Полный текст (1 115 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
(٢)
تقسم الإِطناب
ينقسم الإِطناب إلى قسمين: إطناب بالبسط، وإطناب بالزيادة:
أمّا القسم الأول: وهو "الإِطناب بالْبَسْط" فيكون بتكثير الجمل وبسط المعاني، واستعمالِ كلامٍ طويل يُغْنِي عنه كَلامٌ قصير، دون أنْ تكون فيه ألفاظ زائدة.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ١٦٤] .
في هذه الآية إطنابٌ بالبسط، لتوجيه الأنظار لآيات كونيَّة دالاَّتٍ على طائفةٍ من صفات الله ، منها شمول علمه، وعظيم قدرته، وكمالُ إرادته، وجليلُ حكمته وإتقانه وإبداعه لمخلوقاته، وعنايته بعباده.
وهذا البسط آتٍ من ذكر طائفة مفصّلة من آياته في كونه، كلُّ واحدة منها تدلُّ على كلٍّ هذه الصفات، فذكرها هو من البسط في إقامة الأدلّة دون زيادةٍ في الألفاظ لدى ذكر كلّ آية منها.
والآيات هي الآيات السبع التاليات:
الأولى: ظاهرة خلق السماوات والأرض.
الثانية: ظاهرة اختلاف اللَّيل والنهار.
الثالثة: ظاهرة الْفُلْكِ التي تجري في الْبَحْر بما يَنْفَعُ النّاس.
стр. 632
الرابعة: ظاهرة الماء الذي يُنْزله الله من السماء فَيُحْيِي به الأرض بعد موتها.
الخامسة: ما بَثَّ اللَّهُ في الأرض مِنْ كلّ دابَّةٍ تَدِبُّ عليها.
السادسة: تَصْرِيفُ الرِّياح بتدبير أَمْرِها وتوجيهها لتحقيق أُمُورٍ جليلة في الكون.
السابعة: تسخير السحاب بين السماء والأرْض.
المثال الثاني:
قول الله في سورة (غافر/ ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول) :
﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ... ﴾ [الآية: ٧] .
إنّ عبارة ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وَصْفاً للملائكةِ الذين يَحْمِلُون العرش، وللملائكة الذينَ من حول العرش من الإِطناب بالبسط، وذلك لأنَّ إيمانهم معلوم من نصوص سابقة التنزيل، ومن كونهم يُسبّحون بحَمْدِ رَبِّهم.
والغرض البلاغيّ من هذا الإِطناب إظهار شرف الإِيمان، والترغيبُ فيه، والإِشارة إلى أنّ تسبيحهم بحمد ربِّهم ثمرةٌ من ثمراتِ إيمانهم، وليس تسبيحاً جَبْرِياً كتسبيح السماوات والأرض والشجر والجماد، إذن فهم يملكون جهازاً يُفَكّر، وجهازاً يؤمن بالإِرادة.
المثال الثالث:
قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ٢٦١] .
في هذه الآية إطنابٌ بالبسط، فالْغَرضُ بَيَانُ مُضَاعَفَةِ أجْرِ المنفق في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف فما فوق ذلك، وهذا المعنى يُؤَدَّى بعبارة قصيرة، لكِنْ جاء في
стр. 633
الآية مبْسُوطاً، وطريقُ البسط تمثيلُ المنفق لحبَّةٍ واحدةٍ في سبيل الله بزارعِ حبَّةٍ أنبتَتْ سبْعَ سنابلٍ في كلِّ سُنْبُلَةٍ مئَةُ حبَّةٍ.
والغرضُ من هذا الْبَسْطِ إثارةُ مِحْور الطّمع في المخاطبين إذْ يُعْرَضُ لهم الأَجْرُ الموعودُ به على الإِنفاق في سبيل الله في صورة مثالٍ يَشْهَدون نظائره في الظواهر الزراعيّة، ليكون هذا الطمع محرّضاً ذاتيّاً في الأنفس على بَذْلِ الأموال في سبيل الله.
المثال الرابع:
قول الله في سورة (فُصّلت/ ٤١ مصحف/ ٦١ نزول) :
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الآيات: ٦ - ٧] .
إنّ عبارة ﴿الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ من الإِطناب، لأنّ المشركين لا يُزَكُّونَ.
والداعي لهذا الإِطناب حثُّ المؤمنين على أداء الزكاة، وتحذيرهم من المنع إذْ أبان الله أنَّهُ من صفات المشركين، وفيه دلالة على أنَّ من آثار الشرك جَفَافَ الرحمة على ذوي الحاجات، فهم لا يشعرون بمشاعر ذوي الحاجات، بخلاف المؤمنين بالله واليوم الآخر، إذ الإِيمان يولّد في قلوبهم خلق الرحمة، وعاطفة حبّ العطاء ومساعدة ذوي الحاجات.
***
وأمّا القسم الثاني: وهو "الإِطناب بالزيادة" فيكون بزيادةٍ في الألفاظ على أصل المعنى الذي يُرادُ بيانه لتحقيق فائدةٍ ما.
فمنه قول الله في سورة (القدر/ ٩٧ مصحف/ ٢٥ نزول) :
﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [الآية: ٤] .
إنّ عبارَة: ﴿والرُّوح﴾ وهو جبريل ﵇ من الإِطناب بالزيادة، لأنّ جبريل داخلٌ في عموم الملائكة، ولكنّها زيادة ذاتُ فائدة، إذ الغرضُ من تخصيصه
стр. 634
بالذكر بعد دخوله في عموم الملائكة الإِشعارُ بتكريمِهِ وتعظيمِ شأنه، حتَّى كأنَّهُ جنْسٌ خاصٌّ يُعْطَفُ على الملائكة.
* ومنه قول الشاعر "الحسين بن مطير" من الشعراء الذين عاصروا الدولتين الأموية والعبّاسية، يَرْثي "مَعْنَ بْنَ زائدة":
فَيَا قَبْرَ مَعْنٍ أَنْتَ أَوَّلُ حُفْرَةٍ ... مِنَ الأَرْضِ خُطَّتْ للسَّمَاحَةِ مَوْضِعاً
وَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْفَ وَارَيْتَ جُودَةُ ... وَقَدْ كَانَ مِنْهُ الْبَرُّ والْبَحْرُ مُتْرَعاً
إنَّ قولَهُ: "وَيَا قَبْرَ مَعْنٍ" في البيت الثاني هو من الإِطناب بالزيادة، لفائدة، وطريقته التكرير.
والداعي البلاغي لهذا الإِطناب "التحسُّر".
* ومنه قول "ابْنِ المعتزّ" يَصِفُ فَرَساً:
صبَبْنَا عَلَيْهَا - ظَالِمِينَ - سِيَاطَنَا ... فَطَارَتْ بِهَا أَيْدٍ سِرَاعٌ وَأَرْجُلُ
إنَّ قولَهُ: "ظالِمِينَ" من الإِطناب بالزيادة لفائدة.
والداعي البلاغي لهذا الإِطناب "الاحتراس" لذلك يسمَّى به، إذْ لو لم يُوجَدْ هذا الاحتراس لتوهَّمَ المتَلَقِّي أنَّ فَرَسَ "ابْنِ المعتز" كان بليداً يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ بالسّياط، فكان قولُهُ ظالِمينَ دافعاً لهذا التوهُّم.
***
(٣)
طرائق الزيادات الإِطنابية المفيدة ودواعيها البلاغية.
نظر البلاغيون في الزيادات الكلامية التي يحْصُلُ بها الإِطنابُ المفيد، فرأوا أنَّها تكون في طرائق من القول، جَمَعْتُهَا في (١٥) طريقة كنتُ في كثير منها متبعاً، وفي بعضها محرّراً ومُصَنِّفاً.
стр. 635
وبحثوا في الدواعي البلاغيّة لاختيار الإِطناب المفيد بهذه الطرائق فتجمَّعَتْ لَدَيْهم نتائج أفادتني في التصنيف والتمثيل.
وأشير هنا إلى أنّ بعض الأمثلة قد تَصْلُح أمثلة لأَكثر من طريقة من الطرائق التالية البالغة خمس عشرة طريقة:
الطريقة الأولى: "الإِيضاح بعد الإِبهام" وذلك بأن يُورِدَ المتكلّم المعنى مُبْهَماً، وبَعْدَ ذلك يُورِدُه مُوَضَّحاً، قال أهل البيان: إذا أردت أن تُبْهِمَ ثم توضِّح فَإنَّكَ تُطنِب.
ووجه حُسْنِ هذه الطريقة مع الفوائد التي تتحصّل بها أن فيها ما يلي:
(١) إبراز الكلام في مَعْرض الاعتدال الذي يدلُّ عليه الإِيجازُ بالإِبْهام، والإِطنابُ بالإِيضاح، فتكون المحصّلة اعتدالاً.
(٢) إيهَام الْجَمْعِ بين المتنافِيَيْنِ، هما الإِيجاز والإِطناب، إذ الجمع بين المتنافِيَيْن من الأُمور الغريبة المستطرفة المثيرةِ للإِعجاب.
ومن فوائد "الإِيضاح بعد الإِبْهام" الداعيةِ للإِطناب به ما يلي:
(١) تقديم المعنى الواحد في صورتين مختلفتين إحداهما مبهمة والأخرى موضَّحة، كما تُقَدَّم الحسناءُ في كِلَّةٍ أوَّلاً، وبَعْدَ ذَلِكَ تُعْرَضُ مَجْلُوَّةً إذْ تُرْفَعُ الكِلَّةُ عن وَجْهِها ورَأْسِها ومواطِنِ زينتها، فتنجلي للأعين محاسِنُها.
(٢) تمكين المعنى في نَفْسِ الْمُتَلَقِّي تمكيناً زائداً، لوقوعه بعد استشراف النفس إليه بالإِبْهام.
(٣) تكميل لذّة العلم به، إذْ بدأتْ ناقصةً بالإِبْهام، وكَمُلَتْ بالإِيضاح، فالشيء إذا علم ناقصاً تشوّقت النفس إلى العلم به كاملاً، وحصل لديها ظمأ
стр. 636
لمعرفته، فإذا استكملت النفس معرفته كانت لذّتها أشدّ من حصول العلم به دفعة واحدة.
* ومن هذه الطريقة ما يُسَمَّى "التوْشِيعُ".
وهو أن يُؤْتَى في عَجُزِ الكلام بمثنَّىً مُفَسَّرٍ باسْمَيْنِ، ثَانيهما معطوفٌ على الأوَّل مِنْهما، كقول الرسول ﷺ فيما روى البخاري ومسلم عن أنس قال: قال النبيُّ ﷺ :
"يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبٌّ مِنْهُ اثْنَانِ: الحرصُ على المال، والحرصُ عَلَى الْعُمْرِ".
وأيضاً عن أبي هريرة:
"لاَ يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابّاً فِي اثْنَتيْن: في حُبِّ الدّنْيا، وطُولِ الأَمَلَ".
ومن التوشيع قول الشاعر:
وَلاَ يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إِلاَّ الأَذَلاَّنِ: عَيْرُ الْحَيِّ والْوَتِدُ
ومن التوشيع أيضاً قول الشاعر:
سَقَتْنِيَ فِي لَيْلٍ شَبِيهٍ بِشَعْرِهَا ... شَبِيهَةَ خَدَّيْها بِغَيْرِ رَقيب
فَمَا زِلْتُ فِي لَيْلَيْنِ: شَعْرٍ وظُلْمَةٍ ... وَشَمْسَيْنِ: مِنْ خَمْرٍ وَوَجْهِ حَبِيبِ
ومن هذه الطريقة "التفصيل بعد الإِجمال" مثل قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣/ نزول) :
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السماوات والأرض مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [الآية: ٣٦] .
стр. 637
فعبارة: "مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ" تفصيل بعد إجمال.
* ومنها "الإِجمالُ بَعْدَ التفصيل" مثل قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام ... ﴾ [الآية: ١٩٦] .
جاءت في هذه الآية عبارة: "تِلْكَ عشَرَةٌ كامِلَةٌ" إجمالاً بَعْدَ تفصيل، لرفْع توهُّم أن "الواو" في عبارة "وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ" هي بمعنى "أو" فتكون الثلاثة داخلة في السبعة، فجاء ذكر الأيّام كلّها مجملةً بعبارة "تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَة".
ومثل قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ... ﴾ [الآية: ١٤٢] .
جاءت في هذه الآية عبارة: "فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" إجمالاً بعد تفصيلٍ لرفع توهُّم أن عبارة: "وأتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ" تَعْنِي كَوْنَ "ثَلاَثِينَ لَيْلَةً" كانَتْ عشرين أُتِمَّتْ بعشرٍ فصارت ثلاثين، فدُفعَ هَذا التوهُّمِ بالإِجمال اللاّحق.
وذكروا من أمثلة الإِيضاح بعد الإِبهام ما يلي:
(١) قول الله :
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الآيات: ١ - ٤] .
قالوا: كان يكفي أن يقول: أَلَمْ نَشْرَحْ صَدْرك. ووَضَعْنا وزْرَكَ الذي أنقض ظهرك ورَفَعْنَا ذِكْركَ، لكن إضافة "لَكَ" في موضعَيْن و"عَنْكَ" في موضِعٍ، تُفيد الإِبهام أوّلاً فتَسْتَشْرِفُ النفس للإِيضاح، وتَتَشوَّقُ للتفسير، وبعبارات: "صَدْرَك -
стр. 638
وِزْرَكَ - ذِكْرَكَ" يرتَفعُ الإِبهام ويرتوي ضمأ النفس للمعرفة الذي أثاره التشويق، مع ما في "لَكَ" و"عَنْكَ" من تأكيد وتمكين، لأنّ المقام مقام امتنانٍ سبَقَتْ دواعيه.
ونظيره قول موسى ﵇ الذي جاءت حكايتُه بقول اللَّهِ في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) :
﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى * قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي﴾ [٢٤ - ٢٦] .
***
الطريقة الثانية: "ذِكْرُ الْخاصِّ بَعْدَ الْعَامّ" ونظيره "ذِكْرُ الْعَامّ بعد الخاصّ".
المراد بالعامّ هنا ما كان شاملاً في معناه لمقابله، لا العام والخاص في مصطلح علم أصول الفقه.
وفائدة ذكر الخاصّ بعد العامّ التنبيه على فضله، حتَّى كأنّه ليْسَ من جنس العامّ أو نوعه، تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغايرُ في الذّات.
وفائدة ذكر العامّ بعد الخاصّ التعميم، وجاء إفراد الخاصّ بالذكر اهتماماً بشأنه، مع ما في إدْخاله ضمن العامّ من تأكيد وتكرير ضمناً.
الأمثلة:
المثال الأول:
قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الآية: ٢٣٨] .
نلاحظ أنّ الصَّلاة الوسْطى - وهي في أظهر الأقوال صلاةُ الْعَصْر - داخلةٌ في عموم لفظ "لصَّلَوات" لكن خُصَّتْ بالذكْر وعُطِفَتْ على عموم الصلوات اهتماماً بشأنها، وتوجيهاً لتخصيصها بعناية فائقة خاصّة، وهذه فائدة الإِطناب بذكرها، إذْ هي داخلةٌ في عموم لفظ "الصّلوات" الوارد قبلها في النص.
هذا المثال من عطف الخاص على العام.
стр. 639
المثال الثاني:
قول الله في سورة (البقرة) أيضاً:
﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [الآية: ٩٨] .
إنّ جبريل وميكائيل ﵉ داخلان في عموم الملائكة ولكنْ خُصَّ جبريل بالذكر تحذيراً لليهود من معاداتهم له، وضُمَّ إليه ميكائيل لقيامه بوظيفة أرزاق العباد التي بها حياة الأجساد، مقابل قيام جبريل بوظيفة الوحي الذي به حياة القلوب والنفوس.
هذا المثال من عطف الخاصّ على العامّ أيضاً.
المثال الثالث:
قول الله في سورة (نوح/ ٧١ مصحف/ ٧١ نزول) حكاية لدعاء نوح ﵇:
﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ [الآية: ٢٨] .
تباراً: أي: هلاكاً.
لقد خَصَّ نوح ﵇ نفسه بطلب المغفرة من ربّه، وأتْبَعَهُ بطلب المغفرة لوالديه، وأَتْبع ذلك بطلب المغفرة لكلِّ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ مُؤْمِناً، فَعَمَّم، ومعلومٌ أنَّه ممَّنْ دَخلَ بيتَهُ مُؤْمِناً فأدْخَلَ نفسه في العموم، وأخيراً قال: "وللمؤمنين والمؤمِنَات" ومعلوم أنَّ من دَعَا لهم سابقاً يَدْخلون في عموم المؤمنين أو في عموم المؤمنات، فكأنّه شمَلَهم بالدّعاء الأخير، فأفاد هذا التعميم بعد التخصيص تأكيد الدعاء وتكريره لمن ذُكِرُوا سابقاً.
هذا المثال من ذكر العام بعد الخاصّ.
стр. 640
المثال الرابع:
قول الله في سورة (التحريم/ ٦٦ مصحف/ ١٠٧ نزول) خطاباً لاثنتين من زوجات الرسول ﷺ :
﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [الآية: ٤] .
فذكرَ جبريل أوّلاً على سبيل الخصوص وبعد ذلك ذكر عموم الملائكة ومعلومٌ أنَّ جبريل ﵇ يدخل في عموم الملائكة، لكن جاء إفراد جبريل بالذكر أوّلاً اهتماماً بشأنه، وتعظيماً لمقامه، وإشادة بمكانته عند الله.
***
الطريقة الثالثة: "التكرير" لدَاعٍ بلاغي، كقول عنْتَرة بين شدّاد في بعض روايات معلقته:
يَدْعُونَ عَنْتَرَ وَالرِّمَاحُ كَأَنَّها ... أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ
يَدْعُون عَنْتَرَ والسُّيُوفُ كَأنَّهَا ... لَمْعُ الْبَوَارِقِ في سَحَابٍ مُظْلِمِ
أَشْطَانُ بِئر: أي: حِبَالُهُ الّتي تُعلِّقُ بها الدِّلاَء.
في لَبَانِ الأَدْهَمِ: أي: في صَدْرِ الْفَرَسِ الأدْهم.
فكرّر عبارة "يَدْعون عَنْتَرَ" في البيتين إذْ قَصَد الافتخار بشجاعته، وبطلب الفرسان له في أحرج مواقف القتال.
والدواعي البلاغي للتكرير متعدّدة، فمنها ما يلي:
(١) تمكين المعنى وتأكيده في نفس المتلقِّي، وزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة إذا كان البيان يقتضي ذلك.
(٢) التلذّذ بتكرير عبارات الفخر والإِشادة بالمآثر الحميدة.
стр. 641
(٣) التنفيس عن النفس بعبارات التحسّر والندم أو الحزن، أو الفرح.
(٤) طول الفاصِل في الكلام الذي تدعو الحاجة معه إلى التنبيه بالتكرير.
(٥) المدح أو الذمّ أو الشتيمة.
(٦) التنبيه على تعدُّد المقتضي لذكر العبارة المكرّرة.
(٧) جعل العبارة المكررة فاصلةً في الكلام ذاتَ تأثير فَنِّي جماليّ بديع مستطرف، كأنّها أعلام ترفرف على مفاصيل السّور، أو لوحة مكرَّرة على مقاطع من الطريق.
مع ما فيها من معنىً قد يحتاج تكريراً لتثبيته، أو استثارةِ دافع من دوافع النفس به، أو تهييج عاطفة، كالكليّات العامّة، وكالمعاني التي فيها ترغيب أو ترهيب، أو تحذير أو إنذار، أو تشويقٌ، أو تنديمٌ أو تحْسير، أو نحو ذلك.
(٨) أنْ يكون المكرّر متعلّقاً في الذكر الثاني بغير ما تعلَّقَ به في الذكر الأول، ويسمَّى هذا "ترديداً" ويكثر فيه الداعي الجمالي الفنيّ.
(٩) التعظيم والتهويل.
إلى غير ذلك من دواعي بلاغيّة.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :
﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ... ﴾ [الآية: ٣٥] .
جاء في هذه الآية تكريرُ "المصباح" مرَّتَيْن، وتكرير "الزُّجَاجة" مرتَيْن إلاَّ أنّ المكرّر متعلّق في الذكر الثاني بغير ما تعلّق به في الذّكر الأول، فهو ممّا يسمَّى "تَرديداً" ولا يخفى ما في هذا لترديد في الآية من جمالٍ فنِّي بديع.
стр. 642
المثال الثاني:
جاء في سورة (الرحمن/ ٥٥ مصحف/ ٩٧ نزول) تكرير عبارة:
﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الآية: ١٣] .
إحدى وثلاثين مرّة خطاباً للإِنْسِ والجنّ المخلوقين للامتحان في ظروف الحياة الدنيا.
فبأَيّ آلاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبان: أي فبأيّ نِعَمِ رَبّكُمَا عَلَيْكُما تُكذِّبان. إنّ نِعَمَ الله على العباد لا يستطيع العباد إحصاءها، ومع كلّ فقرة من فقرات حياتهم بتتابع السّاعات والأوقات تمرُّ على كلِّ فَرْدٍ منْهُمْ نِعَمٌ كثيرة وجليلة، وانصرافه الدائم إلى الاستمتاع بها دون ملاحظة خالقها والمتفضِّل على عباده بها يحتاجُ تذكيراً بها، ليقوم بحقّ اللَّهِ عليه في مقابلها، بالإِيمان والطاعة والْحَمْدِ والشّكر.
ففي هذا التكرير عقب ذكْرِ كُلِّ فقرة من فقرات آيات صفاتِ الله في كونه، المشتملة على بعض نِعَمِه، أو الإِنْذار، بعقابه وعذابه، تنبيهٌ على حاجة العبد المبتَلَى أن يَذْكُرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ دَواماً عند كلِّ فقرة من فقرات حياته، ومَوْجَةٍ من موجات نهرها الجاري، لئلاَّ تَجُرَّهُ الغفلات إلى النسيان، فالمعصية، فاجتيال الشياطين لفِكْرِه ونَفْسِه وعَواطِفه، ودفعه إلى السُّبُلِ المزلقة إلى الشقاء، فالعذاب، فنار جهنّم.
فجُعِلَتْ هذه العبارة فاصلة في السّورة، وهذه الفاصلة ذات تأثير فَنِّيّ جماليّ مستطرف، مع ما تشتمل عليه من معنىً يدلُّ على حاجَةِ العباد إلى ذكر نعم الله عليهم مع كلّ موجةٍ من موجات نَهَرِ حياتهم، سواءٌ أكانت ممّا يحبّون أو ممّا يكرهون، ممّا يَطْمَعُون فيه أو ممّا يحذرون منه.
المثال الثالث:
جاء في سورة (المرسلات/ ٧٧ مصحف/ ٣٣ نزول) تكرير عبارة:
стр. 643
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الآية: ١٥] .
تسْعَ مرّات، إنْذاراً للمكذبين بيوم الدّين، وترهيباً من عذاب جهنم الذي سيلاقونه، إذا أصَرُّوا على كفرهم وتكذيبهم وماتوا على ذلك دون توبة.
ومع أنّ كلّ مرّة قد جاءت عقب توجيه إقناع بقانون الجزاء الرَّبّاني، أو إخبارٍ ببعض الأحداث التي تكون قبل يوم القيامة، أو تقديم لقَطَاتٍ من مشاهد الحساب، أو مشاهد الجزاء بالعقاب أو بالثواب، أو تحريكِ سَوْطٍ تهديدي بما سينزل بهم من عذاب أليم، فإنّ تكريرها قد جاء بمثابة فاصلةٍ ذات إيقاعٍ، فهي تُعادُ وتكرّر في السّورة بفنّيّة بديعة، ومضمونُها ممّا يستدعي حال المكذبين تكريره، إذْ فيها تَهْدِيدٌ ووَعيد، وفيهم مكابرةٌ وإصرار على الكُفْرِ عنيد، هم يكرّرون إصرارهم، والعبارة تكرّر تهدْيدِهم بالويل.
الويل: كلمة عذاب، فيها معنى الوعيد بحلول عقاب الله، وورد أنّ كلمة "ويل" اسْمٌ علم على وادٍ في جهنم.
المثال الرابع:
جاء في سورة (القمر/ ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول) تكرير عبارة:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [الآية: ١٧] .
أرْبَع مرَّات، لأنها تضمّنَت حثّاً على تَلَقّي القرآن وتدَبّره وتذكّره، فمضمونها يحمل معنًى كلّياً من كُلّيّاتِ التكاليف الدينيّة التي تتطلَّبُ طبائع النفوس تكريرها، لكثرة شرودها عنها، ورغبتها في التفلّتِ من واجباتها.
واختيرت أن تكون هذه العبارة بمثابة فاصلة ذاتِ جمالٍ فنِّي تُتْلَى بَيْنَ فِقَراتٍ من السّورة، فجاءت عقب ذِكْرِ موجز قصة إهلاك قومِ نوح ﵇، وعقب ذكر موجز قصة إهلاك عاد قوم هود ﵇، وعقب ذكر موجز قصّة إهلاك ثمود قوم صالح ﵇، وعقب ذكر موجز قصة إهلاك قوم لوط ﵇.
стр. 644
وفي تكريرها عقب عرض موجز كلّ قصة من قصص هؤلاء الأقوام إشارةٌ إلى أنَّهم لو تلَقَّوْا ما أنْزِلَ إليهم من ربّهم عن طريق رسُلهم، وتدبّروه، وَوَضَعُوه في ذاكراتهم، وادَّكَرُوه حيناً فحيناً ما عرّضوا أنفسهم للهلاك الشامل المعجّل في الدنيا، وللعذاب الخالد المؤجّل إلى يوم الدّين.
فمن تنبّه إلى هذه الإِشارة من أمّة رسالة محمّد ﷺ اتّعظ بأحوال الأمم السابقة، فاشتغل بحفظ القرآن الميسّر للذّكر، واشتغل بتدبّر معانيه، وادّكَرَ آياتِهِ حيناً فحيناً عند كلّ مناسبة داعية.
المثال الخامس:
جاء في سورة (الشعراء/ ٢٦ مصحف/ ٤٧ نزول) تكرير عبارة:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ [الآيات: ٨ - ٩] .
ثمانِيَ مرّاتِ، أُولاَهَا جاءَتْ عَقِب بيان تكذيب الذين كذّبوا محمّداً ﷺ وبما جاء به عن ربّه، ثم جاءت كلُّ مرَّةٍ من المرّات الباقيات عقب عرض قصَّةٍ من قِصَصِ المكذّبين الأولين، فكان لكل مرّةٍ منها داعيتها من القصّة التي جاءت قبلها، فإذْ تعَدَّدَ المقتضي حَسُنَ إعادة ذكر العبارة نفسها.
المثال السادس:
كان "عَمْرو بْنُ هِنْدِ" ملكاً في الحيرَة من ملوك العرب، وكان جبّاراً عنيداً، لا يَرَى في الناس من يُدانيه في الشرف والمنزلة، فأراد أنْ يستذلّ الشاعر "عمرو بن كُلثوم" باتّخاذ أُمِّه وصيفةً لأمّه، فثارت الحميّة في قلب عمرو بن كلثوم، فسَلَّ سيفه وضرب الملك فقتله، وقَرَضَ مُعَلَّقته التي جاءت فيها:
بِأَيِّ مَشِيئَةٍ عَمْروَ بْنَ هِنْدِ ... نَكُونُ لِقَيْلِكُمْ فِيهَا قَطِينَا
بِأَيِّ مَشِيئةٍ عَمْروَ بْنَ هِنْدٍ ... تُطِيعُ بِنَا الوُشَاةَ وتَزْدَرينَا
стр. 645
فكرّرَ عبارته: "بأَيِّ مَشيئَةٍ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ" لأنّه في مقامٍ الْفَخْر وإباء الضَّيْم، وبيان عُذْرِه في قتل الملك إذْ أراد الملك إِذْلاله وإهانته.
لِقَيْلِكُم: الْقَيْل: هو الملك دون الملك الأعظم.
قَطِينا: أي: خَدَماً.
ويمكن القياس على هذه الأمثلة مع ملاحظة الداعي البلاغي في كُلٍّ مِنها.
ملاحظة:
توجد تعبيرات يُظَنُّ أنّها من التكرير، ولدى البحث والتدبر والتحرير، يظهر أنها ليست من التكرير، فعلى دارس النصوص ومتدبّرها أن يُمْعِن فيها النظر طويلاً حتَّى لا يُعْطِيَ النّصّ حكْماً ليس هو له.
فمن ذلك ما جاء في سورة (الكافرون) ومنها ما يكون المقصود فيه مختلفاً في الألفاظ المكرّرة، اختلاف أمكنة، أو اختلاف أزمان، أو اختلاف أنواع أو أصناف أو أفراد، إلى غير ذلك.
***
الطريقة الرابعة: "الإِيغال".
الإِيغال في اللّغة: الإِمعان في التعمّق والمبالغة في الابتعاد، يقال لغة: أوْغَلَ في البلاد، إذا ذهب فيها وبالَغَ وأبعد. وأوْغَلَ في السَّيْرِ إذا أسْرَع فيه وابتعد.
والإِيغال عند البلاغيين: هو إضافة أخيرة تأتي في الكلام بعد انتهاء المقصود منه، لكنَّها ذَاتُ فائدة ما، والدّاعي لها قد يكون الاحتياج إلى القافية في الشعر، أو إلى تناظر الفقرات في النثر، أو استغلال حالة طارئة عرضت للمتكلم، أو غَيْرَ ذلك.
* سئل الأصمعي: مَنْ أشعر الناس؟
стр. 646
فقال: مَنْ ينقضي كلامُه قبل انقضاء القافية، فإذا احتاج إلَيْهَا أفادَ بها مَعْنىً.
قيل: نحوُ مَنْ؟
قال: ذو الرّمّة حيث يقول:
قِفِ الْعِيسَ في أَطْلاَلِ مَيَّةَ فَاسْأَلِ ... رُسُوماً كَأَخْلاَقِ الرِّدَاءِ الْمُسَلْسَلِ
فَتَمَّ كلامُهُ بالرّداء، ثم قالَ: "الْمُسَلْسَل" فزاد به شيئاً، ثم قالَ:
أظُنُّ الّذِي يُجْدِي عَلَيْكَ سُؤَالُهَا ... دُمُوعاً كتَبْذِيرِ الْجُمَانِ الْمُفَصَّلِ
فَتَمَّ كلامُهُ بالجمان، ثم قال: "المفصّل" فزاد شيئاً.
قيل: ونَحْوُ مَنْ؟
قال: الأعشى إذْ يقول:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيَفْلِقَهَا ... فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
فَتَمَّ كَلاَمُهُ بِيَضِرْها، فلمّا احتاج إلى القافية قال: وأوهَى قرنَه الْوَعِلُ، فزاد معنىً.
قال السائل: وكيف صار الْوَعِلُ مفضَّلاً على كلِّ ما ينْطَح؟
قال: لأنّه ينحطُّ من قُلّةِ الجبل على قَرْنَيْه فلا يضرُّه.
* ومن الإِيغال قول الخنساء في رثاء أخيها "صَخْر".
وَإِنّ صَخْراً لتأتَمُّ الْهُدَاةُ به ... كَأنَّهُ عَلَمٌ في رأْسِهِ نارُ
لقد تمّ المقصود بقولها: "كأنّه علم" ولمّا احتاجت إلى القافية أضافة خاتمة مفيدة ذات حُسْن فقالت: "في رأْسِهِ نارُ" فبالغت في بيان أنّه رجلٌ تَأْتَمُّ بِهِ الْهُداة.
* ومنه قول امرئ القيس:
كأَنَّ عُيُونَ الْوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا ... وأَرْحُلِنَا الْجَزْعُ الّذِي لَمْ يُثَقَّبِ
стр. 647
الْجَزْع: خرز يماني فيه سواد وبياض، يشبّه به عُيُون الوحش، قال الأصمعي: الظبيُ، والبقرة إذا كانا حيَّيْنِ فعُيُونُهما كلُّها سُود، فإذا مَاتَا بدا بياضها.
وقد شبَّهَها امرؤ القيس بالْجَزْعِ، لأنّها عُيُونُ ما صَادَ من الوحش، وحَقَّق بزيادته، التَّشْبِيهَ الذي أراده.
* ومنه قول زهير بن أبي سُلْمَى:
كَأَنَّ فُتَاةَ الْعِهْنِ في كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ
الْعِهْن: الصّوف المصبوغ ألواناً.
الفنا: عِنَبُ الثعلب، نبات له ثمر بعناقيد صغار الحبّ، كحبّ العنب، إذا نضج احمرّ، أو كان مختلط الألوان حمرة وخضرة، وباطن هذا الحبّ أبيض.
لقد تمّ كلامه بقوله "حبُّ الفنا" ولمّا احتاج إلى القافية قال: "لم يُحطَّم" فجاء بزيادة إيغالية مفيدة، قيَّد بِهَا المشبّه به محافظةً على سلامةِ تشبيهه.
* ومنه ما كان هارون الرشيد يُعْجَبُ به، وهو قول "مسلم بن الوليد":
إذَا مَا عَلَتْ مِنَّا ذُؤَابَةُ شَارِبٍ ... تَمَشَّتْ بِهِ مَشْيَ الْمُقَيَّدِ فِي الْوَحْلِ
ذُؤَابَةُ: الذُّؤابَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلاَهُ.
شارب: الشارب الشعر الذي ينبت على الشفة العليا.
أي: إذا عَلَتْ ذُؤابَةُ شَارِب الناشئ من قومِنا جعلته يمشي متبختراً متثاقلاً افتخاراً بمجد قومه.
وكان الرشيد يقول: قاتله الله، أمَا كفاه أن يجعله مقيداً حتى جعله في وحْل.
فعبارة "في الوحل" إيغال.
стр. 648
* وقول الله في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) :
﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الآية: ٢٠ - ٢١] .
لقد تَمَّ المعنى المقصود ببيَانِ أَنَّهُمْ مُرْسَلُونَ يَدْعُونَ إلى الحق، ولا يسألون الناس أجراً فليس لهم مصلحة لدى من يدعونهم إلى دين الله، وبعد ذلك جاءت جملة: ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ إيغالاً، فكَوْن هؤلاء المرسلين مهتدين، أي: يسلكون في أعمالهم وأخلاقهم وكلّ تصرّفاتهم سبيل الهداية، دليلٌ على صدقهم، وهذا يدعو إلى اتِّباعهم وعدم رفض دعوتهم.
* وقول الله في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) خطاباً لرسوله ويُلْحَقُ به كُلُّ داعٍ إلى الله من بَعْده:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين * إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ [الآيات: ٧٩ - ٨١] .
إنّ عبارة ﴿إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ جاءت إيغالاً لتأكيد كون الصُّمّ لاَ يَسْمَعُونَ الدُّعاء.
وفائدة هذا الإِيغال الإِشارةُ إلَى أنَّ الأصَمَّ إذا كان مُواجِهاً لمن يدعوه، كان قادراً على إدْراك أنّه يدعوه، من تحريك فمه وحركات جسده عند التكلّم، لكنه إذا كان مُدْبراً مبتعداً لم يَسْمَعْ صوتاً ولم يُدْرِكْ حركةً دالَّةً عليه. وفيه هنا أيضاً مُراعَاةُ كوْنِ المتحدّث عَنْهم صُمّاً صَمَماً معنوياً بكُفْرِهِمْ وعَدَم إيمانهم، وهؤلاء قد يسمعون بعض سماعٍ دُونَ أَنْ يُؤثّر فيهم حالةَ المواجهة، فإذا وَلَّوْا مُدْبِرين لم يَسْمَعُوا شيئاً، فأفاد هذا الإِيغال معانيَ نفيسة.
* وقول الله في سورة (الذاريات/ ٥١ مصحف/ ٦٧ نزول) :
стр. 649
﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الآيات: ٢٢ - ٢٣] .
إنّ عبارة: ﴿مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ جاءت إيغالاً بَدِيعاً بعد انتهاء المعنى المقصود، إذ شبَّهَ ضَمَانَ الرزق للعباد الذي يحرّكون أفواههم عليه في طعامهم، بقدرتهم على النطق حينما ينطقون، أي: كما أقدركم الله على إخراج نطقكم من أفواهكم أقدركم على كسب أرزاقكم وإدخالها إلى بطونكم عن طريق أفواهكم.
***
الطريقة الخامسة: "الاعتراض".
الاعتراض في اللّغة: الدّخول بين الشَّيْئَيْن حتى يكون الداخل المعترضُ فاصلاً بينهما، ويُسَّمى "عَارِضاً" أي: حائلاً ومانعاً بينهما، ومنه أُخِذ الاعتراض في البلاغة والنحو.
الاعتراض اصطلاحاً: أنْ يُؤتَى في أثْنَاءِ الكلام أو بين كلاَميْن متَّصِلَيْن في معناهما بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإِعراب لنكتة بلاغيّة سِوَى دفع الإِيهام.
فإذا كان لدفع الإِيهام فهو من طريقة (الاحتراس = التكميل) الآتي بيانُها إن شاء الله.
ويؤتي بالاعتراض لدواعي بلاغية منها ما يلي:
(١) التنزيه والتعظيم.
(٢) الدّعاء.
(٣) التنبيه على أمْر، وكذلك الإِشارة إلى أنّ ما وقع به الاعتراض قد حصل مضمونه خلال الزمن الفاصل بين الكلامين المتّصلَيْن.
(٤) التبرُّك.
(٥) التقرير في نفس السامع.
стр. 650
(٦) التصريح بما هو المقصود.
(٧) الاستعطاف.
(٨) انتهاز الفرصة المواتية، والمبادرة لبيان أمْرٍ ذي أهميّة. إلى غير ذلك.
ووجه حُسْن الاعتراض اهْتِبَالُ الْفُرْصَةِ المواتية للإِفادة والبيان، أو التعبير عمّا في النفس، مع مجيئه مجيء غير المترقّب، فيكونُ كالشيء السّارّ الذي يأتي الإِنسانَ من حيْثُ لا يحتسب.
ولحسنه جاء في أرفع الكلام إعجازاً، وجاء في أقوال الفصحاء والبلغاء.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) :
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الآية: ٥٧] .
عبارة: "سبحانه" جملة اعتراضية بين كلامين متصلين في معناهما، للمبادرة إلى تنزيه الله عن أن يكون له بنات، والتشنيع على من جعلَهُنّ له بتصوّرهم الفاسد، وأقوالهم الكاذبة.
المثال الثاني:
قول الله في سورة (الفتح/ ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول) :
﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ... ﴾ [الآية: ٢٧] .
عبارة: ﴿إنْ شاء الله﴾ جملة اعتراضيّة في أثناء كلام مُتَّصلٍ في معناه، للمبَادرة إلى تعليم المؤمنين أن يقولُوا في كلّ ما يرجون وقوعه أو يريدون إيقاعه مستقبلاً. "إنْ شاء الله" وتعليمهم كيف يكون إدْخال هذا التعليق على مشيئة الله في كلامهم.
стр. 651
المثال الثالث:
قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ [الآيات: ٢٢٢ - ٢٢٣] .
إنّ عبارة: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ عبارَةٌ اعتراضيَّة، بين كلامَيْنِ مُتّصلَيْنِ في معناهما، فقوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ متّصل بقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ وجاءت العبارة الاعتراضيّة للمبادرة إلى الحثّ على الطهارة واجتناب الأدْبار والتّوبَةِ من إثْمِ إتيانها الذي ربّما كان يفعله بعض الأزواج قبل البيان القرآني.
المثال الرابع:
قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) ضمن عرض قصّة إغراق قوم نوح ﵇:
﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي وَغِيضَ المآء وَقُضِيَ الأمر واستوت عَلَى الجودي وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [الآية: ٤٤] .
جاءت في هذه الآية ثلاث جُمَلٍ اعتراضيّة بين كلامَيْنِ مُتَّصِلَيْن في معناهما، وهي: "وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي".
هذا الاعتراض بهذه الجمل الثلاث أفاد أنَّ مضمونها قد حَصَل بين زمَنَي القولَيْنِ المتّصلَيْنِ في معناهما: [وَقيل ... -وقيل ... ] .
ويلاحظ أنّ جملة: ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾ اعتراضٌ في اعتراض، إذ الجملتان: ﴿وَغِيضَ المآء﴾ و ﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ متصلتان في معناهما، وجاءت ﴿وَقُضِيَ الأمر﴾ معترضة بينهما.
стр. 652
المثال الخامس:
قول الله في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) :
﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الآيات: ٧٥ - ٧٧] .
في هذا اعتراض بين القسم وجوابه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ - لَّوْ تَعْلَمُونَ - عَظِيمٌ﴾ للتنبيه على عظم هذا القسم مع الفرصة المواتية.
واعتراضٌ في داخل الجملة المعترضة بين خبر "إنّ" وصفته، بجملة ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ للتنبيه على أنّ المخاطبين يجهلون عظمة مواقع النجوم.
المثال السادس:
قول العباس بن الأحْنف:
إِنْ تَمَّ ذَا الْهَجْرُ - يَا ظَلُومُ وَلاَ تَمَّ - ... فَمَالِي فِي الْعَيْشَ مِنْ أَرَبِ
ظَلُوم: اسْمُ صاحبته. والأرب: الحاجة.
في هذا البيت اعتراض بين الشرط وجوابه بنداءِ مَنْ يُحِبّ والمبادرة إلى الدعاء بأنْ لاَ يتمَّ مضمونُ الشرط، والداعي له المبادرة إلى استعطاف "ظلوم" التي يُحِبُّها، وسؤال الله أن لا يَتِمّ هجرها له، والدافع له في نفسه رغبته في وصلها وخوفه من هجرها.
المثال السابع:
قول عوف بن ملحم الشيباني يشكو كِبَرَهُ وضعفه:
إِنَّ الثَّمَانِينَ - وَبُلِّغْتَها - ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلَى تُرْجُمانٍ
فجملة: "وَبُلِّغْتَها" جملةٌ اعتراضيةٌ دُعَائية، استغلت فيها المناسبة استغلالاً حسناً ليدعو لمن يخاطبه بطول العمر.
стр. 653
المثال الثامن:
قول أبي الطيّب المتنبّي:
وَخُفُوقُ قَلْبٍ لَوْ رَأَيْتِ لَهِيبَهُ ... -يَا جَنَّتِي- لَرَأيْتِ فِيهِ جَهَنَّما
قوله: "يا جَنَّتِي" جملة معترضة، والداعي لها الاستعطاف، واستغلال المناسبة ليُجْرِيَ مطابقة بين الجنة وجهنّم.
المثال التاسع:
قول ابن ميّادة:
فَلاَ هَجْرُهُ يَبْدُو - وفي اليأسِ راحَةٌ - ... وَلاَ وَصْلُهُ يَبْدُو لَنَا فَنُكارِمهْ
قولُهُ: "وفي اليأْسِ رَاحَةٌ" جملةٌ اعتراضيّة جاءت تعليلاً لأمر من المستغرب أن يكون مطلوباً، وهو إبرامُ الهجر وعدم التردد فيه، إذ المحبُّون لا يطلبونه عادة، فبادر لبيان السبب فجاء بالجملة الاعتراضية، وهي مبادرة حسنة.
***
الطريقة السادسة: "الاحتراس = التكميل".
الاحتراس: أو التكميل: اسمان أُطْلِقا على مسمَّى واحد، هو زيادة إطنابيّةٌ في الكلام يَدْفَع بها المتكلّم إيهاماً اشتمل عليه كلامه.
ويكون هذا الاحتراس حينما يأتي المتكلم بكلام يوهم خلاف ما يُريد، ويأتي بَعْدَه بكلامٍ يدفع به ذلك الإِيهام، ومثل هذا يُوجَد في أرفع الكلم لتحقيق غرضٍ بلاغي، وقد يوجد في كلام أهل الخطب الارتجالية على سبيل التدارك لما جاء في كلامهم ففطنوا إليه فاحترسوا تكميلاً.
стр. 654
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله لموسى ﵇ كما جاء في سورة (النمل/ ٢٧ مصحف/ ٤٨ نزول) :
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الآية: ١٢] .
إنّ عبارة: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ﴾ قَدْ تُوِهمُ أَنَّ بَيَاضَهَا رُبَّمَا كَانَ عَنْ بَرَصٍ، فجاءَت عبارة: ﴿مِنْ غَيْرِ سواء﴾ تَكْمِيلاً احْتراسِيّاً لدَفْعِ هذا الإِيهام.
المثال الثاني:
قول طرفة بن الْعَبْد من قصيدة يمدح بها قتادة بن مسلمة الحنفي، على ما كان منه تجاه قومه، إذْ بذل لهم في سنةٍ أصابتهم:
فَسَقى دِيَارَكَ - غَيْرَ مُفْسِدِها - ... صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي
الصّوب: المطر بقدر ما ينفع ولا يؤذي.
الدّيمة: المطر يدوم زمانهُ في سكون.
تَهْمِي: تسيل.
قوله: ﴿غَيْرَ مُفْسِدِها﴾ تكميل احتراسي، لأنّ سُقْيا الدّيار بمطر كثير قَدْ يفسدها، فدَفع هذا الإِيهام بالاحتراس الذي جاء به.
المثال الثالث:
قول كعب بن سَعْد الغنوي:
حَلِيمٌ إِذَا ما الْحِلْمُ زَيَّنَ أَهْلَهُ ... مَعَ الْحِلْمِ في عَيْنِ الْعَدُوِّ مَهِيبُ
في هذا البيت احتراسان كمّل بهما الشاعر كلامه: فقوله: "إذا ما الحليم زيّنَ أهله احترس به لدفع توهم أن يكون حمله عن ضعف، وقوله "في عين العدوّ مهيب" احتراسٌ آخر.
***
стр. 655
الطريقة السابعة: "التذييل".
التذييل: تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيداً لمنطوقها، أو لمفهومها، وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مَا يجري مجرى المثل، وهو ما استقلّ معناه واستغنى عمّا قبله، مثل قول الله تعالى في سورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) :
﴿وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ [الآية: ٨١] .
إنّ جملة ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ تتضمّن معنى الجملة التي جاءت قبلها، فهي إطناب على طريقة التذييل، وعبارتها ممّا يجري مجْرى المثل، وهي تُؤكّد منطوق الجملة التي جاءت قبلها.
القسم الثاني: مَا لا يجري من التذييل مجرى المثل، وهو ما لا يستقلُّ معناه عمّا قبله، كقول ابن نُبَاتَة السّعْدِي:
لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئاً أُأَمِّلُهُ ... تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنْيا بِلاَ أَمَلِ
فالشطر الثاني من هذا البيت تذييل أكّدَ مَفْهوم الشطر الأول، وهو ليس مما يجري مجرى المثل.
(١) قول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) خطاباً لرسوله:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الآية: ٣٤] .
إنّ جملة ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ تذييلٌ يؤكّد منطوق الجملة التي جاءت قبلها، وهي ممّا يجري مجرى المثل.
(٢) قول الله في سورة (سبأ/ ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول) :
стр. 656
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [الآية: ١٧] .
إنّ جملة ﴿وَهَلْ نُجَازي إلاَّ الكفُور؟﴾ تذييل يؤكّد مفهوم الجملة التي جاءت قبلها، وهي ممّا لا يجري مجرى المثل، إذ المعنى: لا نجزي مثل هذا الجزاء المعجّل بالعقاب المهلك الشامل للقوم إلاَّ من كان كفوراً.
(٣) قول الحطيئة:
نَزُورُ فَتَىً يُعْطِي على الْحَمْدِ مالَهُ ... وَمَنْ يُعْطِ أَثْمَانَ الْمَحَامِدِ يُحْمَدِ
الشطر الثاني من هذا البيت تذييلٌ يؤكّد منطوق الشطر الأول منه، وهو مما يَجْري مجرى المثل، فهو تذييل جميل.
(٤) قول أحد الشعراء لمن أعطاه ومنَّ عليه:
أَفْسَدْتَ بِالْمَنِّ مَا أَسْدَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... لَيْسَ الْكرِيمُ إِذَا أَعْطَى بِمَنَّانِ
الشطر الثاني من هذا البيت تذييل يؤكّد به الشاعر مفهوم الشطر الأوّل منه، وهذا التذييل مما يجري مجرى المثل، فهو إطنابٌ تَذييليٌّ جميل.
(٥) قول أبي الطيّب المتنبّي:
مَا كُلُّ مَا يتمنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لاَ تَشْتَهِي السُّفُنُ
الشطر الثاني من هذا البيت تذييل أكّدَ به الشاعر منطوق الشطر الأول منه، وقد جرى مثلاً.
قال العكبري: وهو من أحسن الكلام.
(٦) قول زُهَيْر:
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً ... كَأَنَّكَ تُعْطِيه الّذِى أَنْتَ سَائِلُهُ
الشطر الثاني من هذا البيت "تذييل" أكّد به الشاعر منطوق الشطر الأول منه، وهو ليس ممّا يجري مجرى المثل.
стр. 657
(٧) قول الشاعر:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي ... إِنَّ الْمَنَايَا يَا لاَ تَطِيشُ سِهَامُهَا
الشطر الثاني من هذا البيت "تذييل" أكّد به الشاعر منطوق الشطر الأول منه، وهو مما يجري مجرى المثل.
***
الطريقة الثامنة: "التتميم".
التتميم: الإِتيان بفضلة مفيدة في كلام لا يوهم خلاف المراد.
يلاحظ أنّ قيد "في كلام لا يوهم خلاف المراد" قد أضيف هنا للتفريق بين التتميم و"الاحتراس= التكميل" الذي سبق بيانه وشرحه.
أمثلة:
(١) قول الله في سورة (الإنسان/ ٧٦ مصحف/ ٩٨ نزول) يصف الأبرار.
﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾ [الآيات: ٨ - ٩] .
قالوا: عبارة: ﴿على حُبِّهِ﴾ جاءَت تتميماً مفيداً حصلت به المبالغة في أنَّهم حريصون جدّاً على إطعام الطعام على الرغم من حبِّهِمْ له، وتعلُّقِ شَهْوَتِهم به، فالإِطعام في هذه الحالة أبلغ في الدلالة على ابتغاء مرضاة الله، وهو بسبب ذلك أعظم أجراً عند الله.
أقول: إنّ عبارة ﴿على حُبِّهِ﴾ قيد لازم لإِدْخال المطعم للطعام في مرتبة الأبرار، وهي فوق مرتبة المتقين الذين يكفيهم أن يطعموا الطعام الواجب عليهم أن يُطْعِموه، ولو كان هذا الطعام غير محبوب لهم.
стр. 658
ونظير هذا الْقَيْدِ القيدُ الذي جاء في الآية (١٧٧) من سورة (البقرة) فهو قيد لازم حتى يكون من يؤتي المالَ مرتقياً ببذله إلى مرتبة الأبرار، إذ قدّم عملاً هون من أعمال البرّ، فأعمالُ البرّ توسُّعٌ في الخير زائِدٌ على أعمال التقوى.
(٢) قول الله في سورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) :
﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ... ﴾ [الآية: ١] .
جاءت في هذه الآية كلمة "ليلاً" تتميماً، وذلك لأنّ الإِسراء لا يكون إلاَّ باللَّيْل، وفائدة هذا التتميم الإِشارة إلى قِصَرِ المدّةِ التي حصل فيها الإِسراء ذهاباً وعودة، والإِشارة إلى أنّ لِلّيْلِ خصَائِصَ من نفحاتِ الله وإكراماته التي يفيض بها على بعض عباده.
(٣) قول "زهير بن أبي سُلْمَى" يمدح "هَرِم بْنَ سِنان".
مَنْ يَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلاَّتهِ هَرِماً ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ والنَّدَى خُلُقاً
عَلى عِلاَّتِهِ: أي: عَلى كُلِّ حَالٍ من أحواله، في انشراحه وانقباضه، وسروره وحُزْنه، ويُسْرِه وعُسْرِه.
فقد جاءت عبارة "عَلَى عِلاَّتِهِ" تَتْميماً جميلاً ذا فائدة.
(٤) قول أحد الشعراء:
إِنِّي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِي ... أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِفُ
فقوله: "على مَا تَرَيْنَ من كبري" كلامٌ لم يدفَعْ به إيهاماً، إلاَّ أَنّه زيادة أفادَتْ فائدة حسنة، فهو "تَتْمِيم" تخلّص به من تُهْمَة تأثير كبر السنّ عليه.
стр. 659
(٥) قول المعرّي:
وإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الأَخِيرَ زَمَانُهُ ... لآَتٍ بمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأَوَائِلُ
فقوله: "وإِنْ كُنْتُ الأَخير زَمَانُهُ" كلامٌ لم يدفع به إيهاماً، إلاَّ أنَّهُ زيادة أفادت التَّنْبيهَ على أنّ المتأخرين قَدْ يأتُونَ بما لم يأت به الْمُتَقدِّمون، وأنّ مقولَةَ: ما تركَ الأوّل للآخِرِ شيئاً مقُولَةٌ غَيْرُ صحيحة، فهذا القول "تتميم" أشار به إلى ردّ مقولة باطلة:
(٦) قول المتنبي في صباه يمدح محمّد بن عُبَيْدِ اللَّهِ العلَويّ:
لَهُ أَيَادٍ إليَّ سَابِقَةٌ ... أَعُدُّ مِنْهَا وَلاَ أُعَدِّدُهَا
أي: له أيادٍ محسناتٌ إليّ، أو سابقةٌ إلي أَعْدُّ بَعْضَها وَلا أستطيعُ أنَّ أُعَدِّدَهَا كُلَّها مُحْصِياً.
فعبارة "ولا أُعَدِّدُها" جاءت زائدة على المقصود من القول، ولم تدفع إيهاماً، لكنَّها زيادة مفيدة أشار بها إلى كثرة أيادي ممدوحة، فهو لكثرتها غير قادِرٍ على أنْ يعدّدها محصياً لها، فالعبارة إذن "تتميم" جميل.
(٧) قول الْحُصَيْن بْنِ الْحُمام:
فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَاب تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُر الدَّمَا
الشطر الثاني من هذا البيت زائد على المقصود من القول، ولم يدفع إيهاماً، فهو تتميم أكّدَ بِهِ الشاعر أنّه وقومه شجعان يواجهون المقاتلين بصدورهم، ولا يفرّون مُدْبرين، فإذا أصابتهم الكلوم "أي: الجروح" في الحرْب كانت من جهة وجوههم فتتساقط الدماء على أقدامهم، ولم تكن من جهة ظهورهم.
***
стр. 660
الطريق التاسعة: "الطرد والعكس".
الطرد والعكس: هو أن يُؤْتَى بكلامَيْنِ يُقَرِّرُ كُلُّ مِنْها بمنطُوقه مفهوم الثاني منهما.
فهو من الإِطناب ذي الفائدة، وفائدته تأكيد منطوق كلٍّ منهما لمفهوم الآخر.
أمثلة:
(١) قول الله في سورة (التحريم/ ٦٦ مصحف/ ١٠٧ نزول) :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [الآية: ٦] .
إنّ جملة: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ تفيدُ بمنطوقها نفي المعصية عنهم وتفيد بمفهومها إثبات الطاعة لهم.
وإنَّ جملة: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ تُفيدُ بمنطوقها إثبات الطاعة لهم، وَتفيد بمفهومها نفْيَ المعصية عنهم.
(٢) قول الله في سورة (النور/ ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول) :
﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة وَمِن بَعْدِ صلاة العشآء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طوافون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الآية: ٥٨] .
جاء في هذه الآية الأمْرُ بالاسْتئذان في ثلاثة أوقات، وهذا يفيد بمفهومه عدم وجوب الاستئذان في غيرها.
وجاء بعد ذلك رَفْعُ الجناح عن الطواف دون استئذان في غير الأوقات الثلاثة، وهذا يفيد بمفهومه وجوب الاستئذان فيها.
стр. 661
فكان كلٌّ من القولين مقرّراً بمنطوقه مفهوم الثاني منهما، وهو من التأكيد اللطيف.
***
الطريقة العاشرة: "الاستقصاء".
الاستقصاء: هو أن يتناول المتكلّم بيانَ معنىً، فيستقصيَهُ من كلّ جوانبه، آتياً بجميع عوارضه، ولوازمه، بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية، حتَّى لا يَتْرُكَ لمَنْ يتناولُهُ بعْدَهُ مقالاً إضافيّاً فيه.
ومن الأمثلة الرائعة للاستقصاء قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) للتحذير من إبطال أثَر الصّدقاتِ بالمنّ والأذى:
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات وَأَصَابَهُ الكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الآية: ٢٦٦] .
نلاحظ في هذه الآية اسْتِقْصَاءَ عجيباً.
إنّ الاقتصار على لفظ "جنَّة" كان كافياً، لكن لم يأت في الآية الاقتصار عليه، بل جاء في تفسير الجنة أنّها من نخيل وأعناب أشرف الأشجار عند العرب، فكشف الله بهذا البيان أنّ المصاب بإحْرَاق الجنة أشدّ وأعظم من كونها مجرّد جنة عاديّة.
وبعده زاد قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ فصوَّر بهذه الزيادة مبلغ عناية صاحبها بها.
وأضاف بعد ذلك وصفها بقوله: ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ فأتَى بكلّ ما يكونُ في الجنان، لإِظهار شدّة حزن صاحبها عليها إذا نزل به إعصار فأحرقها.
стр. 662
وقال بعد ذلك في وصف صاحبها: ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾ والإِنسان حينما تكبر سنّة يشتد حرصه على بستانه، وينقطع أَمَلُهُ مِن إِعَادَةِ تشجيره والعناية به.
وأتبع ذلك بقوله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ فأبان بهذا مبْلَغَ لَهْفَتِه، على جنته، من أجْلِ ذُرّيّتِهِ الضعفاء.
بعد هذا الاستقصاء في وصف الجنّة، ووصف حال صاحبها، ومبلغ تعلّقه بها وحرصه عليها، قال تعالى:
﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ﴾ والإِعصارُ أشدُّ الظواهر الكونية المهلكة للجنّات، ولم يقتصر على ذكر الإِعصار بل أضاف قولَهُ: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ وهو أعْنَفُ أنواع الأعاصير المهلكة.
وقدّم أخيراً فِقرةَ الختام التي أتمّ بها أحداث المأساة فقال تعالى: ﴿فاحترقت﴾ .
وكان هذا الختام آخر استقصاء صارت به الجنّة البديعة المثمرة رماداً.
كذلك حالُ من يُتْبِعُ صدَقته بالمنّ والأذى.
ما أروع هذا التمثيل وأتقَنَهُ، وأَكْثَرَه تَتبُّعاً واستقصاءً للجزئيات حتى لا مزيد عليها.
أقول: حسْبُ الاستقصاء هذا الشاهد القرآني، لأننا لا نكاد نجد في غير القرآن استقصاءً بديعاً إلاَّ في الْقِصَص المطوّلة.
***
الطريقة الحادية عشرة: "التعليل".
التعليل: زيادةٌ في الكلام عن أصل المعنى الذي يُقْصَدُ التعبير عنه لبيان علّته، أو سببه، أو الدليل على صحته أو نفعه وفائدته.
стр. 663
وفائدة التعليل الشاملِ لبيان العلّة أو السب أو الدليل:
(١) الإِقناع بصحة الكلام، أو بفائدة العمل بمقتضاه.
(٢) توليد الدافع الذاتي للعمل بمقتضاه.
(٣) زيادة تقرير مضمون الكلام بذكر علته، لأنّ النفوس أكثر استعداداً لتقبل الأخبار أو التكاليف المعلّلة المقرونة ببيان أسبابها وأدلتها، ممّا لو قُدّمت لها الأخبار أو التكاليف مجرّدة من ذلك.
فيكون تطويل الكلام بالتعليل وبيان الدليل إطناباً حسناً مفيداً، ذا أثرٍ في نفوس المتلقّين له.
وغالب ما جاء في القرآن من تعليل قد جاء بمثابة جواب سؤالٍ مقدّر ذهناً غير مذكور في اللّفظ.
أمثلة:
(١) قول الله في سورة (الأنفال/ ٨ مصحف/ ٨٨ نزول) :
﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الآية: ٤٥] .
إنّ عبَارَةَ: ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ هي بمعنى لِتُفْلِحُوا على سبيل الرّجاء.
لقد تَمَّ المطلوب بعبارة ﴿فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً﴾ لَكِنْ جاء التعليل بعدها لتوليد الدافع الذاتي للعمل بهذا المطلوب.
فزيادة التعليل قد كانت إطناباً نافعاً.
(٢) قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [الآية: ٩٠ - ٩١] .
стр. 664
في هذا النصّ اقْتَرن النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأَزْلاَمِ ببيان العلّة أو السبب أو الحكمة، لتوليد الدافع الذّاتي لاجتنابها.
فهي:
* رِجْسٌ من عَمَلِ الشيطان.
* واجْتِنَابُها سَبَبٌ يُرْجَى معه الفلاح.
* والشيطان يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناس في تعاطيهم الخمرَ والْمَيْسِر، ويُريد أنْ يَصُدَّهم بهما عن ذكر اللَّهِ وعن الصلاة.
هذه الأسباب كافية لأن تجعل ذا اللّب يُحَقِّقُ المطلوب اجتنابُه في النص.
فزيادة التعليل في النصّ قد كانت إطناباً نافعاً.
(٣) قول الله في سورة (التين/ ٩٥ مصحف/ ٢٨ نزول) خطاباً للمكذّب بالدّينونة والجزاء:
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين * أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [الآيات: ٧ - ٨] .
جاءت آية ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ دَلِيلاً على الدينونة والجزاء، لأنّ أحكم الحاكمين لا يُمْكِنُ عقلاً أن يُسَوِّيَ بين المسلمين والمجرمين.
(٤) قول الله في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول) :
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [الآية: ٦] .
أي: ومَنْ جَاهَدَ ابْتِغَاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فإنَّهُ إِنَّمَا يُجَاهِدُ ليُحَقِّقَ لنفسه عند الله ثواباً عظيماً، وهو بجهادِهِ لا يُضِيف إلى مُلْكِ اللَّهِ شيئاً.
هنا يَرِدُ سؤال مُقَدّر: ما السبب في قَصْرِ نفع جهاده على نفسه؟
فجاء الجواب التعليلي بعبارة: ﴿إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ ، أي: إنّ الله
стр. 665
قادرٌ على نُصْرة دينه دون مجاهد المجاهدين المؤمنين، لكن ابتلاءهم في الحياة الدنيا اقتضى تكليفهم بالجهاد لنصرة دينه، وتركَ الأمر للأسباب التي وضعها للناس.
***
الطريقة الثانية عشرة: "التفسير".
التفسير: أنْ يُؤْتَى بكلامٍ لاَحقٍ يُفَسَّرُ به كلامٌ سابق لإِزالة ما فيه من لَبْسٍ أو خفاءٍ.
ولمّا كان التفسير زيادة في الكلام مفيدة كان إطناباً حسناً كلَّما اقتضاه الحال، ومن التفسير أن يؤتى بالمرادف الأظهر بعد المرادف الأخفى.
أمثلة
(١) قول الله في سورة (المعارج/ ٧٠ مصحف/ ٧٩ نزول) :
﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ [الآيات: ١٩ - ٢١] .
جاءت الآيتان "٢٠ -٢١" من هذا النَّصّ مُفَسِّرَتَيْنِ لِمَعْنَى كلمة "هَلُوع" كما قال أبو العالية وغيره من قدماء أهل التفسير.
فالْهَلُوع: هو الذي إذا مسَّهُ الشَّرُّ كان جَزُوعاً، وإذا مَسَّهُ الْخَيْرُ كان منوعاً.
وهذا التفسير لم يضف إلى المعنى الذي دلّت عليه كلمة "هلوع" شيئاً، لكنَّه كان مفيداً إذْ شرح معنى كلمة هلوع، فهو إطناب حسن.
(٢) قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً لبني إسرائيل:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الآية: ٤٩] .
стр. 666
يَسُومُونَكُم: أي: يُحَمِّلُونَكُمْ وَيُكَلِّفُونَكُمْ.
سُوءَ العذاب: أي: أشَدَّ العذاب وأكثره مشقةً وظُلْماً.
نلاحظ في هذه الآية أنّ قَوْلَ الله تعالى فيها: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ قد جاء تفسيراً لبعض مضمون قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ فهو إطناب مفيد حَسَن.
ومعنى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ يبقون نساءكم على قيد الحياة للتسخير والخدمة.
(٣) قول الله في سورة (الممتحنة/ ٦٠ مصحف/ ٩١ نزول) :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق ... ﴾ [الآية: ١] .
إنّ عِبَارَةَ: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ بيانٌ لبعض عناصر اتخاذ أعداء الله وأعداء المؤمنين أولياء، فهو من التفسير الجزئيِّ للموالاَة، وهو يدلُّ على النظير قياساً، وعلى ما هو أشدّ منه من باب أولى.
فهذا التفسير من الإِطناب المفيد الحسن.
(٤) قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) :
﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين * الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا ... ﴾ [الآيات: ٥٠ - ٥١] .
إنّ عبارة: ﴿الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ بيانٌ لبعض عناصر الكُفْر وَأسْبَابِه، فَهُوَ من التفسير الجزئي لكلمة ﴿الْكَافِرِين﴾ .
فهذا التفسير من الإِطناب المفيد الْحَسَن.
стр. 667
(٥) قول الله في سورة (الصمد) :
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الآيات: ١ - ٣] .
قال "محمد بن كعب القرظي": ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ تفسيرٌ للصَّمد.
أقول: هو من التفسير الجزئيّ لا من التفسير المطابق.
***
الطريقة الثالثة عشرة: "وضع الاسم الظاهر موضع المضمر".
سبق في الفصل السادس "الخروج عن مقتضى الظاهر" من الباب الثاني "أحوال عناصر الجملة" جوانب مهمّة من وضع الاسم الظاهر موضع الضمير، وما يأتي في بحث "الإِطناب" هنا يُعْتَبرُ مكملاً لما جاء في بحث الخروج عن مقتضى الظاهر، وجاء التكرار لاختلاف الاعتبارات فالبحثان متكاملان.
أصل وضع الضمائر في اللّغة إنّما كان للاختصار، والتقليل من طول الكلام الذي يحصل بذكر الأسماء الظاهرة ابتداءً أو تكراراً.
فيحصل الاكتفاء بأن يكنَّى بالضمائر عن الأسماء الظاهرة، وبها يَقْصُر طول الكلام، وبهذا صار للضمائر في الكلام مواضع يعتبر استعمالها فيها هو الأصل.
ولكن قد تدعو دَوَاعي بلاغيّة لوضع الأسماء الظاهرة في مواضع استعمال الضمائر، وتَحَمُّلِ طُولِ الكلام بهذِه الأسماء الظاهرة، وبهذا دخل استعمال الاسم الظاهر موضع المضمر ضمن طرائق الإِطناب.
ونظر البلاغيّون في الدواعي البلاغيّة لهذا الاستعمال وفوائده فظهرت لهم الدواعي التالية المتضمّنة فوائده:
(١) إرادة زيادة التقرير والتمكين.
(٢) قصد التعظيم والإِجلال، أو قصد تعظيم الشيء وبيان ارتفاع منزلته.
стр. 668
(٣) قصد الإِهانة والتحقير.
(٤) إرادة إزالة اللّبس إذا كان استعمال الضمير يُفضي إليه.
(٥) تربية المهابة وإدْخال الرّوع على ضمير المتلقي بذكر الاسم الظاهر إذا كان ممّا يقتضي ذلك.
(٦) إرادة تقوية الدافع إلى تنفيذ الأمر وتحقيق الطاعة.
(٧) إرادة التلذّذ بذكر الاسم الظاهر، فالعشّاق يتلذّذون بذكر أسماء من يُحِبون، أو ما يحبّون.
(٨) إرادة التوصل إلى الوصف باستعمال الاسم الظاهر.
(٩) إرادة التنبيه على علة الحكم إذا كان الاسم الظاهر يدلُّ عليها أو يشير إليها.
(١٠) إرادة العموم إذا كان الاسم الظاهر يفيده، أو يُذْكَرُ ليُقْرَنَ بما يفيده.
(١١) إرادة الخصوص إذا كان الاسم الظاهر يفيده، أو يُذْكَرُ ليقرن بما يُفيدُه.
(١٢) قصد الإِشارة إلى استقلال الجملة، وعدمِ دخولها في حكم سابقتها إذا كان استعمالُ الضمير يفيدُه.
(١٣) إرادة مراعاة صورة جمالية في اللّفظ، أو محسّن من محسنات البديع كالجناس والتَّرصيع، إذا كان ذكر الاسم الظاهر يفيد ذلك.
إلى غير ذلك من دَوَاعي مقبولة لدى البلغاء الأذكياء.
أمثلة:
أوّلاً: في النصوص التالية وُضِعَ الاسم الظاهر موضع الضمير لزيادة التقدير والتمكين:
стр. 669
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] .
"الله" في الآية الثانية.
* ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ [الإِسراء: ١٠٥] .
"بالحقّ" الثانية.
* ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] .
"النّاس" الثانية.
* ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] .
"الكتاب" الثانية.
* ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ... ﴾ [آل عمران: ٧٨] .
"الله" الثانية.
***
ثانياً: في النصوص التالية وُضِعَ الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد التعظيم والإِجلال، وقَصْد تعظيم الشيء وبيان ارتفاع منزلته:
* ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
* ﴿أولائك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢] .
* ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإِسراء: ٧٨] .
* ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
وضع لفظ "ذلك" بدل الضمير.
* ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ... ﴾ [الإِنسان: ١] .
стр. 670
كان من الممكن أن يقال: إنّ خلقناه.
ثالثاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد الإِهانة والتحقير:
* ﴿أولائك حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] .
* ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [الإِسراء: ٥٣] .
* ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] .
رابعاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير، لإِرادة إزالة اللَّبْسِ إذ استعمال الضمير يفضي إليه:
* ﴿الظآنين بالله ظَنَّ السوء عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ [الفتح: ٦] .
فلو قال: عليهم دائرته لأوهم أنّ الضمير عائد على الله .
* ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
فلو قال: ثم استخرجها من وعائه لأوهم أنَّ أخاه استخرجها من وعاء نفسه.
***
خامساً: في النّصوص التالية وُضع الاسم الظاهر موضع الضمير لإرادة تربية المهابة وإدخال الرّوع على ضمير المتلقّي:
* ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠] .
* ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] .
* ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٨٩ - ٩٩] .
***
следующие страницы →