Полный текст (1 115 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أي: فَغَشِيَى فرعَوْنَ وجُنُودَه من الْيمّ مَا غَشِيَهُمْ منْ أمْرٍ مَهُولٍ جدّاً، فدَلَّ الإِبهام في الموصول وصلته عَلى عِظم الأمر المهول الذي غشيهُمْ.
* ونظيره قول الله في سورة (النجم/ ٥٣ مصحف/ ٢٣ نزول) :
﴿والمؤتفكة أهوى * فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [الآيات: ٥٣ - ٥٤] .
المؤتفكة: أي: المنقلبة، وهي قُرَى قوم لوط.
فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى: أي: فنزل عليها من فوقها شيءٌ مهولٌ عظيم سترها كلَّها فدمّرها تدميراً شاملاً، فدلّ الإِبهام في الموصول وصتله على عِظَم الأمر المهول الذي غشَّى قرى قوم لوط المنقلبة عاليها سافلها.
* وقول الله في سورة (النجم) أيضاً بشأن تفيخم وتَعْظِيم ما يَغْشَى سِدْرَةَ المنتَهَى، فوق السماوات السّبع:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى * عِندَ سِدْرَةِ المنتهى * عِندَهَا جَنَّةُ المأوى * إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ [الآيات: ١٣ - ١٦] .
أي: إذْ يَغْشَى السّدْرة شيءٌ فخم عظيم لا تستطيع الأوهام أن تتخيّله.
***
الداعي السادس: الإِشارة إلى أنّ الوصف الذي دلّت عليه صلة الموصول هو علة بناء الحكم في الجملة، هذا نظير قول علماء أصول الفقه: بناء الحكم على المشتقّ يُؤْذن بعلّيّة ما منه الاشتقاق.
والإِشارة أيضاً إلى أن الوصف الذي دلّت عليه صلة الموصول يقتضي الالتزام بالتكليف الذي يأتي بعده.
والأمثلة على هذا الداعي بفرعيه كثيرة في القرآن المجيد، فمنها ما يلي:
* قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
стр. 422
﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الآية: ١٧٧] .
أي: هذا الجزاء الكريم لهم إنّما هو بسبب اتصافهم بالإِيمان والعمل الصالح وَإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
* وقول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) :
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [الآية: ٥٦] .
أي: هذا العذاب الأليم لهم إنّما يكون بسبب كفرهم بآياتِ الله.
* وقول الله في سورة (الحشر/ ٥٩ مصحف/ ١٠١ نزول) :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الآية: ١٨] .
أي: إنّ إيمانكم بالله واليوم الآخر يقتضى منكم الالتزام بطاعة الله، لتَتَّقُوا عذابه يوم الدين.
***
الداعي السابع: قد يُتَّخَذُ اسم الموصول مع صلته ذريعة لتعظيم الموصوف به، إذ اتّصافُه بما تضمَّنته صلة الموصول من وصفٍ عظيم أمرٌ يدلُّ على أنّه عظيم، كأن تقول: الذي خَلَقَ السماوات والأرض وأتقن كلّ شيءٍ صُنْعاً هو إلهنا. فَوَصْفُهُ كَأنَهُ هو الخالق المتقن لكلّ شيءٍ يَدُلُّ على عظمته وجلاله واستحقاقه أن يُعْبَد ويُفْرد بالعبادة.
وقد يُتَّخَّذُ ذَرِيعةً للتعريض بالمنزلة الرفيعة للمتكلّم، أو فخامة شيءٍ يتعلّق به، أو نحو ذلك، كأن تقول: الذي بنَى قصر الملك هو الذي بنَى قَصْرِي، تشير إلى فخامة بناء قصرك، وأنّك ذو مكانة رفعية.
стр. 423
ومنه قول الفرزدق من قصيدة يفتخر بها على جرير:
إِنَّ الذي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ
وقد يُتَّخَذُ ذريعة للتخويف من عقاب الموصوف به، والتحذير الشديد من مخالفته، ومنه قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) في حكاية ما قال شعيب ﵇ لقومه:
﴿واتقوا الذي خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين﴾ [الآية: ١٨٤] .
والجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ: أي: الأمَّةَ الأَوّلِينَ من الناس.
والمعنى أنّ خالق الناس جميعاً يجب أن يُتَّقَى عقابُه، إذ هو على كلّ شيءٍ قدير.
***
الداعي الثامن: إرادة تنبيه المخاطب على خطأٍ واقع فيه، بما تضمّنَتْه صلة الموصول مما يخالف معتقده، ومنه قول عَبْدَة بْنِ الطبيب من قصيدة يَعِظُ فيها بَنِيه:
إِنَّ الَّّذِينَ تَرَوْنَهُمُ إِخْوَانَكُمْ ... يَشْفِي غَليلَ صُدُورِهِمْ أَنْ تُصْرَعُوا
غَلِيلَ صُدُورهم: أي: غيظ صدورهم منكم.
أَنْ تُصْرعُوا: أي: أن تَهْلِكُوا وتَمُوتُوا.
***
الداعي التاسع: قصد الدلالة على معانٍ تتضمنها صلة الموصول، وهذه المعاني لا تدلُّ عليها المعارف الأخرى، ولا حصر لهذه المعاني.
وبعض هذه المعاني يُشعر بتعظيم من دلّ عليه اسم الموصول، وما يجب تجاهه، مثل: ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] .
وبعضها يشعر بالتّهكُّم، مثل قول المشركين للرسول ﷺ كما جاء في سورة (الحجر/١٥ مصحف/ ٥٤ نزول) :
стр. 424
﴿وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الآية: ٦] .
وبعضها يُشْعر بالحثَّ على الرحمة والمعونة والإِحسان، مثل: أسعفوا الّذِين يتعرّضون للتقتيل والتشريد والجوع والظمأ والمرض من مسلمي البوسنة والهرسك على أيدي الصِّرْبِ الهمج.
***
خامساً - دواعي اختيار المعرّف باللاّم:
(١) مقدمة
الاسم المعرّف باللاّم [وقَدْ يستعمل النحاة عبارة المعرّف أو المحلّى بـ"ال"] تدخل عليه أداة التعريف هذه فتدُلُّ على مَعَانٍ متعدّدة، تختلف باختلاف المراد منها الذي تكشفه القرائن اللفظية أو غير اللفظية.
وقد أحْصَى النحاة وتبعهم البلاغيون المعانيَ التي يُمْكن أن تستفاد من هذه الأداة من أدوات التعريف.
ونبَّه البلاغيون على أن المتكلّم البليغ قد يختار في كلامه الاسم المعرّف باللاّم دون المعارف الأخرى التي تَصلُح بدائل له، للدّلالة على معنى يقصده من المعاني التي يمكن أن تستفاد من أداة التعريف هذه، مع قصْدِ الإِيجاز في التعبير.
ونلاحظ أنّه كلّما كان المتكلّم أكثر إحساساً بفروق المعاني، وأكثر تذوّقاً لفروق العناصر الجمالية في الكلام، وأكثر إدراكاً لمطابقة الكلام لمقتضى الحال، كما أحْسَنَ اختياراً من البدائل التي يَصْلُح كلُّ منها لأداء أصل المعنى المقصود بوجه عامّ، وبسبب ذلك تتفاوت مراتب الكلام البليغ ودرجات كلّ مرتبة منها، وتتفاضل مراتب البلغاء ودرجاتهم في إنشاء الكلام البليغ والإِبداع فيه.
***
стр. 425
(٢) تقيسم لام التعريف
قسّم النحويّون اللاّم التي تدخل على الاسم فتفيده تعريفاً إلى قسمين: اللاّم الجنسية، واللاّم العهدية:
أمّا اللاّم الجنسيّة: (وقد تُسمَّى عند البلاغيين لام الحقيقة) فهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: اللاّم التي لبيان الحقيقة والماهية، وهي التي لا يصحّ أنْ يستعمل بدلَها كلمة "كلّ" فيشارُ بها إلى الحقيقة الشائعة في الأفراد، دون النظر إلى الدّلالة على عُمومٍ أو خصوص.
ومن الأمثلة على هذا النوع ما يلي:
* قول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) :
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الآية: ٣٠] .
أي: وجعلنا من ماهيّةِ جنْسِ الماء كلَّ شيء حيّ، فإرادة حقيقة الماء وماهيته تستبعد إرادة كُلِّ الماء على سبيل الاستغراق، والقرينَةُ على إرادة الحقيقة والماهيّة دون الاستغراق الواقعُ المشاهد، فالأحياء يدخل في تركيب أجسادها عنصر الماء، مع وجود مياه منفصلة عن الأحياء، ومياه لم تخلق منها أحياء بعد.
стр. 426
* والقول المشهور: "أهلك النّاسَ الدِّينارُ والدّرْهم" أي: أهلك جنْسَ الناس لا كلَّ أفرادهم جنْسُ الدينار وجنسُ الدرهم، لا كُلُّ دينار وكلّ دِرْهم.
* ويمثلون بعبارة: "الرَّجُلُ خَيْرٌ من الْمَرْأة" أي: جنْسُ الرجُلِ وماهيَّتُه خيرٌ من جنس المرأة وماهيتها، لا كُلُّ فردٍ من أفراد الرجال خير من كلّ امرأة، إذْ بعض النساء أفضل من مئات الألوف من الرجال.
* ومنه قول أبي العلاء المعرّي:
وَالْخِلُّ كَالْمَاءِ يُبْدِي لِي ضَمَائِرَهُ ... مَعَ الصَّفَاءِ وَيُخْفِيهَا مَعَ الكَدَرِ
أي: جِنْسُ الْخِلّ يَفْعَلُ هذا، دون ملاحظة استغراق جميع الأخِلاّء، إذْ قد يوجَدُ منهم من هو على خلاف ذلك.
النوع الثاني: اللاّم لاستغراق أفراد الجنْسِ كلّهِم حقيقةً أَوْ عرفاً، وهي الّتي تدلُّ على ما تدُلُّ عليه لفظة "كُلَّ" لو كانت بدلها.
فمن أمثلة الاستغراق الحقيقي ما يلي:
* قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) :
﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [الآية: ٢٨] .
أي: وخلق كلّ فرد من أفراد جنس الإِنسان ضعيفاً، والواقع يشهد لإِرادة هذا الاستغراق.
* وقول الله في سورة (السجدة/ ٣٢ مصحف/ ٧٥ نزول) :
﴿ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾ [الآية: ٦] .
أي: عالم كلّ غيب وكلّ شهادة، والدليل العقلي يقرّر هذا الاستغراق. ومن أمثلة الاستغراق العرفي ما يلي:
стр. 427
* قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ ... ﴾ [الآية: ١١٣] .
أي: سحرة مملكته، لا كلُّ سَحَرَة العالم.
ومنه أن تقول: جمع وزير الصحة الأطباء والصيادلة، أي أطبّاء الدولة وصيادلَتَها.
ويلاحظ في الاستغراق أنّ استغراق المفرد أشمل من استغراق المثنى والجمع، بدليل صحة قولنا: لا رجلان في الدار، إذا كان فيها رجل واحد، وصحة قولنا: لا رجال في الدار، إذا كان فيها رجل أو رجلان.
ويلاحظ أيضاً أنَّهُ لاَ تنافي بين الاستغراق وإفراد الاسم، لأنّ حرف اللام يدخل عليه مجرّداً عن معنى الوحدة، فيكون لفظ المفرد المعرّف باللام بمعنى: كُلّ فرد، لا بمعنى: مجموع الأفراد، ولهذا امتنع وصفه بلفظ الجمع، فلا يقال: الرَّجُلُ المؤمنون أفضل من الرجل غير المؤمنين، بل يقال: الرجل المؤمن أفضل من الرجل غير المؤمن، أي: كلّ رجل مؤمن أفضل من كلّ رجل غير مؤمن.
النوع الثالث: اللاّم التي لاستغراق صفاتِ الجنْسِ مجازاً على سبيل المبالغة، كأن تقول لمن تريد الثناء عليه باستجماعه صفات الرجولة الكاملة: "أنت الرَّجُل" أي: أنت المستغرق في صفاتك صفات جنس الرجال.
وكأن تقول مثلاً عن المتنبّي: "هو الشاعر" أي: هو الذي اجتمعت فيه كلُّ صفات الشاعر، فكأنه استغرق الجنْسَ كلّه.
ومنه قول الشاعر: "أَنْتُمُ النَّاسُ أَيُّهَا الشُّعَرَاءُ".
***
وأمّا اللاّم العهدية: فهي ثلاثة أنواعٍ أيضاً:
стр. 428
النوع الأول: اللاّم الّتي للعهد الذكريّ، وهي الَّتِي يتقدَّم المعرَّفَ بها ذكْرٌ في الكلام، وضابطها أن يسُدّ الضمير مسَدَّه.
والمعهود في الذكر قد يكون مذكوراً صراحةً باللّفظ، وقد يكون مذكوراً على سبيل الكناية.
* فمن أمثلة المذكور صراحة بلفظه ما يلي:
قول الله في سورة (المزمل/ ٧٣ مصحف/ ٣ نزول) :
﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فعصى فِرْعَوْنُ الرسول فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [الآيات: ١٥ - ١٦] .
وَبيلاً: أي: شديداً.
فاللاّم التي في (الرسول) عهديّة، ونلاحظ أنّه يمكن أن يقع الضمير موقع لفظ الرسول فيقال: فعصاه فرعون، ويلاحظ أن اختيار المعرّف باللام العهديّة هنا إرادة ذكر لفظ الرّسول لبيان شناعة معصية فرعون لرسول ربّه.
* قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :
﴿*الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [الآية: ٣٥] .
فاللاّم في "الْمِصْبَاح" وفي "الزجاجة" عهديّة، ونلاحظ أنَّه يمكن أن يقع الضمير موقعهما، فيقال: فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكبٌ دُرِّي. ولكِنْ تَضْعُفُ فنيَّةُ الأداء البياني لو استخدم الضمير بدل الْمُعَرَّف باللاّم، فالداعي هنا جماليّ.
ومن أمثلة المذكور على سبيل الكناية ما يلي:
* ما جاء في قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) :
стр. 429
﴿إِذْ قَالَتِ امرأت عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ [الآيات: ٣٥ - ٣٦] .
إنَّهُ لم يسبق ذكر لفظ الذَّكَرِ صراحةً، لكنه سبق ذكره على سبيل الكناية، لأنّها قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] وعتق الوليد لخدمة بيت المقدس لم يكن إلاَّ للذكور، فلفظ "ما" في كلامها قد كَنَّتْ به عن وليد ذكر، فلمَّا جاء الوليد أنْثَى قالت: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦] .
النوع الثاني: اللاّم التي للعهد الذهني: ويُسمَّى أيضاً "العهد الْعِلْميّ" وهي التي سبق العِلْمُ بالمعرَّف بها.
وهو قسمان: معهود ذهناً بشخصه المعيّن. ومعهود ذهناً بحَقيقته ضمن فرد مُبْهَم غير معَيّن بشخصه، والمعرَّفُ بهذه اللام للدّلالة على حقيقته ضمن فرد مبهم لفظٌ يعامل معاملة المعرفة، ولكن معناه يُعامَلُ معاملة النكرة، لأن المعهود بها غير معيَّنٍ بشخصه.
ومن أمثلة المعهود ذهناً بشخصه المعين مايلي:
* قول الله في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) :
﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ياموسى * إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾ [الآيات: ١١ - ١٢] .
إنّه لم يَسْبِق ذِكْرٌ للفظ "الوادي" لكن سبق العلم به، فهو معهود ذهناً، فاللاّم المعرّفة له هي للعهد الذهني " = العهد العلمي".
* وقول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) خطاباً للمؤمنين تحريضاً لهم على نصرة الرسول:
стр. 430
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار ... ﴾ [الآية: ٤٠] .
إنَّه لم يسبق ذكر للفظ "الغار" لكن سبق العلم به، فهو معهودٌ ذهناً، فالاّم المعرّفة هنا هي للعهد الذهني " = العهد العلمي".
* وقول الله في سورة (الفتح/ ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول) :
﴿*لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الآية: ١٨] .
فالشجرة مَعْهُودَةٌ ذِهْناً، دون أن يسبق في النصّ لها ذكر.
ومن أمثلة المعهود ذهناً بحقيقته ضمن فرد مبهم غير معين بشخصه ما يلي:
* ما جاء في قول الله في سور (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكايةً لمقالة يعقوب لبنيه بشأن يوسف ﵉.
﴿قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [الآية: ١٣] .
لفظ "الذئب" يطلق على أيّ ذئب فمعناه كمعنى النكرة، فماذا فعلَتْ اللام المعرّفة فيه؟ قالوا: عرَّفَتْ الحقيقة الملاحظة في الذهن، ولم تُعَرِّفْ ذِئباً معيّناً بشخصه، وهذه الحقيقة الذهنية الواحدة تنطبق على ذئبٍ ما أيّ ذئب.
* ومنه قول عُمَيرة بن جابر الحنفي:
وَلَقَد أَمُرُّ علَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثَمَّتِ قُلْتُ: لاَ يَعْنِينِي
فتعريف لفظ "اللئيم" تعريف للحقيقة الملاحظة في الذهن كما قالوا.
стр. 431
* ومنه أن تقول لمن تخاطبه: اذهب إلى السّوق واشتر منه حاجتك.
النوع الثالث: اللاّم الّتي للعهد الحضوري، وهي التي يكون المعرَّفُ بها حاضراً عند التكلّم، ومن أمثلة هذا النوع ما يلي:
* قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) :
﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ... ﴾ [الآية: ٣] .
فاللاّم التي في لفظ "اليوم" المعرِّفة له تُشِير إلى اليوم الحاضر الذي نزلت فيه الآية، وكان يوم عرفة في حجّة الرسول ﷺ .
* قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) في عرض لقطاتٍ من قصة موسى ﵇ وفرعون:
﴿وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين * فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هاذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الآيات: ١٠٤ - ١١٠] .
فالظاهر أنّ اللاّم في لفظ "الْمَلإِ" المعرّفةَ تُشِيرُ إل الْمَلإِ الحاضرين فِي مَجْلِسِ فِرْعَوْن حِينَ قدَّم مُوسَى ﵇ آيتيه لفرعَوْن، إذْ يحتمل أن يوجد في مصر مَلأٌ آخرون غيرهم لم يكونوا حاضرين في مجلسه حِنئذٍ.
* وتصل إلى دارٍ لتقابل صاحبها فتناديه: افتح الباب، فاللام في لفظ "الباب" عهدية تشير إلى الباب الموجود في مكان الحضور، فهي من الّتي للعهد الحضوري.
стр. 432
وتريد أن تشرب ماءً، فتقول لمن تخاطبه: ناولني الكأسَ، أي: الكأس الحاضرة في مجلس المخاطبة.
إلى غير ذلك من أمثلة.
وببيان قسْمَي اللاّم المعرفة وأنواعها ودلالات كلِّ نوع منها، يتّضح لنا أن على المتكلّم البليغ أن يختار لكلامه ما يلائم المعنى الذي يريد أن يعبّر عنه، ما يراه أكثر بلاغة ممّا يطابق مقتضى الحال.
وأنّ على متفهم النصوص البليغة أن يكتشف أسرار الاختبارات الحكيمة في الكلام البليغ، وأن يكون قادراً على النقد الكاشف للمحاسن والعيوب في الكلام.
ملاحظة:
لم أتعرّض هنا لما يسمَّى "اللاّم الزائدة: مثل "ال" في نحو "اللاّت والعزّى" وفي نحو "الآن" وفي نحو "اليزيد" والداخلة على الأعلام، مثل: "الحسن والحسين".
ولم أتعرّض لما يُسمَّى "اللام الموصولية" التي تأتي بمعنى "الذي" وهي التي قد تدخل على اسم الفاعل، أو اسم المفعول، على مَعْنَى الذي، فهي حينئذٍ اسم موصول في صورة حرف، وصِلَتُها الوصف الذي دخلَتْ عليه، مثل: جاء الضاربُ أخاك، أي: الذي ضرب أخاك.
لم أتعرّض لهما لأنهما بطبيعتيهما خارجتان عن اللام الّتي تدخل على الاسم فتعرّفه، وإِنْ كانتا مُتشابهتين لها في دخولهما على بعض الأسماء مثل دخولها.
فدواعي اختيار المعرّف باللاّم ترجع إلى قصد الدلالة على معنىً من معانيها مع الاختصار والإِيجاز، ومع دواعي أخرى يقصد إليها البليغ، كالتأكيد، والإِشارة إلى عظمة المعرّف بها، أو حقارته، أو إرادة التذكير به، أو بسالف عهد معه، إلى غير ذلك من أغراض يصعب إحصاؤها.
***
стр. 433
سادساً - دواعي اختيار المعرَّف بالإِضافة:
(١) مقدمة
ذكر النحويّون أنّ الإِضافة قسمان: لفظيّة، ومعنوية.
فالإِضافة اللفظية: وتسمّى أيضاً "الإضافة المجازية - والإِضافة غير المحضة" هي الّتي لا تفيد المضافَ تعريفاً ولا تخصيصاً، والغرض منها التخفيف في اللفظ فقط بحذف التنوين من المضاف، أو حذف نوني التثنية والجمع ويُجَرُّ المضاف إليه فيها، والمضاف إليه فيها فاعل المعنى للمضاف أو مفعول به، إذ المضافُ فيها ينبغي أن يكون ممّا يعملُ عَمَل الفعل، والجرّ على تقدير حرف تعدية فقط، مثل: سعيد طالبُ علمٍ، أي: يطلبُ علماً. والحُسَيْنُ مَهْضُومُ الحقِّ، أي: هُضِمَ حقُّه. ومُصْعَبٌ حَسَنُ الْخَلْقِ والْخُلُقِ، أي: حَسُنَ خَلْقُهُ وخُلُقه.
وهذه الإِضافة اللفظية، لا تَدخُلُ في دواعي اختيار المعرَّف بالإِضافة عند البلاغيين، بل هي من مُلْحَقَاتِ متعلقاتِ الفعل.
أمّا الإِضافة المعنوية: وتسمّى أيضاً "الإِضافة الحقيقية - والإِضافة المحضة" فهي نِسْبَةٌ تكون بين اسْمَيْن مقترنين على تقدير حرف جرّ ذي معنىً بينهما، ويُنَزَّلُ الثّاني منهما مَنْزِلة التنوين من الأوّل، وهي توجب جرّ الثاني دواماً، مثل: كتَابُ اللهِ المعجزُ دليلٌ على نُبُوَّةِ مُبَلِّغِهِ وأنَّهُ رسُولُ الله لِجَمِيعِ النّاس.
ويسمَّى الأول منهما مضافاً، ويُسَمَى الثاني مضافاً إليه، والجارّ للمضاف إليه هو المضاف.
وحرف الجرّ المقدّر بينهما واحدٌ من حروف الجرّ الأرْبعة التالية:
الأول: "اللاّم" التي تفيد الملك مثل: "هذا كتابي" أي كتابٌ مِلْكي، أو تفيد الاختصاص، مثل: "هُنَا مَرْبطُ الفرس" أي: مربط متخصّص بالفرس.
стр. 434
الثاني: "من" البيانيّة، ويكون المضاف إليه فيها جنساً للمضاف، مثل: "سوار ذَهَبٍ - خاتمُ فضْةٍ - ثوبُ قُطْنٍ". أي: سوارٌ من ذهب، وخاتم من فضة، وثوب من قطن.
الثالث: "في" الظرفية، ويكون المضاف إليه فيها ظرفاً للمضاف مثل: "سَهَرُ اللّيْلِ مُضْنٍ - عَمَلُ الصَّبَاح مباركٌ فيه - قُعُودُ الدار يجلب الأكدار" أي: سَهرٌ في اللّيل، وعملٌ في الصباح، وقُعُود في الدار.
الرابع: "كاف التشبيه" ويكون فيها المضافُ مشبَّهاً به، والمضاف إليه مشبَّهاً، مثل: "تساقط لُؤْلُؤُ الدَّمع على ورد الخدود" أي: تساقط الدمْعُ الذي كاللُّؤلؤ، على الْخُدُودِ الّتي كالْوَرْدِ، هذه الإِضافة هي من إضافة المشبّه به إلى المشبه، وملاحظة كاف التشبيه فيها تكون بعد عكس ركني الإضافة.
وهذه الإِضافة المعنوية تفيد واحداً من أمرين:
الأول منهما: تعريف المضاف بالمضاف إليه، إذا كان المضاف إليه فيها واحداً من المعارف، مثل: "مَسْجدُ الرسولِ محمّد ﷺ " و"تَلوْتُ صفحةً من كِتَابِ اللهِ" إلاَّ أن يكون المضاف متوغلاً في الإِبهام والتنكير مثل: "غير" أو يكون المضاف إليه ضميراً يعودُ على نكرة.
الثاني منهما: تخصيص المضاف بالمضاف إليه، إذا كان المضاف إليه فيها نكرةً من النكرات، مثل: سيف فولاذ أقوى وأصلَبُ من سيف فضّة، أو ضميراً يعودُ على نكرة، مثل: طرق بابي مستوِّلٌ وزوجته. واشتريت ناقةً وَفَصِيلَهَا.
***
ملاحظة: الإضافة التي هي تقدير كاف التشبيه يمكن إدْخالها في الإضافة على تقدير "من" على اعتبار أن لفظ المضاف أُخِذ على سبيل الاستعارة وأُطلق على معنى المضاف إليه، والعلاقة هي التشبيه.
ولهذا اقتصر معظم النحاة على تقدير "اللاّم ومن وفي" بين المضاف والمضاف إليه.
стр. 435
(٢) بيان الدواعي
أمّا دواعي التعريف بالإِضافة الحقيقة فقد ذكر البلاغيون طائفة منها، وفيما يلي بيانٌ لها.
الداعي الأول: كون الإِضافة أخصر طريق وأوجزه، والمقام يقتضي الاختصار والإِيجاز.
ومن الأمثلة:
* قول جَعْفَر بن عُلْبَة الحارثِي:
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانينَ مُصْعِدُ ... جَنِيبٌ وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ
عَجِبْتُ لِمَسْرَاهَا وَأنَّى تَخَلَّصَتْ ... إِلَيَّ وَبَابُ السِّجْنِ دُونِيَ مُغْلَقُ
ألَمَّتْ فَحَيَّتْ ثُمَّ قَامَتْ فَوَدَّعَتْ ... فَلَمَّا تَوَلَّتْ كَادَتِ النَّفْسُ تَزْهَقُ
فَلاَ تَحْسَبِي أَنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكُمْ ... لِشَيْءٍ وَلاَ أَنِّي مِنَ الْمَوْتِ أَفْرَقُ
وَلاَ أَنَّْ قَلْبي يَزْدَهِيهِ وَعِيدُهُمْ ... وَلاَ أَنَّنِي بِالْمَشْي في الْقَيْدِ أَخْرَقُ
وَلَكِنْ عَرَتْنِي مِنْ هَوَاكِ ضَمَانَةٌ ... كَمَا كُنْتُ أَلْقَى مِنْكِ إذْ أَنَا مُطْلَقُ
مُصْعِد: من "أصْعَدَ" إذا ارْتقى في أرضٍ آخذةٍ في العلوّ والارتفاع، وقد كان سجينا في مكة، فزارته التي يهواها، ثم سافرت مع الركب المتجهين مُصْعِدِين إلى جهة اليمن.
الْجَنِيب: ما يقادُ إلى الجنب من الخيل وغيرها، شبّه هواه الصاعد مع الركب بالدابة التي تُقَاد إلى جَنْبٍ من مقودها، فتكون مرافقة للرّكب، وقصده مَنْ يهوى، فهي هواه، قالوا: وحسَّنَ هذا الاختصار أنّ الشاعر ضائق وسجين.
كادَتِ النَّفْسُ تَزْهَقُ: أي: تخرج من جسده.
تَخَشَّعْتُ: تذلَلت وتضرّعت.
стр. 436
أفْرَق: أخاف.
أخْرَقُ: أي: مذعور فَزعٍ مندهش.
ضمانَةٌ: أي: عِلَّةٌ لَزِمَتْنِي.
والشاهد الذي استشهد به البلاغيون قولُه "هَوَايَ" أي: التي أهواها، فأطلق عليها أنّها هي الهوى، وأضاف الهوى إلى ياء المتكلم، فقال: هَوَايَ مع الركب اليمانين مُصْعِد.
***
الداعي الثاني: كون الإِضافة تُغني عن تفصيلٍ متعذِّرٍ، أو متعسّر، ومن الأمثلة أن تقول: أجْمَعَ علماءُ المسلمين على رجْم الزّاني المحصن.
فتفصيل علماء المسلمين أمرٌ متعذّر.
ومن الأمثلة:
قول حسان بن ثابتٍ يمدح أولاد جفنة من الْغَسَاسِنَة، ويبدو أنّ هذا من شعره قبل الإِسلام:
أَوْلاَدُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبيهِمُ ... قَبْرِ ابْن ماريَةَ الْكَرِيمِ الْمُفْضِل
الْمُفْضِل: الْمُحْسِن بالعطاء، والزائد على غيره في الحسَبِ والشّرف.
وقول الشاعر يمدح قومه بني مطر:
بَنُو مَطَرٍ يَوْمَ اللِّقَاءِ كَأَنَّهُمْ ... أُسُودٌ لَهَا فِي غِيلِ خَفَّانَ أَشْبُلُ
في غِيل: الغِيلُ مَوْضِعُ الأسُود، والمجتمع من الشجر.
خفَّان: مأَسدةٌ قُرْبَ الكوفة.
أشْبُل: جمع شِبْل وهو وَلدُ الأَسد.
стр. 437
وقول الحارث الجرمي:
قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أَخِي ... فإذَا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمِي
ومع الاختصار ففي هذه الإِضافة معنَى التحسُّرِ لأنَّ من قَتَلَ أخاه هم قومُه الّذِينَ يَعِزُّ عليه أن يَنْتَقِم منهم، لأنَّه لو فعل لأصابَ بسَهْمِه نفسه.
***
الداعي الثالث: أن يشار بالإِضافة إلى تعظيم المضاف أو تعظيم المضاف إليه، ومن أمثلته ما يلي:
* قول الله في سورة (الإِسْرَاءِ/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) :
﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ... ﴾ [الآية: ١] .
* وقول الله في سورة (الجنّ/ ٧٢ مصحف/ ٤٠ نزول) :
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الآية: ١٩] .
لِبَداً: لِبَد جَمْعُ لِبْدَة، وهي لِبْدَةُ الأَسَدِ، أي: كاد مشركو مكة من كثرة تألُّبهم ضدَّه لمقاومة دعوته يكونون مثل لِبَدِ أُسود حوله.
فالإِضافة إلى الله في الآيتين تَشْرِيفٌ للمضاف عظيم.
* ومن تعظيم المضاف أن يقول ذو مكانة اجتماعية ومال كثير: هؤلاء أنصاري، وهذا السوقُ مِلْكِي، وقصور هذا الحيّ قصوري، فهو يُعظِّم نفسه بانصاره، وبما يملك.
***
стр. 438
الداعي الرابع: أن يُشار بالإِضافة إلى تحقير المضاف أو تحقير المضاف إليه، أو تحقير غيرهما.
فمن تحقير المضاف أن تقول عن عِقْدٍ تتفاخر به صاحبته: هذا عِقْدُ كَلْبِكِ.
ومن تحقير المضاف إليه أن ترى كوخاً حقيراً فتقول لمن تريد أهانته: هذا قصرك.
ومن تحقير غيرهما أن تقول لمن تريد إهانته وهو جالسٌ على كرسيّ مستكبراً: هذا كُرسيُّ الإِسكاف.
***
الداعي الخامس: أن تتضمّن الإِضافة معنىً يُقْصد ويُشار إليه بها، كالتحريض على الإِكرام، أو التحريض على الإِهانة والإِذلال، أو التحريض على البرّ، أو إرادة الاستهزاء والتّهكم، أو غير ذلك.
* فمن أمثلة التحريض على الإِكرام: هذا صديقُك يزورك.
* ومن أمثلة التحريض على الإِهانة والإِذلال: هذا عدُوّك مقبل إليك.
* ومن أمثلة التحريض على البرّ: هذا أبوك الذي ربّاك.
* ومن أمثلة إرادة الاستهزاء والتهكم: أن تقول لمن تسخر منه: هذا رَئيسُنَا وزعيمُنَا، مع أنّه لا يصلُح إلاَّ أن يكون تابعاً خادماً.
إلى غير ذلك من معانٍ لطيفة يمكن أن يُشارَ إليها بالإِضافة.
***
стр. 439
الفصل الخامس: التقييد وعَدَمه
(١) مقدّمة
أصلُ الإِسناد في الجملة يتحقّق بأقلّ ما يُطْلَقُ عليه أنَّه حُكْمٌ بشيءٍ على شيءٍ، كقولنا: "هذه شجرة - سعيد رجل - القَمَر بازغٌ - الشّمْس غائبة".
وكلّ زيادةٍ على ذلك ذاتِ دلالةٍ في الجملة تُعتَبَرُ زيادةً في إفادة معنىً أو أكثر، ويَقْصِد البلغاء إلى الإِتيان بها لتنمية الفائدة وتربيتها لدى مُتَلَقّي الكلام.
وبعضُ هذه الزيادات في المعاني قد تدلُّ عليها البدائل المختارة للمُسْنَد أو المسنَدَ إليه، كزيادة معنى الحدوث في الزمان الماضي لدى اختيار صيغة الفعل الماضي في المسنَد، وكزِيادة معنىَ الحدوث في الحال أو الاستقبال أو التجدّد لدى اختيار صيغةِ الفعل المضارع في المسند أيضاً، وكزيادة معنى الوصف لدى اختيار اسم الفاعل أو اسم المفعول أو الصفة المشبّهة في المسنَدِ، أو في الْمُسْنَد إليه، أو ما هو في حكم المسند إليه كالمفعول به.
وقد سبق في فصل التنكير والتعريف بيان طائفةٍ من أغراض الاختيار من البدائل في الكلام ضمن عناصر الجملة.
وهنا في فصل التقييد وعدمه لاحظ البلاغيّون أنّ المتكلّم قد يقصد زيادة
стр. 440
إفادة المتلقّي معاني لا يكفي المسند والمسند إليه للدّلالة عليها، وهي تتعلّق بالمسند أو بالمسند إليه أو بالإِسناد في الجملة.
* فمِمَّا يتعلق بالمسند بيان زمن حدوثه أو مكان حدوثه بظرفَيِ الزّمان والمكان، مثل: "جرَى السَّيْلُ يوم الأربعاء في مكة ووصل إلى باب الكعبة".
فبيان الزمن قيْدٌ للمسند، وبيان المكان قيد آخر له.
* وممّا يتعلّق بالمسنَدِ إليه وصْفُه، أو بيان حاله، أو تأكيدُهُ، أو غير ذلك، مثل: "سَبَقَ الْحِصَانُ الأَدْهَم - حضَرَ عليٌّ راكباً - خَرَجَ طُلاَّبُ المدرسة كُلُّهم".
فـ"الأَدْهم" نَعْتٌ للحصان، و"راكباً" حالٌ لعلي، و"كُلُّهُمْ" تأكيدٌ معنويٌّ لطلاب المدرسة، وكلُّها قيودٌ للمسند إليه، والحالٌ منها قَيْدٌ للمسنَدِ أيضاً.
* وممّا يتعلّق بالإِسناد تقييده بنحو الشرط، مثل: "إذا أدَّى المخلوق المبتلى المكلَّف كُلَّ الواجبات، وتركَ كُلَّ المحرّمات، دخل الجنة ولم يدخل النار".
فالحكم بدخوله الجنة وعدم دخوله النار مشروط بأن يفعل كلّ الواجبات ويترك كلّ المحرّمات، ومن الظاهر أن هذا الشرط هو من قيود النسبة الحكميّة بين المسند والمسند إليه.
وبالإِضافة إلى غرض زيادة الفائدة بما يُؤتَى به في الجملة من قيودٍ للمسند أو المسند إليه أو الإِسناد، فقد نبَّهَ البلاغيون على أغراض بلاغيّة تُسْتَفادُ من التقييد بالمقيّدات التي تُسْتَكْمَلُ بها الجملة الكلاميّة، وهي المقيّدات التالية:
(١) المفاعيل، وهي: "المفعول به - المفعول فيه - المفعول لأجله - المفعول المطلق ونائبه - المفعول معه".
(٢) التوابع وهي: "النعت - عطف البيان - التوكيد - البدل - عطف النَّسَق" وهكذا يكون ترتيبُها إذا اجتمعت كما ذكر النحويّون.
стр. 441
(٣) ضمير الفصل.
(٤) الشرط.
وفيما يلي شَرْحُ هذه القيود مع بيان بعضِ الأغراض البلاغيّةِ التي قد يَقْصِدُهَا البلغاء منها.
***
(٢) التقييد بالمفاعيل
أوّلاً - المفعول به:
المفعول به هو في الحقيقة مُسْنَدٌ إليه على مَعْنَى أنَّه هو الذي وقع عليه فعلُ الفاعل، فهو من القيود التي تبيّن حُدُود المسند.
إنّ مثال: "ركب خالدٌ جواداً" يَدُلُّنَا على أنّ العلاقة بين الرُّكوب وخالد، أي النسبة الرَّابطةَ بينهما هي أنّ الرُّكوبَ وقَعَ من خالد، باعتباره فاعل الرُّكوب، وأنّ العلاقة بين الرُّكوب والجواد، أي النسبة الرابطة بينهما هي أنّ الرُّكوبَ وقَعَ على الجواد باعتباره مفعولاً به واقعاً عليه الرُّكوب، فذِكْرُ كلمة "جواداً" في الجملة قد أضاف إليها قيداً، إذْ كانت جملة "رَكِب خالدٌ" جملةً مطلقةً، ذات احتمالات كثيرة، فقد يكون خالدٌ ركب أيَّ مركوب آخر غير الجواد من حيوانٍ أو آلة، كسفينةٍ أو عربةٍ أو نحو ذلك.
من هذا يتبيّن لنا أنّ ذكر المفعول به ممّا يفيد الجملة بياناً تقييديّاً، سواءٌ أكان مفعولاً به لفعل ينصبُ مفعولاً واحداً، كالمثال السابق، أم مفعولاً به ثانياً لفعلٍ يَنْصِبُ مفعولين، مثل: "أَلْبَسَ رَباحٌ زوجتَه حُلَّةً" أم مفعولاً به ثالثاً لفعلٍ يَنْصِبُ ثَلاَثَةَ مَفَاعيل، مثل: "أَعْلَمْتُ سَعِيداً القَمَر بَازغاً".
стр. 442
فالمفعول به الأوّل في: "أَلْبَسَ رَبَاحٌ زَوجته حُلَّةَ" أضاف إلى الجملة قيداً، هو أنّ الإِلْبَاسَ من رباحٍ قد كان لزوجته، فهي اللاّبسة له. والمفعول به الثاني أضاف قيداً آخر، هو أنّ الملْبُوسَ كان "حُلَّةً"، أي: لا نعلاً أو حِلْيَةً أوغطاءَ رأْسٍ أو غير ذلك.
وفي مثال: "أَعْلَمْتُ سَعيداً الْقَمَرَ بَازِغاً" نقول: إنّ المفعول به الأول وهو "سعيد" أضاف قيداً إلى الجملة، هو أنّ الإِعلام كان منّي لسعيد، وإنّ المفعول به الثاني والمفعول به الثالث قد أضافا قَيْدَيْنِ آخرين في الجملة، أحدهما أنّه حصل بُزُوغ، وثَانيهما أنّ هذا البزوغ هو بزوغ القمر.
وظاهرٌ أنَّ التَّقْييدَ بهذه الْقُيود في الكلام ممّا يُفيد تَرْبيةَ الفائدة بزيادة عناصرها لدَى المتلقّي.
وتتوارد بعد ذلك أغراضٌ بلاغيّة فوق تربية الفائدة، فقد يُكتَفَى بدلالة القرائن عن ذكر المفعول به، إلاَّ أن دواعِيَ بلاغيَّةً قَدْ تَدْعو إلى ذكره.
* كأن يكون المفعول به أمراً غريباً نادراً، ويَقْصدَ البليغُ أَنْ يَقْرَعَ به سَمْعَ المُْتَلقِّي أو نَفْسَه مع أوّل مرحلةٍ مناسبةٍ من مراحل كلامه، ومن الأمثلة على هذا قولُ الخزيمي يَرْثي أبا الْهيْذَام:
وَلَو شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ ... عَلَيْهِ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ
لقد كان يكفي الشاعِرَ أن يقولَ: ولَوْ شئتُ لَبَكَيْتُ عليه دماً، بحذْفِ مفعول: "شِئْتُ" كان يفكيه أن يقول: ولو شئتُ أن أبكي لبكيْتُ عليه دماً، بحذف مفعول: "أبْكِي" إلاَّ أنَّ المسارعة إلى تعريف المتَلَقِّي بأنّ حُزْنَه على فقده أبَا الهيْذام قد بلغ منه مَبْلَغَ أن يَبْكِيَ عليه دماً جعلَتْهُ يُصرِّحُ بما في نفسه، ويُسارعُ إلى ذكر الدّم عند أوّل مناسبَةٍ سَانِحَةٍ في كلامه.
* وَكأن يريد المتكلّم دَفْع تَوَهُّم إرَادة غير المراد، ومن الأمثلة ما صنعتُه
стр. 443
مثلاً، أن يقول مظلوم حَكَمَ عليه طاغٍ بالقتل ليتخلص من منافسته له:
سَتكْسُوني بقَتْلِكَ لِي فَخَاراً ... ومَجْداً مِنْ دِمَاءٍ زَاكِيَاتِ
وتَلْبَسُ خِزْيَ عُدْوانِ وَظَلْمٍ ... بِلُبْسِكَ بَاغياً ثَوبَ الطُّغَاةِ
وهنا نلاحظ المبادرة إلى إعلان أنّ مَا يُلْبِسُه إيّاه إذا قتله هو الفخار والمجد، لا ما يُتَوَهَّمُ من أنّه سَيُلْبِسُه ذلاً ومهانة.
* وقد يأتي التقييد بالمفعول به لكثير من الأغراض البلاغية التي سبق بيانها في دواعي ذكر العنصر الذي يُراد الإِعلام به من عناصر الجملة.
***
ثانياً - المفعول فيه:
وهو الظرف، ويؤتى به لتقييد وقوع الحدث الذي اشتملت عليه الجملة بزمَنٍ مُعَيّن، أو مكان مُعَيَّن، مثل: "سافرت لَيْلاً - ومَشِيتُ مِيلاً".
ومع تربية الفائدة بقيدَي الزمان والمكان فقد يَقْصِد البليغ بهما أغراضاً بلاغيّة تدعو إليها مقتضيات الأحوال، كالتعريض، والمدح، والذمّ، والتلذُّذ بالذكريات، وغير ذلك ممّا يعسُرُ حصره، وتُلاحظ هنا أيضاً دواعي العنصر الذي يُراد الإِعلام به من عناصر الجملة على ما سبق به البيان.
***
ثالثاً - المفعول لأجله:
وهو المفعول الذي يُبَيِّن علّة الحدَث الذي اشتملت عليه الجملة، أو سبَبَهُ، أو الحكمة منه، أو الغرض منه، أو نحو ذلك.
ويؤتَى به لتقييد الحدَثِ ببيان علَّته أو سبَبِه أو الحكمة أو الغرض منه، مثل: "زُرْتُكَ إكراماً لَكَ" أي: لأجل إكرامك.
стр. 444
ويدخل في هذا المفعل ما فيه معنى المفعول لأجله ولو لم يكن منصوباً، وهو المجرور منه بحرف جرّ مفيدٍ للتعليل، ويسمَّى المفعول لأجله غير الصّريح، مثل قول الله في سورة (البقرة/٢) :
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت ... ﴾ [الآية: ١٩] .
"من الصَّواعِق" مفعول لأجله غير صريح.
"حَذَرَ" مفعول لأجله صريح.
ومع تربية الفائدة بقيد المفعول لأجله نقول هنا أيضاً ما سبق أن قلناه في المفعول به، والمفعول فيه، حَوْلَ الأغراض البلاغيّة.
***
رابعاً - المفعول المطلق ونائبه:
المفعول المطلق: هو مصدرٌ يُذْكَرُ بعْدَ فِعْلٍ من لفظِهِ، لتأكيد معناه، أو لبيان عدده، أو لبيان نوعه، أو يؤتَى به بدلاً من التلفّظِ بفعله.
(١) فالمؤكدّ لمعنى فعله، مثل: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤] .
(٢) والمبيّن لعدده، مثل: "شَرِبَ شَرْبَتَيْنِ".
(٣) والمبيّن لنوعه، مثل: ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج: ٥] و"بَكَى بُكَاءَ الثَّكْلَى".
(٤) ومَا يُؤْتَى بِه بدلاً من التلفُّظ بفعله، مثل: "رِفْقاً بالقوارِيرِ".
والنائبُ عن المفعول المطلق هو ما يُعْطَى مثل حكمة ولو لمْ يكن مَصْدراً من لفظ فعله، وينوب عنه "اسم المصدر - صفة المصدر - ضميره العائد عليه - مرادفه - مصدر يتلاقى معه في الاشتقاق - ما يَدُلُّ على نوعه - ما يَدُلُّ على عدده - ما يدُلُّ على آلته التي يكون بها - كلمتا "ما" و"أيُّ" - الاستفهاميتَيْن - "ما ومهما وأيُّ" الشرطيات - كلمات "كلّ" و"بعض" و"أيّ الكمالية" مضافات
стр. 445
إلى المصدر - اسم الإِشارة إذا كان مشاراً به إلى "المصدر" ويرجع إلى أمثلتها في كُتُب النحو.
ومع ترْبية الفائدة بالمفعول المطلق ونائبه نقول هنا أيضاً نظير ما سبق أن قلناه في المفاعيل السابقة حوْلَ الأغراض البلاغيّة.
***
خامساً - المفعول معه:
هو اسم يؤتى به منصوباً بعد واو المعيّة، لإِفادة تقييد الْمُسْنَدِ في الجملة بقيد مصاحبة الاسم المنصوب بعد واو المعيّة للاسم الذي جاء قَبْلها، فهو يفيد فائدة شبيهة بفائدةِ الحال في الجملة، ولاَ يُقْصَدُ إشْرَاكُ ما بَعْدَ واو المعيَّةِ في حُكْمِ مَا قَبْلها، مثل: سِرْتُ والْجَبَلَ، أيْ: سِرْتُ مُصَاحَباً الجبَلَ، مع أَنَّ الْجَبَل لَمْ يشْمَلْهُ حُكْمُ السَّيْر الذي سِرْتُه.
ومع تربية الفائدة بالمفعول معه نقول هنا أيضاً نظير ما سبق أن قلناه في المفاعيل السابقة حول الأغراض البلاغية.
***
(٣) التقييد بالنواسخ
النواسخُ هي التي تدخل على الجملة الاسميّة فتنسخ حُكْمَي المبتدأ والخبر، وتعْمَل فيهما عملاً خاصّاً بها وهي أربعة أقسام:
القسم الأول: أفعالٌ ترفَعُ المبتدأ على أنَّه اسْمُها، وتَنْصِبُ الخبرَ على أنّه خَبَرُها، وهي الأخوات: "كان - أمسى - أصْبَح - أضْحَى - ظلَّ - بَاتَ - صَارَ - لَيْسَ - ما زال - مَا بَرِحَ - مَا فَتِىءَ - مَا انْفَكَّ - مَا دامَ".
стр. 446
و"كَادَ وأخواتُها" وهي ثلاثة أقسام:
(١) أفعال المقابة: وهي: "كاد - كرب - أوشك".
(٢) أفعال الرجاء: وهي: "عَسَى - حَرَى - أخْلَوْلَقَ".
(٣) أفعال الشّروع: وهي كثيرة، منها: "أنْشَأَ - طَفِقَ - عَلِقَ - أَخَذَ - هَبَّ - بَدَأ - ابْتَدَأ - جَعَل - قَامَ - انْبَرَى" ومِثْلُها كُلُّ فعل يدلُّ على الابتداء بالعمل ولا يكتَفِي بمرفوعه.
ولكلّ فِعْلٍ من الأفعال السابقة "كان وأخواتها" و"كَادَ وأخواتها" أفعال المقاربة وأفعال الرجاء، وأفعال الشروع، معنىً يُقْصَد التعبير عنه في الكلام، فالبليغ يختارُه في كلامه لِيَدُلَّ به على المعنَى الذي يُسْتَفَادُ منْه.
ويُرجع إلى كتب النحو واللّغة لمعرفة معاني هذه الأفعال، وطرائق استعمالها وأعمالها.
القسم الثاني: أفعال تنصب المبتدأ والخبر على أنّهما مفعولان لها، وهي: قسمان: "أفعال القلوب" و"أفعال التحويل والتصيير":
* أمّا أفعال القلوب:
فمنها ما يُفيد اليقين وتسمَّى أفعال اليقين، أي الاعتقاد الجازم، وهي: "رَأَى - عَلِمَ - دَرَى - تَعَلَّمْ، فِعْلَ أَمْرٍ بمعنى اعْلم واعْتَقِدْ - وَجَدَ، بمعنى عَلِمَ واعْتَقَد".
ومنها أفعال الظنّ، وهي: "ظنّ - خال - حَسِبَ - جَعَل، التي بمعنى ظنَّ أو اعتقد - حَجَا - عَدَّ الّتِي بمعنى ظنّ - زعم - هَبْ، فِعْلَ أمْرٍ بمعنى ظُنَّ". * وأمّا أفعال التحويل والتصيير فهي: "صَيَّر - رَدَّ - تَرَكَ - تَخِذَ - اتَّخَذَ - جَعَل - وَهَب، إذا اسْتُعْمِلَت هذه الأفعال التي بَعْدَ صَيَّر بمعنَى صَيَّرَ".
стр. 447
ويُرجَعُ إلى كُتُب اللُّغة والنحو لمعرفة معاني هذه الأفعال، وكيفيَّة استعمالها وعملها في نصب المبتدأ والخبر.
القسم الثالث: حروف مشبهة بالفعل وهي تنصبُ المبتدأ على أنَّه اسْمُها، وترفع الخبر على أنّه خبرها، وهي: "إنَّ - أَنَّ - كَأَنَّ - لَيْتَ - لَعَلَّ - لَكِنَّ - لا النافية للجنس".
ويُرْجَعُ إلى كتب النحو لمعرفة معاني هذه الحروف، وكيفيّة استعمالها وعملها، فقد أوفاها النحويُّون بحثاً، ونخص بالبيان هنا "إنَّ - أَنَّ - للتذكير بأنّهما يُفيدان التأكيد في الجملة، إذ إفادة التأكيد ممّا يُهِمُّ البلاغيين التنبيهُ عليه.
القسم الرابع: حروف نفي تَعْمَل عَمَلَ "لَيْس" بشُروط ذكرها النحويون، وتؤدّي المعنى الذي تؤدّيه "ليس"، وهي "مَا - لاَ - لاَتَ - إِنْ".
هذه هي النواسخ الّتي تدخل على الجملة الاسمية فتنْسخُ حُكْمَي المبتدأ والخبر من جهة الإِعراب، وتعمل فيها عملاً خاصّاً بها كما سبق.
وهنا نلاحظ أنَّ إدخال النواسخ على الجملة الاسمية يُرادُ منْهُ إضافةُ معانٍ تدلُّ عليها الأفعال والحروف الناسخة بحسَبِ أوضاعها ودلالاتها اللّغوية، وقد اهتم اللُّغويُّون ثُمَّ النّحويُّون ببيان معاني هذه النواسِخِ، فَعَلى متدبّر النصوص أن يرجع إلى ما دوّنوه من ذلك.
أمّا علماء البلاغة فقد وجّهوا اهتماماتهم للدّلات الأخرى، الَّتى لا تَدُلُّ عليها الأوضاع اللّغويّة، ممّا يُفْهَمُ مجازاً، أو من إشارات الكلام وقرائن الألفاظ والأحوال.
ولا يخفى على الأديب ذي الحسّ المرهف تَصيُّد الأغراض البلاغيّة والأدبيّة الَّتي يَرْمي إليها البلغاء، ممّا يختارون في استعمالاتهم من هذه النواسخ، فمع تربية الفائدة بما تشتمل عليه من دلالاتٍ تُفْهَمُ من أوضاعها اللّغوية نلاحظ أنّه قد يُشارُ
стр. 448
بها إلى معانٍ بلاغيّة سَبَق بيانُ طائفةٍ منها في دواعي ذكر العنصر الّذي يُرادُ الإِعلام به من عناصر الجملة، ويُمْكِن القِياسُ عليها.
فكلمة "لَيْتَ" الَّتي تُسْتَعمل للتَّمنّي قد تستعمل بلاغيّاً في الأمر غير البعيد ولا المتعذّر، للإِشعار مثلاً برفعة منزلة الشخص الذي يُوَجَّهُ لَهُ المطلوب بها، كأن يقول التلميذ الذي يُحِبُّ شيخه ويُعظمه: "لَيْتَكَ تَزُورُني في دَارِي" مع أنّ الشيخ من عادته أن يزور أصْغَرَ تلاميذه.
وقد يؤكّد بـ"إنّ" أو "أنّ" لتنزيل المخاطب منزلة المنكر أو الشّاك.
وقد يُسْتَعْمل مثلاً فعلُ "أصْبَح" الّذي يدلُّ على الدُّخول في الصباح، أو فعل "أضْحَى" الذي يَدُلُّ على الدخول في وقت الضُّحى، مع أنَّ ما حَصَل قد حَصَل باللّيل، للإِشعار بأنّ السُّرُورَ قد قلَبَ اللَّيْلَ فِي مشاعر النفس نهاراً.
وقد يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ "أمْسَى" الّذي يَدُلُّ على الدخول في المساء، وفعل "بَات" الّذي يدلُّ على الدُّخولِ في اللّيل، مع أن ما حصل قد حصل بالنهار، للإِشعار بأنّ الْحُزْنَ أو الكرْبَ قد قلَب النهار في مشاعر النفس ليلاً.
إلى غير ذلك من أغراض بلاغيّة كثيرة.
***
(٤) التقييد بالحال
قال النحويّون: الحال وصفٌ لصاحِبها قَيْدٌ لعامِلها الذي هو الفعل أو ما في معناه، فمثل: "جاء زيد راكباً" نلاحظ أنّ الرُّكوبَ وَصْفٌ لزيدٍ حَالةَ مجيئه، فمجيءُ زيْدٍ المفهومُ من "جَاءَ زيد" مُقَيَّدٌ بقيدِ رُكوبه، وظاهر أنّ في هذا القيد مزيدَ فائدةٍ يستفيدها متلَقِّي الْكَلام.
стр. 449
وقد يُؤتَى بالحال لتوكيد عاملها، مثل "وَلَّى مُدْبراً". أو لتوكيد صاحبها، مثل: "جاء التلاميذ كلُّهم جميعاً". أو لتوكيد مضمون جملة مؤلفة من اسمين معرفتين جامِدَيْن، مثل: "هو الحقُّ بَيِّناً".
والتوكيد يعطي مزيد فائدة في الكلام، ومع تربية الفائدة بالحال يمكن الإِشارة بها إلى أغراض بلاغية يَقْصِدُها البلغاء، فمثل قول القائل: "جاء عِليَهُ القوم راكِبين" قد يتضمن الإشارة إلى أنّ الذين لم يأتوا راكبين ليْسُوا من عِلْيَة القوم.
ولا يخفى على ذوّاق البلاغة والأدب تصيُّد النكت والأغراض البلاغية من الحال.
***
(٥) التقييد بالتوابع
سبق في مقدّمة هذا الفصل أن عرفنا أن التوابع هي:
(١) النعت "= الصفة".
(٢) عطف البيان.
(٣) التوكيد.
(٤) البدل.
(٥) عطف النسق، وهو العطف بحرف من حروف العطف.
وأنّها إذا اجتمعت في جملة واحدة كان ترتيبها وفق هذا الترتيب الذي ذُكرت فيه، كما ذكر علماء النحو.
وفيما يلي شرحٌ لهذا التوابع:
стр. 450
أولاً - النَّعْت "= الصفة":
النعت: هو تابع يكمّل متبوعَهُ بدلالة على معنىً فيه، أو فيما له تعلُّقٌ به، مثل: "جاءني رجلٌ كريم" و"رَضِيَ بالدّية الأَبْنَاءُ الْمَقْتُولُ أبُوهم".
ما يستفادُ مِن النعت:
(١) يؤتى بالنعتِ لإِيضاح الموصوف به إذا كان معرفة، ويسمَّى الوصْفَ الكاشف، مثل: "فَتْحُ الْبَارِي هو تأليفُ ابْنِ حَجر أحمد العسقلاني" و"تُحْفَةُ الْمُحْتاج لشرح المنهاج هو تأليف ابْنِ حجر أحمد الْهَيْتَمِي" فالعسقلانيُ وصْفٌ كاشف مميّز لابن حجر أحمد مؤلف كتاب "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" والْهَيْتَمِي وصْفٌ كاشفٌ مُمَيْزٌ لابن حَجر أحمد مؤلف كتاب تحفة المحتاج لشرح المنهاج" في الفقه الشافعي.
(٢) ويؤتى بالنَّعْتِ أيضاً لتخصيص الموصوف به إذا كان نَكِرةً، أو شبيهاً بالنكرة في شُيوعه، كالمعرّف بـ"أل" الّتي للجنس، مثل: "يرافق المرأة في السَّفر كُلُّ رَجُلٍ مَحْرَمٍ مِنْ مَحَارِمِها" فعبارة "مَحْرَمٍ من مَحَارِمها" وصْفٌ مُخَصِّصٌ لعموم لفظ "رجُل" وجيء بهذا الوصف المخصّص لإِخراج كلّ رَجُلٍ لا يكون مَحْرماً لها.
هذا ما ذكره النحويّون، وقد ذكر علماء البلاغة هاتين الفائدتين للنعت، وأضافوا إليهما فوائد أخرى استنبطوها بأذواقهم البلاغيَّة الأدبيّة، وتابعهم في ذلك فريقٌ من النحويّين، وهي ما يلي:
(٣) تفصيل المنعوت، مثل: "زارني رجلان: فقيه، وطبيب".
(٤) مدح المنعوت، مثل: "الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِين".
(٥) ذمّ المنعوت، مثل: "أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم".
(٦) التَّرَحُّم، مثل: "لَطَفَ اللهُُ بعبادِه الضُّعَفاءِ".
(٧) الإِبهام، مثل: "تَصَدَّقْ بصَدَقَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كثيرة".
стр. 451
(٨) التوكيد، مثل: فإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ"، ومثل: "أَمْسِ الدَّابرُ لَنْ يَعُود" فلفظ "واحدة" ولفظ "الدّابر" كلُّ منهما نَعْتٌ توكيدي، ومنه توكيد إرادة الحقيقة أو إرادة عموم الأفراد، مثل قوه الله تعالى في سورة (الأنعام/٦) :
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ... ﴾ [الآية: ١٨] .
فَوَصْفُ الطائر بأنّه يطير بجناحيه قد أفاد إرادة الحيوانات التي تطير بأجنحتها دون إرادَة ما يرتفع في الجوّ من غير ذلك كالسُّحُب والأشياء المعنوية غير المرئية، مع إفادة التعيم.
***
ثانياً - عطف البيان:
عطف البيان تابع شبيه بالصفة في إيضاحه لمتبوعه إذا كان معرفة، وتخصيصه إذا كان نكرة، وهو يفارق النعت بأنّ النعت مشتقٌّ أَوْ مُؤَوّلٌ بمشتق، أمّا عطف البيان فجامدٌ دواماً إذَا كان غير جملة، وقد يكون جملة.
ومن عطف البيان ما يقع بعد "أَيْ" أو "أَنْ" التَّفْسِيريتَيْن، أو "إذا" حينما تكون تفسيريّة.
أمثلة:
(١) "أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَر" فلفظ "عُمَر" عطف بيان جيء به لتوضيح الكنية "أبو حفص" وهو ثاني الخلفاء الراشدين ﵁، والغرض من هذا التوضيح تمييز هذه الكنية عن مشاركي عُمر بن الخطاب بمثلها.
(٢) قول الله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] فعبارة "طعام" مضافة إلى مساكين عطف بيان جيء بِهِ لتخصيص النكرة الَّتِي هي لفظ "كفّارة" إذ الكفارة
стр. 452
تحتمل أن تكون إطعام مساكين أو غير ذلك، فجاءت عبارة "طعام مساكين" مُخَصَّصة أو مبيّنة للفظ "كفَّارة" المطلق.
(٣) "رَأْيْتُ غَضَنْفراً، أَيْ: أسَداً" فلفظ "أسداً" عطف بيان جاء تفسيراً لكلمة "غَضَنْفراً" بعد "أي" التفسيريّة.
(٤) قول الله تعالى في سورة (الأعراف/٧) :
﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ... ﴾ [الآية: ٤٤] .
فجملة "قد وَجَدْنا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً" معطوفة عطف بيان جاء تفسيراً للنداء ناداه أصحاب الجنة، بعد "أن" التفسيرية.
(٥) قول الله في سورة (طه/٢٠) في معرض حكاية قصة آدم:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان قَالَ ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [الآية: ١٢٠] .
فجملة: قالَ يَا آدم هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى" معطوفة عَطْفَ بيانٍ جاء تفسيراً للوسوسة الّتي وسوس بها الشيطان، دُون أن تُسْبَقَ بكلمة "أن" التفسيريّة.
(٦) يأتي في كُتب اللّغة مثل عبارة: "تَقُولُ: امتَطَيْتُ الْفَرَسَ، إذَا رَكِبْتَهُ" فلفظ "إذا" في مثل هذه العبارة تفسيريَّة، وما بعدها عطف بيان جاء تفسيراً لجملة "امْتطيْتُ الْفَرَسَ".
ويمكن أن يُؤْتَى بعطف بيان لبعض الأَغراض البلاغيّة الَّتِي سَبَق بيانُها في النَّعْت، كالمدح، منه قوله تعالى:
﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وكالإِيضاح والتفسير.
ملاحظة حو عطف البيان:
стр. 453
يُلاحَظُ أَنَّ عَطْف البيان يكونُ في اللَّقب بعد الاسم العلم، مثل "جَاءَ عليٌّ زيْنُ العابدين". وفي الاسم العلم بعد الكنية، مثل: "أَقْسَمَ بالله أبو حفصٍ عُمَر".
وفي المحلَّى بـ"ال" بعد اسم الإِشارة، مثل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فيه﴾ [البقرة: ٢] . وفي الموصوف بَعْدَ الصِّفَة، مثل: "بعثَ اللهُ الكليمَ مُوسَى إلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِه" وَفي التفسير بَعْدَ الْمُفَسَّر، مثل: "الْعَسْجَدُ الذَّهَبُ تَجِبُ فِيه الزَّكاة".
***
ثالثاً - التوكيد:
التوكيد: تابعٌ يُذْكر تقريراً لمتبوعه، بغيةَ رفع احتمال إرادة المجاز، أو رفع احتمال السَّهْو والغلط، وهو قسمان:
القسم الأول: التوكيد اللفظي، ويكون بإعادة اللفظ، أو إعادة مرادفة، سواء أكان اسماً، أم فعلاً، أم حرفاً، أم جملةً، أم شبه جملة.
القسم الثاني: التوكيد المعنويّ، ويكون بسبعة ألفاظ، وهي ما يلي:
(١) لفظتا "النفس - العين" ويؤكّد بهما لرفع المجاز عن الذّات.
* ففي المفرد نقول مثلاً: "جاء الأمير نَفْسُه، أو عَيْنُه" أي: لا نائبة، ولا رسولُ من قبله يمثّله.
* وفي المثنى نقول مثلاً: "حضر الْمَلِكَانِ أَنْفُسُهما، أو أَعْيُنُهما" بالجمع، وهو الأفصح، ويجوز نفاسهما، أو عيانهما بالمثنى.
* وفي الجمع نقول مثلاً: "حضر الرُّؤسَاءُ أنْفُسُهُمْ، أو أَعْيُنُهم".
(٢) لفظة "كِلاَ" ويؤكّد بها المثنَّى من المذكّر، لرفع احتمال إرادة المجاز بأنّ الحاضر أحدهما وقد أغنى حضوره عن الآخر، فنقول مثلاً: "حضر الصديقان كلاهما" و"رَكِبْتُ الْحِصَانَيْنِ السّابِقَيْنِ كِلَيْهِما".
стр. 454
(٣) لفظة "كِلْتَا" ويؤكّد بها المثنَّى مِن المؤنَّثَاتِ، مثل: "امرأةُ نوحٍ وامرأةُ لُوطٍ كافِرَتَانِ كِلْتَاهُمَا" و"دَخَلْتُ الحديقَةَ فوجدت فيها شجرتي تُوتٍ فَأَكَلْتُ مِنْهُما كِلْتَيْهِمَا".
(٤) ألفاظ "كُلّ - جميع - عامّة" ويؤكَّدُ بهَا الجمع من المذكر والمؤنث، فنقول مثلاً: الصَّالحُونَ كُلُّهُمْ، أو جميعهم، أو عامَّتُهم، يدخلون الجنّة يوم الدين" و"الصالحات كُلُّهُنَّ، أو جميعُهُنّ، أو عامَّتُهُنَّ، يدخُلْنَ الجنَّةَ يَوْمَ الدّين".
وَيُؤكّد بهذه الألفاظ لرفع احتمال إرادة الأغلب أو البعض، لأنّ لفظتَي الصّالِحينَ والصّالحاتِ يمكن إرادة عدم العموم فيهما، باعتبار احتمال أن تكون "أل" جنسيّةً أوْ عَهْدِيَّةً وليست استغراقية.
وقد يُرَادُ تَقْوِيَةُ التوكيد فيؤتَى بكلمة "أَجْمَعْ" بعد كلمة "كُلّ" في المذكر، وبكلمَةِ "جَمْعَاء" بعد كلمة "كُلّ" في المؤنث، فنقول مثلاً: "جاء الجيشُ كُلُّه أَجْمَع" و"جاءت القبيلة كُلُّهَا جَمْعَاء" و"حضر الرُّؤسَاءُ كُلُّهُمْ أجْمَعُونَ".
ويُؤتَى بكلمة "جُمَع" بعد كلمة "كُلّهن" فتقول: "حَضَرَ النّسَاءُ كُلُّهُنَّ جُمَعُ".
وقَدْ يُؤَكَّدُ بألْفَاظ "أَجْمَع، وجَمْعَاء، وأَجمَعِينَ، وَجُمَع" وإنْ لم يَتَقَدَّمْهَا التَّوكيد بلفظة "كُلّ" ولا يجوز تثنية "أجمع" ولا "جمعاء".
قال أبو الهيثم الرّازي: "العربُ تؤكّد الكلمة بأرْبعة تواكيد، فتقول: مَرَرْتُ بالْقَوْمِ أجْمَعِينَ أَكْتَعِينَ أَبْصَعِينَ أَبْتَعِينَ".
وتقول في جمع النِّسْوة: "رَأيْتُ النِّسْوَةَ جُمَعَ بُصَعَ".
الأغراض البلاغية:
قد يُؤتَى بالتوكيد لأغراضٍ بلاغيةٍ غير ما سبَقَ بيانُهُ، كالرَّدّ على اعتقاد غير صحيح، وادّعاءٍ باطل، والتعريض بغباوة المخاطب، وتنزيل المخاطب منزلة منكر
стр. 455
ما دَلَّ عليه التوكيد، والافتخار، والمدح، والذّمّ، والترحُّم، والتشنيع، والإِشعار بهَوْل الحدث وفظاعته، إلى غير ذلك من أغراض يُلْمِحُ إليها البليغ إلماحاً بأسلوب التوكيد.
***
رابعاً - البدل:
البدل: تابعٌ هو المقصود بالحكم في الكلام، ويؤتَى به بَعْدَ المبْدَلِ منه بدون وساطة عاطفٍ بينهما.
أمّا المبْدَلُ منه: فإمّا أن يكون قَدْ ذُكر توطئة وتمهيداً للبدَل، فيأتي البدل بمثابة التفسير بعد الإِبهام، أو التخصيص، أو التوضيح للمراد، وإمَّا أن يكون قد ذُكر على سبيل الخطأ فيأتي البدلُ على سبيل التدارك لتصحيح ما يُرادُ بيانُه.
والبدلُ أربعةُ أقسام:
القسم الأول: بدَلُ الكُلِّ من الكُلِّ، ويُسمَّى الْبَدَلَ المطابق، وهو بدل الشيء ممّا يطابق معناه، مثل قوله تعالى في سورة (الفاتحة) : ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الآيات: ٦ - ٧] .
القسم الثاني: بَدَلُ البَعْضٍ من الكُلِّ، أَوْ بَدَلُ الجزء من كُلِّه، وهو بمثابة التصريح بالباقي بَعْدَ الاستثناء، مثل: "أكلتُ الرَّغيفَ ثُلُثَيْه، أو نِصْفَه، أو ثُلُثَه".
القسم الثالث: بَدلُ الاشتمال، وهو بدلُ الشَيْءِ ممّا يَشْتَمِل عليه بوجه عامّ دون أن يكون جزءاً منه، مثل: أدْهَشَنِي مالِكُ بنُ أنس وَقَارُهُ وسَمْتُه، وأَبُو حَنيفة رأيهُ وعُمْقُ تفكيره، والشافعيُ عبقريَّتُه في الاستنباط من النصوص، والإِمامُ أحْمَدُ حِفْظُهُ ووَرَعُه".
القسم الرابع: البَدلُ المباين، وهو ثلاثة أقسام.
стр. 456
(١) بدل الغلط، ويأتي تداركاً لشيءٍ غير صحيح ولا مراد، لكن سبَق إليه الفكر أو اللّسان على سبيل الغلط.
(٢) بدل النيسان، ويأتي تصحيحاً لأمر قُصِدَ أوّلاً، ثُمَّ ظهر للمتكلّم أنَّه قد كان ناسياً.
(٣) وبدلُ الإضراب عن المبْدَلِ منه، ويأتي تداركاً لما يرادُ التعبير عنه، مع صحّة إرادة الْمُبْدَلِ منه، لكن المتكلّم أضربَ عنه صارفاً النظر عن الاهتمام به، أو موجّهاً النظر بعنايةٍ إلى الْبَدَل.
أمّا كَوْنُ البدل من القيود في الجملة فيظْهَرُ في بعض أقسامه بلا إشكال، أمّا قسم البدل المباين فإدْخاله في عموم القيود هو على سبيل التسمُّح، وعلى معنى أن البدل صحَّح ما سَبَق في البيان بقيْدٍ لفظيّ مُلْغٍ لَهُ على سبيل الإِبدال.
الفوائد البلاغية:
وتظهر فوائد بلاغية في الأقسام الثلاثة الأولى للبدل:
* منها التفسير والتوضيح بعد الإِجمال، أو الإِبهام أو التعميم، لتثبيت المعنى في نفس المتلَقّي، وهذا يظهر في بدل الكُلّ من الكُلّ.
* ومنها الإِشعار بأنّ البعض قد تبلُغُ أهميَّتُه حتّى يكون هو بمثابة الكلّ، فجاء التعبير بالكُلّ أوّلاً، ثُمَّ أُبدلَ منه بعضُه، وهذا يظهر في بدل البعض من الكُلّ.
* ومنها تثبيت الأصل أوّلاً اهتماماً به، ثمّ التوجيه للمقصود بالبيان، فتتحقَّق بذلك فائدتان، وهذا يظهر في بدل الاشتمال.
* ومنها زيادة التقرير بالتفسير والتوضيح، أو بالتكرير المؤكّد.
* وقد تظهر فوائد بلاغيّة في بدل الغلط، وذلك حينما يكون التوجيه غير الصحيح أوّلاً مقصوداً، ثمّ يأتي بعده التصحيح التداركيّ للإِيهام بأنّ الفكر
стр. 457
أو اللّسان لم يُخْطِىء إلاَّ وفي النَّفْسِ عوامل تدعو إلى هذا الغلط، إذْ من المعروف أنَّ فلتات اللّسان قد تدلُّ على ما في الجنان.
* وقد يُقْصَدُ بالبدل التركيزُ على مواطن المدح أو الذّمّ، أو ماله الأهميَّةُ سواءٌ عند المتكلّم أو المخاطَب.
إلى غير ذلك من فوائد.
***
خامساً - عطفُ النسق:
عطْفُ النَّسق: تابعٌ يتوسَّطُ بينه وبين متبوعه واحدٌ من حروف العطف، وهي: "الواو - الفاء - ثُمَّ - حتَّى - أَمْ - لَكِنْ - بَلْ - لاَ يَكُونُ - ليس".
ولِكُلّ وا حد من حروف العطف هذه دلالة تُستفادُ في الكلام، بسطها علماء النحو، والمتكلّم البليغ يتحرّى أن يختار منها في كلامه حين يريد العطفَ ما يلائم منها المعنى الذي يريد إعلام المتلَقِّي به.
ومن الظاهر أنّه يتحقَّق بالعطف مزيد فائدة يستفيدها مُتَلَقِّي الكلام.
الفوائد البلاغية:
لِلْبلاغيين نظراتٌ فوق الأوضاع اللّغويّة للدلالة التي تُستفادُ بالعطف وحروفه، ومنها ما يلي:
(١) التفصيل مع الاختصار. فقولنا: "جاء مُحمَّد وعلي - جاء محمد فعلي - جاء مُحَمَّد ثُمّ علي" أخصر من أن نقول: جاء محمد جاء علي، وهكذا، وهذا من أصل فوائد العطف، والبليغ يهتمّ بالإِيجاز.
(٢) إراد التشكيك بحرف العطف "أو".
(٣) تجاهل العارف بحرف العطف "أو".
стр. 458
(٤) بعض الأغراض التي تستفاد ببدل الإِضراب، باستخدام "بل".
(٥) إراد الترتيب في الرتبة أو في الذكر على سبيل المجاز، باستخدام "الفاء" التي تفيد الترتيب مع التعقيب، أو باستخدام "ثُمَّ" الَّتِي تفيد الترتيب مع التراخي.
إلى غير ذلك من فوائد بلاغيّة يمكن استنباطُها من النصوص، أو تصيُّدها عند الأحوال المقتضية لها.
***
(٦) التقييد بضمير الفصل
ضمير الفصل هو ضمير منفصل من ضمائر الرفع، يُؤتَى به لغرض الفصل بين ما هو خبر وما هو تابع.
ويقع فصلاً بين المبتدأ والخبر، مثل: المتنبي هو شاعر العربيَّة المبدع".
ويقع فصلاً بين ما أصله مبتدأ وخبر ممّا دخل عليه أحَدُ النواسِخِ، مثل: "إنْ كَانَ هذا هو الحق - وكُنْتَ أَنْتَ الرّقيبَ عليهم - وكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ - تَجِدُوهُ عند اللهِ هُوَ خيراً".
الفوائد البلاغية:
يستفاد من ضمير الفصل فوائد بلاغية متعدّدة، منها ما يلي:
(١) التخصيص، بقصر المسند على المسند إليه، مثل قول الله في سورة (التوبة/٩) :
﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ [الآية: ١٠٤] .
стр. 459
(٢) تأكيد التخصيص، إذا كان في الجملة مُخَصِّصٌ آخر، كما في المثال الثاني من الآية السابقة، وكما هو قول الله في سورة (الذاريات/٥١) :
﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ [الآية: ٥٨] .
فالتخصيص مستفاد من تعريف طرفي الإِسناد، وجاء ضمير الفصل مؤكّداً له.
(٣) تمييز الخبر عن الصفة، مثل قولنا: "الْفَصِيحُ هو مُوضِح البيان طَلْقُ اللِّسَان".
إلى غير ذلك من أغراض بلاغية يمكن استنباطها أو تصيُّدها.
***
(٧) التقييد بالشرط
يدخل الشرط على الجملة لربط الحكم فيها بحكم آخرَ في جملة أخرى ربطاً شرطيَّاً، فتكون الجملتان بمثابة جملة واحدة، وتُسمّى عندئذٍ جملة شرطيّة.
ويلاحظ في الجملة الشرطية أنّ الشرطَ فيها قَيْدٌ للحكم في الجملة التي هي جواب الشرط، ففي قولنا: "من آمَنَ وعَمِل صالحاً دخَلَ الجنة" نلاحظ أنّ تحقُّق الإِيمان والعمل الصالح المبيّن في الجملة الأولى قَدْ جُعِل في الكلام شرطاً لتحقُّق دخول الجنة في الجملة الثانية، والأداةُ الرّابطة بين الجملتين هنا كلمة "مَنْ" الشرطيّة.
وأدوات الشرط قسمان: أدوات عاملة فيما بعدها، وأدواتٌ غير عاملة.
* أمّا الأدوات العاملة: فهي التي تجزم فعلين أوّلُهما فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه، وهي:
стр. 460
(١) "إن - إذْمَا" وهما حرفان.
(٢) "مَنْ - مَا - متَى - أَيْنَ - أيْنَما - أَيَّانَ - أَنَّى - حَيْثُما - كَيْفَمَا - مَهْمَا - أيُّ" وهي أسماء.
* وأمّا الأدوات غير العاملة، فهي: "لَوْ - لَوْلاَ - لَوْمَا - أَمَّا - لَمَّا" وهي حروف، و"إذا" هي اسم ظرف لما يستقبل من الزمن.
وقد فصّل اللّغويون والنحاة معاني أدوات الشرط العاملة وغير العاملة، والفصيح البليغ يتحرَّى استعمالها فيما وُضِعَتْ له، وضمن المعاني الّتي استَعْمَلَها العربُ الفصحاء فيها.
ونَبَّه علماءُ البلاغة على مواقع استعمال بعض أدوات الشرط السّابِق ذكرُها، إذْ لاحظوا أنّ بَعْضَ شارحي النصوص البليغة ومُفَسِّريها لَمْ يكْشِفُوا فروق دَلالات هذه الأدوات، مكْتَفِينَ بدلالاتِها الشرطيّة العامّة، كما أنّ بعض الكتَّاب والشُّعراء يَغْلَطُونَ فيضَعُونَ بعضَ هذه الأدواتِ في المواقع التي لا يحْسُنُ وضْعُها فيها.
وقد أَبَان البلاغيّون الفرق بين أداة الشرط "إنْ" وأداة الشَّرْط "إذا" فرأوا من تتبُّع النُّصُوصِ الرَّفيعة أنّ حرف الشرط "إنْ" يُسْتَعْمَلُ غالباً فيما يَرى المتكلّم أنّ ما جُعِلَ شرطاً وهو ما دلَّتْ عليه جملة الشرط أمْرٌ مشكوكٌ في وقوعه مستقْبلاً، أو هو نادر الوقوع. وأنّ اسم الشرط "إذا" يُسْتَعْمَلُ غالباً فيما يَرى المتكلم أنَّ ما جُعِلَ شرطاً وهو ما دلّتْ عليه جملة الشرط أمْرٌ مُتَحقِّق الوقوع، أو هو مَرْجُوّ الوقوع.
فالبليغ مطلوبٌ منه، أن يستَعْمِلَ كُلاًّ من "إنْ" و"إذا" فيما هو الغالبُ من استعماله، ليشير في كلامه بكلمة "إنْ" الشرطيَّة إلى الشَّكِّ في وقوع الشرط أو ندرته، وليشير في كلامه بكلمة "إذا" إلى تَحَقُّقِ الشرط مستقبلاً، أو إلى رجاء تحقُّقه.
على أنّ كلمة الشرط "إنْ" باعتبارها أمّ أدوات الشرط قَدْ يقتضي الكلام
следующие страницы →