ يردّ المظالم إلى أهلِها، ويحاسب الأمويين بالعدل وهم أهله الأقربون، وقد غَلُظ عليهم ما نالهم منه، فقال عبد الرحمن: فَقُلْ لِهشَامٍ والذين تَجَمَّعُوا ... بِدَابِقَ: مُوتُوا لاَ سَلِمْتُمْ مَدَى الدهْرِ فأَنْتُمْ أَخَذْتُمْ حَتْفَكُمْ بِأَكُفّكُمْ ... كَبَاحِثَةٍ عَنْ مَدْيَةٍ وَهْي لاَ تَدْرِي عَشِيَّةَ بَايَعْتُمْ إمَاماً مُخَالِفاً ... لَهُ شَجَنٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ والْحِجْرِ

стр. 362

دابق: هو المكان الذي اجتمع كبار بني أُميَّة فيه، وبايعوا عمر بن عبد العزيز خليفة. حَتْفَكم: أي: هلاككم. كَبَاحِثَة: أي: كامْرأةٍ خَرْقَاءَ تحفِرُ الترابَ بكفّيهَا على غير هدى فقد تقع يداها على ما يقطعهما، كالْمُدْية. عنْ مُدْية: الْمُدْيَةُ الشَّفْرة العظيمة. له شَجَنٌ: أي: له حاجةٌ دِينيَّةٌ شاغلةٌ له في مكة والمدينة، صارفة له عن مطالب الدنيا. نلاحظ أنَّه قدّم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله لبني أميّة أَهْلِه: "فَأَنْتُمْ أخَذْتُمْ حَتْفكُمْ بِأَكُفِّكُم" ليقوّي خبره ويؤكّده، وهو أنهم قد وقعوا في خطأ جسيم حينَ بايعوا عمر بن عبد العزيز، وهو تقيٌّ ورع، عَلائِقُ قلبه ونفسه موصولة بمهابط الوحي، وليس هو على طريقة أُسْرَته من بني أميّة مُغْرَماً بالسلطان وزينة الحياة الدنيا، وظاهرٌ أنّ مقتضى الحال يتطلب منه التقوية والتأكيد. وقد ردّ عليه أحد ولد مروان معارضاً ومؤنِّباً بأبيات على مثل أبياته وزناً وقافية، وخاطبه بمثل طريقته من التقوية والتوكيد. *** المثال الثامن: قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يعتذر فيها لسيف الدولة عن تأخّره عليه في نظم قصيدةٍ جديدة يمدحه بها، ذاكراً فيها أنّ عُذْرَه ما نزل به من همٍّ أسقمه، وأضرم ناراً في قلبه، دون أن يكون هو الذي جلب هذا الهمّ إلى نفسه، ودون أن يكون قادراً على دفعة: وَمَا أَنا أَسْقَمْتُ جِسْمِي به ... وَمَا أَنَا أَضْرَمْتُ فِي الْقَلْبِ نَارَا

стр. 363

نلاحظ أنّه قدّم المسند إليه المسبوق بالنفي في الشطرين لإِفادة التخصيص مع التقوية والتوكيد، فلخبر فعليٌّ. والمعنى: إنّ السّقم الذي نزل بجسمي من الهمّ، والنّارَ التي أُضْرِمَتْ في قلبي منه، لم يكونا مني حتى أُلاَم على تأخّري عنك، بل وفَدا عليّ من قوّةٍ قاهرةِ لإِرادتي، فلم أجلُبْهُما ولم اسْتَطع رَدَّهُما، ولذلك قال بعده في القصيدة: فَلا تُلْزِمَنِّي ذُنُوب الزَّمَا ... نِ إِليَّ أَسَاءَ وَإِيَايَ ضَارا ضارَ: مثل "ضَرَّ" يقال: ضارَهُ يَضيرُهُ ضَيْراً، وضرَّهُ يضُرُّهُ ضُرّاً وضَرّاً. ونظيره قول المتنبّي أيضاً يمدح علي بن عامر الأنطاكي: وَمَا أَنَا وَحْدِي قُلْتُ ذَا الشِّعْرَ كُلَّهُ ... وَلَكِنْ فِيكَ من نَفْسِهِ شِعْرُ فقدم المسند إليه المنفيّ الذي خبره فعلي، لإِفادة التقوية والتخصيص، أي: ما أنا المنفرد وحدي بقول هذا الشعر، ولكن أعانني عليه شعري نفسُه، لأنّ شعري أرادَ مدحَكَ كما أرَدْتُه. قال الْعُكْبَري: وهو معنى قول الطائي: تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إِذْ أَرِقْتُ لَهُ ... حَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ تَغَايَرَ: أي: غار بعضه من بعض، أو تخالَفَ بعضه مع بعض. *** المثال التاسع: قول الرسول ﷺ يوم حنين وهو على بغلته كما جاء عند البخاري ومسلم: أَنا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ فقدَّم المسندَ إليه في جملة اسمية خبرها يحملُ ضمير المبتدأ، مفتخراً بثباته

стр. 364

وقد فرَّ الناس، ومتفخراً بنبوّته وبنسبه الشريف، لأنّ المقامَ يحسُنُ فيه الفخر، وقد علمنا من دواعي تقديم المسند إليه إرَادةَ الافتخار. *** المثال العاشر: قول أبي تمّام: وغَيْرِي يَأْكُلُ الْمَعْرُوفَ سُحْتاً ... وَتَشْحَبُ عِنْدَهُ بِيَضُ الأَيَادِي سُحْتاً: السُّحْتُ: المال الحرام، وكلُّ ما خَبُثَ وَقَبْحَ من المكاسب، كالرشوة والْغُلُول والربا. تَشْحَبُ: يتغير لونها. يريد أنّ بِيضَ الأيادي تظلّ عنده بيضاء فهو لا يجحدها ولا يكفرها. قدّم كلمة "غير" إذْ أراد بها الكناية عن نفسه، وقد عرفنا أن كلمتي "غير" و"مِثْلَ" تلازمان التقديم إذا أريد بهما الكناية عن الشخص المتحدَّث عنه في الأساليب العربيّة البليغة. *** (٤) دواعي تقديم المسند إذا كان الأصل فيه التأخير ذكر علماء البلاغة من الدواعي البلاغية لتقديم المسند إذا كان الأصل فيه التأخير أربعة أمور، ويمكن أن نضيف إليها كثيراً من الدواعي التي سبق بيانها لتقديم المسند إليه إذا كان الأصل فيه التأخير، وكذلك غيرها من الدواعي مما تتفتَّق عنه قرائح البلغاء الأذكياء. الداعي الأوَّل: تخصيص المسند بالمسند إليه، أي: قَصْرُ المسند على

стр. 365

المسنَدِ إليه، فلا يكون لغيره، وسيأتي إن شاء الله في بحث القصر بيان القصر الحقيقي والقصر الإضافي. أمثلة: (١) قول الله في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) : ﴿وَهُوَ الله لا إلاه إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الآية: ٧٠] . في هذه الآية جملتان قدّم فيهما المسند على المسند إليه، هما: * ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ . * ﴿وَلَهُ الحكم﴾ . والجملتان اسميتان، والأصل فيهما تقديم المسنَدِ إليه، وقدم فيهما المسند لإِفادة التخصيص بمعنى القصر، وإليك التحليل: المسند ... . المسند إليه له ... ... ... الحمد في الأولى والآخرة له ... ... ... الحكم اللام بمعنى الاختصاص، أي: اختص الله بكلّ الحمد وبكلّ الحكم، بمعنى أنّ كلَّ الحمد وكلّ الحكم مقصوران عليه، لا يتعديان إلى غيره سبحانه. (٢) قول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) : ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ... ﴾ [الآية: ٤] . هذه جملة اسمية، والأصل فيها تقديم المسند إليه، وقُدّم فيها المسند لإِفادة التخصيص، أي: الحصر، وإليك التحليل: المسند ... . المسند إليه لِلَّهِ ... ... .. الأَمْرُ

стр. 366

اللآم بمعنى الملك، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم مقدّر، والمعنى اختصّ مِلْكُ الأمر بالله، أي: كلّ الأمر مقصور ملكه على الله سبحانه، لا يتعدّاه إلى غيره. ونظير ذلك قول الله في سورة (الكافرون/ ١٠٩ مصحف/ ١٨ نزول) : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الآية: ٦] . (٣) قول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣) : ﴿واقترب الوعد الحق فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هاذا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الآية: ٩٧] . الشاهد: جملة ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُوا﴾ ، ﴿إِذَا﴾ فجائية ﴿هِيَ﴾ ضمير القصة، وهو مبهم جاء تفسيره في الجملة بعده، ويؤتَى في البيان العربي بضمير القصة لتعظيم الأمر المبهم الذي سيأتي تفسيره. ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُوا﴾ جملةٌ قُدِّم فيها الخبر وهو ﴿شاخصة﴾ على المبتدأ وهو ﴿أَبْصَارُ الذين كَفَرُوا﴾ لإِرادة التخصيص، على معنى تخصيص الشخوص بأبصار الذين كفروا يوم القيامة، دون غيرهم وهم أهل الإِيمان. (٤) قول الله في سورة (الصافات/ ٣٧ مصحف/ ٥٦ نزول) : بشأن عباد الله المخلَصِينَ في جنّات النعيم: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الآيات: ٤٥ - ٤٧] . غَوْل: الْغَوْلُ ما يحدثه شرب الخمر من صداع وسكر، والغول الإِهلاك، يقال: غاله غَوْلاً إذا أهلكه.

стр. 367

يُنْزَفُون: يَسْكَرُون - تذهبُ عقولهم، يقال لغة: شرب خمراً فأنزف، أي: سَكِر، أو ذهب عقله. الشاهد: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ قُدّم المسندُ هو ﴿فِيهَا﴾ المتعلق بخبر محذوف مقدر، وأخِّر المسند إليه وهو ﴿غَوْلٌ﴾ لإِفادة التخصيص، أي: خمر الجنّة مخصوصة بنفي الغول عنها بخلاف خمر الدنيا، فنفي الْغَوْلِ مقصورٌ على خمر الجنة لاَ يَتَعَدَّاها إلى غيرها من الخمور، وهي خمور الدنيا. والنصوص القرآنية الشواهد على هذا الداعي كثيرة. *** الداعي الثاني: قالوا التّنْبِيه من أوّل الامر على أنّه خبرٌ لا نعت، إذا كان تأخيره قد يوهم ابتداءً أنّه نعتٌ للمسند إليه. ويمكن أن نصوغ هذا الداعي بأن نقول: دفع سَبْقِ التوهّم إلى أنّه نعت، بالتَّنْبِيه على أنه خبر مع بدء الجملة. أمثلة: (١) قول أبي بكر النّطّاح في وصف أبي دُلف العجلي: لَهُ هِمَمٌ لاَ مُنْتَهى لِكِبَارِهَا ... وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ أصل الكلام: "هِمَمٌ لَهُ لاَ مُنْتَهَى لِكبَارِها" لكنّ هذه الصيغة توهم أنّ "لَهُ" صفة لهمم، لأنّ النكرة تستدعي النعت أكثر ممّا تستدعي الخبر، وهو يريد أن يُثبت لممدوحه همماً لا منتهى لكبارها، ودفعاً للتوهم الذي كان يمكن أن يحدثُ قدَّم المسند وهو "له" على المسند إليه وهو "هِمَمٌ" لا منتهى لكبارِها". وجاء في شعره فيه بعد هذا البيت قوله: لَهُ رَاحَةٌ لوْ أنَّ مِعْشَارَ جُودِها ... عَلَى الْبَرِّ كَانَ البَرُّ أَنْدَى مِنَ الْبَحْر

стр. 368

فقدّم المسند وهو "له" على المسند إليه وهو "راحةٌ" لأنّ "راحة" نكرة غير موصوفة، فلا يجوز نحويّاً الابتداء بها، فوجب تقديم المسند على المسند إليه وفق القواعد النحويّة، لا بمقتضى داعٍ بلاغي. (٢) قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) : بشأن عذاب الذين كفروا يوم القيامة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الآية: ٣٦] . ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [الآية: ٣٧] . ﴿وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الآية: ٤١] . جاء في هذه النصوص تقديم المسند وهو ﴿لَهُمْ﴾ على المسند إليه وهو ﴿عَذابٌ أليم - عذابٌ مقيم - عذاب عَظيمٌ﴾ لئلا يسبق إلى التوهّم أن المسند قد سيق على سبيل النعت للمسند إليه، وأن الخبر لم يأتِ بَعْدُ، مع ما في هذا التقديم من مراعاة داعٍ جمالي في اللفظ، اقتضته رؤوس الآيات. *** الداعي الثالث: أن يكون في المسند ما يدعو إلى التفاؤل بالخير أو التشاؤم من الشرّ، ويريد موجّه القول المبادرة بما يحدثُ في نفس المتلقّي من التفاؤل أو التشاؤم. كأن تقول لمن تريد أن يحسَّ بالتفاؤل: مع أذان الفجر أو عند شروق الشمس وِلادَة ابنك. وكأن تقول لمن تريد إثارة تشاؤمه وقد سأل متى يكون زواجه: حين تصيح الْبُومةُ زَواجُك. ومن إرادة الإِشعار بالتفاؤل، قول الشاعر:

стр. 369

سَعِدَتْ بغُرَّةِ وَجْهِكَ الأَيَّامُ ... وتَزَيَّنَتْ بِلقَائِكَ الأَعْوَامُ *** الداعي الرابع: إرادة التشويق إلى ذكر المسند إليه، ويكثرُ هذا الداعي في المدح والوعظ. * فمن أمثلته في المدح قول محمد بن وهب يمدح المعتصم: ثَلاَثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ والْقَمَرُ ومن أمثلته في الوعظ، قول ابي العلاء المعرّي: وَكَالنَّارِ الْحَيَاةُ فَمِنْ رَمَادٍ ... أَوَاخِرُهَا وَأَوَّلُهَا دُخَانُ * ومن أمثلته قول الشاعر: ثلاثَةٌ لَيْسَ لَهَا إِيَابُ ... الْوَقْتُ والْجَمَالُ والشَّبَابُ *** (٥) دواعي تقديم متعلقات الفعل عن مراتبها ذكر عُلَمَاءُ البلاغة طائفةً من الدواعي البلاغية لتقديم ما هو من متعلقات الفعل عن مرتبته، ويمكن أنْ تضاف إليه طائفةٌ أُخرى مما سبق عرضه في تقديم المسند إليه، وتقديم المسند، وطائفةٌ أخرى ممّا تتفق عنه قرائح البلغاء والفطناء. يُقْصَدُ من متعلقات الفعل المفعولُ به، والجارُ والمجرور، والظّرف، والمفعولُ المطلق، والمفعولُ معه، والمفعولُ لأجله، والحالُ، والتمييزُ في أحوال قليلة ونادرة. الداعي الأوّل: إرادة التخصيص، وهو قَصْرُ الحكم (الناتج عن إسناد المسند

стр. 370

إلى المسنَدِ إلَيْه) على المقدَّم من مُتَعَلّقات الفعل على الفعل أو ما في معناه، ممّا يعمل عمله، وتُسَاعد القرائن على اكتشاف إرادة التخصيص. أمثلة: (١) قول الله في سورة (الفاتحة/ ١ مصحف/ ٥ نزول) : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الآية: ٥] . إيَّاكَ: في الجملة الأولى مفعول به مقدّم على فعله وهو ﴿نَعْبُدُ﴾ . وإيَّاكَ: في الجملة الثانية مفعول به مقدّم على فعله وهو ﴿نَسْتَعِينُ﴾ . وقد أفاد هذا التقديم تخصيصَ وحَصْر عبادة العابد الذي يتلو هذه الآية باللَّهِ ، المخاطبِ بضمير الخطاب ﴿إِيَّاكَ﴾ وتخصيص وحصْر استعانته به إذا استعان. (٢) قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فارهبون * وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فاتقون﴾ [الآيات: ٤٠ - ٤١] . الشاهد في جُمْلَتَي ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [الآية: ٤٠] و ﴿وَإِيَّايَ فاتقون﴾ [الآية: ٤١] ففيهما تقديمُ المفعولِ بِه على فعله، وقد أفادَ هذا التقديم التخصيصَ والحصْرَ، والمعنى: لا ترهبوا غيري من الشركاء، ولا تتَّقُوا غيري من الشركاء. (٣) قولي في مدح الرسول محمد ﷺ : إِلَيْهِ مَدِيحاً سُقْتُ غُرَّ قَصَائِدِي ... فَعَنْهُ عَرَفْتُ النُّورَ في ظُلُمَاتِي وَفي حُبِّهِ السَّامِي أَجُودُ بمُهْجَتِي ... فَذَلِكَ فَرْضٌ مِثْلُ فَرْضِ صَلاتِي إذَا كَانَ ذُو الْعَرْشِ اصْطَفَاهُ عَلَى الْوَرَى ... فحُبِّي لَهُ مِنْ مُسْعِدَاتِ حَيَاتِي

стр. 371

إليه مَدِيحاً: معمول لفعل (سُقْتُ) مقدَّمٌ عليه لإِرادة التخصيص. فَعَنْهُ: معمول لفعل (عَرَفْتُ) مقدّم عليه لإرادة التخصيص. وفِي حُبِّهِ السَّامِي: معمول لفعل (أجود) مقدَّمٌ عليه لإِرادة التخصيص من دون سائر عباد الله. (٤) قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) : خطاباً لرسول محمد ﷺ : ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إلاه إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾ [الآية: ١٢٩] . عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ: أي: أخُصُّهُ وَحْدَهُ بِتَوَكُّلي، وقَدْ فُهِمَ هذا من تقديم المعمول على عامله. ونظير هذا كثير في القرآن مثل: ﴿وإِلَيْكَ أنَبْنَا - إنّا إلى ربّنَا رَاغِبُونَ - فَإِلَيْنَا يُرْجَعُون - ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - إِلَيْه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيّبُ - وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ -﴾ . (٥) قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : خطاباً للمؤمنين أتباع الرسول محمد ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ﴾ [الآية: ١٤٣] . لِتكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس: جاء في هذه العبارة تأخير المعمول ﴿عَلَى الناس﴾ على عامله "شُهداء" وفق أصل الترتيب، إذ لا يُوجَدُ داعٍ للتقديمِ، إذْ أتباع محمّد ﷺ مكلّفون أن يُبَلِّغوا رسالة الله للناس، ليكونوا يوم يوم القيامة شهداء عليهم بهذا التبليغ، وليست شهادتهم بعد تبليغهم خاصة بناس دون ناس، لأنّ الخطاب

стр. 372

لعموم المؤمنين، والمطلوب تبليغهم عموم غير المؤمنين، لا خصوص فريق منهم. وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً: وجاء في هذه العبارة تقديم المعمول ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وعلى عامله ﴿شَهِيداً﴾ على خلاف أصل الترتيب، لوجود داعي بلاغيّ لهذا التقديم، وهو أنّ بلاغَ الرسُولِ ﷺ بلاغٌ مخصوص بالْقَرنِ الأَوَّل الَّذِينَ بلَّغَهُمْ مُشَافهة من أُمَّتِه، أمَّا الَّذِين جاءوا من بعدهم فقد بلَّغهم المبلِّغُون من أهل القرن الأول، وهكذا تسلْسُلاً قَرْناً بعْدَ قرن. فقد تنبّه إلى الفرق بين العبارتين في هذه الآية وإلى الداعي البلاغي الذي ذكرتُه "الزمخشريُّ" في كشّافه، وقد أحسن. (٦) قول الله في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول) في بيان ما خاطب به المبشر من الملائكة زكريّا ﵇ بغلام اسمه يحيى، بعد إن أظهر له تعجُّبه من أن يأتيه غلام في حالة كون امرأته عاقراً وكونه قد بلغ من الكبر عتِيّاً: ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [الآية: ٩] . هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ: في هذه الجملة تقديم المعمول ﴿عَلَيَّ﴾ على عامله ﴿هَيِّنٌ﴾ لإفادة أنَّ ما يراه أمْراً صعباً في مقاييس القدرات البشرية، هو بالنسبة إلى الله على وجه الخصوص هيِّنٌ، فاقتضى حال زكريَّا ﵇ وتعَجُّبه وتساؤله أن يُنَبَّهَ على أنَّ ما تعجَّبَ منه هو ممّا اختصَّ الله بِأنَّه هَيِّنٌ عليه. ملاحظة: إذا كان العامل منفيّاً وقدّم عليه المعمول كانت دلالة التقديم على التخصيص والحصر أمراً لازماً، فلا يَجُوز أنْ يُتْبَعَ الْكَلاَمُ بما يَنْقُضُ هذا الحصر، فلا يُقالُ نحو: "ما زَيْداً ضَرَبْتُ ولاَ غَيْرَه" لأنّ عبارة "ما زيداً ضربتُ" تدلُّ على تخصيص

стр. 373

زيد بعدم ضربه، لكنَّها تُفِيدُ أَنَّه قَدْ ضَرَبَ غيره، فتأتي عبارة "وَلاَ غَيْرَه" ناقضةً للدّلالة التي أفادها التخصيص. *** الداعي الثاني: الاهتمام بشأن المقدّم أو الإِشعار بالاهتمام به كأنْ تُوصِيَ مَنْ طلَبَ منْكَ أنْ تنصحه فتقول له: "بِوالدَيْكَ كُنْ بَرّاً، ثُمَّ كُنْ بَرّاً بالأَقْرَبَيْن والأرحام". والْفِقْهَ احْرِصْ على تَعَلُّمِهِ أَوَّلاً ثُمَّ تعلَّمْ سائرَ علوم الدين وما يَخْدُمُها من العلوم الّتِي بها تُفْهَمُ النُّصُوصُ وتُسْتَنْبَطُ الأَحْكام. وتَقْوَى اللَّهِ الْزَمْ في أَمْرِكَ كُلَّه، ثُمّ تَزَوْدْ فوق ذلك من الصالحات. والشِّركَ احْذَرْ أَنْ يُخَالِطَ نِيَّتَكَ في أَعْمالِكَ. في هذه الوصايا قُدِّم المعمولُ على عامله لتوجيه الاهتمام وبالغ العناية، ولم يُقدَّم لإِفادة التخصيص والحصر. * ومن الأمثلة قول الله في سورة (السجدة/ ٣٢ مصحف/ ٧٥ نزول) : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٤] . قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ معمولٌ مقدَّمٌ على عامله وهو ﴿يُوقِنُونَ﴾ وَقُدِّمَ لِلإِشْعَارِ بأَهَمّيَةِ آيَاتِ اللهِ في حيَاةِ البْشَر، وبقيمَتِها العظيمة في رحلة امتحانهم، فالإِيقانُ بها هو الذي يُصَحِّحُ مسيرتهم ويُقوّمُ سُلوكهم، وليس الغرض حصر الإِيقان بها، فأركان الإِيمان التي يجب الإِيقان بها لا تقتصر على آيَات الله. مع ما في تأخير ﴿يُوقِنُونَ﴾ من مراعاة عنصر جماليٍّ تستدعيه رؤوس الآيات. ***

стр. 374

الداعي الثالث: إرادة ردّ الخطأ من التعيين أو الاشتراك، جواباً أو بياناً لمن ذَكَرَ أو ادَّعى أو اعتقد خلاف ذلك. فمن أمثلة ردّ الخطأ في التعيين: دخل "خالد بن سعيد" سوق بيع الأنعام، فاشترى جملاً ليحجّ عليه، وأخذ خطامه، وجرَّه وراءه، فعدا عليه اللّصوص ضمن الزّحام وهو لا يشعر، فقطعوا خطام الجمل، ووصلوه برأس حمار، ومشى الشاري غافلاً، ثمَّ التفت فرأى أنّه يجرُّ وراءه حماراً، فصاح أيْنَ جملي، فقال له من في السوق وهم يعلمون حِيَل اللّصوص في سوقهم: أمَا اشتريتَ حماراً؟ فردّ عليهم بقوله: جملاً اشتريتُ، جملاً اشتريت، وأبدله اللُّصوص بحمار. أي: لم أشتر حماراً وإنَّما اشتريتُ جملاً، فَردّ قولهم في تعيين ما اشترى إلى الصواب، بأسلوب تقديم المعمول على عامله. ومن أمثلة ردّ ادّعاء الاشتراك: * اشترى "عبد الرحمن" حصاناً وبقرة وثوراً لمزرعته، من سوق البقر والخيل، وسلّمه البائع البقرة وتشاغل، ثمّ ادَّعَى أنَّه سلّمه الحصانَ والثور. فقال "عبد الرحمن": بقرةً استلمتُ منْكَ، أي: لم أسْتَلِمْ بَعْدُ الحصان والثورَ وإنّما استلمتُ البقرة فقط. * وقال الزوج لزوجته في خصومة بينهما: قدَّمْتُ لَكِ ليْلَةَ الْعُرْسِ عقداً وَسِوَارَيْنِ بيَدَيَّ هَاتين. فردّت عليه بقولها: "عِقْداً بيَدِكَ قَدَّمْتَ لي" أي: لم تقدّم لي سوارَيْن، ولم تَسْتَعْمِلْ يَدَيْك الاثنتين، بل استعملْتَ يداً واحدة. وقال لها: تَسَلَّمْتُكِ يَوْمَ الْعُرْسِ مِنْ أُمِّكِ وَأَبِيكِ.

стр. 375

فردّت عليه بقولها: "من أُمِيّ تَسَلَّمْتَنِي" أي: لَمْ يُشَارِكْ أبي في هذا الأمر. * وقال المتفاخر بقمع الْجُنَاةِ من قُطّاعِ الطَّريق: قَطَّعْتُ رؤُوس عصابة الجناة. فردّ عليه أحد حاضري المعركة: "رأسَ جَانٍ قَطَعْتَ" أي: لم تقطع غيره. * وقال الرفيق لرفيقه: صحبتك في زيارتي لمكة وفي زيارتي لمسجد الرسول ﷺ . فردّ عليه بقوله: "في زيارتي لمكة صحبتني" أي: لم نتصاحب في الزيارة لمسجد الرسول ﷺ . *** الداعي الرابع: التنبيه على أنّ المقدّم هو مناط الإِنكار أو الاستغراب أو الاستعظام أو لفت النظر أو نحو ذلك. أمثلة: * أراد المربّي أن ينكر سلوكاً عابَةُ على تلميذه، وأن يبادِرَه بتنبيهه عليه، فقال له: "رِجْلَكَ تَمُدُّ إلَى وجْهِي دون احترام، وصَوْتَكَ تَرْفع فِي مَجْلِسي بَعْدَ طُول تَأْديبي لك، وتَعْليمي إيَّاك. فقدم المعمول على عامله في الجملتين لتنبيهه عَلى مناط الإِنكار. * وقال أبو العلاء المعرّي منكراً على من زعم أنّه يُصَدِّق الواشي، ويُخيّب السائل: أَعِنْدِي وقَدْ مَارَسْتُ كُلَّ خَفِيَّةٍ ... يُصَدَّقُ وَاشٍ أَوْ يُخَيَّبُ سَائِلُ فقدّم الظّرف "عندي" على عامله "يُصَدَّق" وما عطف عليه، ليدُلَّ على مناط إنكاره.

стр. 376

* وعبّر المتفرج في مجمّع غرائب الألعاب الرياضيّة "السّيرك" عن استغرابه فقال مقدّماً المعمول على عامله: "عَشَرَةَ أشخَاص حمَلَ اللاَّعبُ على خشبة فوق رَاْسِهِ". * وعبَّرَ مُعْظَّم خلق الله عن ظواهر من آيات الله في كونه فقال: "السَّمَاءَ رَفَعَ بغير عَمَد، والرّيحَ سخَّر في أمور كثيرة عظيمة لا تُحَدّ، ونَسَمَةَ الحياة نفخ في مُصَوّرات من الطين، فكانت كائنات حيَّة عجباً". فقدم المعمولات "السماء - والريح - ونسمة الحياة" للإِشعار بمناط التعظيم. * وأراد المحادث أن يلفت نظر محدِّثه إلى مكان نظّارة عينيه التي يبحث عنها، فقال له: "إلى رَأْسِكَ مُدَّ يَدَكَ تَجِدْها". فقدم المعمول على عامله للمسارعة بلفت النظر. * واستعظم العالم الباحث المطلّع على المؤلفات كتاباً ألَّفه أحد العلماء المعاصرين له، فأراد التنبيه على ما استعظم فقال: "مَوْسُوعةً شاملةً أَلَّفَ فلانٌ في علم كذا". فقدم المعمول على عامله. وهكذا إلى أمثله كثيرة مناظرة. الداعي الخامس: إرادة المبادرة إلى التلذذ بذكر اسم المحبوب في الجملة، مثل أن يقول العاشق بأن معشوقته هند: هِنداً عَشِقْتُ وإنْسَاناً بِمُقْلَتِها ... قَلْبِي يُدَاعِبُهُ بالضَّمِّ والْقُبَلِ ***

стр. 377

الداعي السادس: إرادة المبادرة إلى التبرك بذكر اسم الرّبِّ في الدعاء، مثل أن يقول الداعي: رَبِّي دَعَوْتُ وأَرْجُو فَيْضَ رَحْمَتِهِ ... وأَنْ أَنَالَ لَدَيْهِ مُنْتَهَى أَمَلِي *** الداعي السابع: إرادة التهويل، أو التخويف وإلقاء الرُّعب، إذا كان المقدَّم فيه ما يخيفُ ويُرْعب، مثل: "بالْحَدِيد المحميّ قَيِّدُوه، ... وإلى بِئرِ التعذيب خُذُوه" الداعي الثامن: مراعاة النسق الجمالي اللفظي، في قوافي الشعر، وسجْعِ النثر، وفواصلِ رؤوس الآيات في القرآن. والأمثلةُ على هذا الداعي كثيرة منها: قول الله في سورة (الحاقة/ ٦٩ مصحف/ ٧٨ نزول) : بشأن الكافر الذي يؤتَى كتابه بشماله يوم القيامة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم﴾ [الآيات: ٣٠ - ٣٣] . جاء في هذا النص تقديم المعمول مرّتين، لمراعاة الجمال في رؤوسِ الآيات في السورة، مع ما في الموطنين من البدء بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين المجرمين. *** (٦) دواعي تقديم بعض معمولات الفعل على بعض في الجملة ولو تكافأت مرابتها من شأن البليغ دائماً أن يتصرف في رصف وترتيب عناصر جملته التي يُنشِئُها

стр. 378

تصرُفاً حكيماً وفنيّاً، يراعي فيه جوانب بلاغية معنوية، أو جوانب جمالية معنويّة أو لفظية. وعمله في هذا كمنظم العقود حينما يرصف حبات عقده ويرتبها ترتيباً يحقق فيه جوانب ذوقية جمالية، وجوانب جوهرية في عناصر الحبات واختلاف أصولها وقيمها وألوانها. فإذا كان لدى البليغ معنىً يريد الدلالة عليه ولو على سبيل الإِشارة، وهذا المعنى يمكن استفادته من تقديم عنصر من عناصر جملته على عنصر آخر من عناصرها فَعَل ذلك، ما لم يكن ممتنعاً في قواعد اللّغة العربيّة وضوابطها، حتّى العناصر المتكافئة في المرتبة كالنعوت فيما بينها، وكالمعطوفات المتعدّدات التي تعطف بالواو التي هي لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، وكألفاظ التوكيد المعنوي، فإنّه يهتمُّ بأن يقدّم ويؤخِّر بُرؤىً بلاغية أدبية وفكريَّة متى انقدحت لديه فكرة مناسبة، يمكن الدلال عليها بأسلوب التقديم والتأخير. وفي مجال ترتيب عناصر الْجُمَل في الكلام تظهر براعة كبار البلغاء والأدباء، وتتفاوت مراتبهم، وفوق كلّ القمم ترتقي جوانب الإِعجاز القرآني في رصف عناصر الجملة، وترتيبها، ورصف عناصر الجمل وترتيبها، كما ترتقي في كلّ مجال فكريّ وبلاغي. ومع احتمال أن تتوارد هنا دواعي كثيرة من الدواعي التي سبق بيانها في دواعي تقديم المسند إليه، ودواعي تقديم المسند، ودواعي تقديم متعلقات الفعل، وأن يُقاس على أمثلتها، فيحسن أن نورد هنا بعض الدواعي، مع بعض الأمثلة. وعلى دارس النصّ البليغ أن يبحث ليكتشف ما دَعا منشىء الكلام إلى أن يقدّم وأن يؤخّر. ولا سيما حينما يأتي الترتيب على خلاف الأصل، أمّا إذا جاء الترتيب على وفق الأصل فيحسنُ أن لا يتعب نفسه بالبحث عن العلة، إلاَّ أن

стр. 379

يكتشف عَرَضاً داعياً مناسباً، فعندئذٍ يمكن أن يجعله عاملاً مرجّحاً لإِبقاء الشيء على أصله. فمن الدواعي هنا ما يلي: الداعي الأول: أن يكون ذكر المقدّم أهمّ في نظر منشىء الكلام لغايةٍ ما يَرْمي إليها. *** الداعي الثاني: مراعاة الترتيب الطبيعي في المعاني، كأن يقدّم في المتعاطفات بالواو اللفظ الدّال على الإِيمان على اللفظ الدالّ على الإِسلام، لأنّ الإِيمان هو الأساس فلا يصح إسلام ما لم يكن قائماً عليه، وكأن يقدّم اللّفظ الدّال على التقوى على اللّفظ الدّالّ على البرّ، لأنّ الارتقاء إلى مرتبة البرّ لا يكون إلاَّ بعد استكمال حقوق مرتبة التقوى، وقد يعكس الأمر لغرض الإِشعار بأفضليّة المقدّم وأنّ مرتبته أعلَى، وبغية التشجيع على العمل به، كتقديم اللّفظ الدالّ على البرّ على اللفظ الدالّ على التقوى. *** الداعي الثالث: إرادة الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، أو العكس، أو إرادة البدء بالظاهر، فما يتصل به من الأسباب، وهكذا تسَلْسُلاً إلى الأسباب الباطنة الخفيّة، حتى السبب الأوّل، أو البدء بما هو بمنزلة الأساس فما يتصل به. وهكذا تدرّجاً إلى الأعلى فالأعلى حتى القمة. ومن أمثلة التدرج من الأدنى إلى الأعلى قول الله في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) مبيناً مراتب ودرجات المؤمنين: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ [الآية: ٣٢] .

стр. 380

والأغراض الداعية إلى ذلك كثيرة لا تحصر، فمنها ما هو بَيَانٌ لفكرةٍ ومنها ما هو الأفضل في التعليم، ومنها ما يُحقّقُ فوائد تربوية ومنها جماليٌّ فنيٌّ، إلى غير ذلك. ومن أساليب العرب أن يَبْدؤوا في المدح بالصفة الدّنيا، ثمّ يرتقوا إلى الأعلى فالأعلى، وأن يبدؤوا في الذّم بالصفة الأَخَسّ، ثم يذكروا الأخفّ فالأخف. وجاء في تعبيرات القرآن المجيد تقديم الأشياء الصغيرة على الكبيرة، للدلالة على تأكيد الشمول، من خلال الإِشعار بالاهتمام بالصغير، وأنّه ليس مما يُهْمَل ويُتَسامح بعدم العناية به، كما يقول البائع هذا بخمسةٍ وألف، فيقول الراغب في الشراء، ألا تبيع بألف، فيقول له: الخمسة قبل الألف. ومنه قول الله في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) : ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ [الآيات: ٥٢ - ٥٣] . فدلّ تقديم "صَغير" على أنّ الشُّمُول في كتابةِ كلّ الأفعال متحقق دون استثناء ما يراه الناس صغيراً ومن المحتقرات. وجاء في تعبيرات القرآن البدء بما يقَعُ في مُدْركات الناس من الأشياء الصغيرة، والعطف عليها بما هو أصغر منها، فما هو أكبر منها، فقال الله في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) : ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الآية: ٦١] . إنّ المخاطبين من جماهير الناس لا يعرفون أصغر من الذّرَة، فبدأ القرآن بها، وأبان لهم بالعطف عليها أنه يوجد ما هو أصغر منها، وهنا ينطلق الذهن في المصغرات إلى مقدار يستحيل تقسيمه ذهناً، وعطف عليه بعد ذلك ما هو أكبر،

стр. 381

وينطلق الذهن إلى الأشياء الكبيرة العظيمة التي لا يستطيع التصوّر الإِحاطة بها، فشمل النصّ كُلَّ شيْءٍ. وجاء في القرآن البدء بمَنْ يحتل الدرجة العليا، فمن يحتل الدرجة التي دونها، فمن يحتل الدرجة التالية، ومنه قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) : ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة ... ﴾ [الآية: ١١٧] . فبدأ بالنبيّ، وعطفَ عليه المهاجرين، وعطفَ عليهم الأنصار الذين اتّبعوا الرسول في ساعة العُسْرَة، مراعاةً لأفضليات المراتب والدرجات. ونلاحظ في سورة (التوبة) أيضاً ترتيباً روعي فيه الترتيب الواقعِيّ في الأَحْدَاث، وهو قول الله فيها بشأن الذين خرجوا مع الرسول لغزوة تبوك: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ [الآية: ١٢٠] . إنّ الذين خرجوا إلى غزوة تبوك وهذا صالح للتعميم في معظم الغزوات، أوّل ما أصابهم الظّمأ بسبب نفاد الماء، وانعدام مصادر الماء في طريقهم، وبعد ذلك أصابهم النَّصَبُ، وهو التعبَ، فالرحلة في أرض صحراء، وفي حرّ شديد، وبعد ذلك انتهت أزوادهم فنزلت بهم المخمصة، أي: المجاعة، وبعد اقترابهم من تبوك وَطِئُو موطئاً يغيظ الكفّار، وبعد ذلك نالُوا من عدوهم عند تبوك نيلاً فرح به الغزاة الخارجون مع الرسول من أهل الإِيمان والصدق. فجاء الترتيب في الآية على وفق الترتيب في الأحداث، وهذا من دقّة الأداء البياني.

стр. 382

وقد يلاحظ في الترتيب تدرّج أحوال النفس، وهذا من مراعاة الترتيب في الواقع، ومنه ما جاء في سورة (عبس/ ٨٠ مصحف/ ٢٤ نزول) في وصف حالة الإِنسان يوم القيامة. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [الآيات: ٣٤ - ٣٧] . فجاء الترتيبُ وفق ترتيب أحوال النفس، إذ يتخلَّى الإِنسان عند الضرورة عن الحبيب، فعن الأحبّ فعن الأشدّ حبّاً له، وأحبّ الناس إلى قلب الإِنسان بنوه، ودون ذلك صاحبته الحبيبة، ودونها أبواه، ودونهما أخوة. فعلى دارس النصوص البليغة أن يُمْعِن النظر، ويطيل التأمُّل والتفكير، حتَّى يكتشف ما فيها من دواعي بلاغيّةٍ وفكرية دعته إلى ترتيب عناصر كلّ جملة، وترتيب الجمل فيها، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وانظر في موضوع ترتيب الجمل ما جاء في "الصورة السادسة" من قسم "صور من أدب القرآن الرفيع" في كتابي "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع". *** الداعي الرابع: التخلّص مما يُوهم معنىً غير مرادٍ في دلالات الكلام، ومن أمثلة ذلك قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ ... ﴾ [الآية: ٢٨] . عبارة ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ نعت لـ ﴿رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ . وعبارة ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ نعت أيضاً لـ ﴿رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ . وهذان النعتان متكافئات في الرتبة، فليس أحدهما أولى بالتقديم من

стр. 383

الآخر، لكن تقديم عبارة ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ على عبارة ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يوهم أنّ الجار والمجرور في هذه العبارة متعلقان بفعل "يكتم" مع أنهما متعلقان بمحذوف هو صفة لـ ﴿رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ فرفع تقديمها هذا الإِيهام، وجاء البيان سليماً واضحاً. إلى غير ذلك من دواعي لا تخفى على الدارس المتتبِّع اللّبيب. ***

стр. 384

الفصل الرابع: التنكير والتعريف (١) مقدمة نعلم من مقرّرات النحويّين أنّ الكلمة تنقسم إلى: "اسم، وفعل، وحرف" وأنّ الجملة العربيّة تتألف من كلمتين فأكثر: من فعلٍ واسم فأكثر، أو من اسمين فأكثر، وقد يدخل في الجملة الحرف للرّبط، أو لأداء معنى وُضِع له، وهذا المعنى يظهر عند تركيب الحرف مع غيره من الجملة. وإذا أخذنا قسم "الاسم" الذي يدخل عنصراً أو أكثر ضمن عناصر الجملة فإنّنا نلاحظ أنّه قد يكون نكِرَةً، وقد يكون معرفة. * أمّا النكرة: فاسم يطلق على القليل والكثير، أو على مفرد، أو على أكثر ومعناه شائع في جنس، أو نوع، أو صنف، أو نحو ذلك، وهذا يصدق بالمثنى والجمع. وما يطلق على القليل والكثير صالح لأن يراد به أقل مقدار وأكثر مقدار، وما يطلق على مفرد صالح لأن يراد به أيّ فرد دون تعيين، وما يطلق على أكثر من مفرد صالح لأن يراد به أيُّ جمع دون تعيين إذا كان جمعاً، وأيّ اثنين إذا كان مثنى. فالشائع في أفراد دون تعيين مثل: "رجل - امرأة - إنسان".

стр. 385

والشائع في مثاني أو جموع دون تعيين مثل: "رجلين - رجال - امرأتين - نساء". وما يطلق على القليل والكثير من الجنس أو النوع أو الصنف مثل: "ماء - تراب - ريح". * وأمّا المعرفة فاسم يَدُلُّ على مُعَيَّن مُمَيَّزٍ عن سائر الأفراد أو الجموع المشاركة له في الصفات العامة المشتركة، مثل "زيد" علماً لشخص معين، و"هؤلاء" اسماً يُشار به إلى جماعة معينة، وذكر النحويّون أنّ المعارف سبعة أقسام، قالوا: وترتيبها بحسب الأعْرَفِيَّة كما يلي: الأول: الضمير، مثل: "أنا - أنت - أنتما - هو - هي - هما ... ". الثاني: العلم، مثل: "زيد - أبي بكر - بدر الدين" وما يضاف إلى ضمير مثل: "يدي - رأسه - قلمكَ". الثالث: اسم الإِشارة، مثل: "هذا - هذه - أولئك". الرابع: اسم الموصول، مثل: "الذي جاءني - التي تزوجتها ... ". الخامس: المحلّى بأل، مثل: "الرجل - المرأة - المؤمن - الرجال - النساء - المؤمنين". السادس: المضاف إلى غير الضمير من المعارف السابقة، مثل: "زوجة سعيد - غلام هذا - قلم الذي زارني صباحاً - كتاب الرجل". السابع: النكرة المقصودة في النداء، مثل: "يَا رَجُلُ" تخاطب رجلاً بعينه. ولمَّا كانت الأسماء الّتي تدخل في بناء الجملة ذوات أقسام: النكرة بأقسامها الثلاثة، والمعرفة بأقسامها السبعة، فإنّ أمام منشىء الكلام بدائل من هذه الأسماء يمكن أن يختار منها.

стр. 386

لكنّ هذه البدائل ليستْ سواءً في دلالاتها، حتّى يأخذَ منْها ما يشاء لما يشاءُ، دون اختيار وانتقاء لما يراه أكثر ملائمة وأداءً لما يريد توصيله من المعاني، أو التعبير عنه. لذلك كان لابدّ من رسم معالم هذه البدائل، وتوضيح فروق دلالاتها، حتَّى ينتقي منها منشىء الكلام لكلامه ما هو الأحكام بياناً، والأفضل لتحقيق ما يريد توصيله من معاني، رجاء أن يكون كلامه أكثر بلاغة، وأتقن اختياراً، وأوفى دلالة على المعاني التي يريد التعبير عنها. *** (٢) دواعي اختيار النكرة عرفنا أنّ النكرة ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يطلق على القليل والكثير، ومعناه شائع في جنسٍ أو نوع، أو صنف، أو نحو ذلك، مثل: "ماء - تراب - ريح". وهذا القسم يراد منه غالباً المعنى الشائع قلّت وحداته أو كثرت، وعند إرادة تحديد الكميّة أو وصفها بالقلة أو الكثرة أو نحوهما يُضاف في البيان ما يُراد بيانه. ولامعنى لجمع هذا القسم ما دام يطلق على القليل والكثير، إلاَّ إذا أريد بالجمع الأنواع أو الأصناف أو نحو ذلك. القسم الثاني: ما يطلق على مفرد شائع دون تعيين، وهذا القسم صالح لأن يراد به معنى الجنس أو النوع أو الصنف أو نحو ذلك، وأن يراد به معنى الإِفراد على وجه الخصوص، وفي هذه الحالة يحسن تأكيد معنى الإِفراد بالوصف بأنه واحد، ومنه قول المشركين في تعجُّبهم من فكرة التوحيد التي جاء بها الرسول ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلاها وَاحِداً﴾ ؟ [ص: ٥] .

стр. 387

قال الله في سورة (ص / ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) : ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلاها وَاحِداً إِنَّ هاذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [الآية: ٥] . القسم الثالث: ما يُطلق على أكثر من مفرد، ومعناه شائعٌ في مَثَانٍ أو جُمُوع، وهذا القسم صالح لأَِن يُرادَ به معنى الجنس أو النوع أو الصف أونحوهما، وأن يراد به معنى التثنية أو الجمع على وجه الخصوص، وفي هذه الحالة يحسُنُ تأكيد معنى التثنية بالوصف بنحو "اثنين" ومنه قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) : ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلاهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إلاه وَاحِدٌ فَإيَّايَ فارهبون﴾ [الآية: ٥١] . في هذا المثال نلاحظُ تأكيد التَثْنِيَة في المْمُثَنَّى النكرة بوصفه بلفظ "اثنين"، ونلاحظ تأكيد الإِفراد في المفرد النكرة بوصفه بلفظ "واحد"، لأنّ المراد التنبيه على أنّ التثنية والإِفراد هما المرادان على وجه الخصوص، أمّا في النكرة التي هي جمع فقد يحسن تخصيصها بنحو قليل أو كثير، مثل قول الله في سورة (الفرقان/ ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول) : ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً * لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾ [الآيات: ٤٨ - ٤٩] . فخصَّص "أَنْعَاماً وأناسِيَّ" وكلِّ منهما نكرةٌ جمْعٌ، فوصفهما بفلظ "كثيراً". وإذا كان المراد تحديد عدد معين وُصِفَتِ النكرة الجمع بما يُبَيِّن العدد، ومنه قول الله في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) : ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ [الآية: ٧] . أي: وكنتم أيها الناس يوم القيامة أصنافاً ثلاثة: هم أصحابُ الميمنة، وأصحابُ المشأمة، والسّابقون المقربّون.

стр. 388

بعد تحديد معالم النكرات يَحْسُنُ بيانُ دواعي اختيار النكرة في الجملة الكلامية. *** تفصيل دواعي اختيار النكرة: أذكر هنا طائفة من الدواعي أخْذاً ممّا ذكره علماء البلاغة، منبّهاً على أنّ الدواعي قد لا تنحصر فيها، فترك المعرفة واختيار النكرة في الكلام ممّا تتشعّب فيه أغراض البلغاء، وقد تتفَتَّقُ قرائح الّلاحقين منهم عن أشياء لم يتنبّه إليه السابقون، إذ الأمر ليس اصطلاحاً لغويّاً حتّى ينحصر فيما اصطلح عليه الأولون، بل هي أغراضٌ تُقْصَدُ بلاغياً من خلال استعمالٍ لغويّ قابل لدلالات كثيرة، ولا سيما حينما نلاحظ أنّ ذكر النكرة غير موصوفة قد يوحي بطيّ الصفة في اللّفظ مع ملاحظة معناها ذهناً، والنكرة قابلة لأن توصف بأشياء كثيرة جدّاً، فقد توصف بالشيء، وقد توصف بضدّه، وعند حذف الصفة يبقى لفظها محتملاً، لكنّ قرائن الحال أو قرائن المقال قد تشعر بطيّ صفة مع إرادة معناها، وقد تُشعر أحياناً أخرى بطيّ نقيضها مع إرادة معناه، ومن هنا تتنوع الدواعي والأغراض. وفيما يلي أعرض ما أحصيته من دواعي اختيار النكرة: الداعي الأول: الجهل بما يُعَرِّف المذكور بقسم من أقسام المعرفة، فيلْجأ المتكلم إلى التنكير، بإطلاق اسم غير مُعَيّن من أسماء النكرة، وهذا الاسم النكرة ينطبق على المتحدّث عنه وينطبق على غيره، مّما يشاركه في الصفات العامة، ويحصل بإيراد النكرة تخصيصٌ ما، وهذه فائدة تُقْصَدُ في الكلام، فمن قال لأبيه مثلاً: جاءنا رجلٌ وسأل عنك، فقد أفاده أنَّ سائلاً ما سأل عنه، وأنّ هذا السائل هو من صنف الرجال، لا من صنف النساء. ***

стр. 389

الداعي الثاني: أن يقصد المتكلم عدم تعيين من يتحدث عنه، وتظهر هنا عدّة أغراض: * منها أن يكون تعيينُه زائداً على ما يقصد المتكلم بيانه، مثل تعيين اسم الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ليقول لموسى ﵇: إنَّ الملأ يأتمرون بكَ ليقتلوك، لذلك لم يذكر الله اسمه، فقال تعالى في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) : ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى قَالَ ياموسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخرج إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾ [الآية: ٢٠] . ومثل تعيين اسم الرجل الذي جاء لينصر المرسلين الثلاثة في أنطالية، ويدعو قومه لاتّباعهم، ويُعْلِنُ أمام قومه إيمانه، فانتقموا منه فقتلوه، لذلك لم يذكر الله اسمه، واكتفى بذِكْر أنَّه رَجل، فقال تعالى في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) : ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢١] . * ومنها إرادة إخفاء شخص المتحدّث عنه، لمصلحةٍ يراها مُنْشِىء الكلام، والمصالح من الإخفاء كثيرة يصْعُبُ حصْرُها، كالخوف عليه، وكالتشويق إليه، وكانتظار المناسبة الملائمة للمفاجأة به. ومن أمثلة إرادة الإِخفاء أوّلاً ما كان من أخت موسى ﵇، بعد أن وضعته أمّه وهو رضيع في صندوق وألقته في اليمّ، إذْ تَتَبَّعته حتى التقطه آل فرعون، وتعلّق قلب امرأة فرعون به، ورفض أن يرضع من المراضع اللائي جُلِبْن له، وكانت تتابع أمره فعرضت على الذين يبحثون له عن مرضعة ترضعه وتكفله، فقالت لهم كما جاء في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) :

стр. 390

﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [الآية: ١٢] . فقد جاءت بلفظ "بيتٍ" نكرةً، وقالت "أَهْلِ بَيْتٍ" ولم تَقُلْ مُرْضعة، لتلاحظ مدى استجابتهم للعرض، ولتُبْعِدَ الشبهة عن أن تكونَ أُمُّه في هذا البيت، خوفاً على أخيها وأمّها، فلمَّا استوثقت من تلهفّهم، وصدق رغبتهم، وَأَنَّهُم لمْ يشْعُروا بأنّها ذات علاقةٍ ما بالطفل، دلَّتْهُمْ وأخَذَتْ بهم إلى أمِّها، فالْتَقَم ثدْيَها وشَرَعَ يَرْضَعُ برغبةٍ تامّة. *** الداعي الثالث: أن يكون مراد المتكلّم ذكر واحد غير معين من الجنس أو النوع أو الصنف، كأن يقول الراغب في الزواج: "أريد زوجة" فهو يبحث عن زوجةٍ ما تناسبه، وهذه غير معينة في ذهنه. وكأن يقول طالب دابّة لسفره: "أريد فرساً" فهو يبحث عن فرس ما مناسبة دون تعيين. ومنه قول إخوة يوسف حينما تآمروا للتخلّص منه: ﴿أَوِ اطرحوه أَرْضاً﴾ [يوسف: ٩] أي: أرضاً ما بيعدة دون تعيين، حتَّى يضلّ أو تأكله الوحوش. قال الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) : ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ [الآيات: ٨ - ٩] . وهذا الشاهد يصلح أيضاً لإِرادة نوعٍ من الأرض غير معيّنة بذاتها، لكنّها نوعٌ ذات وصف خاص، فهي أرض بعيدة نائية مجهولة مَنْ طُرِح فيها ضلُّ وتعرَّض لِلْهَلاَك. *** الداعي الرابع: قد يختار المتكلم النّكرة قاصداً بالتنكير التكثير، وتدلُّ القرائن على قصد التكثير، وإذْ دَلَّتِ القرائن عليه حَسُن في الكلام حَذْفُ الوصف
следующие страницы →