← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أو بِيضاً: البيض جَمْعُ أبْيضَ، ولعلّهُ يقْصِدُ ولداناً بيضاً، لأنّ الذكريات عن العهود الغوابر يبرزُ منها ما فيها من صُوَرٍ جماليّة، وأجملُ ما يثبتُ في الذكريات الصغارُ من النَّعَمِ والوحش، والولدان البيض في ملاعبهم. بِمَيْثَاءَ: الميثَاءُ الرَّمْلَةُ السهلة، والرابية الطيِّبَة، والتَّلْعَةُ العظيمة. مِحْلاَل: يقال لغةً: مكانٌ مِحْلاَلٌ إِذا كَانَ كثير الرُّوَّاد، ولاَ يكون كذلك إلاَّ لما فيه من صفاتٍ تُرَغَّبُ فيه. بِوَادِي الْخُزَامَى: أي بالوادي الذي يكثر فيه نبات "الخُزَامَى" في دِيارِ سَلْمَى التي صارت أطلال خالية من ساكنيها الغابِرينَ. أو على رأس أَوْ عَالٍ: أي: أو على رأْسِ صُخُورٍ مُشْرِفَةٍ فوق القِمَم، شُبِّهَتْ هذه الصُّخور بالأوعال جمع "وَعِل" وهو تَيْسُ الجبل، لأنّ الأوعال تَصْعَدُ رؤوس التلال والجبال، وتُشْرِف برؤوسها، وتوجد في المرتفعات صخور تُشْبِهُها، يَصْعَدُ إليها المتنزّهون، ويجلسون عليها، مستمتعين بالارتفاع والمشهد والحديث، وكان لامرىء القيس مجالس هنا لك مع صاحبته سلْمَى. هذه طائفة من الأمثلة اكتشفنا فيها بعض أغْراض ذكر العنصر الذي يمكن فهمه بوجه عامّ فيما لو حُذِف من الكلام، لكنَّ الداعيَ البلاغِيّ رجَّحَ في ذَوْقِ الأَديب البليغِ ذكره على حذفه، لإِفادة المعنى البلاغيّ الذي قصده. والدواعي التي لم أورد أمثلة لها من أقوال البلغاء والفصحاء، ليس من الصّعْب وضْعُ أمثلة لها، أو اكتشاف أمثلة لها لدى الاطلاع على النصوص البليغة من النثر والشعر. فعلى مُحَلّل النصوص الآدبيّة البليغة أن يكون على بصيرة بمختلف الأغراض البلاغيّة، وحتى يكون شرحُهُ الأدبيُّ البلاغيُّ للنصوص كاشفاً بِدِقَّةٍ أغراضَ البلغاء. ***

стр. 317

(٣) دواعي الحذف في الكلام مقدم: قد يرى المتكلّم البليغ الذّوّاقُ للأدب الرفيع أن يحذف من كلامِه الذي يُريدُ توصيلَ معناه لمَنْ يتلَقَّى كلامه، مَا يمكِنُ أن يفهمه المتلَقّي بقرائن الحال، أو قرائن المقال، أو باللّوازم الفكرية الجليّة، أو باللّوازم الفكرية الخفية وبالإِشاراتِ الّتي تُدْرَكُ بالذكاء اللّمَّاح، ومن المعلوم أنّ الأذكياء يكفيهم الإِلْماح، لأنهم يدركون المقاصدَ باللّمح. وقد اهتمّ علماءُ البلاغة، والباحثون في إعجاز القرآن بدراسة ما في كتاب الله من محذوفات، وبدراسة أقوال كِبَارِ البلغاء والفصحاء، وما فيها من عناصر محذوفة مع أرادة توصيلِ معانيها للمخاطبين بها، فاكتشفوا أنّ الحذف من صريح البيان، والاكتفاء بدلائل قرائن الأحوال أو قرائن الأقوال، أو دلائل اللّوازم الفكرية، وما في الأقوال المذكورة من إشارات، قد يكون أبلَغ وأبدَعَ وأكْثَرَ جَمالاً، إذَا كان المتلَقِّي ممَّنْ تقتضي حالُه أنْ يُخَاطَبَ بمثل ذلك، اعتماداً على ذكائه وفطنته، أو كان في المتلقّين من هم كذلك، وهؤلاء يكشفون لسائر المخاطبين ما فهموه من الكلام الموجّه للنّاس بوجهٍ عامٍّ، فَيُغْنِي إفهام أهل البحث والعلم والفطنة بكلام يُلاَئمُ مقتضى حالِهم، إذْ هم مُكَلَّفُونَ إِفْهَامَ الآخرين وتعليمَهُم، ولا حاجة في كلّ الكلام أَنْ يلائم أحوال متوسطي الذكاء فمن دونهم، إذا كان الكلام موجّهاً للناس بوجه عامّ. ولذلك نجدُ في كتاب الله الموجّه للناس أجمعين ما يمكنُ أَنْ يفهمه بسهولة كلُّ المخاطبين، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ متوسّطٍ أو فوق المتوسط، ونجد فيه ما يحتاج فهمه إلى ذكاءٍ فائقٍ وفطنةٍ رفيعة عالية، ليشرح هؤلاء ما فهموه من كتاب الله، ويقدّموه لسائر الناس بما يفهمون من بيان.

стр. 318

وَإِذْا أحسَّ أستاذُ علوم البلاغة "عبد القاهر الجرحاني" أَنَّ حذفَ ما يُمْكن أن يُدركَهُ أهل الذكاء والفطنة بالقرائن أو الإِشارات، ممّا يرفع مستوى الكلام إلى مراتب عاليةٍ في البلاغة والإِبداع والجمال البياني، قال كما جاء كتابه "دلائل الإعجاز" بشأن الحذف: "هذا بابٌ دقيقٌ الْمَسْلَكِ، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمْر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإِنَّكَ ترى به تركَ الذّكر أفْصَح من الذكْر، والصَّمْتَ عن الإِفادة أزيد للإِفادة، وتجِدُكَ أنْطَقَ ما تكونُ إِذَا لَمْ تَنْطِقْ، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لمْ تُبَيّنْ، وهذه جُمْلَةٌ قدْ تُنْكِرُها حتَّى تَخْبُر، وتَدفَعُهَا حتَّى تَنْظُر". وممّا سبق ندرك أنّ من شرط حَذْفِ ما يُرادُ الدلالة على معناه، أن يمكن القول، إدراكُهُ بقرائن الحال أو قرائن المقال، أو اللّوازم الفكرية، أو إشارات المذكور من القول وإلاَّ كان تَعْمِيَةً لا تليق بذي بيان بليغ. ومن علامات الحذف البليغ الذي يرفع قيمة الكلام، أنَّه إذا أُظْهِرَ المحذُوف زالَ ما في الكلام من بهجة وطلاوة وجمالٍ فنّي وإبداع. *** أقسام الحذف: لدى استقرار صوف الحذف في الكلام العربي البليغ يظهر لنا أنّه يدور حول حذف جُزْءٍ من الكلمة أو ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَة جزئها، كأداة النداء وياء المتكلّم. وحذف جُزْءٍ من الجملة كحذف المسند أوحذف المسند إليه أو حذفهما، أو حذفِ شيءٍ من متعلّقاتِ الفعل أو ما يَعْمَلُ عمله. وحذف جملة كاملة. وحذف أكثر من جملة. فالحذف إذَنْ يقع في أربعة أقسام: القسم الأول: حذفُ جُزْءٍ مِن الكلمة أو ما يُنَزَّلُ منزلة جُزْءِ الكلمة، ولم

стр. 319

يوجّه البلاغيون عناية لهذا القسم، لكن تنبَّهَ إلى بَعْضِهِ "الأخفش" من علماء العربيّة، وحاول تعليله وفق مناهج النحاة والصرفيين، لا وفق مفاهيم البلاغييّن والأدباء، وذلك في قول الله في سورة (الفجر/ ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول) : ﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾ [الآية: ٤] . بحذف "الياء" من "يَسْرِي" مراعاة لرؤوس الآيات، دون أن يُوجَدَ مقتضٍ نحويٌّ لهذا الحذف. وتنبَّهَ إلى هذا القسم وأضافه اقتراحاً إلى أقسام الحذف البلاغي من المعاصرين "د. محمد أبو موسى" في كتابه "خصائص التراكيب" وقد أحسن صُنْعاً. وأقول في شرح هذا القسم: إِنّ العربيّ قد اعتاد أن يختصر من الكلمة إيجازاً في نُطْقِه وتخفُّفاً، وذلك في بعض كلامه ممّا يكثر تداوله، فيحذف بعض حروف الكلمة، وأن يختصر أيضاً فيحذف بعض ما يُنَزّلُ مَنْزِلَة جُزْءِ الكَلمة، كالجزء الثاني من المركب تركيباً مَزْجِيَّاً، وكالمضاف إليه، وكياء المتكلم، وأداة النداء. ويظهر لنا هذا في بعض أنواعٍ من الكلام العربي، ومنه ما نجده في الأبواب التالية: فمنه ما يُسمَّى الترخيم في باب النداء، فقد يحذف العربيُّ في النداء آخر حرف في الكلمة، أو الحرفين الأخيرَيْن منها، وقَدْ يَحْذِفُ الجزءَ الثانِيَ من جزئي الكلمة المركّبة تركيباً مزجيّاً، وقد يحذف في الترخيم المضاف إليه. ومن دواعيه إلى ذلك الإِيجاز، والتحبُّبُ لِلْمُنَادى أحياناً، ومراعاة جمال فنّيٍّ في نَسَقِ الكلام، وإيثار اللفظ الأخف على اللّسان، إلى غير ذلك.

стр. 320

الأمثلة: (١) قول امرىء القيس: أفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ ... وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجمِلِي أي: أفاطمةُ، وفي هذا الترخيم يظهر معنى التحبُّب مع إرادة سلامة الوزن الشعريّ. (٢) قول الْعَجَّاج يخاطِبُ امرأته "جارية" وهو يُعِدُّ رحل ناقته للسَّفر، فقالت له: "ما هذا الذي تَرُمُّ" أيْ: تُعِدُّهُ من أمْرٍ رغبةً في الارتحال: فقال لها: جَارِيُ لاَ تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي ... سَعْيِي وإشْفَاقِي عَلَى بَعِيري فحذَفَ حرفَ النداء ورَخَّمَ، وأصلُ الكلام: "يَا جاريَةُ" ومعنَى "عَذِيري": حالي، وما أحاول من سَفر، فعذيرُ الرَّجل ما يرومُ وما يُحَاول مما يُعْذَرُ عليه إذا فعله. (٣) قول الفرزدق، يخاطب مروان بن عبد الملك: يَا مَرْوَ إِنَّ مطيّتِي مَحْبُوسَةٌ ... تَرْجُو الحِبَاءَ وَرَبُّهَا لَمْ يَيْأَسِ أي: يا مروان، فحذف الحرفين الأَخيرين من "مروان". (٤) قول لبيد: يَا أَسْمَ صَبْراً عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدَثٍ ... إِنَّ الْحَوَادِثَ مَلْقِيٌّ وَمُنْتَظَرُ أي: يَا أسماء، فحذف بالترخيم الحرفين الأخيرين من "أسماء". (٥) وقالوا مُرَخّمين في نداء نحو"حضر موت" وفي نداء نحو "مَعْدِ يكرب": يا حَضْرَ - يَا مَعْدِ. (٦) وكثيراً ما يحذف العرب أداة النداء، وياء المتكلم التي يضاف إليها المنادى، مثل: "يَارَبّ - يَا أبَتِ - يا ابْنَ أمَّ - يَا عبادِ - يَا غلامِ".

стр. 321

* ومنه حذف ياء المتكلّم. الأمثلة: (١) قول الله في سورة (سبأ/ ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول) : ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ؟ [الآية: ٤٥] . أي: فَكَيْفَ كَانَ إِنْكَارِي، فحذف من "نكير"، ياء المتكلم، والداعي النَّسَقُ الجمالي في رؤوس الآيات في السورة. ونظيره في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) : ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [الآية: ٥] . أي: فكيف كان عقابي. وكذلك في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) في عدة مواضع منها: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [الآية: ١٦] . أي: فكيف كان عذابي ونُذُرِي، والداعي في كلّ ذلك مراعاة النسق الجماليّ في رؤوس الآيات. * ونظير حذف ياء المتكلم حذف حرف العلة في آخر الفعل دون مقتضٍ إعرابي، رعايةً للنسق الجمالي، ومنه قول الله في سورة (الفجر/ ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول) : ﴿والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر * والليل إِذَا يَسْرِ﴾ [الآيات: ١ - ٤] . الأصل: "واللَّيْلِ إذا يَسْرِي" فحذفت الياء من "يسري" رعاية للنسق الجمالي في رؤوس الآيات ولو لم يُوجَدْ جازم يَقتضي حذفها إعرابيّاً. ***

стр. 322

القسم الثاني: حذف جزءٍ من الجملة، ويكونُ بحذف المسند إليه، أو حذف المسند، أو حذفهما والاكتفاء بمتعلّقَاتِ الفعل أو ما في معنى الفعل كالمصدر واسم الفاعل، أو حذف غير ذلك من عناصر الجملة، استغناء بما يدلُّ على المحذوف. وقد ذكر ابن هشام في كتابه "مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب" زيادةً على ثلاثين نوعاً من أنواع الحذف في اللّسان العربي، واستشهد على كثير منها بأمثلة قرآنيّة، ومعظم هذه الأنواع يرجع إلى حذف جزء من الجملة، وتجد تفصيلاً لأنواعِ الحذف مع أمثلتها في القاعدة (١٤) من كتابي "قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله ". ومن أنواع حذف جزء الجملة ما يلي: (١) حذف الاسم المضاف. (٢) حذف المضاف إليه. (٣) حذف اسمين مضافين. (٤) حذف الموصول الاسمي. (٥) حذف الموصوف. (٦) حذف الصفة. (٧) حذف المعطوف. (٨) حذف المعطوف عليه. (٩) حذف المبدَل منه. (١٠) حذف المبتدأ. (١١) حذف الخبر.

стр. 323

(١٢) حذف الفعل. (١٣) حذف المفعول. (١٤) حذف الحال. (١٥) حذف التمييز. (١٦) حذف "لا" النافية وغيرها. (١٧) حذف لام التوطئة. (١٨) حذف الجار، ويطّردُ مع "أنَّ و"أَنْ". (١٩) حذف لام الطلب. *** القسم الثالث: حذف جملة كاملة استغناءً بما يدلُّ عليها، أو اعتماداً على إمكان فهمها ولو لم تُذْكر. * فمنه حذف جملة القسم، مثل قول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) في حكاية قصّة سليمان: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢١] . أي: أُقْسِمُ باللهِ لأَذْبَحَنَّهُ. * ومنه حذف جواب القسم، مثل قول الله في سورة (النازعات/ ٧٩ مصحف/ ٨١ نزول) : ﴿والنازعات غَرْقاً * والناشطات نَشْطاً * والسابحات سَبْحاً * فالسابقات سَبْقاً * فالمدبرات أَمْراً﴾ [الآيات: ١ - ٥] . أي: لَنَبْعَثَنَّهُمْ ولَنُحَاسِبَنَّهُمْ. * ومنه حذف جملة جواب الشرط، مثل قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) :

стр. 324

﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... ﴾ [الآية: ٣٥] . أي: فإن استطعْتَ ذَلِكَ فَافْعَل. وقول الله في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) : ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى ... ﴾ [الآية: ٣١] . أي: لكان هذا القرآن المنزّلُ على محمد. * ومنه حذف جملة الشرط، مثل قول الله في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول) : ﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فاعبدون﴾ [الآية: ٥٦] . أي: فإنْ لم يتأَتَّ لكُمْ إخلاصُ العبادة لي في هذه الأرضِ فإيَاي فاعْبُدُني في غيرها. *** القسم الرابع: حذف أكثر من جملة استغناءً بما يدلُّ على المحذوف، ومن أمثلته الكثيرة قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ٧٣] . أي: فقلنا اضربوا القتيل ببعض البقرة المذبوحة، فضربوه ببعضها، فصار القتيل حيّاً فَأخْبَرَ عنْ قاتِلِهِ ... *** دواعي الحذف البلاغية: ذكر البلاغيون طائفة من دواعي الحذف مُوزَّعةً في بحوث حذف المسند

стр. 325

إليه، وحذف المسند، وحذف بعض متعلقات الفعل، وقد انتقيت منها وأضفت إليها، فاجمتعتْ لديّ الدواعي التالية، وأُأكد أنّه يَعْسُر إحصاءُ كلّ الدواعي التي تقوم في نفوس البلغاء للحذف، وما ذكرته منها يرشد إلى ما فاتني أن أذكره. الداعي الأول: الاحتراز عن العَبثِ بناءً على الظاهر، إذا كان ما يُحْذَفُ يُمْكِن أنْ يُدْرِكه ويَفْهَمه المتلقِّي، دون أن يُذْكَر في اللفظ، لدلالة قرينة الحال، أو قرينة المقال، أو اللّوازم الفكرية المنطقيّة، والمخاطب من الذين تكفيهم دلالات القرائن واللّوازم الفكريّة. الداعي الثاني: تَخْيِيلُ الْعُدُولِ إلى أَقْوى الدّليلين من العقل أو اللفظ، باعتبار أنّ التوصُّلَ إلى فكرةٍ ما عن طريق الاستدلال العقلي أقْوى لدى الإِنسان من أَنْ تُبَيَّنَ له عن طريق دلالة اللفظ، يُضافُ إلى ذلك أنّ فَهْمَ الإِنسانِ للأَمْرِ باسْتِنْبَاطِه الفكريّ آنَسُ لَهُ وأَسَرّ، وأكثَرُ إشعاراً له بذاتيّته المستقلّة، من أَنْ يَشْعُرَ بأَنَّه عالةٌ في الْفَهْم على من يُعَرِّفُه به بصريح اللّفظ. لمَا يتضمَّنُ البيان بصريح اللّفظ من إلماح ضمنيّ إلى أنَّ المخاطَبَ ليْسَ مِن أهل فهم المعاني بقرائن الأحوال، أو قرائن الأقوال، أو لوازم الأفكار، ففي الحذف إثارةٌ للفكر وترضية لدوافع النفس التي يُسْعِدها الاستقلال والاعتماد على الذات. الداعي الثالث: اختبارُ تَنَبُّهِ المتَلّقي أو مقدارِ تَنَبُّهِهِ، عند إمكان الاستِغْناءِ عن دلالةِ صريح اللفظ على المراد. الداعي الرابع: الإِشعار بتمجيد المسمَّى عن طريق الإِيهام بصون اسمه عن أن يُبْتَذَلَ بالذكر لجلالة قدره، على معنى قول الشاعر يخاطبُ ممدوحه: لَسْنَا نُسَمِّكَ إجْلاَلاَ وتَكْرِمَةً ... فَوَصْفُكَ الْمُجتِلي عَنْ ذَاكَ يُغْنِينَا الداعي الخامس: الإِشعار باحتقارِ المسمَّى وازدارئه وتَنْزِيهِ اللّسان عن ذكر اسْمِهِ، عن طريق الإيهام بأنّه يَنْبَغِي صَوْنُ اللّسانِ عنه، كما يُصانُ عن ذكْرِ ألفاظِ الفحش، وأسماء العورات.

стр. 326

الداعي السادس: صونُ اللّسان حقيقةً عن ذكر المحذوف والاكتفاء بدلالة القرائن، لأنّه ممّا ينبغي سَتْرُ ما يَدُلُّ اللّفظ الصريحُ عليه، ويَسْتَهْجِنُ ذوّاقوا الأدب الرفيع ذكره. الداعي السابع: التمكُّن من إنكار المحذوف، عند الحاجة إلى هذا الإِنكار، وادّعاء قَصْد غيره. الداعي الثامن: كَوْنُ ما يُحْذَفُ مُتَعَيِّناً حقيقةً أو ادّعاءً، فلا داعي إلى ذكره، إذْ يكونُ ذِكْرُهُ عندئذٍ من الإِسراف في القول، وهو أمْرٌ لا يَسْتَسِيغُه الْبُلَغاء. الداعي التاسع: اتّباع الاستعمال الوارد على ترك ذكره، كالأمثال وما يجري مجراها، نحو: "رَمْيَةٌ من غَيْرِ رَامٍ" أي: رَمْيَةٌ مُصِيبةٌ مِن غير رام ماهرٍ يُحْسِنُ الرّماية، ونحو "شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخزَمِ" ونحو: "قضِيةٌ ولاَ أبَا حَسَنٍ لَهَا". الداعي العاشر: تركُ نظائره في استعمالات العرب، كما في الرفع على المدح، أو الذمّ، أو الترحُّم، فإنَّهُمْ لاَ يكادون يذكرون فيه المبتدأ، وكَقطْع الصفة ونَصْبِها على تقدير فعل أمدح، أو أذُمُّ، أو نحو ذلك، وكما في "أهلاً وسهلاً". أي: لقيت أهلاً، ووطئت سهلاً، وكما في المفعول المطلق لفعل محذوف، مثل: "سَقْياً وَرَعْياً" أصله: سقاك الله سقياً، ورعاكَ الله رَعْياً، ومثل "حَمْداً وشُكْراً" أصله: أحمد الله حمداً، وأشكر اللهَ شكراً. الداعي الحادي عشر: ضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب التوجُّعِ أو التضجُّر، كأن تقول لمريض: كيف حالك؟ فيقول: مريض.

стр. 327

وكأن تقول لفاقد عزيز عليه: كيف حالك؟ فيقول: حزين. الداعي الثاني عشر: إرادة أخفاء الأمر عن غير المخاطب الذي يسألك عن أمْرٍ بحضور آخرين لا تريد إعلامهم به فتكفي بذكر بعض الجملة، أو بنحو حرف نفي، أو حرف إيجاب. الداعي الثالث عشر: خوف فوات فرصة سانحة، كأن تقول للصيّاد المترقب الراصِدِ "وَعِل - غزال - أرنب - هذا - ذاك -". الداعي الرابع عشر: رعايةُ السَّجْعِ، أو القافية، أو أواخر الآيات، محافظةً على الجمال الفنّي في اللّفظ ونَسَقِ الْجُمَل. الداعي الخامس عشر: تربية الفائدة بتكثير المعاني، إذْ يتأتَّى من احتمالات المعاني بالحذف، ما لا يتأتَّى بالذكر. الداعي السادس عشر: قَصْدُ التعميم مع الاختصار في اللفظ، وهذا كثير في النصوص البليغة الرفيعة، كقول الله في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) : ﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الآية: ٢٥] . أي: يدعو كلّ ممتَحَنٍ مُكَلَّّفٍ إلى دار السلام عن طريق الإِيمان والإِسلام، ودار السّلام هي الجنة. الداعي السابع عشر: قصْدُ الإِيجاز فقط، ولو لم ينضمُ إليه داعٍ آخر، فالإِيجاز دون إخلالٍ بالمعنى المراد من الدواعي التي يَهْتَمُّ الْبُلَغَاءُ بمراعاتها، لأنّه يصون الجملة في ذوق الناطق العربي من الثقل والترَهُّل. الداعي الثامن عشر: المبادرة إلى دفع ما يمكن أن يتوهّمه الْمُتَلقِّي ممّا هو غير مراد، لو لم يحصل الحذف، كأن يقول المخبر بغزوِ الأعداء المدينة: دخلَ الغزاةُ إلى الْقَصْر السلطاني.

стр. 328

فَحَذَف عن عبارته لفظ "المدينة" لأنّه بادر إلى دفع توهم أنَّهمْ لم يصلوا بَعْدُ إلى القصر السلطاني، وأنّهم ما زالوا في الطريق إليه. الداعي التاسع عشر: قصد التشويق بالإيهام، ليأتي البيان بعده شافياً حركة الشوق إلى المعرفة. إلى غير ذلك من دواعي تتفتَّقُ عنها قرائح البلغاء الفطناء. *** أمثلة وتطبيقات أُقدِّم أمثلةً وتطيبقات غير شاملة لكلِّ أقسام الحذف وأنواعه، رجاء أن تكون هاديةً للدّارِسِ الباحثِ البلاغي، فَيَقيسَ عليها، ويستخرج ما يراه من دواعي بلاغيَّةٍ في مختلف النصوص التي يدرسُها، من كتاب الله، وأقوال الرسول ﷺ ، وأقوال البلغاء من ناثرين وشعراء ذوَّاقي الأدب الرفيع وعناصره الإِبداعيّةِ والجماليّة: المثال الأول: ذكر البلاغيّون أنّ من المألوف في أساليب بلغاء العرب أنَّهم يحذفون الْمُسْندَ إليه عند ذكر الدّيار، ومنه قول امرىء القيس: لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي ... كَخَطِّ زَبُورٍ فَي عَسِيبِ يَمَانِ دِيَارٌ لِهِنْدٍ وَالْرَّبَابِ وَفَرْتَنَى ... لَيَالَيَنَا بِالْنَّعْفِ مِنْ بَدَلاَنِ لَيَالِيَ يَدْعُونِي الْهَوَى فَأُجِيبُهُ ... وَأَعْيُنُ مَنْ أَهْوَى إليَّ رَوانِ الطَّلَلُ: مَا بِقَي شَاخِصاً مِنْ آثار الدِّيار ونحوها. فَشَجَانِي: أي: فهيَّج حزني وأثاره. كخطّ زبور: شبّه بخَطِّ لكتاب مكتوب. فِي عَسِيبِ يَمَانِ: الْعَسِيب: سَعَفُ النَّخل. يَمَانِ: نسبة إلى الْيَمن، أو جهة

стр. 329

اليمن، ويظهر أنّ اليمانيّين كانوا في عصره يكتبون كتبهم في سَعَفِ النخل. دِيارٌ لِهِنْدٍ: أي: هي ديار لهند، فحذف المسند إليه، وهو مبتدأ هنا، و"هند" و"الرباب" و"فَرْتَنى" أسماء صواحبَ له، كان يستمتع بلقائهنّ في هذه الديار التي هُدِمت ولم يَبْقَ منها إلاَّ الأطلال. لَيَالِينَا: أي: أتذكّر ليالِيَنَا، فحذف المسند. وأبقى النصبَ دليلاً على المحذوف، وهذا شاهد على حذف المسند، وكذلك: لَيَالِي. بالنَّعْف: النَّعْفُ: هو ما انحدر من الجبَلِ وارتفع عن الوادي. مِنْ بَدَلاَنِ: بَدَلاَن: بَلَدٌ في اليمن. رواني: أي: ينظرن إلي نظراً طويلاً مع سكون طرف، يقال: رَنَا إليه، إذا أدام النظر مع سكون الطرف. ذكر امرؤ القيس أنّه أبصر طَلَلَ دِيار صواحبِهِ "هند والرّباب وفَرْتَنَى" فأحزنه هذا المشهد، لأنّه ذكّره ما فاته من أيَّام خوالي، كان فيها مستمتعاً بهِنَّ، ووصف في عرضه المكان وليالي اللّقاء بهنَّ. *** المثال الثاني: قول الشاعر المخزومي القرشي "عُمَرَ بن عبد الله بن أبي ربيعة" من شعراء القرن الهجري الأول (٢٣ - ٩٣ هـ) شاعر الغزل: هَلْ تَعْرِفُ الْيَوْمَ رَسْمَ الدّارِ وَالطَّلَلاَ ... كَمَا عَرَفْتَ بِجَفنِ الصَّيْقَلِ الْخِلَلاَ؟ دَارٌ لِمَرْوَةَ إِذْ أَهْلِي وَأَهْلُهُمُوا ... بِالْكَانِسِيَّةِ نَرْعَى اللَّهْوَ والْغَزَلاَ رَسْمَ الدّار: أي الأثر الباقي منها. والطَّلَلاَ: أي: ما بقي شاخصاً من آثار الديار.

стр. 330

بِجَفْنِ الصَّيْقل: الْجَِفْنُ: غِمْدُ السَّيف. الصَّيْقَل: الذي يَشْحَذُ السّيوف ويَجْلُوهَا، وأراد هنا السَّيْفَ المجلوّ، والشاعر ممَّنْ يستشهد بكلامه في العربيَّة. الْخِلَلاَ: بكسر الخاء وفتح اللام جمع "خِلَّة" وهي بطانة جَفْنِ السيف. أي: لم يبقَ من الدار إلاَّ كما لو لم يَبْقَ من جَفْنِ السيف إلى بطانته الداخلية. دارٌ لِمَرْوَة: أي: هي دارٌ لمروة، فحذف المسند إليه وهو المبتدأ هنا، كعادة العرب من حذف المسند إليه في هذا المقام، و"مَرْوَة" اسم المرأة التي كان يلهو معها لهو غزل. بالْكَانِسِيَّةِ: اسم مكان. *** المثال الثالث: سأل الأقَيْشَرُ ابْنَ عَمِّ له موسراً، فمنعه ولم يُعْطه، فشكاه إلى قومه وذمَّه، فوثَبَ إليه ابْنُ عمِّه ولطمه، فقال فيه الأقَيْشر: سَرِيعٌ إلى ابْنِ الْعَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ إلَى دَاعِي النَّدَى بِسَرِيعِ حَريصٌ عَلَى الدُّنْيَا مُضِيعٌ لِدِينِهِ ... وَلَيْسَ لِمَا فِي بَيْتِهِ بِمُضِيعِ أي: ابن عَمِّي فلان سَرِيعٌ إلى ... حَرِيص على، فحذف المسند إليه. *** قول الشاعر في ذكر ربْعِه ومنازله الدوارس: اعْتَادَ قَلْبَكَ مِنْ لَيْلَى عَوَائِدُهُ ... وَهَاجَ أَهْوَاءَكَ الْمَكْنُونَةَ الطَّلَلُ رَبْعٌ قَوَاءٌ أَذَاعَ الْمُعْصِرَاتُ بِه ... وكُلُّّ حَيْرَانَ سَارٍ مَاؤُهُ خَضِلُ أي: هو ربَعٌ قَواء، القواء: القفر من الأرض، ومنزل قواء: لا أنيس فيه.

стр. 331

أذاعَةُ وأذَاعَ به: إذا نشره. أذاع المعصراتُ به: أي: نَشَرَتِ السُّحُبُ المعصراتُ مَاءَها فيه بكثرة فغيّرت معالمه. وكلُّ حَيْرَانَ سَارٍ: الحيران السّاري: الْمُزْنُ تَجْرِي لَيْلاً. مَاؤُهُ خَضِلُ: أي: ندِيّ، يُريدُ أنَّه يُنَدِّي ويُبَلِّلُ الأَرْضَ والجوّ من تحته. المثال الخامس: قول بَكْر بن النَّطّاح: الْعَيْنُ تُبْدِي الْحُبَّ والْبُغْضَا ... وتُظْهِرُ الإِبْرَامَ والنَّقْضَا دُرَّةُ مَا أنْصَفْتِنِي فِي الْهَوَى ... وَلاَ رَحِمْتِ الْجَسَدَ الْمُنْضَى غَضَبَى. ولاَ واللَّهِ يَا أَهْلَهَا ... لاَ أَطْعَمُ الْبَارِدَ أَوْ تَرْضَى فحذف أداة النّداء من "يَا دُرَّةُ: اسم صاحبته. وحذف الْمُسْنَد إليه في البيت الثالث، والأصل: هي غضبَى. وحذف فيما أرى في قوله: "وَلاَ والله يَا أَهْلَها" العطوفَ عليه، إذ يريد أن يقول: هي غضبَى وأنا حزِينٌ ولْهَانٌ ولا واللَّهِ يا أَهْلَهَا لاَ أَطْعَمُ الباردَ أَوْ تَرْضَى. الإِبرام: هو في الأصل لفُّ الخيوط بعضها على بعض، ويكنَّى به عن الوعد والعهد، وعكْسُه النقض. الْمُنْضَى: المهزُول من الْجَهْد، يقال: أَنْضَاهُ إذا أتعبَهُ حتَى جعله هزيلاً نحيفاً. *** المثال السادس: قول الشاعر لمن يَسْتجديه: بَرِّدْ حَشَايَ إِنِ اسْتَطَعْتَ بِلَفْظَةٍ ... فَلَقَدْ تَضُرُّ إِذَا تَشَاءُ وَتنْفَعُ

стр. 332

فحذف المفعول، وأصْلُ الكلام: فلقد تضرُّني إذا تشاء وتَنْفَعُنِي، وقد يكون الداعي إرادة التعميم، أي تضرُّني وتضرّ غيري، وتنفعُنِي وتنفع غيري. *** المثال السابع: قول الله لرسوله محمد ﷺ في سورة (الضحى/ ٩٣ مصحف/ ١١ نزول) : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ [الآيات: ٦ - ٧] . أي: فآواك، وفهداك، فحذف المفعول رعاية للجمال الفني بتجانس أواخر الآيات. *** المثال الثامن: قول الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) : ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ [الآيات: ١ - ٢] . أي: لِيُنْذِرَ الْكَافِرِينَ بَأْساً شديداً، فحذف المفعول الأوّل لأنّه مُتَعيّن، ولدلالة مقابلة جملة "ليُنذِر" بجُمْلة "يُبَشِّرَ المؤمنين". ويظهر لنا أنّ الداعي هنا الإِيجازُ، وإمتاعُ أهل الفكر بالاستنباط، وأهل الذكاء بالاعتماد على ذكائهم. *** المثال التاسع: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ... ﴾ [الآية: ٢٠] .

стр. 333

وقول الله في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) : ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٩٩] . أي: ولو شاء الله أنْ يذهَبَ بسمعهم وأبْصَارِهم لَذَهَبَ ... . ولو شاء رَبُّكَ أن يُؤمِنَ من في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً لَجَعَلَهُمْ مَجْبُورينَ لا خِيارَ لَهُم ولآمَنْ مَنْ في الأرضِ كلُّهم جميعاً عندئذٍ. فَحَذَفَ المفعول لفعل المشيئة، وهذا الحذف هو الغالب في فعل المشيئةِ في النصوص القرآنية، وكذلك فعل الإِرادة، إلاَّ إذا كان المفعول أمراً مستغرباً أو مستنكراً أو مستحيلاً، فالداعي البلاغي لذكره أقوى من الداعي البلاغي لحذفه. والداعي البلاغي للحذف هنا: الإِيجاز والتشويق بالإِبهام ليأتي البيان بعده شافياً، مع داعي إمتاع أهل الفكر بالاستنباط والاستخراج الفكري، اعتماداً على دلالات القرائن. *** المثال العاشر: قول الله في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [الآيات: ٤٣ - ٤٤] . وقوله فيها: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى﴾ [الآية: ٤٨] . جاء في أفعال هذه الآيات الثلاث حذف المفعول به تنزيلاً للفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، إذ الغرض بيان أنّ الله هو الذي تكون بخلقه هذه الأفعال التي تحدث في الناس، فذكْرُ المفعول به إطناب لا لزوم له، إذْ هو خارج عن المقصود بالبيان.

стр. 334

ونظيره قول إبراهيم ﵇ لنمرود في محاجته له، كما جاء في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ... ﴾ [الآية: ٢٥٨] . أي: هو الذي يكون بخلقه الإِحياء والإِماتة. *** المثال الحادي عشر: قول عمر بن معديكرب يصف تخاذل قومه، ويُبيّن أن رماحهم المتخاذلة قَطَعَتْ لسانه عن الافتخار بهم والثناء عليهم. فَلَوْ أنَّ قَوْمِي أنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ ... نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أَجَرَّتِ أجَرَّت: يقال: أجرَّ فَلانٌ لسانَه إذ منَعَهُ الكلام. فحذف مفعول "أجرّت" ومرادُه منَعَتْ لساني عن الثناء على قومي والافتخار بهم، وغرضه الإِيجاز لِلْعِلْم بالمحذوف، وللإِشارة إلى أنّ تخاذل القوم يُسكت لسان المفتخر مهما كان شأنه، مع مراعاة قافية قصيدته التي جاءت على التاء. *** المثال الثاني عشر: قول البحتري يمدح يوسف بن سعيد: لَوْ شِئِْتَ لَمْ تُفْسِدْ سَمَاحَةَ حَاتِمٍ ... كَرَماً وَلَمْ تَهْدِمْ مَآثِرَ خَالِدِ أي: لو شئْتَ أنْ لاَ تُفْسِدَ سَمَاحَةَ حَاتِمٍ بجودِك لأمسكت عن العطاء فلم تُفْسِدَ سماحةَ حاتم كرماً. ولو شئت أن لا تَهْدمَ مآثر خالدٍ بشجاعتك وإقدامك وحُسْنِ تدبيرك في الحرب لتهاونْتَ فلَمْ تَهْدِم مآثر خالد.

стр. 335

والداعي البلاغي الإِيجاز، وإمتاع الفكر بالاستنباط والإِدراك الذاتي السريع. *** المثال الثالث عشر: قول الشاعر للممدوحة: قَدْ طَلَبْنَا فَلَمْ نَجِدُ لَكَ في السُّؤْ ... دَدِ والْمَجْدِ والْمَكَارِمِ مِثْلاً أي: قد طَلَبْنَا مِثْلَكَ في السؤدد والمجد فلم نجد لك ... إلخ. والداعي البلاغي الإِيجاز، وإمتاع الفكر بالإِدراك الذاتي السريع. *** المثال الرابع عشر: قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾ [الآية: ١٣] . أي: "قَدْ كَانَ لَكُمْ آيةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ" مؤمِنَةٌ ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الطَّاغوتِ ﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ . فَحُذِف الوصف وهو لفظ "مؤمنة" في الأوائل لدلالة مقابله في الأواخر لفظ "كافرة" وحُذِفَ من الأواخر جملة "تقاتل" في سبيلِ الطاغوت" لدلالة مُقَابِله في الأوائل، وهي جملة "تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ". وَهذا الحذف من الأوائل لدلالة الأواخر، ومن الأواخر لدلالة الأوائل يُسمَّى "الاحْتِبَاكَ" إذا اجتمع الحذفان معاً، وله في القرآن نظائر، وهو من إبداعات القرآن وعناصر إعجازه.

стр. 336

المثال الخامس عشر: قول البحتريّ يمدح أبا الصقر: وَكَمْ ذُدْتُ عَنِّي مِنْ تَحَامُلِ حَادِثٍ ... وَسُوْرَةٍ أَيَّامٍ حَزَزْنَ إلى الْعَظْمِ فحذَفَ المفعول به لِفِعْل حَزَزْنَ وَهو "اللَّحْمَ" لدفْع تَوَهُّمِ إِرادَةِ غَيْرِ الْمُرَادِ ابْتِداءً، إذْ لَوْ قَالَ: "حَزَزْنَ اللَّحْمَ" لَجَاز أَنْ يَسْبِقَ إلى وهْمِ السَّامِعِ قَبْلَ ذكره ما بَعْدَهُ أن الحزَّ قد كان في بعض اللّحم ولم يَصِل إلى العظْمَ، مع ما في الحذف من إيجاز. ذُدْتَ عَنِّي: دَفَعت وطرَدْتَ. تَحَامُل حادث: شدّة حادثٍ ومشقته على نفسي. سَوْرَةِ أيّام: هي شِدَّتُها وعُسْرُها. حَزَزْنَ: قَطَعْنَ، كفِعْلِ السّكين في اللّحم دون الوصول إلى نهاية الطرف الآخر الذي يتمّ به الْفَصْلُ. *** المثال السادس عشر: قول البحتري أيضاً يمدح المعتزّ باللَّهِ: شَجْوُ حُسَّادِهِ وغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعٍ فحذَفَ المفعول به لفِعْلَي: "يَرَى" و"يَسْمَع" لأنّه أراد تنزيل الفعل المتعدّي منزلة الفعل اللاّزم، فالمعنى: إنّ ما يَحْزُنُ أعداءَه ويَغِيظُهم أن يُوجَدَ راءٍ ما يرى ببصره، وسامعٌ ما يسْمَعُ، لئلا يرى محاسنه وفضائله ويسمع كلامه، ومن يثني عليه، ويُضَاف إلى هذا احتمال إرادة التعميم، أي: أن يوجد سامع يسمع أيّ شيء، وراءٍ يَرَى أيَّ شيء، إذ متى وُجد فلا بُدَّ أن يعرف محاسنه وفضائله فيُقَدِّمه.

стр. 337

خاتمة: أكتفي بهذه الامثلة وأقول: مع كثر ما أودر البلاغيّون من شواهد الحذف في شعر شعراء العرب، فإنّه ينحصر في بعض أبواب الحذْفِ، وبَعْضِ دواعيه وأغراضه، لكنّ روائع الحذف في مختلف الأبواب إنّما نَجِدُهَا في نصوص القرآن المجيد، وهي جديرة بأن تُفْرَدَ بدارسةٍ خاصّةٍ، وتجمع في كتاب مستقبلّ. ومن شاء مزيداً من الشواهد القرآنية على الحذف فليرجع إلى ما سَطَّرتُه في القاعدة (١٤) من كتابي "قواعد التدبّر الأَمْثَل لكتاب اللَّهِ " وإلى كتاب "الإِشارة إلى الإِيجاز في أنواع المجاز" للعلاّمة الشيخ "العزّ بن عبد السلام = وهو عبد العزيز بن عبد السلام ٥٧٧ - ٦٦٠ هـ" لُقّب بسلطان العلماء، لموافقه الشجاعة ضدّ أعمال السلاطين المخالفة للدين. *** ملاحظة: لم أتعرّض لعدم ذكر ما يجهله المتكلّم من عناصر الجملة، كالفعل الذي يُبْنَى على ما لم يُسَمَّ فاعله لجهل المتكلّم بالفاعل، ولا لعدم ذكر ما ليس للمتكلّم غرض بذكره، إذْ لا يُوجَدُ ما يَدُلُّ عليه من قرينة الحال، أو قرينة المقال أو اللّوازم الفكرية، لأنّ الدواعي لعدم الذكر مطلقاً هي الدواعي الّتي تدعو القادر على البيان أن يَصْمُتَ ولا يتكلَم، وهذه الدواعي لا تدخُلُ في الفنون البلاغيّة فيما أرى، إذْ يستوي فيها البليغ وغير البليغ والقادر على الكلام والعاجز عنه. وأرى أنّ ذكر البلايين لما يدخل في هذينِ البابَيْن ضمن دواعي الحذف فيه نظر. ***

стр. 338

الفصل الثالث: التقديم والتأخير (١) مقدمات المقدمة الأولى: لكلّ عنصر من عناصر الجملة في اللّسان العربيّ موقع في ترتيب بناء الجملة، وفق الذي سبق بيانه في الفصل الثاني "بناء الجملة في اللّسان العربي وتقسيمها" من الباب الأوّل "مدخل إلى علْم المعاني". وقد عرفنا أنّ الجملة في اللّسان العربي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الجملة الفعلية. القسم الثاني: الجملة الاسمية. وهنا نضيف: أنّ الأصل في الجملة الفعليّة تقديمُ المسند "= المحكوم به" وهو الفعل، ويُلْحَقُ به مَا يعمل عمل الفعل، وتأخير المسند إليه"= المحكوم عليه" وهو الفاعل أو ما يَنُوب منابه، ثم تأتي متعلقات الفعل أو ما يعمل عمله. وأنّ الأصل في الجملة الاسميّة تقديم المسند إليه "= المحكوم عليه" وهو المبتدأ وما يتصل به، وتأخير المسند "= المحكوم به" وهو الخبر وما يتّصل به، وبعد ذلك تأتي متعلقات الخبر المماثلة لمتعلقات الفعل، إذا كان الخبر ممّا يعلم عمل الفعل، أو جملة مصدّرة بفعل.

стр. 339

وباستطاعتنا أن نحدّد معالم المراتب الطبيعيّة لعناصر الجملتين: الجملة الفعلية، والجملة الاسمية في اللّسان العربي، اتّباعاً لما نصّ عليه علماء العربيّة في بعضها، واستناداً إلى أهميّة كلّ عنصرٍ من عناصر الجملة في البيان، وأولويته في ترتيب المعاني، مع ملاحظة أذواق فصحاء وبلغاء الناطقين العرب في ترتيب عناصر جملهم التي يصوغونها في كلامهم. وأبدأ بالمجملة الفعلية، لأنها هي الدرجة الدنيا في سلّم البيان، وأُثَنّي بالجملة الاسمية، لأنّها الدرجة العليا في سلّم البيان، إذْ هي آكد وأقوى، إذا كان الخبر يتحمّل ضمير المبتدأ، أو كان في توابعه أو ما يتّصل به ما يتحمّل ضمير المبتدأ. وقد صرّح جمهور البلاغيين بهذا الترتيب، وعلَّلوه بأنّ الجملة الاسميّة تشتمل على الحكم بمضمون الجملة مرَّتين. * فالمرّة الأولى تكون بإسناد الخبر إلى لفظ المبتدأ. * والمرّة الأخرى تكون بإسناد الخبر وتوابعه وما يتصل به إلى ضمير المبتدأ المستتر في الخبر أو فيما يتصل به أو في توابعه. فإذا قلنا: "زيدٌ قائم" أو "زيدٌ قام" ففي لفظ "قائم" وفي لفظ "قام" ضميرٌ يعود على "زيد" فيحصل بذلك إسناد القيام إلى لفظ "زيد" وإسناده إلى ضميره، قالوا: وإسنادان أقوى من إسناد واحد، إذْ هو بمثابة إعادة الجملة مرّتين على سبيل التأكيد. أمّا الخبر الذي لا يتحمل هو ولا ما يتصل به ولا بعض توابعه ضمير المبتدأ، مثل: "القمح البرّ - القمح البرُّ الذي نصنع منه خبزاً نأكله"، فالجملة الاسمية معه بقوّة الجملة الفعلية البسيطة، وهما جميعاً في المرتبة الدنيا.

стр. 340

وفيما يلي جدولان فيهما بيان مراتب عناصر الجملة الفعليّة، ومراتب عناصر الجملة الاسمية على ماظهر لي، مع التمثيل لكلٍّ منهما: الجدول الأول: الجملة الفعلية، ومراتب عناصرها في اللّسان العربي إذا اجتمعت، هذا باعتبار الأصل، مع جواز تبادل المراتب عند الحاجة. وما لا يذكر من هذه العناصر في الجملة يحلُّ تاليه محلّه إذا وُجِد. ١ - الفعل وما يقترن به من أدوات. ٢ - الفاعل وما يتصل به كالمضاف إليه وصلة الموصول والنعت والتوكيد والبدل والتمييز والعطف. ٣ - المفعول به الأول وما هو بمثابته من جار ومجرور وما يتصل به كما جاء فيما سبق. وقد يحتل هذه المرتبة المفعول معه، مثل: سرت والقمر. ٤ - المفعول به الثاني وما هو بمثابته ٥ - المفعول المطلق وما يتصل به كما جاء فيما سبق. ٦ - المفعول فيه وهو ظرفا الزمان والمكان وما يتصل بهما. ٧ - الحال وما يتصل به. ٨ - المفعول لأجله وما يتصل به. المثال الأول:

стр. 341

ضرب - فتَى الحيّ الشجاع - اللّصَّ المتحرفَ الذي أتْعَبَ أهْلَ الحيِّ - ضرباً موجعاً بلَغَ تسعين ضربةً - لَيْلَة الخميس في سَاحة الحيّ - والقمر بازغ - جزاءً وتأديباً. المثال الثاني: كسَى - سيّد العشيرة السّخيُّ - زوجتَهُ الشابّة الحسناء - إِحْدَى عشرة حلّة - كسوة رائعة - ليلة الجمعة في قصر الأفراح - وهي على منصّة العروس - إكراماً لها ولأهلها. هذان المثالان قد جرى ترتيب عناصر الجملة الطويلة فيهما على وفق الترتيب الذي جاء في الجدول الأول.

стр. 342

الجدول الثاني: الجملة الاسمية ومراتب عناصرها في اللّسان العربي إذا اجتمعت هذا باعتبار الأصل، مع جواز تبادل المراتب عند الحاجة. وما لا يذكر من هذه العناصر في الجملة يحلُّ تاليه محلّه إذا وُجِد. ١ - المبتدأ وما يتصل به كالمضاف إليه والنعت والبدل والتوكيد والعطف. ٢ -الخبر وما يتصل به كما جاء في المبتدأ. ٣ - المفعول فيه أي ظرفا الزمان والمكان وما يتصل بهما ٤ - متعلقات الخبر الأخرى وما يتصل بكلٍّ منها. قد يتساوى في هاتين المرتبتين [[٣، ٤]] كلٌّ من الظرف ومتعلقات الخبر الأخرى. ٥ - الحال وما يتصل به. ٦ - المفعول لأجله وما يتصل به.

стр. 343

المثال الأول: الخليفة الصالح السلطان عبد الحميد - خليفةٌ مظلوم إذْ خلَعَهُ ظُلْماً وعُدْواناً - من ولايته مَجْلِسُ المبعوثان التركي - في تركيا سنة (١٩٠٨م) - بتأثير المكايد اليهوديّة والغربيّة - وهو يقاوم أعداء الإِسلام - تحقيقاً للمصالح الغربية ومصالح اليهودية العالمية السَّاعية يومئذٍ لإِقامة الدولة اليهودية في فلسطين. المثال الثاني: محمدٌ - رسول الله النبيّ العربي المبعوث - في مكّة سنة (٦١٠م) - برسالة عامة للناس أجمعين - والناسُ في جهالة جهلاء وضلالة عمياء - ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. هذا المثالان قد جرى ترتيب عناصر الجملة الطويلة فيها على وفق الترتيب الذي جاء في الجدول الثاني.

стр. 344

المقدمة الثانية: التقديم والتأخير في الجملة الاسمية التي ركناها معرفتان إذا صلح في الجملة الاسمية كلٌّ من ركنيها لأن يكون مبتدأً فيها ولأنّ يكون خبراً، نظراً أنَّ كُلاًّ منهما معرفة يجوز الابتداء به بمقتضى قواعد النحو، فأيّهما ينبغي أن نجعله المبتدأ والآخر الخبر؟. لم يتعرّض النحويّون للتَّحديد، بل أجازوا أن يكون كلٌّ منهما هو المبتدأ وأن يكون الخبر، ويُعْرِبُون المقدّم مبتدأً، والمؤخّر خبراً. لكن البلاغيّين بحثوا الأمر بحثاً فكريّاً منطقيّاً دقيقاً، ناظرين إلى حال المخاطب، وما هو الأعرف لديه من ركني الإِسناد اللّذين هما من المعارف. فأيّ المعرفتين هو الأعرف بالنسبة إليه، وحالتُه تتطلّب مزيداً من العلم عنه يُجْعَلُ هو المبتدأ، والركن الآخر يُجْعَلُ هو الخبر، وتُرَتَّبُ له الجملة بتقديم المبتدأ وتأخير الخبر. * فمن عرف مثلاً الإِمام الشافعيّ وجَهِلَ أنّه هو الشاعر الأول بين الفقهاء يقالُ له: "الإِمامُ الشافعيُّ الشاعرُ الأولَ بين الفقهاء". * ومن عرف وجود شاعر هو الشاعر الأول بين الفقهاء، واستقر ذلك في ذهنه وسمع شعره أو قرأه، وهو لا يعرف أنه هو الإِمام الشافعيُّ يُقالُ له: "الشاعر الأول بين الفقهاء الإِمام الشافعيّ".

стр. 345

* ومن كان مسافراً وعلم أنّه قد وُلد له ولد، ولم يره، وسمّاه في رسالة بعثها سعيداً، ثمّ عاد من السفر وأخذ ينظر في الصغار ليعرف من هو ولده سعيد منهم، يقال له: "ولدُك سعيد هذا الذي في يده كُرَة". * ومن قدم من سفر، ورأى صبية يلعبون، فهفا قلبه إلى واحد منهم، ولم يكن يعلم أن زوجته كانت حاملاً منه، فحمل الصبيَّ وقبّله، يقالُ له: "هذا الصّبِيّ ولَدُك". * جاء في الآية الثالثة من سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) خطابُ الله للناس بقوله: ﴿اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الآية: ٣] . فقرّر في أذهانهم أنّ الرَّبَّ الممدَّ بعطاءات الرّبوبيّة هو الذي يجب أن يتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إليهم منه. ثم جاء في الآية (٥٤) منها قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ... ﴾ [الآية: ٥٤] . فبنى في هذه الآية على ما سبَقَ أنْ قَرَّرَهُ في أَذْهَانِهِمْ حول ربّهم، بَيَان أَنَّه هو اللَّهُ الذي خلق السّماوات والأرض ... إلخ لئلاّ تنصرف أذهانهم في تحديده إلى أربابٍ يَعْبُدونها من دون الله. * وجاء في سورة (الشورى/ ٤٢ مصحف/ ٦٢ نزول) قول الله لرسوله محمد ﷺ يُعلّمه كيف يخاطب الذين كفروا: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير﴾ [الآية: ١٥] .

стр. 346

في الفقرة الأولى من هذا التعليم قال الله له: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ . فإذا قال لهم هذا القولَ قَرَّرَ في أذهانِهمُ اسْمَ اللهِ مُنَزِّلِ الكِتَاب، فكَانَ هذا الأسم حاضراً في أذهانهم وهو الأعرف. وهذا يستدعي أن يُبْتَدَأ في الفقرات اللاّحقات باسم الله، وأن يُخْبَر عنه بما يُرَادُ بيانُه من صفاته. فجاء في الفقرة الثالثة: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ . وجاء في الفقرة السادسة: ﴿الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ . *** المقدمة الثالثة: ترتيب التوابع إذا اجتمعت ذكر النحاة أنّ التوابع إذا اجتمعت في جملة واحدة فترتيبها كما يلي: (١) النعت. (٢) عطف البيان. (٣) التوكيد. (٤) البدل. (٥) عطف النسق، أي: العطف بحرف عطف. ***

стр. 347

المقدمة الرابعة: الحالات التي قرّر النحاة وجوب التقديم والتأخير فيها قرّر النحاة بمقتضى القواعد النحويّة وجوب التقديم في أربع حالات: الحالة الأولى: يجب تقديم ما له الصدارة في الكلام العربي، أو ما هو مضاف إلى ما له الصدارة. والأسماء التي لها الصدارة في اللسان العربي هي ما يلي: (١) أسماء الاستفهام. (٢) أسماء الشرط. (٣) "ما" التعجّبية. (٤) "كم" الخبرية. الحالة الثانية: يجب تقديم المحصور من المبتدأ أو الخبر. الحالة الثالثة: يجب تقديم الخبر إذا كان المبتدأ نكرة لا يصح الابتداء بها، وقد فصل النحاة الأحوال التي يجوز فيها الابتداء بالنكرة. الحالة الرابعة: يجب تقديم ما حقّه التأخير إذا كان فيما حقّه التقديم ضمير يعود عليه أو على شيء مما يتصل به، وذلك لئلاّ يعود الضمير على متأخّر لفظاً ورُتبة. ***

стр. 348

خاتمة: ما سبق بيانه من ترتيب عناصر الجملة في اللّسان العربي هو الأصل، وقد يخالَفُ هذا الأصل للحاجة الشعرية أو لمراعاة السّجع، وقد يخالفُ هذا الأصل لدواعي بلاغية فكريّة أو جمالية سيأتي إن شاء الله الحديث عنها، وَهذا ما يعتني به علماء البلاغة في بياناتهم التفصيلية. وقد اعتنى علماء البلاغة ببيان الدواعي البلاغية لتقديم المسند إليه في الجملة الفعلية، إذْ رُتبته فيها التأخير عن المسند، مع عرض بعض الأمثلة. وببيان الدواعي البلاغية لتقديم المسند إليه في الجملة الاسمية التي يكون خبرها أو ما يتصل به ممّا يتحمّل ضمير المبتدأ، كاسْمي الفاعل والمفعول مذكورين أو مقدّرين، مع عرض بعض الأمثلة وببيان الدواعي البلاغية لتقديم المسند في الجملة الاسمية، إذْ رتبته فيها التأخير عن المسند إليه. وببيان الدواعي البلاغية لتقديم المفعول به عن رتبته، مع عرض بعض الأمثلة. وذكر علماء البلاغة أنّ من عَرف هذه الدواعي أمكنه أن يقيس عليها دواعي التقديم والتأخير في سائر عناصر الجملة في اللّسان العربي. *** (٢) نظرة تحليلية عامّة إلى دواعي التقديم لمَّا كانت الجملة الفعلية هي الدرجة الأولى الدنيا في سلّم البيان عمّا يُراد التعبير عنه في اللّسان العربي، وكان الأصل فيها بمقتضى النظام المبتع فيه أنْ يصدرّ فيها المسند وما يقترن به من أدوات "وهو الفعل" وأن يأتي بعده المسند إليه "وهو الفاعل أو ما ينوب منابه" كما ذكرت في المقدمة السابقة، كان تغيير هذا

стр. 349

النظام بتقديم المسند إليه على المسند غير مستحسن إلاَّ إذا اقتضته ضرورة أو حاجة كالوزن الشعري، ومقتضيات السّجع، أو دعا إليه داعٍ بلاغيّ معنوي أو جمالي في اللفظ. وقد درج ذوق الناطق العربيّ الفصيح على أن يكنّي عمّا سبق له أن ذكره بضمير ظاهر أو مستتر، مع العلم بأنَّ الضمير المستتر ملاحظٌ ذهناً، لذا فله حكم الضمير الظاهر، ولو كان ستره وعدم ذكره أمراً واجباً في أسلوب التعبير العربيّ الفصيح. فإذا أراد الناطق العربي الْقُحُّ الفصيح أن يخبر مثلاً بنزول المطر في موسم نزوله، ولم يجد أنّ من يخاطبه منكر، ولم يجد أنّ عليه شيئاً من علامات الإِنكار، وليس من غرض يقتضي منه أنْ يغيّر النظام الأوليَّ للكلام، فإنّه يقول عمّا حدث في الماضي: "نَزَل المطر" ويقول عمّا يجري حدوثُه مع كلامه: "يَنْزل المطر" ولا يجد داعياً لأنْ يقدّم المسند إليه فيقول: "المطر نزل" أو "المطر ينزل". لكن إذا وجّه كلامه لمن سبق أن أَخْبَرَ بناءً على دلائل الأرصاد الجويّة بأنّ المطر لا ينزل خلال أربع وعشرين ساعة، فجاء الواقع على خلاف ما أخبر، أو أراد بشارة أهله أو قومه بنزول المطر الذي يترقبونه لحاجتهم إليه، أو أراد أن يُعَبِّر عن اهتمامه بحصول هذا الحدث، أو كان الموسم موسِماً يُسْتَغْرَبُ فيه نزول الأمطار، أو كان يُرِيدُ التعبيرَ عن فرحته، أو الثناءَ على نوع المطر النازل، أو التوطئة للثناء على الله الّذي أنزله، أو التوطئة للحثّ على شكر الله على نعمته، أو نحو ذلك من مقتضيات التقوية والتأكيد، أو مقتضيات البدء في الجملة بذكر ما هُو الأهمُّ في نفسه أو نفس المخاطب، كان من المستحسن أن يُعبِّر بأسلوب بُشعِرُ بتقوية الخبر، أو بما يلائم مقتضى الحال، ومن الأساليب المؤديّة للأغراض السابقة تقديم المسند إليه على المسند، فيقول بمقتضى سليقته في تذوّق أساليب

стр. 350

الكلام العربي: "المطر نَزَل" أو "المطر يَنْزِل" شاعراً بأن المخاطَبَ العربيّ الْقُحَّ يفهم من هذه الصيغة قوَّةً وَتأكيداً، أو غرضاً ما تساعد على فهمه القرينة، وهذا الغرض دعاه إلى تقديم المسند إليه على المسند. ويظهر للباحث من تحليل عبارة "المطر نزل" أو عبارة "المطر ينزل" أنّهما تشتملان على عاملين غير موجودين في "نزل المطر" وفي "يَنْزِل المطر" وهما: العامل الأول: تقديم لفظ المسند إليه "المطر" المشعر بأنَّه محل اهتمام المتكلّم أو المخاطب، إذ الأصل فيه التأخير، ومعلومٌ أنّ النفس تتّجه دواماً للبدْءِ بما هو محلُّ اهتمامها. العامل الثاني: شعور الناطق العربي الْقُحّ بأن في فعل "نزل" المتأخر عن "المطر" وفي فعل "ينزل" أيضاً ضميراً مستتراً يعودُ على المطر، فهو في عبارتَيْهِ يلاحظ أنّه يُسْنِد النزول إلى المطر مرّتين، ففي الأولى يُسْنِدهُ إلى لفظ "المطر" وفي الأخرى يسنده إلى ضميره المستتر. وقد يُحَوِّل الناطق العربيّ الْقُحُّ تعبيره إلى جملة مبتَدَؤُها وخبرها اسمان وفيها تحقيق ما يريد من قوّة، ما يريد من إشعارٍ بالْبَدْءِ بما هو محَلُّ اهتمامه، أو محلُّ اهتمام المخاطب، فيقول: "المطرُ نَازِلٌ من السماء" أو "المَطَرُ مُنَزَّلٌ من السماء" إذْ يُدرِكُ أنّ في الخبر "نَازِل - مُنزّل" ضميراً مستتراً يعود على المبتدأ، فالأول "اسم فاعل" والثاني "اسم مفعول" وهما يحملان الضمير كالفعل، ويعملان عمله. وقد نلاحظ في استعمالات العرب الفصحاء البلغاء لتقديم المسند إليه وفق البيان السابق، أنّ التقوية المستفادة من هذا التقديم قد ترقَى إلى مستوى التخصيص والحصر، ولا سيما المسند إليه المسبوق بنفي، مثل أن يقول المتهم بسرقةِ مَنْزِلٍ

стр. 351

حصلت فيه سرقَةٌ فعلاً: "ما أنا سرقتُ المنزل" أو "ما أنا سارقٌ المنزل" أي: بل غيري هو الذي سرقه، فقَصَرَ نَفْي السّرقة على نفسه، ولم يَنْفِ حصول السرقة نفياً كليّاً. يضاف إلى ما سبق أنّ ما يعتني الإِنسان بتفخيمه وتعظيمه في كلامه يحاول تقديمه على غيره في الذكر، كما يقدَّم العظماء في المجالس والمواقف. وكذلك ما يريد توجيه العناية له في أمْرٍ من الأمور، نظير تقديم العروسين في ليلة عرسهما، وتقديم المتخرجين لتسليمهم شهاداتهم، وتقديم المتفوقين لتسليمهم جوائز تفوّقهم. وعلى نظير ذلك نلاحظ البدء بطرق المسامع بالمسند إليه في مجال الافتخار، ولدى إرادة تعجيل المسرّة بالبشرى والوعد ونحوهما، أو تعجيل المسَاءَة بالإِنذار والوعيد ونحوهما، ولدى الرغبة في تعجيل التلَذُّذ بذكره، ولدى الإِشعار بأنه حاضر في التصوّر لا يغيب عنه، فهو يَسْبِقُ غيره إلى النُّطق به، ولدى الإِشعار بالاهتمام بمدحه أو ذمّه، إلى غير ذلك ممّا قد يلاحظه فطناء البلغاء. وفي كلّ الأحوال ترجع مزايا التقديم إلى أمرين رئيسين: الأمر الأول: ما يفيد زيادةً في المعنى وزيادةً في جمال اللفظ، وهذا غاية ما يعتني به البلغاء في هذا المجال. الأمر الثاني: ما يفيد زيادةً في أحدهما فقط، ويدخل هذا أيضاً ضمن مقاصد البلغاء. أمّا ما يتكافأ فيه التقديم والتأخير فلا يهتم له البلغاء، وأمّا ما يختلُّ به المعنى أو يفقد عنصراً من عناصر جمال اللّفظ فيتجافون عنه وينفرون منه. ***

стр. 352

(٣) دواعي تقديم المسند إليه من البيان السابق نستطيع استخلاص طائفةٍ من دواعي تقديم المسند إليه على المسند حينما يكون الْمُسْنَد فعلاً، أو اسماً ممّا يحتمّل الضمير كالفعل، إذْ يعمل مثل عمله، ولو كان محذوفاً من اللفظ إلاَّ أنّه مقدّر ذهناً كمتعلّق الظرف والجار والمجرور أحياناً. والطائفة التي نستخلصها هي ما يلي: الداعي الأول: تقوية الحكم الذين دلّت عليه الجملة وتوكيده على ما سبق به البيان. الداعي الثاني: إرادة إفادة اختصاص المسند بالمسند إليه، إذا كان في السّباق أو السياق أو القرائن الأخرى ما يساعد على ذلك، كالرّدّ على مدّعي خلافه، فإذا كان يدّعي انفراد غيره به، أو مُشَاركته له فيه قال له: "أَنَا فعلتُه" أي: فعلته وحدي. الداعي الثالث: الرغبة في تعجيل المسرّة، أو تعجيل المساءة، وذلك في مواطن البشرى والوعد، ومواطن الإِنذار والوعيد. الداعي الرابع: الإِشعارُ بأنه حاضرٌ في التصوّر لا يغيب، لذلك فهو يسبق غيره في التعبير، فيبدأ اللّسان بالنطق به. الداعي الخامس: الرغبة في تعجيل ذكره، لما يحصل في النفس من مشاعر لذّة، إذ هو محبوبٌ لديها، ومعلومٌ أنّ المحبّ يتلذّذ بذكر اسم محبوبه. الداعي السادس: مراعاة حال المخاطب الذي يسُرُّه البدء بالمسند إليه، لتشوّقه إلى معرفة أخباره، أو استئناسه أو تلذّذه بسماع اسمه.

стр. 353

الداعي السابع: الرغبة في البدء بالمسند إليه تفاخراً، في المواطن التي يكون ذكر المسند إليه فيها يُشعر بالفخر، كأن يقول من يريد الفخر من الطائيين: "حاتم الطائي جدي" وكأن يقول الشريف: "محمّد رسول الله جدي" ومنه قول سيدنا "علي بن أبي طالب" ﵁ في غزوة خيبر: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي الْحَيْدَرة ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ غَلِيظِ الْقَصَرةِ أَضْرِبُ بِالسَّيْفِ رِقَابَ الكَفَرة ... أَكِيلُكُمْ بالسّيُفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة حَيْدَرَة: من أسماء الأسد، قال ابن الأعرابي: الحيدرةُ في الأُسْدِ مثل الملك في الناس. القَصَرَة: العنق وأصْلُ الرقبة. السَّنْدَرة: مكيالٌ كبير. فقدم المسند إليه "أَنَا" مفاخراً في مقام يحْسُنُ فيه الفخر، لأنَّه يقاتل الكفَرَة أعداء الله. الداعي الثامن: كون المسند إليه أمراً مستغرباً أو مفاجئاً أو نادِراً أو مخفياً، مثل: "الحيتانُ العظمى أقبلت إلى الشاطىء - الجنُّ لها مساكن في أمّ لقرى - جيش العدوّ دخل المدينة - بَقرةٌ تكلّمت - الكنْزُ ظهَرَتْ مَعَالِمُه". الداعي التاسع: الرّغبة في الإِسراع بالتبرك، ويظهر هذا في أسماء الله الحسنى. الداعي العاشر: الاهتمام بالممدوح بتقديم اسمه في الجملة، كقولي من قصيدة: مُحَمَّدٌ أنت مَا أَحْلاَكَ تَسْمِيَةً ... اللَّهُ سَمَّاكَهَا والحمد مُنْتَظَرُ لقد حَسُن في مدح الرسول البدءُ بذكْر اسمه.

стр. 354

وفي تقديم لفظ الجلالة "الله" ما يشعر بالتفخيم والتعظيم، وهذا من الدواعي أيضاً كما يأتي. الداعي الحادي عشر: إرادة التفخيم والتعظِيم، كأن يسأل سائل: ما بال أهل مدينتنا ينصبون الزّينات في الشوارع وعلى الأبنية وعلى الحافلات وكلّ السّيّارات، وبالتلقائيّة يأتيه الجواب: مَلِكُ البلاد سيزورنا قريباً. الداعي الثاني عشر: إرادة تمكين المسْنَد، لأنّ في المسند إليه تشويقاً إليه. إلى غير ذلك من دواعي تتفتَّقُ عنها قرائح البلغاء. *** ملاحظتان الملاحظة الاولى: حول كلمتي "مثل - غير". ذكر علماء البلاغة أنّ كلمتي "مثل" و"غير" تلازمان التقديم في التراكيب البليغة، إذا أُرِيد بهما الكناية عن الشخص الذي يجري الحديث عنه. كأنْ تقول له: * "مثْلُكَ لاَ يَبْخَل - مثلُكَ لا يقصر في فعل الخير - مثلك لا يترك الصلاة المفروضة عامداً". أي: أنت لا تفعل ذلك، دون أن تريد التعريض بغيره، مُومِئاً إلى أن من تُعَرّضُ به يتصف بالبخل، أو بالتقصير في فعل الخير، أو بترك الصلاة المفروضة عمداً. * "غَيْرُك يُسِيءُ إلى أصدقائه - غيرك لا يُعاشر أهْلَهُ بالمعروف - غيرُكَ يمنَعُ الزكاة.

стр. 355

أي: أنت لا تسيءُ إلى أصدقائك - وأنت تُحْسِن معاشرة أهلك بالمعروف - وأنت لا تمنع الزكاة، دون أن تريد التعريض بغيره، مُومِئاً إلى أن من تعرّض به يسيءُ إلى أصدقائه، أو لا يعاشر أهله بالمعروف، أو يمنع الزكاة. * ومنه قول المتنبي من قصيدة يُعَزِّي بها أبا شجاع عضد الدولة وقد ماتتْ عمّته: مِثْلُكَ يَثْني الْحُزْنَ عَنْ صَوْبِهِ ... وَيَسْتَرِدُّ الدَّمْعَ عَنْ غَرْبِهِ وَلَمْ أَقُلْ "مِثْلُكَ" أَعْنِي بِهِ ... سِوَاكَ يَا فَرْداً بِلاَ مُشْبِهِ يَثْنِي: أي: يَعْطِفُ ويَصْرِف. عَنْ صَوْبِهِ: أي: عن قَصْدِه. عن غَرْبِهِ: أي: عن مجراه. الْغَرْبُ: مجْرَى الدَّمْعِ وَجمعه "غُروب". والمعنى: أنت تقدر أن تَعْطِفَ وتصرفَ الحزْنَ عن قصده حين يتوجه لنفسك وقلبك، بالحكمة والصّبْر. وأنت تستطيع أن تسترجع بقوّة احتمالك وبالغ عزمك الدمعَ عن مجراه، وتمنعَهُ من متابعة الجري. *** الملاحظة الثانية: على خلاف ما ذكر البلاغيون فإنني لست أرى أن يُلْحق بباب التقديم والتأخير البلاغي تقديم أداة النفي على اللفظ الدالّ على العموم، ولا تقديم اللفظ الدالّ على العموم على أداة النفي، فهذه قضية فكرية تتصل بأصل بناء الكلام في أدائه للمعاني، وهي ترجع إلى قاعدة "سَلْبِ العموم أو عُموم السلب" فإذا سُلِّط النفي على العموم لم يلزم منه نفي جميع الأفراد، لأنّ المنفيّ حنيئذٍ هو
следующие страницы →