← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(١) بدل الغلط، ويأتي تداركاً لشيءٍ غير صحيح ولا مراد، لكن سبَق إليه الفكر أو اللّسان على سبيل الغلط. (٢) بدل النيسان، ويأتي تصحيحاً لأمر قُصِدَ أوّلاً، ثُمَّ ظهر للمتكلّم أنَّه قد كان ناسياً. (٣) وبدلُ الإضراب عن المبْدَلِ منه، ويأتي تداركاً لما يرادُ التعبير عنه، مع صحّة إرادة الْمُبْدَلِ منه، لكن المتكلّم أضربَ عنه صارفاً النظر عن الاهتمام به، أو موجّهاً النظر بعنايةٍ إلى الْبَدَل. أمّا كَوْنُ البدل من القيود في الجملة فيظْهَرُ في بعض أقسامه بلا إشكال، أمّا قسم البدل المباين فإدْخاله في عموم القيود هو على سبيل التسمُّح، وعلى معنى أن البدل صحَّح ما سَبَق في البيان بقيْدٍ لفظيّ مُلْغٍ لَهُ على سبيل الإِبدال. الفوائد البلاغية: وتظهر فوائد بلاغية في الأقسام الثلاثة الأولى للبدل: * منها التفسير والتوضيح بعد الإِجمال، أو الإِبهام أو التعميم، لتثبيت المعنى في نفس المتلَقّي، وهذا يظهر في بدل الكُلّ من الكُلّ. * ومنها الإِشعار بأنّ البعض قد تبلُغُ أهميَّتُه حتّى يكون هو بمثابة الكلّ، فجاء التعبير بالكُلّ أوّلاً، ثُمَّ أُبدلَ منه بعضُه، وهذا يظهر في بدل البعض من الكُلّ. * ومنها تثبيت الأصل أوّلاً اهتماماً به، ثمّ التوجيه للمقصود بالبيان، فتتحقَّق بذلك فائدتان، وهذا يظهر في بدل الاشتمال. * ومنها زيادة التقرير بالتفسير والتوضيح، أو بالتكرير المؤكّد. * وقد تظهر فوائد بلاغيّة في بدل الغلط، وذلك حينما يكون التوجيه غير الصحيح أوّلاً مقصوداً، ثمّ يأتي بعده التصحيح التداركيّ للإِيهام بأنّ الفكر

стр. 457

أو اللّسان لم يُخْطِىء إلاَّ وفي النَّفْسِ عوامل تدعو إلى هذا الغلط، إذْ من المعروف أنَّ فلتات اللّسان قد تدلُّ على ما في الجنان. * وقد يُقْصَدُ بالبدل التركيزُ على مواطن المدح أو الذّمّ، أو ماله الأهميَّةُ سواءٌ عند المتكلّم أو المخاطَب. إلى غير ذلك من فوائد. *** خامساً - عطفُ النسق: عطْفُ النَّسق: تابعٌ يتوسَّطُ بينه وبين متبوعه واحدٌ من حروف العطف، وهي: "الواو - الفاء - ثُمَّ - حتَّى - أَمْ - لَكِنْ - بَلْ - لاَ يَكُونُ - ليس". ولِكُلّ وا حد من حروف العطف هذه دلالة تُستفادُ في الكلام، بسطها علماء النحو، والمتكلّم البليغ يتحرّى أن يختار منها في كلامه حين يريد العطفَ ما يلائم منها المعنى الذي يريد إعلام المتلَقِّي به. ومن الظاهر أنّه يتحقَّق بالعطف مزيد فائدة يستفيدها مُتَلَقِّي الكلام. الفوائد البلاغية: لِلْبلاغيين نظراتٌ فوق الأوضاع اللّغويّة للدلالة التي تُستفادُ بالعطف وحروفه، ومنها ما يلي: (١) التفصيل مع الاختصار. فقولنا: "جاء مُحمَّد وعلي - جاء محمد فعلي - جاء مُحَمَّد ثُمّ علي" أخصر من أن نقول: جاء محمد جاء علي، وهكذا، وهذا من أصل فوائد العطف، والبليغ يهتمّ بالإِيجاز. (٢) إراد التشكيك بحرف العطف "أو". (٣) تجاهل العارف بحرف العطف "أو".

стр. 458

(٤) بعض الأغراض التي تستفاد ببدل الإِضراب، باستخدام "بل". (٥) إراد الترتيب في الرتبة أو في الذكر على سبيل المجاز، باستخدام "الفاء" التي تفيد الترتيب مع التعقيب، أو باستخدام "ثُمَّ" الَّتِي تفيد الترتيب مع التراخي. إلى غير ذلك من فوائد بلاغيّة يمكن استنباطُها من النصوص، أو تصيُّدها عند الأحوال المقتضية لها. *** (٦) التقييد بضمير الفصل ضمير الفصل هو ضمير منفصل من ضمائر الرفع، يُؤتَى به لغرض الفصل بين ما هو خبر وما هو تابع. ويقع فصلاً بين المبتدأ والخبر، مثل: المتنبي هو شاعر العربيَّة المبدع". ويقع فصلاً بين ما أصله مبتدأ وخبر ممّا دخل عليه أحَدُ النواسِخِ، مثل: "إنْ كَانَ هذا هو الحق - وكُنْتَ أَنْتَ الرّقيبَ عليهم - وكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ - تَجِدُوهُ عند اللهِ هُوَ خيراً". الفوائد البلاغية: يستفاد من ضمير الفصل فوائد بلاغية متعدّدة، منها ما يلي: (١) التخصيص، بقصر المسند على المسند إليه، مثل قول الله في سورة (التوبة/٩) : ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ [الآية: ١٠٤] .

стр. 459

(٢) تأكيد التخصيص، إذا كان في الجملة مُخَصِّصٌ آخر، كما في المثال الثاني من الآية السابقة، وكما هو قول الله في سورة (الذاريات/٥١) : ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ [الآية: ٥٨] . فالتخصيص مستفاد من تعريف طرفي الإِسناد، وجاء ضمير الفصل مؤكّداً له. (٣) تمييز الخبر عن الصفة، مثل قولنا: "الْفَصِيحُ هو مُوضِح البيان طَلْقُ اللِّسَان". إلى غير ذلك من أغراض بلاغية يمكن استنباطها أو تصيُّدها. *** (٧) التقييد بالشرط يدخل الشرط على الجملة لربط الحكم فيها بحكم آخرَ في جملة أخرى ربطاً شرطيَّاً، فتكون الجملتان بمثابة جملة واحدة، وتُسمّى عندئذٍ جملة شرطيّة. ويلاحظ في الجملة الشرطية أنّ الشرطَ فيها قَيْدٌ للحكم في الجملة التي هي جواب الشرط، ففي قولنا: "من آمَنَ وعَمِل صالحاً دخَلَ الجنة" نلاحظ أنّ تحقُّق الإِيمان والعمل الصالح المبيّن في الجملة الأولى قَدْ جُعِل في الكلام شرطاً لتحقُّق دخول الجنة في الجملة الثانية، والأداةُ الرّابطة بين الجملتين هنا كلمة "مَنْ" الشرطيّة. وأدوات الشرط قسمان: أدوات عاملة فيما بعدها، وأدواتٌ غير عاملة. * أمّا الأدوات العاملة: فهي التي تجزم فعلين أوّلُهما فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه، وهي:

стр. 460

(١) "إن - إذْمَا" وهما حرفان. (٢) "مَنْ - مَا - متَى - أَيْنَ - أيْنَما - أَيَّانَ - أَنَّى - حَيْثُما - كَيْفَمَا - مَهْمَا - أيُّ" وهي أسماء. * وأمّا الأدوات غير العاملة، فهي: "لَوْ - لَوْلاَ - لَوْمَا - أَمَّا - لَمَّا" وهي حروف، و"إذا" هي اسم ظرف لما يستقبل من الزمن. وقد فصّل اللّغويون والنحاة معاني أدوات الشرط العاملة وغير العاملة، والفصيح البليغ يتحرَّى استعمالها فيما وُضِعَتْ له، وضمن المعاني الّتي استَعْمَلَها العربُ الفصحاء فيها. ونَبَّه علماءُ البلاغة على مواقع استعمال بعض أدوات الشرط السّابِق ذكرُها، إذْ لاحظوا أنّ بَعْضَ شارحي النصوص البليغة ومُفَسِّريها لَمْ يكْشِفُوا فروق دَلالات هذه الأدوات، مكْتَفِينَ بدلالاتِها الشرطيّة العامّة، كما أنّ بعض الكتَّاب والشُّعراء يَغْلَطُونَ فيضَعُونَ بعضَ هذه الأدواتِ في المواقع التي لا يحْسُنُ وضْعُها فيها. وقد أَبَان البلاغيّون الفرق بين أداة الشرط "إنْ" وأداة الشَّرْط "إذا" فرأوا من تتبُّع النُّصُوصِ الرَّفيعة أنّ حرف الشرط "إنْ" يُسْتَعْمَلُ غالباً فيما يَرى المتكلّم أنّ ما جُعِلَ شرطاً وهو ما دلَّتْ عليه جملة الشرط أمْرٌ مشكوكٌ في وقوعه مستقْبلاً، أو هو نادر الوقوع. وأنّ اسم الشرط "إذا" يُسْتَعْمَلُ غالباً فيما يَرى المتكلم أنَّ ما جُعِلَ شرطاً وهو ما دلّتْ عليه جملة الشرط أمْرٌ مُتَحقِّق الوقوع، أو هو مَرْجُوّ الوقوع. فالبليغ مطلوبٌ منه، أن يستَعْمِلَ كُلاًّ من "إنْ" و"إذا" فيما هو الغالبُ من استعماله، ليشير في كلامه بكلمة "إنْ" الشرطيَّة إلى الشَّكِّ في وقوع الشرط أو ندرته، وليشير في كلامه بكلمة "إذا" إلى تَحَقُّقِ الشرط مستقبلاً، أو إلى رجاء تحقُّقه. على أنّ كلمة الشرط "إنْ" باعتبارها أمّ أدوات الشرط قَدْ يقتضي الكلام

стр. 461

استعمالها في غير المشكوك فيه أو النادر، ولا سيما حينما يتردَّدُ الشرط بين احتمالين أو احتمالات متعدّدات، مثل أن نقول: "إن استوفى المصلي المطلوبَ منه وجوباً صحَّتْ صَلاتُه، وإنْ لم يستوف المطلوبَ منه وجوباً لم تَصِحَّ صلاتُه" فلفظ "إنْ" في هذا المثال وأشباهه لا يشير إلى أنّ الشرط مشكوكٌ في تحقُّقِهِ أو نادر. وللبلغاء ذوقٌ دَرّاكٌ للمواطن التي يَحْسُنُ فيها استعمال "إنْ" الشرطية، وللمواطن التي يَحْسُنُ فيها استعمال "إذَا". ومن الأَمثلة التي جاء فيها استعمال كلٍّ من "إذا" و"إنْ" الشرطيتَيْنِ في مكانه المناسب تماماً، قول الله في سورة (الأعراف/٧) : يقصُّ قصّة موسَى ﵇ وآل فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هاذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ ألا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله ولاكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١٣٠ - ١٣١] . إنّ مَجْرَى إمْدَادِ اللهِ الناسَ بالحسنات في الحياة الدُّنيا أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ وَهُوَ القاعِدَةُ الأَغْلَبِيَّة، ولو كانوا كفَّاراً مُجْرمين، لذلك جَاءَ استعمال كلمة "إذَا" داخلةً على شرط مجيء الحسنة لآلِ فرعون، أمَّا الإِصَابَةُ بالسَّيِّئَة فأمْرٌ نادرٌ وقليلٌ بالنسبَة إلى تواتر الحسنات، وتأتي للتذكيرِ، والتَّنْبِيه على عقوبات الله الكبرى التي جاء بها الوعيد الرَّباني، لذلك جاء استعمال كلمة "إنْ" داخلة على شرط الإِصابة بالسيّئة. قال الزمخشري في الكشاف: "وللْجَهْلِ بمواقع (إنْ) و (إذا) يَزِيع كثير من الخاصَّة عن الصواب فيَغْلَطُونَ، ألاَّ ترى إلى (عبد الرحمن بن حسَّان) كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطِبُ بعض الولاة وقد سأله حاجَةً فلم يقضها، ثُمَّ شُفِعَ لَهُ فيها فقضاها:

стр. 462

أَبَى لَكَ كَسْبَ الْحَمْدِ رَأَيٌ مُقَصِّرٌ ... ونَفْسٌ أَضَاقَ اللهُ بالْخَيْرِ بَاعَهَا إذا هِيَ حَثَّتْهُ عَلَى الخير مَرَّةً ... عَصَاهَا وإنْ هَمَّتْ بِشَرٍّ أَطَاعَها ولو عكس في استعمال الأداتين لأصابَ الغرض". أي: لو قال: فإن هي حثته ... وإذا همت بشرٍّ ... * وذكر البلاغيّون أنّ كُلاًّ من حَرْفِي "إنْ" و"إذا" الشرطيَّيْن قد يستعمل في موضع الآخر لأغراض بلاغيّة، منها: (١) تجاهل العارف، كأن يقول المتعذر عن أمْرٍ لا يليق به: "إنْ كنتُ فَعَلْتُ هذا الأَمْرَ فأرجو العفو والمسامحة" وهو يعلم من نفسه أنّه فعله، وكأن يقول المغاضب لصاحبه: "إنْ طرقْتُ بابَكَ بَعْدَ اليْوم فلا تَفْتَحْ لي" وهو يعلم من نفسه أنّه لا يصْبر على هجره. وكأنْ يقول مُدَّعِي ما ليْسَ له: "إِذَا كَانَ هذا حَقِّي فَلا بُدَّ أنْ أصل إليه" وهو يعمل أنّه لا حقّ له به. (٢) تنزيل المخاطب منزلة مُنْكر الحقيقة، كأن يقول الأب لابنه الخارج عن واجب البرِّ: "إنْ كنْتَ ابْنِي حَقَّاً فَلا تَعْصِنِي". (٣) تنزيلُ الشَّاكّ منزلةَ غير الشاكّ، للإِشعار بأنّ وضوح الأدلة يقتضي عدم وجود الشّك أَصْلاً، كأن يقول المؤمن الذي يناظِرُ غير المؤمن حول قضايا الإِيمان الكبرى: "إِذَا كنْتَ تُسَلّم بالبراهين العقلية الدَّامِغة فلا بُدَّ أن تُؤْمِنَ باللهِ واليوم الآخر وَالقرآن وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله وما جاء به عن ربّه". (٤) تغليب واقع حال العدد الأكثر من المخاطبين على العدد الأقل، وقد يُحْمَلُ على هذا قول الله في سورة (البقرة/٢) خطاباً للجاحدين من المشركين بأن القرآن مُنَزَّل مِنْ عند الله : ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ... ﴾ [الآية: ٢٣] .

стр. 463

أَفْهَمَ اسْتِعْمالُ "إنْ" في هذا النَّصّ أنّ العدد الأكثر من المشركين لم يكونوا شاكّين في أنَّ القرآن كلامٌ مُنَزَّل من عند الله، إنما كانوا جاحدين معاندين، والمعنى أن احتمال وجود الشّكّ في القرآن عندكم أمْرٌ قليلٌ ونادِرٌ، فأكثركُمْ معاندون. والأصل أن يكون فعل الشرط مع أدَائَيْ "إنْ" و"إِذَا" فِعْلاً مضارعاً، وقد يأتي فعلاً ماضياً لفظاً، إلاَّ أنّ معناه بأداة الشرط انقلب إلى الاستقبال، والبليغ حين يستعمل فعل الشرط ماضياً مع "إنْ" أو "إذا" يُلاحظ غرضاً بلاغيَّاً، ومن هذه الأغراض: (١) الإِشعار بتحقُّقِ الوقوع فكأنه أمْرٌ تَمَّ وُقُوعُهُ، مثل: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: ١] ، ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الإنشقاق: ١] ، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] . (٢) التفاؤل بتحقُّق الوقُوع، مثل قول الفقير المعدم: "إذا رزقني اللهُ مالاً وفيراً اشتريت داراً واسعة جميلة وأدّيت فريضة الحجّ". (٣) إظهار الرغبة في تحقُّق الوقوع، مثل قول التاجر الطامع بشراء صفقة تجاريّة رابحة: "إذا تَمَّتْ هذِهِ الصَّفْقَةُ التِّجَاريَّة حصَلَ لنا منها رِبْحٌ وفير". (٤) التعريض، مثل أن يقول الباحث عن زوجة مناسبة أمام من يرغب أن يتزوَّجَها، إِذَا وَجَدْتُ الجميلة الذكيّة العاقلة ذات الخلُق والدِّين فإنّي أُحِبُّ الزّواج مِنْها إِذَا وَافَقَتْ هِي وأهْلُها. إلى غير ذلك من أغراض. على أن حرف الشرط "إنْ" قد يُسْتعمل في غير الاستقبال لفظاً ومعنىً، قياساً مُطَّرِداً في موضعين: الموضع الأول: أن يأتي فعل الشرط لفظ "كان". الموضع الثاني: أن يأتي حرف "إنْ" في مقام التأكيد بعد واو الحال لمجرّد

стр. 464

الربط دون إرادة الشرط منه، مثل أن يقول المحبّ لحبيبه: "سأزورُكَ وَإِنْ هَجَرْتَنِي، وأكْرِمُكَ وإِنْ أَهَنْتَنِي، وأحْبَبْتُكَ وإِنْ جَفَوْتَنِي، وذَكَرْتُكَ وإِنْ نَسِيتَنِي". * أمّا "لو" الشرطيّة فهي على قسمين: الأول: أنْ تكون للتعليق في المستقبل، وعندئذ تكون مرادفة "إنْ" الشرطيّة، وإذا وَلِيَها فعل "ماضٍ" كان معناه على الاستقبال، وقد يدعو إلى ذلك غرض بلاغي، وهو جعل الأمر المستقبل بمثابة الأمر الماضي، ومن فوائد ذلك التحذير والتخويف، كما في قول الله في سورة (النساء/٤) : ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء: ٩] . أي: إنّ من المتوقَّعِ أنْ يتْرُكَ الَّذِينَ لاَ يتَّقُونَ اللهَ فِي ذُرِّياتِ غيرهم ذُريّاتٍ لهم يخافون عليهم من ظلم من يتولَّى أمورهم بَعْدَهم. الثاني: أنْ تكون "لو" للتعليق في الماضي، وهو أكثر استعمالاتها، وتقتضي عندئذٍ لزوم امتناع جوابها لامتناع شرطها إن لم يكن لجوابها سبَبٌ آخر غير الشرط، مثل قول الله في سورة (الفرقان/٢٥) : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الآية: ٥١] . أي: لم نشأ ذلك فلم نَبْعَثْ، لأنّ الحكمة اقتضت أن نبعث رسولاً واحداً في آخر الزَّمان خاتماً للمرسلين، ورسولاً لجميع العاملين. وحين تكون "لو" للتعليق في الماضي فالأصل أن يكون كلٌّ من فِعْلَي الشرط وجوابِه فِعلاً مَاضياً، وقد يَسْتَعْمِلُ البليغ الفعل المضارع لغرض بلاغي، ومن الأغراض البلاغيّة في هذا الاستعمال ما يلي: الغرض الأول: قصد الاستمرار في الماضي حيناً فحيناً، مثل قول الله عزَّ

стр. 465

وجلَّ في سورة (الحجرات/٤٩) خِطَاباً للمؤمنين في عصر الرسول ﷺ : ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ ... ﴾ [الآية: ٧] . الْعَنَت: المشقة، والتعب، وشدّة الضّرر، والفساد. أي: لو تابع طاعتكم في كثير من الأمور الَّتي تقدّمون فيها آراءً خاصَّةً لوقعتم في العنت، وهذا المعنى يُفْهَمُ من الفعل المضارع الذي يدلُّ على التجَّدُّد في المستقبل، فَقُلِبَ معنى زمانه إلى المضي بحرف "لَوْ" وبقي فيه معنى التجدّد. الغرض الثاني: تصوير ما سيحدث بصورة الأمر الذي وقَعَ وحدث، فيُؤْتَى بالفعل المضارع للإِشعار بأنَّه أمْرٌ من أُمُورِ المستقبل المتحقِّقَةِ الوقوع، ولمَّا كانت "لو" هذه للتعليق في الماضي كان اجتماع الأمرين بمثابة الإِعلام بأنّ ما نقولهُ من أمْرِ المستقبل هو بقوّة ما وقع وتحقَّقَ فِعلاً، ولهذا أمثلة كثيرة في القرآن، منها قول الله في سورة (السجدة/٣٢) : ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [الآية: ١٢] . وُضِع الفعل المضارع "تَرَى" والأصل - دُون ملاحظة الغرض البلاغي - أن يُقَال: ولَوْ رَأَيت. لكن الفعل المضارع أدّى معنى دقيقاً لا يؤدّيه الفعل الماضي هنا. ***

стр. 466

الفصل السادس: الخروج عن مقتضى الظاهر مقدمة درس علماء البلاغة ضمن تتبُّعِهم لموضوعات علم المعاني ظاهرةَ الخروج عن مقتضى الظاهر في الكلام البليغ، لداعٍ من الدواعي البلاغيّة ذات التأثير في النفوس والأفكار، لما فيها من عناصر فَنّيَّةٍ إبداعيّة تتضمَّن دلالاتٍ فكرية، أو تعبيراتٍ جماليّة، أو إلماحات ذكيّة. وظهر لهم من التتبُّع الأنواع التسعة التالية: النوع الأوَّل: الالتفات. النوع الثاني: أسلوبُ الحكيم. النوع الثالث: الإِضمار في مقام الإِظهار، والإِظهار في مقام الإِضمار. النوع الرابع: التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي. النوع الخامس: التغليب. النوع السادس: وضع الخبر موضع الإِنشاء ووضع الإِنشاء موضع الخبر. النوع السابع: الانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس. النوع الثامن: تجاهُل العارف.

стр. 467

النوع التاسع: القلبُ بإجراء التبادل بين جزئَيْنِ يُمْكن إجراء التبادل بينهما من أجزاء الجملة. وفيما يلي شرح لهذه الأنواع الّتي يلاحظ فيها خروجٌ في الكلام البليغ عن مقتضى الظاهر لداعٍ بلاغيّ حسُنَ بسببه هذا الخروج بلاغياً وأدبيّاً. *** (١) النوع الأول الالتفات تعريف الالتفات: الالتفات: هو في اللّغة تحويل الوجه عن أصل وضعه الطبيعيّ إلى وضْعٍ آخر. وفي اصطلاح البلاغيين هو التحويل في التعبير الكلاميّ من اتجاه إلى آخر من جهات أو طرق الكلام الثلاث: "التكلّم - والخطاب - والغيبة" مع أنّ الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أوّلاً دون التحوّل عنها. وأضاف السَّكّاكيّ إلى ما اشتمل عليه هذا التعريف التعبيرَ ابتداءً بواحدة من هذه الطُّرُقِ إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كأنْ يتحدّث المتكلِّم عن نفسه بأسلوب الخطاب الذي يخاطب به غيره، أو يتحدَّث مع من يخاطبه بأسلوب التكلّم عن الغائب، أو يتحدّث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب، أو يتحدّث عن الغائب بأسلوب الخطاب، وهكذا. ومنه وفق رأي السّكّاكي قول البوصيري في بردته يخاطبُ نفسه:

стр. 468

أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ ... مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ ومنه حديث الله عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب في القرآن المجيد: مثل قول الله في سورة (البقرة/٢) : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٣٠] . ومنه خطاب الله رسوله بقوله: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ [عبس: ١-٢] . وكان مقتضى الظاهر أن يقول: "وإذْ قُلتُ لِلْمِلاَئِكَة ... " وأن يقول لرسولِهِ: "عَبَسْتَ وتولَّيْتَ أن جَاءَكَ الأعمى". ويُلَقّبُ الالتِفاتُ بشجاعة العربيّة، على معنى أنَّ الْبُلَغَاء مِنْ ناطقي العربية كانت لديهم شجاعةٌ أدبيَّةٌ بيانيّة استطاعوا بها أن يفاجئوا المتلقّي بالتَّنقُّل بَيْن طُرُقِ الكلام الثلاثة "التكلُّم - والخطاب - والْغَيْبة" مشيرين بذلك إلى أغراضٍ بلاغيَّة يريدون التنبيه عليها بذلك. والالتفات من الأساليب البلاغيَّةِ ذَاتِ اللَّطَائف النفيسة، وقد تكرّر في القرآن المجيد استخدامه جداً، وله فيه أمثلة كثيرة. وهو فنٌّ بديعٌّ من فنون القول يُشْبِهُهُ تحريكٌ آلات التصوير السينمائي بنقلها من مشهد إلى مشهد آخر في المختلفات والمتباعدات الّتي يُرادُ عَرْضُ صُوَرٍ مِنْها، ومفاجأة الْمُشَاهِدِ بلَقَطاتٍ مِنْها متباعدات، ولكنَّها تدخُلُ في الإِطار الْكُلّي الذي يُراد عرض طائفةٍ من مشاهده تدلُّ على ما يُقْصد الإِعلام به. ويَهْدِي الذوقُ الأدبيُّ السليم إلى استخدام الالتفات استخداماً بارعاً يُحَقِّق به البليغ فوائد في نفس المتَلَقِّي أو فكره، مع ما يُحِقِّق به من الاقتصاد والإِيجاز في العبارة.

стр. 469

فلننظر إلى الالتفات البديع الموجود في النصّ القرآنيّ التالي: بينما يتحدّث النّصّ عن بني إسرائيل الأوّلين ما فعلُو من كبائِرَ بأسلوب الحديث عن الغائب، يلتفت النّصّ فيخاطب بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن فمن يأتي بعدهم كأنَّهم الأوّلون أنفسُهم، للإِشعار بأنّ هؤلاء الْخُلُوف ما زالوا يتّصفون بأوصاف الأوّلين، لم يغيّروا منها شيئاً، فهم مَعْنِيُّون بعموم الخطاب، فقال الله في سورة (الأعراف/٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هاذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ١٦٩] . فالالتفاتُ في: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ خطاباً لبني إسرائيل المعاصرين لنزول النصّ فمن بعدهم فيه فائدتان: الأولى: فنيّيّةُ التنويع في العبارة المثيرة لانْتِباه المتلَقِّي، والباعثة لنشاطه في استقبال ما يُوَجَّه له، والإِصْغَاءِ إلَيْه. الثانية: الاقتصاد والإِيجاز في التعبير، فبدل أن يقول النصُّ لمعاصري التنزيل الكافرين من بني إسرائيل فمن بَعْدَهم: وأنتم يا بني إسرائيل ما زِلْتُم على طريقة أسْلاَفِكُمْ، أَفَلاَ تَعْقِلُونَ؟. اقْتَصَرَ النّصُّ على: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ مُسْتَغْنِياً بأُسْلُوبِ الالْتفاتِ، للدلالة على ما يُمْكِن فَهْمُه ذِهْناً، إذْ اعتَبَرَهُمُ النَّصُّ داخِلِين في عُمُوم خطاب الغائبين السّالِفين، إذْ هم موافقون على ما كانوا يفعلون، أو يفعلون مثلهم. ونظيره الالتفات البديع في قوله الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) : ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب ... ﴾ [الآية: ١٧٩] .

стр. 470

ففي هذه الآية تحقَّقَتِ الفائدتانِ أيضاً: الأولى: فَنّيَّةُ التَّنْوِيع في أسلوب الكلام. الثانية: الإِيجاز في العبارة. وبسط الكلام يكونُ كما يلي: مَا كان الله ليذر المؤمنين على ما هم عليه من الدَّعَة والأمن والرَّخاء، وأنتم من المؤمنين، فما كان الله ليَذَرِكُمْ على ما أنْتُم عليه، حتَّى يميز بالامتحان الشديد على النفوس الخبيثَ من الطَّيب في الأعمال والأقوال والنيّات وحركات النفوس الإِرادِية. ومن فوائد الالتفات من الخطاب إلى الغيبة الإِشعارُ بالعتاب أو الإِعراض عمَّنْ يليقُ به أن يُكرَّمَ بالخطاب بحسب مقتضى الظاهر، ولكن جاء الكلام على خلاف ذلك لأنّه أعرض أو تولَّى في مقامٍ كان ينبغي له في أَنْ لا يُعْرِض ِأو أن لا يتولّى، ومن أمثلته على رأي السّكّاكيّ - وهو رأيٌ حَسَنٌ - المثالُ الذي سبق الاستشهاد به لما ذهب إليه، وهو قول الله في سورة (عبس/ ٨٠ مصحف/ ٢٤ نزول) : ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ [الآيات: ١ - ٢] . إذِ الْتَفَتَ عنه ابتداءً، فتحدَّثَ عنْهُ بأسْلُوبِ الحديثِ عن الغائب، مع أنّ مُقْتَضَى الظاهر بحسب منزلته أنْ يُكلِّمَهُ بأسلوب الخطاب، لكِنْ لم يُطِلِ الالتفاتَ عنه بل أسْرَعَ إلى الالتفات إليه، فخاطبه بقوله معاتباً: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ [عبس: ٣] . *** فوئد الالتفات: ممّا سبق استطعنا أن تكتشف مِنْ فوائد الالتفات ما يلي:

стр. 471

الفائدة الأولى: فنيِّيّةُ التَّنْوِيعِ في العبارة، المثيرِ لانتباه المتلَقِّي، والباعثِ لنشاطه في استقبالِ ما يوجَّه له من كلام، والإِصغاءِ إليه، والتفكير فيه. الفائدة الثانية: الاقتصادُ والإِيجازُ في التعبير. الفائدة الثالثة: الإِعراض عن المخاطبين، لأنهم عن البيانات معرضون أو مُدْبرون وغير مكترثين. الفائدة الرابعة: إفادة معنىً تتضمَّنُه العبارة الّتي حصل الالتفات إليها، وهذا المعنى لا يستفادُ إذا جرَى القول وفق مقتضى الظاهر. الفائدة الخامسة: ما يُسْتفاد من معنىً بالالتفات إنّما يستفاد إلماحاً بطريقٍ غير مباشر، ومعلُومٌ أنّ الطُّرُقَ غير المباشرة تكون أكثر تأثيراً من الطرق المباشرة حينما تقتضي أحوال المتلقّين ذلك. الفائدة السادسة: إشعارُ مختلِف زُمر المقصودين بالكلام بأنّهم محلُّ اهتمام المتكلّم، ولو لم يكونوا من الزُّمْرَة المتحدّث عنها أوّلاً، ويظهر هذا في النصوص الدينيّة الموجَّهة لجميع الناس، وفي خُطَب الملوك والرؤساء والوّعاظ وأشباههم. *** ملاحظات حول شروط الالتفات وما يقرُب منه: الملاحظة الأولى: قالوا: يشترط في الالتفات أن يكون الضمير المتنقل إليه عائداً في نفس الأمر إلى المنتقل عنه. ولكنّي لست أرى هذا شرطاً لازماً، لأنّ مطلق التنقّل بين التكلّم والخطاب والغيبة له التأثير نفسه، وله خصائصه الفنيّة البيانية البليغة، إذا استوفى عناصره الجماليّة المؤثرة، وأدى بعض فوائده وأغراضه البلاغية. الملاحظة الثانية: وقالوا: يقربُ من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد

стр. 472

أو الاثنين أو الجمع إلى الآخر. أقول: هذا صحيح، ولا مانع من إلحاقه به. الملاحظة الثالثة: وقالوا: يقربُ من الالتفات التنقُّل بين الماضي والمضارع والأمر. أقول: وهذا صحيح أيضاً، وهو من الخروج عن مقتضى الظاهر، ويُلْحَقُ به التنقُّل بين الفعل واسم الفاعل واسم المفعول، مثل: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ [الأنعام: ٩٥] . ويُلْحق به أيضاً كُلُّ تنويع من هذا القبيل يُلاَحَظُ فيه خروج الكلام عن مقتضى الظاهر، مثل قول الله في سورة (الفاتحة) . ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ [الآيات: ٦ - ٧] . إذْ كان الظاهر أن يقال: "غير الذينَ غَضِبْتَ عليهم" فَخُولِفَ هذا الظاهر. *** صُورُ اللالتفات: يأتي الالتفات في ستِّ صُوَر: الصورة الأولى: الانتقال من التكلّم إلى الخطاب، وكذا الابتداء بالخطاب، مع أنّ مقتضى الظاهر يستدعي التكلم أو الْغَيْبَة. الصورة الثانية: الانتقال من التكلُّم إلى الغيبة، وكذا الابتداء بالْغَيْبة مع أنّ مقتضى الظاهر يستدعي التكلّم أو الخطاب. الصورة الثالثة: الانتقال من الخطاب إلى التكلّم، وكذا الابتداءُ بالتكلّم مع أنّ مقتضى الظاهر يستدعي الخطاب أو الْغَيْبَة. الصورة الرابعة: الانتقال من الخطاب إلى الْغَيْبة. الصورة الخامسة: الانتقال من الْغَيْبة إلى التكلّم.

стр. 473

الصورة السادسة: الانتقال من الْغَيْبة إلى الخطاب. *** الأمثلة: أولاً: فمن أمثلة الانتقال من التكلّم إلى الخطاب مايلي: * ما جاء في قول الله في سورة (يَس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) في حكاية ما كان من الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة (قيل: هي أنطاطية لنُصْرَة الرُّسل الثلاثة: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرحمان بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢٣] . قوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾ معطوفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه حرف العطف "الواو" والمطويُّ المحذوف يُمْكِنُ تقديره بأن نقول. قالوا له: أتُؤْمن بما جاء به هؤلاء المرسلون وتَعْبُدُ الرَّبَّ الَّذِي يدعُونَ لعبادته؟ قال نعم: أومنُ بما جاؤا به، وأَعْبُدُ رَبِّي، ومَالِيَ لاَ أَعْبُدُ الّذي فَطَرَني؟!. ثم انتقل من التكلّم إلى الخطاب فقال لهم: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فخاطَبَهُمْ مع أن مقتضى الظاهر أن يقول: وإليه أُرْجَعُ يوم الدين ليحاسبني ويجازيني، كما يُرْجَعُ إليه سائر الناس وأنتم منهم. فأوجز في العبارة، وأشعرهم بأسلوب غير مباشر أنَّهم قد كان عليهم أن يؤمنوا كما آمَنَ هو، لأنّهم سَيُرْجَعُون إليه يوم الدين، وسَيُحَاسِبُهم ويجازيهم على أعمالهم. ***

стр. 474

ثانياً: ومن أمثلة الانتقال من التكلّم إلى الغيبة مايلي: * قول الله في سورة (الكوثر/ ١٠٨ مصحف/ ١٥ نزول) : ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ [الآيات: ١ - ٢] . فقد جاء الكلام أوّلاً على طريقة التكلُّم: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ ثُمَّ انْتَقَل إلى أسلوب الحديث عن الغائب: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ولم يَقُلْ: فَصَلِّ لنا. والحكمة من هذا الالتفات التذكير بحقِّ الرّبّ الْمُنْعِم بعطاءات الربوبيَّة في أن يَعْبُدَهُ عبادُهُ ويُصَلُّوا له، مع الاقتصاد في التعبير، والإِيْجاز في القول. * وقول الله في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) : ﴿*قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ [الآية: ٥٣] . كان مقتضى الظاهر أن يأتي التعبير: لا تقنطوا من رحمتي إنّي أغْفِرُ الذُّنوب جميعاً. ولكن حصل العدول عنه إلى ﴿مِن رَّحْمَةِ الله ... ﴾ للإِشعار بأنّ من صفات الله الجليل العظيم أن يغفر ذنوب مَنْ يُنيبون إلى رَبِّهِمْ ويسلمون له، كما جاء في الآية التالية من السورة، مع الإِيجاز والاقتصاد في العبارة. * وقول الله في سورة (الدخان/ ٤٤ مصحف/ ٦٤ نزول) : ﴿حم* والكتاب المبين * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ [الآيات: ١ - ٦] . بدأ الأسلوب في هذا النّصّ عَلى طَرِيقة حديث المتكلّم عن نفسه: ﴿إِنَّا أنْزَلْنَاهُ - إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ - أمراً من عِنْدِنا - إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ .

стр. 475

وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب الحديث عن الغائب خلافاً لمقتضى الظّاهر ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ . وفائدة هذا الالتفات التذكير بربوبيّة الله والتوطئة لذكر بعض صفاته التي هي من متقضيات ولوازم كونه رَبّاً، مع الإِيجاز والاقتصاد في العبارة. * وقول الْحُصَيْنِ بنِ الْحُمَام في مُفَضَّليته يتحدّث عن الخيل في موقعةِ يوم "دَارةِ موضوع" بين بني سعد بن ذبيان، وبين بني سهم بن مُرَّة، وكان الْحُصَيْن قائد بني سهم، وكتب الله له فيها النصر، فجاء في قصيدته: وَأَنْجَيْنَ مَنْ أَبْقَيْنَ مِنَّا بخُطَّةٍ ... مِنَ الْعُذْرِ لَمْ يَدْنَسْ وإِنْ كَانَ مُؤْلِماً أَبَى لاِبْنِ سَلْمَى أَنَّهُ غَيْرُ خَالِدٍ ... مُلاَقِي المَنَايَا أَيَّ صَرْفٍ تَيَمَّمَا فَلَسْتُ بمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ ... وَلاَ مُبْتَغٍ مِنْ رَهْبَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا يَصِفُ الْحُصَيْنُ بن الْحُمَامُ خَيْلَ قَوْمه وقد نجّتْ من بقي منهم في معركتهم الظافرة، وأبان أنّ مَنْ بقي حيّاً فقد بقي بخُطَّةٍ يُعْذَر بها، إذْ لم يجبُنْ، بل أبلى بلاءً حسناً، فلَمْ يَدْنَسْ بفرار من المعركة. وتحدَّث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب فقال: "أبى لابن سلمى" بعد أن تحدّث عن نفسه بأسلوب التكلم مع قومه في قوله: "مَنْ أبْقَيْنَ مِنّا" وكان هو ممّن بقي. ونقل الحديث إلى الحديث عن الغائب ليوطىء للحديث عن نفسه، كأنَّه يُحَدِّث عن فارسٍ شجاعٍ لا يخشى المنايا، لأنّه يعلم أنه غير خالد لوفرّ من مواقعها، وقَصَدَ أيّ صَرْفٍ من صُروفِ المَهَارِب. وبعد ذلك التفت أَيضاً إلى التكلّم، فَتَحَدَّث عن نفسه فقال: فَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَياةِ بِسُبَّةٍ ... وَلاَ مُبْتَغٍ مِنْ رَهْبَةِ الْمَوْتِ سُلماً

стр. 476

بمتاعٍ الحياة: أي بِشارٍ لها. *** ثالثاً: ومن أمثلة الانتقال من الخطاب إلى التكلّم مايلي: * قول "عَلْقَمة بْنِ عَبْدَة": طَحَابِكَ قَلْبٌ في الْحِسَانِ طَرُوبُ ... بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ يُكَلّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُهَا ... وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَخُطُوبُ بدأ يتحدث عن نفسه بأسلوب الخطاب في البيت الأوّل مُجَرِّداً من نَفْسِه مُخاطَباً قائلاً: "طَحَا بِكَ قَلْبٌ" أي: ذهبَ بِكَ وأتْلَفَك. وانتقل إلى أسلوب التكلُّم في الحديث عن نفسه فقال في البيت الثاني "يُكَلِّفني ليلى وَقَدْ شَطّ وَلْيُهَا" أيْ: يُكَلِّفُنِي حُبَّ ليلى وقد بَعُدَ قُرْبَها. قال المرصفي: مدَحَ "أي: علقمة بهذا القصيدة" ملِكَ غَسَّانَ واستعطاه، وسأله مع طلب الجائزَة أن يَمُنَّ على أخيه شاس بن عبْدَة، وكان أسيراً عند الملك، ولم يكتف بهذا بل طلب الجائزة لأخيه. *** رابعاً: ومن أمثلة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة مايلي: * قول الله في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) : ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هاذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين * فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ... ﴾ [الآيات: ٢٢ - ٢٣] . كان الكلام في صدر الآية جارياً على أُسلوب الخطاب: ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي

стр. 477

البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾ ، وبَعْدَ ذَلِكَ انْتَقَلَ الْكَلامُ إلى أسْلُوب الحديث عن الغائب: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ . وفائدة هذا الالتفات بيانُ أنّ الذين تكون منهم هذه الظاهرة التي تحدّث عنها النّصّ ليسوا جميع المخاطبين، بل هم فريق منهم، فمن الحكمة الحديث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائب، مع ما في الحديث عن الغائب من الإِعراض المشعر بالتأنيب على ما يكون منهم، وقد جاء في النصّ بعد ذلك تأنيبُهُمْ صراحةً فقال تعالى: ﴿ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا﴾ ولَوْ تتابع الكلامُ وفْقَ أُسْلُوب الْخِطاب دون ما حصل في النصّ من الالتفات لكان التأنيب مُوَجّهاً لكلّ الناس، مع أنّ فيهم صالحين لا تظهر منهم هذه الظاهرة القبيحة من الظواهر المنافية للسلوك الدّيني المطلوب من العباد. * وقول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) في معرض بيان خطابه لِجَمْعٍ كبيرٍ من الأنبياء المرسلين الذين جاء ذكرهم في السورة: ﴿إِنَّ هاذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون * وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الآيات: ٩٢ - ٩٣] . يظهر لنا في هذا النصّ نَظِيرُ ما ظهر لنا في النَّصّ السّابق، فالذين تقطَّعُوا أَمْرَهم بَيْنَهُمْ لَيْسُوا كُلَّ أتباعِ الرُّسُل، إذْ فيهم من حافظوا على وحدة الأمّة الرَّبَّانيَّةِ، ولم يَتَنكَّبُوا صِراطَ الله، وحينما بعثَ الله الرَّسُولَ الخاتم اتَّبعوه مؤمنين بأنَّ أُمَّتَه هُمْ أُمَّةُ الرُّسُلِ الذين جاءوا قبله، تلاحقت مواكبهم، إذْ هُمْ رُسُلُ مُرْسلٍ واحدٍ، يَقُودون أمَّةً واحدةً على صراط الله المستقيم. * وقول الشاعر: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

стр. 478

كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ ... عَنِ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ في البيت الأوّل واجه ممدوحه بالخطاب، وفي البيت الثاني انتقل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات. وموضع الحسن في هذا الالتفات أنّ الشاعر أراد أن يُواجه الناسَ بمدحه، ويُعْلِن على الملأ أنّه كريم ذو خُلُقٍ جميل، ولو تابع طريقة الخطاب لأوهم أنّه يتزلّف إليه بينه وبينه، وهو لا يريد إعلان مدحه بين الناس. خامساً: ومِنْ أمثلة الانتقال من الغيبة إلى التكلّم ما يلي: * قول الله في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) : ﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النشور﴾ [الآية: ٩] . الكلامُ في صَدْرِ الآيةِ جَارٍ وفْقَ أُسْلُوبِ الْحدِيثِ عن الْغَائب: ﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ . وبَعْدَ ذلِكَ انْتَقَل إلى أُسْلُوبِ التكَلُّمِ فقال تَعَالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ . وفائِدة هذا الالتفاتِ إيقاظُ الأذْهانِ للتفكُّر في مِنَّةِ اللهِ على عبادِه الذي يُقَدِّر أسْباب رِزْقِهِم ويَسُوقُها لهم، وللتفكُّرِ في مظهر من مظاهر قدرته الَّتِي يُحْيِي بها الأرْضَ الميتة، الذي يُشْبِهُهُ إحياءُ الموتَى يومَ القيامة، إذ جاء فيه تحدُّثُ الرَّبّ الجليل عن نفسه بضمير المتكلِّم العظيم: ﴿فَسُقْنَاهُ - فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ . * وقول الله في سورة (فُصِّلت/ ٤١ مصحف/ ٦١ نزول) : ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ *

стр. 479

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ [الآيات: ١١ - ١٢] . الكلام في صدر النصّ جارٍ وفق أسلوب الحديث عن الغائب كما هو ظاهر، وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب التكلّم، فقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً﴾ . وفائدة هذا الالتفاتِ هو ما سبق بيانه في النصّ السابق. وبعد ذلك انتقل النَّصُّ أيضاً إلى أسلوب الحديث عن الغائب. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ . توطئةً لذكر اسْمَيْنِ من أسْمَاءِ الله الحسنى الملائمة لدقَّةِ التقدير العظيم وإحكامه. * وقول المخبَّل السَّعْدِي في مطلع مُفَضَّلِيَّتِه: ذَكَرَ الرَّبَابَ وَذِكْرُهَا سُقْمُ ... فَصَبَا وَلَيْسَ لِمَنْ صَبَا حِلْمُ وَإِذَا أَلَمَّ خَيَالُهَا طَرَفَتْ ... عَيْني فَمَاءُ شُؤونِهَا سَجْمُ كاللُّؤْلؤِ الْمَسْجُورِ أُغْفِلَ فِي ... سِلْكِ النِّظَامِ مَخَانَهُ النَّظْمُ الرَّباب: اسم محبوبته. فَصَبَا: أي: فَحَنَّ ومَال. طَرَفَتْ عَيْنِي: تَحَرَّكَ جَفْنَاها. فَماءُ شُؤُونها: شُؤُونُ العين مجاري دَمْعِهَا. سَجْمُ: أي: سَائِلٌ يتصَبَّب. كاللُّؤْلُؤِ الْمَسْجُورِ: أي: كالُّؤْلُؤ الْمَحْمِّيِ.

стр. 480

أُغْفِلَ في سِلْكِ النِّظَام: أَي تُرِكَ مُهْمَلاً في الْخَيْطِ الَّذِي نُظِمَ فِيه فَلَمْ يُعْقَد. فَخَانَهُ النَّظْمُ: أي: فتناثَر لأَنّ النَّظْمَ الذي كانَ لَهُ في سِلْكِهِ خَانَهُ لَمْ يُمْسِكْهُ عَنِ التَّسَاقط. في البيت الأول اتِّبَعَ في الحديث عن نفسه أُسْلُوبَ الْحَدِيثِ عَنِ الغائب. وفي البيت الثاني التفت من الغيبة فتحدّث عن نفسه بأسْلُوب التكلُّم، ليدلُّ على أنّه هو المقصود في البيت الأوّل. *** سادساً: وَمِن أمثلة الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ما يلي: * قول الله في سورة (الفاتحة/ ١ مصحف/ ٥ نزول) : ﴿بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ * الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين * الرحمان الرحيم * مالك يَوْمِ الدين * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ [الآيات: ١ - ٧] . النص في مطلع السورة جارٍ وفق أسلوب الحديث عن الغائب، وبَعْدَ ذلِكَ انْتَقَلَ إلى أسْلوب الخطاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ... ﴾ . وفَائِدَةُ هذا الالتفات التحوُّلُ من موضوع الثناء على الله عزّ جلّ إلى موضوع التوجُّهِ له بالعبادة والدُّعاء، فالثناء يحْسُنُ فيه الإِعلانُ العامّ، وهذا يلائمه أسلوبُ الحديث عن الغائب، والعبادةُ الدّعَاءُ يَحْسُنُ فيهما مواجهة المعبود الْمَدْعُوّ بالخطاب. * وقول الله في سورة (مريم/ ١٩ مصحف/ ٤٤ نزول) :

стр. 481

﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمان وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [الآيات: ٨٨ - ٨٩] . الإِدّ: المنكر الفظيع الشنيع. بدأ الحديث عمَّن افترى على الله بأنّه اتخذ ولداً بأسلوب الحديث عن الغائب خطاباً للمؤمنين. وعَقِبَ ذلك وجّه الخطاب للمفترين فقالَ الله لهم: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ . وفائدةُ هذا الالتفات تحقيق غرضَيْنِ: الأول: تَثْبِيتُ المؤمنين على عقيدة تنزيه الله عمّا لا يليق به سبحانه. الثاني: تَأْنِيبُ المفترين على الله بأنَّهم ارتكبوا أمراً بالغ النكارة والفظاعة والشناعة. مع الاقتصاد والإِنجاز في العبارة. *** تطبيقات تحليليّة لأمثلة قرآنية المثال الأول: قول الله في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) ضمْنَ عَرْضِ قصّة أصحاب القرية الّتي جاءها المرسلون فكذّبوهم: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢٢] . دلَّت عبارة ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾ على أَنَّ قَوْمَه تَوَجَّهُوا له يحاكمونه على انتصاره للرُّسُل، فأخذوا يسألونه ويُجيبُهُم بحكمة وعقْلٍ وسداد، وباستطاعتنا أن نتخيّل مجلس المحاكمة:

стр. 482

قالوا: هل صدّقت هؤلاء الذين يزعمون أنَّهم مُرْسلون؟ وهَلْ آمنتَ بهم؟ قال: نعم. قالوا: وَهل تركتَ ما يعبُد قومُك من آلهة؟ قال: نعم. قالوا: وَهل صِرْتَ تَعبُد الإِلَه الّذِي يدعو هؤلاء إلى عبادته وحده لا شريك له؟. قال: نعم، إنّه هو الذي فطرني، ومَالِيَ لاَ أعْبُد الذي فَطَرني وَإليه تُرْجَعُون؟!. فالتفت من الحديث عن نفسه، إذْ كانت متابعة الأسلوب تستدعي أن يقول: "وإليه أرجع" أي: للحساب والجزاء، فخاطبهم فقال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . ونَلْمَحُ في هذا الالتفات البديع أنّه بدأ كلامه أوّلاً بأسلوب اتخاذ طريق الخير لنفسه، وهو يريد ضِمْناً مناصحة قومه تلطُّفاً بهم، وليُشْعرهم بأنّه يريد لهم ما يريد لنفسه، وبعد ذلك التفت إليهم إذْ أراد تخويفهم من عذاب الله، ودعوتهم إلى الإِيمان واتّباع المرسلين. ولدى تحليل النصّ بوجه عام نلاحظ أنّ الرَّجُل المؤمن يريد أن يقدّم لهم الدليل الذي اقتنع هو به، وأنّ عليهم لمصلحة أنفسهم أن يتصّبروا بهذا الدّليل ليُوَلّد لديهم الاقتناع بما اقتنع هو به، فقال لهم: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾ وطوى ضمن كلامه: وإليه أرجع ليحاسبني ويجازيني، وأنتم كذلك مثلي، فلم لا تَعْبُدونَ الذي فطركم؟! واكتفى عن ذكر هذا المطوي بعبارة: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فدلّت عبارة: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾ من شطر الكلام الأول على عبارة: "ومَالكم لا تبعدون الذي فطركم" من شطر الكلام الثاني.

стр. 483

ودلّت عبارة: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ من شطر الكلام الثاني على عبارة: "وإليه أرجع" من شطر الكلام الأول. وبهذا الحذف الإِيجازي ظهر التعبير على صورة الالتفات من أسلوب حديث المتكلّم عن نفسه مريداً به المخاطبين، إلى أسلوب الخطاب، ومثل هذا الالتفات البديع يشدّ الانتباه إلى التأمُّل وحُسْنِ التدبُّر. المثال الثاني: قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) خطاباً للرسول ﷺ فكُلّ داعِ إلى سبيل ربّه وآمرٍ بالمعروف وناهٍ عن المنكر من بَعْده: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين * وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الآيات: ٧١ - ٧٢] . عبارة ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ جاءت بأسلوب حديث المتكلّم عن نفسه ومعه كُلّ المكلفين من الناس، أي: وأُمِرْنَا جميعاً بالأوامر الربّانيّة المختلفة لنُسْلِمَ مُنْقادين طائعين لربّ العالمين. وبعد هذه العبارة تحوّل الأسلوب إلى التكليف بالخطاب، فجاء في النصّ: ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ . والغرض من هذا الالتفات نلاحظه حينما ندرك أنَّ الأَمْر بإقامَةِ الصلاة وبتقوى اللهِ مع كونه داخلاً في عُمُومِ ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ إلاَّ أنّ على الرسول وعلى كلّ آمِرٍ بالمعروف ناهٍ عن المنكر من بعده أنْ يقوم بهذه الوظيفة الاجتماعية تذكيراً وتحذيراً، فهو آمِرٌ ونَاهٍ بتوجيه منه، وليس مجرّد مقدّم على سبيل الحكاية ما أمر الله به ونهى عنه، ضمن المأمور به في عبارة: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ المثال الثالث: قول الله في سورة (الفتح/ ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول) خطاباً لرسوله محمّد ﷺ :

стр. 484

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَيَنصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الآيات: ١ - ٣] . بدأت الآياتُ بِحَدِيثِ المتكلّم العظيم عَنْ نفسه، وهذا الأسلوب يناسِبُه بحسَب الظاهر أن يكون الكلام بعدَهُ: "لنغفر لك ما تقدم ... ونُتِمَّ نعْمَتَنَا ... ونَهْدِيَكَ ... ". إلاَّ أن الكلام جاء على خلاف ذلك، فحصل الالتفات من التكلّم إلى الغيبة، فقال تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ إذ الاسم الظاهر بقوّة ضمير الغائب. والفائدةُ الخاصةُ التي يَدُلُّ عَلَيْها هذا الالتفاتُ الإِشعارُ بأنَّ قائل ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ هو الله نَفْسُه، والتنبيهُ على مقام لفظ الجلالة "الله" الدّالّ على الذات وكلّ الصفات والذي بيده الغفرانُ، وإتمامُ النعمة، والهدايةُ إلى الصراط المستقيم، والنَّصْرُ العزيز، مع الفوائد العامّة الَّتي تُسْتَفَاد من الالتفات. المثال الرابع: قول الله في سورة (الكوثر/ ١٠٨ مصحف/ ١٠ نزول) : ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ [الآيات: ١ - ٣] . بدأت السورة بحديث المتكلّم العظيم عن نفسه، وهذا الأسلوب يناسبُه بحسَب الظَّاهر أن يكون الكلام بَعْدَهُ: "فَصّلِ لنَا وانْحر". إلاَّ أن الكلام جاء على خلاف مقتضى الظاهر هذا، إذْ حصل الالتفات من التكلّم إلى الغيبة، فقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ . والفائدة الخاصة التي يدلُّ عليها هذا الالتفات الإِشعار بأنّ المتكلّم هو ربٌّ يُمِدُّ بعطاءات الرُّبوبيّة دواماً، فمن حقِّهِ على مَرْبُوبيه أن يَعْبُدوه بمختلف أنواع العبادات، ومنها الصلاة له، ونَحْرُ الْهَدْيِ ابتغاءَ مرضاته.

стр. 485

المثال الخامس: قول الله في سورة (الدخان/ ٤٤ مصحف/ ٦٤ نزول) : ﴿حم* والكتاب المبين * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ [الآيات: ١ - ٦] . كما جاء في المثالين السابقين الثالث والرابع بدأت السورة بحديث المتكلّم العظيم عن نفسه، وبعد ذلك حصل الالتفات من التكلُّم إلى الغيبة، فقال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ وكان الأسلوب النّمطِيُّ يستدعي أن يكون النّص: ﴿رَحْمَةً منّا﴾ . والفائدة الخاصة في هذا الإِلتفات التنبيه على أنَّ كلّ أمرٍ حكيم يُفْرق بأمْر الله هو رحمةٌ من أَثَر صفةِ رُبوبيَّةِ الرَّبّ . المثال السادس: قول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) : ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولائك هُمُ المضعفون﴾ [الآية: ٣٩] . إنّ أسلوب عبارة ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ هو من المواجهة بالخطاب، ويلائمه بحسب الظاهر أن يقال: ﴿فَأنْتُمُ المضعفون﴾ . إلاَّ أنَّ الكَلاِمَ جَاءَ على خلال مقتضى الظَّاهِرِ هَذَا، إذْ حصل الالتفاتُ من الخطاب إلى الغيبة، فقال تعالى: ﴿فأولائك هُمُ المضعفون﴾ . والغرض البلاغيّ الخاصّ في النَّصّ التنبيه باسم الإِشارة الذي هو في قُوّةِ ضَمِيرِ الغائب على ارتفاع منزلتهم عند الله، إذْ أُشِيرَ إليهم باسم الإِشارة الخاصّ بالمشار إليه البعيد.

стр. 486

والأمثلة على الالتفات في النصوص القرآنية كثيرةٌ جدّاً، وفيما سبق استعراضُهُ وتحليلهُ منها كفايةٌ لمن شاء أَن يتدبّر ويحلّل سائر النّصوص، إذا كانت لَدَيْهِ ملكة التدبُّر والتحليل. *** (٢) النوع الثاني أسْلوبُ الحكيم أسلوبُ الحكيم: هو عند علماء البلاغة صَرْفُ كلامِ المتكلّم أو سؤال السائل عن المراد منه، وحَمْلُه على ما هو الأَوْلَى بالْقَصْد، أو إجابته على ما هو الأولى بالقصد، وسمّاه الشيخ "عبد القادر الجرجاني": "المغالطة". وهو قسمان: القسمُ الأول: حَمْلُ كلام المتكلّم على غير ما يُريد به، تنبيهاً على أنَّه الأولى بالْقَصْد، ومنه ما يلي: * قول ابن حجّاج البغدادي "هو أبو عبد الله بن أحمد البغدادي" شاعرَ فَكِهٌ: قَالَ: ثَقَّلْتُ إِذْ أتَيْتُ مِرَاراً ... قُلْتُ ثَقَّلْتَ كَاهِلي بالأَيَادِي قالَ: طَوَّلْتُ. قُلْتُ: أَوْلَيْتَ طَوْلاً ... قَالَ: أَبْرَمْتُ قُلْتُ: حَبْلَ وِدَادِي الكاهل: من الإِنسان هو ما بين كِتفَيْهِ، فَوْقَ الْعُنُق. بالأَيَادِي: أي: بالنعم. في البيت الأول أخذ المخاطب ظاهر كلام صاحِبِهِ وحَمَلَه على غَيْر مرادِه به، إذْ أراد بالتثقيل ما يَحْمِلُه المضيف من أعباء الضيافة، لكن المضيف حَمَلَه على معنى أنّ صاحِبَهُ ثَقَّلَ كَاهله بأياديه في تكرير زيارته له.

стр. 487

وفي البيت الثاني حَمَل كلمةَ "أَبْرَمْتُ" على معنى إبْرام حبْلِ الوداد، وقَصْدُ المتكلّم من "أَبْرَمْتُ" معنى أضْجَرْتُ وأَنْزَلْتُ الْمَلَلَ، وحَمَلَ كلمةَ "طَوَّلْتُ" على معنَى أفْضَلْتَ، أي: أعطيتَ فضلاً، وقَصْدُ المتكلّم أنّه أطال الإِقامة. * ومن العبارات الدارجات أنْ يقول المحتفي بضيفه معتذراً. "أرجو العفْوَ عن قُصُوري". فيقول الضيف: "قُصُورُك عاليةٌ شماخة" أي: ما قدّمته من إكرام عظيم كالْقُصُورِ الشامخة إلى جانب الأبنية الأخرى، فيحمل كلمة "قصور" على غير ما أراد بها المضيف. * ما رُوي من قصّة "القبعثرى" و"الْحَجَّاج بن يُوسف الثقفي" وإلى بني أُميَّة على العراق. قالُوا: اجتمع نُدَماء من أهل الشّعْر والأدب في مَجْلِس شراب، إلى جانب شجرة من أشجار العنب ذاتِ عناقيد مُدَلاّة، وكان "القبعثرى" واحداً منهم، يعبث بعنقودِ عِنَبٍ مدلى من غُصْنِه، فذكر أحد النّدماء "الحجّاج بن يوسف" فقال "القبعثرى" وبيده عنقودُ العِنب المدلى من غُصْنه: قَطَع الله عُنُقَهُ وسقاني من دَمه. فأبْلَغ أحدُ الوشاة كلمتَهُ إلى الحجّاج، فاستدعاه وقال له: أنت الذي قُلْتَ: قطع الله عنُقه وسقاني دمه؟ قال: نعم، وقد قَصَدْتُ عُنْقودَ العنب الّذي كان بيدي. قال له الحجّاج: لأَحْمِلَنَّك على الأدهم (أي: لأُقيّدنَّكَ بالْحَدِيد) . قال القبعثرى: مثْلُ الأمير يَحْمِل على الأدهم والأشهب (قاصداً من الخيل) . قَال الحجّاج: قَصَدْتُ الحديد. قال القبعثرى: لأنْ يكون حديداً خيرٌ من أن يكون بليداً.

стр. 488

* ققول الشاعر: وَقَالُوا: قَدْ صَفَتْ مِنَّا قُلُوبٌ ... نَعَمْ صَدَقُوا ولكِنْ مِنْ وِدَادِي * قول القاضي الأرّجاني: غَالَطَتْنِي إِذْ كَسَتْ جِسْمِي الضَّنَا ... كِسْوَةً عَرَّتْ مِنَ اللَّحْمِ الْعِظَاماَ ثُمَّ قَالَتْ: أنْتَ عِنْدِي فِي الْهوَى ... مِثْلُ عَيْنِي. صَدَقَتْ لكن سَقَامَا فقبل ظاهر كلامها: (أنْتَ مِثْلُ عَيْنِي) لكِنْ حمَلَهُ على غير ما قَصَدَت إذْ ذكَرَ أنَّهُ مِثْلُ عَيْنِها في سقامِها، ومعلومٌ أنّ السقام في العين يزيدها حسناً. * وقول أحدهم: ولَقَدْ أَتَيْتُ لِصَاحِبِي وسَأَلْتُهُ ... ي قَرْضِ دِينارٍ لأَِمْرٍ كَانَا فأَجَابَنِي - واللهِ - دَارِي مَا حَوَتْ ... عَيْناً فَقُلْتُ لَهُ: وَلاَ إِنْسَانا أراد بقوله: "مَا حَوَتْ عيناً" أي: ذهباً، لكِنّ المخاطبَ حَمَل كلمة "عيناً" على العين المبصرة، وعطف عليها قوله: "وَلاَ إنساناً" ومرادُهُ إنسان العين. * وقول أحدهم: طَلَبْتُ مِنْهُ دِرْهَماً ... يَوْماً فأَظْهَرَ الْعَجَبْ وَقَالَ: ذَا مِنْ فِضَّةٍ ... يُصْنَعُ لاَ مِنَ الذَّهِبْ تجاهل غَرَضَ طالِب الدّرهم وحمل كلامه على غَيْر مراده مُوهِماً بأنّه يَرُدّ على زَعْمِهِ بأنّ الدّرْهم من الذهب ويبيّن له أنّ الدّرهَمَ يُصْنَعُ من الفضّة. ولدينا أمثة قرآنيّة من هذا القسم: المثال الأول: قول الله في سورة (المنافقون/ ٦٣ مصحف/ ١٠٤ نزول) بشأن قول المنافقين في غزوة بني المصطلق، وما بنى الله عليه:

стр. 489

﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولاكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٨] . المنافقون قالوا: ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ من المدنية الأذلّ إنّ رَجَعْنَا من الغزوة التي نحن فيها إلى المدينة. فجاء البيان القرآني تعليقاً على مقالهم بحمله على ظاهرة لكن على غير ما قصدوا، وذلك بإثبات أنّ الأعزَّ الرسولُ والمؤمنون معه بإمداد الله لهم بالعزّة، لأنّ العزّة أي: القوة الغالبة هي له سبحانه ولمن يُمدِّهم بالعزّة. المثال الثاني: قول الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) خطاباً للكافرين: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ... ﴾ [الآية: ١٩] . أي: إنْ تَدْعُو الله بأنْ يَنْصُرَكم على الرسول والذين آمَنُوا معه، فَقَدْ جَاءَكم النَّصْرُ ولكن على غير ما تطلبُون، لقد جاءكم نَصْرُ الله لرسوله والّذين آمنوا معه عليكم. فجاء قبول ظاهرة دُعائهم بالنّصر ولكن بعد حمله على غير ما طلبوا فيه، لقد طلبوا مجيء النّصر فجاءهم النّصر للمؤمنين عليهم. المثال الثالث: قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) بشأن المنافقين الّذين تخلَّفوا عن الرسول والمؤمنين فلم يخرجوا إلى غزوة تبوك: ﴿سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الآية: ٩٥] . إنَّهم يَطلبُونَ الإِعراض عن مؤاخذتهم على تخلُّفهم، فإذا حَمَلْنا قول الله عزَّ

стр. 490

وجلَّ ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ على معنى الإِعراض الدّالّ المجافاة والقطيعة وعَزْلِهم عن دائرة المؤمنين الصادقين، كان من الأسلوب الحكيم، إذْ جاء فيه حَمْلُ طلبهم على غير ما يَقْصِدُون به. *** القسم الثاني: إجابة السائل بغير ما يطلُبُ في سؤاله، (لتنبيهه على أنّه الأَمْر الأَهَمُّ الذي كان ينبغي أن يسأل عنه. ومن أمثلته في القرآن ما يلي: المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ٢١٥] . لَقَدْ سَأَلُوا عَنِ الشيء الذي يُنْفِقُونه، فعلَّم الله رسوله أَنْ يجيبهم عن الّذين يَنْبَغي أن تُوَجّه لهم النفقة، إشارةَ إلى أنّه كان ينبغي لهم أن يسألوا عمَّنْ ينبغي أنْ تُوجّه لَهُم النفقة، أمّا الشيءُ الذي يُنْفقُون منْهُ ومقدارُ ما يُنْفِقُونَ فيَعُمُّ كُلّ ما يَصْلُح للإِنْفاق منه، وما وراء حدّ الزكاة المفروضة هو من التطوّع المفتوح الذي لاَ يُسأَلُ عن حدٍّ له، ويظهر أنّ حدّ الزكاة المفروضة لم يكن قَدْ نزَلَ به حكْمٌ فأعرض النصّ عن الإِجابة عليه، وقد أجاب الله عن هذا حينما كرَّرُوا سؤالهم بقوله في السورة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ... ﴾ [البقرة: ٢١٩] . الْعَفْوُ في النفقة: ما زاد على حاجة الإِنسان لنفسه ولمن يعولُهم. المثال الثاني: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿*يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ... ﴾ [الآية: ١٨٩] .

стр. 491

سأل السائِلونَ عَنْ سَبَبِ الظاهرة الكونيَّةِ في الأهلة، لماذا يَبْدأ الهلالُ كالحاجب في أوّل الشهر، ويتزايَدُ يَوْماً فَيَوْماً، حتَّى يكون الْقمَرُ بدراً، وبعد ذلك يتناقص حتى يكون في آخر الشهر مثلما بدأ في أوَّله؟ ولمّا كانت هذه الظاهرة إحدى أنظمة الكون يمكن بالبحث العلمي أن يكتشفها الناس مستقبلاً، وليس بيانُها من الأغراضِ الدينيّةِ الأساسيّة الَّتِي بعث اللهُ الرُّسُل لبيانِها، جاءَ الجوابُ مبيّناً وظيفة الأهلة المرتبطةَ ببعض قضايا الدين، وهي تحديد مواقيتِ الشهور، الّتي يحتاجها الناس لعباداتهم، ومعاملاتِهم، وتواريخهم، وتكاليفهم، المرتبطة بالأشهر القمرية، كالصيامِ، وأشهرِ العِدَّةُ، ومُرُورِ الحول لأداء الزكاة، وغيرِ ذلك، وخصّ اللهُ منها الحجَ اهتماماً بتحديد وقته، إذ دخل فيه التحريف الجاهليُّ بالنِّسيء الذي كانُوا يصنعونه. أمّا الظواهر الكونية القائمة على أسباب غير منظورة فكثيرة جدّاً، والناس لا يستطيعون إحصاءها، وفتح أبواب السؤال عنها والإِجابة عَليْها. يُحَوِّلُ مُهِمَّة الرسول من رسالة دينيّة إلى رسالة عالِمٍ من علماء أنظمة الله في كونه. *** (٣) النوع الثالث الإِظهارُ في مقام الإِضمار، والإِضمار في مقام الإِظهار ومن الخروج عن مقتضى الظاهر: الإِظْهَارُ في مقام الإِضْمارِ، وبالعكس، فهو قسمان: القسم الأول: الإِظهارُ في مقام الإِضمار. قد يكون استخدام الضمير في الكلام هو المتبادر الذي يقتضيه ظاهر الأسلوب المعتاد، لكن قد يوجد داعٍ بلاغي يستدعي استخدام الاسم الظاهر بدل استخدام الضمير، ومن الأغراض البلاغيّة لهذا ما يلي:

стр. 492

الغرض الأول: الإِشعار بكمال العناية بما اسْتُخْدِمَ للدلالة عليه الاسم الظاهر بدل الضمير، من أجل اختصاصه بحكم غريبٍ مثلاً، ومنه: قول أحمد بن يحيى الراوندي: كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقاً هَذَا الَّذِي تَرَكَ الأَوْهَامَ حَائِرَةً ... وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النَّحْرِيرَ زِنْدِيقَا فجاء اسم الإشارة "هذا" في مقام الضمير "هو" لتوجيه العناية تفكّراً في حكمة اللهِ بتقدير أرْزاق العباد، وإدراك أنّ الأرزاق قد تقتضي حكمة الله بأن تأتي وافرةً للجاهل، وتأتِيَ غير وافرة للعالم العاقل. الغرض الثاني: التهكّم باستخدام اسم الإِشارة، ويُمْكن أن أُمَثِّل له بقولي: قَالَ لِلأَعْمَى وَقَدْ أَزْعَجَهُ ... مِنْهُ إِنْكَارُ بُزُوغِ الْقَمَرِ أَيُهَا الْجَاحِدُ هَذَا نُورُهُ ... سَاطِعٌ عَبْرَ غُصُونِ الشَّجَرِ كان مُقْتَضَى الظاهر أن يقول له: نُورُهُ يَخْتَرِقُ الأُفْقَ لَنَا ... فَنَراهُ مِنْ خِلالِ الشَّجَرِ لكِنَّهُ أراد التهكم به لجحوده ما يراه المبصرون وهو أعْمَى، فاستخدم اسم الإِشارة، لإِشعاره بأنه لو كان يُبْصِر لرآه. ومنه فيما أرى باستخدام الاسم المظهر، قولُ الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) خطاباً للكافرين: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ... ﴾ [الآية: ١٩] . أي: إن تطلبوا الفتح فقد جَاءَكَمُ الفتح، وكان مقتضى الظاهر أن يكتفى بالضمير فيقال: "إن تستفتحوا فقد جاءكم" ولكن جيء بالاسم المظهر للتهكم بهم، لأنّ الفتح وهو النصر الذي جاءهم كان عليهم ولصالح المسلمين..

стр. 493

الغرض الثالث: إظهار بلاهة المقصود بالخطاب، وأنّه لا يفهم إلاَّ بالإِشارة الحسيّة، فلا يكفيه الضمير لمعرفة المراد، كأن تقول لمن تُرِيد وصفه بالبلادة، وهو يتحدَّثُ عن كتابٍ بيده اشتراه وهو مبتهج بشرائه له: أرِني هذا الكتاب الذي اشتريته. لقد كان مقتضى الظاهر أن تقول له: أَرِنِيهِ، إلاَّ أنّك أردت إشعاره بالبلادة، وأنّه ليس أهلاً لاقتناء الكتب. الغرض الرابع: إظهار فطانة المتكلّم أو المخاطب، حتّى كأنّ الأمْرَ الفكريّ غير المحسوس هو بالنسبة إليه يشبه الأمور الحسيّة، ومنه قول الشاعر: تَعَالَلْتِ كَيْ أَشْجَى وَمَا بِكِ عِلَّةٌ ... تُرِيدين قَتْلِي قَدْ ظَفِرْتِ بِذَلِِكِ أي: ادّعَيْتِ العلّة كَيْ أَحْزَنَ مِنْ أجْلِكِ وَأَنْتِ سَلِيمة، أتُريدينَ قتلي بما تفعلين. إنْ كنت تريدين قتلي فقد ظفرتِ بذلِكِ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول لها: قد ظفرتِ به. الغرض الخامس: زيادةُ تمكين ما اسْتُخْدِمَ للدلالة عليه الاسم الظاهر بدل الضمير، ومنه قوله الله في سورة (الصّمد/ ١١٢ مصحف/ ٢٢ نزول) : ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الآيات: ١ - ٢] . كان مقتضى الظاهر أن يكون التعبير: "هُو الصّمد" لكنّ بلاغة القرآن جاء فيها استعمال الاسم العلم الظاهر بدل الضمير، لتوكيد وتمكين إسناد الصفات في السورة إلى الله . الغرض السادس: الاستعطاف بإعلان الخضوع، بغية استدرار الرحمة والشفقة، ومنه قول العبد الذي يستدر رحمة ربّه:

стр. 494

إلَهِي عَبْدُكَ الْعَاصِي أَتَاكَا ... مُقِرّاً بالذُّنوب وَقَدْ دَعَاكَ كان مقتضى الظاهر أن يقول: "أنا العاصي أتَيتُكَ" لكنّه أراد أن يستعطف ربّه ويظهر كمال خضوعه له، فذكر الاسم الظاهر بدل ذكر الضمير. الغرض السابع: إدخال الروعة والمهابة في نفس المخاطب، ومنه قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) خطاباً للرسول ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ [الآية: ١٥٩] . إنّ مُقْتَضَى الظّاهر يستدعي أن يقال: "فتوكَّلْ عليه إنَّه يحبُّ المتوكلين". لكن وُضع الاسم المظهر وهو لفظة الجلالة "الله" موضع الضمير لإِدخال الروعة والمهابة، نظراً إلى أن لفظ الجلالة يجمع كُلَّ صفات كمال الله ، باعتباره اسماً علماً للذات العليّة، وما هو اسم علم للذّات يكون جامعاً لكلّ صفات الكمال. الغرض الثامن: التعجيب واستثارة الإِنكار، ومنه قول الله في سورة (ص/ ٣٨ مصحف/ ٣٨ نزول) : ﴿ص والقرآن ذِي الذكر * بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ * وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هاذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [الآيات: ١ - ٤] . جاء في هذا النصّ: ﴿وَقَالَ الكافرون﴾ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أنْ يُقَال: "وَقَالُوا" باستخدام الضمير، ولكن وُضِع الاسم المظهَرُ "الكافرون" مقام الضمير للتعجيب من فظاعة مقالتهم، واستثارة النكير عليهم، والإِشعار بأنّهم أهل تمرّدٍ وعناد، كافرون بالحقّ، ساترون لأدلّته وبراهينِه الواضحة. ***

стр. 495

القسم الثاني: الإِضمار في مقام الإِظهار. ويلاحظ هذا القسم في موضعين: الموضع الأول: ضمير الشأن أو القصّة، وهو ضمير الغائب الذي يقع قبل الجملة، ويسَمَّى ضمير الشأن إذا كان مذكّراً، وضمير القصة إذا كان مؤنَّثاً، ويعود كلُّ منهما إلى ما في الذهن من شأنٍ أو قصة، وذلك هو مضمون الجملة التي بعده. وضمير الشأن أو القصة لا يحتاج إلى ظاهر يعود عليه، ولا يفسَّرُ إلاَّ بجملة. ويُستعملُ ضمير الشأن أو القصة في مقام الاسم الظاهر في الأمر الذي يُرادُ فيه التعظيم والتفخيم، أو التهويل، أو الاستهجان، أو نحو ذلك. ولهذا الضمير أربعة أحوال: (١) أنْ يكون بارزاً متّصلاً، في باب "إنَّ" مثل قول الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لمقالة يوسف ﵇ لإِخوته: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ [الآية: ٩٠] . أي: إنّ الشأنَ العظيم الّذِي يَعْظُمُ لدى أُولي الألباب هو "مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر ... ". (٢) أن يكون بارزاً مُنْفَصلاً، إذا كان عامله معنويّاً، أي: إذَا كان مبتدأً، مثل قول الله : ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الآية: ١] . أي: قل: الشأنُ العظيم الجليل الذي يجب أن يَهْتَمَّ بِه كُلُّ ذي فكر اللهُ أَحَدٌ ... .
следующие страницы →