Полный текст (1 115 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولدى تتبُّعي للأمثال القرآنيّة وجدْتُ أنَّ أهمّ الأغراض التي يحسن أنْ يقصدها البلغاء هي الإغراض الأخلاقية والتربوية التي هدَفَتْ إليها الأمثال القرآنيّة، تتلخّص بالأغراض الست التالية:
الغرض الأوّل: تقريب صورة الممثَّل له إلى ذهن المخاطب عن طريق المَثَل.
الغرض الثّاني: الإِقناع بفكرة من الأفكار، وهذا الإِقناع قد يصل إلى مستوى إقامة الحجّة البرهانيّة، وقد يقتصر على مستوى إقامة الحجّة الخطابيّة، وقد يقتصر على مجرّد لفت النّظر إلى الحقيقة عن طريق صورة مشابهة.
الغرض الثّالث: الترغيب بالتزين والتحسين، أو التَّنفيرُ بكشف جوانب القبح، فالترغيب يكون بتزيين الممثّل له وإبراز جوانب حسنة، عن طريق تمثيله بما هو محبوب للنّفوس مرغوب لديها. والتنفير يكون بإبراز جوانب قبحه، عن طريق تمثيله بما هو مكروه للنّفوس أو تنفر منه.
الغرض الرابع: إثارة مِحْوَر الطّمع، أو مِحْوَر الخوف لدى المخاطَب، ففي إثارة محوَر الطمع يتّجه الإِنسان بمحرّض ذاتيّ إلى ما يُرَادُ توجيهه له، وفي إثارة محور الخوف يبتعد الإِنسان بمحرِّض ذاتيّ عما يُرَادُ إبعاده عنه.
الغرض الخامس: المدح أو الذّم والتعظيم أو التحقير.
الغرض السادس: شَحْذُ ذهن المخاطَب، وتحريكُ طاقاته الفكرية، أو استرضاء ذكائه، لتوجيه عنايته حتّى يتأمّل ويتفكّر ويصل إلى إدراك المراد عن طريق التفكُّر.
والأمثال التي يَدْفَعُ إليها هذا الغرض إنّما يُخَاطَب به الأذكياء، وأهل التأمُّل والنَّظر والبحث العلمي، وكبراء القوم.
стр. 72
أمّا الأغراض غير الأخلاقيّة فقد تجافت الأمثال القرآنيّة عنها كالسخريّة في ابن الرومي إذ قال:
قَصُرَتْ أَخَادِعُه وَطَالَ قَذَالُهُ ... فَكَأَنّهُ مُتَرَبِّصٌ أنْ يُصْفَعَا
ومن شاء أنْ يتعلّم فن ضرب الأمثال، فليهتد بهدي خصائص الأمثال القرآنية.
ولدى تتبُّعي للأمثال القرآنيَّة اكتشفت من خصائصها الخصائص الست التالية:
الأولى: دقّة التصوير مع إبراز العناصر المهمّة من الصُّورة التمثيليّة.
الثانية: التصوير المتحرِّك الحيّ الناطق، ذو الأبعاد المكانيَّة والزمانيَّة، والذي تبرز فيه المشاعر النَّفسيّة والوجدانيّة، والحركات الفكرية، للعناصر الحيّة في الصورة.
الثالثة: صدقُ المماثلة بين الممثَّل به والممثّل له.
الرابعة: التنويع في عرض الأمثال، مرّة بالتشبيه، ومرّة بالعرض المفاجىء وبالتمثيل البسيط، وأخرى بالتمثيل المركّب الذي يطابق كل جزء منه جزءاً من الممثَّل له، وأخرى بالتمثيل المركّب الذي يُنْتَزَع منه وَجْهُ الشبه بنظرة كليّة عامّة.
الخامسة: البناء على المثل والحكم عليه كأنَّه عين الممثَّل له، على اعتبار أنَّ المثل قد كان وسيلة لإِحضار صورة الممثَّل له في ذهن المخاطب ونفسه، وإذْ حضرت صورة الممثّل به ولو تقديراً، فالبيان البليغ يستدعي تجاوز المثل، ومتابعة الكلام عن الممثَّل له، وتسقط صورة المثل لتبرز القضايا المقصودة.
السادسة: قد يحذف من المثل القرآني مقاطع اعتماداً على ذكاء أهل
стр. 73
الاستنباط، وقد تُحذف من الممثَّل له مقاطع أيضاً، ويبقى في دلالات الألفاظ أو لوازم المعاني ما يدلّ على المحذوف.
واجب الدّعاة:
وعلى الدُّعاة إلى سبيل الله بالحِكْمة والموعِظَة الحسَنَة أنْ ينتفعوا من هذا العنصر من عناصر الجمال الأدبي، ويهتدوا بهَدْي كتاب الله وهَدْي سنّة رسول الله ﷺ في ذلك، فكم فيهما من أمثال رائعات.
وللقارىء أنْ يرجع إلى كتابي: "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع".
***
خامساً - السطح والعمق:
ومن عناصر الجمال والكمال الأدبيّ الرفيع في الكلام أنْ يكون له سطح تفهمه العامّة دون غموض ولا ارتباك ذهنيّ، وأنْ يكون له مع ذلك عمقٌ تفهمه الخاصّة بالتأمّل والتعمُّق وإعمال الذكاء.
ولا يستطيع تقديم بيان رفيع مثل هذا البيان الذي له سطح وعمق إلاَّ نوابغ البلغاء الأذكياء.
والقُدوة الهادية لهؤلاء النوابغ بلاغة القرآن المعجز. إنّ المتدبِّر لكلام الله في القرآن يلاحظ عجباً، إنّه إلى آية فيفهمها، ويأخذ منها دلالة صحيحة ينتفع منها انتفاعاً عظيماً.
ثمّ تأتيه نفحات في تدبُّر آخر، فيفهم من الآية معانيَ جديدة لم ينتبه إليها في التدبُّر الأول، وهذه المعاني لا تتعارض مع ما فهمه في التدبُّر الأوّل إذا كان تدبُّراً صحيحاً. بل تعطيه إضافات متمِّمة لما كان قد تدبَّره من قبل.
ثمّ كلّما تعمَّق في التدبُّر تواردت عليه مفاهيم جديدة تتكامل بها لديه المعرفة المتعلِّقة بدلالة الآية.
стр. 74
والعمق في الكلام يتكوّن من أسباب، منها مايلي:
الأوّل: عدم الإشارة باللّفظ إلى الترابط المنطقي بين المعاني، أو إلى الترتيب الزماني أو المكاني بين الأحداث، أو غير ذلك من أمور مع إبقاء كل جملة في محلِّها الطبيعي.
ولوْ أنَّه جاءت الإشارة الصريحة إلى هذا الترابط، أو هذا الترتيب بلفظ دالٍّ، لخرج المعنى من العمق إلى السطح.
ولكن يفقد النّص بذلك عاملاً من عوامل جدّته في نفس القارىء عند كل تدبُّر.
الثاني: الكنايات البعيدة ذوات الدلالات المتتابعات.
الثالث: المحاذيف التي تُحْذَف للإِيجاز، ويقتضيها معنى النّص، أو يستدعيها التوازن والتناظر والتكامل فيه، أو غير ذلك، ويبقى المعنى بعد حذفها صحيحاً، إلاَّ أنّه جزء من المعرفة التي يدلُّ عليها السطح والعمق معاً.
والعمقُ القرآنيّ عمقٌ معجز، لهذا سيظلّ في القرآن جديد يفهمه المتدبّرون المتعمّقون.
والسّطحُ والْعُمْقُ في القرآن شيءٌ غير الظاهر والباطن الذي تدّعيه الباطنيّة كذِباً وبهتاناً وافتراءً على الله ورسوله، إنَّ الذي يقولون به خرافةٌ يُقْصَدُ بها تحريف نصوص كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ .
ومن ميزة السطح والعمق في القرآن أن الْعُمْقَ يُكَمِّل السطح، ولا ينقضه، ولا يتنافى معه.
وشأن المتدبِّر في القرآن كشأن الباحث في سطح البحر وعمقه.
ومن بُلغاء البيان مَنْ يكون لبعض كلامهم سطح وعمق، إلاَّ أنّ العمق لديهم سهل الاستخراج وقد يتنافى مع السطح.
стр. 75
إنّْ قول المتنبِّي لكافور الإِخشيدي:
*"لقد كنت أرجو أنْ أراك فأطربا"*.
له سطح يمدح به كافوراً، لكنَّ له عمقاً يسخر به منه.
***
سادساً - أوجه النَّص:
ومنْ عناصر الجمال والكمال الأدبيّ الرفيع في الكلام أنْ يكون له عدّة أهداف، وهذه الأهداف كلُّها مقصودة به، ويظهر هذا بجلاء حينما يكون المخاطب بالكلام جماعة ذات فئات مختلفة، وعناصر متباينة.
فمن أمثلة النَّصّ ذي الهدف المزدوج أن يوجِّه ذو سلطان عدم تهديده الشديد للَّذين يخالفون أوامر مبعوث من قبله للقيام بمهمّة من المهمّات السلطانيّة، إنّنا نلاحظ في هذا النَّص التهديدي هدفين معاً:
أحدهما: تهديد الذين يخالفون.
وثانيهما: رفع معنويَّة المبعوث، وشدُّ أزره وشحذُ همّته للقيام بما بُعِثَ به أفضل وجه.
وقد يكون الكلام مثلّث الهدف، أو أكثر من ذلك، وكل صاحب علاقة يأخذ من النَّصّ ما يناسب حاله، ويكْثُر هذا في النُّصوص القرآنيّة، فقد يكون الكلام تهديداً وتوعُّداً للكافرين، ووعداً للمؤمنين، وتربيةً وتأديباً وتسلية للرسول صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الأمثلة القرآنية على تَعَدُّد الهدف من النصّ قول الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) :
﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ [الآية: ٥٩] .
стр. 76
ففي هذا النصّ هدف إلقاء الوهن في قُلوب الكافرين، ولو عظمت قوّاتُهم. وهدف رفع مستوى القوى المعنوية في قلوب المؤمنين، وشحذُ همّتهم لإعداد القوى المادية التي يسبقون بها الذين كفروا تمهيداً للتكليف بإعداد المستطاع من القوة الذي جاء في الآية التالية لهذا النص.
***
سابعاً - الشعر وفنونه:
ومن عناصر الجمال في الكلام أنْ يُرضي الحسّ الموسيقي في الإِنسان، ويدغدغه بإمتاع.
إنَّ للموسيقى وموازنيها تأثيراً مستعذباً في النُّفوس، فإذا جاء الكلام موزوناً على بعض موازنيها الحلوة المستعذبة اكتَسَبَ حلاوة مُحبَّبَة.
ثم إذا توافرت في الكلام مع ذلك عناصر متلائمة من عناصر الجمال والكمال الأدبي ازداد الكلام حُسناً وقوّة تأثير في النَّاس.
إنَّ الأشياء الجميلة التي تلامس مشاعر الإِنسان بمؤثراتها الحلوة من جانبين، هي أكثر تأثيراً فيه من التي تلامس مشاعره من جانب واحد. وكلّما ازدادت الجوانب ازدادت قوّة التأثير، حتّى تصل إلى محاصرة الإِنسان من كل مشاعره الجسديّة والنفسيّة والفكرية والوجدانيّة، فيفقد عندئذٍ كل مقاومته، ويستسلم استسلاماً تامّاً، مستغرقاً في لذّات المشاعر الحُلوة.
إنَّه إذا اجتمع المنظر الجميل، والصوت الحَسَن، والرائحة الزّكية، والطعم اللّذيد، والملمس الحُلو الممتع، والرّاحة النّفسيّة، وكان الحديث أدباً جميلاً رفيعاً، موضوعاً بقالب موسيقي شِعري، فقد حاصر الجمال معظم مشاعر الإِنسان، وأخذَ يهيْمن عليها بمؤثراته الحُلوة، حتى يَسْلُبَها كل مقاوماتها، فتستلم استسلاماً تامّاً.
стр. 77
ولمّا كانت النَّفس الإِنسانية تَطْرَبُ للموسيقى، وترتاح لموازينها الحُلوة، وكان الشِّعر كلاماً يجري في بعض جداولها، وعلى بعض موازنيها، كان للشعر تأثير حلو على النُّفوس الإِنسانية، ويظهر هذا حتى على الأطفال الصغار، الذين يظهر شعرٌ طفليّ على بعض جملهم التي يردّدونها أو يغنُّون بها.
ويتفاوت النَّاس في مدى إحساسهم بهذا النَّوع من أنواع الجمال في الوجود، وفي تذوُّقهم له، لذلك نلاحظ أنَّ بعض النّاس يتأثّرون بالشِّعر أكثر من بعض، مع وجود أصل التأثّر عند كل النّاس إلاَّ نادراً.
وبعض النّاس لديه بالتكوين الفطري فِطْرَةُ نَظْم الكلام على ميزان شِعري.
وكلُّنا يعلم أنّ الكلام الموضوع في قالب ميزان شِعري أسرع إلى الحفظ، وأثبت في الذاكرة، وأسهل استدعاءً عند الحاجة.
فلا غَرْوَ إذن أنْ يكون الشِّعر عنصراً من عناصر الجمال في الكلام.
وهنا نقول: إنّ على أصحاب الأهداف النّبيلة والدّعوات الخيِّرة أنْ يُحسِنوا استخدام هذا اللَّون الجمالي من ألوان المؤثرات على النَّفس الإِنسانيَّة، وأن لا يَدَعوا ساحته للشعراء الذين يتَّبِعهم الغاوون، الذين هم في كل وادٍ من أودية أهواء النَّفس وشهواتها، وأودية الضلال والفساد في الأرض يهيمون، والذين هم يقولون ما لا يفعلون.
إنَّ الشِّعر سلاح من أسلحة الأدب، وهو وسيلة حياديّة بذاتها، إنْ استُخْدِمت في الخير كانت خيراً، وإنْ استُخدِمت في الشرّ كانت شرّاً.
وبوسع المصْلِحين ودُعاة الخير ممَّن لديهم القدرة على كتابة الشِّعر الرفيع أنْ يَلْبَسوا درع قول الله تعالى في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) :
﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الآية: ٢٢٧] .
стр. 78
بعد أنْ وصف الله واقع حال معظم الشُّعراء بقوله تعالى فيها:
﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] .
فالشعراء الذين يهيمون في كلّ وادٍ من أودية الضلال والهوى، والكذب والطعن في الناس ظلماً، والمدح لبعض الناس استجداء، والانتصار بغير حق، ويتبجّحون بشعرهم كذباً وزوراً، فيصفون أنفسهم بالشجاعة وهم الجبناء، وبالكرام وهم البخلاء، وبالعقل وهم السفهاء، وبالعفّة وهم الفُسّاق، ويتحدَّثون عن مغامرات غراميّة لم تحدث، فيفضحون بأكاذيبهم محصنات عفيفات، ويفتخرون بالحَسَب والنَّسب وهم صعاليك لا حَسَب لهم ولا نَسَب، ويَعِدون ولا يَفُون، ويُعَاهِدُون ويَغْدُرون، ويُظْهِرُون صدق الحبِّ وهم الطامعون، فهم يقولون ما لا يفعلون.
هؤلاء بزخرف الشِّعر الذين يملكون القدرة على صناعته والتأثير بفنونه إنَّما يتَّبعهم من النَّاس الذين سَفِهوا نفوسَهم، فخدعتهم الكلمة المزخرفة ولو كانت باطلاً وزُوراً، ودَعْوةً إلى الشَّرِّ والفساد في الأرض.
ومن هؤلاء شعراء الحانات، والمواخير، والليالي الحمراء، وشعراء الإِباحيّة، وشعراء المذاهب الضالّة الهدّامة.
أمّا الشُّعراء الذين يَلْبَسُون درع الاستثناء القرآني فقد برز منه في عصر الرسول ﷺ "حسّان بن ثابت - وعبد الله بن رواحة - وكعب بن مالك".
واتَّخذهم الرسول ﷺ أسلحة بيانيّة أدبيّة ضدّ شعراء أهل الكُفر والشّرك بالله، وكان يستحثُّهم أحياناً لمجاهدة الكافرين والمُشركين بشعرِهم.
وظهر في العصور الإِسلاميّة التالية شعر إسلامي كثير، ولكن ظلّت نسبة المبدعين من فحول الشّعراء في جانب الذين يَتَّبِعهم الغاوون هي النِّسبة الأكبر، أمّا
стр. 79
الذين لبِسوا درْعَ الاستثناء القرآني فقد كان فيهم موهوبون ذوو قدرات عالية تؤهِّلهم لأن يكونوا من فحول الشُّعراء، إلاَّ أنَّهم فيما أرى آثروا الإِبداع في العلوم الإِسلاميّة والاشتغال بها عن توجيه كل اهتمامهم للشِّعر، فلم يُبَرِّزوا به كما برّز الآخرون.
وفي ظنِّي لو أراد الإِمام الشافعي أنْ يكون شاعراً لبزّ أبا نواس في الشِّعر. ولكنّه آثر أنْ يكون عالماً فقيهاً.
وقد تكون شدّة الحذر من الانزلاق بالشِّعر إلى فئة الّذين يتَّبعهم الغاوون قد كفَّت كثيراً من الذين يملكون في فطرتهم القدرة الشِّعرية العالية عن أن يخوضوا بحور فنونه، ويستخدموه للدّعوة ويبلغوا فيه إلى مستوى فحول الشُّعراء.
ثامناً - الغرض الفكري البياني من الصورة البلاغيّة المختارة:
ليس يكفي إيراد الكلام وفق صورة من الصُّوَر البلاغيّة التي يذكرها علماء البلاغة، بل لا بدّ من ملاحظة غرض فكريّ بياني تؤديه هذه الصورة المختارة.
إنَّ نسبة الجمال في الكلام ترتقي جداً حينما نُدرك أنّ الأديب قد اختار الصورة البلاغيّة التي أوردها في كلامه لغرض فكريّ زائد على مجرّد اختيار صورة جماليّة بلاغيّة يذكرها علماء البلاغة.
إنَّ الصورة البلاغيّة مهما كانت جميلة في ذاتها تغدو كجسد بلا روح إذا كانت خالية من غرض فكري بياني تهدف إليه في البيان، باستثناء عناصر الجمال اللّفظي أو الموسيقي، والزِّينات التي لا تحتمل أداء غرض فكريّ بيانيّ.
ولدى بحث أيِّ جانب بلاغي في كلام رفيع من كلام البلغاء ينبغي البحث لاستجلاء الغرض الفكري من الصورة البلاغيّة، فليس المهم مجرّد الإِشارة إلى الصورة البلاغيّة، إنَّما المهم بعد ذلك هو استجلاء الغرض الفكري البياني من ورائها.
стр. 80
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] إنَّ الصورة البلاغيّة في النَّص تتلخَّص بإسناد السيلان إلى الوادي، مع أنّ المراد سيلان الماء فيه. فهل انتهينا من البحث.
إنَّ الذي يملك الحسَّ الأدبي الرفيع يقول: لا. لأنَّه يتساءل: ولماذا أسند السيلان إلى الوادي بدل إسناده إلى الماء؟ وما الدَّاعي إلى ذلك وما هو الغرض منه؟.
وبالتأمّل يجد الجواب على تساؤله، إذ يرى أنَّ الغرض الفكري البياني من هذا الإِسناد هو إعطاء السامع أو القارىء صورة تُشْعِرُ على سبيل التخيّل بأنَّ الوادي يسيل فعلاًَ لكثرة تدفّق الماء وارتفاع نسبته في جانبي الوادي.
وهذه الصورة قد تحدث في وهم الإِنسان أو في تخيّلاته حينما يشاهد هدير الماء الكثير الذي يغمر قدراً كبيراً من الوادي.
فالتعبير إذن تصوير صادق لما يَجْرِي في التخيُّل لدى مشاهدة الحدث المادي.
إذن ينبغي للأديب أن يراعي ذلك في كلامه، وعليه أن يلاحظ باستمرار أنّ كبار البلغاء حينما يعطفون في كلامهم عن مجراه إلى صُوَر بلاغيّة يختارونها إنَّما يفعلون ذلك لأغراض فكريَّة بيانيَّة يهدفون إليها، ولا يكتفون باختيار الصُّوَر البلاغيّة لمجرّد أنَّها صور بلاغيّة، وهذا ما يعطي كلامهم ارتقاء أدبياً عظمياً، وجمالاً مكثَّفاً مضاعفاً.
***
تاسعاً - الجمع بين الأشياء المتضادّة:
وقد يكون من عناصر الجمال الأدبي في الكلام الجمع بين الأشياء المتضادّة في صورة كلاميّة متناسقة.
стр. 81
وذلك لأنَّ الأضداد سريعة التخاطر في الأذهان، فإيرادها قد يُحْدِثُ ارتياحاً جماليّاً في النَّفس.
وفي الصُّوَر الحِسِّية مِشَاهِدُ للتضاد أمثال ذلك، فمن المشاهد الحسِّيَّة الجميلة مشهد جبل أجرد إلى جانب وادٍ أخضر فيه جنّات ألفاف. ومشهد قصر راسخ ثابت البنيان ضمن عاصفة هوجاء تقتلع ما على الأرض من أشجار وأكواخ وأشياء كثيرة. ومشهد سفينة ثابتة كالطُّوْد في خِضمّ بحرٍ هائج وعاصفة بحريّة ثائرة. ومشهد وجه منير كالبدر ضمن شعر منسابٍ كالليل.
والحسّ الذوّاق للجمال يتحكّم بإدراك التناسق أو التنافر في الصورة التي تجمع بين المتضادّات، إذ ليس كلّ جمع بين المتضادّات يُحْدِثُ هذا الارتياح النَّفسي.
فمثلاً: لا ترتاح النُّفوس لدى ذكر ما يثير تقزّزها ونفورها، وإن كان ذلك مقابل ذكر ضدّه أو نقيضه، إنّ ذكر المُحْزِنات لدى ذكر المُفْرِحات أمرٌ مستنكر تنفر منه الطباع، ما لم يكن عَرْضاً لمبادىء عامّة لها طابع التأمّل الفلسفي، وإنّ ذكر المستقذرات في مقابل الطيِّبات أمرٌ مستهجن تنفر منه النُّفوس ولا ترتاح له. وهكذا.
فمن أمثلة المزدان بعنصر الجمع بين الأضداد الذي يُحدث إعجاباً وارتياحاً في النفُّوس، ولا يُحدث نفوراً ولا انزعاجاً ولا تقزّزاً، مايلي:
(١) قول الله تعالى في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) :
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى﴾ [الآيات: ٤٣ - ٤٥] .
(٢) وقول الله تعالى في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) :
﴿وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير﴾ [الآيات: ٣ - ٤] .
стр. 82
(٣) وقول الله تعالى في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) :
﴿ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الآيات: ٦ - ٧] .
(٤) وقول الله تعالى في سورة (الأعلى/ ٨٧ مصحف/ ٨ نزول) :
﴿ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا﴾ [الآية: ١٣] .
***
عاشراً - مسايرة المخاطب في تداعي أفكاره:
وقد يكون من عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام مسايرة المخاطب في تداعي أفكاره، بالمقدار الذي يُحْدِثُ الارتياح ولا يُورِث الملل.
إنَّ ممّا يُحْدِثُ المسرّة والارتياح في الكلام أنْ يُتَابِعَ الأنفس فيما تسترسل به من أفكار تتداعى، ويَجْلُبُ بعضها بعضاً، ويُمْسِكُ بعضها بأعناق بعض، بشرط عدم الاسترسال المملّ. إنّ الملَلَ متى بدأ يدبّ إلى النَّفس بالاسترسال مع أفكارها المتعانقة، كان قطع هذا الاسترسال والانتقال إلى عنصر المفاجأة هو الأرفع أدباً والأكثر تأثيراً، لأنّه يقدّم صورة جماليّة جديدة، بشرط أن تكون المفاجأة حُلْوَةً، لطرافتها أو غرابتها أو بُعد خطورها في الأذهان، أو غير ذلك.
وكثيراً ما يكون قطع الاسترسال وترك النَّفس لتستكمل بذاتها بقيّة العناصر هو الأجمل لديها، والأحبّ لمشاعرها.
والأديب ذو الحسّ المرهف يستطيع أن يُدْرِكَ متى يحسن الاسترسال مع تداعي أفكار المخاطب أو القارىء، ومتى يحسن قطع الاسترسال، ومتى يحسن الانتقال لأمر مثير بالمفاجأة الحلوة المعجبة.
стр. 83
فمن أمثلة المسايرة الحلوة لتداعي الأفكار قول الله تعالى في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) :
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [الآيات: ٢٧ - ٢٨] .
إنّ الحديث عن اختلاف الألوان في الثمرات يستدعي في الأفكار تصوّر اختلاف الألوان في الجبال، لأنَّها هي التي تبرز في اللّوحة الفنيّة أوّلاً بعد النّظر إلى الثمار في أشجارها، فيخطر اللّون الأبيض منها على اختلاف درجاته، فالأحمر على اختلاف درجاته، ثمَّ الأسود، ثمّ ينتقل الذهن بالتداعي الفكري إلى الألوان في الدوابّ والأنعام. هذا هو الأمر الغالب بالنسبة إلى واقع أحوال النَّاس.
ولا يخفى أنّ متابعة الأفكار في تداعيها الذاتي كثيراً ما يكون مريحاً للنُّفوس، ومُعْجباً لها، فهو إذن من عناصر الجمال الأدبي، إذا استوفى شروطه، وخلا من المنفِّرات أو المزعجات، ولم يَطُلْ حتى يُحْدِثَ الْمَلَلَ والسّأَم.
ومن الأمثلة أيضاً: قول الله تعالى في سورة (الغاشية/ ٨٨ مصحف/ ٦٨ نزول) :
﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الآيات: ١٧ - ٢٠] .
ففي هذه الآيات تصوير للوحة فنّية متحرِّكة، تبدو بالتتابع كما هي في النَّص، بالنسبة إلى الناظر الجالس في الصحراء، إذا مرّت بعيداً عنه قافلة من الإِبل.
إنّ أوّل ما يلفت نظره لدى مشاهدة هذه اللّوحة من مشاهد الطبيعة، أنْ يتركَّز انتباهه في مشاهدة قافلة الإِبل، وتكون القافلة بالنسبة إليه هي بؤرة المشهد، لأنَّها
стр. 84
هي المتحرِّك الآسر الجالب للانتباه، وتلقائيَّاً ينتقل نظره بعد ذلك إلى الأفق، من مستوى نظره إلى أسنمة الجمال إلى الأفق، حتّى إذا ملأ نظره من الأفق نزل ليرى الجبال من بعيد، ثمّ بعد ذلك ينخفض نظره ليركزّ انتباهه في مشاهدة الأرض المنسطحة.
وعلى وفق هذا المشهد الذي يتكرّر لدى كثير من سكان الصحراء في خيامهم ولدى عابريها جرى تصوير الصورة الكلاميّة، وقد وافق التسلسل فيها التسلسل الذي يَحْدُثُ غالباً عند النَّاس، لدى مشاهداتهم لمثل هذه اللوحة في الصحراء.
وهذا من عناصر الجمال الفنِّي لا محالة.
***
حادي عشر - نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها الطبيعيَّة وإضفاؤها على غيرها:
* قد يكون من عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها الاصطلاحيّة أو الطبيعيّة وإضفاؤها على غيرها، لوجود ما يستدعي في التخيّل هذا النقل، وإن لم يكن في الواقع كذلك.
فمن ذلك نقل صفة الحالّ في الشيء وإضفاؤها على ذلك الشيء كقولنا: "جرى النهر" مع أنّ الجريان هو اللماء في النّهر، ولكنّ التخيّل ربَّما أحسّ لدى مشاهدة جريان الماء في النّهر أنّ النّهر يجري أيضاً مع الماء.
ومن بديع هذا النَّقل قول الشاعر:
وسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ
فقد أضْفَى صفة السيلان على الأباطح، وهي لما يمرّ فيها، بعد أنْ أضفاها على أعناق المطيّ وهي للماء، لأنّ التخيّل يلحظ صفة سيلان الماء حينما يشاهد أعناق الإِبل تتموّج وهي تسير على الأباطح.
стр. 85
ومن بديع هذا النَّقل أيضاً قول الله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] ففيه إضفاء السيلان على الأودية، وهي لماء السيول فيها، لأنَّ الأودية حينما تسيل فيها السيول العارمة تُوقِعُ في خيال المُشَاهِد المندهش أنّ الأودية والجبال أنفُسَها تسيل مع حركة المياة الجارفة فيها.
ومن بديع هذا النَّقل أيضاً قول الرسول ﷺ :
"ومَنْ بَطَّأ به عمله لم يُسْرعُ به نسبه".
ففيه إضفاء صفة التبطيء على العمل، هي في الأصل صفة للكسل أو التقصير في العمل، ولكنّ التخيّل إذا رأى العامل المقصِّر الكسول تصوّر أنّ عمله هو الذي يطّأ به، إذ العمل هو الحركة المشهودة، أمّا الكسل أو التقصير فيهما لا يُشَاهَدَان نظراً، وإنَّما يُدْرَكَان فكراً، وفيه إضفاء صفة الإِسراع أو عدمه على النَّسب! لأنَّ النَّاس يتخيَّلون أنّ من لم ينَل السبق بعمله ربَّما ناله بنسبه، فيُعْطَى ذو النَّسب الكريم مَنْزِلَ السبق لمجرّد نسبه.
ويدخل في هذا العنصر نقل صفة الحيّ وإضفاؤُها على الذي لا حياة له، ونقل صفة الذي لا حياة له وإضفاؤها على الحيِّ، لأنَّ التخيُّل يلاحظ في المنقول إليه لمحات من صفة المنقول منه، ومن هذا استنطاق الجماد الذي لا ينطق، ومخاطبته كأنَّه ناطق يتكلّم.
والأمثلة على ذلك كثيرة في أبلغ الكلام، ومنها الأمثلة القرآنية التالية:
(١) قول الله تعالى في سورة (ق/ ٥٠ مصحف/ ٣٤ نزول) :
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [الآية: ٣٠] .
(٢) وقول الله تعالى في سورة (فصِّلت/ ٤١ مصحف/ ٦١ نزول) :
﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [الآية: ١١] .
стр. 86
ففي هاتين الآيتين استنطاق الجماد ومخاطبته، وهذا من نقل صفة الحيّ إضفائها على الذي لا حياة له.
(٣) وقول الله تعالى في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) في سياق قصّة موسى والخَضِر ﵉:
﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الآية: ٧٧] .
ففي هذا نقل صفة الإِرادة التي هي للحيّ المريد، وإضفاؤها على الجدار الذي لا حياة له ولا إرادة، لأنَّ صورة الجدار هذا تُحْدِثُ في تخيّل الناظر إليه أنّه كعجوز من النَّاس هَرِم، وهو يريد أن يستريح من قيامه ويسقط إلى الأرض انقضاضاً كانقضاض الطائر راكعاً أو ساجداً أو مستلقياً، فأعطاه صفة الإِرادة وصفة انقضاض الطائر.
(٤) وقول الله تعالى بشأن المنافقين في سورة (المنافقون/ ٦٣ مصحف/ ١٠٤ نزول) :
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو فاحذرهم قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الآية: ٤] .
ففي هذا النّص نقل صفة الجامد الذي لا حياة له عن طريق التشبيه الصريح، وإضفاؤها على المنافقين الأحياء الجالسين المستندين إلى جدار مجلس الرسول بأجسامهم الْمَهِيبَة، لأنّ حالتهم النّفسية المنصرفة كلّياً عمّا يجري حولهم تُوقِعُ في التخيّل أنّهم بمثابة الخُشُب المسنّدة.
* وقد يكون نقل الصفة لغرض الإِيجاز، أو الإِيجاز مع التعميم، كنقل الصفة من أهل المكان إلى المكان، ومن أهل الزمان إلى الزمان، ومن أمثلة ذلك مايلي:
стр. 87
(١) قول الله تعالى في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) :
﴿وهاذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا ... ﴾ [الآية: ٩٢] .
أي: لتنذر أهل هذا البلد ومن حولهم من أهل الأرض.
(٢) وقول الله تعالى في سورة (ق/ ٥٠ مصحف/ ٣٤ نزول) :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ [الآية: ٣٦] .
أي: وكم أهكلنا قبلهم من أقوام في قرون مضت هم أشدّ منهم بطشاً.
(٣) وقول الله تعالى في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لقول إخوة يوسف لأبيهم:
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الآية: ٨٢] .
أي: واسأل أهل القرية التي كنا فيها، وأصحاب العير التي أقبلنا فيها.
* من استعراض أمثلة هذا العنصر، والصُّوَر التي يمكن أن تدخل فيه، لا بدّ أن يظهر لنا أنّ ألواناً بلاغيّة كثيرة تدخل فيه، كأنواع التشبيه، والاستعارات، والمجاز العقلي، والمجاز المُرْسل، لأنَّها قائمة على نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها، وإضفائها على غيرها، استناداً إلى أنّ خيال الأديب يَسْمَحُ له بهذا النقل، إمّا للشبه بين المنقول منه والمنقول إليه، أو للتّجاور، أو للارتباط السببي، أو لغير ذلك.
ولا بدّ أن نعلم بأنّه ليس كلّ نقل من هذا القبيل يقدّم صورة جماليّة تُزَيِّن الكلام، وترفع قيمته الأدبيّة، بل لا بدّ مع ذلك من أن تكون الصورة نَفْسُها برئيةً ممّا يُشَوِّه جمال النّقل، وأن يتضمّن النّقل فكرة تثير الإِعجاب والارتياح النَّفسي،
стр. 88
وأن يكون ذا هَدَفٍ بلاغي، فالأعمال اللّفظيّة الشكلية الخالية من الأهداف البلاغيّة بمثابة رسوم ساكنة لا حياة فيها ولا حرارة.
***
ثاني عشر- البراعة في إبراز وتصوير الأحاسيس والمشاعر النَّفسيّة:
ومن عناصر الجمال الأدبي في الكلام البراعة في إبراز وتصوير الأحاسيس والمشاعر النَّفسيّة والأفكار. وقد تكون هذه البراعة بتقديم الفكرة من خلال نظير حسّي، أو بالمبالغة في تصويرها، أو تصوير آثارها، أو غير ذلك.
أمثلة:
(١) قول الله تعالى بشأن المنافقين فية سورة (المنافقون/ ٦٣ مصحف/ ١٠٤ نزول) :
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ... ﴾ [الآية: ٤] .
ففي هذا إبراز بارعٌ جدّاً، وتصويرٌ بديع لحالة الذُّعر الشديد الذي يعانون منه في داخل أنفسهم، وقد دلّ على هذه الحقيقة المبالغة، لأنّ الخائف المذعور جدّاً قد يسمع صياح الْمُنْجِد له فيتصوّره صياحاً ضدّه.
(٢) وقول الله تعالى في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) يصف حال أناس داهمهم مطر شديد فيه ظلمات ورعد وبرق:
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت والله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ [الآية: ١٩] .
ففي المبالغة بأنهّم يجعلون أصابعهم في آذانهم إبرازٌ لصورة حالتهم النَّفسية، التي تدفعهم إلى سدّ مسامعهم بكلّ أصابعهم، فلو أنّهم استطاعوا إدخال كلّ أصابعهم في آذانهم لفعلوا.
стр. 89
(٣) وقول الله تعالى في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول) حكاية لقول زكريّا ﵇ إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً:
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي واشتعل الرأس شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [الآية: ٤] .
ففي تصوير تسارع انتشار الشيب في رأسه حتى عمّ الرأس بحالة الاشتعال الذي يسارع انتشاره في الهشيم، براعة تدلّ على الحالة النَّفسيّة التي أخذ يعاني منها، والتي بدأت تكويه بنار اليأس التي أخذ لَهَبُهَا ينتشر شيباً في شعر رأسه.
(٤) وقول الله تعالى في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) :
﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً فَالْتَقَى المآء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [الآيات: ١١ - ١٢] .
ففي هذا النّص تصويرٌ بارع يُبْرِزُ مشهدَ انصباب الماء من السماء، حتى كأنّ أبواباً فيها هي بمثابة سُدودٍ فتحت فانصبّ الماء المنحصر وراءها. ويُبْرِزُ مشهدَ تفجُّر الماء من مواضع لا تحصى من الأرض، حتّى لكأنّ الناظر إلى الأرض يرى أنّها كلّها قد صارت عيوناً يتفجّر الماء منها تفجّراً، ليلتقي في بحرٍ طامٍ خِضَمِّ لا يُبْقِي ولا يذر.
ومن البراعة في إبراز وتصوير الأحاسيس والمشاعر النّفسية، والأفكار، تجسيدُها في أمثلة حسيّة ماديّة، كتمثيل العلم بالنور، والجهل بالظلمات. وكتمثيل الكفر بالعمى، والإِيمان بالبصر. وكتمثيل القرآن بقلب المؤمن في هدايته بمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنّها كوكب درّي.
قال الله تعالى في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :
﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ
стр. 90
تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ [الآية: ٣٥] .
ففي هذه الآية ضرب الله مثلاً لنور القرآن المعنوي بمصباح أرضي من صنع النّاس، ذي نور صافٍ من أيَّةِ شائبة، وهذا النّور يتلألأ كالكوكب الدرّي، والقرآن بالنسبة إلى سائر كلام الله كقطَرة من بحر، وكذلك نور المصباح بالنَّسبة إلى سائر ما خلق الله من نور في الكون الكبير.
ومن تجسيد المعاني والمشاعر والأحاسيس في أمثلة حِسّيَّة مادّيَّةٍ في الاستعارات التالية: إعصار الهوى. عبير الوجدان. بَرْد اليقين. نار الحب. رياح العاطفة الشجيّة. حلاوة الإِيمان ... إلى غير ذلك من تعبيرات.
***
ثالث عشر- احترام فكر المخاطب وتقديره بترك استخدام الأسلوب المباشر:
وقد يكون من عناصر الجمال الأدبي في الكلام احترامُ فكر المخاطب وتَقْدِيرُه بترك استخدام الأسلوب المباشر، اعتماداً على أنه لمّاحٌ تكفيه الإِشارة الخفيفة والخفيّة، أو بترك الإِطناب والشرح، واللّجوء إلى الإِيجاز والرمزية.
ويدخل في هذا الكنايات، ورموز الأقوال، والتلميحات، والمعاريض، ونحو ذلك.
ولا ريب أنّ من احترام فِكر المخاطب وتقديره الإِيجازَ له في الأشياء التي يمكن أن يفهمها بنفسه، إذا كان أهلاً لذلك، ويَحْسُنُ هذا الإِيجاز جدّاً إلى حدّ الرمز في مواقف خاصّة، منها أنّ يتطلب الموقف إعلام المخاطب وحده، مع إخفاء الأمر عن حاضري مجلسه.
ومن روائع التلويح إلى المعاني بالإِشارات التي لا تفهم إلاَّ بذكاء لمّاح،
стр. 91
استعمال لفظة الكفّار المرادفة للفظة الزارع في قول الله تعالى في سورة (الحديد/ ٥٧ مصحف/ ٩٤ نزول) :
﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾ [الآية: ٢٠] .
فقد استعملت هذه اللّفظة "الكُفّار" المرادفة في معناها هنا اللفظة "الزرّاع" بدل استعمال لفظة "الزرّاع" تلويحاً بأنّ مقابل الزرّاع في المثل هم الكفّار في الممثَّل له، فالمعجبون بزينة الحياة الدُّنيا المغرورون بها هم الكفّار، ويقابِلُهُمْ في المثل الزرّاع الذين يعجبهم النّبات إذا نزل عليه الغيث فاخضرّ وأنبت.
ولمّا كانت تطلق في اللّغة لفظة "الكفّار" على "الزرّاع" لأنّهم بزرعهم يدفنون الحبّ في الأرض فيسترونه، والكفر في اللّغة هو الستر، اختيرت لفظة "الكفّار" هذه بالذّات، لتدلّ على الزرّاع في مكانها التي استعملت فيه، ولتلوِّح بأنّ مقابِلَهُمْ في الممثَّل له هم الكفّار بيوم الدين.
ويزيدنا ثقّة بأنّ اختيار هذه اللّفظة هنا كان مقصوداً، لتَحْمِل هذا التلويح الذي لا يُتَنبَّه له إلاَّ بذكاء لمّاح اختيارُ كلمة "الزرّاع" في موقع آخر من القرآن، لأنّ ذلك الموقع لا حاجة فيه إلى مثل هذا التلويح، وهو ما جاء في وصف أصحاب محمد ﷺ في الإِنجيل، كما روت لنا سورة (الفتح/ ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول) إذ قال الله تعالى فيها:
﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار﴾ [الآية: ٢٩] .
فقد استعملت هنا لفظة "الزُّرَّاع" لأنّ مقابلها في الممثّل له ليسوا بكافرين، بخلاف "أَعْجَبَ الكفَّارَ نَبَاتُهُ".
***
стр. 92
رابع عشر- تقريب الصورة الغائبة بوضعها في صورة مشهودة النّظير أو مخيّلة:
ومن عناصر الجمال الأدبي في الكلام تقريب الصورة الغائبة، وذلك بوضعها في صورة مشهودة النظير، أو في صورة متخيَّلة في أذهان المخاطبين.
فمن تقريب الغائب بوضعه في صورة مشهودة النظير ما جاء في القرآن والسنّة من تمثيلٍ أو تسميةٍ لما في الدّار الآخرة من أحوال وأحداث ومكوَّنات.
ففي الصحيح عن ابن عباس أنّ النّبي ﷺ قال:
"لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إلاَّ الأسْمَاء".
ومن تقريب الغائب بوضعه في صورة متخلية في أذهان المخاطبين، وصف طلع شجرة الزقوم بأنّه يُشْبِهُ رؤوس الشياطين، وهو ما جاء في سورة (الصافات/ ٣٧ مصحف/ ٥٦ نزول) بقول الله فيها:
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ [الآيات: ٦٤ - ٦٥] .
طَلْعُها: أي ثمرها.
ففي أخيلة النّاس صورةٌ بشعة مرعبة لرؤوس الشياطين، فجاء تقريب صورة طلع هذه الشجرة الخبيثة، بأنّه أبشع وأقبح صورة تتخيّلونها، وهي رؤوس الشياطين.
***
خامس عشر- الإِتقان في إبراز دقائق الصورة:
ومن عناصر الجمال الأدبي في الكلام الإِتقان في إبراز دقائق الصورة، ماديّةً كانت أو غير مادّية، وذلك لدى رسمها في الصورة الكلاميّة، مع استيفاء العناصر اللازمة لإِبراز الحقيقة بشكل جميل وواضح.
стр. 93
ويزيد الصورة جمالاً تركُ جوانب فيها يُتَابعها الفكر وحده، ويستكملها الخيال بنفسه، مع إيجاد المنافذ أو الإِشارات التي يُمْكِنُ الانطلاق منها إلى هذه الجوانب المتروكة، كالرمز، والإِشارة الخفيّة، وما يستتبعه الكلام باللّزوم الذهني، وغير ذلك.
ونلاحظ هذا العنصر الجمالي في قول الله تعالى في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :
﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠] .
القيعة: كالقاع وهو ما استوى من الأرض.
لُجِّيّ: أي عظيم عميق.
وفي قوله تعالى عقب النّص السابق بآيتين:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار﴾ [النور: ٤٣] .
يُزْجي: يَسُوق برفق.
رُكَاماً: أي: بعضه فوق بعض.
الوَدْق: المطر.
سَنَا: ضَوْء.
أَلَسْنا نلاحظ في هذه الأمثلة الثلاثة إتقاناً عجيباً في إبراز دقائق الصورة، مع استيفاء العناصر اللازمة لإِبراز الحقيقة بشكل واضح وجميل، ومع ترك جوانب في الصورة يتابعها الفكر وحده، ويستكملها الخيال بنفسه.
стр. 94
فالصورة في المثال الأوّل قدّمت أعمال الكافرين على شكل سراب، يراه الظمآن السائر في الصحراء وهو بعيد عنه ماءً، فيسعى إليه ليشرب من مائه، ويُطْفِىءَ ظمأه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، لأنَّه كان انعكاس أشعةٍ تُخيِّل للناظر إليه من بعد أنّه ماء.
وكذلك حال الكافر الذي يقدِّم أعمالاً يَظُنُّ أنّها تُسعدهُ في دنياه، أوتنفعه في آخرته، وما هي في الحقيقة إلاَّ بمثابة سراب، وهو إذا وصل إلى موطن المحاسبة والجزاء على الأعمال، لم يجد أعماله شيئاً، لأنّها لم تكن ثمرة إِيمان بالله واليوم الآخر، بل وجد الله عنده هو الذي له الحكم والأمر، وبيده الحساب والجزاء، فوفّاه حسابه بعدله وحكمته، فحاسبه على كفره، فسقط بالمحاسبة على الكفر كلُّ عمل صالح كان قد عمله، لأنّه لم يكن قائماً على أساس مقبول عند الله.
والصورة في المثال الثاني صوّرت الحالة النفسيَّة والفكرية والقلبية للّذين كفروا، بعد أنْ تركوا نور الهداية الربّانيّة، بحالة من هو في ظلماتِ قاعِ بحرٍ عميق، فوقه أمواج في العمق تزيد الظلمة، فوقها أمواج في السطح تضاعف الظلمة، فوقها سحاب يزيد الظلام ظلاماً، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها لشدّة الظلمة.
ومن كان كذلك فلا بدّ أن يسلك مسالك المهالك.
وكذلك حال الذين كفروا في أعمالهم، وفي تحديد الغاية من أعمالهم، وفيما يقرّرون من أسباب لذلك. إنَّهم يطلبون سعادتهم في الظلمات، فقلوبُهُمْ مظلمة بالكفر، ونُفُوسُهمْ تائهة في بحر لُجيّ من ظلمات الأهواء والشهوات، وأفكارُهُمْ تسبح في ظلمات أسباب لذّات الحياة الدنيا، وإراداتُهم تتخبّط تحت كلّ هذه الظلمات.
стр. 95
والصورة في المثال الثالث رسمت حركة السُّحب الخفيفة الموزّعة، وكيفية سوقها الرفيق، ثم رسمت التأليف بينها وتجميعها، حتّى تُغَطِّي ما فوقها من سماء، ثم رسمت تكديس بعضها على بعض حتى تتراكم وتكون كالجبال القائمة بين السماء والأرض.
ثم انتقلت الصورة إلى رسم خروج حبّات المطر من خلال السحاب المتراكم، وتركت للخيال سائر الظواهر التي تحدث، ليتمّها بنفسه من رعد وبرق ورياح.
ثم انتقلت إلى ظاهرة نزول البَرَد بدل المطر، وألمحت إلى أنّ السحاب المتراكم يكون في هذه الحالة بمثابة جبالٍ من بَرَدٍ اجتمع بعضه إلى بعض، إذْ قد جمَّدت البرودة وحدات مائيّة فيها فكانت بَرَداً.
ولمّا كان المطر أقرب إلى أن يكون ظاهرة رحمة، والبَرَد أقرب إلى أن يكون ظاهرة عذاب مع احتمال خلاف ذلك في كل منهما، رتّبت الآية على كُلٍّ منهما قوله تعالى:
﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾ [النور: ٤٣] . أي: رحمةً كان أو عذاباً.
ثم رسمت الصورة لمحة من ظاهرة البرق، فقال تعالى:
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار﴾ [النور: ٤٣] .
فكم في هذه الأمثلة من إتقان في إبراز دقائق الصورة، مع استيفاء العناصر اللاّزمة لإِبراز الحقيقة بشكل واضح وجميل، ومع ترك جوانب منها يستطيع الخيال أن يستكملها بنفسه دون عناء.
* ومن ترك ما يستكمله الفكر بنفسه في الكلام، ما نلاحظه في الأمثلة القرآنية التالية:
стр. 96
١- قوله تعالى في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) :
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً﴾ [الآية: ٣١] .
أي: لكان هذا القرآن. فقد ترك في هذه الآية جواب "لو" لأنّ المخاطب أو القارىء المتدبِّر سيستكلمه بنفسه، إذ يعلم أنّ هذا القرآن العظيم هو أعظم كتاب أُنزل، وقد اشتمل على كلّ فضائل الكتب السابقة.
٢- وقول الله تعالى في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) :
﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الآية: ٣٩] .
أي: لو يعلمون ذلك ما كفروا. فقد ترك في الكلام جواب "لو" وبقي مكانه فارغاً، ليستكمله المخاطب أو القارىء المتدبّر بنفسه.
ووصفُهم بالكفر مع تلويمهم عليه في السياق وترتيب صُوَر العقاب عليه يومىء إلى ما يملأ هذا الفراغ في الكلام بالجواب المناسب.
٣- وقول الله تعالى في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٦٩ نزول) :
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ... ﴾ [الآية: ٣٣] .
أي: أفمن هو قائم على كلّ نفسٍ بما كسبت كشركائهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ضرّاً، أو يجلبوا لأنفسهم نفعاً!
فقد تُرك التصريح بهذا، وأبقى مكانه في النّص فارغاً لأمرين.
الأوّل: ليستكمله المخاطب أو القارىء المتدبّر بنفسه.
стр. 97
الثاني: لعدم استحقاق شركائهم الذكر والمقارنة بالله الخالق الحكيم، الذي هو قائم على كلّ نفس بما كسبت.
***
سادس عشر- لفت النّظر إلى معانٍ دقيقة لا يَتَنَبَّهُ لها الذهن العادي من أوّل وهلة:
ومن عناصر الجمال الأدبي في الكلام لفت النَّظر إلى معانٍ دقيقة لا يتنبّه لها الذهن العاديّ من أوّل وهلة، لكنّه إذا لُفِتَ نَظَرُهُ إليها، أو انتبه لها بنفسه أُعْجِبَ بها، وربّما أحسّ أنه امتلك أمراً طريفاً لم يكن يخطر على باله.
ومن أمثلة هذا قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح:
"ومن بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه".
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح:
"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ".
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح:
"أنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً" قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: "تَحْجُزُهُ عَنِ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".
فنبّه الرسول ﷺ في هذه الأقوال على أفكار طريفة قلّما يتنبّه لها الذهن العادي، وقلّما تَخْطُر على البال، لا سيّما ماجاء في بيان نصر الظالم، فمن المثير للاستغراب دعوة الرسول ﷺ إلى نُصْرَةِ إخواننا الظالمين، لكن من المريح والمثير للإِعجاب تفسير ذلك بَحَجْزِهِمْ عن الظلم، وكفِّهِمْ عن ممارسته والقيام به، لئلاّ يوقعهم في المهالك.
ومن الأمثلة أيضاً قول المتنبِّي:
يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ ... وِجدَانُنَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ عَدَمُ
стр. 98
إنّ صدر هذا البيت يشتمل على معنى مبذول، يتداوله النّاس، وتستعمله الخاصّة والعامّة.
لكن لما جاء عجز البيت: "وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيُءٍ بَعْدُهُمْ عَدَمُ". ارتقى الكلام ارتقاءً عالياً، إذ جعل حيازته لكل شيء بعد مفارقة ممدوحه عدماً أو بمثابة العدم، وهذا معنى دقيق قلّما يخطر على البال، فَنُدْرَةُ خُطُورِه على البال لدى معظم النّاس أَغْلَى قيمته الأدبيّة.
ونظير ذلك قوله في القصيدة نفسها:
إِنْ كَانَ سَرّكُمُو مَا قَالَ حَاسِدُنَا ... فَمَا لِجُرْحِ إِذَا أَرْضَاكُمُو أَلَمُ
فالفكرة التي تتبادر إلى كلّ الأذهان، أن يقول المحبّ لمحبوبه: إنني أصبر على ألم الجرح الذي يَسُرُّك، لأنها هي التي تعبرّ عن واقع حال معظم المحبين الصادقين في حبهم، لكن فكرة انعدام وجود الأَلَمِ كُلِّيّاً، بتأثير سرور المحبّ بما يُسَرُّ به محبوبة فكرةُ تَقِلُّ خطوراً على البال، لأَنّها نادرة الوجود في الواقع، فاكتسب النّص بذلك إضافة جماليّة أَغْلَى قيمته الأدبيّة.
***
سابع عشر- تصوير الواقع بالصورة المتخيّلة منه لدى مشاهدته:
ومن عناصر الجمال الأدبي في الكلام تَصْوِيرُ الواقع بالصورة المتخيَّلة منه لدى مشاهدته، ولو في بعض الأحيان، أو في بعض اللّمحات.
ففي هذا التصوير عنصر المبالغة الخياليّة في الدلالة على الحقيقة.
وفيه أيضاً التأثير النفسيّ على السامع أو القارىء، إذْ يُرْسَمُ له في التعبير الكلامي مِثْلُ ما أحسّ هو به، دون أنْ يُعبِّر عنه، أو دون أن يستطيع التعبير عنه، أو جاءه أمر طريف حلوٌ كان غافلاً عنه، فلمّا نُبِّهَ عليه أعجبه فتمثّل له في الخيال، ورأى أنّه كان ينبغي له أن يتخيّله.
стр. 99
وأستطيع أن أمثّل لهذا العنصر بما يلي:
(١) بقول الله تعالى في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) :
﴿ ... فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... ﴾ [الآية: ١٧] .
(٢) وبقول الشاعر:
"وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ".
(٣) وبقول الله لنوح ﵇ في شأن ولده الذي أَبَى أن يركب معه في السفينة، كما قصَّ تعالى علينا في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) :
﴿ ... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... ﴾ [الآية: ٤٦] .
فالصورة التي قد تتركّز في الخيال لدى مشاهدة إنسان ليس له عمل صالح، أنّه كتلة من عمل غير صالح، وتنعدم الذات وسائر أعمالها، ولا يبقى في التَّخيُّل إلاّ صورة العمل غير الصالح ومن كان كذلك فهو لا يستحقّ الشفقة عليه.
(٤) وبقول الله تعالى في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) :
﴿ ... وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الآية: ٥] .
هامدة: أي ميّتة يابسة.
رَبَت: أي نمت وانتفخت.
بهيج: أي حسن يسرّ الناظرين.
ففي هذا النّص أسند الاهتزاز إلى الأرض مع أنّه للنبات، لأنّ الناظر إلى الأرض المنبتة إذا مرّت عليها الرياح فهزّت نباتها، قد يتخيَّل أنّ الأرض هي التي تهتزّ، مع أنّ المهتزّ هو ما نبت فيها، ورَبَا فوقها.
стр. 100
وكذلك "رَبَت" أي ربا النبات فيها.
***
ثامن عشر- حُسْنُ تركيب الجمل وانتقاءِ المفردات ذوات الدلالات الأدقّ:
ومن عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام حُسْنُ تركيب الجمل، بتنظيم مفرداتها على وفق نَسَق متلائم لا تنافر فيه ولا تشاكس، كتنظيم حبّات عقد اللُّؤلؤ من قبل منظّم ماهر، وكتنظيم الجواهر على حلية نفيسة، من قبل صائغ بارع، مع العناية بالتزام أصول دلالات التراكيب التي نبّه عليها علماء المعاني.
وكذلك انتقاء المفردات الجميلة التي تحمل أقوى وأحلى وأدقّ دلالة على المعنى المراد، مع توافر عنصر الملاءمة بينها وبين مضمون الكلام بوجه عامّ، وحال المخاطبين به.
والقرآن الكريم كلّه هو النموذج الأعلى لذلك، ثم روائع أقوال الرسول ﷺ ، ثمّ من بعد ذلك كلام كبار البلغاء والفصحاء.
***
تاسع عشر- احترام المخاطب بالتأدّب معه ورعاية مشاعره:
ومن عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام احترامُ المخاطب بالتأدّب معه، ورعاية مشاعره، وذلك بالابتعاد عمّا يشمئزّ منه، وبِعَدَم مواجهته بالألفاظ الصريحة الدالّة على المستقذرات، أو المعاني التي يَجْمُلُ التستّر بها مع أنّها معلومة.
والأديب ذو الحسّ المرهف يُلْقِي على المعاني التي لا يجمل التصريح بها سِتْراً كلاميًّاً، إذ يدلُّ عليها بالكنايات والإِشارات والتلميحات ومعاريض الألفاظ.
стр. 101
ومن أمثلة ذلك مايلي:
(١) قول الله تعالى في سورة (النِّساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) :
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [الآية: ٤٣] .
من الغائط: أي من المكان المنخفض الذي يذهب إليه عادةً من يريد قضاء حاجة الإِنسان، والتعبير بقوله تعالى:
﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط﴾ [المائدة: ٦] . فيه كناية عن قضاء الحاجة الناقضة للوضوء.
أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ: فيه كناية عن الجماع وهو عمل يجب ستره وإن كان مباحاً، فَحَسُنَ في الكلام ستره بالكناية.
(٢) ما حُكي عن أم المؤمنين عائشة عن حالها مع الرسول في عدم النَّظر إلى العورات: "ما رأيت منه ولا رأى منِّي" تعني العورة المغلَّظة.
***
عشرون- تخصيص بعض المترادفات بما فيه خَيْرٌ وبعضها بما فيه شرّ:
ومن عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام تخصيص بعض المترادفات ذات الدلالة اللّغويّة العامّة بما فيه خير ورحمة، وتخصيص بعضها الآخر بما فيه شرّ وعذاب.
وهذا من الأدب القرآني الرفيع، ومنه مايلي:
(١) قول الله تعالى في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) :
стр. 102
﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ [الآية: ٨٥] .
ففي جانب الشفاعة الحَسَنة استعملت كلمة "نصيب" وفي جانب الشفاعة السيِّئة استعملت كلمة "كِفْل" مع أنَّ الكِفْلَ والنصيب مترادفان في اللّغة، ويستعملان في الخير والشرّ، والرحمة والعذاب، ولكنّ تباين النصيبين في الحقيقة اقتضى في أدب اللّفظ التَّغَايُر في الكلمات الدّالاّت على المراد ضمن النصّ الواحد.
فالتغيير هنا جاء بتغيير اللّفظ كلّها مادّة وصيغة.
(٢) وقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... ﴾ [الآية: ٢٨٦] .
فاختار النّص كلمة "كَسَبَتْ" لجانب العمل الصالح، واختار كلمة "اكْتَسَبَتْ" لجانب العمل السيِّىء، مع أنَّ كلاًّ من اللّفظين يستعمل في كلٍّ من المعنيين، ولكنْ لما اجتمع المعنيان في نصٍّ واحد مفرّقين في موضعين منه، دعا الجمال الأدبي أنْ يُوجَدَ تفريق في اللّفظين، ولو في الصيغة فقط مع اتحاد مادة الكلمة، يضاف إلى ذلك ما في كلمة (اكتَسب) من معنى التكلّف الذي يُنَاسِبُ حَمْل الوزر.
وفي آيات أخرى اجتمع المعنيان، ولكن غير مفرّقين في موضعين من النّص، أو انفرد كلٌّ منهما في النّص بنفسه، فاجاء التعبير تارة بكسب في العمل الصالح والعمل السيِّىء، أو في أحدهما، وتارة بـ"اكتسب" فيهما أيضاً أو في أحدهما.
والمتدبّر للقرآن عندئذٍ لا يلحظ في صيغة "اكتسبت" أكثر من زيادة معنى التكلّف، وأنّ العمل قد كان فيه عَطَاءٌ يَزِيدُ عل العطاء في العمل العادي.
стр. 103
(٣) ومن ذلك ما جاء في القرآن من تخصيص لفظة "الريح" غالباً في التي تأتي بعذاب وهلاك. وتخصيص لفظة "الرياح" في التي تأتي بنعمة ورزق وخير.
فالتفريق هنا جاء بتغيير اللّفظة بين الإفراد والجمع، ومنه قول الله تعالى في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الآية: ٥٧] .
وقوله تعالى في سورة (الأحقاف/ ٤٦ مصحف/ ٦٦ نزول) :
﴿ ... بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الآية: ٢٤] .
وقد يكون للريح الواحدة أثر في التدمير والعذاب، بحسب تواترها وشدّتها، أمّا التي تأتي بُشْراً بين يدي رحمة الله، فإنَّها قد تكون أنواعاً من الرياح تحمل الخير ويدفع الله شرّ بعضها ببعض. أو نقول: اختر الله لفظ الجمع "الرياح" للتي تأتي بنعمة ورزق وخير لأنّها هي الأعظم والأكثر في واقع الحال، إذ رحمته سبحانه سبقت غضبه، واختار لفظ المفرد "الريح" للتي تأتي بعذاب، لأنها هي الأقلّ في واقع الحال، فدلّ على الكثرة بالجمع وعلى القلة بالإِفراد. والله أعلم.
стр. 104
الفصل الثاني: الفصاحة - الفصاحة في اللّغة
الفصاحة في اللَّغة:
الفصاحة عند أهل اللّغة: البيان، والإِفصاح: الإِبانة. يقال لغة: فَصُحَ الرَّجُلُ فَصَاحةً فَهُو فصيحٌ، إذا كانَ في كلامِهِ قادراً على أن يُبَيِّن مُرَاده بوضوحٍ دون عَجْزٍ، ولا تَلكُّؤٍ، أو تعثُّرٍ، في نُطْقِ الألْفَاظ، أو في اختيار الكلمات الدالاَّتِ على ما يُريدُ إيضاحَهُ من المعاني للْمُتَلقّين.
ويُجْمَعُ "فَصيح" على فُصحاء، وفِصاحٍ وفُصُح. والأنْثَى فصيحةٌ، وهُنَّ فَصَائح.
ويقالُ: كلامٌ فصيحٌ، إذا كان المرادُ منْهُ واضحاً.
ويقالُ: لسانٌ فصيحٌ، إذا كان طَلْقاً في نُطْقِ الْكَلاَمِ مُبِيناً لاَ يَتَعَثَّر.
والرجلُ الفصيح هو المنطلق اللّسان في القولِ، الّذي يَعْرِفُ جَيِّدِ الكلام من رديِئه.
ويقالُ: أفْصَحَ الصُّبْحُ إِذا بَدَا ضَوْؤُهُ واستبان. وأَفْصَح المتَحَدِّثُ عن مُرادِهِ إذا بيَّنَهُ ولم يُجَمْجِمْ.
وكُلُّ ما وَضَحَ فقد أفْصَح، وكُلُّ وَاضحٍ هو مُفْصِحٌ.
وفَصُحَ اللَّبَنُ إذا أُزِيلَتِ الرَّغْوَةُ من سطحه فبانَ وظهَرَ.
стр. 105
الفصاحة في اصطلاح علماء البلاغة:
ذكر علماء البلاغة أنَّ الفصاحة تأتي وصفاً للكلمة الواحدة، ووصْفاً للكلام، ووصْفاً للمتكلّم، فيقال: كلمةٌ فصيحة، وكلامٌ فصيحٌ، ومتكلّم فصيح.
***
فصاحة الكلمة
أمّا الكلمة الفصيحة: فهي الكلمة العربية التي تَخْلُو من أربعة عيوب وهي: التنافر، والغرابة، ومُخَالفة القياس، وكراهة السَّمع لها.
أوّلاً:
شرح العيب الأوّل: وهو تنافر حروف الكلمةم. التنافر في الكلمة صفةٌ فيها تجعلها ثقيلة على اللِّسان، يصعُبُ النُّطْقُ بها.
وهذا التنافُرُ مِنْهُ ما هُو شديدٌ غايةٌ في الثّقل، ومنْهُ مَا هُو دون ذلِكَ، ويُحِسُّ به الذّوق السَّليم، ومن علامات التنافر في حروف الكلمة أنْ يصعُب على معظم ألسنة الناطقين بالعربيّة النُّطقُ بها.
ومن أمثلة ما هو شديد التنافر ما يلي:
* كلمة "صَهْصَلِق" يقال لغة: رجُلٌ صَهْصَلِقُ الصَّوْتِ، إذا كان ذا صوتٍ شديد، ويقالُ: امرأةٌ صَهْصَلِق وصَهْصَلِيق، أي: شديدة الصّوتِ صَخَّابة.
* كلمة "طَسَاسِيج" جمع "طَسُّوج" اسم للناحية، واسمٌ لمقدار من الوزن يعْدِلُ رُبْعَ دانِقٍ، فالدَّانِق أربعةُ طَسَاسِيج، وهو سُدْسُ الدّرهم.
* كلمة "اطْرَغَشَّ" يقال: اطرغَشَّ الْمريضُ، إذا بَرِىءَ من مرضه، وإذا قام وتحرّك ومشى.
ومن أمثلة ما هو غير شديد التنافر ما يلي:
стр. 106
* كلمة "النُّقاخ" يقال لغة: ماءٌ نُقَاخٌ، إِذا كان ماءَ عذباً.
* كلمة "مُسْتَشْزِرَاتَ" بمعنى منفتلات، وقد جاءت في شِعْر امرىء القيس، إذْ قال:
وَفَرْع يَزِينُ الْمَتْنَ أَسْوَدَ فَاحِمٍ ... أَثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ الْمُتَعَثْكِلِ
غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلاَ ... تَضِلُّ الْمَدَارِي فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
الْفَرْعُ: الشَّعَرُ التَّامُّ الَّذى لا نقص فيه. الْمَتْنُ: الظَّهْرُ. الفاحِمُ: الشّدِيدُ السَّواد. الأَثِيثُ: الكثير. قِنْوُ النَّخْلة: عِذْقُها بما فيه من الرُّطب. الْمُتَعَثْكِل: الكَثِيرُ الشَّمَاريخ، وهي العيدان الحاملةُ للثّمر. غَدَائِرُهُ: أي: ذُؤاباتُه الْمَضْفُورة، مُفْردُها غديرة. مُسْتَشْزِرَات: أي: مُنْفَتِلاَتٌ، يقالُ: اسْتَشْزَرَ الحبلُ، إذا انْفتَل. تَضِلُّ الْمَدَارِي: أي: تَضِيعُ الْمَدَارِي، وهي جمعُ مِدْراة، والْمِدْراةُ ما يُعْمَلُ من حديدٍ أو خَشَبٍ على شْكلِ سِنٍّ مِنْ أسْنَانِ الْمُشْطِ، وأطول منه، يُسَرَّحُ بها الشِّعَرُ الْمُتَلَبِّدُ. والْمُثَنَّى: الْمُنْعَطِفُ بَعْضُهُ عَلى بعض. والْمُرْسَل: المتروكُ على طَبيعَتِه دُون ضَفْرٍ وَلاَ تَثْنِيَةٍ وَلاَ تَجْعِيد.
* كلمة "الْعَشَنْزَر" وهي بمعنى الشَّديد الْخَلْقِ العظيم من كلّ شيء، وَيقال: ضَبُعٌ عَشَنْزَرَة، أَي: سيِّئةُ الْخُلُق.
* كلمة "الابْرِغْشَاشِ" بمعنى الْبُرْءِ من الْمَرَض.
* كلمة "الخَنْشَلِيل" بمعنى الْمُسِنّ من الناس والإِبل، وبمعنى الجيّد الضرب بالسيف.
***
ثانياً:
شرح العيب الثاني: "الغرابة" الغرابة في الكلمة كونُها غير ظاهرة المعنى ولا مألوفةِ الاستعمال عند فُصحاء العرب، وبلغائهم، في شعرهم ونثرهم، لاعند
стр. 107
المولّدين ومَن بعدهم، فأكثر الكلام العربي الفصيح غريب عند غير فصحاء العرب وبلغائهم.
والغرابة إمّا تكون بسبب نُدْرة استعمال الكلمة عند العرب، وإمّا أن تكون بسبب أنّ التوصّل إلى المراد منها في الكلام يحتاج إلى تخريج مُتكَلَّف بعيد.
ومثَّلُوا للغريب النادر بما يلي:
* كلمة "مُسْحَنْفِرَة" بمعنى "متّسِعَة".
* وكلمة "بُعَاق" بمعنى "مطر".
* وكلمة "جَرْدَحْل" بمعنى "الوادي".
* وفُلانٌ جُحَيْشُ وَحْدِهِ، أي: عَيِيُّ الرّأْي يَسْتَبِدُّ بِهِ، وهذا ذَمٌّ.
* وكلمة "مُشْمَخِرّ" إذا استعملتْ فِي النَّثْر، وهي بمعنى "العالي".
ومثَّلُوا للغريب الذي يحتاج إلى تخريجٍ مُتكلَّف بعيدٍ لمعرفةِ المقصود به، بقول رؤبة بْنِ العجّاج يصِفُ الأنْفَ بكلمة "مُسَرَّج" فقال ابْنُ دُرَيد: هو من قولِهِمْ للسُّيوف سُرَيجيّة، أي: منسوبة إلى حدّادٍ يُسَمَّى سُرَيجاً، فهو يريد تشبيه الأنْفِ في دقَّتِهِ واستوائِه بالسَّيْفِ السُّرَيجيّ، وقال ابْنُ سِيدَه، صاحبُ المحكم: هو من السِّرَاج، فهو يريد تشبيهَ الأنْفِ في بريقه ولمعانه بالسِّراج.
أقول: ويكثر هذا التكلُّفُ الممجوجُ عند كثير من الشعراء والكتاب المبتدئين، فلا يُعْرَفُ الْمُرادُ من مفرداتهم، إلاَّ بسؤالهم عَنْ مقاصِدهم منها.
***
ثالثاً:
شرح العيب الثالث: "مخالفة الكلمة للقياس" أي: سوقُ الكلمة مخالفةً للقياسِ النحويّ أو الصّرفيّ، ومن أمثلة ما هو مخالف للقياسِ في الكلمة فكُّ
стр. 108
الحرف المضعّف في الكلمة التي يقتضي القياسُ فيها إْدغامَهُما بحرفٍ مُشَدَّدٍ، نحو:
* كلمة "الأجْلَلِ" والقياسُ أَنْ يُقَالَ فيها الأجَلّ.
ومنه قول أبي النّجم بن قُدامة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الأَجْلَلِ ... أَنْتَ مَلِيكُ النَّاسِ ربّاً فَاقْبّلِ
وممّا هو مخالف للقياس جمع "فاعل" وصفاً لمذكر عاقل على "فَواعل: قالوا: ومنه استعمال الفرزدق نواكس جمعاً لناكسٍ وصفاً لمذكّر عاقل في قوله:
وإِذَا الرّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيتَهُمْ ... خُضْعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ
أقول: ما في شعر الفرزدق ليس مخالفاً للقياس، لأنه يريد أَنْ يصف الأبصار بالنواكس، أي: هي منكسرة ذليلة، لا أَنْ يصف الذكورَ العقلاء، عَلَى أن جمع ناكس على نواكس، ممّا اسْتُعْمِل شاذاً عن القياس عند العرب، كما قالُوا في فَارسٍ فوارس، وفي هالِكٍ هَوَالِكَ.
وممّا هو مخالف للقياس استعمال هَمْزَةٍ القطْعِ بدلَ همزة الوصْل، واستعمال همزة الوصل بدل همزة الْقَطْعِ، ويكثُرُ مثُلُ هذَا في الشِّعْرِ لِمُرَاعَاةِ الوزن.
ومنه قول جميل:
ألاَ لاَ أرَى "إثْنَيْنِ" أحْسَنَ شِيمَةً ... عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ
فقطع همزة "اثنين" مع أنّها همزة وصْل، وحدَثان الدهر نوائبه، وأراد بِكَلِمَةِ "جُمْلِ" فَرَسَهُ أو جَمَلَه.
***
رابعاً: شرح العيب الرابع: "كون الكلمة مكروهةً في السمع" أي: كونُها ممجوجةً في الأسماع، تأنف منها الطّباع، خشنَةً وَحْشِيَّةً.
стр. 109
ومثَّلوا لهذا العيب، بنفور السمع عن كلمة "الْجِرِشَّى" بمَعْنَى "النفس" فعابوا على أبي الطيّبِ المتنبّي استعمالَها في قَوْلِهِ يمدحُ سيف الدولة:
مُبَارَكُ الاسْمِ أغَرُّ اللَّقَبْ ... كَرِيمُ الْجِرِشَّى شَرِيفُ النَّسَبْ
كَرِيمُ الجِرِشَّى: أي: كريمُ النفس.
أقوال مأثورة اشتملت على مفرداتٍ غير فصيحة لِعَيْبٍ ما فيها:
(١) كتب بعض أُمَراء بغداد رُقْعةً طرحها في المسجد الجامع حين مَرِضتْ أُمُّهُ، جاءَ فيها:
"صِينَ امْرُؤٌ وَرُعِي، دَعَا لاِمْرَأةٍ إِنْقَحْلَةٍ مُقْسَئِنَّةٍ، فَقَدْ مُنِيَتْ بِأَكْلِ الطُّرْمُوخِ، فَأَصَابَهَا مِنْ أجْلِهِ الاسْتِمْصَالُ، أَنْ يَمُنَّ اللهُ عَلَيْهَا بِالاطْرغْشَاشِ والابْرِغْشاشِ".
إنْقَحْلَة: أي: مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ يَبِسَ جلْدُهَا وسَاءَ حَالُها.
مُقْسَئِنَّة: أي: كبيرة السّنّ، ليس لها قدرة على الحركة.
الطُّرْمُوخ: الْخُفَّاش.
الاسْتِمْصَال: إسهالُ الطبيعة.
الاطرغْشَاش والابرغْشاش: كلاهما بمعنى البرء من المرض.
(٢) جاء في خُطْبَةٍ لابْنِ نُبَاتة، يَذْكُرُ فيها أَهْوَالَ يَوْمِ القيامة، قولُه:
"اقْمَطَرَّ وَبَالُهَا، واشْمَخَرَّ نَكَالُهَا، فَمَا سَاغَتْ وَلاَ طَابَتْ":
أقْمَطَرَّ وَبَالُهَا: ِأي: اشتَدَّ وعَظُمَ ثِقَلُها.
واشْمَخَرَّ نَكَالُهَا: أي: اشْتَدَّ وارتَفَعَ وعَظُمَ عِقَابُهَا.
فَمَا سَاغَتْ وَلاَ طَابَتْ: أي فَمَا سَهُلَتْ ولاَ كانَتْ طيّبَة.
(٣) قال امرؤ القيس حين أَدْركتْهُ المنيَّةُ، وَكان قَدْ ذَهَبَ إلى مَلِكِ الرُّومِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى قَتَلَةِ أَبيه:
стр. 110
"رُبَّ جَفْنَةٍ مُثْعَنْجِرَةٍ، وَطَعْنَةٍ مُسْحَنْفِرَةٍ، وَخُطْبَةٍ مُسْتَحْضَرَةٍ، وَقَصِيدَةٍ مُحَبَّرَةٍ، تَبْقَى غداً بِأَنْقِرَةٍ".
رُبَّ جَفْنَةٍ مُثْنْجِرَةٍ: أي: رَبِّ قَصْعَةِ طَعَامٍ مَلأَى.
وطَعْنَةٍ مُسْحَنْفِرَةٍ: أي: ورُبَّ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ في الْقِتَالِ واسِعَةٍ.
(٤) رُوي أنَّ أُمَّ الهيْثَمِ الأَعْرَابِيَّةَ قَالت لأَِبي عُبَيْدَة الرَّاوِية، حِينَ عَادَهَا فِي علَّةٍ أصابَتْها:
"كُنْتُ وَحْمَى سَدِكَةً، وَشَهِدْتُ مَأْدُبَةً، فَأَكَلْتُ جُبْجُبَةً مِنْ صَفِيفِ هِلَّعَةٍ، فَاعْتَرَتْنِي زُلَّخَةٌ".
فَقِيلَ لَهَا: أيَّ شَيْءِ تُقُولِينَ؟
فقالَتْ: أَوَ لِلنَّاسِ كَلاَمَانِ، والله مَا كَلَّمْتُكُمْ إِلاَّ بالْعَرَبِيِّ الْفَصيح.
كُنْتُ وَحْمَى سَدِكةً: وَحِمَتِ الْحُبْلَى، إِذا اشْتَهَتْ شيئاً عَلَى حَبَلِهَا، فَهِي وَحْمَى. سَدِكَةً: أي: مُولَعَةً بِنَوْع طَعَامٍ لِوَحَمِهَا. وَشَهِدْتُ مَأْدُبَةً: المَأدُبَةُ: الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ لِدَعْوَةِ. جُبْجُبَةً: الْجُبْجُبَةُ: الكَرِشُ يُجْعَلُ فيها اللّحم المقطَّعُ، ويُغْلَى ثُمَّ يُقَدَّدُ. من صَفِيفِ هِلَّعَة: الصّفِيفُ: رقائقُ اللَّحْم تُشْوَى. والْهِلَّعَةُ: الأنْثَى مِنْ أولاد المعز والغنم. فاعْتَرَتْنِي زُلَّخَةٌ: الزُّلْخَةُ: داءٌ يأخُذُ فِي الظَّهْرِ والجنب.
***
فصاحة الكلام
وأمَّا الكلامُ الفصيح: فهو عند علماء البلاغة ما كان سهْلَ اللفظ، واضح المعنى، جيّد السَّبكِ، متلائم الكلمات، فصيح المفردات، غير مُسْتكْرَهٍ ولا مَمْجوجٍ ولا مُتكَلَّف، ولا مخالفٍ لقواعد العرب في نحوها وصرفها، وغير خارج عن الوضْعِ العربي في مفرداته وتراكِيبِه، وليس في كلماته تنافر، وليس فيه تعقيدٌ لفظيٌّ، ولا تعقيدٌ معنويّ.
следующие страницы →