← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ... ﴾ [الآية: ٢٧] . ومن أمثلة المجرَّدَة من "أي" و"أنْ" قول الله في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول) : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١١ - ١٢] . فجملة ﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ وما عُطِفَ عليها مُفَسِرَةٌ للتّجارة المنجية. السابعة: "الجملة الواقعة جواباً لقسم" مثل قول الله في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) : ﴿يس * والقرآن الحكيم * إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [الآيات: ١ - ٣] . فجملة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ جواب القسم الوارد في ﴿والقرآن الحكيم﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب. * وقول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) في عرض قصة إبراهيم ﵇: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ [الآية: ٥٧] . فجملة: ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ جواب القسم في ﴿تالله﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب. الثامنة: "الجملة الواقعة جواباً لشرط غير جازم" وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب. وأدوات الشرط غير الجازم هي: "لو - لَوْلاَ - لَوْمَا - أمَّا - لمَّا - إذَا". أمثلة: (١) ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ .

стр. 562

(٢) ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ . (٣) ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ . (٤) (لوما الكتابةُ لضَاعَ أكْثَرُ الْعِلْم) . (٥) ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ . (٦) ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ . (٧) ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ﴾ . فجوابُ الشرط الواردُ في هذه الأمثلة جُمَلٌ لاَ محلّ لها من الإعراب. التاسعة: "الجملة التابعَةُ لجملةٍ لا محلّ لها من الإِعراب" فلها حكم الجملة التابعة لها، مثل: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح ... فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ فجملة ﴿واستغفره﴾ معطوفة على جملة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب لأنها جواب شرط غير جازم. *** (٣) الأسس العامّة للفصل الوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب سبق أن عرفنا أسس الفصل والوصل بين المفردات في الجملة الواحدة، وبين الْجُمَل الّتِي لها محلٌّ من الإِعراب. وعلينا هنا أن نستبصر الأسس العامّة للفصل والوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، وهو البحث الذي اعتبره البلاغيّون عِمَادَ هذا الباب من أبواب البلاغة، كما سبق به البيان. وقبل أن نبدأ ببيان هذه الأسس لا بدّ من التنبيه على أنّ الْمَعْنَى إذا كان

стр. 563

يقتضي العطف بحرف من حروف العطف غير الواو، وهي: "الفاء - ثُمَّ - حتّى - بل - لَكِنْ - لا - أم" فالأصل العطف بالحرف الذي يقتضيه المعنى من هذه الحروف، ولا يُتْرَكُ هذا الأصل إلاَّ لغرضٍ من الأغراض الّتي يَقْصِدُها البلغاء، ومنها أن لا يريد صاحب الكلام بيانَ المعنى الذي يدلُّ عليه حرف العطف ذو المعنى الخاص، وإنْ كَانَ واقع الحال مطابقاً لدلالته لو عطف به، إذْ له غرضٌ في إغفال المعنى وعَدَمِ التعبير عنه، وهذا موضوع لا يحتاج بحثاً ولا تأصيلاً. ولا بُدَّ من التَّنْبِيهِ أيضاً على أنّ عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو، إذا كان يُفِيدُ إشراكَها في حكمها، والمتكلّم لا يُريد أن يَدُلَّ على هذا الاشتراكِ لأمْرٍ ما، فإنّه لا يَرْبطُ الجملة التالية بحرف العطف، بل يأتي بها منفصلة، لئلا يدُلَّ كلامه على ما لا يريدُ بيانه والدلالة عليه، وهذا أيضاً موضوع لا يحتاج بحثاً ولا تأصيلاً. إذن: ينحصر الكلام هنا في العطف "بالواو" أو عدم العطف بها، ضمن المقاصد الّتي يريد المتكلّم التعبير عنها والدّلالة عليها. و"الواو" العاطفة التي يدور البحث هنا حول استخدامها عطافةً أو عدم استخدامها، بين الجمل التي لا محلَّ لها من الإِعراب، لها أرْبَعُ صفات: الصفة الأولى: أنّها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً ولا غير ذلك من معاني حروف العطف، سواءٌ أعطفت المفردات أَمْ عطفت الجمل. الصفة الثانية: أَنَّها تُفِيدُ الإِشراك في الحكم في عطف المفردات وفي عطف الجمل التي لها محلٌّ من الإِعراب، لأنها مؤولة بالمفردات التي حلَّت محلّها. الصفة الثالثة: أنّها تقتضي التغاير بين المعطوف بها والمعطوف عليه، فلا يُعْطَفُ بها المتَّحِدَان في المعنَى.

стр. 564

الصفة الرابعة: أنّ الربط بها يتَطَلَّبُ مُنَاسبَةً فِكْريّةً بَيْنَ المعطوف والمعطوف عليه بها تُسَوّغُ عند البلغاء هذا العطف. فلا بُدّ من ملاحظة هذه الصفات لدى العطف بالواو حتى يكون الْعَطْفُ مستقيماً نَحْويّاً وبَلاَغيّاً، ما قد يَرَاهُ النحويُّ جائزاً بحسب القواعد النحويّة، قد لا يراه البلاغيُّ جائزاً إذا نظر إلى المعاني. وبالنظر إلَى الصِّفَاتِ الأربع للواو العاطفة تظهر لنا الاحتمالات التالية للعطف بها أو عدم العطف بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، والتي يُرَادُ رَصْفُ بعضها وَرَاءَ بعْضٍ. الاحتمال الأول: أن يكون المعنيان في الجملتين السابقة واللاّحقة لا يتلاءم معهما مفهوم التغايرُ بينهما، لشدّة اتّحادهما أو لشدّة تقاربهما، أو كانت التالية منهما جواب سؤال مطويّ تستدعيه السابقة منهما. وفي هذه الحالة لا يَصِحُّ بلاغيّاً العطف "بالواو" لأنّ الواو تقتضي التغايُر بين المعطوف بها والمعطوف عليه، وهذا العطف يُفْسِدُ المعنَى المقصود بالبيان. لكن إذا كان ترك الواو يوهم خلاف المقصود، كان إدخال "الواو" بين الجملتين أمراً لازماً كأن يسألَكَ سائل: هل شُفِي معلّمكُمْ؟ فتقول له: لا. وشفاه الله، إذْ لو حذفت الواو لأوهم أنّك تدعو عليه بعَدَم الشفاء، والمعنى: لم يُشْفَ وشفاه الله. الاحتمال الثاني: أنْ يكون بين الجملتين السابقة واللاحقة تغايرٌ في المعنى، ولكن ليس بينهما تناسبٌ أو تلاؤُمٌ فكريٌ يسمح بأن يُجْمَعَ بينهما برباطٍ تشير "الواو" الرابطة إليه حين العطف بها. فإذا وُجِدَتْ هذه الواو الرابطة وكان واقع حال الجملتين خالياً من التناسب والتلاؤم، إذْ لَيْسَ بينهما خيوطٌ فكريّةٌ متلائمة، كان وجود الواو الرابطة بمثابة مُدّعٍ

стр. 565

كذّاب، يدّعي وُجُودَ التَّنَاسُب والتلاؤم، وهو في الواقع غير موجود، وهذا أمْرٌ تنفر منه النفوس وتأباه، ولا يَسْمَحُ البلغاء وأهل الفكر باستخدامه. ويستثنى من هذا أن يَحْدُث من ترك الواو بين الجملتين إيهام خلال المقصود، فَتُذْكَر الواو للدلالة على استئناف الكلام الذي بعدها، كأن يسألك سائل: هل أنت مذنب؟ فتقول: لا. وغفر الله لك. الاحتمال الثالث: أن يتوافر في الجملتين السابقة واللاّحقة شرطا التغايُر في المعنى من جهة، والتناسب بين معنَيَيْهِما المتغايرين من جهة أخرى. فإذا كان غرض المتكلّم أن يجمع بينهما برباط "واو" العطف الدّالة على مطلق الجمع مع التغاير والتناسُب بين مَعْنَيَيْهِما، ليَدُلَّ بها على ذلك، كان استخدامه هذا الرابط عملاً بليغاً، ويَدُلُّ على حِسٍّ مُرْهف، وذَوْقٍ رفيع، باستثناء بعض الصور الّتي يوجد فيها سبب في نظم الكلام يقتضي عدم العطف، كإيهامِ خلاف المقصود، مثل قول الشاعر: وتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلاً أُرَاهَا في الضَّلاَلِ تُهِيمُ إنّ جملة "وتَظُنُّ سَلْمَى" يناسبُها أن تُعْطَفَ عليها بالواو جملة "أُراها في الضلال تهيم" أي: هي تَظُنُّ بي شيئاً مخالفاً لواقع حالي، وأنا أرى جازماً أنَّها في هذا الظّنّ تهيمُ في الضلال. لكنَّهُ لو عطفها "بالواو" لأوهم أنّ هذه الجملة معطوفة على جملة "أنَّنِي أبْغِي بِهَا بَدَلاً" أي: وتظُنُّ أيضاً أنني أراها في الضلال تهيم، وهذا خلاف مقصود الشاعر. ملاحظة: هذا التقسيم هو التقسيم الذي رأيته الأسهل والحاصر لمختلفِ الاحتمالات، دون إرباك الذهن، بمصطلحاتٍ متشعّبات، وتفريعات قلّما يستفيد منها من يريد

стр. 566

التعرّف على أُسُسِ رَبْطِ الْجُمَل التي لا محلّ لها من الإِعراب بواو العطف أوعَدَمِ رَبْطِها بها. *** ما يخرج عن دائرة هذا التقسيم السابق: (١) يخرج عن دائرة هذا التقسيم عطف كلامٍ كُلِّيٍ عَلى كلامٍ كلِّي، كعطف قصّة على قصّة، وعطف موضوع كُلّيٍّ على موضوع آخر كُلّيّ، إذْ يكفي لتسويغ العطف "بالواو" في ذلك مجرّدُ ملاحظة عطف كلامٍ ما، على كلامٍ ما، وعطفِ قصَّةٍ ما، على قصّة ما. أمّا التغاير الذي تقتضيه "الواو" العاطفة فقائم في ذلك، ما لم تكن القصّة التالية تفصيلاً لملخّص القصة السابقة، أو الموضوعُ التالي تفصيلاً لملخّص الموضوع السابق، أو العكس فيهما، فإذا كان التالي تفصيلاً أو تلخيصاً للسابق فَهُما بمثابةِ البيان من المبيَّنِ، متَّحِدَانِ أو شِبْهُ متّحدَين، وتركُ العطف بالواو هو الأصل الذي ينبغي أَنْ يُتَّبَعَ، إلاَّ لغرض بلاغي يقوم في نفس البليغ يرجّح عنده العطف. ومن أمثلة عرض القصّة المفصلة بعد ذكرها مُلخّصةً قصّةُ أهل الكهف الّتِي قصَّها الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) فقد جاء التلخيص في الآيات من (٩ - ١٢) وبعدها جاء التفصيل في الآيات من (١٣ - ٢٦) وعند بدْءِ التفصيل جاء الكلام غير مقترنٍ بواو العطف. وأمّا التناسب فيمكن أن ينتزع من الموضوع العام، إذ الباحث مثلاً في النحو قد يعطف باب المفعول به على باب الفاعل، وقد يعطف أبواب المنصوبات على أبواب المرفوعات أو المجرورات، فالناظم العامّ لأبواب علْم النحو بحث أحوال الكلمة من جهة إعرابها.

стр. 567

والباحث في علم الفقه قد يعطف أبواب المعاملات على أبواب العبادات، وقد يعطف فصلاً على فصل في الباب الواحد، وفرعاً على فرع في الفصل الواحد، وباستطاعته أن ينتزع مناسبةً عامّةً كافيةً للعطف، وكلّما كانت هذه المناسبة ألْصَق بالْمَقْسِمِ القريب للقسم الذي يذكره كان العطف مقبولاً غير مستهجن، وقد تكون مُنْتزعَةٌ من الْمَقْسِم البعيد بحسب اقتضاءات المعاني. والْقَصَّاصُ قد يعطف قصّةً على قصة، إذْ باستطاعته أن ينتزع مناسبة عامّةً كافيةً للعطف، كأن يكون حديثه حول قصص الأنبياء وأقوامهم، أو قصص المتقين، أو قصص المجاهدين، أو يكون حديثه حول قصص اللّصوص، أو قصص الْقَتَلة، أو قصص غرائب السلوك عند الحيوانات، إلى غير ذلك. (٢) ويخرج عن دائرة هذا التقسيم إيضاً استخدام "الواو" للدلالة على استئناف كلامٍ جديد، غير مرتبط بالكلام السابق، وتكون عندئذٍ بمعنى: التوقف عن متابعة ما يتعلّق بما سبق من موضوعٍ واستئناف الكلام في موضوعٍ آخر. ومن أمثلة "واو" الاستئناف قول الله في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) : ﴿ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ... ﴾ [الآية: ٥] . فجملة: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ﴾ جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُصَدَّرَة بواو الاستئناف، وليست هذه الواو عاطفةً على ما ذكر النحويون إذْ لو كانت عاطفة على ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لكان ينبغي أن يكون فعل ﴿وَنُقِرُّ﴾ منصوباً. ولنا أن نقول: إنّ جملةَ ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام ... ﴾ معطفة على جملة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ ولواحقها. ومن الأمثلة التي ذكرها النحويون قول أبي اللّحَّام التغلبي:

стр. 568

عَلَى الْحَكَمِ الْمَأتِيِّ يَوْماً إِذَا قَضَى ... قَضِيَّتَهُ أَنْ لاَ يَجُورَ وَيَقْصِدُ وَيقْصِدُ: بالرَّفعِ أي: وهو يَعْدِلُ، فحمل الكلام هنا على الاستئناف متعيّن، إذ كيف يَجِبُ على الْحَكَمِ إذا قَضَى قضيَّتَهُ أن لا يجور ولا يعدل، هذا تناقض. وأرى أنّ الواو التي تدخل على الجملة الاعتراضيّة هي واو استئناف وليست واو عطف. *** (٤) مع علماء البلاغة في تقسيماتهم تأمَّلْتُ فيما ذكر البلاغيّون من تقسيم لأحوال الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب حول الفصل والوصل بينها في الكلام، فرأيت أنّهم بالبحث التحليليّ قد ذكروا لها سبعة أقسام متفرّعة من تقسيمين رئيسَيْن، وأنّهم فصّلوا بعض هذه الأقسام إلى فروع بحسب أحوالها. وفيما يلي بيان ذلك مع بعض تعديل في شجرة التقسيم التي ذكروها. القسم الأول: ما يجب فيه الفصل (أي: عدم عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو) . وهذا يكون في أربع صُوَر: الصورة الأولى: أن يكون بين الجملتين "كَمَالُ اتّصال" إذْ لا تغايُر بين الجملتين حتّى تُعطَفَ التالية على السابقة. وهذ الصورة تظهر في ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن تكون الجملةُ التالية توكيداً للجملة السابقة، لزيادة التقرير، أو لدفع توهُّم المجاز، أو لدفع توهُّمِ الْغَلَط، وهذه الجملةُ التوكيديّة: * قد تكون من قبيل التوكيد اللّفظيّ مثل قول الله : ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ . * وقد تكون من قبيل التوكيد المعنويّ، مثل ما حكى الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) عمّا قال النسوة حين رأَيْنَ يوسف ﵇ في بيت العزيز: ﴿مَا هاذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [الآية: ٣١] . فجملة ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ توكيدٌ معنويٌّ لجملة ﴿مَا هاذا بَشَراً﴾ لأنّ إثبات كونه ملكاً كريماً تأكِيدٌ وتحقيقٌ لنفي كونه بشراً. ومثل قول المتنبيّ: وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مِنْ رُوَاةِ قَصَائِدي ... إِذا قُلْتُ شِعراً أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِداً الوجه الثاني: أن تكون الجملة التالية بدلاً من الجملة السابقة، وجملة البدل: * قد تكون بدل كلٍّ مِنْ كلٍّ، ويسمّى "الْبَدَلَ المطابق" مثل قول الله في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) : ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون * قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الآيات: ٨١ - ٨٢] . *وقد تكون بدَلَ بعْضٍ مِنْ كلٍّ، مثل قول الله في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) حكاية لمقالة هودٍ ﵇ لقومه: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ * واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الآيات: ١٣١ - ١٣٤] . فالأنعام والبنون والجنات والعيون هي بعض ما أمدّهم به مما يعلمون، وفائدة هذا البدل ذكر بعض العناصر مفصلة لأهمّيتها عند المخاطبين، بعد ذكرها بشكل مجمل. * وقد تكون بدَلَ اشتمال، مثل قول الله في سورة (يَس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) حكايةً لمقالة الرجل المؤمن الذي جاء يَسْعَى من أهل أنطاكية، يعظ قومه أن يتَّبعُوا المرسلين الثلاثة الذين أُرْسُلو إليهم: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الآيات: ٢٠ - ٢١] . فجملة ﴿اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً ... ﴾ بدل من جملة ﴿اتّبعُوا المرسلين﴾ التي تشتمل بمفهومها العام على معنى الجملة التي جاءت بدلاً منها. والغرض التنبيه على قضيّة مهمّةٍ فيهم، وهي إخلاصهم وعدم سعيهم لغرض دنيويٍّ من دعوتهم. الوجه الثالث: أن تكون الجملة التالية معطوفة على الجملة السابقة عطف بيان، مثل قول الله في سورة (طَه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) : ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان قَالَ ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [الآية: ١٢٠] . فجلمة: "قال يا آدم ... " عطف بيان على جملة ﴿فَوَسْوَسَ ... ﴾ وهي لبيان مضمون الوسوسة التي وسوس بها الشيطان. وقول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) خطاباً لبني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الآية: ١٤١] . فجملة: "يُقتّلون أبناءكم" والتي بعدها عطف بيان لجملة: "يسومونكم سُوءَ العذاب". الصُّوَرة الثانية: أَنْ يكون بين الجملتين "شِبْهُ كمال الاتصال". وهذا يكون حينما تكونُ الجملةُ السابقة ممّا يثير في نفس المتلَقّي سُؤالاً يتردَدُ في نفسه ولو لم يُصَرِّحْ به، فتأتي الجملة التالية لتجيب على هذا السؤال، وتأتي دون أن تعطف بالواو، وعلى أسلوب الاستئناف، فالجملة الواقعة جواباً لسؤالٍ مقدّر ذهناً غيرِ مصرّحٍ به في اللّفظ، لكن من شأنه أن تثيره في النفوس الجملة السّابقة هي جملة استئنافيّة. قالوا: والسؤال الذي تثيره الجملة السّابقة على وجوه: * فإِمَّا أن يكون سؤالاً عن سبب الحكم الذي تضمّنته الجملة السابقة بوجه عامّ، مثل قول الشاعر: قَالَ لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتٌ: عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ فجملة "سَهَرٌ دائم ... " جملةٌ استئنافية جاءت بدون عطف بالواو، إذْ وقَعَت جواب سؤالٍ تُثِيرُه جملة "أنا عَلِيل" لأنّ من طبيعة المتَلَقِّي أن تتحرّك نفسه بسؤالٍ مضمونه: ما سبَبُ كُوْنِكَ عليلاً؟ وأسْرَعَ المتكلم فأجاب على السؤال دون أن يُطرَحَ عليه، أي: أنا عاشقٌ بعيد عن محبوبه. فالسؤال عن سبب حدوث العلّة المرضية هو سؤال عن السبب بوجه عامٍّ، إذ عادة الناس أنَّهم إذا قيل لهم: فلانٌ مريضٌ، قالوا: ما سبب مرضه؟. * وإمّا أن يكون سؤالاً عن سبب خاص، مثل قول الله في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) حكاية لمقالة يوسف ﵇: ﴿*وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٣٥] . فجملة: ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ جملة مستأنفة وقعت جواب سؤال تثيره جملة ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ . لقد سبق هذه الآية بيان أن يوسف ﵇ قال: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ [الآية: ٥٢] . فَبَعْدَ أَنْ أعْلَنَ براءَتَهُ من الخيانةِ، واعترفَت امرأةُ العزيز بأنَّها هي التي راودَتْهُ عن نفسه، تتساءل النفس قائلة: ما الّذي جعل يوسف ﵇ يقول: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ بعد أنْ ثبتت براءته وثبتت طهارتُه وعِفَّته، فما هو السبب الخاصُّ الذين جعله يقول هذا القول؟ وقد أسرع ﵇ فأجاب على السؤال بقوله: ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ والسوءُ الذي حدّثته نفسه به ولم يَعْمَلْه، هو هَمُّهُ بضَرْبها بَعْد أنْ همَّتْ بضربه لمّا استعصم بالله، متعفّفاً عن الفاحشة. * وإمَّا أن تُثِير الجملة السابقة سؤالاً ما، لا عن السبب العامّ للحكم فيها، ولا عن السبب الخاصّ، مثل ما جاء في قول الله يَقُصُّ قصّة إبراهيم ﵇ في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) : ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [الآية: ٦٩] . حَنِيذ: أي: مَشْوِيّ. إنّ من طبيعة أَيِّ متلَقٍّ للقصة، أنْ يتساءل بعد أن يَسْمَعَ أنّ الرُّسُل من الملائكة الذين جاءوه وقالوا له سلاماً، فيقول في نفسه، فماذا أجابهم إبراهيم ﵇؟ فجاءت جملة: ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ جواباً على هذا السؤال. ومنه قول الشاعر: زَعَمَ الْعَواذِلُ أَنَّنِي في غَمْرَةٍ ... صَدَقُوا ولكِنْ غَمْرَتِي لاَ تَنْجَلِي إنّ الشطر الأول يثير في النفس سؤالاً وهو: إذا كان العواذل قد زعموا أنَّكَ في غَمْرَة فماذا تقول أنت؟ فأجاب على هذا التساؤل بقوله: "صَدَقوا" وزاد على قولهم تأكيداً بقوله: "ولكِنْ غَمْرَتي لا تَنْجَلِي" وهذا من تأكيد الشيء بما يوهم في بدايته خلافه. الغمرة: الشّدّة. ملحوظتان: (١) قد يُحْذَفُ صَدْرُ جواب السؤال المقدّر الذي أثارته الجملة السابقة، ويُسْتَغْنَى عَنْه بما جاء بعده ممّا يدلُّ عليه، ومنه قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) كَمَا جَاءَ في قراءةَ ابن عامر الشامي وشبعة ﴿يُسَبِّحُ﴾ بالبناء للمجهول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾ [الآيات: ٣٦ - ٣٧] . قراءة جمهور القرّاء العشرة ﴿يُسَبِّحُ﴾ وَلَيْسَ فيها شاهِدٌ لمَا نَحْنُ فيه، أمّا قراءة ابن عامر وشعبة ﴿يُسَبَّحُ﴾ بالبناء لما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ فهي التي تتضمّن الشاهِدَ المطلوب. إنّ جملة ﴿يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾ جملة تامَّةٌ تثير سؤالاً وهو: مَنِ الذي يُسَبِّحُ للهِ فيها؟ والجوابُ: يُسَبِّحُ فيها رَجَالٌ ... فَحُذِفَ صَدْر الجواب وهو فِعْلٌ واستغني عنه بذكر فاعله "رجالٌ". (٢) وقد تُحذف جملة الجواب كلُّها، ويُكْتَفَى بذكر ما يَدُلُّ عليها، منه قول الشاعر "مُسَاوِرِ بن هند" يهجو "بني أسَد": زَعَمْتُم أَنَّ إخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ ... لَهُمْ إلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَفُ

стр. 569

إنّ الشطر الاول جملة تامَّة تُثِير سؤالاً: أَلَسْنَا صادقين؟ وجوابه: "كذبْتُمْ فإنَّ قُرَيشاً لَيْسُوا إخْوَتكُم" هذا الجواب محذوف لكن دَلَّ عليه ما جاء في الشطر الثّاني، أي: لو كنتم إِخْوَة قَرَيشٍ لكان لكم إِلْفٌ كما لهم. الإِلْف والإِلاَف: العهد والأمان الذي يؤخذ لتأمين خروج التجَّار من أرض إلى أرض، وقد كانت قريشٌ لها هذا الإِلاف الذي يمكّنها من رحْلَتِي الشاء والصيف، إلى الشام واليمن ومصر. الصورة الثالثة: أَنْ يكونَ بَيْنَ الجملَتَيْن "كَمَالُ الانقطاع". وهذا يكون حينما يكون بين الجملتين تبايُنٌ تَامّ، فيجب فصل الجملة التالية عن الجملة السابقة، وعدَمُ وصلها بالواو العاطفة، بشرط أن لا يؤدّي ذلك إلى إيهام غير المقصود. وهذه الصورة تظهر في ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن تختلف الجملتان السابقة والتالية خبراً وإنشاءً في لفظيهما وفي دلالتيهما مثل قول الله في سورة (الحجرات/ ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول) : ﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الآية: ٩] . فالجملة السابقة ﴿وأقسطوا﴾ إنشائية، مصدّرة بفعل أمر. والجملة التالية ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ خبريَّة في لفظها وفي معناها. وظاهر أنّ بين هاتين الجملتين "كمالَ انقطاع" فوجب فصلهما. الوجه الثاني: أن تختلف الجملتان السابقة والتالية خبراً وإنشاءً في دلالتيهما، ولو لم تختلفا في لفظيهما، كأن تكون الأولى خبراً في لفظها ومعناها، والثانية خبراً في

стр. 570

لفظها إنشاءً في معناها، كأن تقول: نجَحَ ابني في امتحاناته كلِّها، وَفَّقَهُ الله. فالأولى خبريَّةٌ لفظاً ومعنى، والتالية خبريَّةٌ لفظاً إنشائيَّةٌ دعائيَّةٌ معنى. الوجه الثالث: أن لا يكون بين لجملتين مناسبة ما في المعنى، ولا يوجد ارتباطٌ ما بين المسنَدِ إليه فيهما، ولا بين الْمُسْنَد، ومنه قول الشاعر: إنَّما الْمَرْءُ بأصْغَرَيْهِ ... كُلُّ امْرِىءٍ رَهْنٌ بما لَدَيْه ومثل أن تُعَدّدَ حِكَماً في موضوعاته مختلفات لا ترابط بينها، كأنْ تقول: "رَأسُ الحكمة مَخَافَةُ الله - لا يُلْدَغُ المؤمِنُ من جُحْرٍ مَرَّتين - ارْضَ بما قَسَمَ اللهُ لَكَ تكُنْ أغْنَى الناس - كفَى بالموتِ واعظاً". أما الوصل مع وجود كما الانقطاع لأنّ الفصل يوهم خلاف المقصود، فمن أمثلته ما روُي أنّ "هارون الرّشيد" سأل وزيرَه عن شيء فقال: "لا وَأيَّدَ اللهُ الْخَلِيفَة" فبلَغ هذا القول "الصّاحِبَ بْنَ عبَّادٍ" فقال: هذه الواو أحْسَنُ من الواوات في خُدُود الملاح (أي: أحسن من الشعر الذي يتدلّى من الصدغ ويكون مثل الواو على الخدود) . الصورة الرابعة: أنْ يكون بين الجملَتَيْن "شبْه كَمَالِ الانقطاع". وهذا يكون حينما تكون الجملة التالية مسبوقةً بجملَتَيْنِ يَصِحُّ عطفها على إحداهما، ولا يصحّ عطفها على الأخرى، لأنه يُفْسِدُ المعنى المقصود للمتكلم، فَيُتْركُ العطف، ويجب حنيئذٍ الفصل دفعاً لما قد يحدث من إيهام بالوصل بالواو. وذكروا من أمثلة هذا القسم قول الشاعر: وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بهَا ... بَدَلاً أُرَاهَا في الضَّلاَلِ تَهِيُم وقد سبق شرح هذا الشاهد. ***

стр. 571

القسم الثاني: ما ينبغي فيه الوصل أو يحسُنُ (أي: أن تُعْطَفَ الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو) . ويظهر هذا حينما تكون العلاقة بين الجملتين متوسطة تماماً بين حالَتَيْ "كمالِ الانقطاع" و"كمال الاتصال". ويُلاحظ هذا التوسط حينما تتفق الجملتان التالية والسابقة خبراً أو إنْشاءً، لفظاً ومعنىً، أو معنىً فقط، مع جامع يجمع بينهما، فتُعْطَفُ التالية على السَّابقة إلاَّ إذا أوهم العطفُ خلاف المقصود. أمثلة: (١) قول الله في سورة (الانفطار/ ٨٢ مصحف/ ٨٢ نزول) : ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] . يُلاَحظ في هاتين الجملتين المعطوفة بالواو والمعطوف عليها توسُّطاً بين كمال الاتّصال وكمال الانقطاع، وجامعاً يجمع بينهما، فالعلاقة بينهما قانون الجزاء الرّبّاني، ذي الصورتين المتضادّتين، لفريقين متضادّين، هما الأبرار والفجّار، إنّ عنوان الجزاء عنوانٌ جامع دون اتّحاد ولا شِبْهِ اتّحاد، وإِنّ التضادّ لا يَصِلُ إلى مستوى التباين التامّ في الفكر، لأنّ الضدَّ أقربُ خُطُوراً بالبال عن ذكرِ الضدّ من النظير إلى النظير، فحصلَ بذلك التوسُّط بين الكمالين، والجملتان هما أيضاً خبريتان لفظاً ومعنىً، فحَسُنَ عطفُ التالية على السابقة بالواو. (٢) وقول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) : ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الآيات: ١٧ - ١٩] .

стр. 572

إنَّ الْجُمَل الْمَعْطُوفة على سَوَابقها في هذا النّصّ لَيْسَ فيها كمال اتصالٍ وَلاّ شِبْهُه، ولا كمال انقطاع وَلاَ شِبْهُه، مع وجود جامع يُحَسِّنُ العطف بالواو، إنّ التسبيحَ مغايرٌ للحمد، لأنّ معنى "سبحان الله" أُنَزِّه الله عمّا لا يليق به من صفات، ومعنى: "الحمد لله" أُثْبِت لله كلّ صفات الكمال التي تقتضي الثناء عليه بها، ومع هذا التغاير فإنّ بينهما تلاؤماً فكريّاً لأنّهما متكاملتان حول صفات الله ، والجملتان هما أيضاً خبريّتان لفظاً ومعنى، فَحَسُنَ عطف التالية منهما بالواو على السابقة. وكذلك نقول في الجمل الواردة في الآية (١٩) إذ عُطِفَتْ الثلاثة الأخيرة منها على الأولى: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ لوجود التغاير بينها مع التلاؤم الفكري. إنَّ إخراج الميت من الحيّ مغايرٌ لإِخراج الحيِّ من الميت وملائم له، إذْ هما مظهران من مظاهر قدرة الرّبّ الخالق جلَّ وعلا، وكذلك إحياء الأرض بعد موتها، وكذلك البعث يوم الدّين. فاقتضى التوسط بين الكمالين مع التلاؤم وكونها جملاً خبرية لفظاً ومعنى عَطْفَها بالواو العاطفة. (٣) وقول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين﴾ [الآية: ٣١] . إنّ جُمَلَ ﴿وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا﴾ معطوفة على: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ لما بينهما من التغاير الذي يجعلها متوسطة بين الكمالين، مع التلاؤم الفكري بينها، والجمل كلُّها متفقة في كونها جملاً إنشائيةً واردة إمَّا بصيغة الأمر وإمّا بصيغة النهي، ومعناها جميعاً على الإِنشاء. والأمثلة على هذا كثيرة من القرآن ومن السنَّة ومن أقوال البلغاء. ***

стр. 573

الجامع المسوّغ للعطف بالواو بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب العلاقة الجامعة بين الجملتين فكرةٌ تسوّغ الربط بالواو، وهذه الفكرة تُنْتَزَعُ من أركان الإِسناد بين الجملتين وتوابع هذه الأركان، وأرى أنّه ليس باستطاعة الباحث أن يملك ضوابط محدَّدَةً للصُّور التي يُلاَحَظُ فيها الجامع المسوّغ للعطف، يميّزها عن الصور الأخرى التي يكون الجامع فيها ضعيفاً لا يحسُنُ معه العطف بالواو لدى أذكياء البلغاء. وقد حاول السَّكّاكي مستفيداً من دراساته المنطقيّة والفلسفيَّة الواسعة، أن يقدّم تصنيفاً للكليّات الّتي يمكن أن يندرج تَحْتَها الجامع، فرأى أنّ الجامع، إمَّا أن يكون عقليّاً، أو وهْميّاً، أو خياليّاً. * فالجامع العقلي: له عدة صُوَر: (١) أن يتّحد في الجملتين واحدٌ فأكثر من المسند إليه، والمسند إليه، وقيودهما. (٢) أن يتماثل في الجملتين واحدٌ فأكثر من المسند إليه، والمسند، وقيودهما، والتماثل هو التشابه، وهو غير الاتحاد. (٣) أن تربط بين الجملتين العلاقة التي تُسَمَّى في الفلسفة مقولة "الإِضافة" وهي التي يرتبط فيها فهم الشيء بفهم شيء آخر، مثل العلاقة بين الأُبُوّة والنبوة، والعلاقة بين العلة والمعلول، والسبب والمسبّب، والأسفل والأعلى، والأقل والأكثر، والبيع والشراء، والشريك مع شريكه، إلى غير ذلك. * والجامع الوهمي: هو أن تتواصل الجملتان ببعض عناصرهما عن طريق القوة الواهمة في الذهن. (١) فمنه أن يكون بينهما شبه تماثل، إذ الوهم من شأنه أنْ يرفع شبيه المتماثلين إلى مرتبة المتماثلين ويجمع بينهما لتقاربهما.

стр. 574

كأن يجمع بين الأبيض والأصفر لأنهما يشبهان المتماثلين، وكأن يجمع بين شديد الخضرة والسّواد. (٢) ومنه أن يكون بينهما تضادّ، كالسّواد والبياض، والإِيمان والكفر، والضحك والبكاء، والقيام والقعود، إذ من شأن القوة الواهمة أن تجمع بين الأضداد. (٣) ومنه أن يكون بينهما شبه تضاد، كالسّماء والأرض، والسهل والجبل. * الجامع الخيالي: هو أن تتواصل الجملتان ببعض عناصرهما عن طريق "المخيّلة" في الذهن، إذ الذهن يؤلف بين المتقارنين في الخيال لأسباب مختلفة، كالقلم والقرطاس، والعقد والجيد، والمعصم والسوار، والخاتم والإِصبع، والغراب والسواد، إلى غير ذلك. *** محسنات الوصل بالعطف بالواو إضافة إلى الجامع المسوّغ للعطف بالواو بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب توجد مُحَسّنات تُحَسِّن هذا الوصل، ومن هذه المحسنات ما يلي: (١) أن تكون الجملتان اسميتين. (٢) أن تكون الجملتان فعليتين، ويزيد في الحسن أن يكون الفعل في كلٍّ منهما ماضياً، أو مضارعاً. هذا إذا لم يوجد داعٍ فكري يقتضي خلاف ما سبق من محسنات، فالدّاعي الفكريّ هو الأحقّ بالمراعاة دواماً، إذا كانت قواعد العربية تَسْمَحُ بذلك. ***

стр. 575

شجرة أقسام الفصل والوصل في الجمل التي لا محل لها من الإِعراب وفق تقسيمات البلاغيّين ١ - ما يجب فيه الفصل (أي: عدم عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو) وله أربع صور: [الصورة الأولى:] أن يكون بين الجملتين ((كمال الاتصال)) ويظهر في ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن تكون التالية توكيدا للسابقة - توكيد لفظي. - توكيد معنوي الوجه الثاني: أن تكون التالية بدلا من الجملة للسابقة - بدل كل من كل. - بدل بعض من كل. - بدل اشتمال. الوجه الثالث: أن تكون التالية عطف بيان للسابقة [الصورة الثانية:] أن يكون بين الجملتين ((شبه كمال الاتصال)) وهذا يكون حينما تكون الجملة السابقة مما يثير في نفس المتلقي سؤالا يتردد في نفسه ولو لم يصرِّح به، فتأتي الجملة التالية لتجيب على هذا السؤال. والسؤال عن: - سبب عام - سبب خاص سبب - ما غير عامّ ولا خاصّ [الصورة الثالثة:] أن يكون بين الجملتين ((كمال انقطاع)) ويظهر في ثلاثة وجوه: - أن تختلف الجملتان خبراً وإنشاءً لفظاً ومعنى. - أن تختلف الجملتان خبراً وإنشاءً معنى فقط. - أن لا يكون بين الجملتين مناسبة ولا ارتباط بين أركانهما. [الصورة الرابعة:] أن يكون بين الجملتين ((شبه كمال انقطاع)) وهذا يكون حينما تكون الجملة التالية مسبوقة بجملتين يصحُّ عطفها على إحداهما ولا يصحّ عطفها على الأخرى لأنّه يسفد المعنى المقصود للمتكلّم. ٢ - ما ينبغي فيه الوصل أو يحسن ويظهر هذا حينما تكون العلاقة بين الجملتين متوسطة تماما بين حالتي ((كمال الانقطاع وكمال الاتصال)) مع جامع يسوّغ العطف بالواو. والجامع على رأي السّكاكي: - عقلي. - وهمي. - خيالي.

стр. 576

" علم المعاني" الباب الخامس: الإِيجاز الإِطناب والمساواة الفصل الأول: نِسَبُ الكثافة بين الألفاظ والمعاني وملاءمتها لمقتضيات الأحوال ينقسم الكلام بالنظر إلى المنطوق به، وإلى معانيه من جهة نِسَبِ الكثافة بين كلٍّ منهما في مقابل الآخر إلى ثلاثة أقسامٍ رئيسة سويّة، ويأتي وراءها أقسامٌ أخرى. * فالأقسام السويّة الثلاثة هي ما يلي: القسم الأول: الكلام المتّصفُ بالمساواة بين ألفاظه ومعانيه مع مطابقته لمقتضى الحال. المساواة: هي التطابق التام بين المنطوق من الكلام وبين المراد منه دون زيادة ولا نقصان. القسم الثاني: الكلام المتّصِفُ بالإِيجاز غير الْمُخِلّ، مع مطابقته لمقتضى الحال. الإِيجاز: كون الكلام دالاً على معانٍ كثيرة بعبارات قليلة وجيزة دون إخلال بالمراد. القسم الثالث: الكلام المتّصفُ بالإِطناب لاشتماله على زيادة ذات فائدة، مع مطابقته لمقتضى الحال.

стр. 577

الإِطناب: كون الكلام زائداً عمّا يمكن أن يُؤَدَّى به من المعاني فى معتاد الفصحاء لفائدة تُقْصَد. ويكون الكلام بليغاً إذ وُضع كُلُّ قِسْمٍ من هذهِ الأقسام فى موضعه الملائم له، ورُوِعيَ فيه مقتَضَى حالِ المتلقّي. * وأمّا المعيب من الكلام فى هذا الباب فيكون بواحد فأكثر من الوجوه الثلاثة التالية: الوجه الأول: الإِيجاز المخلّ بالمعنى المقصود بالبيان. الوجه الثاني: الإِطنابُ بزيادةٍ غير ذات فائدة تُقْصَدُ لدَى أذكياء البلغاء، وقد يطلق عليه لفظ "الإِسهاب" أو لفظ "التطويل". ويكون الإِطناب غير المفيد بأحد أَمْريْن: * بالتطويل دون فائدة، وطريقُهُ أن لا يتعيّن الزائد فى الكلام على وجه الخصوص، كأن تُوجد لفظتان مترادفتان تصلح كلُّ منهما لأن تكون هي الزائدة. * أو بالْحَشْوِ دون فائدة، وطريقه أن يكون الزائد غير المفيد فى الكلام متعيّناً بلفظه، كلمةً فأكثر. هذا ما توصَّلَتْ إليه أنظار المحققين من أهل البلاغة والأدب حول تقسيمات الكلام من جهة النِّسَبِ العامَّة للكثافة بين الألفاظ والمعاني. *** مقتضيات استعمال كلٍّ من الأقسام السويَّة ممّا اتفق عليه أئمة البلاغة والأدب أنّ لكلِّ قِسْمٍ من أقسام الكلام الثلاثة: "المساواة - الإِيجاز - الإِطناب" مقتضياتِ أحوالٍ تُلائمه، ومناسباتٍ تقتضيه، ودواعىَ بلاغَيَّةَ تستدعيه، وموضوعاتٍ يَحْسُن أن يُخْتار لها.

стр. 578

وفيما يلي طائفةٌ من أقوالهم: (١) رُوي أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أئمة اللّغة والأدب قال: "يُخْتَصَرُ الكِتَابُ ليُحْفَظَ، ويُبْسَطُ لِيُفْهَم". (٢) قيل لأبي عَمْرو بن العلاء "وهو أحد أئمة اللّغة والأدب، وأحد القرّاء ووُصف بأنّه أعلم الناس بالأدب والعربيّة والقرآن والشعر": هل كانت العربُ تُطِيل؟ قال "نعم، كانت تُطِيلُ لِيُسْمَعَ مِنْها، وتُوجِزُ ليُحْفَظَ عنها". (٣) ورُوي أن جعفر بن يحيى البرمكيّ "أحد الموصوفين بفصاحة المنطق وبلاغة القول" قال: "متَى كان الإِيجاز أبْلَغَ كانَ الإِكثَارُ عِيّاً، ومتَى كانت الكِفايَةُ بالإِكثار كان الإِيجاز تقصيراً". (٤) وقال أحد الشعراء يثني على خطباء "إِياد" كما ذكر الجاحظ: يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ... وَحْيَ الْمَلاحِظِ خَشْيَةَ الرُّقَبَاءِ أي: يخطُبون تارةً خُطَباً طِوالاً، إذا كانت حال المخاطبين تقتضي الإِطالة، ويوجزون خطبهم تارةً أخرى إيجازاً يشبه وحْيَ الملاحظ. الوحي: الكلام الخفيُّ السّريع. الْمَلاَحِظ: جمع "مَلْحَظ" وهو اللَّحْظُ أو موضعه من العين، واللَّحظ هو النظر بطرف العين مما يلي الصُّدغ، ومن المعروف أن الناس قد يتفاهمون عن طريق اللَّحْظ، وإشاراته خشية الرقباء. (٥) وقال قائل لبشار بن بُرْد "أحد فحول الشعراء، وقد أدرك الدَّولتين الأُمَويّة والعباسيّة": إِنَّكَ لَتَجيءُ بالشيء الهجين المتفاوت.

стр. 579

قال بشّار: وما ذاك؟ قال: بينما تثير النقع وتخْلَعُ القلوب بقولك: إِذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَريَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْس أَوْ تُمْطِرَ الدَّمَا إِذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّداً مِنْ قَبِيلةٍ ... ذُرَا مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَيْنَا وَسلَّمَا نَراكَ تقول: رَبَابَةُ رَبَّةُ الْبَيْتِ ... تَصُبُّ الْخَلَّ في الزَّيْتِ لَهَا عَشْرُ دَجَاجَاتٍ ... وَدِيكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ فقال بشّار: "لكلِّ وَجْهٌ وَموضع، فالقولُ الأوّل جِدٌّ، والثاني قُلْتُه في "رَبَابَةَ" جاريتي، وَأنَا لا آكُل البيض من السّوق. و"رَبَابَةُ" لها عشْرُ دَجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض، فهذا القول عندها أحْسَنُ من (قِفَا نَبْكِ منْ ذِكْرى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ) عندك". (٦) وقال الزمخشري: "كما يجب على البليغ فى مَظَانِّ الإِجمال أن يُجْمِلَ ويُوجِزَ، فكذلِكَ الواجب عليه فى موارد التفصيل أنْ يُفَصّل ويُشْبِع". (٧) وقالوا: "لكلّ مقامٍ مقال". (٨) ومن أمثلة مراعاة مقتضيات الأحوال بكلّ من "المساواة والإِيجاز والإِطناب" ما جاء فيما حكاه الله من قصة موسى والخضر ﵉ في سورة (الكهف /١٨ مصحف /٦٩ نزول) : ﴿قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ اتبعتني فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً *

стр. 580

فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ . [الآيات: ٦٦ - ٧٨] * نلاحظ فى هذا النص أنّ الخضر قال لموسى ﵉ في بدء الأمر: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ . هذا كلام مؤكّد مُسَاوٍ للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز. * وحين اعترض موسى ﵇ الاعتراض الأول على الخضر بشأن خرقه السفينة، قال له الخضر:

стр. 581

﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ . هذا أيضاً كلامٌ مُؤَكَّدٌ ومُسَاوٍ للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز. وحين اعترض موسى ﵇ الاعتراض الثاني على الخضر بشأن قتله الغلام، قال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ . فَأَطْنَبَ إذْ أضاف عبارةَ ﴿لَكَ﴾ مع أنَّ هذه الزّيادة لا لزوم لها في الكلام المساوي، فعبارة ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ بأسلوب الخطاب تَدُلُّ على أنّ الخطاب قَدْ وَجَّهَهُ الخضِرُ له، فما الداعي لأنْ يقول لَهُ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ؟﴾ ؟ أقول: إنّ الداعي البلاغي لهذا الإطناب هو أنَّ مُوسَى ﵇ تصرَّفَ تَصَرُّف من لم يُدْرِكْ أنّ الْخِطَابَ قَدْ كان مُوَجّهاً له فيما سبق، فاعترض، فاقتضى حالُهُ أَنْ يقولَ لَهُ الخضر: إِنّي كُنْتُ وجَّهْتُ الخطابَ لَكَ بأَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. وحين اعترض موسى ﵇ الاعتراض الثالث على الخضر بشأن إقَامَتِهِ الجدار المائل فى قريَةٍ أَبَى أهْلُها أنْ يُضَيِّفوهُما، قال له الخضر: ﴿هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ . فأوجز فى كلامِهِ، إذْ طوى من اللّفظ عبارة: لأنَّكَ لم تَسْتَطعْ معِيَ صبراً، وقد انتهت مُدَّة الاتفاق على مصاحبتي. وبعد أن أبان الخضر لموسى ﵉ التأويل الحكيم للأحداثِ التي أجراها بأمْرِ الله أو إذْنه قال له: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف: ٨٢]

стр. 582

فَأَوْجَزَ في بيانه حتى في كلمة "تَسْتَطعْ" إذْ قال: "تَسْطعْ" بحذف التاء التي بعد السين. إنّ مقتضى الحال بعد انتهاء أجل المصاحبة، إذْ لم يلتزم موسَى ﵇ بشروطها، أنْ يكون الكلامُ مُوجزاً جدّاً، إذْ لا داعِيَ للإِطناب ولا للمساواة، ومِثْلُ موسى ﵇ يكفيه من الكلام عبارة: "هَذا فِرَاقُ بيني وَبَيْنِكَ" فهو الخبير بإخلاله بشروط المصاحبة المتَّفق عليها. *** مجالات استعمال الأقسام السّوية ذكر أساطين الأَدب، وبُلَغاء الناس وفُطناؤهم طائفةً من مجالاَت القول التي يَحْسُنُ فيها استعمال كلٍّ من أقسام الكلام الثلاثة: "المساواة - الإِيجاز - الإِطناب". وفيما يلي عرضٌ مفَصَّلٌ لبعض هذه المجالات: أوّلاً: ممّا هُو مُتّفَقٌ عليه لزوم اختيار أسلوب "المساواة" بَيْنَ الألفاظ والمعاني، حتَّى تكونَ الأَلفاظ كالقوالب للمعاني دون زيادة ولا نقصان، في عِدَّةِ مجالاَتٍ من مجالات القول، منها ما يلي: (١) مُتُونُ العلوم المحرَّرة. (٢) نُصُوصُ الموادّ القانونيَّة والتشريعيَّة. (٣) نُصُوص المعاهدات بين الدُّول. (٤) القرارات والمراسيم. (٥) بيانات أحكام الدين، ومطالب الشريعة المحدّدة.

стр. 583

(٦) بيانات الحقوق والواجبات. إلى غير ذلك مما يشبه هذه المجالات. *** ثانياً: واستحسن الأدباء والبلغاء والعلماء "الإِيجاز" فى طائفة من مجالات القول، منها ما يلي: (١) الكتب الصادرة عن الملوك والرؤساء إلى الولاة والعمّال، ولا سيما في أوقات الحروب، وفى الشدائد والأزمات. (٢) الأوامر والنواهي السُّلطانية. (٣) كتب السلاطين بطلب الخراج وجباية الأموال وتدبير الأعمال. (٤) كتب الوعد والوعيد. (٥) الشكر على النِّعَمِ التي تُهْدَى، الْعَوَارِفِ الّتي تُسْدَى. (٦) الاستعطاف وشكوى الحال. (٧) استجداء حُسْنِ النظر وشُمولِ الْعِناية. (٨) الاعتذار، والتنصُّل من تُهْمة الذّنْب وتَبِعَاته. (٩) العتاب بين المحبّين والأصحاب. (١٠) مخاطبة الأذكياء الذين يكفيهم اللَّمْحُ، وتُقْنعهم الإِشارة. (١١) المواطن التي يَحْسُنُ فيها الرّمز لإِخفاء المقاصد عن غير من يوجّه له القول، من رقباء أو ذوي فضول. إلى غير هذه المجالات ممّا يُشْبهها. ***

стр. 584

ثالثاً: واستحسنَ الأدباء والبلغاء وذوو التجارب "الإِطناب" وبسط الكلام والإِسهاب فيه، فى عدّة مجالات من القول، منها ما يلي: (١) الحاجة إلى الإِقناع في مشكلات القضايا الفكرية، وفي تعليم مسائل العلوم الدقيقة الخفيَّة الصعبة الفهم. (٢) الوعظ بالترغيب والترهيب، والتحسين والتزيين، والتنفير، والتقبيح، وسَوْق الأمثال والقصص. (٣) الخطب فى الحماسة، وفى إثارة مشاعر الحبّ أو الكراهية، وفي استجلاب الرضا، أو استثارة الغضب، وذلك لأنّ تحريك العواطف واستثارتها يحتاج إطناباً، وبياناً مفصّلاً مبسوطاً. (٤) كتابة التاريخ وتدوين الحوادث. (٥) الْخُطَبُ في الصلح بين المتخاصِمين، لإِصلاح ذات البين، وتهديم ما في النفوس من ضغائن. (٦) بعض مجالات المدح لمستحقّيه، بغيةَ دفع الممدوح للاستزادة من الخير، والالتزام بالبعد عمّا يُوجَّهُ لفاعله أو تاركه الذّمّ بسببه. (٧) تعبيرات العشاق والمحبّين عن مشاعرهم وأشواقهم. (٨) تعبيرات ذوي الأحزان والآلام عن مشاعرهم. (٩) كتب الصكوك والعقود في البيوع والمداينات ونحوها، إذ ينبغي فيها التفصيل الدقيق، لأمن الخلاف والتلاعب. *** وفي الفصول الثلاثة التالية شرح وتفصيل لأقسام الكلام السويّة التالية: "المساواة، والإِيجاز، والإِطناب". ***

стр. 585

الفصل الثاني: المساواة بين الألفاظ والمعاني الأصل في الكلام أنْ يُؤْتَى بِه مساوياً للمعاني الّتي يدلُّ عليها، دون أن تكون ألْفاظُهُ زائدةً ولا ناقصة. أمّا القدرةُ على المطابقة التامّة بين الْجُمَل المنطوقة والمعاني المرادة منها، فهي من القدرات النادرة في المتكلمين من الناس، لأنَّ الناسَ في النّسْبَةِ العظمى منهم: * إمّا أن يكونوا من ذوي القدرة على الكلام والرغبة فيه مع تَمتُّعِهم بذاكرة كلاميّة واسعةٍ وفيّاضة، فتفيض لديهم منابع القول، وبذلك يزداد المنطوق من كلامهم عمّا يريدون التعبير عنه من المعاني. وقد يصل بعض هؤلاء إلى مستوى الإِسراف والتبذير في القول، والثرثرة بلا طائل، وللنساء النّصيبُ الأكبر من هذا. * وإمّا أن يكونوا ميّالين إلى قلّة الكلام وإيثار الصّمت إلاَّ عند الحاجة الماسّة، بسبب ضابطٍ حكيمٍ من عقولهم، أو بسبب شعورهم بالعجز عن استدعاء الكلماتِ المعبِّرات عمّا يُرِيدون من المعاني، إذْ لا تُساعدهم ذاكرتُهُمْ على اختيار الكلمات المناسبات لما يُريدون التعبير عنه، أو يُصابون بالْعِيّ والْحَصَرِ فى مواقف الرَّغبةِ أو الرَّهبة، أو اضطراب النفس وقَلَقِها لأمْرٍ ما، فيَتَعَثَّرون في الكلام، ويحاولون عند الحاجة إليه اختيار أقلّه، للدلالة عما يريدون التعبير عنه، أو تكون ألسنتهم ثقيلة الحركة يتعثر فيها النطق بحسب فطرتهم.

стр. 586

* لكنَّ الذين يتحلَّوْن بالقدرة على القول الكثير، والقدرة أيضاً على ضبط نفوسهم وألسنتهم عن شهوة الكلام والإِطالة فيه، وعلى اختيار الكلام المساوي تماماً للمعاني التي يريدون التعبير عنها دون زيادة ولا نقص، فَهُم القلّة النادرة من الناس. ولا يصل الواصلون إلى القدرة على هذه المطابقة إلاَّ إذا اجتمعت لديهم عدّة صفات يتّضح لنا منها الصفات التاليات: الأول: الاستعداد الفطريُّ للتّحكُّم بما يقولون. الثانية: الثروة اللّغوية الواسعة. الثالثة: القدرة على حُسْنِ الاختيار والانتفاء من الكلمات وأساليب التعبير. الرابعة: الحكمة في ضبط مسيرة القول على منهج التوسع دون وكْسٍ وشطط. الخامسة: التدرُّبُ الطويل والممارسة، مع مُتَابعة النظر الناقد، والتمحيص والتحسين. وبالتتبُّع نلاحظ أنّ الكلام المطابق للمعاني الّتي يراد التعبير عنها به حتى يكون بمثابة القوالب لها تماماً كلامٌ نادرٌ، وهو الأقلّ دواماً من مجموع الكلام ومنزلته رفيعة جدّاً إذا كان فى الموضوعات التي يحسُنُ أن يكون الكلام فيها مطابقاً للمعاني المرادة منه تماماً، لا زائداً ولا ناقصاً، وهي الموضوعات الّتي سبق بيانُها في الفصل الأوّل من هذا الباب. إنّ القادر على ضَبْطِ كلامه وجَعْلِه مطابقاً لما يريد من المعاني دون زيادة ولا نقصان متكلّم ماهرٌ جدّاً، وهو بمثابة من يمشي على طريق مطابق لحدود مواطئ قدميه تماماً، إذا انحرف يميناً أو شمالاً خرج عنه فأساءَ مُنْحَدِراً أو صاعداً أو ساقطاً.

стр. 587

ولذلك يُخْتَارُ لصياغة القوانين والقرارات والمعاهدات والبيانات المحدّدة والموادّ المحرّرة الممحصَّة أمْهَرُ كُتّاب القوانين وصائغي نصوصها، إذ يجب أنْ تكون موادُّها مطابقةً تماماً للمعاني التي يُرَاد الدلالةُ عليها بها، حتّى لا تُفَسَّر بما يَنْقُصُ عن المعاني التي حصل عليها الاتفاق، أو بما يزيد عليها، فلمفسّري موادّ القوانين والمعاهدات والعقود والقرارات ونحوها حِيَلٌ كثيرة يغيّرون بها مفاهيم نصوصها، متى وجَدُوا فيها ثغرات نقص أو زيادة تسْمَح بالتحايل والتلاعُب في التفسير. وقلّما نجد في مجموع كلامٍ كثير كلاماً مساوياً للمعاني المرادة منه دون زيادة ولا نقص، ولا سيما في النصوص التي تُصَاغ بأساليب أدبية، فالأمثلة على الكلام المساوي في النصوص الأدبية أو المطَعَّمة بالأساليب الأدبية نادرة، قد نجدها في جُمَل، وفي كلامٍ قصير، وفي بيتٍ من الشعر، أو شَطْرٍ من بيت. ولندرة المساواة في الكلام توهّم بعض الباحثين أنّه لا واسطة بين الإِيجاز والإِطناب، وجعل القسمة ثنائيّة لا ثلاثية وأدخل المساواة في الإِيجاز. *** اختلاف مقادير الكلام في المساواة مع اتّحاد المعنى المراد من الملاحظ في أساليب الكلام العربي ذي التعبيرات المختلفات عن المعنى الواحد، أنّه قد يُوجَدُ فيها تعبيران أو أكثر عن معنىً واحد، ينطبق عليهما أنهما مساويان للمعنى، مع أنّ عدد كلمات أحدهما أكثر من عدد كلمات الآخر، فَيُقَالُ لذي الكلمات الأكثر أطول، ولذي الكلمات الأقلّ أقصر. إنّ قول القائل: "أريد أن أشرب ماءً" كلامٌ مطابقٌ لمعناه دون زيادة ولا نقص بحسب أصول الكلام العربي.

стр. 588

فإذا قال: "أُريدُ شُرْبَ ماءٍ" باستعمال المصدر "شُرْب" بدل: "أن أشرب" المؤوّلان بمصدر، فقد جاء أيضاً بكلامٍ مطابق لمعناه دون زيادة ولا نقص وفق أصول الكلام العربي. لكِنَّ العبارة الثانية أقْصَرُ بالنظر إلى أنَّها مؤلّفةٌ من ثلاث كلمات ملفوظة، أمّا الأولى فهي مؤلّفَةٌ من أربع كلماتٍ ملفوظة. وربَّ كلمةٍ تدلُّ على معنيَيْنِ فأكثر، ويكون فيها غَناءٌ عن كلمِتَيْنِ فأكثر، واستعمالها يقلّل من طول الكلام المطابق المساوي لمعناه. إنّ عبارة "مدينة" أو "قَرْية" مساوية في المعنى لعبارة "مباني سكنيّة مجتمعة" وقولُ القائل: "سكنتُ في قرية" أو "سكَنْتُ في مدينة" يساوي في المعنى قوله: "سكنت في مبانٍ سكنية مجتمعة" وكلٌّ من التعبيرين ينطبق عليه عنوان الكلام المساوي لمعناه الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، مع أنّ أحدهما مؤلّف من ثلاث كلمات ملفوظة، والآخر مؤلّف من خمس كلمات ملفوظة. وبناءً على هذا فباستطاعتنا أنْ نُفَصّلِ الكلام المساويَ لمعناه فنجعلَهُ ذا نِسَبٍ مختلفة في الطولِ والْقِصَر، كشأن القسمَيْنِ الآخرين من الكلام: "الإِيجاز والإِطناب" كما سيأتي به البيان إن شاء الله، ففي المساوي أقصر وقصير، وطويل وأطول أحياناً. بعد هذا أقول: إنَّ كلاَّ من المساوي الأقصر والمساوي القصير والمساوي الطويل والمساوي الأطول له مواضع تلائمه، ويكون فيها هو الأبلغ بحسب مقتضيات الأحوال. فكتّابُ المتون المكثفة يَلْجَؤُون إلى اختيار المساوي القصير أو الأقصر، وكذلك مختزلو المقالات الطوال لتقديمها لرؤسائهم الذين تضيق أوقاتهم عن قراءة الكلام الكثير.

стр. 589

وشُرَّاح المتون بشروح موجزة تقتصر على حلّ العبارة يَلْجَؤُون إلى اختيار المساوي الطويل أو الأطول. ملاحظتان: (١) لم يُنَبِّه علماء البلاغة - فيما أعلم - على هذا التفصيل للكلام المطابق المساوي لمعناه، لتعذُّر رسْمِ حدودٍ له، إلاَّ أنّني رأيت أنّ من المناسب التنبيه عليه، لبيان أنّ لكلٍ من أقسام الكلام المساوي مواضع تلائمه، ومقتضياتِ أحوال من المستحسن اختيارُهُ لها. (٢) قد يلتبس المساوي القصير أو الأقصر بِقسْمِ: "إيجاز الْقِصَر" الآتي بيانُه - إن شاء الله - إلاَّ أنَّ باستطاعتنا التفريق بأنّ "إيجاز الْقِصَرِ" يختصُّ بجوامع الْكَلِم الذي تُخْتَار فيه الكليّات العامّة، بدلالاتها الشاملات، وتكونُ عباراته بوجه عامّ ممّا لا ينْطَبِقُ عَلَيْها عُنْوانُ "المساواة" فإيجازُ الْقِصَرِ قَدْ يُفِيضُ بمعانٍ كثيرةٍ، تحتاجُ شروحاً وتفصيلات بكلامٍ كثيرٍ جدّاً. أمثلة: أورد البلاغيون أمثلة من الكلام الذي رأَوْا أنَّه يَتَّصِفُ بالمساواة بينه وبين المعاني المرادة منه، دون أنْ يُتْبِعُوها بدراسات تحليليّة كاشفات، وليس من المستبعد أن يكون بعض ما أوردوه منها عُرْضَةً لاحتمالات كونه ممّا ينطبق عليه عنوان: "الإِيجاز" لا عنوان المساواة أو ينطبق على بعض عناصره عنوان: "الإِطناب" والكاشف لذلك الدراسة التحليلية الشاملة للنصّ بكلّ جُمَلِه وعناصرها. والمهمّ أنْ نقول: إنّ من الكلام ما ينطبق عليه عنوان المساواة حتماً، ولو كانت الأمثلة منه ذاتُ النُّصوص الطويلة نادرة، ولا تخلو من اعتراضات وإشكالات قد تجعلها أمثلةً غير مطابقة لما سِيقَتْ له.

стр. 590

فمن الأمثلة على الكلام المتصف بالمساواة ما يلي: المثال الأوّل: قول الله في سورة (فاطر / ٣٥ مصحف / ٤٣ نزول) على ما أورد القزويني في التلخيص: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ... ﴾ [الآية: ٤٢] . يَحِيقُ: أي: يُحِيط. الْحُوقُ: الإِطار المحيط بالشيء المستدير حوله. المكرُ السَّيّئ: أي: التدبير الخفيّ الموصوف بأنَّه سَيّئٌ لأنه اسْتُخدم في الشرّ لا في الخير، فليس كلُّ مكْرٍ سَيِّئاً، إذْ من المَكْرِ ما هو مَكْرٌ في الخير، وهو عندئذٍ يكون مكراً حسناً لا سَيّئاً. إلاَّ بأهله: أي: إلاَّ بأصحابه المدبّرين له، أو إلاَّ بالمستحقين له. دلّت هذه العبارة القرآنية على أنَّ إحاطة المكر السَّيِّئ إحاطةً تامّةً لا تكون إلاَّ بأصحابه المدبّرين له، أو المستحقين له. لكنَّ هذا المثال قابل للمناقَشَة من وجْهَين: الوجه الأول: أنّ كلمة [يَحِيقُ] فى اللّغة تَدُلُّ على معنى الإِحاطة، وقد فهم المفسّرون منها مع معنى الإِحاطة معنى الإِصابة والنزول، وهذه الزيادة إنما فهموها من دلالات لزوميّة فكريَّة، خارجة عن المعنى المطابقيّ لفعل "يحيق" وبناءً على هذا يكون المثال مما يندرج تحت عنوان: "الإِيجاز" الذي اعْتُمِدَ فيه على الدلالة اللُّزوميّة، ولا يندرج تحت عنوان: "المساواة" التي فيها تطابُقٌ تامٌّ بين اللّفظ والمعنى بحسب الأوضاع اللّغوية. الوجه الثاني: أنّ عبارة [بأَهْلِهِ] ذاتُ احتمالين: * فهل المراد منها أصحابُ المكر المدَبِّرون له؟

стр. 591

* أو المراد منها المستحقّون له، سواءٌ أكانوا هم المدبّرين له، أوْهُمْ ومعَهُمُ الّذين دُبِّر ضِدَّهم، إذا كانَ هؤلاء أصحابَ شرٍّ أيضاً يسْتَحِقُّون أن يَحِيقَ بهم المكر السّيّئ؟. فإذا كان المراد هذا المعنى الثاني فالعبارة تشتمل على إيجاز الْقِصَر باستخدام لفظٍ ذي معنىً كلِّيّ صالحٍ لنوعَيْن: مُدَبّري المكر، ومَسْتَحِقّيه من غيرهم. المثال الثاني: قول النابغة الذبياني من قصيدة يَمْدَحُ بها "النعمان بن المنذر" مَلِكَ الحيرة، على ما أورد القرويني في التخليص: فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِى هُوَ مُدْرِكي ... وَإِنَ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ مُدْركي: أي: بالِغٌ إليَّ ومحيطٌ مَهْمَا فررتُ منه. خِلْتُ: أي: ظَنَنْتُ. الْمُنْتَأَى: أي: مَكَان الابتعاد. والمعنى: فإنَّكَ - أيُّها الملك - بسبب قُدْرَتِك على الوصول إلى الْقَبْضِ عليَّ، والإِمْسَاك بي تشبه اللّيل الذي هو مُدْرِكي لا محالة أينما فَرَرْتُ منه قاصداً أيّ مكانٍ من الأرض. هذا واقع حالي بالنسبة إلى قدرتك على الظفر بي، وإنْ ظننتُ أنَّ مكان الابتعادِ عن جُنُودِ سلطانك في البلاد مكانٌ واسعٌ أَجِدُ فيه مفرّاً منهم. لكِنَّ هذا المثال قابل للمناقشة أيضاً من وجوه: الوجه الأول: أنّ استخدام "النابغة" أُسْلُوبَ تشبيه "النعمان" باللَّيل في قُدْرَتِهِ على الظفر بمن يَطْلُبُه من قومه أسلوبٌ أوْجَزَ فيه كلاماً طويلاً فهو مثالٌ يَصْلُح للإِيجاز لا للمساواة.

стр. 592

الوجه الثاني: من الملاحظ أنّ "النابغة" خاطب الملك بكاف الخطاب، وهو يريد سُلْطته عن طريق جنُوده، إذْ هو بشخصه لا يستطيع أن يُدْرِكَ النابغة لو أراد الفرار منه، وهذا من إطلاق السبب وإرادة المسبَّب، فهو من المجاز المرسل أحَدِ العناصر التي تُسْتَخْدَم للإِيجاز، والتقدير فإنّ سُلْطَتَكَ التي تَسْتَخْدِمُ فيها جُنُودُكَ الكثيرين كاللَّيْلِ الذي هو مدركي، وهذا إيجاز بالحذف. الوجه الثالث: بالَغَ النابغة فشبَّه "النُّعمان" باللَّيل، فزادَ عمَّا يُريد التعبير عنه من أنّ الملك قادر على أن يوجّه أوامره فتلْحَق جنودُه بمَنْ يفرُّ منه فتقبض عليه، وهذه الزيادة ذات فائدة، فهي من الإِطناب الحسن. الوجه الرابع: أنّ الشطر الأوّل من البيت كافٍ للدّلالة على مقصوده، إلاَّ أنه زاده تأكيداً بقوله فى الشطر الثاني: "وَإِنْ خِلْتُ أنَّ المنتأَى عنك واسعُ" وهذا إطنابٌ بِزِيادةٍ مفيدةٍ. المثال الثالث: قول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) . ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الآية: ٤٤] . يَقْرُبُ هذا المثال من أن يكون مثالاً صالحاً للمساواة، إلاَّ أن استعمال عبارة: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ تَصْلُحُ لأَنْ تكونَ مِثَالاً للإِيجارُ بالْحَذْفِ، إذْ التقدير: فَعَلَيْهِ يَنْزِلُ عِقَابُ كُفْرِه. وكذلك عبارة: ﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ إذْ تقديرُها: فَلَخَيْرِ أنفسهم، أو لمصلحة أنفسهم يَمْهَدُونَ. يضاف إلى هذا أنّ عبارة ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالحاً﴾ فيها إيجاز بالحذف أيضاً، إذ التقدير: ومَنْ عمل عملاً صالحاً هُو ثَمَرَةُ إيمان صحيح.

стр. 593

المثال الرابع: قول الله فى سورة (الطور/ ٥٢ مصحف/ ٧٦ نزول) : ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الآية: ٢١] . أي: كُلُّ امْرِئ محبوسٌ بما كسب. هذا المثال مع قُربه لأن يكون مثالاً صالحاً للْمسَاواة، إلاَّ أننا نجد فيه لدى التحليل إيجازاً بالحذف، إذ التقدير: كلُّ امْرِئٍ كَسَبَ إثْماً فهو بما كسَبَ منه محبوسٌ حتَّى يُحَاسَبَ على ما كسَب ويجازى، أو يغفر الله له. المثال الخامس: قول الله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) خطاباً للمؤمنين الذكور حول المواريث: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ... ﴾ [الآية: ١٢] . نظرتُ في هذا النصّ فوجَدْتُ معظَمَهُ صالحاً لأن يكون مثالاً للمساواة، إلاَّ أنّ من الملاحظة فيه أنّ عبارة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ الواردة فيه مرّتين تشتمل على إيجاز بالحذف، إذ التقدير: من بعْدِ عَزْلِ وصِيَّةٍ أو من بَعْدِ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ. المثال السادس: قول الله في سورة (النساء) أيضاً: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وذلك الفوز العظيم﴾ [الآية: ١٣]

стр. 594

يبدو أن هذا النّصّ صالحٌ لأن يعتبر مثالاً للمساواة، إذْ لم ألاحظ فيه عبارةً فيها إيجاز، ولا عبارةً هِيَ من قبيل الإِطناب. إلاَّ أنْ يقال: إنّ المراد من عبارة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ تجري مِنْ تَحْتِ قُصُورِها، أو تَجْري من تَحْتِ فُرُوع أشجارها. وقد يجاب بأنّ ﴿جَنَّات﴾ يُطلَقُ على السّاترات من الأشجار والقصور لا على الأرض من تحتها، فتكون الأنهار الجاريات على أراضيها جارياتٍ من تحتها، ولا حاجة إلى تقدير مضافٍ محذوف. المثال السابع: وذكروا من أمثلة الكلام الموصوف "بالمساواة" قول الشاعر: وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنىً كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بالأَرْكانِ مَنْ هُو مَاسِحُ وَشُدَّتْ عَلَى دُهْمِ الْمَطَايَا رِحَالُنا ... وَلَمْ يَنْظُر الْغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا ... وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ المثال الثامن: وذكروا منها أيضاً قول أبي نواس الذي قال "الجاحظ" بشأنه: لا أعرف شعراً يَفْضُلُه: وَدَارِ نَدَامَى عَطَّلُوهَا وَأَدْلَجُوا ... بِهَا أَثَرٌ مِنْهُمْ: جَدِيدٌ وَدَارِسُ مَسَاحِبُ مِنْ جَرِّ الزِّقَاقِ عَلَى الثَّرَى ... وَأَضْغَاثُ رَيْحَانٍ: جَنِيٌّ وَيَابسُ حَبَسْتُ بِهَا صَحْبِي فَجَدَّدْتُ عَهْدَهُمْ ... وَإنِّي عَلَى أَمْثَالِ تِلْكَ لَحَابِسُ تُدَارُ عَلَيْهَا الرَّاحُ فِي عَسْجَدِيَّةٍ ... حَبَتْهَا بأَنْواعِ التَّصَاوِيرِ فَارِسُ قَرَارَتُهَا كِسْرَى وَفِي جَنَباتِهَا ... مَهاً تَدَّرِيَها بِالْقِسِيِّ الْفَوارِسُ فَلِلرَّاح مَا زُرَّتْ عَلَيْهِ جُيُوبُها ... ولِلْمَاءِ مَا دَارَتْ عَلَيْهِ الْقَلاَنِسُ لكنّ هذين المثالين الأخيرين يحتاجان إلى دراسةٍ تحليليّة للتحقّق من انطباق عنوان "المساواة" عليهما.

стр. 595

الفصل الثالث: الإيجاز (١) التعريف الإِيجاز لغة: اختصار الكلام وتقليل ألفاظه مع بلاغته، يقالُ لغة: أوجز الكلامَ إذا جعله قصيراً ينتهي من نطقه بسرعة. ويقال: كلامٌ وجيز، أي: خفيفٌ قصير. ويقال: أوْجَزَ في صَلاتِه إذا خفَّفها ولم يُطِلْ فيها. فالمادّة تدور حول التخفيف والتقصير، وفي الحديث أنَّ رَجُلاً قال للرسول ﷺ : عِظْنِي وأوجِزْ، أي: قُلْ لي كلاماً خفيفاً قصيراً أحْفَظُهُ عنك فيه موعظةٌ لي. روى الإِمام أحمد بسنده عن أبي أيّوبَ الأنصاري قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: عِظْنِي وأوجز. فقال: "إِذَا قُمْتَ فِي صَلاَتِكَ فَصَلّ صَلاَةَ مُوَدِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بِكَلامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَداً، وأَجْمِع الإِيَاسَ مِمَّا في أيْدِي النَّاسِ". فوعظه الرسولُ ﷺ بهذه الفقراتِ الثلاث، وأَوْجَزَ له فيها. الإِيجاز في اصطلاح البلاغيين: هو التعبير عن المراد بكلامٍ قصير ناقص عن الألفاظ التي يُؤَدَّى بها عادةً في متعارف الناس، مع وفائه بالدّلالة على المقصود.

стр. 596

أو نقول: هو صياغة كلام قصير يدلُّ على معنىً كثير وافٍ بالمقصود، عن طريق اختيار التعبيرات ذات الدَّلالات الكثيرات، كالأمثال والكليّات من الكلمات، أو عن طريق استخدام مجاز الحذف، لتقليل الكلمات المنطوقة، والاستغناء بدلالة القرائن على ما حُذِف، أو عن طريق استخدام ما بني على الإِيجاز في كلام العرب، كالحصر، والعطف، والضمير، والتثنية، والجمع، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وألفاظ العموم، وغير ذلك. فإذا لم يكن الكلام وافياً بالدّلالة على المقصود كان الإِيجاز فيه إيجازاً مُخِلاًّ، إذ رافق التقصير في الألفاظ تقصيرٌ في المعنى الذي أراد المتكلّم التعبير عنه. قالوا: ومن أمثلة التعبير بكلام قصير فيه إخلال بأداء المعنى المراد قول "الحارث بن حِلِّزَةَ الْيَشْكُرِي" هو شاعر جاهليّ من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلّقات: عِشْ بِجَدٍّ لاَ يَضِرْكَ النَّوْكُ مَا أُولِيتَ جَدّا والْعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلاَلِ النَّوْكِ مِمَّنْ عَاشَ كدّا بِجَدٍّ: أي: بحظٍّ من الدنيا، كالنعمة والسّعة. لاَ يَضِرْكَ: أي: لا يُنْزِلْ بكَ ضَرَراً، من "ضارَهُ يَضِيرُهُ". النَّوْكُ: الحماقة من قلة العقل. قال في البيت الأول: إِذَا كان لك حظٌّ من الدّنيا يُسْعِدُك وكُنْتَ أحْمَق فَعِشْ بحظِّكَ فإنّ حماقَتَك لا تَضِيرُكَ. وقال في البيت الثاني: والعيشُ مع الحظّ السعيد في ظلال النَّوْك (=الحمق) خَيْرٌ ممَّن عَاشَ عَيْشاً كدّاً مُضْنِياً بعَقْلٍ ورُشْدٍ دُونَ أن يكون محظوظاً بما يُسْعِده في دُنْيا.

стр. 597

لكنّ هذا المعنى الذي أراده لا تدلُّ عليه عبارات البيت الثاني مَهْما تكلّفْنَا في استخراج اللّوازم الذهنيّة، لكثرة المحاذيف فيه، مع عدم وجود قرائن تدلُّ عليها، ولولا البيت الأوَّل لصَعُبَ جدّاً إدْراكُ مُرَادِه، فهُو من الإِيجاز المخلّ. ولدى إبراز المحاذيف نقول: والعيْشُ بِجَدٍّ في ظلال النَّوْكِ خيرٌ ممن عاش عيشاً كدّاً غير محظوظٍ في ظلال العقل والرُّشد. ومن أمثلة الإِيجاز المخلّ على ما قالوا قولُ "عُرْوةَ بْنَ الْوَرْدِ بن زيْدٍ العَبْسِي" هو شاعر جاهليّ، كان من فرسان قومه وأجوادهم: عَجِبْتُ لَهُمْ إِذْ يَقْتُلُونَ نُفُوسَهُمْ ... وَمَقْتَلُهُمْ عِنْدَ الْوَغَى كَانَ أَعْذَرا قالُوا: أراد إذْ يقتلونَ نُفُوسَهُمْ في السِّلْم من غَيْرِ حرب، فحذَفَ عبارة: "في السِّلْم" وهذا من الإِيجاز المخلّ. أقول: لقد استغنى بدَلاَلَةِ الشطر المقابل، إذْ قَيَّدَ القتل الّذِى يُعْذَرُ به القتيل بأن يكون عند الوغى، أي: عند الحرب، وهذه قرينةٌ كافية لمثل هذا الحذف، قتَقَابُلُ التضاد ذو دلالة قويّة، وقرينتُه تدلُّ على المحذوف في مقابله بسهولة، وله نظائر في القرآن المجيد. وذكروا من أمثلة الإِيجاز المخلّ قولَ الشاعر: أَعَاذِلُ عَاجِلُ مَا أشْتَهِي ... أحَبُّ مِنَ الأَكْثَرِ الرَّائِش الرَّائش: بمعنى المعين، والمنعش، والمغني بالمال الوفير. يريد أن يقول: إنّ عاجل ما يشتهي مع قلّتِه أحبّ إلى نفسه من المؤجل وإنْ كان كثيراً منعشاً مغنياً. فحذف محاذيف لا تُسْتَخرج إلاَّ بصعوبة، فهو من الإِيجاز المخلّ على ما ذكروا. ***

стр. 598

(٢) تقسيم الإِيجاز الإِيجاز السّويّ ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: "إِيجَازُ الْقِصَر" وهو الإِيجاز الذي لاَ يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذفِ. القسم الثاني: "إيجازُ الْحَذْف" وهو الإِيجاز الذي يكون قِصَرُ الكلام فيه بسبب استخدام حذف بعض الكلام اكتفاءً بدلالة القرائِن على ما حُذف. *** (٣) شرح إيجاز الْقِصَر سبق بيان أنّ "إيجازَ القِصَر" هُو الإِيجاز الذي لا يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذف. ولكن كيف يكون "إيجاز القِصَرِ" هذا؟. لقد جاء في وصف خاتم المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ : أنَّهُ أُوتِيَ جَوَامعَ الكَلِم، ونجد في أقواله أمثلةً كثيرةً جدّاً ينطبق عليها عنوان "إيجاز الْقِصَر" ألفاظُها قليلة، ومعانيها غزيرة، دون أن يكون فيها ما يدُلُّ على كلام مطويّ محذوف من اللّفظ، مُشارٍ إليه بقرينة من قرائن المقال، أو قرائن الحال، أو الاقتضاء العقلي. وفي القرآن أمثلة رائعة وكثيرة جدّاً، يَرَى فيها متدبّرو كتاب الله المجيد قِصَراً

стр. 599

في ألفاظها، وثَرْوَةً واسعةً في معانيها ودَلالتها، مع أنَّها لا تطوي في مثانيها محاذيف، بل جاءت ثَرْوَةُ المعاني من منطوق الألفاظ المختارة بعناية فائقة. ولعلَّنا بنظرة تحليليَّةٍ مُتَأَنِّيةٍ فاحصة نكتشفُ أَسبْابَ قِصَرِ العباراتِ وغزارة المعاني. أولاً: من الملاحظ أنَّ مُتَتَبِّعَ الجزئيّات بالبحث والتأمّل يكتشف صفاتها أفراداً، ثمّ بعد أن يجمع في نفسه أو في سجلاّته صفات هذه الجزئيّات يلاحظ أنّها قد تشترك جميعاً في بعض الصفات التي وجدها فيها، فإذا أراد أن يتحدّث عمّا اكتشفه فأمَامَهُ طريقان: * إمّا أن يفصّل فيذكَر كُلَّ جزئيّة ويعدّد صفاتها، لكنّه في هذا التفصيل سيجد نفسه مضطرّاً أنْ يكرّر بعض هذه الصفات مع ذكر كلّ جزئية، وعندئذٍ يطول معه حبْلُ الكلام طولاً مُمِلاًّ مكروها. * وإمَّا أن يَلْجأ إلى اختيار عبارة كليّة شاملة موجزة مختصرة قليلة الكلمات تدلُّ على أن جميع الجزئيات التي تَتَبَّعَها وَيَدُلُّ عليها لفظ "كذا" تتّصف بصفة "كذا وكذا". وهنا نلاحظ أنّ "القِصَرَ" في التعبير قد جاء من جمع الجزئيّات التي تتبَّعَها بلفظ عامٍّ يشملها، ووصفها جميعاً بالوصف الذي رآها تتصف به، فيقول مثلاً دارسُ طبائع بعض الحيوانات: "الثَّبَاتُ والسَّطو في الأسود، والغدرُ في النمور، والحيلةُ في الثعالب، والهمَّةُ والخيلاء في الخَيْل، والجلَدُ في البغال، والبلادةُ في الحمير". وبهذا يكون قد أوجز في عباراته، إذْ جمع تفصيلات كثيرات، دون أن يُقَدِّر في كلامِهِ محاذيف، وكانت وسيلته في هذا الإِيجاز استخدام العبارات ذوات الدلالات الكليّات الشاملات.

стр. 600

ثانياً: وقد يجد مُنْشِئ الكلام أنّ ما يُريد الحديث عنه لَهُ صفاتٌ كثيراتٌ يحتاج تفصيلها إلى بيان طويل قد يُكتبُ في صفحات أو كُرَّاساتٍ أو أكثر من ذلك. ثمّ ينظر في مخْزونات معارفه فيرى صُورةً من صُوَرِ الكَوْنِ مثلاً، أو طائفةً من المعلومات الجزئيّة مجتمعةً في إطارٍ واحدٍ له عنوان خاصٌّ يدلُّ على الْمُحَاطِ به، ويُلاَحِظُ أنّ ما يُرِيدُ الحديث عنه متشابهٌ لهذه الصورة، أو لما أحيط بهذا الإِطار ذي العنوان الخاصّ، فيهتَبِلُها فُرْصَةً يُوفّر بها على نفسه كلاماً طويلاً؛ إذْ يُبيّن أنّ ما يُرِيدُ التحدّث عن صفاته مشابهٌ لهذه الصورة، أو لما أُحيط بهذا الإِطار، ثمّ إنّ المتلقّي يتَتَبَّع تفصيل الصفات عن طريق النظر في العناصر المتشابهة بين المشبَّه والمشبَّهِ به، وهذه إحدى الفوائد الثمينة من ضرب الأمثال. فإذا قال المتحدّث: لمّا ألقَى الأمريكيون القنبلة الذّرّية على المدينة اليابانية "هيروشيما" صارت هذه المدينة كلُّها كما لو تفجّرتْ ألف ألف قنبلة فنثرت رماداً ودخاناً في الجوّ. فإنّه قد اختصر تفصيلات المشهد العظيم كلِّه بهذه العبارة التمثيلية. وبهذا يكون قد أوجز في عبارته، إذ جمع تفصيلات كثيرات، دون أن يُقدِّر في كلامه محاذيف، وكانت وسيلته في هذا الإِيجاز استخدام أسلوب التشبيه وضَرْبِ المثل. ثالثاً: وقد يجد منشئ الكلام أنّه يحتاج إلى عدد من الكلمات أو العبارات حتَّى تُؤَدِّيَ معنىً مِن المعاني، ثمّ يرى أنّ باستطاعته أن يختار كلمة واحدة، أو عبارةً ما قصيرة، تستدعي بطبيعة معناها لوازم فكريّة، يستطيع المتلقّي أن يكتفي بها عن الكلمات أو العبارات المتعدّدات إذا جاءت بديلاً في الكلام. عندئذٍ يَعْدِلُ إلى اختيار الكلمة أو العبارة ذات اللّوازم الفكرية، مستغنياً بها عن كلام طويل، ليوجز في كلامه ويجعله قصيراً مع غزارة في معانيه.
следующие страницы →