← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يَسُومُونَكُم: أي: يُحَمِّلُونَكُمْ وَيُكَلِّفُونَكُمْ. سُوءَ العذاب: أي: أشَدَّ العذاب وأكثره مشقةً وظُلْماً. نلاحظ في هذه الآية أنّ قَوْلَ الله تعالى فيها: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ قد جاء تفسيراً لبعض مضمون قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ فهو إطناب مفيد حَسَن. ومعنى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ يبقون نساءكم على قيد الحياة للتسخير والخدمة. (٣) قول الله في سورة (الممتحنة/ ٦٠ مصحف/ ٩١ نزول) : ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق ... ﴾ [الآية: ١] . إنّ عِبَارَةَ: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ بيانٌ لبعض عناصر اتخاذ أعداء الله وأعداء المؤمنين أولياء، فهو من التفسير الجزئيِّ للموالاَة، وهو يدلُّ على النظير قياساً، وعلى ما هو أشدّ منه من باب أولى. فهذا التفسير من الإِطناب المفيد الحسن. (٤) قول الله في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) : ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين * الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا ... ﴾ [الآيات: ٥٠ - ٥١] . إنّ عبارة: ﴿الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ بيانٌ لبعض عناصر الكُفْر وَأسْبَابِه، فَهُوَ من التفسير الجزئي لكلمة ﴿الْكَافِرِين﴾ . فهذا التفسير من الإِطناب المفيد الْحَسَن.

стр. 667

(٥) قول الله في سورة (الصمد) : ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الآيات: ١ - ٣] . قال "محمد بن كعب القرظي": ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ تفسيرٌ للصَّمد. أقول: هو من التفسير الجزئيّ لا من التفسير المطابق. *** الطريقة الثالثة عشرة: "وضع الاسم الظاهر موضع المضمر". سبق في الفصل السادس "الخروج عن مقتضى الظاهر" من الباب الثاني "أحوال عناصر الجملة" جوانب مهمّة من وضع الاسم الظاهر موضع الضمير، وما يأتي في بحث "الإِطناب" هنا يُعْتَبرُ مكملاً لما جاء في بحث الخروج عن مقتضى الظاهر، وجاء التكرار لاختلاف الاعتبارات فالبحثان متكاملان. أصل وضع الضمائر في اللّغة إنّما كان للاختصار، والتقليل من طول الكلام الذي يحصل بذكر الأسماء الظاهرة ابتداءً أو تكراراً. فيحصل الاكتفاء بأن يكنَّى بالضمائر عن الأسماء الظاهرة، وبها يَقْصُر طول الكلام، وبهذا صار للضمائر في الكلام مواضع يعتبر استعمالها فيها هو الأصل. ولكن قد تدعو دَوَاعي بلاغيّة لوضع الأسماء الظاهرة في مواضع استعمال الضمائر، وتَحَمُّلِ طُولِ الكلام بهذِه الأسماء الظاهرة، وبهذا دخل استعمال الاسم الظاهر موضع المضمر ضمن طرائق الإِطناب. ونظر البلاغيّون في الدواعي البلاغيّة لهذا الاستعمال وفوائده فظهرت لهم الدواعي التالية المتضمّنة فوائده: (١) إرادة زيادة التقرير والتمكين. (٢) قصد التعظيم والإِجلال، أو قصد تعظيم الشيء وبيان ارتفاع منزلته.

стр. 668

(٣) قصد الإِهانة والتحقير. (٤) إرادة إزالة اللّبس إذا كان استعمال الضمير يُفضي إليه. (٥) تربية المهابة وإدْخال الرّوع على ضمير المتلقي بذكر الاسم الظاهر إذا كان ممّا يقتضي ذلك. (٦) إرادة تقوية الدافع إلى تنفيذ الأمر وتحقيق الطاعة. (٧) إرادة التلذّذ بذكر الاسم الظاهر، فالعشّاق يتلذّذون بذكر أسماء من يُحِبون، أو ما يحبّون. (٨) إرادة التوصل إلى الوصف باستعمال الاسم الظاهر. (٩) إرادة التنبيه على علة الحكم إذا كان الاسم الظاهر يدلُّ عليها أو يشير إليها. (١٠) إرادة العموم إذا كان الاسم الظاهر يفيده، أو يُذْكَرُ ليُقْرَنَ بما يفيده. (١١) إرادة الخصوص إذا كان الاسم الظاهر يفيده، أو يُذْكَرُ ليقرن بما يُفيدُه. (١٢) قصد الإِشارة إلى استقلال الجملة، وعدمِ دخولها في حكم سابقتها إذا كان استعمالُ الضمير يفيدُه. (١٣) إرادة مراعاة صورة جمالية في اللّفظ، أو محسّن من محسنات البديع كالجناس والتَّرصيع، إذا كان ذكر الاسم الظاهر يفيد ذلك. إلى غير ذلك من دَوَاعي مقبولة لدى البلغاء الأذكياء. أمثلة: أوّلاً: في النصوص التالية وُضِعَ الاسم الظاهر موضع الضمير لزيادة التقدير والتمكين:

стр. 669

﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] . "الله" في الآية الثانية. * ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ [الإِسراء: ١٠٥] . "بالحقّ" الثانية. * ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١] . "النّاس" الثانية. * ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] . "الكتاب" الثانية. * ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ... ﴾ [آل عمران: ٧٨] . "الله" الثانية. *** ثانياً: في النصوص التالية وُضِعَ الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد التعظيم والإِجلال، وقَصْد تعظيم الشيء وبيان ارتفاع منزلته: * ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . * ﴿أولائك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢] . * ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإِسراء: ٧٨] . * ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . وضع لفظ "ذلك" بدل الضمير. * ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ... ﴾ [الإِنسان: ١] .

стр. 670

كان من الممكن أن يقال: إنّ خلقناه. ثالثاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد الإِهانة والتحقير: * ﴿أولائك حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] . * ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [الإِسراء: ٥٣] . * ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] . رابعاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير، لإِرادة إزالة اللَّبْسِ إذ استعمال الضمير يفضي إليه: * ﴿الظآنين بالله ظَنَّ السوء عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ [الفتح: ٦] . فلو قال: عليهم دائرته لأوهم أنّ الضمير عائد على الله . * ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] . فلو قال: ثم استخرجها من وعائه لأوهم أنَّ أخاه استخرجها من وعاء نفسه. *** خامساً: في النّصوص التالية وُضع الاسم الظاهر موضع الضمير لإرادة تربية المهابة وإدخال الرّوع على ضمير المتلقّي: * ﴿ثُمَّ الله يُنشِىءُ النشأة الآخرة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠] . * ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] . * ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ * إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٨٩ - ٩٩] . ***

стр. 671

سادساً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير لإرادة تقوية الدافع إلى تنفيذ الأمر وتحقيق الطاعة: * ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ [آل عمران: ١٥٩] . * ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] . * ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ [آل عمران: ١٩] . *** سابعاً: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير للتلذّذ بذكر الاسم قول عاشق ليلى: بِاللَّهِ يَا ظَبَيَاتِ الْقَاعِ قُلْنَ لَنَا ... لَيْلاَيَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ الْبَشَرِ وهذا الغرض هو الذي جعل أبا نواس يقول في خمريّاته: أَلاَ فَاسْقِنِي خَمْراً وَقُلْ لِي: هِيَ الْخَمْرُ ... وَلاَ تَسْقِنِي سِرّاً إِذَا أَمْكَنَ الْجَهْرُ ثامناً: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير بغية التوصّل إلى وصفه ما جاء في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) خطاباً من الله لرسوله: ﴿قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض لا إلاه إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الآية: ١٥٨] . إذا اعتبرنا أنَّ عِبَارةَ: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي ... ﴾ من جملة ما أُمَرَ اللَّهُ به رسوله أن يقوله للناس، فقد كان الأصل أن يقول: فآمِنُوا باللَّهِ وَبي ... لكنّ قصد التوصّل إلى وصف الرسول حسَّنَ وضع الاسم الظاهر موضع الضمير. ويحتمل أن يكون الكلام قد انتهى عند لفظه: ﴿يُمِيت﴾ وأنْ يكونَ الكلام

стр. 672

بَدْءاً من: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ... ﴾ خطاباً مباشراً من اللَّهِ للناس، وهذا هو الأرجح فيما أرى. *** تاسعاً: في النصوص التالية وُضِع الاسم الظاهر موضع الضمير للتنبيه على علة الحكم: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] . لم يأت النصّ: فأنزل عليهم، إنما جاء: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ للتَّنْبِيه على أنّ الحكم عليهم بإنْزَالِ الرّجز "= العذاب" كان بسبب ظُلْمِهِمْ الذي ظهرت آثاره بأعمال الفسق الذي كانوا يفسقونه. * ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١] . كان الأصل أن تأتي العبارة بالضمير: إنَّهُمْ لاَ يُفْلِحُون، لكنْ جاء الاسم الظاهر ﴿الظالمون﴾ للتنبيه على أن فَلاحهم إنما هو بسبب ظلمهم. *** عاشراً: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لإِرادة العموم أو إرادة الخصوص ما يلي: * ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ [يوسف: ٥٣] ، لم يقل: "إنَّها لأمّارَةٌ بالسُّوء" لأنّه أراد تعميم هذه الصفة على كلّ النُفُوس. * ﴿أولائك هُمُ الكافرون حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ [النساء: ١٥١] ، لم يقل: "واعتدنا لهم" لأنه أراد تعميم استحقاق هذا العذاب على كلّ الكافرين.

стр. 673

* ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لم يقل: "إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لَكَ" كما في مقتضى السّياق لئلاّ يُتوهَّمَ قياسُ غيره عليه، فجاء الاسم الظاهر "للنّبِيّ" للتنبيه على أنَّ الحكم خاصٌّ بالنبيّ لكونه نَبِيّاً. *** أحد عشر: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لقصد الإِشارة إلى استقلال الجملة مُعْظَمُ خواتم الآياتِ التي تنتهي بنحو: ﴿إنّ اللَّهَ خَبِيرٌ بما تَعْمَلوُن - إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - إنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقينَ - وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وَبهده الاستقلاليّة تكون الجملة بمثابة قضيّة كليّة لها صفة العموم. *** اثنا عشر: ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير لمراعاة صُوَر جماليّة في اللّفظ أو مُحَسِّنٍ من مُحَسِّنَاتِ البديع، قول الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس * مَلِكِ الناس * إلاه الناس * مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾ [الناس: ١ - ٤] . ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٥ - ٦] . ملاحظات: قالوا: (١) إعادة الاسم الظاهر بمعناه أحْسَنُ من إعادته بلفظه. أقول: ليس هذا عامّاً، بل ربّما كانت إعادة بلفظه هي الأحْسَن، كما وجدنا هذا في كثير من نصوص التنزيل. (٢) إعادة الظاهر في جملة أُخْرى أحْسَنُ منه في الجملة الواحدة.

стр. 674

(٣) إعادة الظاهر بعد طول الفاصل أحسَنُ من الإِضمار، لئلا يشتغل الذهن بالبحث عمّا يعود عليه الضمير. *** الطريقة الرابعَةَ عشْرة: "التأكيد". الأصل في الكلام لتأدية المعنى المراد أنْ لا تزيد كلماتهُ عمَّا يُؤَدّي أصل المعنى، فإذا زادت عمّا يؤدّي أصل المعنى المقصود بالبيان لغرض يُقْصَدُ لدى البلغاء كان ذلك إطناباً مفيداً، كلّما دعت الحاجة إليه، كأن تكون الزيادة معه يقتضيها حال المتلقّي للكلام، أو حال المعبّر عما في نفسه، كعاشق، أو فرِحٍ أو حزين. ومن الزيادات في الكلام عن أصل المعنى المقصود بالبيان إضافةُ المؤكّداتِ إليه مراعاةً لحال من يُوَجِّه له. وقد سبق في الفصل الثالث من الباب الأول "مدخل إلى علم المعاني" بيان التأكيد وعدمه في الجملة الخبرية، وبيان مؤكّدات الإِسناد الخبري. ونبحث هنا التأكيد من جهة كون الألفاظ الدالة عليه زوائد تجعل الكلام الذي أضيفت إليه يندرج في قسم الإِطناب. والتأكيد هنا يشْمَلُ تأكيد المفرد، وتأكيد الجملتين الخبريّة والإِنشائية. وأُبيّنُ هنا أنّ من يُوجَّهُ له الكلام، إذا كانت حاله لا تقتضي تأكيداً، كانت إضافة المؤكّدات إلى الكلام الموجّه له إسهاباً وتطويلاً لا داعِيَ له، وكان الكلام الموجّه له غير بليغ، إذ الكلام البليغ هو المطابق لمقتضى الحال. ومن المستحسن هنا أن أُوجز عرْضَ المؤكّدات، والدواعِيَ البلاغيّة للتأكيد وأحيل مع هذا على ما سبق في الباب الأوّل من الكتاب.

стр. 675

إجمال المؤكّدات: نظر البلاغيّون في المؤكّدات عند علماء العربيّة فقسّموها إلى الأقسام السّتَّة التالية: القسم الأول: الزوائد من الحروف والكلمات التي يؤتَى بها للتوكيد. (١) منها "أحرف الصلة" وهي حروف تُزاد للتأكيد، وهي: "إِنْ - أَنْ - مَا - مِنْ - الباء" مثل: "مَا إنْ فعلْتُ مَا تكره - لمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِير - أكْرَمْتُكَ مِنْ غَيْرِ مَا مَعْرِفَة - مَا جَاءَنَا مِنْ أَحَدٍ - مَا أَنَا بمُهمِلٍ - أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ". قالوا: وتُزَاد "مِنْ" في النفي خاصَّة، لتأكيده وتعميمه، مثل: ﴿مَا جَاءَنَا من بَشِيرٍ ولاَ نَذِير﴾ . [المائدة: ١٩] ونظير النفي الاستفهام، مثل: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غير الله﴾ [فاطر: ٣]- ﴿وتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ [ق: ٣٠] . وتزاد الباء لتأكيد النفي، وتزاد أيضاً لتأكيد الإِيجاب، مثل: * ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] : أي: أليس اللَّهُ كافياً عبْدَهُ. * قول الرسول ﷺ : "بِحَسْبِ أصْحَابي الْقَتْل" أي: يكفيهم. * ﴿وَكَفَى باللَّهِ نصيراً﴾ [النساء: ٤٥] أي: وكَفى اللَّهُ نَصِيراً. وتُزاد "مَا" بعد "إذا" مثل: ﴿وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤] أي: وإِذَا أنزلت سورة ... وتزادُ كَافَةً عَنْ عمل الرفع، وهي المتصلة بـ "قَلَّ" و"طَالَ" و"كَثُر" فتقولُ: قلَّمَا، وَطَالَ ما، وكثُر مَا، وتفيد التأكيد، وما هنا كفّت الفعل عن طلب الفاعل. وتُزَادُ كَافّةً عن عمل النصب والرفع، وهي المتصلة بـ "إِنَّ" وأخواتها "إنّما - أنَّما - ليتما ... ". وتزاد كافةً عن عمل الجرّ، وهي التي تتصل بأحرف جرّ، أو بظروف، فالأحرف التي تتصل بها هي: "رُبّ - الكاف - الباء - مِنْ"

стр. 676

فيقال: "رُبّما - كَمَا - بِمَا - مِمّا" وتتصل بظرفين: هما: "بعد - بين" فيقال: "بَعْدَما - بينما". وقد تُزاد بين المضاف والمضاف إليه، مثل: "من غيرِ ما مَعْرِفَة". وأكثر ما تزاد "إِنْ" بعد "ما" النافية، مثل: "مَا إِنْ فَعَلْتُ هذا" وقد تُزَادُ بَعْدَ "مَا" الموصولة الاسمية، وبعد "ما" التي بمعنى حين، مثل قول جابر بنِ رَأْلاَن: وَرَجِّ الْفَتَى لِلْخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ ... عَلَى السِّنِّ خَيْراً لاَ يَزَالُ يَزِيدُ وقد تُزادُ بعد "ألاَ" الاستفتاحيّة. وَتُزَادُ "أَنْ" بعد "لمَّا" الحينيّة، مثل: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البشير﴾ [يوسف: ٩٦] . وقد تزاد بين الكاف الجارّة ومجرورها، مثل قول كَعْب بن أرقم اليشكري: ويَوْماً تُوافِينَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ ... كَأنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السَّلَم وقد تزاد بين فعل الْقَسَمِ وحرف "لو" مثل: أُقْسِمُ أَنْ لَوْ جَاءنَي البشير لأُكَافِئنَّه. وَتُزَادُ "مِنْ" فتُفِيد التوكيد، أو التنصيص على العموم، أو تأكيد التنصيص على العموم، ولا تكون زائدة إلاَّ بثلاثة شروط: الأوّل: أن يسبقَها نفيٌ، أو نَهْيٌ، أو استفهامٌ بحرف "هل". الثاني: أن يكون مجرورها نكرة. الثالث: أن يكون مجرورها إمَّا فاعلاً، مثل ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ [الأنبياء: ٢] . وإمّا مفعولاً، مثل: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] . وَإمّا مُبْتدأً، مثل: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ [فاطر: ٣] . (٢) وقد يُزادُ للتأكيد فعل "كان" وفعل "أصبح" قالوا: ومن زيادة فعل "كان" ما جاء في قول الله : ﴿قَالُوا: كَيْفَ نُكلِّمُ مَنْ كانَ في الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩]

стр. 677

أي: كيف تكلّم صبيّاً في المهد، فجاء تأكيد هذا الوصف بِزيادة فعل "كان". (٣) وقد يزاد للتأكيد لفظ "أَمَا" بمعنى "حقّاً" مثل: "أَمَا إِنَّه رَجُلٌ عاقل". (٤) ويزادُ للتأكيد حرفا الاستقبال، وهما: "السين - وسوف" إذْ هما لتأكيد معنى الاستقبال في الفعل المضارع. (٥) ومن المؤكّدات الأحرف المشبّهة بالفعل: "إِنَّ - أَنَّ - كَأَنَّ - لَكِنَّ - لَيْتَ - لَعَلَّ". * فحرفا "إِنَّ - وأَنَّ" لتأكيد الجملة الخبريّة. * وحرف "كَأَنَّ" للتشبيه مع التأكيد. * وحرف "لَكِنَّ" للاستدراك مع التأكيد. * وحرف "لَيْتَ" للتّمَنِّي مع التأكيد. * وحرف "لَعَلَّ" للترجّي مع التأكيد. (٦) ومن المؤكدات: "لام الابتداء" وهي اللام التي تفيد توكيد مضمون الجملة، وتخليص المضارع للحال، وتدخل على صدر الجملة الاسميّة، والفعل المضارع، والفعل الذي لا يتصرّف. ومن لام الابتداء اللاّم المزحلقة عن صدر الجملة الاسميّة فتدخل على خبر "إنّ" أو معمول خبرها، أو على اسم "إنّ" إذا كان متأخّراً عن الخبر، وعلى ضمير الفصل. وتأتي اللام زائدة للتوكيد كقول رؤبة بن العجاج: أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ... تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ (٧) ومن المؤكّدات "ضمير الشأن" و"ضمير الفصل".

стр. 678

(٨) ومن المؤكّدات حرف "قد" و"أمَّا" الشرطية للدلالة على الشرط مع التأكيد. (٩) ومن المؤكّدات "نونا التأكيد الثقيلة والخفيفة". (١٠) ومن المؤكّدات "لَنْ" لتأكيد النفي في المستقبل و"لَمَّا" لتأكيد النفي في الماضي. (١١) قالوا: وفي "ألا" و"أما" الاستفتاحيتان معنى التأكيد. وفي "هاء" التنبيهِ التنبيهُ مع التأكيد، وقد تأتي "يا" للتنبيه مع التأكيد، وصورتها صورة "يا" التي ينادى بها. (١٢) وما يُقْسَمُ به من حروف أو أفعال أو أسماء هي مؤكدات تضاف في الكلام للتأكيد، وكذلك اللام الواقعة في جواب القسم. (١٣) ومن المؤكدات "لا" النافية للجنس. القسم الثاني: "التوكيد اللفظي": ويكون بإعادة المؤكَّدِ بلفظه أو بمرادفه، سواءٌ أكان اسماً ظاهراً، أمْ ضميراً، أم فعلاً، أم حرفاً، أم جملةً. وفائدة التوكيد اللّفظي تقرير المؤكَّد لَدَى من يُوجَّه له الكلام، وتمكينه في نفسه، وإزالةُ ما لديه من شُبَهٍ حوله، مثل: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ومن التأكيد بالمرادف قول الله : ﴿أمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧] . القسم الثالث: "التوكيد المعنوي": ويكون بذكر ألفاظ "النفس - أو العين - أو كُلّ - أو جميع - أو عامّة - أو كِلاَ - أو كلتا".

стр. 679

ويشترط للتأكيد بها أن تضاف إلى ضمير يناسب المؤكَّدَ، مثل: "جاء خالد نفسه - حضر رئيسا البلدين أنفسهما - اجتمعت الضَّرَّتَان كلتاهما - فسجَدَ الملائكة كُلُّهُم أَجْمَعُون". ويقوَّى التوكيد المعنوي بالكلمات المؤكّدة التالية: (١) "أجمع" يؤتَى بها بعد كلمة "كلّه" مثل: "جاء القطيع كلُّه أجمع". (٢) "جَمْعَاء" يؤتَى بها بعد كلمة "كلّها" مثل: "حضرت القبيلة كلُّها جمعاء". (٣) "أجمعون" يؤتى بها بعد كلمة "كلّهم" مثل: "جاهد القوم كلُّهم أَجْمَعُون". (٤) "جُمَع" يؤتى بها بعد كلمة "كلُّهُن" مثل: "نجح طالبات المدرسة كُلُّهُنَّ جُمَع". وقد يؤكد بهذه الكلمات دون أن يتقدَّمَهُنَّ لفظ "كُلّ". القسم الرابع: "تأكيد الفعل بمصدره". ويكون بما يُسَمَّى "المفعول المطلق" وهو عوضٌ عن تكرار الفعل مرتين. وفائدته رفع توهم المجاز في الفعل، ومنه قول الله : ﴿وَكلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤] أي تكليماً حقيقيّاً، لا تكليماً مجازيّاً. القسم الخامس: "الحال المؤكّدة". وهي الحال التي يُسْتفاد معناها بدونها، وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: الحال المؤكّدة لعاملها، وتكون: (١) من لفظ العامل، مثل: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء: ٧٩] .

стр. 680

(٢) أو من معنى العامل، مثل: "مشَى الرَّجُل سَيْراً". النوع الثاني: الحال المؤكّدة لصاحبها، مثل قول الله : ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٩٩] . النوع الثالث: الحال المؤكّدة لمضمون جملة، مثل ما جاء في قول الله تعالى: ﴿هاذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً﴾ . [الأعراف: ٧٣] . والعامل في هذه الحال المؤكدة لمضمون جملة محذوفٌ مقدّر ذهناً بما يلائم الكلام في الجملة. القسم السادس: صيغ المبالغة التي يؤتى بها للتأكيد، مثل: "غَفّار - شكور - رحيم - جبّار - قهّار" إلى غير ذلك من صيغ المبالغة القياسية والسماعية. *** دواعي التأكيد: للتأكيد دواعي كثيرة، منها ما يلي: (١) حالة الإِنكار لدى من يُوجّه له الكلام، وتزداد المؤكِّدات بحسب قُوَّة الإِنكار. (٢) حالة الشّكّ والتردّد لدى من يُوجّه له الكلام، وتزداد المؤكدات بحسب قوة الشك والتردّد. (٣) تنزيل غير المنكر وغير الشاك منزلة أحدهما، إذا ظهرت عليه علامات الإِنكار أو الشك، أو لم يعمل بمقتضى علمه بحسب ما لديه من ذلك. (٤) دفع توهم المجاز.

стр. 681

(٥) تقرير الكلام وتمكينه وتثبيته، مراعاة لمضمون الكلام الذي تتطلب طبيعته تقريراً وتمكيناً، أو مراعاة لحال من يوجّه له الكلام. إلى غير ذلك من دواعي بلاغية، كالترغيب، والترهيب، والإِطماع. وقد يترك التأكيد مع إنكار من يوجّه له الكلام لداعٍ بلاغيّ آخر أقوى، كأن يكون الكلام مقترناً بأدلّة قوية ظاهرة لو تأمّلها لرجع عن إنكاره. أمثلة: المثال الأول: في سورة (يس/ ٣٦ مصحف/ ٤١ نزول) ضرب الله مثلاً قصة أصحاب القرية التي جاءها المرسلون (ذكروا أنها أنطاكية) قال الله : ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فقالوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣ - ١٤] . دَلَّ هذَا عَلَى أنَّ الْمُرْسَلَيْنِ الاثنْين قالاَ لأصْحَاب القرية: نَحْنُ رسُولاَنِ إليكم، فكذّبُوهما. فأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مُرْسَلاً ثَالِثاً، قال الله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فقالوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ هنا نلاحظ أنّ إنكارَهُمْ ناسَبَهُ أَنْ يُؤَكَّدَ لَهُمُ الكلام، فاقترنت عبارتهم: ﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ بمؤكِّدَين: الجملة الاسمية، وحرف "إنَّ" وقد نلاحظ في تقديم المعمول ﴿إليكم﴾ مع التخصيص أو الاهتمام معنى التأكيد. فكان موقف أصحاب القرية ما أبانه الله بقوله: ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمان مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] .

стр. 682

فاقتضى هذا الإِصرار على الإِنكار والتكذيب، أن يزيد الرُّسُل بيانَهُمْ تأكيداً، قال الله : ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [يس: ١٦ - ١٧] . فأضَافُوا إلى المؤكّدات السابقات تَأْكيداً بالْقَسَمِ: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ وباللاّم المزحلقة، الّتي هي لام الابتداء، زُحْلِقَتْ إلى خبرَ "إنّ" فهي الداخلة على "مُرْسَلُون". فتكاثرتْ نِسْبَةُ المؤكّدات بحسب الإِمعان في التكذيب والإِنكار. المثال الثاني: في عرض لقطات من قصة نوح ﵇ وقومه في سورة (المؤمنون/ ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول) أبان الله أنّ نوحاً سأل ربَّه أن ينْصُرَهُ فقال: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فأوحى الله إليه أن يصْنَعَ الفلْكَ، حتَّى إذا أتَّمَهَا وَجَاءَ أَمْرُ اللَّهِ فَإنّ عليه أولاً: أنْ يَسْلُكَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَجَميعَ أَهْلِهِ باسْتِثْنَاءِ مَنْ سَبَقَ عَلَيْه قَوْلُ اللَّهِ بأنَّهُ من المهلكين بسبب كفره، وإنّ عليه ثانياً أنْ لا يسأَلَ رَبَّهُ في رفْعِ عَذَاب الْهَلاَكِ عَنْ قَوْمِهِ. ولمّا كان قَلْبُ نوح الحليم الرحيم من طبيعته أن يتحرّكَ بعاطفة نَحْو قومه، فلَرُبّما سألَ رَبَّهُ أن يرفع العذاب عنهم أو يؤخره، كانت حالته تستدعي تأكيد القضاء الرّبّانيّ بإغراقهم، حتَّى لاَ يكون لدى نوح أمَلٌ بخلاف ذلك، فقال الله تعالى له: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فأكَّدَ له قرار إغراقهم بحرف التأكيد "إنَّ" مراعاةً لحالته القلبيَّة الحليمة الرّحيمة.

стр. 683

المثال الثالث: * وفي إطماع الله عبادَه أكَّدَ لهم أنّه تَوَّابٌ رَحِيمٌ، فقال تعالى في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فأكَّدَ بِصِيغَتَيْنِ مِنْ صيغ المبالغة وبالجملة الاسميّة. * وفي معرض بيان توبة اللَّهِ على آدم ﵇، وإطماعاً لكلّ التائبين من بعده قال الله في سورة (البقرة) أيضاً: ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ فأكَّدَ بالمؤكدات التالية: "إِنَّ - والجملة الاسميّة - وضمير الفصل - وصيغتي المبالغة". *** الطريقة الخامسة عشرة: "زيادة بعض التوابع في الكلام". قد تزادُ بعض التوابع في الكلام دون أن يكون وجودها مؤدّياً شيئاً من المعاني الأصليّة المقصودة بالبيان، لكنَّ زيادتها في الكلام مفيدة فائدة تُقْصَدُ لدى البلغاء، فتكون هذه الزيادة من الإِطناب البليغ، إذا دعت الحاجةُ إليها. أمّا إذا كان المعنى المقصود بالبيان لا يتحقّق إلاَّ بذكرها في الكلام، فإنّ ذكرها لا يكون زيادةً أصلاً، ولا يكون به الكلام داخلاً تحت عنوان الإِطناب. وظاهر أَنَّ الزيادة إذا لم تكن ذات فائدةٍ تُقْصَدُ لدى البلغاء كانت إسهاباً وَتطويلاً غير بليغ. وهذه التوابع: هي "الصفة - البدل - عطف البيان - عطف النسق". ويلاحظ في الدواعي البلاغية لزيادة التوابع في الكلام ما يلي:

стр. 684

الداعي الأول: التأكيد. الداعي الثاني: التوضيح ودفع الاشتباه. الداعي الثالث: المدح، أو الذَّم. الداعي الرابع: التفجّع. الداعي الخامس: إرادة التعريض بغير المذكور. إلى غير ذلك مما يزيد على المعاني الأصليّة المقصودة بالبيان. فالزيادة بذكر بعض التوابع لتحقيق غرضٍ بلاغي هي من الإِطناب المفيد البليغ. أمثلة: (١) قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١٢ نزول) : ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ... ﴾ [الآية: ٤٤] . جاء في هذه الآية وصْفُ النبيين بعبارة ﴿الذين أَسْلَمُواْ﴾ وهذا الوصف من الأوصَاف التي تضمَّنَهَا كوْنُهُمْ نَبِيّين، فَهُو زيادة، لكنّها زيادة مفيدة، وفائدتُها إظهارُ شَرَفِ التطبيق الإِسلاميّ وعظمِ مكانته عند الله، والتَّعْريضُ باليهود المخالفين لما كان عليه أنبياؤُهم، وبيان أنّ النّبيّ لا يُعْفَى من التطبيقات الإسلامية. (٢) عبارة "أَعَوذُ باللَّهِ من الشَّيْطَانِ الرجيم" جاء فيها وصف الشيطان بأنه رجيم، مع أنّ ذكر كلمة الشيطان تدلُّ على أنّه مطرودٌ من رحمة الله، ومرجوم بكلّ مذمّة، لكنّ ذكر كلمة رجيم ذو فائدة، وفائدتُه تكرير التذكير بطرد اللَّهِ له، للتّنفير من تسويلاته ووساوسه، وشَحْنِ النفس بمعاداته، وعَدَمِ اتّباع خُطُواته. (٣) قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) :

стр. 685

﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلاهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إلاه وَاحِدٌ فَإيَّايَ فارهبون﴾ [الآية: ٥١] . جاء وصف لفظ: ﴿إلاهين﴾ بكلمة ﴿اثنين﴾ مع أنّ التثنِيَة تَدُلُّ على هذا الوصف، فما الفائدة من هذه الزيادة لتكون إطناباً بليغاً؟ أقول: إنّ كلمة ﴿إلهين﴾ قد تُوهِمُ أنّ صنفان أو نوعان من الآلهة، كإلهَيْن مخلوقين، أو حادثين، أو قديمَيْن أو نحو ذلك، فجاء الوصف بكلمة ﴿اثْنَين﴾ لإِفادة النَّهْي عَنْ مُجرّد جعل المعبود اثنين بأيّةِ صورة من الصُّور، وجاءت عبارة ﴿إِنَّمَا هُوَ إلاه وَاحِدٌ﴾ للدّلالة على بطلان تعدّد الآلهة اثنين فصاعداً. (٤) قول الله في سورة (الحاقة/ ٦٩ مصحف/ ٧٨ نزول) : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الآيات: ١٣ - ١٥] . جاء في هذا النصّ وصف النفحة بأنها واحدة، ووصف الدكَّةِ بأنّها واحدة، وقد يقول قائل: أليست كلمة "نفخة" وكلمة "دكَّة" تدلُّ على كونها واحدة. والجواب: أنّ كلمة "نفخة" وكذلك "دكَّة" ونظائرهما استعمال قد يُراد به الجنس، وهو يَصْدُقُ بالواحد من الجنس فأكثر، ودفعاً لهذا الاحتمال الذي قد يدلُّ عليه مثل هذا الاستعمال جاء الوصف مُحَدِّداً بأنَّ النفخة واحدةٌ عدداً، وبأنّ الدَّكَّةَ واحدةٌ عدداً، فهذه الزيادة من الإِطناب البليغ. (٥) قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) : ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الآية: ٣٨] . جاء في هذه الآية وَصْفُ كلمة [طَائِرٍ] بعبارة: [يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ] وقد يقول قائل ما فائدة هذا الوصف مع أنَّ من المعروف أنَّ الطائر يَطيرُ بجناحيه؟

стр. 686

والجواب: أنّ كلمة: "طَائر" عامّةٌ في كُلِّ ما يرتَفعُ إلى الأعلى، وقد يُطْلَق مجازاً على الذي يسير بسرعة على الأرض، وقد أطلق هذا اللفظ في القرآن مراداً به العمل الذي يطير عن الذي عمله بمجرّد فعله له، وهذا في قول الله تعالى في سورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الآيات: ١٣ - ١٤] . فدفعاً لتوهُّم إرادة كلِّ ما يمكن إطلاق لفظ "طَائِر" عَلَيهِ حقيقة أو مجازاً، وللنصّ على أنّ المراد الحيوان الذي يطير بجناحيه، جاء في الآية الوصف بأنّه يطير بجناحيه، فهو من الإِطناب البليغ. (٦) قول الله في سورة (الفاتحة) : ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين﴾ [الآيات: ٦ - ٧] . إنّ عبارة ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدَلٌ من عبارة ﴿الصراط المستقيم﴾ وهذا البدل هو من الإِطناب البليغ، إذْ لا يتوقَّفُ عليه أصل المعنى، لكنَّهُ ذو فائدة جليلة، وهي بيان أنَّ الصراط المستقيم هو صراط كلّ الذين أنعم الله عليهم في كُلّ الأُمَم سواءٌ أكانُوا رُسُلاً أم غير رُسُل. (٧) قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢) : ﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ ... ﴾ [الآية: ٩٧] . إنّ عبارة ﴿البيت الحرام﴾ هي عطف بيان، وقد زيد في الكلام للمدح وبيان حرمة الكعبة، فهو إطنابٌ مفيد.

стр. 687

ملاحظة: ذكروا من الأمثلة ما جاء في قول الله في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولاكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] . قالوا: إنّ وصف ﴿القلوب﴾ بعبارة: ﴿الّتي في الصُّدُور﴾ هو من الإِطناب. أقول: إِنَّ الْقَلْبَ أُطْلِقَ في الْقُرْآنِ على القوّة المدركة للمعارف، وأُطْلِقَ على مواطِنِ الإِرادة والعواطف، أو مراكز التأثُّرِ بها. فالقوة المدركة للمعارف هي في الدماغ، وهو في الرأس، أمَّا مواطن ظهور الرَّغبات، والعواطف والانفعالات، ومَرَاكزُ حركة عواطف الإِيمان والكفر، وحركة الإِرادات للأعمال، فهي في القلوب الّتي في الصدور، وهذه القلوب التي في الصدور قد يحصل لديها عَمَىً، فتخالِفُ ما أدركته الأذهان من الحق، لانطماس بصيرتها بالأهواء والشهوات، فيكون من آثار ذلك كفرٌ وحركة إراداتٍ نحو أفعال الشرّ، وهذا هو الْعَمَى الحقيقي الذي يُصَاب به أهل الكفر والضلال. إنّ قُواهم المدْركة الذهنية قد لا تكون عمياء، لكنّ مراكز ظهور وحركةِ إرادتهم وعواطفهم ورغباتهم هي العمياء، وهذه في الصدور لا في الرؤوس. وبهذا التحليل يكون وصف (القلوب) بعبارة: (التي في الصدور) قيداً لازماً في هذا المقام، ولا يتمُّ المعنى المقصود إلاَّ به، فهو ليس من الإِطناب أصلاً، بل الجملة تدخل تحت عنوان "المساواة". أمّا نَفْيُ العمَى عَن الأبْصار في عبارة: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ فالمراد منه نَفْيُ الْعَمَى الدَّافعِ إلى الكفر والضلال، إذِ الكلام في الآية جَارٍ في الْمَساق، وهذا حقٌّ، والواقع المشاهد يُؤَيِّده فكثيرٌ منَ الذين كُفَّتْ أَبْصَارُهُم عن النظر هم من

стр. 688

أكثر الناس إيماناً وهدايةً واستقامةً على صراط الهداية، ولَمْ يؤثّر عليهم حِرْمَانُهُمْ مِنْ نعمة الْبَصَر تأثيراً سَلْبِيّاً تُجَاهَ الْحَقّ والخير والفضيلة وفعل الصالحات. فالعَمى الحقيقيُّ الصارف عن السعادة الخالدة هو عَمَى القُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُور. وأمّا عَمَى الأذهان والأفكار فهو مَرَضٌ يَرْفع المسؤوليَّة عن المكلَّف، ويُدْخِلُه في صنف الْبُلْهِ أو المجانين. ***

стр. 689

" علم البيان" مقدمة عامّة علمُ البَيَان وفيه مقدمة عامة وثلاثة فصول: الفصل الأول: الكناية والتعريض. الفصل الثاني: التشبيه والتمثيل. الفصل الثالث: المجاز. وهو قسمان: القسم الأول: الاستعارة. القسم الثاني: المجاز المرسل. الفصل الرابع: نظرات تحليليّة إلى استخدام الأشباه والنَّظائر والمجاز في التعبيرات الأدبية. الفصل الخامس: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل وفي حكاية الأقوال والأحداث والقصص وفيه مقدمة ومقولتان. المقولة الأولى: منهج البيان القرآني في التنويع والتكامل. المقولة الثانية: منهج البيان القرآني في حكاية الأقوال والأحداث والقصص.

стр. 690

مقدمة عامّة (١) الباعث والنشأة والتسمية * مُمَارِسُ صناعة الكلام قولاً وكتابةً يُلاحظُ أَنَّ اللُّغَاتِ جَمِيعَها بحَسَب أوضاعها اللّغويّة، الّتِي جَرَى فيها وضْعُ كُلّ كلمة أو عبارة لتدلَّ على معنىً من المعاني، مهما اتَّسَعَتْ فإنَّها لا تكفِي للدَّلاَلة على المعاني التي تُدْرِكها الأذهان، والدَّلالَةِ على المشاعر التي تُحِسُّ بِها النفوس. ومع أنّ اللّغة العربية أوسع اللُّغَاتِ العالميّة وأثراها في الدلالة على المعاني الفكرية والمشاعر النفسيّة، فإنَّ هذا الحكم يشملها، إذا نظرنا إلى حدود الأوضاع اللّغوية للكلمات وللعبارات. * والذاكرة الإنسانيّة مهما عظمت قدرتها على استيعاب المفردات اللّغويّة مقرونةً بدلالاتها على المعاني التي وُضِعَتْ لها، ومَهْمَا عَظُمت قُدرَتُها على استدعاء ما تحتاج من هذه المفردات عند الحاجة إليها، للدلالة بها على ما تُرِيد التعبير عنه من المعاني، لا تستطيع أن تستوعبَ وتحفظ كُلَّ مفردات اللّغة، ولا تستطيع أن تستذكر دواماً كُلَّ ما تحتاج إليه من المفردات والتعبيراتِ اللُّغوية، لتقدمها إلى أداة التعبير باللّسان أو بالقلم عند الحاجة. * لكِنَّ الإِنسان قد أتاهُ الله قُدْرَةً فَائِقَةً عَلى التعبير عمّا يريد من معانٍ ذهنيّة، ومَشاعر نفْسِيّةٍ عَنْ طُرُق أُخْرى غير طريق الأوضاع اللّغويّة الّتي وُضعت بها المفردات والعبادات لتدُلَّ دلالةً مباشرةً عليها، فَهُوَ يحتال للتعبير عمّا يريد التعبير عنه من خلال ما تُسعفه به ذاكرتُه من مفرداتٍ وعبارات بواحد فأكثر من الطُّرُق التالية:

стр. 691

الطريق الأول: طريق التَّشْبيه والتمثيل، واستخدام النظير ليَدُلَّ على نظيره. الطريق الثاني: طريق اللّوازم الفكريّة الّتي تُدْرِكُها الأذهان لدَى إدْراكِ أشياء تستدعيها باللُّزُوم الذّهني، فيَذْكُر الألفاظ الدالّة على هذه الأشياء مشيراً بِهَا إلى لوازمها الذهنيّة، كطول الثوب الّذي يستَدْعي باللُّزُوم الذّهْنِي طُولَ لابسه، وكَرُؤْيَةِ النجوم رؤيَةً واضِحةً الَّتِي تَسْتدعي باللُّزوم الذهني كونَ هذه الرُّؤْيَة حاصلةً في اللّيل، وهذا ما يُسمَّى بالكناية. الطريق الثالث: طَرِيقُ ذكر أشياء يُنَبّه ذِكْرُهَا عَلى أشباهها، أو أضدادها، أو ما يخالفها، فيكون ذكرُها مشيراً بتعريض إلى تِلْكَ الأشباه أو الأضداد أو المخالفات، وهذا ما يُسمَّى بالتعريض. الطريق الرابع: طريق استخدام لفْظٍ مكان لفظ آخر صالحٍ لأنْ يَدُلَّ على معناه لعلاقة بينهما، وهذا ما يُسَمَّى بالمجاز. وفتحت هذه الحيل التعبيرية آفاقاً واسعة جدّاً لانتفاء صُورٍ جماليّة لاَ تُحْصَى، يتحقَّق بها الغرضان المهمّان من أغراض الكلام وهما: الغرض الأوّل: إفْهامُ المتلَقِّي ما يُريد المتكلّم التعبير عنه. الغرض الثاني: إمتاعُه بصُورٍ جماليّة يشتمل عليها الكلام، ولهذا الإِمتاع تأثيرٌ في النفوس، وقد يكون وسيلة لقبول المضمون الفكري الذي دلَّ عليه الكلام، ولاعتقاده، وللعمل بمقتضاه. * وممّا سبق بيانُه في علم المعاني عرفنا أنّه علم تناول بحث الكلمة المفردة، وبحث الجملة الخبرية، والجملة الإِنشائية، وأقسام كلٍّ منهما، وأغراض توجيه الكلام، وبحث الْقَصْرِ ومَا يتعلَّقُ به، وبحث الفصل والوصل بين المفردات والجمل، وبحث "المساواة والإِيجاز والإِطناب" وكلُّ هذه البحوث تدور في فَلَك الأوضاع اللُّغَويّة بوجه عامّ.

стр. 692

لكنّ التعبير عن المراد لا يقتصر على ما يدلُّ عليه الكلام بحسب أوضاعه اللّغوية ذات الدلالات المباشرات، بل يتجاوزه إلى تعبيرات أُخْرى كما سبَق إيضاحه آنفاً حَوْل الطُّرُق الأربعة التي سبق ذكْرُ أصولها العامّة. وقد اهتم علماء البلاغة بشرح وتفصيل هذه الطرق الأربعة، في دراسة واسعة وضعوها ضمن إطار عِلْمٍ أسْمَوهُ "عِلْم البيان" إذْ تبرُزُ في هذه الطُّرق مَهاراتُ المتكلّمين في الإِبانة عمّا يريدون التعبير عنه، مقرونةً هذه الإِبانة بصُوَرٍ جماليةٍ ذات تأثير في النفوسِ، وإمتاعٍ للأذهان، ورِياضةٍ بديعة للأفكار. البيان: هو في اللغة الوضوح والظهور، يقال لغة: بَانَ الشيْءُ بياناً إذا اتَّضَح وظهر. واضع هذا العلم: ذكروا أنّ أوّل من دوّن مسائل علْم البيان أبو عبيدة "مَعْمَرُ بن المثنَّى" في كتابه: "مجاز القرآن". وتبعه "الجاحظ". ثم "ابْنُ المعتزّ". ثُمَّ "قُدَامَةُ بْنُ جعفر". ثُمَّ "أبو هِلاَل العسكري". ثم جاء الشيخ "عبد القاهر الجرجاني"،

стр. 693

فاحكم أساسه، وأكمل في بنيانه. أمّا شرح الطرق الأربعة التي تستخدم للتعبير عن المعاني التي يريد المتكلّم التعبير عنها وهي الخارجة عن دائرة الأوضاع اللّغوية الَّتي يُعَبِّر بها عن المعاني بصورة مباشرة، فيقتضي عَقْدَ فصولٍ لها، تجمع مباحثها وأمثلتها. وقد رأيتُ أن أعقد لها فصولاً ثلاثة وفق العناوين التالية: الفصل الأول: الكناية والتعريض. الفصل الثاني: التشبيه والتمثيل. الفصل الثالث: الحقيقة، والمجاز بقسميه: الاستعارة، والمجاز المرسل. واخترتُ أن أرتّبها وفق هذا الترتيب السابق لأنّ الكناية والتعريض طريقان ليس لهما بحوث واسعة وتفصيلات كثيرات، وأخَّرْتُ فصْل المجاز لأنّ قسماً منْهُ يعتمد على التشبيه، وهو قِسْمُ الاستعارة. *** (٢) تعريفات تعريف علم البيان: هو علم يبحث في كيفيّات تأدية المعنى الواحد بطُرُقٍ تختلف في وضوح دلالاتها، وتختلف في صُورِها وأشكالها وما تتصف به من إبداعٍ وَجمالٍ، أو قُبْحٍ وابْتذال. ملاحظة: اقتصر البيانيّون في تعريفهم لهذا العلم على عنصر إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة. وقد رأيت أنّ هذا التعريف ناقص، لأنّ هذا العلم يهتَمُّ أيضاً بما في الطُّرُقِ

стр. 694

الَّتي يبحثُها من عناصر جمالية وإبداعيّة، ويهتَمُّ بتربية الذوق الفنّيّ لإِدْراكِ نِسَبِ الجمال والإِبْداع، والتمييز بين مستويات الصُّور ودرجاتها جمالاً وإبداعاً، وإدْراكِ الصُّوَرِ المبتذلة والصُّوَرِ المرذولة المحرومة من الإِبداع أو من الجمال، فأضفت هذه العناصر إلى التعريف. تعريف الكناية: هي اللّفظ المستعمل فيما وضِع له في اصطلاح التخاطب للدّلالة به على معنىً آخر لازمٍ له، أو مصاحبٍ له، أو يُشار به عادةً إليه، لما بينهما من الملابسة بوجهٍ من الوجوه. كالكناية عن طول القامة بطول نجادِ السيف "نجاد السيف: أي: حمائله" وكالكناية عن قضاء الحاجة الطبيعيّة بالمجيء من الغائط: "الغائط: الأرض المنخفضة التي كان العرب يقضون حاجتهم الطبيعية فيها". وقال البيانيون في تعريف الكناية: لفظٌ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه. تعريف التعريض: هو طريقة من الكلام أخفى من الكناية، فلا يشترط في التعريض لزوم ذهني ولا مصاحبة ولا ملابَسَةٌ بين معنى الكلام وما يُراد الدلالة به عليه، إنّما قد تكفي فيه قرائن الحال، وما يُفْهَم ذهناً بها من توجيه الكلام. كأن يقول الراغب بخطبة امرأة معينة، كُلُّ رَجُلٍ راغبٍ في الزّواج يحبُّ أنْ تكون هذه المرأة زوجةً له، تَعْرِيضاً بأنّه يرغب في الزواج منها. تعريف التشبيه والتمثيل: هو الدلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنى أو أكثر من المعاني لغرض، ويختص لفظ "التمثيل" بالتشبيه المركّب الذي يكون وجْهُ الشبه فيه منتزعاً من متعدّد. * فمن التشبيه قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) خطاباً لبني إسرائيل:

стр. 695

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ... ﴾ [الآية: ٧٤] . فشبَّه قلوبهم بالحجارة، بجامع القساوة في كُلٍّ منهما، لكِنّ قساوة قلوبهم قساوة معنوية تجاه الحقّ والخير والفضيلة، أمّا الحجارة فقساوتها ماديّة. * ومن التمثيل قول الله في سورة (البقرة) أيضاً: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ ... ﴾ [الآية: ٢٦١] . فشبّه الصورة المركّبة من عنصر الإِنفاق، وعنصر كونه في سبيل اللَّهِ عملاً ونيّة، وعنصر ثمرته عند الله، بالحبَّةِ الّتي تُزْرعُ فتُنْبِتُ سبْعَ سنابل، في كلّ سُنْبُلَةٍ مئة حبَّة. إنَّ وجْهَ الشَّبَه من هَذا التشبيه منتزعٌ من متَعَدّد، فهو من قسم "التمثيل". تعريف الحقيقة: هي اللّفظ المستعمل فيما وُضِع له في اصطلاح التخاطب. مثل: لفظ "الأسد" حينما يستعمل للدلالة على الحيوان المفترس المعروف بأنه ملك الوحوش. تعريف المجاز: هو اللّفظ المستعمل في غير ما وُضِع له في اصطلاح التخاطب، على وجْهٍ يصِحُّ مع قرينة عدم إرادة مَا وُضِع له. فإذا كانت العلاقة المصحّحة لهذا الاستعمال المشابهة بين ما اسْتُعْمِل اللّفظ للدّلالة عليه وبَيْن ما وُضِعَ له في اصطلاح التخاطُب، خُصَّ هذا المجاز بعنوان "الاستعارة" مثل لفظ "الأسد" إذا استعمل للدّلالة على الرجل الشجاع، مع قرينة دالّة على ذلك. فالعلاقة بين المعنى الموضوع له في اصطلاح التخاطب وبين المعنى المستعمل للدّلالة عليه مجازاً هي التشابه، ووجه الشبه بينهما الشجاعةُ في كلٍّ منهما، فهو من الاستعارة.

стр. 696

وإذا كانت العلاقة شيئاً آخر غير المشابهة خُصَّ هذا المجاز بعنوان: "المجاز المرسل". مثل إطلاق الكلّ وإرادة الجزء في قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) في وصف حال قسم من المنافقين: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت ... ﴾ [الآية: ١٩] . أي: يجعلون أناملهم في آذانهم، فأُطْلِق لفظ "الأصابع" مجازاً مراداً بها "الأنامل" للإِيحاء بأنّ حالتهم من الخوف تجعلهم يُدخِلونَ جميع أصابعهم في آذانهم لو كان واقع الحال يسمح بذلك. هذا المجاز هو من إطلاق الكلّ وإرادة الجزء، فالعلاقة بين المعنى الموضوع له في اصطلاح التخاطب، وبين المعنى المستعمل للدّلالة عليه مجازاً هي "الكليّة والجزئية" أو "الكلُّ والبعض" فهو من "المجاز المرسل". *** (٣) الدلالات الوضعية اللفظية اقتبس البيانيّون من علماء المنطق ومن علماء أصول الفقه بعض مبحث الدلالات مقدّمة لبحوث علم البيان، نظراً إلى ارتباط هذا العلم بدلالات الألفاظ الوضعيّة على المعاني. ولفائدة هذا البحث هنا أَثْبَتُّ أقسام الدلالة اللفظية الوضعيّة، أمّا الدلالات الأخرى (العقلية والطبيعيّة) فتركتها لأنّها من اهتمامات علماء المنطق.

стр. 697

تنقسم الدلالة اللفظية الوضعيّة إلى ثلاثة أقسام، وهي: القسم الأول: دلالة المطابقة. القسم الثاني: دلالة التضمّن. القسم الثالث: دلالة الالتزام. وذلِكَ لأنَّ الكلام: * إمَّا أنْ يُسَاقَ ليَدُلَّ على تمام معناه الحقيقي أو المجازي، فتكون دلالته دلالة مطابقة تامّة بَيْن اللفظ والمعنى. فإذا قُلْنَا مثلاً: "نزل المطر" قاصدين فعلاً نزول المطر من السماء في الواقع، كانت هذه الدلالة دلالة مطابقة بين اللفظ والمعنى. * وإمّا أن يُسَاق ليَدُلَّ على بعض معناه الحقيقي أو المجازي، لا ليَدُلَّ على كلّ معناه، لأنّ العناصر الأخرى من معناه غير مطلوبة أو غيرُ مُحْتاجٍ إليها، فتكونُ دلالته دلالة تضَمُّن. ومن أمثلة دلالة التضمّن أن يسأل الطبيب المريض: هل تناولت اليوم في طعامك ملحاً كثيراً حتَّى ارتفع ضَغْطُك؟. فأجابه المريضُ بقوله: دعانا صديقُنَا فلان وأطعمنا طعاماً وضَعَتْ له الملْحَ أوَّلاً زوجته، ثم وضعت له الملْحَ مرّة ثانية أُمُّه ظانَّةً أنّه لم يُضَفْ إليه الملْحُ بَعْد، ثم وَضَعَتْ له الملح ثالثاً أخْتُه، فكان الطعام مالحاً جدّاً. لقد ذكَرَ كُلَّ هذا الكلام الذي لا مصلحة للطبيب فيه ليَدُلَّ علَى أنّه تناول ملحاً كثيراً. هذا الكلام دلَّ على بعض معناه لا على كلّ معناه، لأنَّ غرض الطبيب معرفة تناول مريضه الملح الكثير فقط، ولا مصلحة له بكلّ جوانب القصة التي ذكرها المريض، وهو في الغالب قد أهملها ولم يُعِرْها انتباهه.

стр. 698

* وإمّا أن يُساق ليَدُلَّ على معنىً آخر خارجٍ عن معناه الحقيقي أو المجازي، فتكون دلالته دلالة التزام. ولازم المعنى الذي يدُلُّ عليه اللفظ قد يكون لازماً له عقلاً، أو لازماً له عادةً، أو لازماً له عُرْفاً. كأن تقول: هذه الشجرة لا نستطيع قطف أعلى ثمارها إلاَّ بُسَلّم طوله عشرة أمتار. أي: هي شجرة عالية يبلغ ارتفاع أغصانها قُرابة عشرة أمتار. ومن دلالة الالتزام قول الخنساء في أخيها "صخر": طَوِيلُ الْنِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَادِ ... كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَى وسيأتي إن الله شرح هذا البيت في الموضع المناسب للاستشهاد به. ***

стр. 699

" علم البيان" الفصل الأول: الكناية والتعريض

стр. 700

المقولة الأولى: الكناية التعريف اصطلاحاً: عرفنا في المقدّمة أن الكناية هي اللفظ المستعمل فيما وُضِع له في اصطلاح التخاطب للدّلالة به على معنى آخر لازم له، أو مصاحبٍ له، أو يُشارُ به عادةً إليه، لما بينهما من الملابسة بوجهٍ من الوجوه. وتُطْلَقُ أيضاً على استعمال اللّفظ من قِبَلِ المتكلّم فيما ذُكر في التعريف. المعْنى اللّغوي: أمّا الكناية في اللّغة: فهي أن تتكلّم بشيءٍ وتُرِيد غيره. يُقالُ لُغةً: كَنَى عَن الأمْر بغيره يَكْنِي كِنَايةً، أي: تكلّم بغيره ممّا يُسْتَدَلُّ به عليه. ويُقَالُ: تَكنَّى إذَا تَسَتَّرَ، مِنْ كَنَى عَنْهُ إذا وَرَّى. فأصل الكناية تَرْكُ التصريح بالشيء، وسَتْرُهُ بحجابٍ ما، معَ إرادةِ التعريف به بصورة فيها إخفاءٌ ما بحجابٍ غير ساترٍ سِتْراً كاملاً. وبهذا نلاحظ أنّ المعنى الاصطلاحيّ للكناية قريبٌ من المعنى اللُّغويّ لها. فرق ما بين الكناية والمجاز: إنَّ إرادة المعنى الأصليِّ للّفْظ مع إرادة المعنى الآخَر الذي يُكَنَّى باللفظ عنه جائزةٌ ولكِنَّهَا غير لازمة دائماً، فقَدْ يُرَادانِ معاً، وقَدْ تُهْمَلُ إرادةُ المعنَى الأصلي ويرادُ المعنَى الآخر فقط، فقد يُقالُ: فُلاَنٌ كثيرُ الرَّمَادِ، أي: مضيافٌ جواد، مع أنَّه

стр. 701

لا يَطْبُخُ الطعامَ لضُيُوفِه الكثيرين بنار الحطب الّذي يُخَلّف رماداً، إنّما يطبُخ لهم بالأفران الكهربائية أو الغازيّة. وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والمجاز، فالمجاز لا يصحّ معه إرادة المعنى الحقيقيّ للفظ، بل يتعيّن فيه إرادة المعنى المجازيّ فقط، مثل: خطب الأسَدُ المغوار خُطْبةً عظيمة في الجيش ألهب بها المشاعر، واستثار الحماسة. فلفظ "الأسد" هنا مجاز عن الرجل الشجاع، ولا يصحّ أن يُرادَ به معناه الحقيقي، وهو الحيوان المفترسُ المعروف. وتدخل الكناية في عموم التعبير عن المراد بأسلوب غير مباشر، فهي ممّا يتوارى، أو يختفي بساتر، ويَدُلُّ على المقصود بلازم له، أو مقارن له، أو بطرفٍ من أطرافه، أو نحو ذلك. *** أقسام الكناية: قسّم البيانيُّون الكناية إلى كناية عن صفة، وكناية عن موصوف، وكنَاية عن نسبة حكميّة بين الْمُسْنَد والمسند إليه (= المحكو به والمحكوم عليه) وهذه الأقسام أقسامٌ تحليليّة غير ذات جدوى - عَلَى ما أرَى - في تربية ذوق بيانيّ أدبيّ، وقد رأيت الإِعراض عن شرح هذه الأقسام وتحليل الأمثلة على وفقها، والاكتفاء بذكر مثال لكلٍّ منها، والاهتمام ببيان ما هو ذو فائدة بيانيّةٍ أدبيّة. * فعبارة: "طويل النجاد" كناية عن صفة هي طول قامته. * وعبارة: "جاء قابض يده" كناية عن موصوف، أي: جاء البخيل. * وعبارة: "إنّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ أَنْ تَزُولاَ" كناية عن نسبة إمداده لها بالبقاء في الوجود، كالكهرباء لبقاء النور في المصباح الكهربائي إذا انقطع إمداده انعدم النور منه، ولله المثل الأعلى.

стр. 702

وإذْ أعرضْتُ عن شرح هذه الأقسام وتحليل كلّ الأمثلة على وفقها فقد رأيت تقسيم الكناية إلى قريبة وبعيدة: أمّا الكناية القريبة: فهي الكناية التي قلّت لوازمها الذهنيّة، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بيْنَ المكَنَّى بِه والمكَنَّى عَنْه أمراً لا تتدخل فيه وسائِطُ ذوات عَدد، وهذه الكناية تكون في العادة وفي معظم الأمثلة واضحة ظاهرة، يَسْهُل على معظم الناس إدراكُ المقصود منها. كأن نقول: فلانٌ ثَوْبُه طويل، وقلنسوتُه كبيرة، وحذاؤهُ يتّسع لقدمَيْن، أي: هو طويل القامة، عظيم الرأس، كبير القدم. وقد تكونُ مع قُرْبها خفيّة إذا كان اللّزومُ فيها أو كانت العلاقة أو الملابسة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه أمراً خفيّاً. كأن نقول: فلانٌ عَيْنُه فارغةٌ، كنايةً عن كونه يحبُّ أنْ يشاهد كلّ شيء، ويَنْظُر إلى كلّ شَيْءٍ، فهذه الكناية يُتَوصَّل إلى المراد بها عن طريق لازم واحدٍ، فهي قريبة، إذْ يلزم من فراغ العين التي هي أداة النظر رغبة صاحبها بِمَلْئِهَا، وملْءُ العين إنّما يكون بالنظر إلى الأشياء التي تَسْتَحسنها. لكنّ استعمال فراغ العين للكناية عن هذا المعنى غير متداول، فهي مع قربها في هذا المثال كناية خفيّة. وأما الكناية البعيدة: فهي الكناية الّتي كثرت لوازمها الذهنية، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بَيْن المكنَّى به والمكنَّى عنه تتدخلُ فيه وسائط متعدّدة. وهذه الكناية تكُونٌ في العادة وفي كثير من الأمثلة خفيَّةً تحتاج إلى تأمُّلٍ وتفكير، لكثرة لوازمها الذهنيّة، أو لكثرة الوسائط الذهنيّة التي تُوصِل المكنَّى به إلى المكنَّى عنه، ممّا يجعل الانتقال إلى ما هو المقصود بالدلالة ممّا يختصُّ الأذكياءُ بسرعة إدْراكه، أمّا غَيْرُهُمْ فيُجْهدونَ أذهانهم للوصول إلى إدْراكه وفهمه.

стр. 703

كأن نقول: في يومِ كذا من أيّام الحرب فرح أهل المزارع الواقعة في أسفل المدينة، بما تدفق عليهم من سمادٍ بشري، كنايةً عن أنَّ أهل المدينة أصابهم رعْبٌ شديدٌ في ذلك اليوم، ألجأهم إلى استطلاق بطونهم، وقذف ما فيها داخل المراحيض التي صبّت على المجاري، وتدافعت حتّى وصلت إلى المزارع. هذه كناية ذات لوازم بعيدة، وهي خفيّةٌ، لأنَّها غير متداولة، ويَحتاجُ إدراك المقصود بها إلى تأمّل. وقد تكون مع كثرة لوازمها أو كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه واضحة غير خفيّة، لتداولها، أو لوضوح الوسائط. فإذا ذكر المادح العربيّ ممدوحه عن عرب البادية سكان الخيام بين قبائل عَرَب البادية، بأنّه كثير الرّماد، أدرك الجميع بسرعةٍ ودون خفاء أنّه جواد كريم مضياف، مع أنّ اللّوازم الذهنيّة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه كثيرة. إنّ كثرة الرّماد تستلزم كثرة إيقاد النيران، وكثرة إيقاد النيران تدلُّ على كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ تدلُّ على كثرة الآكلين، وكثرة الآكلين عند رجلٍ من سكان البادية تدلُّ على احتفائه بالضيوف، وهذا يدلُّ على جوده وكرمه. والسبب في عدم خفاء هذه الكناية مع كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، تداوُلُها في بيئة عرب البادية، فهم لا يرونها خفيّة. * ويستعمل الناسُ فراغ العين كناية عن الحسَد، ومعلومٌ أنّ الحسَد لازم أبْعَدُ من حُبّ مشاهدة الأشياء، فَمَنْ رأى شيئاً حسناً رُبَّما استحسنه، ومن استحسن ربّما تَمنَّى لنفسه، ومن تمنّى ربَّما حَسَد. فاللّوازم الذهنية الموصلة إلى الحسد متعدّدة، لكنَّ تداول استعمال فراغ العين كناية عن الحسد جعل المقصود بها أمراً غير خفيّ.

стр. 704

* ويستعمل الناس كِبَر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس بأكل أموالهم بالباطل، والأصل في هذه الكناية أنّ الشّرِهين في الطعام الّذين يأكلون كثيراً تكبُر بطونهم، والشَّرَهُ في الطعام كثيراً ما يصاحبُهُ شَرَهٌ مشابه في جمع المال وكنزه، وهذا يدفع في كثير من الأحوال إلى كسب المال بالظلم والعدوان. فالتعبير بكبر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس من الكنايات ذوات اللّوازم الكثيرة، التي يكثر فيها خفاء المراد. لكنّ تداول استعمال الناس لها جعلها غير خفيّة. * ومن الكناياتِ التعبير بالصفة للدلالة بها على الموصوف، مثل: "والذي في السماء عرشه - والذي نفس محمّد بيده - اقْطعُوا ما ثبتت عليه رؤوسهم، أي: أعناقهم - طاهر ما تحت الإزار، أي: طاهر الفرج - ذات سوار، أي: امرأة - هو على السّرير الأبيض، أي: في المستشفى مريض" إلى غير ذلك. * ومن الكنايات التعبير ببعض مصاحبات الشيء للدلالة بها عليه، مثل الكناية عن الجماع بالملامسة، أو المباشرة، أو الإِفضاء، أو الدّخول، أو الغشيان، أو نحو ذلك. * ومن الكنايات التعبير ببعض الأسباب للدّلالة بها على الأشياء التي تَحْصل بها، مثل الحديث عن مُسَجِّى على سَرِير: "قُطِعَ رأسُه، أي: هو ميّت - شرب عشرين كأساً من الخمر، أي: هو مطروح سكران على شفا الموت". * ومن الكنايات التعبير بالمكان للدلالة على ما يحلُّ فيه أو يحدث فيه أو يستعمل له، مثل كلمة "الغائظ" للدلالة بها على قضاء حاجة الإِنسان الطبيعية، وهي في الأصل اسم للمكان المنخفض، ومن استعمالها كناية بهذا المعنى قول الله تعالى: ﴿أوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِط﴾ [المائدة: ٦] . * ومن الكنايات التعبير بالنتائج للدلالة بها على أسبابها، مثل: "حُكِمَ عَلَى

стр. 705

الرجل والمرأة بالرّجم، أي: هما زانيان محصنان - جَلَسَ الرَّجُلُ وراء مكتب الرئاسة، أي: انتخب رئيساً للبلاد - أُودِعَ السّجن، أي: تمكّن الجنود من القبض عليه وسوقه إلى السجن - تصارع مع القروش في البحر فلم نجد له أثراً، أي: أكلته القروش - حامل لواء الشعراء إلى النار، أي: مات كافراً - هذا من أهل الجنة، أي: هو مؤمن تقيّ وسَيَمُوتُ مؤمناً تقيّاً". * وقد تُصْنَعُ كنايات مَبْنِيَّة على مفاهيم غير صحيحة، فتبقى الدلالة بها على المكنَّى عنه، دون النظر إلى صحَّةِ معنى اللفظ المكنَّى به، مثل الكناية عن الغبيّ بعبارة "عريض القفا - أو عريض الوساد" فهذه الكناية مَبْنِيَّة على تصوّر أن من كان عريض القفا كان في العادة غبيّاً، ومن كان عريض القفا احتاج عند النوم إلى وسادة عريضة. *** اقتراح للسّكاكي حول تقسيم الكناية: رأى السّكّاكي على سبيل الاقتراح جعل التعريض قسماً من الكناية، ورأى أن تقسّم الكناية مع ذلك إلى تلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة. فالتعريض: أن يساق الكلام ليَدُلَّ على شيءٍ غير مذكور، ويُعْرَفُ من قرائن الحال. والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بيْنَ المكنَّى به والمكنَّى عنه. قال: ومن المناسب أن تسمَّى هذه الكناية تلويحاً لأنّ التلويح في اللغة: أن تشير إلى غير عن بُعْد.
следующие страницы →