← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المثال الرابع: قول المتنبي يمدح بَدْر بْنَ عمّار: بِرَجَاءٍ جُودِكَ يُطْرَدُ الْفَقْرُ ... وَبَأَنْ تُعَادَى يَنْفَدُ الْعُمْرُ قدّم الصلة (برجاء جودك) على عاملها (يُطْرَد) والصلة (بأنْ تُعَادَى) على عاملها (يَنْفَدُ) لأنه أراد على سبيل المبالغة والادّعاء أنْ يخُصَّ برَجاءِ جوده طردَ الفقر، دون رجاء جود غيره، وأنّ يَخُصَّ بِمُعَاداته نفاد عمر من يعادِيه من الناسِ، دون معاداة غيره من الناس. فالقصر هنا ادعائي مجازي، وإضافي غير حقيقي. المقصور (وهو صفة) ... المقصور عليه (وهو موصوف) ... المقصور عنه طرد الفقر ... ... ... رجاء جوده ... ... ... ... ... ... رجاء غيره من الناس نفاد العمر ... ... ... معاداته ... ... ... ... ... ... معاداة غيره من الناس المثال الخامس: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) في معرض الحديث عن كُفَّار اليهود: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب ... ﴾ [الآية: ٨٥] . في هذا النص قُدِّمَ الظَّرفُ ﴿يَوْمَ القيامة﴾ على عامله ﴿يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ لإِفادَة قصر الرَّدّ إلى أشدّ العذاب على كونه يقع يوم القيام، وهو قصر حقيقي. * وأمَّا تقديم المسنَدِ إليه إذا كان حقُّه في الجملة التأخير، فقد يفيد القصر في بعض أحواله، وقد يفيد مجرّد التقوية والتأكيد، ودلالة القصر يساعد عليها سِبَاق الكلام وسياقه، وقرائن الحال، والمقصور عليه هو المقدّم. فمن إفادة تقديم المسند إليه القصر - على ما أبان الشيخ عبد القاهر الجرجاني الإِمامُ في البلاغيّات - ما يلي:

стр. 527

الأول: أن يكون المسند إليه معرفةً والمسنَدُ فعلاً مثبتاً، كأنْ تقول: "أنا قمت - أنا سعيت في حاجتك". فإذا كان القصر قصر "إفراد" جاء التأكيد بنحو: "أنا قمتُ وحْدِي - أنا سعيْتُ في حاجَتِكَ وحْدِي". وإذا كان قصر "قلب" جاء التأكيد بنحو: "أنا قُمْتُ دون غيري - أنا سيعتُ في حاجَتِكَ لا غيري" وكذلك إذا كان القصر قَصْرَ تعيين. ومنه ما جاء في قول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) في عرض قصّة هَدِيَّة ملكه سبأ لسليمان ﵇، قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون * فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [الآيات: ٣٥ - ٣٦] . جاء في هذا النصّ تقديم المسند إ ليه: ﴿أَنتُمْ﴾ على الْمُسْنَد: ﴿تَفْرَحُونَ﴾ مع تقديم المعمول ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ على عامله ﴿تَفْرَحُونَ﴾ . وَالشاهد هنا تقديم المسند إليه المفيد مع القرائن التي اشتمل عليها النّص القصر الإِضافي، والمعنى أنّ الفرح بالهديّة مقصورٌ عليكم، لا يتعدّى إليّ، فأنا لست بها فَرِحاً، فَمَا آتاني اللهُ خيرٌ ممَّا آتاكم. ومنه ما جاء في قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) لرسوله بشأن المنافقين: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... ﴾ [الآية: ١٠١] . قُدِّم في هذا النصّ المسند إليه ﴿نَحْنُ﴾ على الْمُسْنَدِ ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾ لإِفادة قَصْرِ الْعِلْمِ بِهِمْ على الله، وظاهر أنّ القصر هنا هو من قبيل القصر الإِضافي، إذْ قد

стр. 528

تَعْلَمُهُمُ الملائكة أيضاً، ولكن جاء القصر في مقابلة نفي العلم بهم عن الرسول، ولعلّ ذلك قد كان قبل أن يُعْلِمَهُ الله بهم، أو أن بعض المنافقين لم يُعْلِمِ الله رسوله بهم. الثاني: أن يكون الْمُسْنَدُ منْفيّاً، كأن تقول لمن تخاطبه: "أنْتَ لاَ تَكْذب" فهذه العبارة أبلغ من أن تقول له: "لا تكذبُ أنت" وهذا التقديم قد يفيد القصر بمساعدة القرائن. ومنه قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٢١٦] . ففي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ يُلاَحَظُ قَصْرُ عَدَمِ الْعِلْم على المخاطبين في النَّصّ، وساعد على هذه الدلالة قوله تعالى قبله ﴿والله يَعْلَمُ﴾ . الثالث: أن يكون المسند إليه نكرةً مثبتاً، كأن تقول: "رجُلٌ جاءني". فقد يفيد تقديم المسند إليه في هذه الحالة القصر بمساعدة القرائن من الحال أو من المقال. فإذا كنت في معرض تساؤل متسائل هل الذي جاءك من الرجال أو من النساء؟ كان قولك: "رجلٌ جاءني" مفيداً أنّه ليس امرأة. وإذا كنت في معرض تساؤل متساءل هل جاءك رجلٌ أو أكثر؟ كان قولك: "رجلٌ جاءني" مفيداً أنّه رجل واحد لا أكثر. الرابع: أن يأتي قبلَ المسند إليه حَرْفُ نفي، كأن تقول: "ما أنا قلتُ هذا القول" أي: أنام لم أقُلْه مع أنّ غيري قاله فتدَلُّ بعبارتك على قَصْرِ النفي على نَفْسِك، مع إثبات القول لغيرك.

стр. 529

أقول: وفي كلّ ذلك لا بُدَّ من مساعدة القرائن، إذْ ليس القول نصّاً في الدلالة. * وأمّا تقديم المسند إذا كان حقُّهُ في الجملة التأخير، فقد يفيد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال، والمقصور عليه هو المقدّم. ويمكن أن أمثّل له بقولي صانعاً مثلاً، خطاباً للكفّار: لَنْ تَهْزِمُوا إِيمَانَنَا بِسِلاَحِكُمْ ... جُبَنَاءُ أَنْتُمْ أَيُّهَا الكُفَّارُ فجاء في هذا الكلام تقديم "جُبَناء" وهو مسنَدٌ حقُّه في الجملة الاسميّة التأخير، تأخير "أنتم" وهو مسند إليه وحقُّه هنا التقديم لإِفادة القصر بمساعدة قرينة المقال السابق، وقرينة حال الاستبسال، والمعنى أنتم وحدكم الجبناء بكفركم، أمّا نحن فشجعان بإيماننا وتوكّلنا على ربّنا. *** ثانياً - إضافة ضمير الفصل إلى الجملة: ضمير الفصل: هو ضمير منفصل مرفُوعٌ يُؤْتَى به فاصلاً بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر، ويفيدُ تقوية الإِسناد وتوكيده، وقَدْ يفيد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال، والمقصور عليه هو ما دل عليه ضمير الفصل. والأصل أنّه لا محلّ له من الإِعراب، وقد يؤتَّى به على أَنَّهُ مبتدأ وما بعده خبرٌ له، وتكونُ الجملة منه ومن خبره هي الخبرَ لما قبلهما. أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) بشأن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * ألا إِنَّهُمْ هُمُ

стр. 530

المفسدون ولاكن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولاكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١١ - ١٣] . لقد جيء بضمير الفصل مرَّتين في هذا النص: ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون - ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾ . ونلاحظ أنّه مع تقوية الإِسناد وتوكيده في الجملتين فقد أفاد ضمير الفصل بمساعدة القرائن القصر، والمعنى: هُمُ المفسدونَ وهُمُ السَّفَهاء، لا المؤمنون الذين يتَّهِمُهُم المنافقون بإفسادِ وحْدَةِ جماعة قومهم بدينهم الجديد، وبالسّفاهة في عقولهم، أي: بِالطيشِ ونقصان العقل. المثال الثاني: قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) في عرض سؤال الله عيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلاهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] وفي أجوبته ﵇ قال لربّه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] . جاء في هذا النصّ ضمير الفصل في حكاية قول عيسَى ﵇: ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقيب عليهم وحدك دوني، إذْ تَوَفَّيْتَنِي أَجَلِي بينهم، ورفعْتَنِي بعيداً عنهم، فليس لي رقابَةٌ عليهم. المثال الثالث: قول الله في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين﴾ [الآية: ٥٨] .

стр. 531

أي: وكنّا نَحْنُ لاَ غَيْرُنَا الْوَارِثينَ، فقد أفاد ضمير الفصل هنا القصر بقرينة سوابق الجملة. ومنه ﴿فاللهُ هو الولي﴾ [الشورى: ٩]- ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٥، آل عمران: ١٠٤]- ﴿إنَّ هذا لَهُو القَصَصُ الحقّ﴾ [آل عمران: ٦٢]- ﴿إنَّ شانِئَكَ هُوَ الأبْتَر﴾ [الكوثر: ٣]- ﴿وأَنَّهُ هُوَ أضْحَكَ وأَبْكى﴾ [النجم: ٤٣] . والأمثلة على هذه كثيرة. *** ثالثاً: تعريف طَرَفَي الإِسناد المسند والمسند إليه، ويكون هذا في الْجُمَل الاسميّة، أَمّا الْجُمَلُ الفعليّة فالفعل فيها بقوّة النكرة، فلا يكون فيها المسند معرّفاً، وليس بعيداً أن نجد جملة فعليّة هي بقوّة جملة اسميّة معرّفة الطرفين، لكن لم يُتَابع البلاغيون هذا بالبحث، كأن يَدُلَّ دليل العقل على أنّ الفعل لا يَصْدُرُ إلاَّ من الفاعل. فقد يُفيد تعريف طرفي الإِسناد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال مع إفادته تقوية الإِسناد وتوكيده، والمقصورُ هو المبتدأ الذي يجب في هذه الحالة تقديمه، والمقصور عليه الخبر الذي يجب في هذه الحالة تأخيره. ونمثل لما قد يُفِيدُ القصر من تعريف طرفي الإِسناد: بأنْ يجري حديث حول مشتغلَيْنِ بنظم الشعر، أيُّهما الناظم وأيُّهما الشاعر: "العمريطي" أو "أحمد شوقي" فيقول الخبير الناقد: "الشّاعِرُ أحمد شوقي" أي: أمّا "العمريطي" فناظم لا شاعر. ***

стр. 532

(٦) شجرة تقسيمات القصر (٦) شجرة تقسيمات القصر القصر: تخصيص شئٍ بشئٍ بعبارة كلامية تدلّ عليه وأركانه: - مقصور. - مقصورٌ عليه. - مقصورٌ عنه. - قَوْلٌ مقصور به. والقصر باعتبار حال المقصور عنه. ١- حقيقي: إذا كان المقصور عنه جميع ما سوى المقصور عليه. - حقيقي تحقيقي: إذا كان مضمون القصر مطابقاً للواقع. - حقيقي ادعائي مجازي: إذا كان مضمون القصر غير مطابق للواقع إلاَّ أنّه جاء على سبيل الادعاء والمبالغة مجازاً، أو وفق رؤية ذاتيّة خاصّة. ٢- إضافي: إذا كان المقصور عنه خاصّاً منحصرا في دائرة خاصة يجري الكلام فيها [ويُسْتَدَلُّ عليها بالقرائن] . والقصر بحسب أحوال المقصور والمقصور عليه صفةً أو مَوْصوفاً: ١- قصر موصوف على صفة دون غيرها. ٢- قصر صفة على موصوف دون غيره. والقصر بحسب أحوال من يوجه له الكلام: ١- قصر إعلام ابتدائي: وهو الموجه لخالي الذهن أو كان تعبيراً عمّا في نفس المتكلم دون النظر إلى رأي الآخرين. ٢- قصر إفراد: وهو الموجه لمن يُراد إعلامه بخطأ تصوّره مشاركةَ غير المقصور عليه في المقصور. ٣- قصر قَلْب: وهو الموجه لمن يُراد إعلامه بخطأ بسبة المقصور إلى غير المقصور عليه. ٤- قصر تعيين: وهو الموجه لمن يُراد إزالة تردّده وشكّه هل المقصور منسوب إلى المقصور عليه أو إلى غيره. والقصر له طُرُق تدُّل عليه: ١ - الطريق الأول: أن يكون بعبارة تدلّ عليه بمادتها اللغوية صراحة، مثل: ((هذا مقصور على هذه)) ٢ - الطريق الثاني: أن يكون بدليل خارج عن النصّ كدليل عقلي أو حسّي أو تجريبي أو دليل من القرائن الذهنيّة أو الحاليّة. وهذان الطريقان [[١، ٢]] لا حصر لهما فلم يوجه البلاغيون عنايتهم لتفصيلهما ٣ - الطريق الثالث: أن يكون القصر ببعض الأدوات التي تدلُّ عليه بالوضع اللّغوي وهي: * النفي والاستثناء. * إنما أَنّما. * العطف بالحروف التالية: لا وبل ولكن. ٤ - الطريق الرابع: أن يكون القصر بدلالات كلامية تفهم بالفحوى من: * تقديم ما حقه التأخير. * إضافة ضمير الفصل. * تعريف طرفي الإسناد في الجملة.

стр. 533

" علم المعاني" الباب الرابع: نظام التلاؤم في الكلام والفصل والوصل

стр. 534

الفصل الأوّل: نظام التلاؤم في الكلام (١) بيان التلاؤم نَظْمُ الكلام عَمَلٌ فكريّ يُشْبه في الحسيَّات نَظْمَ العقود من اللآلىء أو غيْرِها من الجواهر، ويُشْبه وصفَ حجارةِ الألماس والياقوت والمرجان والزّمُرّد وغيرها من الحجارة الكريمة على مَا يُصاغ مِنْ حِلْيَاتٍ للرُّؤوسِ والصُّدُورِ والأيدي وغيرِها. إنّ دخيلاً نابياً أو نظماً غير متلائم الألوان والطيوف والحجوم في عقود اللآلِىء، أو رَصْفاً محروماً من التناسق الجماليّ في الْحِلْيَات يُفْسِدها، ويُقَلِّل من قيمتها. ورُبَّ عِقْدَيْن أو حِلْيَتَيْنِ جواهرُ كُلِّ منهما متساويتان في القيمة وَهُمَا غَيْرَ مَنْظُومَتَيْن أو غَير مَصُوغتين. فيَنْظم الْعِقدَ أو يَصُوغُ الحِلْيَةَ ماهر خبير مُتْقِنٌ بتلاؤمِ جميلٍ بديع، يُرَاعي فيها حُسْنَ التجاور، وخُطُوط التلاؤم وطُيُوفَهُ وظِلاَلَهُ، ويُراعي فيه تناسُبَ الألْوانِ، وجَمالَ تلاقيها وتدرُّجها وتكاملها، فإذا هون يُعَادِلُ أضعافَ قِيمة جواهره وهي غير منظومه أو غير مصوغة. ويعمل نظير ذلك من لا خبرة له، ولا مهارة عنده، فلا تزيد قيمةُ ما نظم

стр. 535

أو صاغَ على قية جواهره منثورة، وربّما تَنْقُصُ قيمَتُها في نظر ذوّاقي الجمال. كُنْتُ أجلس أحياناً إلى من كان يُسَمَّى "مَلِكَ اللُّؤْلؤ" الشيخ "محمد علي زينل علي رضا" - تغمّده الله برحمته وضاعف حسناته - في دارة عمله التجاريّ في مدينة "بومبي" إحدى كُبْرى مُدُنِ الهند، إذْ أقمت عنده أربعة أشهر وعشراً سنة (١٣٧٢ هجرية) فأشاهِدُهُ يجمع أكوام حبّاتِ اللُّؤْلُؤ، ويختار منها بإتقان وإحكامٍ وتلاؤم، وينظم نفيسات عقود اللُّؤلؤ. وأخبرني يومئذٍ وأنا أتابع اختياراته ونَظْمَهُ لعقود: أنّ العقد الذي يَنْظِمُه هو يُبَاعُ بقيمةِ عِقْدَيْن أو ثلاثةِ عُقُود، من العقود التي ينظمها من لا خبرة له، وليس لديه حِسٌّ مرهف يُدْرِكُ به التلاؤم بين الحبات التي ينظمها، سواء تجاورت أو تباعدت، مع أنّ وزن حبات عِقْدِه يساوي وزن حبات العقد الآخر، وقيمتها منثورةً تساوي قيمة الأخرى منثورة، والفرقُ بيْنَهما إتقانُ الانتقاء، ودقّة التلاؤم والتناسُقِ الجمالي فيما أنْظم، وانْعِدام ذلك فيما ينظم الآخرون. أقول: ولدَى التحليل نلاحظ أنّ التلاؤم في حَبَّاتِ العقود، وجواهر الْحِلْيَاتِ يكون في الأَلوانِ، والطُّيوف، وبَريقِ الأشعة، والحجوم، والتدرّج، وحُسْنِ التآخي والمزاوجة، ونِسَبِ الأبعاد، وبدائِع التشكيلات ضمن أشكالٍ هندسيّة، أو أشكال مُتَناثِرَة العناصر ذاتِ جمالٍ يأسِرُ المشاعر، ونحو ذلك. وأقول أيضاً: كذلك الكلمات والجمل حين تُجْمَعُ في نظام كلاميٍّ من النثر، أو من الشعر. والتلاؤم الجماليُّ في الكلام تتدخّل فيه عوامل مختلفة فكريّةٌ ولفظية. * أمّا العوامل اللفظيّة فقد سبق بيانُها في بحث الفصاحة، وأنّ شروط الكلمة

стр. 536

الفصيحة أن تكون خالية من أربعة عيوب، وهي: "التنافر - الغرابة - مخالفة القياس - كراهة السّمع لها". وأن شروط الكلام الفصيح أن يكون خالياً من أربعة عيوب أيضاً، وهي: "تنافر الكلمات عند اجتماعها - ضعف التأليف - التعقيد اللّفظي - التعقيد المعنوي". * وأمّا العوامل الفكرية فمن المتعذّر إحصاؤها، إذِ الأفكار ومعاني الألفاظ لا حصر لها، وضَمُّ فكرةٍ إلى فِكرةٍ أخرى، وَلفظ ذي معنى إلى لفظ آخر ذي معنى موافق أو مخالف، يتطلّب إدْراكاً عالياً جدّاً، قادراً على تمييز درجات حُسْن التلاؤم، ودركات قبح عدم التلاؤم الذي يُوَلِّد في النفوس الصَّدَّ أو النفرةَ أو الاستقباحَ، أو الحكم على الكلام بالركاكة، وسوء التركيب، وخروجِهِ عنْ أُطُرِ الجمال الفنّي. وقد تعرّض أئمة علوم البلاغة وشيوخ الأدب للإِشارة إلى هذا الموضوع ضمن بحوث الفصل والوصل، أو ضمن بحوثٍ أخرى، دون أن يُفْرِزوه بعنوان خاص، مع كونه جديراً بأن يُفْرز ببحثٍ مستقلٍّ، كانت لهم حوله عبارات، ونظرات عامّات لم تُحَدَّدْ فيها أقسامٌ ولا عناصر متفاصلة، بسبب أنّ التلاؤمَ وعدَمَ التلاؤم بين المعاني قضيَّةٌ جمالية فكريّة، والبحث فيها مائجٌ رَجْراجٌ لا حصر لصوره، والبحث فيه كالبحث في صُوَرِ أمواج البحر، وكالبحث في صُورِ حركات السُّحُب وتشكيلاتها المتنوعات الناتجات عن تقاربها وتباعدها، واجتماعها وافتراقها، مع اختلاف ألوانها وكثافاتها في الأبعاد الثلاثة: "الطول والعرض والْعُمْق". ***

стр. 537

(٢) من أقوال شيوخ البلاغة والأدب حول التلاؤم في الكلام (١) لقد وصف شيوخ البلاغة والأدب الكلمة الموضوعة في المكان الملائم لها من الجملة بأنها "مُتَمَكِّنة". أي: هي ثابتة في المكان الذي وُضِعَتْ فيه، فهي ذات جذور وروابط فكرية تربطها بما جاورها من عناصر الجملة. (٢) ووصفوا الكلمة الموضوعة في المكان غير الملائم لها من الجملة بأنّها "قَلِقَة" و"نَابِيَة" و"غَيْرُ مُتَمَكِّنَة". (٣) وقالوا عن الشعر الذي لا تآخي بين كلماته، ولا تواصُلَ بين مُفْرَداته: "لاَ قِرَانَ له". أي: ليس له جامع فَنِّيٌ راقٍ يجمع بين كلماته ويَشُّدُّ بعضها إلى بعض، كما يَجْمَعُ أسْرُ الكائن الحيّ بين أعضاء جسده ومختلف أجزائه، وهو جملته العصبيّة. القِران: هو الجمع بين شيئين وشدّ كلٍّ منهما إلى الآخر بِحَبْلٍ رابط، كأسيرين يُقْرَنانِ بحبل مَشْدُودٍ عليهما. ويطلق القِرانُ أيضاً على الحبل الجامع بينهما. فهو مصدر للشدّ بالحبل، واسم للحبْلِ الذي يُشَدُّ به.

стр. 538

ومن أقوالهم في ذمّ الشعر الذي لا قِرَان له، ما أنشده ابن الأعرابي. وبَاتَ يُنْشِدُ شِعْراً لاَ قِرَانَ لَهُ ... قَدْ كَانَ ثقَّفَهُ حَوْلاً فَمَاذَادَا لا قِرَانَ له: أي: لا روابط بين مفرداته وجُمَله. قد كان ثَقَّفَهُ: أي: قد كان قوّمه وعدّله، وعمل على إزالة الزوائد النابية منه. فَمَاذَادَ: أي: فما استطاع أن يذود عنه ويُبْعِد الْعوج، ويُخَلّصَهُ من الزوائد النابية، لضعف ملكته الشعريّة. (٤) ووصفوا الشعر الرّاقي بالتماسُكِ والإِحكام، والتَّلاؤُم، والسَّلاسَةِ والتَّحَدُّر، نظراً إلى ما يشتمل عليه من حُسْنِ بناءٍ، وسَبْكٍ، وصِيَاغةٍ، ولِينٍ وسُهُولةٍ في النُّطْقِ، وعُذُوبةٍ في مجاري السَّمْع، وذلك بسبب ما في معاني كلماتَه وجمله من ترابط وتعانُقٍ وتلاحُمٍ موافق لما في فِطَرِ أنظمة الفكر وحركات مشاعر النفوس من تشعُّبَاتٍ شَجَرِيَّةٍ بديعةِ التواصل والتلاقي، من بزورها وجذورها حتى أقاصي فروعها، ما يتلاقى منها وما يَتَبَاعَدُ. وبسبب ما في الألفاظ من سهولة وتلاؤمٍ في النُّطْقِ وعُذُوبةِ طَرَقَاتِ موسيقاها على السَّمْع، مَعَ التلاؤم بين مخارج حروف الكلمات الْمُنْتَقَيات، والمعاني الّتِي يُراد أداؤها بها. (٥) وذكر الجاحظ قول "خلف الأحمر": وَبَعْضُ قَرِيضِ الْقَومِ أبْنَاءُ عَلَّةٍ ... يَكِدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ الْمُتَحَفِّظِ أبناءُ عَلَّة: أي: أبناء ضَرَّة، الْعَلَّة الضَّرَّة، يقال: هم أبناءُ عَلاَّت أي: أبناء ضرائر، أبوهم واحد وأمَّهاتُهُمْ شتَّى. ومعلوم أنّ البناء العلاّت يحدُث بينهم جفوات وتنافر في أكثر الأحيان. يَكِدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ: أي: يُجْهِدُ لِسَانَ الرجُلِ النّاطِقِ الذي يُطاوعه لسانُه في النُّطق.

стр. 539

المتحفِّظ: هو المحترز الذي يحاول الضبط وعدم الانزلاق إلى ما لا يُحْسِن، أو الذي بَذَلَ جَهْداً حتَّى حفظ النصّ وأتقنه أجزاءً، ومع ذلك فهو يكِدُّ لِسَانَه: أي يُتْعِبُه ويُجْهِدُه. قال الجاحظ في كتابه: "البيان والتبيين": (أمّا قول خَلَفٍ: "وبَعْضُ قريضِ القوم أَبْنَاءُ عَلَّة" فإنّه يقول: إذا كان الشّعرُ مستكْرَهاً، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقَعُ بعضُهَا مُمَاثلاً لبعضٍ كان بينهما من التنافر ما بين أبناء الْعَلاَّت، وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مُرْضياً موافقاً، كان على اللّسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة) . وقال أيضاً: وأنشدني أبو البيداء الرِّياحي: وشِعْرٌ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ ... لِسَانٌ دَعِيٌّ في الْقَرِيضِ دَخِيلُ وعلّق الجاحظ بقوله: "وأمّا قوله: "كَبَعْرِ الكَبْش" فإنَّما ذهب إلى أنَّ بَعَرَ الكَبْشِ يقع متفرّقاً، غَيْرَ مؤتلف، ولا متجاور، وكذلك حروف الكلام، وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة ملساء، وليّنة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكْرَهة، تَشُقُّ على اللِّسَانِ وَتَكِدُّهُ، والأخرى تراها سهلةً ليّنةً، ورطبَةً مواتية، سلسلة النظام، خفيفةً على اللّسان، حتَّى كأنّ البيت بأسْرِه كلمةٌ واحدة، وحتَّى كأنّ الكلمة بأسرها حرفٌ واحد". (٦) وقال عبد القاهر الجرجاني في كتابه: "دلائل الإِعجاز": "وهل نَجِد أحداً يقول: هذه اللَّفظة فصيحة إلاَّ وهو يعتبر مكانَها من النظم، ومن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفَضْلَ مؤانَسَتِها لأخواتها؟!

стр. 540

وهل قالوا: لفظةٌ متمكّنةٌ ومقبولة، وفي خلافه: قَلِقةٌ ونابيةٌ مستكرهة، إلاَّ وغرضُهم أن يُعَبِّروا بالتمكّن عنْ حُسْنِ الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها. وبالْقَلَق والنُّبُوّ عن سوء التلاؤم، وأنَّ الأولى لم تَلْتَقِ بالثّانية في معناها، وأنّ السَّابقةَ لم تَصْلُحْ أنْ تكون لِفْقاً للتالية في مؤدّاها؟! ". لِفْقاً: يَقْصِد أنْ تكون الكلمة ملائمةً ومُلْتَحمةً مع جارتها كَتَلاؤُمِ الشِّقِ المخيط بالشِّقِّ الآخر من الْحُلَّة. يقالُ لغة: حُلُّةٌ ذاتُ لِفْقَيْن، أي: ذاتُ شِقّينِ مُنْضَمَّيْنِ معاً بالخياطة، ولا يُقال للشِّقّ "لِفْقٌ" إذا فُتِقَتِ الخياطَة الضّامَّةُ لهما. (٧) وذكر السَّكَّاكِيُّ مثالاً للكلام الذي ليس بين مفرداته ترابط فكري، فالجمع بينها في حكم واحدٍ غير مقبول في الذوق الأدبيّ، وإن كان مطابقاً للواقع، أن يقول القائل: "الشمس، ومرارة الأرنب، وألف باذنجانة، مُحْدَثَة". أقول: والسبب في عدم قبول مثل هذا الجمع أنّ الذّهن إمَّا أنْ يَقْرن بين الأشباه والنظائر، أو بَيْنَ المتجاورات في الواقع، أو بين الأضدّاد، لأنَّ استدعاء الذهن للأضدّاد، أسرع من استدعائه للنظائر، وينفر من جمع مفردات متباعدات لا يجمعها تشابه أو تجاوز، أو تضادّ، لأنّ شريط السلاسل الفكريّة ذو نظامٍ فطريّ مُحْكَمِ الترابط، أمّا الالتقاط العشوائي دون ملاحظة أنظمة الترابط الفكريّة الفطريّة فهو لا ينسجم معها، والنفس الإِنسانية تنفر منه بسبب ذلك. (٨) وجاء في مُدوَّناتِ الأدب أنّه: اجتمع "نَصِيبُ بن رَباح" وهو من فحول شعراء القرن الأول الهجري، و"الكُمَيْت" وهو أيضاً من فحول الشعراء في عصره، و"ذو الرّمّة" وهو من فحول شُعراء الطبقة الثانية في عصره، فأنْشَدَ الكميتُ صاحبيْهِ قصيدتَهُ التي في مَطْلعِها: "هَل أَنْتَ عَنْ طَلَبِ الأيفاعِ مُنْقَلِبُ" حتَّى إذا بلغ إلى قوله:

стр. 541

أَمْ هَلْ ظَعَائِنُ بالْعَلْيَاءِ نَافِعَةٌ ... وَإِنْ تَكَامَلَ فِيها الأُنْسُ والشَّنَبُ عقَدَ "نَصِيبٌ" واحدة. فقال الكُمَيْتُ: ماذا تُحْصي؟ قال نَصِيبٌ: خطأَكَ، بَاعَدْتَ في القول، مَا الأُنْسُ من الشنب (أي: ما الرابط الفكري بين الأنس والشَّنَب) ألاَّ قُلْتَ كما قال ذو الرّمّة: لَمْيَاءُ في شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَس ... وَفِي اللّثَاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ فانْكسَرَ الكُمَيْت، (أي: طأطأ رأسَهُ معترفاً بأنَّه لم يُحْسِنِ الجمع بين الأُنْسِ والشَّنَب) . الشَّنَبُ: جمال الثَّغْر، وصفاءُ الأسنان ورقّتها. لَمْيَاءُ: أي: ذاتُ شفاه حُمْرتُها ضاربة إلى سواد، وهذا نوع من الجمال يستحسنه العرب. حُوَّة: الحوّةُ لونٌ مُسْتَحْسنٌ في الشفاه، وهو حمرةٌ إلى سواد. لَعَس: اللَّعَسُ سواد في باطن الشفة. أقول لقد كان يكفي ذا الرّمّة أن يقول: "لمياء" دون أن يؤكّد ذلك بقوله: "في شفتيها حُوَّةٌ لَعَسُ" إلاَّ أنّه فيما يبدو قد حَلاَ لَهُ أن يتلذّذَ بتَنْويع العبارة حول هذا الجمال، الذي هو شَغُوفٌ به في شِفاهِ لَمْيَائِه. ***

стр. 542

الفصل الثاني: الفصل والوصل بين عناصر الجملة الواحدة (١) مقدمة عامّة يُراد بالوصل الربط بين أجزاء الكلام بحرف عطف، ويراد بالفصل عدمُ الربط بين أجزاء الكلام بحرف عطف. وأجزاء الكلام قسمان: القسم الأوّل: "المفرد" ويراد به هنا ما يُقَابل الجملة، وهو الذي لا تتحقّق به وحْدَهُ الفائدة من عناصر الجملة. القسم الثاني: "الجملة" وهي القول المفيد معنىً تامّاً مُكْتَفِياً بنفسه. *** (٢) عناصر الجملة سبق في فصل "بناء الجملة في اللّسان العربي وتقسيمها" أنّ الجملة تتألف من العناصر التالية: (١) المسند إليه. (٢) المسند.

стр. 543

(٣) الإِسناد الذي لا يُصَرّحُ به في اللّفظ. (٤) ما يتعلّق بواحد ممّا سَبق من توابع وأدواتٍ إِنْ وُجِدَتْ. والعنصر من عناصر الجملة: * إمّا أنْ يكون عُنصُراً بسيطاً غير مُرَكّب. * وإمّا أن يكون عُنْصراً مُرَكَّباً (وما تركَّبَ منه هذا العنصر من أجزاء قد صار بالتركيب جزءاً واحداً فلا تُوصَلُ بحرف عطف) . وينقسم العنصر المركب إلى سبعة أقسام: القسم الأول: "المركّب الإِضافي" مثل: "كتابُ اللهِ - صَلاةُ الْجُمْعَةِ - رأسُ الحكمةِ - بَابُ الْعِلمِ". ومعلوم أنّه لا عطف بين المضاف والمضاف إليه، لأنّهما صارَا بالتركيب الإِضافي بمثابة الكلمة الواحدة، ذات الأجزاء الملتحمة، والإِضافةُ على تقدير حرف جرٍّ بين المضافِ والمضاف إليه. القسم الثاني: "المركَّبُ الوصْفيُّ" مثل: "الرَّجُلُ الْعَالِمُ زَارَني - أكلتُ طعاماً طيّباً - وسقاهم ربُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً". ومعلوم أنَّهُ لا عطف في الأصل بيْنَ النَّعْتِ والمنعوتِ به، لأنّ الصفة جزءٌ من الموصوف فهما متشابكان، فلا معنى لعطف الصفة على الموصوف بها، إذ العطفُ في أصل معناه يقتضي التغايرُ، ويكفي للدلالة على كونها صفة إتباعها للموصوف بها في الإِعراب ضمن الشروط المبينة عند النحويين. القسم الثالث: "المركَّبُ التَّوكيديّ" مثل: "حضر الضيوفُ كلُّهم - فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون". ومعلوم أنّه لا عطف بين المؤكَّد والمؤكَّدِ به، لأنَّ المؤكِّدَ بهِ محقِّقٌ للمرادِ

стр. 544

من المؤكَّد، فهما بمثابة شيءٍ واحدٍ، فلا معنى للعطف بينهما، والتوكيد تابع من التوابع. القسم الرابع: "المركّب الْبَدَلِيُّ" سواء أكان بدلاً مطابقاً، أوْ بدلَ بعضٍ من كلٍّ، أو بدَلَ اشتمال، أو بدلاً مُبَايناً، مثل: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (في البدل المطابق) - ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (في بدل البعض من الكُلّ) - أفادني الشيخ عِلْمُه (في بدل الاشتمال) نَاوِلْني كتابَ النحو كتابَ اللُّغَةِ (في البدل المباين) وهكذا ... ". ومعلوم أنّه لا عطف بين البدل والمبدَلِ منه إذ المراد أن يَحُلَّ البدلُ مكان المُبْدَل منه، والعطف يقتضي اجتماعهما. القسم الخامس: "المركّب البيانيُّ" وهو ما يكون الجزء الثاني منه معطوفاً على الأوّل عطف بيان، مثل: "أقسم باللهِ أبو حفْصٍ عُمَرُ". ومعلم أنه لا تتوسط أداة عطف بين البيان والمبيَّنِ، إذْ هُمَا: إمّا بمثابة المركّب الوصفيّ، أو بمثابة المركّب الْبَدَلِيّ. القسم السادس: "المركب المزجيُّ" مثل: "بعلبَكّ - حضرموت - معديكرب" ونحو ذلك. ومعلومٌ أنّ المركّب المزجي هو في الحقيقة كلمةٌ واحدة يُلاحَظُ في لفظها أصلُها قبل أن تمتزج عناصرها في كلمة واحدة. القسم السابع: "الأسْماءُ المركبة من أكثر من كلمة" مثل: "عبد الله - شابَ قرناها - ذو نُوَاس - ذو الخويصرة" ونحو ذلك. ومعلوم أنَّ الأعلام المركبة من كلمتين فأكثر صارت بالنقل إلى العملية كلمةً واحدة جديدة، تُقال كما كانت قبل النقل إلى العلميّة، وكذلك الألفاظ المتعدّدة

стр. 545

التي تُطْلَق بهيئتها التركيبيَّة على أشياء إطلاقَ النكرات على أجناسها وأنواعها. القسم الثامن: "المركّب العددي" مثل: "أَحدَ عشر - ثلاثَةَ عشر". والمركب العددي هو بمثابة كلمة واحدة كانت كلمتين، وكان ينبغي عطف الثانية منهما على الأولى بحرف العطف، إلاَّ أنّه اسْتُغْنِيَ عن حرف العطف بينهما باعتبارهما قد صارتا مُرَكَّبَتَيْنِ تركيبَ كَلِمَةٍ واحدة. *** (٣) الاحتمالات التي يتعرّض لها "المفرد" وكذلك "الجملة التي لها محل من الإِعراب" "المفرد" المقابل للجملة (ومثله الجملة التي لها محلٌّ من الإِعراب إذ هي مؤوّلة بالمفرد) لا يخلوا عن أن يكون واحداً من الاحتمالات التاليات: الاحتمال الأوّل: أنْ يكون حرفاً من المعاني أو من الحروف التي تُزاد للتأكيد، في أي موقع من مواقع الجملة. ومن الملاحظ أنّ الحرف يدخل في الجملة كالجزء من العنصر الذي دخل قبله، كحرف النفي، وحرف الجرّ، وحرف التوكيد، والجزء من العنصر الذي التحق به، كنون التوكيد، ونون الوقاية. فالحرف بطبيعته ملتحم أو شبه ملتحم بالعنصر الذي دخل عليه أو التحق به من عناصر الجملة، ولهذا كان بطبيعته لا يحتاج وصلاً بحرف عطفٍ بداهةً. الاحتمال الثاني: أنْ يأتي العنصر في صدر الكلام، وهذا بطبيعة حاله لا يُلاحَظُ وصْلُه بشيء قبله حتى يدخل عليه حرف عطف، إلاَّ أن يُسْبَق بكلامٍ مُقَدَّرٍ ذِهْناً، فقد يكون للمقدّرات الذهنيّة اعتبارات تُلاحظُ في المنطوق من الكلام، مثل:

стр. 546

قَالَتْ بَنَاتُ الْعَمِّ يَا سَلْمَى وإنْ ... كَانَ فَقِيراً مُعْدِماً قَالت: وَإِنْ الاحتمال الثالث: أن يكون خبراً لمبتدأً أو لما كان مبتدأ، كاسم "كان" واسم "إنّ". ومعلومٌ أنّ الرابط بين المبتدأ والخبر رابط معنويٌّ هو الإِسناد الذي يجعل الْمُسْنَدَ وصفاً من جهة المعنى للمسند إليه في الإِيجاب، أو نفي ذلك في السلب، ودليل الإِسناد مع المعنى علامةُ الإِعراب. الاحتمال الرابع: أن يكون فاعلاً، والرابط بين الفعل أو ما يعمل عمله وبين الفاعل رابط معنوي، وهو الإِسناد الذي يجعل المسند وصفاً من جهة المعنى للمسند إليه في الإِيجاب، أو نفي ذلك في السلب، ودليله مع المعنى علامة الإِعراب. الاحتمال الخامس: أن يكون مفعولاً به (واحداً أو أكثر إذا تعدَّدت المفاعيل". والرابط بين الفعل أو ما يعمل عمَلَهُ وبين المفعول به رابط معنويٌّ أيضاً مُشْتَقٌ من الإِسناد، ودليله مع المعنى في الجملة علامةُ الإِعراب، ويُلْحَقُ بالمفعول به المجرورُ بحرف جرٍّ، لأنَّ تعدية الفعل إلى المفعول به إمَّا أنْ تكون بغير أداة، أو بأداة حرف الجرّ سواء أكان لمجرّد التعدية أو لإِضافة معنى يدلُّ عليه حرف الجرّ. الاحتمال السادس: أن يكون مفعولاً فيه (ظَرْفَ زمانٍ أو ظرفَ مكان) والرابط بين الفعل أو ما يعمل عمله وبين المفعول فيه رابطٌ معنويّ أيضاً مشتقٌّ من الإِسناد، وهو رابط يدخل في عموم رابط المفعول به، ودليله مع المعنى علامة الإِعراب، وهو على تقدير حرف الجرّ "في" فلمّا حُذِف نُصِبَ الاسم الذي كان مجروراً به، وأُلْحِقَ بالمفاعيل. الاحتمال السابع: أن يكون مفعولاً مطلقاً، وهو في الحقيقة كالجزء من

стр. 547

عامله، فهو لا يحتاج ربطاً بحرف عطف، لأنّ الربط بحرف العطف يقتضي في الأصل التغاير، وهذا جزء مكمّلٌ للعامل به، لا مغاير له، وحركته الإِعرابيّة النصب لأنه يدخل في عموم المفاعيل. الاحتمال الثامن: أن يكون مفعولاً لأجله، وهو في الحقيقة على تقدير حرف علة، ولو كان مصرّحاً به في اللفظ لكان جارّاً لأنه من حروف الجرّ، فلما حذف نُصِبَ الاسم الذي كان مجروراً به وأُلْحِقَ بالمفاعيل. الاحتمال التاسع: أن يكون مفعولاً معه، مثل: "سِرْتُ والجبَلَ" إنّ مثل هذا التعبير الَّذِي يُفِيدُ المعيَّةَ والمصاحبة أصْلُهُ: سِرْتُ مع الجبل، أي: مصاحباً لأجزاء الجبَلِ في مسيري، فلمّا وُضِعتِ الواو الّتي من معانيها المعيّة بدلَ "مع" والواو ليست اسماً حتَّى تُعتَبَر مضافةً إلى ما بعدها، نُصِبَ ما بعدها إلحاقاً له بالمفاعيل، ولأنّ واو المعية هذه يُمْكِنُ أنْ يُعَبَّر عنها بالحال، فيقال: سِرْتُ مصاحباً الجبلَ، فألْقِيتْ حركة النصْب على المفعول معه. فالواو في المفعول معه ليست في الحقيقة حرْف عطف، والكلام لا وصل فيه. الاحتمال العاشر: أن يكون تمييزاً، ومعلومٌ أنّ التمييز هو والمميَّز شيءٌ واحد، فلا يُعْطَفُ عليه بحرف عطف، لأنه في الحقيقة بيانٌ له، والتمييز: * إمّا منصوبٌ على تقدير حذف حرف "مِنْ" الجارّة، مثل: "اشتريتُ عشرين كتاباً" إذ المعنى اشتريت عشرين من الكتب، وتعليل النصب هنا كالتعليل النصب في المفعول فيه والمفعول لأجله. * وإمّا مجرورٌ بالإِضافة، مثل: "ثلاثةُ رِجالٍ وعَشْر نِسْوَةٍ" وهذا يدخل في عموم المضاف إليه. وطبيعيٌّ أن لا يحتاج التمييز إلى الوصل بحرف العطف.

стр. 548

الاحتمال الحادي عشر: أن يكون منادىً، وهو في الحقيقة بمثابة المفعول به، لأنّ أداة النداء نائبة مناب أدعو أوأُنَادي. الاحتمال الثاني عشر: أن يكون مستثنى، وهو في الحقيقة على وجهين: * إمّا أن يكون بمثابة المفعول به، لأنّ أداة الاستثناء "إلاَّ" نائبه مناب "استثني". * وإمّا أن يكون ما بعد أداة الاستثناء معمولاً لما قبلها، ويكون هذا في الاستثناء المفرّغ. وفي كلٍّ من الوجهين لا يحتاج المستثنى إلى الوصل بحرف عطف. الاحتمال الثالث عشر: أن يكون حالاً مفرداً غير جملة، والحال في الحقيقة صفة لصاحبها، وهي مع صاحبها كالصفة مع الموصوف، فهي كالجزء منه، فلا تُعْطَفُ عليه بحرف عطف. الاحتمال الرابع عشر: أن يُرادَ إدْخال عُنْصرٍ في الجملة شريكاً لأحد العناصر السابقة في الحكم، استغناءً بذلك عن تكرار الجمل. والوسيلة لذلك في معظم الأحوال الوصل بالعطف بحرف من حروف العطف حسب اقتضاء المعنى. وينبغي أن تُلاحظ هُنا معاني حروف العطف، وشروط العطف بها، على ما فصّله النحويّون واللّغويّون. وإجمال معاني حروف العطف فيما يلي: (١) "الواو" لمطلق الجمع فلا تقتضي بأصل الوضع ترتيباً ولا تعقيباً. (٢) "الفاء" للترتيب مع التعقيب حقيقةً أو مجازاً. (٣) "ثُمّ" للترتيب مع التراخي حقيقةً أو مجازاً.

стр. 549

(٤) "حتّى" لانتهاء الغاية. (٥) "بل" وتأتي على وجهين: الوجه الأول: للإِضراب والعدول عن شيءٍ إلى آخر بعد كلامٍ مثبت خبراً كان أو أمراً. الوجه الثاني: للاستدراك بمنزلة "لكن" إذا وقعت بعد نفي أو نَهْي. (٦) "لكن" للاستدراك. (٧) "لا" بعد المثبت، وهي تفيد تأكيد إثبات الحكم لما قبلها، ونَفْيَهُ عمّا بعدها. (٨) "أم" وتأتي على وجهين: الوجه الأول: "أَمْ" المتصلة، وهي الّتي يكون ما بعدها متًّصِلاً بما قَبْلَها، ومشاركاً له في الحكم، وتقع بعد همزة الاستفهام مثل: "أعليٌّ في الدار أمْ خالد؟ " أو بعد همزة التسوية، مثل: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ . وسُمِّيتْ متّصلة لأنَّ ما قَبْلها وما بَعْدها لا يُسْتَغْنَى بأحدهما عن الآخر. الوجه الثاني: "أَمْ" المنقطعة، وهي التي تكون لقطع الكلام الأوّل واستئناف ما بَعْدَه، ومعناه الإِضراب، مثل قول الله في سورة (الرعد/ ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول) : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الواحد القهار﴾ [الآية: ١٦] . هذه هي القاعدة العامّة فيما يراد جعله شريكاً لعنصر من عناصر الجملة التي سبق بيانُها، باستثناء تعدُّد الأخبار، وتعدّد الصفات أو تعدّد الأحوال.

стр. 550

أمّا القاعدة بالنّسبة إلى تعدّد الأخبار. فإذا جاء في الجملة أخبارٌ متعدّدة لمُبتَدأ أو لما أصله مبتدأ فإذا كان الخبران متكاملين فيما بينهما ومفردَيْن، وهما بقوّة الخبر الواحد، لم يَجُزْ عطفُ الثاني على الأول، مثل: "هذا الرُّمّان حُلْوٌ حامض" لأنهما بمعنى خبَرٍ واحدٍ تقديره: "مِزّ". والأصل عند تعدّد الأخبار إذا كان اللاّحق مفرداً لا جملة، أَنْ لا يُعْطَفَ اللاَحِقُ منها على السّابق، مثل قول الله في سورة (البروج/ ٨٥ مصحف/ ٢٧ نزول) : ﴿وَهُوَ الغفور الودود * ذُو العرش المجيد * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [الآيات: ١٤ - ١٦] . ويجوز عطف بَعْضِها على بعضٍ لدى ملاحظة غَرَضٍ بلاغيٍّ خاصٍّ بدلُّ عليه العطف، فتقول مثلاً: "عليٌّ بْنُ أبي طالبٍ شجاعٌ ذُو بأسٍ لا تَلِينُ له قناةٌ، وعَالِمٌ وَبليغ، وذُو بَصَرٍ في الأَقْضِية، حتَّى قيلَ: قضيَّةٌ ولاَ أبا حَسَنٍ لها". أمّا إذا كان اللاّحق جُمْلةً فيأتي موصولاً بحرف العطف، مثل قول الله في سورة (البروج) أيضاً: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾ [الآية: ١٣] . *** وأما القاعدة بالنسبة إلى تعدّد الصفات: فإذا كان الموصوف لا يتعيّن إلاَّ بعدد من الصفات فيجب إتباعُها وعدم عطف بعضها على بعض. وإذا كان الموصوف لا يحتاج إلى تعيين أو كان يتعيّن ببضعها فقط، فما يتحقَّقُ به تعيينُ الموصوف منها فإنَّهُ يُذْكَرُ دون توسط حرف عطف، وأمّا سائر الصفات فيجوز فيها وجهان: الأول: أن تذكَرَ توابع بلا عطف، وهو الأصل، مثل:

стр. 551

﴿بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم - للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ -﴾ . الثاني: أن تُذكَرَ معطوفةً، وينبغي أن يُلاَحظ في العطف غرضٌ بلاغيٌ، لأنّ الأصل في النعوت أن تأتي تَوابعَ دون أن تُوصَلَ بحرف عطف. * ومما جاء من ذلك معطوفاً لغرض بلاغي قول الله حكاية لمقالة إبراهيم لقومه في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) : ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقدمون * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين * الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الآيات: ٧٥ - ٨٢] . فعطف الصفات للتأكيد على أنّ كلَّ واحدةٍ منها كافيةٌ لعابدة الرّب وحده. * ومنه أيضاً قول الشاعر: إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في الْمُزْدَحَمِ الْقَرْمُ: السيّد المعظَّم. الهُمَامُ: السيّد الشجاع السَّخِيُّ من الرِّجال، والأسد. فعطفَ الصِّفاتِ مع أنّ الأصل عدمُ عطفها، ليَلْفِتَ النظر إلى أنّه مع كونه ملكاً قَرْماً هو ابْنُ سيِّدٍ شجاع سخي، وهو أيضاً شجاعٌ كالأسد. * ومن الصفات المتعدّدة الّتي اجتمع فيها الفصل والوصل قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) : ﴿حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم * غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير﴾ [الآيات: ١ - ٣] . إنَّ صفات ﴿العزيز العليم غَافِرِ الذنب﴾ جاءت منفصلة دون حرف عطف كما هو الأصلُ في الصفات.

стр. 552

وبعدها جاءت: ﴿وَقَابِلِ التوب﴾ صفة معطوفة بالواو على خلاف الأصل لغرضَ بلاغي، وهو فيما أرى دفع توهُّم المطابقة بين غُفْرانِ الذّنْبِ وقبول التوبة، فغفرانُ الذَّنْب قد يكون دون أن يتوبَ الْمذنِبُ من ذنبه، بل يسأل اللهَ الغفران فقط، أمّا قبولُ التوبةِ، بمعنى رجوعِ اللهِ إلى التائب من عباده بفيوضاتِ عطاءاته التي يُعْطِيها المتقين إذا كان منهم، أوَ الأبرار أو المحسنين إذا كان منهم، فهو شيءٌ آخر غير غفران الذنب. وعاد النص بعد هذا إلى ذكر سائر الصفات دون عطف، وهذا من بدائع القرآن. *** (٤) الجمل التي لها محلٌّ من الإِعراب كلُّ جملة صحَّ تأويلها بمفرد فلَهَا محلٌّ من الإِعراب: "الرفع أو النصب أو الجرّ" كالمفرد الذي تُؤَوَّل به، ويكون إعرابُهَا كإعرابه، إذْ تكون واقعة موقعة. وكلُّ جملة لا يصحُّ تأويلها بمفرد، لأنّها غير واقعة موقع مفرد فليس لها محلُّ من الإعراب. والجمل التي لها محلٌّ من الإِعراب سبعٌ: الجملة الأولى: هي الواقعة خبراً، ومحلُّها من الإِعراب الرفع أو النصب بحسب الخبر المفرد الذي وقعت موقعه، مثل: "العلمُ يَرْفَعُ مَنزلةَ صاحبه - كان رسُولُ الله يُواظبُ على قيام اللّيل". الجملة الثانية: هي الواقعة مفعولاً به، ومحلُّها من الإعراب النصبّ، مثل: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله﴾ فجملة "إنّي عبد الله" في محلّ نصب مفعول به لفعل "قال".

стр. 553

الجملة الثالثة: هي الواقعة موقع المضاف إليه، ومحلّها من الإعراب الجرّ، مثل: ﴿هاذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ فجملة ﴿يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ﴾ في محل جرّ لأنّها في تأويل مفرد هو مضافٌ إليه، والتقدير: يَوْمُ نَفْعِ الصِدْقِ للصادقين. الجملة الرابعة: هي الواقعة جواباً لشرطٍ جازِمٍ، وشرطها أنْ تقترن بالفاء أو بإذا الفجائيّة، ومحلُّها من الإِعراب الجزم، مثل: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ . فكل جملة من هاتين الجملتين: ﴿فماله من هاد - إذا هم يقنطون﴾ واقعة موقع فعل مجزوم هو جواب الشرط. الجملة الخامسة: هي الواقعة موقع الصفة، ومحلُّها من الإِعراب بحسب الموصوف بها، مرفوعاً كان أو منصوباً أو مجروراً، مثل: "وجاء رجلٌ مِنْ أقْصَى المدينة يَسْعَى - الزَمْ عالماً يُعَلِّمُ عُلُومَ الدِّينِ الإِسْلامي - اعتَصِمْ بِحَبْلٍ يَصِلُكَ باللهِ". فكل جملة من هذه الجمل الثلاث "يَسْعَى - يُعَلّم علوم الدين الإِسلامي - يَصِلُكَ بالله" واقعة موقع صفة للاسم النكرة الذي قبلها. الجملة السادسة: هي الجملة التابعة لجملة لها محلُّ من الإِعراب، ومحلُّها من الإِعراب يكون بحسب الجملة التي هي تابعة لها، رفعاً أو نَصْباً أوْ جرّاً، مثل: "كُلُّ حيوانٍ يأْكُلُ وَيَشْرَبُ - كَانَ رَسُولُ الله يَحْمِلُ الكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ ويُعِينُ عَلَى نَوائب الدهر - مرَرْتُ بِرَجُلٍ يأكُلُ بِشَرَهٍ، يأْكُلُ بِشَرَهٍ". الجملة السابعة: هي الجملة الواقعة موقع الحال، ومحلُّها من الإِعراب النصب، كالحال التي جاء لفظها "مفرداً غير جملة" ومؤولة بمفرد، فقول القائل: "وُلِدَ الطفْل يَبْكي" هو بمثابة قوله: "وُلِدَ الطفلُ بَاكياً".

стр. 554

وكان الأصل في الجملة الحالية أن تكون خالية من الواو، لأنّها كالنعت مع المنعوت به، وأن يكون الربط بين الجملة الحالية وصاحبها ضميراً فيها يعود عليه. ولكن قد تكون الجملة الحاليّة خاليةً من هذا الضمير الرابط، مثل: "صلَّى المتهجّد -الناسُ نَائمون" إذا أُريد أن تكون جملة "الناسُ نائمون" جملةً حاليَّة. أو يكون هذا الضمير الرابط صدر الجملة الحالية، مثل: "سافر خالد - هو صائم" إذا أريد أن تكون جملة "هو صائم" حاليّة. إلاَّ أنّ مثل هذين التعبيرين لا دليل فيهما على أنّ جملة كلّ منهما جملة حاليّة، فجاء في اللّغة العربية اختيار حرف "الواو" التي تستعمل في العطف، رابطاً يدلُّ على أنّ الجملة حالية، سواء قلنا بتجريد هذه الواو من معنى العطف، أو قلنا بأنّ معنى العطف ما زال باقياً يجمع الصفة التي دلَّتْ عليها الحال مع الصفة المسندة إلى صاحب الحال التي دلّ عليها الْمُسْنَدُ فِعلاً كان أو غيره، وقد أُضيف إلى معنى الجمع بين الوصفين معنى الحاليّة. ودعت ذَوْقِيَّةٌ جماليَّةٌ وفكريَّةٌ في الجمل الحاليّة أن تجب واو الحال في بعضها، وأن تَمْتَنِعَ في بَعْضِها، وأن يجوز ذكرها وتركها في بعضها. * فتجب واو الحال في ثلاث صور. * وتمتَنِعُ في سبْع صُور. * ويجوز ذكرها وتركها فيما سوى ذلك. على ما فصله النحويّون في باب الحال، وذكره البلاغيّون في باب "الفصل والوصل" استكمالاً لذكر أحوال "الواو" في الْجُمَل وجوداً وعدماً، على اعتبار أنّ "واو" الحال تدخل في عموم الواو العاطفة، إلاَّ أنني رأيت إحالة أمر هذه الواو على مقرّره النحاة بشأنها. وممّا سبق ظهر لنا أنّ الجمل التي لها محلُّ من الإِعراب هي بمثابة المفرد،

стр. 555

لأنَّها تُؤَوَّلُ بمفرد، وتَشْمَلُها أحكام المفرد في الوصل والفصل، حتَّى الجملة الحالية التي تدخل عليها واو الحال رابطةً، إذا لاحظنا أنَّ هذه الواو قد استدعاها حاجة الجملة الحالية إلى رابط، والأصل فيه أن يكون ضميراً يعود على صاحب الحال، وحين تُسْتَخْدَمُ واو الحال للربط فليس ذلك من وصل الجمل بالعطف، وإنما هو للدلالة على معنى الحالية بحرف رابط. ***

стр. 556

الفصل الثالث: الفصل والوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب (١) مقدمة اهتم البلاغيّون بالبحث لاستخْراج الأسس الفكريّة العامّة للفصل والوصل بين الجمل التي لها محلَّ من الإِعراب، بعد أن نظروا نظرات عامّاتٍ إلى المفرد، وإلى الجملة التي لا محلّ لها من الإِعراب باعبارها بمنزلة المفرد، وتُؤَوَّلُ بمفرد، وتحكُمُهما الأسس الّتي سبَقَ بيانُها في الفصل الثاني من هذا الباب، أخذاً ممّا بَحَثَهُ النَّحْوِيُّونَ، وبحثَ بعضَهُ البلاغيون متناثراً. (٢) وقد أبان البلاغيّون أهميّة معرفةِ مواطن الفصل والوصل بين الجمل الّتي لا محلّ لها من الإِعراب، واعتبروا إدْراكَ ذلك من الأمور التي تحتاج بصيرةً نفَّاذةً قادرةً على إدْراك مدَى التلاقي والافتراق، والتقارب والتباعد بين المضامين الفكريّة للجمل التي يتلو بعضُها بعضاً في الكلام، وأنّ هذا ممّا يَصْعُبُ على الكثيرين إدْراكُه، فلا يستطيعون دواماً تَحْدِيدَ ما يجبُ أو يَحْسُن فَصْلُهُ، ومَا يجبُ أو يَحْسُن وصله، وَما يستوي فيه الأمران، فَلاَ يَرْتَقي ما يُنْشؤون من كلامةٍ مؤلف من جُمَلٍ كثيرةٍ في مراقي البلاغية الرفعية، وفي حُسْنِ وضْعِ كُلٍّ من الفصل والوصل في موضعه.

стр. 557

ولا تُكْتَسَبُ ملكةُ وضْع كلٍّ من الفصل والوصل في موضعه بالملائم بالتقائيّةِ إلاَّ بممارسةٍ طويلة، مع حِسٍّ فطريٌّ مُرْهف، وموهبة بلاغيّة ممتازة. ويتفاوت الكلام بالفصل والوصل تفاوُتاً كبيراً ارتقاءً أو نزولاً من المراتب البلاغيّة، ويتفاضل في هذا المجال أيضاً الكتّاب والشعراء والخطباء والْمُحَدِّثون. وبالَغَ بعضهم فقال: البلاغة معرفة مواطن الفصل والوصل في الكلام (أي: العطف بالواو وترك العطف بها) . *** (٢) الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب لمَّا كان الكلام هنا يتناول الْفَصْلَ والوصل في الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، فمن المناسب أن نأخذ من النحويّين ما ذكروه من تفصيل لها، ليكون ذلك تمهيداً لكلام البلاغيين حولها. ذكر النُّحاةُ أنّ الْجُمَل التي لا محلَّ لها من الإِعراب تِسْعُ جمل، وهي ما يلي: الأولى: "الجملة الابتدائية" وهي الّتي تكونُ في بدء الكلام، مثل: ﴿*اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب. وهذه الجملة بطبيعتها لا توصل بشيء قبلها، إلاَّ أن تُسْبَقَ بكلامٍ مُقَدَّر ذهناً، فقد يكون للمقدّرات الذهنيّة اعتباراتٌ تُلاحظُ في المنطوق من الكلام، كأن يسأل رجلٌ صديقه: هلْ تَعَشَّيْتَ عند فلان؟، فيقول له: وَبِتُّ عِنده حتّى الصباح. الثانية: "الجملةُ الاستئنافية" وهي الّتي تقع في أثناء الكلام منقطعةً عمّا قبْلَها لاستئناف كلام جديد، وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.

стр. 558

والأصل فيها أن تكون منفصلةً غير مقترنَةٍ بحرف عطف، مثل قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) ﴾ . فجملة: "تعالَى الله عمّا يشركون" جملة استئنافيّة. وقد تقترن بالفاء الاستئنافيَّة، مثل قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الآية: ١٩٠] . وقد تقترن بالواو الاستئنافية، مثل قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) في عرض قصة امرأة عمران: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ [الآية: ٣٦] . فجملة: "وَالله أعلم بما وضعت" جملة استئنافية اقترنت بالواو الاستئنافية. الثالثة: "الجملة التعليليَّة" وَهِي الّتِي تَقَعُ في أثناءِ الكلام تَعْلِيلاً لما قَبْلَها، وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب. والأصل في هذه الجملة أن تكون منفصلة غير مقترنة بحرف عطف، مثل قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) خطاباً لرسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ١٠٣] . فجملة: "إنّ صلاتَكَ سَكَنٌ لهم" جملة تعليلية. وقد تقترن بفاء التعليل، مثل أن تقول: "الْزَمْ سَبِيلَ الْهُدَى فَإِنَّهُ سَبَبُ السَّعَادَةِ".

стр. 559

الرابعة: "الجملة الاعتراضيّة" وهي التي تعترض بين شيئَيْن متلازِمَيْن: "كالمبتدأ والخبر، والفعل ومرفوعه، والفعل ومنصوبه، والشرط وجوابه، والحال وصاحبها، والصفة والموصوف بها، وحرف الجرّ ومتعلَّقه، والقسم وجوابه" وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب. قالوا: ويُؤْتَى بالجملة الاعتراضيّة لإِفادة الكلام تقويةً وتسديداً وتحسيناً. أقول: أغراض الجملة الاعتراضيّة عند البلغاء كثيرةٌ يصْعُبُ تحديدُ أُطُرِها العامّة، فضلاً عمّا هو أكثر من ذلك تحديداً أو تفصيلاً، إذْ دواعي ذكرها، فكريَّة، تُشْتَقُّ من الموضوعاتِ التي تُذْكَرُ ضِمْنَها. ومن أمثلة الجمل الاعتراضية: * قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٤] . فجملة ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جاءَتْ بين متلازمَيْنِ هُمَا: "الشرط وجوابه" والواو فيها استِئْنَافيّة. * وقول الله في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) : ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الآيات: ٧٥ - ٧٦] . فجملةُ: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ جُملةٌ اعتراضيَّةٌ جاءت بَيْنَ مُتَلازِمَيْنِ هُما: " الصفة والموصوف بها ". الخامسة: "الجملة الواقعة صلةً للموصول" سواءٌ أكان الموصول موصولاً اسمياً، أَمْ موصولاً حرفيّاً.

стр. 560

* فالموصول الاسمي: "كالّذِي - والَّتِي - ومَنْ -" مثل قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿الم * ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ... ﴾ [الآيات: ١ - ٣] . فجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ صلة لموصول اسمي، لا محلّ لها من الإِعراب. * والموصول الحرفيّ هو الحرف المصدريُّ الذي يُؤوّل مع ما بعده بمصدر، والحروف المصدرية هي "أنْ الناصبة للفعل المضارع - أَنَّ - كَيْ - ما المصدرية - لو - همزة التسوية". ومن الأمثلة قول الله عزَّ جلَّ في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٣ نزول) : ﴿فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ... ﴾ [الآية: ٥٢] . فجملة ﴿تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ لا محلّ لها من الإِعراب لأنّها صلة موصولٍ حرفي، وهي مع الموصول الحرفي في تأويلِ مصدرٍ مفعول به لفعل ﴿نخشى﴾ . السادسة: "الجملة التفسيرية" وهي الّتي تأتي مفسِّرَةً لجملةٍ أو مفردٍ قبلها، وتأتي خبريَّةً أوإنشائيّة. والجملة المفسِّرة لما قبلها، قد تأتي مقرونة بكلمة "أيْ" أو بكلمة "أن" أو مجرَّدَةً منهما، وهي لا محلّ لها من الإِعراب. * فمِنْ أمثلة المقرونة بكلمة "أي" قول الشاعر: "وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أي: أَنْتَ مُذْنِبٌ". * من أمثلة المقرونة بكلمة "أنْ" قول الله في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) في عرض قصة نوح ﵇:

стр. 561

﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ... ﴾ [الآية: ٢٧] . ومن أمثلة المجرَّدَة من "أي" و"أنْ" قول الله في سورة (الصف/ ٦١ مصحف/ ١٠٩ نزول) : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ١١ - ١٢] . فجملة ﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ وما عُطِفَ عليها مُفَسِرَةٌ للتّجارة المنجية. السابعة: "الجملة الواقعة جواباً لقسم" مثل قول الله في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) : ﴿يس * والقرآن الحكيم * إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [الآيات: ١ - ٣] . فجملة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ جواب القسم الوارد في ﴿والقرآن الحكيم﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب. * وقول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) في عرض قصة إبراهيم ﵇: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ [الآية: ٥٧] . فجملة: ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ جواب القسم في ﴿تالله﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب. الثامنة: "الجملة الواقعة جواباً لشرط غير جازم" وهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب. وأدوات الشرط غير الجازم هي: "لو - لَوْلاَ - لَوْمَا - أمَّا - لمَّا - إذَا". أمثلة: (١) ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ .

стр. 562

(٢) ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ . (٣) ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ . (٤) (لوما الكتابةُ لضَاعَ أكْثَرُ الْعِلْم) . (٥) ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ . (٦) ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ . (٧) ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ﴾ . فجوابُ الشرط الواردُ في هذه الأمثلة جُمَلٌ لاَ محلّ لها من الإعراب. التاسعة: "الجملة التابعَةُ لجملةٍ لا محلّ لها من الإِعراب" فلها حكم الجملة التابعة لها، مثل: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح ... فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ فجملة ﴿واستغفره﴾ معطوفة على جملة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ وهي لا محلّ لها من الإِعراب لأنها جواب شرط غير جازم. *** (٣) الأسس العامّة للفصل الوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب سبق أن عرفنا أسس الفصل والوصل بين المفردات في الجملة الواحدة، وبين الْجُمَل الّتِي لها محلٌّ من الإِعراب. وعلينا هنا أن نستبصر الأسس العامّة للفصل والوصل بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، وهو البحث الذي اعتبره البلاغيّون عِمَادَ هذا الباب من أبواب البلاغة، كما سبق به البيان. وقبل أن نبدأ ببيان هذه الأسس لا بدّ من التنبيه على أنّ الْمَعْنَى إذا كان

стр. 563

يقتضي العطف بحرف من حروف العطف غير الواو، وهي: "الفاء - ثُمَّ - حتّى - بل - لَكِنْ - لا - أم" فالأصل العطف بالحرف الذي يقتضيه المعنى من هذه الحروف، ولا يُتْرَكُ هذا الأصل إلاَّ لغرضٍ من الأغراض الّتي يَقْصِدُها البلغاء، ومنها أن لا يريد صاحب الكلام بيانَ المعنى الذي يدلُّ عليه حرف العطف ذو المعنى الخاص، وإنْ كَانَ واقع الحال مطابقاً لدلالته لو عطف به، إذْ له غرضٌ في إغفال المعنى وعَدَمِ التعبير عنه، وهذا موضوع لا يحتاج بحثاً ولا تأصيلاً. ولا بُدَّ من التَّنْبِيهِ أيضاً على أنّ عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو، إذا كان يُفِيدُ إشراكَها في حكمها، والمتكلّم لا يُريد أن يَدُلَّ على هذا الاشتراكِ لأمْرٍ ما، فإنّه لا يَرْبطُ الجملة التالية بحرف العطف، بل يأتي بها منفصلة، لئلا يدُلَّ كلامه على ما لا يريدُ بيانه والدلالة عليه، وهذا أيضاً موضوع لا يحتاج بحثاً ولا تأصيلاً. إذن: ينحصر الكلام هنا في العطف "بالواو" أو عدم العطف بها، ضمن المقاصد الّتي يريد المتكلّم التعبير عنها والدّلالة عليها. و"الواو" العاطفة التي يدور البحث هنا حول استخدامها عطافةً أو عدم استخدامها، بين الجمل التي لا محلَّ لها من الإِعراب، لها أرْبَعُ صفات: الصفة الأولى: أنّها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً ولا غير ذلك من معاني حروف العطف، سواءٌ أعطفت المفردات أَمْ عطفت الجمل. الصفة الثانية: أَنَّها تُفِيدُ الإِشراك في الحكم في عطف المفردات وفي عطف الجمل التي لها محلٌّ من الإِعراب، لأنها مؤولة بالمفردات التي حلَّت محلّها. الصفة الثالثة: أنّها تقتضي التغاير بين المعطوف بها والمعطوف عليه، فلا يُعْطَفُ بها المتَّحِدَان في المعنَى.

стр. 564

الصفة الرابعة: أنّ الربط بها يتَطَلَّبُ مُنَاسبَةً فِكْريّةً بَيْنَ المعطوف والمعطوف عليه بها تُسَوّغُ عند البلغاء هذا العطف. فلا بُدّ من ملاحظة هذه الصفات لدى العطف بالواو حتى يكون الْعَطْفُ مستقيماً نَحْويّاً وبَلاَغيّاً، ما قد يَرَاهُ النحويُّ جائزاً بحسب القواعد النحويّة، قد لا يراه البلاغيُّ جائزاً إذا نظر إلى المعاني. وبالنظر إلَى الصِّفَاتِ الأربع للواو العاطفة تظهر لنا الاحتمالات التالية للعطف بها أو عدم العطف بين الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، والتي يُرَادُ رَصْفُ بعضها وَرَاءَ بعْضٍ. الاحتمال الأول: أن يكون المعنيان في الجملتين السابقة واللاّحقة لا يتلاءم معهما مفهوم التغايرُ بينهما، لشدّة اتّحادهما أو لشدّة تقاربهما، أو كانت التالية منهما جواب سؤال مطويّ تستدعيه السابقة منهما. وفي هذه الحالة لا يَصِحُّ بلاغيّاً العطف "بالواو" لأنّ الواو تقتضي التغايُر بين المعطوف بها والمعطوف عليه، وهذا العطف يُفْسِدُ المعنَى المقصود بالبيان. لكن إذا كان ترك الواو يوهم خلاف المقصود، كان إدخال "الواو" بين الجملتين أمراً لازماً كأن يسألَكَ سائل: هل شُفِي معلّمكُمْ؟ فتقول له: لا. وشفاه الله، إذْ لو حذفت الواو لأوهم أنّك تدعو عليه بعَدَم الشفاء، والمعنى: لم يُشْفَ وشفاه الله. الاحتمال الثاني: أنْ يكون بين الجملتين السابقة واللاحقة تغايرٌ في المعنى، ولكن ليس بينهما تناسبٌ أو تلاؤُمٌ فكريٌ يسمح بأن يُجْمَعَ بينهما برباطٍ تشير "الواو" الرابطة إليه حين العطف بها. فإذا وُجِدَتْ هذه الواو الرابطة وكان واقع حال الجملتين خالياً من التناسب والتلاؤم، إذْ لَيْسَ بينهما خيوطٌ فكريّةٌ متلائمة، كان وجود الواو الرابطة بمثابة مُدّعٍ

стр. 565

كذّاب، يدّعي وُجُودَ التَّنَاسُب والتلاؤم، وهو في الواقع غير موجود، وهذا أمْرٌ تنفر منه النفوس وتأباه، ولا يَسْمَحُ البلغاء وأهل الفكر باستخدامه. ويستثنى من هذا أن يَحْدُث من ترك الواو بين الجملتين إيهام خلال المقصود، فَتُذْكَر الواو للدلالة على استئناف الكلام الذي بعدها، كأن يسألك سائل: هل أنت مذنب؟ فتقول: لا. وغفر الله لك. الاحتمال الثالث: أن يتوافر في الجملتين السابقة واللاّحقة شرطا التغايُر في المعنى من جهة، والتناسب بين معنَيَيْهِما المتغايرين من جهة أخرى. فإذا كان غرض المتكلّم أن يجمع بينهما برباط "واو" العطف الدّالة على مطلق الجمع مع التغاير والتناسُب بين مَعْنَيَيْهِما، ليَدُلَّ بها على ذلك، كان استخدامه هذا الرابط عملاً بليغاً، ويَدُلُّ على حِسٍّ مُرْهف، وذَوْقٍ رفيع، باستثناء بعض الصور الّتي يوجد فيها سبب في نظم الكلام يقتضي عدم العطف، كإيهامِ خلاف المقصود، مثل قول الشاعر: وتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلاً أُرَاهَا في الضَّلاَلِ تُهِيمُ إنّ جملة "وتَظُنُّ سَلْمَى" يناسبُها أن تُعْطَفَ عليها بالواو جملة "أُراها في الضلال تهيم" أي: هي تَظُنُّ بي شيئاً مخالفاً لواقع حالي، وأنا أرى جازماً أنَّها في هذا الظّنّ تهيمُ في الضلال. لكنَّهُ لو عطفها "بالواو" لأوهم أنّ هذه الجملة معطوفة على جملة "أنَّنِي أبْغِي بِهَا بَدَلاً" أي: وتظُنُّ أيضاً أنني أراها في الضلال تهيم، وهذا خلاف مقصود الشاعر. ملاحظة: هذا التقسيم هو التقسيم الذي رأيته الأسهل والحاصر لمختلفِ الاحتمالات، دون إرباك الذهن، بمصطلحاتٍ متشعّبات، وتفريعات قلّما يستفيد منها من يريد
следующие страницы →