← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لا يَطْبُخُ الطعامَ لضُيُوفِه الكثيرين بنار الحطب الّذي يُخَلّف رماداً، إنّما يطبُخ لهم بالأفران الكهربائية أو الغازيّة. وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والمجاز، فالمجاز لا يصحّ معه إرادة المعنى الحقيقيّ للفظ، بل يتعيّن فيه إرادة المعنى المجازيّ فقط، مثل: خطب الأسَدُ المغوار خُطْبةً عظيمة في الجيش ألهب بها المشاعر، واستثار الحماسة. فلفظ "الأسد" هنا مجاز عن الرجل الشجاع، ولا يصحّ أن يُرادَ به معناه الحقيقي، وهو الحيوان المفترسُ المعروف. وتدخل الكناية في عموم التعبير عن المراد بأسلوب غير مباشر، فهي ممّا يتوارى، أو يختفي بساتر، ويَدُلُّ على المقصود بلازم له، أو مقارن له، أو بطرفٍ من أطرافه، أو نحو ذلك. *** أقسام الكناية: قسّم البيانيُّون الكناية إلى كناية عن صفة، وكناية عن موصوف، وكنَاية عن نسبة حكميّة بين الْمُسْنَد والمسند إليه (= المحكو به والمحكوم عليه) وهذه الأقسام أقسامٌ تحليليّة غير ذات جدوى - عَلَى ما أرَى - في تربية ذوق بيانيّ أدبيّ، وقد رأيت الإِعراض عن شرح هذه الأقسام وتحليل الأمثلة على وفقها، والاكتفاء بذكر مثال لكلٍّ منها، والاهتمام ببيان ما هو ذو فائدة بيانيّةٍ أدبيّة. * فعبارة: "طويل النجاد" كناية عن صفة هي طول قامته. * وعبارة: "جاء قابض يده" كناية عن موصوف، أي: جاء البخيل. * وعبارة: "إنّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ أَنْ تَزُولاَ" كناية عن نسبة إمداده لها بالبقاء في الوجود، كالكهرباء لبقاء النور في المصباح الكهربائي إذا انقطع إمداده انعدم النور منه، ولله المثل الأعلى.

стр. 702

وإذْ أعرضْتُ عن شرح هذه الأقسام وتحليل كلّ الأمثلة على وفقها فقد رأيت تقسيم الكناية إلى قريبة وبعيدة: أمّا الكناية القريبة: فهي الكناية التي قلّت لوازمها الذهنيّة، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بيْنَ المكَنَّى بِه والمكَنَّى عَنْه أمراً لا تتدخل فيه وسائِطُ ذوات عَدد، وهذه الكناية تكون في العادة وفي معظم الأمثلة واضحة ظاهرة، يَسْهُل على معظم الناس إدراكُ المقصود منها. كأن نقول: فلانٌ ثَوْبُه طويل، وقلنسوتُه كبيرة، وحذاؤهُ يتّسع لقدمَيْن، أي: هو طويل القامة، عظيم الرأس، كبير القدم. وقد تكونُ مع قُرْبها خفيّة إذا كان اللّزومُ فيها أو كانت العلاقة أو الملابسة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه أمراً خفيّاً. كأن نقول: فلانٌ عَيْنُه فارغةٌ، كنايةً عن كونه يحبُّ أنْ يشاهد كلّ شيء، ويَنْظُر إلى كلّ شَيْءٍ، فهذه الكناية يُتَوصَّل إلى المراد بها عن طريق لازم واحدٍ، فهي قريبة، إذْ يلزم من فراغ العين التي هي أداة النظر رغبة صاحبها بِمَلْئِهَا، وملْءُ العين إنّما يكون بالنظر إلى الأشياء التي تَسْتَحسنها. لكنّ استعمال فراغ العين للكناية عن هذا المعنى غير متداول، فهي مع قربها في هذا المثال كناية خفيّة. وأما الكناية البعيدة: فهي الكناية الّتي كثرت لوازمها الذهنية، أو كانت فيها العلاقة أو الملابسة بَيْن المكنَّى به والمكنَّى عنه تتدخلُ فيه وسائط متعدّدة. وهذه الكناية تكُونٌ في العادة وفي كثير من الأمثلة خفيَّةً تحتاج إلى تأمُّلٍ وتفكير، لكثرة لوازمها الذهنيّة، أو لكثرة الوسائط الذهنيّة التي تُوصِل المكنَّى به إلى المكنَّى عنه، ممّا يجعل الانتقال إلى ما هو المقصود بالدلالة ممّا يختصُّ الأذكياءُ بسرعة إدْراكه، أمّا غَيْرُهُمْ فيُجْهدونَ أذهانهم للوصول إلى إدْراكه وفهمه.

стр. 703

كأن نقول: في يومِ كذا من أيّام الحرب فرح أهل المزارع الواقعة في أسفل المدينة، بما تدفق عليهم من سمادٍ بشري، كنايةً عن أنَّ أهل المدينة أصابهم رعْبٌ شديدٌ في ذلك اليوم، ألجأهم إلى استطلاق بطونهم، وقذف ما فيها داخل المراحيض التي صبّت على المجاري، وتدافعت حتّى وصلت إلى المزارع. هذه كناية ذات لوازم بعيدة، وهي خفيّةٌ، لأنَّها غير متداولة، ويَحتاجُ إدراك المقصود بها إلى تأمّل. وقد تكون مع كثرة لوازمها أو كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه واضحة غير خفيّة، لتداولها، أو لوضوح الوسائط. فإذا ذكر المادح العربيّ ممدوحه عن عرب البادية سكان الخيام بين قبائل عَرَب البادية، بأنّه كثير الرّماد، أدرك الجميع بسرعةٍ ودون خفاء أنّه جواد كريم مضياف، مع أنّ اللّوازم الذهنيّة بين المكنَّى به والمكنَّى عنه كثيرة. إنّ كثرة الرّماد تستلزم كثرة إيقاد النيران، وكثرة إيقاد النيران تدلُّ على كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ تدلُّ على كثرة الآكلين، وكثرة الآكلين عند رجلٍ من سكان البادية تدلُّ على احتفائه بالضيوف، وهذا يدلُّ على جوده وكرمه. والسبب في عدم خفاء هذه الكناية مع كثرة الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، تداوُلُها في بيئة عرب البادية، فهم لا يرونها خفيّة. * ويستعمل الناسُ فراغ العين كناية عن الحسَد، ومعلومٌ أنّ الحسَد لازم أبْعَدُ من حُبّ مشاهدة الأشياء، فَمَنْ رأى شيئاً حسناً رُبَّما استحسنه، ومن استحسن ربّما تَمنَّى لنفسه، ومن تمنّى ربَّما حَسَد. فاللّوازم الذهنية الموصلة إلى الحسد متعدّدة، لكنَّ تداول استعمال فراغ العين كناية عن الحسد جعل المقصود بها أمراً غير خفيّ.

стр. 704

* ويستعمل الناس كِبَر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس بأكل أموالهم بالباطل، والأصل في هذه الكناية أنّ الشّرِهين في الطعام الّذين يأكلون كثيراً تكبُر بطونهم، والشَّرَهُ في الطعام كثيراً ما يصاحبُهُ شَرَهٌ مشابه في جمع المال وكنزه، وهذا يدفع في كثير من الأحوال إلى كسب المال بالظلم والعدوان. فالتعبير بكبر البطن كنايةً عن الجشع والطمع وظلم الناس من الكنايات ذوات اللّوازم الكثيرة، التي يكثر فيها خفاء المراد. لكنّ تداول استعمال الناس لها جعلها غير خفيّة. * ومن الكناياتِ التعبير بالصفة للدلالة بها على الموصوف، مثل: "والذي في السماء عرشه - والذي نفس محمّد بيده - اقْطعُوا ما ثبتت عليه رؤوسهم، أي: أعناقهم - طاهر ما تحت الإزار، أي: طاهر الفرج - ذات سوار، أي: امرأة - هو على السّرير الأبيض، أي: في المستشفى مريض" إلى غير ذلك. * ومن الكنايات التعبير ببعض مصاحبات الشيء للدلالة بها عليه، مثل الكناية عن الجماع بالملامسة، أو المباشرة، أو الإِفضاء، أو الدّخول، أو الغشيان، أو نحو ذلك. * ومن الكنايات التعبير ببعض الأسباب للدّلالة بها على الأشياء التي تَحْصل بها، مثل الحديث عن مُسَجِّى على سَرِير: "قُطِعَ رأسُه، أي: هو ميّت - شرب عشرين كأساً من الخمر، أي: هو مطروح سكران على شفا الموت". * ومن الكنايات التعبير بالمكان للدلالة على ما يحلُّ فيه أو يحدث فيه أو يستعمل له، مثل كلمة "الغائظ" للدلالة بها على قضاء حاجة الإِنسان الطبيعية، وهي في الأصل اسم للمكان المنخفض، ومن استعمالها كناية بهذا المعنى قول الله تعالى: ﴿أوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائِط﴾ [المائدة: ٦] . * ومن الكنايات التعبير بالنتائج للدلالة بها على أسبابها، مثل: "حُكِمَ عَلَى

стр. 705

الرجل والمرأة بالرّجم، أي: هما زانيان محصنان - جَلَسَ الرَّجُلُ وراء مكتب الرئاسة، أي: انتخب رئيساً للبلاد - أُودِعَ السّجن، أي: تمكّن الجنود من القبض عليه وسوقه إلى السجن - تصارع مع القروش في البحر فلم نجد له أثراً، أي: أكلته القروش - حامل لواء الشعراء إلى النار، أي: مات كافراً - هذا من أهل الجنة، أي: هو مؤمن تقيّ وسَيَمُوتُ مؤمناً تقيّاً". * وقد تُصْنَعُ كنايات مَبْنِيَّة على مفاهيم غير صحيحة، فتبقى الدلالة بها على المكنَّى عنه، دون النظر إلى صحَّةِ معنى اللفظ المكنَّى به، مثل الكناية عن الغبيّ بعبارة "عريض القفا - أو عريض الوساد" فهذه الكناية مَبْنِيَّة على تصوّر أن من كان عريض القفا كان في العادة غبيّاً، ومن كان عريض القفا احتاج عند النوم إلى وسادة عريضة. *** اقتراح للسّكاكي حول تقسيم الكناية: رأى السّكّاكي على سبيل الاقتراح جعل التعريض قسماً من الكناية، ورأى أن تقسّم الكناية مع ذلك إلى تلويح، ورمز، وإيماء أو إشارة. فالتعريض: أن يساق الكلام ليَدُلَّ على شيءٍ غير مذكور، ويُعْرَفُ من قرائن الحال. والتلويح: كناية كثرت فيها الوسائط بيْنَ المكنَّى به والمكنَّى عنه. قال: ومن المناسب أن تسمَّى هذه الكناية تلويحاً لأنّ التلويح في اللغة: أن تشير إلى غير عن بُعْد.

стр. 706

ومن التلويح الكناية عن كون الرجل جواداً مضيافاً بأنّه كثير الرّماد. والرّمْز: كناية قلّت فيها أو انعدمت الوسائط بين المكنّى به والمكنّى عنه، إلاَّ أنَّ فيها نوعَ خفاء، مثل الكناية عن الغباء والبلادة بعبارة "عريض القفا" أو عبارة "عريض الوساد". ويناسب أن تُسَمَّى رمْزاً لأنّ الرمز أن تشير إلى قريب منك على سبيل الْخُفْيَة. والإِيماء أو الإِشارة: كناية ليس بين المكنَّى به والمكنَّى عنه وسائط كثيرة ولا خفاء، كقول أبي تمّام يصف إبلاً: أَبْيَنَ فَمَا يَزُرْنَ سِوَى كَرِيم ... وَحَسْبُكَ أن يَزُرْنَ أبا سعيد فكنَّى بزيارة الإِبل الّتي وصَفَها أبا سعيد عن أنه كريم بعد أن أثبت أن هذه الإِبل أبت أن تزور غير كريم، وقد أطلق الإِبل وأراد صاحبها على سبيل المجاز المرسل. هذه كناية واضحة ليس فيها خفاء فهي حريَّة بأن تُسَمَّى إيماءً أو إشارة. أقول: من الصعب على دارس النصوص أن يُخْضِعها لهذا التحليل الذي ذكره السَّكّاكي، ويفرزها ويسمّيها بالأسماء التي اقترحها، على أنه لم يضع اسماً للخفيّة ذات الوسائط الكثيرة. *** قيمة الكناية في الأدب: الكناية أسلوبٌ ذكيٌّ من أساليب التعبير عن المراد غير مباشرة، وهي من أبدع وأجمل فنون الأدب، ولا يستطيع تصيُّد الجميل النادر منها، ووضعه في الموضع الملائم لمقتضى الحال إلاَّ أذكياء البلغاء وفطناؤهم، وممارسو التعبير عمّا يريدون التعبير عنه بطُرُقٍ جميلة بديعة غير مباشرة،

стр. 707

إنّ الذكِيّ اللَّمَّاح إذا أراد أن يتحدّث عن شيءٍ ما، صفةً كانَ، أو موصوفاً، أو نسبةً حكميّة، جالَ ذهْنُهُ لِيَدُلَّ على ما يُريد التعبير عنه بطريقة غير مباشرة، وطافَ في محيط ذلك الشيء لينتقي ممّا يلاحظ ما يُدلُّ به عليه، فَيُبْعِدُ حيناً، ويَقْرُبُ حيناً، ويتوسطُ حيناً آخر، ويستَبْعِدُ ما لا يَراه حسناً جميلاً، ومَا لاَ يرى دلالته مناسبةً لمقتضى الحال. إنَّهُ يُرِيدُ مثلاً أنْ يتحدّث عن السّاحرات، فيرى من خصائصهنَّ أنَّهُنَّ يَعْقِدْنَ في الخيوط، وتتحرَّك ألْسِنَتُهُنَّ بهَمْهَماتٍ وَغَمْغَمات، ويَنْفُثْنَ فِي الْعُقَد، فيَدُلُّ عليهنَّ بعبارة: "النَّفَّاثات في الْعُقَد" على سبيل الكناية التي تدلُّ على المعنى المراد بطريقٍ غير مباشر. ويريد مثلاً أن يتحدّث عن البخيل، ولكنْ لا يستَحْسِنُ استعمال لفظة "البخيل" في كلامه، لأنّ دلالتها دلالَةٌ مباشرة، وليس فيها إبداعٌ فكريّ، فيلاحظ أنّ من سِمَات البخيل قبض يَدَيْه عن العطاء، فيكنّى عن الْبُخْل بعبارة "قبض اليدين، أو قبض اليد" ويكنّي عن البخيل بعبارة "قابض اليدين، أو قابض اليد" وعبارة "قبض الْيَد" أدقّ، لأنّ العطاء يكون بيد واحدة في الناس. ويريد أن يتحدّث عن شديد الْبُخْل الّذي لا يستطيع أن يمدّ يَدَهُ بعطاء، فيكنّي بعبارة: "مَغْلُول الْيَدِ إلى العُنق" لأنّ من كانت يده مغلولة إلى عنقه كان غير قادر على أن يبسطها لو أراد بسطها ويعطي بها أو يأْخُذ، وكذلك الشحيح الذي يكون بُخْلُهُ شدِيداً، تكون حالة يدِهِ الّتي يعطي بها عادة مع شُحّ نفسه، كحالة مَنْ غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِه. هذا التعبير اشتمل على مَزْج الكناية بتشبيه ضِمْنِيّ، وتقديم ذلك بعبارة جميلة بديعة تدلُّ على المقصود بطريقة غير مباشرة. وفي مقابل هذه الكناية تأتي كناية بسط اليّد للدّلاَلة بها على الجود. وتأتي كناية الإِفراط في البسط للدّلالة بها على الإِسراف.

стр. 708

هنا نُدْرك الإِبداع والجمال في التعبير القرآني الذي قال الله فيه بسورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) : ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ [الآية: ٢٩] . ونظيره ما جاء في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) : ﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ... ﴾ [الآية: ٦٤] . ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدارجات كناياتٌ كثيرات، فَبَدَلَ أَنْ يقولَ قائلهم: "أنا أكبر من فلان سنّا" يأتي في تعبيراتهم: لمّا كنت مُدرساً كان في المرحة الابتدائية - كنْتُ أحمله وهو ابن سنتين - وتقول المرأة: هو ابني من الرضاعة. ويقول قائل: عن أسرة غنيّة: كانوا يستجدون صدقات الناس قبل الحرب، أي: هم أثرياء حَرْب - كانوا فقراء قبل أن يُعيَّن وليُّهم مديراً للمالية -. وقال مُعَمِّي مهنة أبيه: أنا ابْنُ من خضعت له الرؤوس، أي: ابن حلاَّق. إلى غير ذلك من تعبيرات لا تُحْصَى. *** الأغراض البلاغيّة لاستخدام الكناية: تُستَخدم الكناية لأغراض بلاغيّة كثيرة، منها الأغراض التالية: الغرض الأول: إيثار الأسلوب غير المباشر في الكلام، إذا كان مقتضى الحال يستدعي ذلك. فمن المعلوم أنّ الأسلوب غير المباشر أكثر تأثيراً فيمن يُقْصَد توجيه الكلام له غالباً.

стр. 709

الغرض الثاني: كون التعبير المكَنَّى به ينبّه على معنىً لا يؤدّيه اللّفظ الصّريح المكنَّى عنه. فلو خاطب الله الناس فقال: هو الذي خلقكم من آدم، لم يكن في هذا التعبير التنبيه على عظيم قدرته، وبالغ حكمته الجليلة في قضائه وقدره، وواسع علمه، مثلُ قوله في سورة (النساء/ ٤ مصحف/ ٩٢ نزول) : ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ﴾ [الآية: ١] . إنَّ عبارة: ﴿مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ جاءت كنايةً عن آدم، لكِن نَبَهَتْ على أَمْرٍ جليل لا تُنَبِّهُ عليه عبارة: "مِنْ آدم". إنَّها تُنَبّه على أنَّ السّلالَة الإِنسانيّة كُلَّها مشتقة بتقدير العزيز العليم القدير الحكيم منْ نفس واحدة. الغرض الثالث: كَوْنَ المكنَّى به أجمل عبارةً، وأعذب لفظاً من المكنَّى عنه، فمراعاة الجمال الفنّي من الأغراض المهمة التي تُقْصد في الكلام. الغرض الرابع: كَوْنُ المكَنَّى عنه ممّا يَحْسُن سَتْرُهُ، ويقبُحُ في الأدب الرّفيع التصريح به، إذْ هو من العورات، أو من المستقذرات، أو من المستقبحات. الغرض الخامس: إرادة إيضاح المكنَّى عنه بما في المكنَّى به من توضيح له. الغرض السادس: إرادة بيان بعض صفات المكنَّى عنه مع الاختصار، بالاقتصار على ما يُذْكَرُ من صفاته لغرض يتعلّق بذكرها. الغرض السابع: إرادة مَدْح المكنَّى عنه أو ذمّة بذكر ما يُمْدَحُ به أو يُذَمّ به، مع الاقتصار على ذكر اللفظ المكنَّى به. الغرض الثامن: إرادة صيانة اسم المكنَّى عنه، وإبعاده عن التداول، بذكر ما يدُلُّ عليه من ألقاب أو كُنَى أو صفات.

стр. 710

الغرض التاسع: كون المكنَّى به أسْهَل فهماً من لفظ المكنَّى عنه. الغرض العاشر: إرادة التّعمية والإِلغاز، ويكون هذا في الكنايات التي يَصْعُب على غير الأذكياء اللمَّاحين إدْراكُ المقصود بها. إلى غير ذلك من أغراض بلاغية. وأنبِّه هنا على أنّه لا تُحْمَد الكناية لمجرّد كونها كناية، بل لا بدّ من ملاحظة غرض بلاغيّ فيها، أدناه كونها أجمل من التعبير الصريح في أذواق الأدباء والبلغاء. ولا بدّ أيضاً من أن تكون خالية من العيوب الجمالية، والمستقبحان الفكرية. *** أمثلة من الكنايات: المثال الأول: في عرض قصّة إلقاء أمّ موسى ولدها الطفل "مُوسَىْ" ﵇ في اليمّ خوفاً عليه من جُنود فرعون أن يذبحوه تنفيذاً للأمر الفرعوني بقتل كلِّ مولودٍ ذكر من بني إسرائيل. لقد أوحى الله إليها أن تضعه في صندوق وتلقيه في اليمّ إذا خافت عليه من جنود فرعون أن يذبحوه، ففعلت، وجرى به النهر، حتى إذا بلغ شاطئ القصر الفرعونيّ التقطه آل فرعون، وقالت امرأة فرعون له: قُرَّهُ عَيْنٍ لي ولَكَ، لا تقتلوه، عَسَى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً، بعد هذا العرض قال الله في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) : ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً ... ﴾ [الآية: ١٠] . لقد كان فُؤادُها وهو عُمْقُ قلْبِها الشامل لأفكارها وعواطفها مشحوناً بالقلق والاضطراب والخوف عليه، فلمّا ألقته في اليمّ وعلمت بما جرى له، أزيحت عن

стр. 711

فؤادها الغمّة، وأصْبحَ فارغاً من القلق والاضطراب والخوف عليه فجاءت عبارة ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً﴾ كنايةً عن طُمَأْنينتها على وَلَدِها، وسكينتها، واستمتاعها بمشاعر السعادة، لأنّ من شأن فراغ الفؤاد من الأفكار والعواطف المثيرة للقلَق والاضطراب والخوف أن تُصَاحبَهُ الطُّمَأْنينة والسكينة ومشاعر السّعادة. هذه الكناية خفيّةٌ نوعاً ما، مع عدم تعدُّدِ الوسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه، وجاء خفاؤها بسبب احتمال الفراغ لأمرين متناقضين: الأوّل: الفراغ من الْهَمّ والخوف والقلق، وهو الفهم الذي ترجّح لديّ. الثاني: الفراغ من القوة المفكرة العاقلة بسبب الهمّ والخوف والقلق. وبسبب تردّد الفراغ بين هذين الاحتمالين اختلف أهل التفسير في إدْراك المكنَّى عنه. لكِنَّ المعنى الذي ذكَرْتُه هو المعنى الذي يتلاءم مع الحدث وسياق القصة. أمّا قول الله بعد هذه الكناية: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِها لِتكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] فَهُو رُجُوعٌ بالبيان إلى حال أُمِّ موسَى قبل أن تضعه في الصندوق وتُلْقيَه في اليمّ، إذْ صعُبَ عليها أن تباشر بنفسها إلقاء ولدها في اليمّ، ورأتْ أنّ احتمال هلاكه في اليمّ قريب من احتمال ذبحه بأيدي جنود فرعون، فجاء الرّبط على قلبها مانعاً لها من أن تظهر أمرها، وممدّاً لها بالثبات لتنفيذ ما أوحى الله لها به. وهذا الرجوع بالبيان هو من التفصيل بعد الاجمال، وهو من أساليب القرآن في عرض القصص، وله نظائر متعدّدة فيه. المثال الثاني: يستشهد البيانيون بقول الخنساء "تُماضر بنت عمر" تصف أخاها صخراً: طَوِيلُ النِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَاد ... كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَا

стр. 712

كنَّتْ الخنساء عن طول قامة أخيها بطول نجاد سيفه. النِّجاد: حمائل السيف، إذ من المعلوم باللّزوم الذهني أنّ الرجل ذا القامة القصيرة لا يتَّخذ حمائل طويلة لسيفه، إنّما يتّخذ الحمائل الطويلة من كان من الناس طويل القامة. وكنَّتْ عن كون أخيها ذا منزلةٍ رفيعةٍ في قومه بقولها: "رفيع العماد" أي: بيته بين بيوت العرب ذو أعمدة عالية، إذْ يلزم ذهناً من ارتفاع أعمدة سُكَّان الخيام في البادية أن تكون هذه الأعمدة لبيوت عظيمة كبيرة، وجرت العادة أن تكون هذه الخيام العظيمة لذوي المكانة الرفيعة في أقوامهم، أمّا سائر سُكَّان البادية فتتشابَهُ خيامهم في ارتفاعها وأحجامها وأطوال أعمدتها. وكنّتْ عن كون أخيها جواداً مِضْيافاً بقولها: "كثير الرَّماد" وقد سبق شرح دلالة هذه الكناية. المثال الثالث: قول الشاعر يصف شجاعة قومه وبأسهم: الضَّارِ بِينَ بكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَمٍ ... والطَّاعِنِينَ مَجَامِعَ الأَضْغَانِ بكُلّ أَبْيَضَ مِخْذَمٍ: أي: بكل سيفٍ أبيض قاطع. كنَّى الشاعر في هذا البيت عن القلوب بعبارة: "مَجَامع الأضغان". الأضغان: الأحقاد، لقد ترك الشاعر التصريح بلفظ القلوب، وكنَّى عنها بذكر بعض صفاتها وهي كون الأحقاد تجتمع فيها، فإذا وُجدت الأضغان كانت مجتمعة في داخلها وملازمةً لها. وأفادت هذه الكناية أنهم يطعنون قلوب أعدائهم الذين تجتمع في قلوبهم أضغان عليهم. ويدخلُ في الكناية إطلاق الصفة مراداً بها الموصوف، وعلى هذا فعبارة: "أَبْيَضَ مِخْذَمٍ" عبارةٌ كَنَّى بها عن السيف.

стр. 713

ومثل هذا كثير جدّاً، وهو من الكنايات الشائعة الواضحة. ومن هذا إطلاق "السابح" مراداً به الفرس، وإطلاق "الْعَضْب" بمعنى القاطع مراداً به السيف. وإطلاق النابح كنايةً عن الكلب، وهكذا إلى أمثلة كثيرة جدّاً. المثال الرابع: ما جاء في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) بشأن بني إسرائيل الذين اتّخذوا العجل الذهبيّ يعبدونه من دون الله، حينما ذهب موسى ﵇ لمناجاة ربّه، لأنّهم استبطئوا عودته إذْ زاد الله له الميعاد من ثلاثين ليلة إلى أربعين ليلة، ثمّ لمّا رأوه من بعيد راجعاً إليهم وبيده الألواح ندموا على ما فعلوا ندماً شديداً ورأوا أَنَّهم قد ضَلُّوا، قال الله فيها: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الآية: ١٤٩] . جاء في هذه الآية الكناية عن نَدَمِهم وخوفهم من سطوة موسى ﵇ وعقابه، إذ خالفوا موعدهم الذي واعدوه إيّاه أنْ لا يُغَيّروا ولا يبدّلُوا في الدين شيئاً بعبارة: ﴿سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ﴾ . قال أهل التفسير: أي: نَدِمُوا وتَحيَّرُوا. قال الزّجاج: هُوَ نظمٌ لم يُسْمَع قبل القرآن ولم تَعْرِفه العرب. أقول: هو كنايَةٌ عن نَدَمِهم وشدّة خوفهم، وأصْلُ هذه الكناية أنّ الْمُجْرِمَ إذا أدْرَكَهُ الجنود أسرعوا فأسقطوا بعُنْفٍ في يَدَيْهِ الْقَيْدَ الحديدّي حتَّى لاَ يَفِرَّ، فإذا فعلُوا به ذلك ارتخت أعصابه، ووهَنَتْ عزائمه، وأيْقَنَ أنّه مَسُوق للعقاب. وهؤلاء الذين اتخّذوا العجل الذهبيّ الذي عبدوه أحْسُّوا بمثل هذا لمَّا رَأَوْا من بعيدٍ موسَى ﵇ راجعاً إليهم ومعه الأَلواح، كأنّه قد حَصَل سُقوطُ قيدٍ حَدِيدىٍّ في أيديهم، وسيلاقون عقابهم.

стр. 714

هذه الكناية أُرِيدَ منها لاَزِمُها وهو الشعور بالندم والخوف من العقاب مع العجز عن الفرار، وهي كناية ذاتُ إبداعٍ فنّي رائع، وهي من الكنايات الخفيّة مع عدم وجود وسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه. المثال الخامس: قول الله في سورة (الزخرف/ ٤٣ مصحف/ ٦٣ نزول) : ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] . في هذه الآية جاءت الكناية عن البنات في سياق الحديث عن المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله بعبارة: "مَنْ يُنْشَّأُ فِي الحلْيَة وهو في الخصام غير مبين". فمن المعروف في عادات الناس أنَّهم يُنَشِّئُون بناتهم بما يلائم طبيعتَهُنَّ، وذلك بإعدادهنّ حتّى يكُنَّ زوجاتٍ مالكاتٍ قُلوب أزواجهنّ، وهذا الإِعداد يتطلّبُ تدريبَهُنَّ على إتقان زيناتِهِنَّ وحِلْيَاتِهِنَّ، والتخضُّعِ في القول، ومُجَافَاة الجدال، وعدم تعلُّم الكلام الذي يُقَال في المخاصمات، لئَلاَّ يُفْسِد عليها لسانُها حياتَها مع زوجها، أو مع أحد أولياء أَمْرِها، فجمال المرأة بحشمتها وإتْقان زينتها وضبطِ لسانها عن الخُصُومات. هذه الكناية جاء فيها ذكر الصفات كنايةً عمَّنْ يتصف بها عادَةً، وهُنَّ البنات في قصور الملوك وكبراء القوم، في مقابل جعل المشركين الملائكة بنات اللَّهِ وهو مَلِكُ الملُوك. ونلاحظ في هذه الكناية إبداعاً تعبيريّاً، وتوجيهاً ضمنيّاً لِمَا يَحْسُنُ أن تُنشَّأَ عليه البنات حتَّى يكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ مُهَذّبَات. المثال السادس: قول البحتري في قصيدته الّتي يذكر فيها قتله للذئب: عَوَى ثُمَّ أَقْعَى فَارْتَجَزْتُ فَهِجْتُهُ ... فَأقْبَلَ مِثْلَ الْبَرَقِ يَتْبَعُهُ الرَّعْدُ

стр. 715

فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ تَحْسَبُ رِيشَهَا ... عَلى كَوْكَب يَنْقَضُّ واللَّيْلُ مُسْوَدُّ فَمَا ازْدَادَ إلاَّ جُرْأَةً وَصَرامَةً ... وَأَيْقَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ مِنْهُ هُوَ الْجِدُّ فَأَتْبَعْتُهَا أُخْرَى فَأَضْلَلْتُ نَصْلَهَا ... بِحَيْثُ يَكُونُ اللُّبُّ والرُّعْبُ والْحِقْدُ فَأَوْجَرْتُهُ خَرْقَاءَ: أي: وجَّهْتُ لَهُ طَعْنَةً بنبْلَةٍ خَرْقَاء لم تُصِبْهُ، وصف النبلة بأنّها خرقاء لأنها لم تصب الهدف. فَأَضْلَلْتُ نَصْلَها: أي: ضّيعتُ نَصْل النبلة الأخرى، كنَّى بهذه العبارة عن إصابتها الذئبَ بها وضياعها داخل جسده. بحيث يكون اللُّبُّ والرُّعبُ والحقد: كنَّى بهذه العبارة عن قلب الذئب، إذْ القلب هو مكان اللّب والرُّعْبِ والحَقدِ في مفاهيم الناس. وهذه الكناية من التعبير بالشيء عن المكان الذي يحلّ به أو يوجد عادة فيه. المثال السابع: قول المتنبيّ يمدح "سيف الدولة" لمَّا ظفر ببني كلاب إذْ عَصَوْه: فَمَسَّاهُمْ وَبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ ... وصَبَّحَهُمْ وَبْسْطُهُمُ تُرَابُ وَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ قَنَاةٌ ... كَمَنْ فِي كَفِّهِ مِنْهُمْ خِضَابُ كنَّى بعبارة: "وبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ" عن أنَّهُمْ كَانُوا في عزّةٍ وسيادة قبل محاربته لهم، لأن من كان عزيزاً سيداً كانت بُسْطُهُ غالباً من حرير. وكنَّى بعبارة "وبُسْطُهُم تُرَاب" عن حالة الذُّلّ والمهانة التي وصَلُوا إليها بعد أن حاربهم وظفر بهم، لأنّ الذليل المهين لا يجد غير التراب يفترشه. ووصف في البيت الثاني رجالَهُمْ بأَنَّهم صاروا من ضَعْفهم عن مقاومة جيشه كالنساء اللّواتي يخضِبْنَ أكفَّهُنّ بالحنّاء، فكنَّى عن النساء بالوصف الذي يتصف به عادة نساء عصره، وكنَّى عن الرّجال بالوصف الخاصّ بهم، وهو القبض على قنوات الرّماح.

стр. 716

المثال الثامن: قول البحتري: أَوَ مَا رَأَيْتَ الْمَجْدَ أَلْقَى رَحْلَهُ ... في آلِ طَلْحَةَ ثُمَّ لَمْ يَتَحَوَّلِ كنَّى بهذا التعبير عن كون آل طلْحَةَ سادةً ثُمَّ أشرافاً أَهْلَ مَجْد، فَمَنْ ألقى المجدُ رحْلَهُ في داره ولم يتحوَّل عنها، فلا بُدَّ أنْ يكون المجدُ منسوباً إليه لعظيم شرفه ورفيع منزلته. وفي هذه الكناية إمتاعٌ للأديب بصورة أدبيَّةٍ جميلة. ***

стр. 717

المقولة الثانية: التعريض التعريف اصطلاحاً: عرفنا في المقدمة أن التعريض طريقة من الكلام أَخفى من الكنايةِ فلا يشترط في التعريض لزوم ذهني، ولا مصاحبةٌ، ولا مُلابسة ما بين الكلام وما يُرادُ الدّلالة به عليه، إنّما قد تكفي فيه قرائن الحال، وما يفهم ذهناً بها من توجيه الكلام، وبهذا يظهر الفرق بين الكناية والتعريض. وقد يُراد بالتعريض المعنى الحقيقي للكلام، وقد لا يراد، فهو قسمان. المعنى اللغويّ: التعريض في اللّغة: أن تقول كلاماً لا تُصرّح فيه بمرادكَ منه، لكنّه قد يشير إليه إشارة خفيّةً، ويُمْكِنُك أن تتهرَّبَ من التزام ما أشرتَ به إليه إذا صِرْت مُحْرَجاً. يقال لغة: عرّض لي فلانٌ تعريضاً: أي: قال فلم يُبَيِّن بصراحة اللفظ. أَعْراضُ الكلام ومَعَارِضُهُ ومعاريضُه: كلامٌ غير ظاهر الدلالة على المراد، وفي الحديث: "إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب" أي: فيها سعة يتخلّص بها المتحدّث من الكذب إذا لم يرد التصريح. والتعريض في خطبة المرأة: أنْ يتكلّم الخاطب بكلام يشبه خطبتها دون تصريح. وقد يكون التعريض بضرب الأمثال وذكر الألغاز في جملة المقال.

стр. 718

ويقول الناس بشأن التعريض: إيّاكِ أعني، واسْمَعِي يا جارة. فما يدور حوله المعنى اللّغويُّ قريب جدّاً من المعنى الذي ذكره البيانيّون للتعريض، أو إنّ المعنى الاصطلاحي مأخوذٌ من المعنى اللّغويّ بزيادة شيء من التحليل. الشرح التحليلي مع الأمثلة: * قد يتوسَّل الإِنسان بالتعريض العملي لدلالة حاله: فقد يلبس الفقير المحتاج ثياباً مقطّعة، أو مرقّعة، دون أنْ يقول شيئاً، تعريضاً بأنّه من مستحِقّي الزكاة، ويكتفي بدلالة الحال عن دلالة المقال، فيراه المتصدّقون فيبذلون له من زكوات أموالهم. وكان يأتي بعضُ أصحاب الرسول ﷺ في بعض الغزوات وقد ربط كلُّ منهم على بطنه حجراً، تعريضاً بأن الجوع قد بلغ منه مبلغاً شديداً، فيكشف الرسولُ لهم عن بطنه، فيرون أنّه قد ربط حجرين. وربّما حمل الْعُضْو في حزب من الأحزاب أو منظمة من المنظمات شعار الحزب أو المنظمة، تعريضاً بأنّه عضوٌ في ذلك الحزب، أو تلك المنظمة. وربّما خرج البخيل من بيته وهو يخلّل أسنانه، تعريضاً بأنّه قد أكَلَ هو وأهله اللَّحم الكثير، وقد يكون الواقع بخلاف ذلك. ونظير هذا التعريض العملي يكون التعريضُ في الكلام. * فقد يقول الشابّ الراغب في الزواج لوالديه: ابنة عمّي صارت ناضجة ومناسبةً لمن يخطبُها، تعريضاً بأنّه يريد أن يتزوّج ولا مانع لديه من خطبتها له. ويقول من يرى نظراتِ كيْدٍ وعداءٍ ممّن هو نِدٌّ له: جاءني اليوم بعض المنافسين وتطاوَلَ عليّ ببعض القول، فسلّطتُ عليه بعض رجالي، فأمطروهُ ضرباً

стр. 719

ولَكْماً حتّى غاب عن وعيه، ولمّا علم أهله بأمره جاءوا فحملوهُ مريضاً يئنُّ من الألم، تعريضاً للمخاطب بأنّه إذا أراد التطاول عليه أنزل به مثل ذلك، فهو ذو عزوة وأنصار وقُدْرَة. ويقول طالب وظيفة ذات راتب في الدولة، بحضور من يملك توظيفه، أو باستطاعته أن يتوسط له لدى من يملك توظيفه: أنا لا عمل عندي أكسب منه مالاً، وعندي من المؤهلات كذا، وعندي أسرة من خمسة أشخاص أنا مسؤول عن إعالتهم، تعريضاً بأن يوظفه أو يتوسط له. فالتعريض فنٌّ من فُنون القول غير المباشر يُعْتَمَدُ فيه غالباً على قرائن الحال لاَ على قرائن المقال، والتعريضُ - كما سبق - أخفى من الكناية، لأنّ الكناية لا تقتصر قرائنها على قرائن الحال، بل لها من قرائن المقال ما يَدُلُّ على المراد بها. *** الأغراض البلاغية لاستخدام التعريض: قد يتحقق باستخدام التعريض أغراض بلاغيةٌ تشبه الأغراض البلاغيَّة التي تتحقق باستخدام الكناية، وهي التي سبق بيانها في بحث الكناية، دون حصر. وفي التعريض مزيد إخفاء يجعلُهُ أكثر قولاً حينما يكون التصريح مثيراً لغضبٍ، أو نقدٍ، أو اتّهام، أو عَذْلٍ وتَلْوِيم، أو يكشف أمراً يجب سَتْرُه عن الرُّقباء، فيقوم التعريض مقام الإِلغاز والرَّمْزِ الخفيّ، وما يُسمَّى في اصطلاح الجيوش "الشيفرة". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) خطاباً لرسوله:

стр. 720

﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الآية: ٦٥] . من المعلوم في أصول الدين أنّ الرَّسُولَ الّذِي يصطفيه الله لتبليغ رسالته للناس، لا بدّ أن يكون معصوماً عن أن يشرك بالله شيئاً، فقول الله للرسول محمّد ﷺ ولكل رسول اصطفاه الله من قبله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ هو خطابٌ بصريح العبارة للرّسول، وهُوَ تَعْرِيضُ لكِلّ من آمَنَ به واتّبَعَهُ أنْ يَحْذَروا من الشِّرْكِ لئلاَّ تحبَطَ أَعْمالُهُمْ ويكونوا من الخاسرين. هذا التعريضُ أبْلَغُ منْ مواجَهة غير الرسول بصريح الخطاب، وذلك لأنّ الرسول إذا كان لا يَمْلك لنفسه عند ربّه الحماية من أن يَحْبَطَ عملُه ويكونَ من الخاسِرِين إذا أشرك، وهو ذو المكانة العالية عند ربّه والمحظوظ بالاصطفاء، فكيف يكون حال سائر الناس ليس لهم عند ربّهم مثل ذلك. وهذا نظير من يُهدِّدُ ولَدَه بالعقاب الشديد إذا كسَر له شيئاً من تُحف قَصْرِه، أمَامَ أولاد الآخرين، وكان قد حذّر كلّ من يكْسِرُ له شيئاً منها بالعقاب الشديد، وهو قادر على تنفيذ عقوباته. إنَّهم يدركون أنّ عقابهم سيكون أشدّ وأقسَى إذا فعلوا ما نَهَى عنه، وحذّر من الاقتراب منه. المثال الثاني: ما جاء في القرآن من نحو قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلباب - وليَذَّكَّر أُولوا الألْبَاب - وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَاب - كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - إِنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ . في هذه النُّصوص تعريض بالكافرين الذين لا ينتفعون من آيات الله في كونه، وآياته في بياناته، بأنّهم لا ألباب لهم، وبأنّهم لا يتفكّرون، وبأنّهم لا يفقهون، دون أن تكون هذه المعاني منصوصاً عليها، لكنّها تُفْهَمُ إلماحاً.

стр. 721

المثال الثالث: قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١١٣ نزول) : ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [الآية: ٨١] . إنّ عبارة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾ لم يُقْصَدْ مِنْها إعْلاَمُ المنافقين المخلَّفِينَ عن رسول الله في غزوة تبوك، بأنَّ نار جهنَّمَ أشَد حَرّاً من حرارة الفصل الصيفي الذي خرج فيه الرسول والمؤمنون إلى غزوة تبوك، فهذا أَمْرٌ واضحٌ، لكنّ المقصود التعريض بأَنَّ هؤلاء المنافقين هم من أهل جهَنَّمَ الّتِي تَكْويهم بحرّها يوم الدين. المثال الرابع: دُعَاءُ مُوسَى ﵇ عند ماء مَدْيَنَ إذْ خرج من مصر خائفاً يترّقَّبُ، وهو ما جاء بيانه في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) : ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امرأتين تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فسقى لَهُمَا ثُمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [الآيات: ٢٣ - ٢٤] . نُلاحظ في دعاء موسَى ﵇ بقوله: "رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" احتمال التعريض بحاجته إلى المأوى والرزق والزوجة، ورأى أنّ الله قد ساق له مقدّمات ما هو بحاجة إليه، فقال: "رَبِّ إِنّي لِمَا أَنْزَلْتَ" بصيغة الفعل الماضي، ولم يَقُل: لما سَتُنْزِل، إذْ شَعَر أَنّ بشائر ما هو مفتقر له قد ظهرت بفرحة المرأتين به لمَّا سقَى لهما، وعَلِمَ أنّ أباهما شيخٌ كبير يحتاج إلى معين رجل. لذلك جاء في النصّ بعد حكاية دُعائه قول الله تعالى: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾ فدلّت الفاء العاطفة على الترتيب مع التعقيب، وفي هذا إشعارٌ بأنّ الله استجاب له دُعاءه الذي دَعا به تعريضاً لاَ تصريحاً.

стр. 722

وتضمَّنَت القصّة بعد ذلك تحقيق ما هو مفتقر إليه، فأوى عند أبيهما الشيخ الكبير، وأصاب رزقاً، وزوجةً صالحة. المثال الخامس: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس ... ﴾ [الآية: ٢٥٣] . ففي عبارة: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ تَعْرِيضٌ بارْتفاعِ مُحَمّد خاتم الرُّسُلِ دَرَجَاتٍ على سائر الرُّسل، ولمْ يَأْتِ هذا البيان بعبارةٍ صريحةٍ فيها نصٌّ على ارتفاع منزلته فوق سائر الأنبياء والمرسَلِين تعليماً للمسلمين أن يتأدّبوا مع جميع الرُّسل ولا يَتَّخِذُ من أفضليّة محمّد ﷺ ذريعةً للتنافُسِ والتفاخُرِ به على سائر الأمم، فمثل هذا قد يولّد شقاقاً، ويَصُدُّ أتباع الرسُل السابقين عن اتّباع محمّد خاتم المرسلين، ولعامّة الناس في تعبيراتهم الدّارجات والمبتكرات تعبيراتٌ هي من أمثلة التعريض، وهي كثيرة. * سمعت أحدهم يقول لآخر: "كلّ عضَّة بغصّة يا سفرجل" تعريضاً بأنّه صَعْبٌ عَسِر. فرَدّ عليه بقوله: "كلّ عضّة بشوكة يا صبّارة" الصبارة هي "التين الشوكي في مصر - والبرشومي في الحجاز" تعريضاً بصفاته الشائكة. * وفي عهد أحد الانقلابيين الذين تَسَلَّموا سدّة الحكم في سورية، وكان من مدينة حماة، ترامَى للنّاس أنّ نهاية عهده قاربت، وكان الموسم موسِمَ قُرْبِ انتهاء المشمش الحموي، فصار باعَةُ هذه الثمرة ينادون عليها في الأسواق: "خلصت أيامك يا حموي - قربت أيامك يا حموي" تعريضاً بانتهاء سلطة الحاكم الانقلابي الذي هو من حماه. * ويتشاتم البيض والسُّود بمعاريض الأقوال، فيقول البيض تعريضاً بالسّود

стр. 723

"باذنجان كيس كبير برط شعير" فيقول السّود تعريضاً بالبيض: "قرع كثير، كبير وصغير، خمس أكْيَاس بكفّ شعير". وتَسْمَع من الظُّرَفاء طرائف كثيرة تشتمل على أمثلة كثيرة من أمثلة التعريض، وتُسْتَخْدَمُ فيها الأمثال الدارجة بين الناس. ***

стр. 724

" علم البيان" الفصل الثاني: التشبيه والتمثيل

стр. 725

المقدمة في التعريفات المعنى اللغوي: التشْبيه والتمثيل في اللّغة مترادفان معناهما واحد، وهو بيان وُجود صفة أو أكثر في المشبَّه مُشابِهَةٍ لمَا يَظْهَرُ من صفاتٍ في المشبَّه به. والتشابه اشتراك شيئين فأكثر في صفةٍ أو صفاتٍ متماثلات، وقد يؤدّي هذا الاشتراك إلى اللّبْس وعدم القدرة على التَّعْيين، إذا كان المطلوب فرداً معيّناً أو صنفاً معيّناً فيه هذه الصفة أو الصفات. المعنى الاصطلاحي: المعنى الاصطلاحي عند البيانيين للتشبيه والتمثيل مطابق للمعنى اللّغوي، وقالوا في تعريفه أقوالاً أحسنها: "الدّلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما". وخصّ البيانيون لفظ "التمثيل" بالتشبيه المركّب الذي يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدّد. ***

стр. 726

المقولة الأولى: التشبيه هو الدلالة على مشاركة شيءٍ لشيءٍ في معنىً من المعاني أو أكثر على سبيل التطابق أو التقارب لغرضٍ ما ولا يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدد. وله أركان وتقسيمات متعددات على ما سيأتي بيانها إن شاء الله. (١) أركان التشبيه من الواضح بداهة أنّ لكلّ تشبيهٍ أركاناً أربعة تدلُّ عليها ألفاظٌ تُذْكر في التشبيه، وقد يحذف بعضها لغرضٍ بياني: الركن الأول: المشبَّه. الركن الثاني: المشبَّهُ به. الركن الثالث: أداةُ التشبيه، وتأتي أداة التشبيه حرفاً، أو اسماً، أو فعلاً. * فالحرف له لفظتان: (١) "الكاف" ويليها المشبّه به مثل قول الله في سورة (النحل/ ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول) : ﴿وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ... ﴾ [الآية: ٧٧] . (٢) "كأنّ" ويليها المشبّه به، وتفيد التشبيه إذا كان خَبَرُها جامداً أَوْ مُؤَوّلاً بجامد، مثل قول الله في سورة (لقمان/ ٣١ مصحف/ ٥٧ نزول) :

стр. 727

﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الآية: ٧] . قالوا: والتشبيه بكأنّ أبلغ من التشبيه بالكاف، لأنّها مركّبة من الكاف وأَنَّ. * والاسم له ألفاظ، منها: "مِثْل - شِبْه - شبِيه - نظير - مَثِيل" ونحوها. * والفعل له ألفاظ، منها: "يُشْبِه - يُمَاثل - يُنَاظر -" ونحوها من كُلّ ما يدلُّ على تشبيه بشيء. الركن الرابع: وجْهُ الشَّبَه، وهو مَا لُوحِظَ عند التشبيه اشتراك المشبَّه والمشبَّه به في الاتّصاف به، من صفة أو أكثر، ولو لم يتساويا في المقدار، ولو كانت ملاحظةُ الاشتراك خياليّة غير حقيقيّة، كتشبيه رأس إنسانٍ منفرٍّ مُرْعبٍ برأس الْغُول، وتشبيه السّاحرة بأنّ وجهها كوجه شيطان. أمثلة: (١) قول المعرّي: رُبَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ الصُّبْحُ فِي الحُسْـ ... ـنِ وَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ الطَّيْلَسَانِ الطيلسان: نوع من الأوشحة يُلْبَس على الكتف أو يحيط بالبدن، خالٍ من التفصيل والخياطة. * فالمشبه في هذا التشبيه اللّيل الذي عناه المعرّي. * والمشبه به الصُّبْح. * وأداة التشبيه: "كأنّ". * ووجه الشبه: "الْحُسْن" المصرّح به في عبارة "في الْحُسْنِ". (١) قول المعريّ يخاطب ممدوحه: أَنْتَ كالشَّمْسِ في الضِّيَاءِ وَإنْ جَا ... وَزْتَ كِيوَانَ فِي عُلُوِّ الْمَكَانِ

стр. 728

كيوان: اسم لكوكب زُحَل أبْعَدِ الكواكب السّيارة بالنسبة إلى الأرض. * فالمشبّه في هذا التشبيه هو ما دلَّ عليه لفظ "أنْت". * والمشبَّهُ به ما دل عليه لفظ "الشمس". * وأداة التشبيه "الكاف" في عبارة "كالشمس". ووجه الشّبه ما دلّ عليه عبارة: "في الضياء". (٢) وقال آخر يخاطب ممدوحه: أَنْتَ كَاللَّيْثِ في الشَّجَاعَة وَالإِقْـ ... ـدَامِ والسَّيْفِ فِي قِرَاعِ الْخُطُوب قِرَاع الْخُطُوب: أي: مصارعة الشدائد والتَّغَلُّبِ عليها. في هذا البيت تشبيهان لمشبَّه واحد. * فالمشبّه: "أنت". * والمشبّهُ به "اللّيثُ في التشبيه الأول و"السّيف" في التشبيه الثاني. * وأداة التشبيه "الكاف". * ووجه الشبه "الشجاعة والإِقدام" في التشبيه الأوّل، و"قِرَاع الخطوب" في التشبيه الثاني. (٣) وقال آخر يصف الماءَ وهو يجري صافياً: كَأَنَّمَا الْمَاءُ في صَفَاءٍ ... وقَدْ جَرَى ذَائِبُ اللُّجَيْنِ اللُّجين: الفضَّة. * فالمشبّهُ: "الماء". * والمشبَّهُ به: "ذَائِبُ اللُّجَيْن". * وأداة التشبيه: "كَأَنَّما". * ووجه الشبه: "الصفاء والجريان". ***

стр. 729

(٢) فنّ التشبيه ودواعيه فنُّ التشبيه: التشبيه فَنُّ جميل من فنون القول، وهو يدلُّ على دقَّة مُلاحظة الأشباه والنظائر في الأشياء، سواءٌ أكانت مادّيات تدرك بالحواس الظاهرة، أو معنويات، حتى الفكريات المحض، إذْ ينتزع منها لمَّاحُو عناصر التشابه بين الأشياء التي تدخُل في حدود ما يُعْلَم ولو لم يكن له وجودٌ خارج الأذهان، فيجدون بينها أجزاء يشبه بعضها بعضاً، على سبيل التطابق أو التقارب، فيُعبّرون عمّا لاحظوه من تشابُهٍ يشبه بعضها بعضاً، على سبيل التطابق أو التقارب، فيُعبّرون عمّا لاحظوه من تشابُهٍ بعبارات التشبيه، ويَحْسُن في ذوقهم الأدبيّ أنْ يُشَبّهوا ذا الصفة الخفيّة بذي الصفة الجليّة، نظراً إلى وجود جنس هذه الصفة أو نوعها فيهما، وأن يشبّهوا ذا الصفة الجليَّة بذي الصفة الأجلى، وأن يشبهّوا ذا الصفة الأقل أو الأضعف أو الأدنى، بذي الصفة الأكثر، أو الأَقْوَى، أو الأعلى، نظراً إلى التشابه في عين هذه الصفة أو نوعها أو جنسها فيهما. ويُقْصَد التشبيه لتحقيق غرض بيانيٍّ فكريّ أو جمالي، أو فكري وجماليٍّ معاً. ونزوع الأنفس إلى التشبيه هو إحدى فطرها الّتي فطرها الله عليها، مع قصور التعبيرات ذوات الدلالات المباشرات عن أداء المعاني المرادة أحياناً كثيرة. لهذا نجد التشبيه موجوداً لدى كُلّ الأمم والشعوب، وفي كُلّ لغات الناس فصيحها وعامِّيها. قال "المبرِّد" في كناية: "الكامل":

стр. 730

"التشبيه جارٍ كثيراً في كلام العرب، حتَّى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يُبْعِدْ". وقال "أبو هلال العسكري" في "كتاب الصناعتين: النظم والنثر": "التشبيه يزيد المعنَى وُضوحاً، ويُكْسِبُه تأكيداً، ولهذا أطبق جميع المتكلّمين من العرب والعجم عليه، وَلَمْ يستغن أحَدٌ عنه". وتشبيه شيء بشيء يعتمد على وجود عُنْصِر تشابه بينهما، أو وُجود أكثر من عُنْصُر تشابه. ففي هذا الوجود الكبير أشباهٌ ونظائر بحسب تقدير الله وإتقان صنعته. ألَسْنَا نُلاحظُ في ظواهر الأشياء ممّا تُدْركُه الحواسُّ أشباهاً ونظائر في أجناسها، وأنواعها، وأصْنافها، وأفرادها؟. ألَسْنَا نلاحظ مثل ذلك في طبائع الأشياء من كلّ ما خلَق الله من نبات، وماءٍ، ورياحٍ، ونارٍ، وقوى وطاقات، وغير ذلك ممّا بثّ الله في كونه من ذي حياة وغير ذي حياة؟. ألَسْنَا نُلاحظُ مثل ذلك في طبائع النفوس وأحاسيسها، وسلوكِ ذوي الإِرادات الحرّة؟ إنّ الملاحظة الذكيّة تستطيع أن تتصيّد للشيء الواحد عدّة أشباه ونظائر من هذا الوجود الكبير. ولا يشترط في الشبيه أن يكون مطابقاً من كلّ الوجوه، بل يكفي فيه أَنْ يُلْمَح

стр. 731

منه جانبٌ فيه شَبَهٌ ما صالحٌ لأنْ يُشَبَّهَ به، بغية تحقيق غرضٍ من أغراض التشبيه البلاغيّة. *** دواعي التشبيه: يرجع اختيار أسلوب التشبيه في الكلام إلى الدواعي الرئيسة التالية: الداعي الأوّل: استخدام الأسلوب غير المباشر للتعبير عن المراد، إذْ هو أكثر تأثيراً في النفوس من الأسلوب المباشر غالباً، وذلك في المجالات الأدبيّة، وفي الموعظة، وفي كثير من صُوَر الإِقناع، وفي نحو ذلك. الداعي الثاني: ما في التشبيه من طُرُق متعدّدة، وصُورٍ كثيرة، تُعْطِي المعبّر البليغ مجالاً واسعاً لانتقاء ما يراه أكثر تأثيراً فيمن يوجّه له الكلام، أو أكثر إبداعاً، وهذا أمْرٌ يشعر فيه المتكلّم بلذّة الإِبداع والابتكار وإيجاد ما لم يُسْبَقْ إليه، وهي نزعة موجودة في طبائع الناس الفطريّة، تنمو عند الأذكياء والعباقرة، وتضمر عند غيرهم. الداعي الثالث: ما في كثير من الصُّور التشبيهيّة منْ جمالٍ يُرضِي أذْواق المتلقّين وَيُمْتِعُهم، إذْ يُقَدّم لهم لوحاتٍ جماليّة مختلفة: * فمنها ما تنتزعه الذاكرة اللّمّاحة من الطبيعة الجميلة في المدركات الحسّيّة كما هو، فيقيس الفكر عليه، ويشبه به. * ومنها ما يجمع الفكر عناصره من الطبيعة، ويؤلّف الخيال بين هذه العناصر تأليفاً مبتكراً في صورة، ثم يقيس الفكر عليها ويشبّه بها. * ومنها أشياء معنوية فكرية يصوّر لها الخيالُ صوراً ثمَّ يقيس الفكر عليها ويشبّهُ بها. وربّما يشبّه الفكر بها دون أن يتدخّل الخيال في تصوير صُورٍ لها. ***

стр. 732

(٣) أغراض التشبيه الأديبُ البليغ شاعراً كان أو ناثراً، كاتباً أو متحدّثاً، قد يختار في كلامه طريقة التشبيه ضمن ما يختار من طُرُق الكلام وأساليبه ليحقِّق به غرضاً أو أكثر من الأغراض التالية، سواء أكان ما اختاره تشبيهاً مفرداً أو مُركّباً، ويدخل فيه تشبيه التمثيل. الغرض الأول: كون الصورة الّتي دلّ عليها التشبيه أكثر بياناً وأوضح دلالة وأدَقَّ أداءً من الكلمات التي تدلُّ بوضعها اللّغوي على المعنَى مباشرة، دون استخدام التشبيه. الغرض الثاني: تقريب صورة المشبَّه إلى ذِهْنِ المتلقّي عَنْ طريق التشبيه، إذا كان وجْهُ الشَّبَهِ في المشبَّه به أكْثَر وضوحاً وأظْهَر، أو كان مقدارُه أعظم، كتشبيه القلوب القاسية بالحجارة. الغرض الثالث: الإِمْتَاعُ أو الاستمتاع بصُورٍ جماليّة يشتمل عليها التشبيه، ففي كثيرٍ من التشبيهات الدقيقة المحكمة صُوَر جمالية لا تُوجَدُ في غيرها من طُرُق الكلام، فقولك: "ليلةٌ تمشي كالسلحفاة" أكثر إمتاعاً من قولك: "ليلة بطيئة المسير". الغرض الرابع: الإِقناع بفكرة من الأفكار، وهذا الإِقناع قد يصل إلى مستوى إقامة الحجّة البرهانيّة، وقد يقتصر على مستوى إقامة الحجّة الخطابية، وقد يقتصر على لفت النظر إلى الحقيقة عن طريق صورةٍ مشابهة، ومنه تشبيه من يدعو غير الله بباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه. الغرض الخامس: الترغيب بالتَّزْيين والتحسين، أو التنفير بكشف جوانب القبح.

стр. 733

فالترغيب يكون بتزيين المشبَّه وإبراز جوانب حسنه، عن طريق تشبيهه بما هو محبوب للنفوس مرغوبٌ لديها. والتنفير يكون بإبْراز جوانب قُبْحِه، عن طريق تشبيه بما هو مكروه للنفوس، أو تنفر النفوس منه. وقد يكون كلٌّ من الترغيب والتنفير عملاً إيهاميّاً مُعْتَمِداً على صناعةٍ كلاميّةٍ مُبَالَغٍ فيها. الغرض السادس: إثارة مِحْور الطّمع والرَّغَب في النفس، أو مِحْوَرِ الخوف والْحَذر، إذا كان في المشبَّه مطامع تطمع فيها النفوس، أو مخاوف تحذرها. كتصوير المنفق في سبيل الله بزارع الحبّ الّذي تُنْبت كُلُّ حبَّةٍ منه سَبْع سنابل في كلّ سنبلَةٍ مئةُ حبَّة. وكتصوير أعمال الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، برماد اشتدتْ به الريح، فَسَفَتْهُ ونَسَفَتْهُ، فجعلته هباءً مُنْبَثّاً، فهم لا يقدرون على إمساك شيءٍ ممّا كَسَبُوا. فَلَدى إِثارةِ مِحْوَرِ الطّمَع والرَّغَبِ في النفس يتّجه الإِنسانُ بمحرّضٍ ذاتيّ إلى ما يُرادُ توجيهه له. ولَدَى إثارة مِحْوَر الْخَوْفِ والْحذَرِ في النفس يبتَعِدُ الإِنسَانُ بمحرّضٍ ذَاتِيّ عمّا يُرادُ إبْعادُهُ عَنْه. الغرض السابع: المدحُ أو الذَّمُّ، أو التعظيم أو التحقير. كأن تمدح الشجاع بتشبيهه بالأسد، وتَذُمّ الجبان بتشبيهه بالأرْنب، وتذمّ الدّيُّوث بتشبيه بالخنزير. وكأنْ تُعَظِّمَ جُودَ الجواد بتشبيهه بالبحر، وتحقّر خطبة بتشبيهها بنقيق الضفادع.

стр. 734

الغرض الثامن: شَحْذُ ذهن المتَلَقِّي وتحريكُ طَاقاتِه الفكريّة، أو استرضاء ذكائه، لتوجيه عنايته، حتَّى يتأمّل ويتفكّر ويَصِلَ إلى إدْراك المراد عن طريق التفكر. كتشبيه الصراع بين الحقّ والباطل بصورة الغيث الغزير، الذي يجري سيلاً يملأ الوادي، والزبد الذي يطفو على سطحه، وما ينتهي إليه كلٌّ منهما، أمّا الزّبد فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكُثُ في الأرض مُفيداً نافعاً. ومثل هذه التشبيهات يخاطب بها الأذكياء، وأهل التأمُّلِ والنَّظَر والبحث العلميّ، والمتفكّرون. الغرض التاسع: تقديم أفكارٍ كثيرة جدّاً ودقيقة، وهي ممّا يحتاج بيانُه عن غير طريق التشبيه كلاماً كثيراً يَصِلُ إلى عشراتِ الصفحات وأكثر من ذلك، فيَدُلُّ علَيْها التشبيه بأخصر عبارة، فالمشبّه به قد يكون بمثابة نموذجٍ مشهودٍ من نماذج الوسائل التعليميّة، فيكفي في العبارة أن يقال: مِثْلُ هذا. الغرض العاشر: إيثار تغطية المقصود من العبارة بالتشبيه، تَأَدُّباً في اللَّفظ واستِحْيَاءً. كتشبيه عمليّة التزاوج بوضع الميل في المكحلة. الغرض الحادي عشر: بيان صفةٍ للمشبّه، عن طريق التشبيه. * فمنه بيان إمكان وجود الصفة في المشبّه، إذْ هي في المشبّه به ظاهرة لا نزاع في وجودها فيه، ويرى المتلَقِّي عدم إمكان وجودها في المشبّه. * ومنه بيان حقيقة الصِّفة، إذا كانت أمراً غير معروف في المشبَّه، لخفائها، فيأتي التشبيه فيكشف حقيقة هذه الصفة المجهولة.

стр. 735

* ومنه بيان مقدار الصفة قوةً وضعفاً، إذا كانت حقيقتُها معروفة، لكنّ مقدارها مجهول. إلى غير ذلك من أغراض. *** (٤) صفات وخصائص التشبيهات المثلى يَحْسُن قبل الدخول في شرح أقسام التشبيه والتمثيل، أن يكون الدارس لهذا الفنّ من فنون الكلام عارفاً بالصفات الأساسيّة للتشبيهات الْمُثْلى، حتَّى لا يَظُنَّ أنّ كُلَّ تشبيه أو تمثيل هو من صور الأدب الرفيع، فربّ تشبيه أو تمثيل يُنْزِل من قيمة الكلام أدبيّاً وبلاغياً ولا يرفَعُهُ، وربّما يهوي به إلى الحضيض. ومن الخير له أن يَدْرُسَ التشبيهات والأمثال القرآنية، وأنْ يَدْرُسَ تشبيهاتِ وأمثال الأدباء البلغاء، ليكتسب الذوق الرّفيع، الذي يُميِّز به بين الغثّ والسمين من التشبيهات والأمثال، وليكتسب المهارة على تدبّر النصوص وتحليل ما فيها من ذلك، وعسَى أن يكتسب مهارة الإِبداع في هذا المجال. فمن الصفات الأساسيّة للتشبيهات المثلى ما يلي: الصفة الأولى: دقَّةُ التصوير، مع إبراز العناصر المهمّة التي هي مقصود التشبيه. الصفة الثانية: الابتكار، والابتعاد عن الاجترار والتكرار للتشبيهات المستعملة كثيراً في أقوال الشعراء والأدباء. الصفة الثالثة: التنويع في أساليب التشبيهات والأمثال ضمن الكلام المتتابع، والابتعاد عن التزام الوتيرة الواحدة، والمتابعة على نَمَطٍ واحد.

стр. 736

الصفة الرابعة: صدق المشابهة بين المشبَّهِ، والمشبّه به، ويكفي لتحقيق صدق المشابهة ما يسمَّى "الصّدْق الفنيّ" أي: الصدق في إحساس صاحب الكلام ومشاعره. الصفة الخامسة: ممّا يَرْتَقِي بالتمثيل إلى مستوى الذّروة، التصوير المتحرّك الحيّ الناطق، ذو الأبعاد المكانيّة والزّمانيّة، والذي تبرز فيه المشاعر النفسيّة والوجدانية، والحركات الفكرية للعناصر الحيّة في الصورة. الصفة السادسة: الابتعاد عن الإِسفاف والابتذال والتشبيِه ما يَحْسُن في غير الكلام سَتْره، من العورات والمستقذرات. الصفة السابعة: عدم التصريح بما يمكن أن يُدْرَكَ ذهْناً من القرائن. الصفة الثامنة: البناءُ عَلى المشبَّهِ بهِ كأنَّهُ عَيْنُ المشبّه، إذْ يُنْزَلُ المشبَّه به منزلة المشبَّه، بعد أن سِيق لإِحضار المقصود من المشبَّهِ عن طريقه. وهذه الصفة هي من صفات الأمثال القرآنيّة وخصائصها. *** (٥) تقسيمات متعدّدات لأنواع وصُوَر التشبيهات التقسيم الأول: تقسيم التشبيه باعتبار ذكر أداة التشبيه ووَجْه الشَّبَهِ أو عَدَم ذِكْرِهما يتعرّض التشبيه لأحوال مختلفة تتعلّق بذكر أداة التشبيه في اللّفظ وعدم ذكرها، وذكر وجه الشبه في اللفظ وعدم ذكره.

стр. 737

وينتج عن هذه الأحوال خمسة مصطلحات عن البيانيين، تتكوّن منها ثلاث صُور. المصطلح الأول: "التشبيه المرسل" وهو التشبيه الذي ذكرت فيه أداةٌ من أدوات التشبيه. المصطلح الثاني: "التشبيه المؤكَّد" وهو التشبيه الذي لم تُذْكَرْ فيه أداةٌ من أدوات التشبيه. المصطلح الثالث: "التشبيه المفصّل" وهو التشبيه الذي ذُكِرَ فيه وجه الشبه. المصطلح الرابع: "التشبيه المجمل" وهو التشبيه الذي لم يُذْكر فيه وَجْه الشبه. المصطلح الخامس: "التشبيه البليغ" وهو التشبيه الذي لم تُذْكر فيه أداة التشبيه، ولم يُذْكَر فيه أيضاً وجْه الشبه. ويتألف في التطبيق العمليّ من هذه المصطلحات الخمسة ثلاثُ صور، بمقتضى طبيعة التداخل: الصورة الأولى: وهي الصورة الدُّنْيا في درجة الأبلغيّة على ما ذكَرُوا، وهي التي يكون التشبيه كلُّه فيها "مُرْسلاً مُفَصّلاً". أي: هو التشبيه الذي ذُكرت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه معاً، مثل قولنا: "خالدٌ كالأسد في الشجاعة والبأس". الصورة الثانية: وهي الصورة الوسطى في درجة الأبلغية على ما ذكروا، وتأتي على وجْهَين: (١) أن يكون التشبيه كلُّه "مُرْسلاً مُجْملاً" أي: ذكرت فيه أداة التشبيه، لكن لم يذكر فيه وجه الشبه، مثل قولنا: "خالد كالأسد".

стр. 738

(٢) أن يكون التشبيه كُلُّه "مؤكّداً مفصّلاً" أي: لم تُذكَرْ فيه أداة التشبيه، لكن ذُكِر فيه وجه الشبه، مثل قولنا: "خالد أسَدٌ في الشجاعة والبأس". الصورة الثالثة: وهي الصورة العليا في درجة الأبلغيّة على ما ذكروا، وهي التي يكون التشبيه كُلُّهُ فيها "مؤكّداً مُجْملاً" أي: لم تُذْكَرْ فيه أداة التشبيه، ولم يُذْكر فيه وجْهُ الشبه. مثل قولنا: "خالد أسد". وتُسَمَّى هذه الصورة: "التَّشْبِيهَ البليغ". أمثلة: * من أمثلة الصورة الأولى التي يكون التشبيه فيها "مُرْسَلاً مُفَصّلاً" قول الشاعر: الْعُمْرُ مِثْلُ الضَّيْفِ أَوْ ... كَالطَّيْفِ لَيْسَ لَهُ إقَامَة الْعُمْرُ: مُشَبّه. مثل: أداة التشبيه. الضيف - الطيف: مشبَّه به. ليْسَ له إقامة: وجه الشبه. هذا تشبيه "مرسلٌ مفصّل". * ومن أمثلة الصورة الثانية التي يكون التشبيه فيها "مؤكّداً مفصّلاً أو "مرسلاً مجملاً" قول ابن المعتزّ: وَكَأَنَّ الشَّمْسَ الْمُنِيرَةَ دِينَا ... رٌ جَلَتْهُ حَدَائِدُ الضَّرَّابِ جَلَتْه: أي: صقلته. الضرَّاب: أي: الذي يَطْبَعُ النُّقود. كأن: أداة التشبيه.

стр. 739

الشمس المنيرة: المشبَّه. دِينارٌ جلته حدائد الضرّاب: مشبّه به. هذا تشبيه "مرسل مجمل" ذكرت فيه أداة التشبيه ولم يذكر فيه وجه الشبه. وقول البحتري يمدح أمير المؤمنين المتوكّل على الله. يَا ابْنَ عَمِّ النَّبِيّ حَقّاً ويَا أَزْ ... كَى قُرَيْشٍ نَفْساً وَديناً وَعِرْضاً بِنْتَ بالْفَضْلِ والْعُلُوِّ فَأصْبَحْـ ... ـتَ سَمَاءً وأصْبَحَ النَّاسُ أَرْضاً الممدوح: مُشَبَّه. سماءً: مشبَّهُ به، وأداة التشبيه غير مذكورة. بالفضل والْعُلُو: وَجْهُ الشبه. هذا التشبيه "مؤكّد مفصّل" ذكر فيه وجه الشبه، ولم تُذْكَرْ فيه أداة التشبيه. * ومن أمثلة الصورة الثالثة "التشبيه البليغ" الذي يكون التشبيه فيه "مؤكّداً مجملاً" قول الشاعر أبي القاسم الزّاهِي يصف حسناوات: سَفَرْنَ بُدُوراً. وانْتَقَبْنَ أَهِلَّةً ... ومِسْنَ غُصُوناً. والْتَفَتْنَ جَآذِراً في هذا البيت أربعة تشبيهات هي من التشبيه البليغ، إذْ لَمْ يُذكَرْ فيها أداة التشبيه ولا وجْهُ الشَّبه. مِسْنَ: أي: تمايَلْنَ تبخْتُراً واختيالاً. جآذِراً: جمع "جُؤْذُر" وهو ولد البقرة الوحشية، والعرب تعجبهم عيون الجآذر، فَيُشَبِّهون بها. وقول الآخر: فَاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالاً إِنَّما ... أَعْمَارُكُمْ سَفَرٌ مِنَ الأسْفَارِ

стр. 740

شبّه الأعمار بالسَّفر، على طريقة التشبيه البليغ الذي لم تذكر فيه أَداة التشبيه، ولا وجه الشبه. وقول المرقّش الأكبر (شاعر جاهلي) : النَّشْرُ مِسْكٌ. والْوُجُوهُ دَنَا ... نِيرٌ وَأَطْرَافُ الأَكُفِّ عَنَمٌ في هذا البيت ثلاثة تشبيهات هي من التشبيه البليغ، إذْ لم يذكر فيها أداة التشبيه وَلا وجْهُ الشبه. النشر: الرائحة الطيبة. الْعَنَم: نبات أملس له أزهار قِرْمِزِيّة، يُتَخَذُ خِضَاب، ويبدو أنّ الشاعر شبَّه أطراف أكفّ صَوَاحبه بأزهار هذا النبات على طريقة التشبيه البليغ، لا أنّه اعتبر أنّها مخضّبة بصِبْغ هذه الأزهار، وتقدير كلامه: وأطراف الأكُفّ أزْهارُ عَنَم. ويرى البيانيون أنّ التشبيه البليغ يعتَمِد على المبالغة والإِغراق في ادّعاء أنَّ المشبَّه هو المشبَّهُ به نَفْسه، لذلك لا تُذْكَرُ فيه أداة التشبيه، ولا وجْهُ الشّبه. ويرون أنّ التشبيه البليغ ذو مجالٍ واسعٍ لتسابق الْمُجِيدين من الأدباء والشعراء، وانتقاء روائع بديعة منه. ***
следующие страницы →