Полный текст (1 115 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
بل هُوَ كذّابٌ أشِرٌ: أي: بل هو كذّابٌ في ادّعاء الرسالة، مُسْتكْبرٌ طالبٌ للسلطانِ والْمَجْد بهذه الدعوى. أشِر: أي بَطِرٌ مُسْتكبر.
بَعْدَ هذا العرض الذي جاء بأسلوب حكايةِ خَبَرٍ، يُفَاجئ النّصّ بعرض صُورَةِ مقتطعةٍ من الحدث الماضي، دون أنْ تُقَدَّمَ بأسلوب حكاية خَبَرٍ، فقال الله :
﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر * إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ فارتقبهم واصطبر * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ [الآيات: ٢٦ - ٢٨] .
فِتْنَةً لَهُمْ: أي: امْتَحَاناً لَهُمْ.
كُلُّ شِرْبٍ مُخْتَضَرٌ: الشِّرْبُ: النّصيب من الماء الذي يُشْرَب، ووقْتُ الشُّرب.
والمعنى كلُّ ذي نصيب من الماء يحضُرُ في الوقْتِ المحدّد لأخذ نصيبه منه.
هذا ما قاله الله لصالح ﵇ إبّانَ الحدَث، جاءَ مقْتطعاً ومُقَدَّماً ضمن عرض حكاية ما جرى من ثمود، وقد جاء في موقعه من القصّة.
ويستأنِفُ النَّصُّ بعد هذا العرض المقتطع بصيغته من الحدث الماضي، دون أن يُورَدَ بأسلوب حكاية خَبَر، فَيَرْجِعُ إلى أُسْلوب حكاية مَا جَرَى حكايةً خبريّة، فقال الله :
﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ﴾ [الآية: ٢٩] .
أي: فتطاول فعقَرَ ناقَةَ الله.
وبعده يَطْرَحُ تساؤلاً على متلقّي القرآن ومتدبّري ما جرى لثمود، فيقول تعالى:
стр. 912
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [الآية: ٣٠] ؟؟
وهذا التساؤل لا بُدَّ أن يَردَ في أذهان متلقيّ أحداث قصّة ثمود، ويأتي الجواب عليه بقوله تعالى:
﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [الآية: ٣١] .
أي: كأكوام حطبٍ وشَوك أعدها صانِعُ حظيرة لدوابّه.
***
المثال السادس:
وجاء في سورة (يونس/ ١٠ مصحف/ ٥١ نزول) قولُ الله :
﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هاذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين * فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الآيات: ٢٢ - ٢٣] .
الْفُلك: يطلق على الواحد فما فوق، والمراد هُنا الجمع بدليل: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ .
قال البلاغيّون: في هذا النصّ التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، فبينما كان النصّ يخاطب المشركين بعبارة: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾ يتحوّل إلى الغيب بعبارة: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ... ﴾ .
أقول: إنّ الخطاب كان موجّهاً للذين يمكُرُونَ في آيات الله، لتحويلها عن دلالاتها الإِيمانيّة، والمخاطبون عند نزول النصّ قد لا يكونون من الذين ركبوا الْبَحْرَ وتعَرَّضُوا لمثل ما وَصَفَ النصّ بعد ذلك، لكنَّهُمْ لو تعرّضوا لمثله لكان حالُهُمْ مثل حال من وصفهم الله، نظراً إلى أن أهْلَ الكُفْر أشْبَاهُ في تصرُّفاتِهِم، إذِ الفطرةُ تُلْجِئُهُمْ إلى الله عند الاضطرار وشدّة الخوف، ثمَّ إنَّ كبرهم ورغبتهم في
стр. 913
الفجور لتلبية مطالب شهواتهم وأهوائهم، مع تعلُّقِهِمْ بالعاجلة وتشبُّثِهِمْ بزينتها، أُمُورٌ تَرُدُّهُمْ بَعْدَ الأمْنِ والاطمئنان والنِّعْمةِ والرَّخَاءَ، إلى مَا كانوا فيه من بغْي قبل ذلك.
فاقتضى تشبيه حالهم بحال أمثالهم السابقين لهم حكايَةَ قِصَّةٍ مِنْ قِصَص الكافِرِين السّابقين.
ولهذا توقّفَ النصّ عند الفِقَرةِ الأولى المتعلّقة بشأن المخاطبين إبَّانَ التنزيل وبَعْدَه، وانْتَقَلَ مُبَاشَرةً إلى تصوير مَشْهَد قومٍ كافِرينَ جرَتْ بهِمْ الْفُلْكُ بريحٍ طيّبة، فقال الله بأسلوب حكاية خَبَرٍ عن حدَثٍ مضى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ .
واكتَفَى النّصّ بالمقدّمة الّتي وُجّهَتْ للمخاطبين، عن ذكر نظيرها ممّا يخصُّ المتحدّث عنهم بالغيبة، فكأنّه قال لهم: فسيكون حالُكُمْ كحال كافرين قبلكم رَكبوا في الْفُلْكِ.
وحصل الاكتفاء بإشارةِ قول الله للمخاطبين: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك﴾ عن أن يقول لهم: إنّكُمْ لو تعرَّضْتُّمْ لمثل ما تعرّض له أصحابُ هذه القصّة لكنْتُمْ مثلَهُمْ، للتشابُه بينَكُمْ وَبينَهُمْ في أصْلِ الْفِطْرَةِ، وفي الدوافع إلى الكفر والبغي.
هذا فنٌّ من الإِبداع في الإِيجاز بعرض المشاهد الماضية مع الإِشارة التعريضيّة الضمنيّة إلى أنّ المخاطبين مثل أصحاب هذه المشاهد، غير فنّ الالتفاتِ من الخطاب إلى الغيبة، إنّه من الصُّور الأدبيّة العجيبة في البيان.
وإذْ تقرّر في هذا النصّ من سورة (يونس) هذا الوصف للمخاطبين، باعتبارهم نُظَراء أشباههم، أنزل الله بعده في سورة (العنكبوت/ ٢٩ مصحف/ ٨٥ نزول) قوله بشأن عموم الكافرين الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وقد جاء في معرض الحديث عن مشركي مكة:
стр. 914
﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾ [الآيات: ٦٥ - ٦٦] .
أي: فإذا رَكبوا في الْفُلْكِ مُسْتَقْبلاً، وتعرّضُوا لمثل ما سبَقَ ذِكْرُه في سورة (يونس) ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ كما دَعَا الّذين ذكرنا قصّتَهُمْ سابقاً.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَأَضَاف النّصُّ بيانَ كُفْرِ الشّرْكِ بالله، الذي يناسبُ حال المخاطبين. ومن لوازم كُفْرِ الشّرك هذا أن يُفْضِيَ بهم إلى البغي في الأرض بغير الحقّ.
ودوافع الشرك الذي يختارونه، بعد إخلاص الدين عند الشدّة ترجع إلى أمْرَين:
الأمر الأول: الكفر بما أنعم الله به عليهم، حتّى لاَ يؤدّوا واجب الشكر لله عليها بالطاعات والقربات.
الأمر الثاني: الرغبة في أن يتمتَّعُوا بلذّاتِ الحياة الدنيا، دون أيَّة ضوابط أوْ قيود، ومن كان كذلك فلا بدّ أن يكون فاجراً، منطلقاً انطلاقاً كُلّيّاً وبوقاحة تامّة، لارتكاب كلّ المنكرات من الأخلاق والأفعال.
***
المثال السابع:
وجاء في سورة (الأعراف/ ٧ مصحف/ ٣٩ نزول) وَصفُ أَحْدَاثٍ من أحداث يَوْمِ الدّين، وتقديم صُوَرٍ من صُوَرِ ما يَجْري فيه، وعلى اللّوحَةِ البيانيَّة التّنَقُّلُ والتَّرَاوُحُ العجيبُ بين عالم الابتلاء وعالم الجزاء، ومن موقف الحساب إلى مستقرّ الجزاء، مع التعاقب واستخدام أسلوب المفاجأة، في حركاتٍ بيانيّة بالغةِ الإِثارة، جاذِبَة للانتباه، مُعْجِبةٍ لأذواق أذكياء البلغاء.
فبينما يقدّم النصّ لقطات من واقع حال الّذين كانوا في الدنيا قد آمَنُوا وعَمِلُوا الصالحات، وهم سُعَداءُ بالنعيم المقيم في الجنّة، بقول الله :
стр. 915
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهاذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ... ﴾ [الآية: ٤٣] .
إذَا بالنَّصِّ انتقَلَ إلَى عَرْض مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ موقف الحشر بعد الحساب وفصل القضاء، وهو يتعلّقُ بأهل الجنّةِ أنفُسِهِمْ، دون أن تستكمل الآيَةُ فاصلَتها، فقال الله :
﴿ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الآية: ٤٣] .
دلَّنا على هَذا الإِشارةُ الخاصّة بالمشار إليه البعيد، ولو كانوا فيها لكان الظاهر أن يقال لهم: ﴿هذِهِ الجنّة﴾ . ودلّنا عليه أيضاً، ما جاء بعْدَ هذه العبارة من عَرْضِ لقطاتٍ موصولاتٍ بهذا النداء، وهي مقتطعاتٌ من عُمُومِ المشهد نَفْسِه في موقف الحشر بعد الحساب وفصل القضاء، وتشتمل هذه اللقطات على تخاطُبٍ بصوتٍ عالٍ بَيْنَ أصْحَاب الجنّة المطمئنّين بأنّهم سيَدْخلونَها، وأصحاب النّار الَّذينَ قَضَى اللَّهُ عليهم بأنَّهم داخلوها خالدين، فقال الله :
﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [الآية: ٤٤] .
وبَعْدَ هذهِ اللّقطَةِ منْ مشاهدِ هذا الموقف، إذَا بالنصّ يتحدَّث عن هؤلاء الظالمين حَدِيث مُبيِّنٍ لبَعْضِ صفاتِهِمْ وهُمْ الآنَ في الحياة الدّنيا، فقال الله :
﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ﴾ [الآية: ٤٤] .
وقد دلّ على أنّ هذا الحديث هو حديثٌ عَنْهُمْ وهم ما زالوا في عالم الابتلاء في الحياة الدّنيا، استعمالُ الفعل المضارع في عبارة: ﴿يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ وفي عبارة: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ ونحن نَعْلَمُ أنَّ الفعل المضارع يدُلُّ على الحركة المتكرّرة المتجدّدة، بدءاً من الحاضر، فتكراراً في المستقبل، وممّا يُضْعفُ إبداعَ
стр. 916
النصّ أنْ نُقَدِّرَ: الّذينَ كانوا يصُدُّون عن سبيل الله، وكانوا يبغونها عِوَجاً.
ويُضافُ إلى هاتَيْن الدّلالَتَيْن دلاَلَةُ عبارة: ﴿وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ﴾ فهي واضحةٌ في أنَّها تُعبِّرُ عن حالهم في الدّنيا، نظراً إلى أنَّهُمْ يومَ الدّين صاروا مؤمنين به إيمان شُهودٍ حسِّيّ.
وبعد هذه النقلة إلى الحياة الدّنيا، إذا بالنّصّ رجَعَ إلى عَرْض بقيّة اللّقطات المنتقيات، الّتي تحدث بعد أذان المؤذّن بين أَهْل الموقف في المحشر، فقال الله :
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ... ﴾ [الآية: ٤٦] .
أي: ويوجَدُ في هذا الموقف في المحشر بعْدَ فصْل القضاء الْعَدْليّ حجابٌ، وهو نحو سُورٍ أَوْ جَبَلٍ مُمْتَدٍّ من أقْصَى الْمَوقِفِ إلى أقْصَاه المقابل له. وهو يفْصِل بَيْنَ زُمَر أهل الجنّة، الّذِينَ قَضَى اللَّهُ لهم بأنَّهُمْ من أهلها ابتداءً، وبَيْنَ زُمَر أصحاب النار الَّذين قضى اللَّهُ بأن يكونوا خالدين فيها.
ويَقِفُ عَلى الأَعْرَافِ من هذا الحجاب رجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ مِنْ أهل هذا الجانب منه، وأهل هذا الجانب منه، بعلاماتهم، فأهل الجنّةِ بيضُ الوجوه، ولو كانوا في الدّنيا سوداً أو شيئاً آخر من سائر الملوَّنين، وأهْلُ النّار سُودُ الوجوه، ولو كانوا في الدنيا بيضاً شُقْراً.
والأعراف هي مرتفعاتٌ مُشْرِفاتٌ عَلى الحِجَاب، يُشاهِدُ الواقِفُ عليْها أْصحَابَ اليمين، وأصْحَابَ الشِّمالَ.
وأصْحَابُ الأعرافِ هُمُ الّذينَ لمْ تكُنْ حَسَناتُهُمْ كافياتٍ لأنْ يُقْضَى لهم بسببها ابتداءً أنَّهُمْ من أهل الجنَّة، ولم تكن سيّئاتهم بالمقدار الذي يستحقون بسببه أن يكونوا من الخالدين في النار، أو من الذين قَضَى الله بتعذيبهِمْ فيها تَعْذِيباً مؤقّتاً، فأمْرُهُمْ موقوفٌ مؤقتاً حتّى يقضي الله بشأنهم إمّا بالتعذيب المؤقّت في دار
стр. 917
العذاب، أو بالتأخير والانتظار، أو بالغفران، وهؤلاء فيما ظهر لي هم من عُصَاة المؤمنين، الذين لم يتجاوز الله في محكمة العدل العامّة عن معاصيهم.
هؤلاء أصْحَابُ الأعراف يَبْدُو لهم أن يَتَقَرَّبُوا إلى أصْحابِ الجنّة، الذينَ هُمْ على الجانب الأيْمَنِ من الحجاب، بالسَّلامِ عَلَيْهِمْ، فقال الله بشأنهم:
﴿ ... وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الجنة أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ... ﴾ [الآية: ٤٦] .
ولم يذكُرِ القرآنُ رَدَّ أصْحَاب الجنَّة، ولعلَّهم لا يَرُدّونَ تحفُّظاً، ومخافة أن يكونَ هؤلاء الْمُسَلِّمُونَ منْ أهل النّار الذين لا يجوز الرّدُّ عليهم بالسَّلام، إذ الرّدّ عليهم بالسّلام دعاءٌ لهم.
بَعْدَ هذا أَدْخَلَ الْبَيَانُ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً تتعَلَّقُ بأصْحابِ الجنّة، فقال الله :
﴿ ... لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الآية: ٤٦] .
أي: لَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ أصْحابُ الجنّةِ الجنَّة، لكنَّهُمْ في حالَةِ طَمَعٍ مُتَجَدّدٍ بأَنْ يصْدُرَ أمْر تكريمِهِمْ بأنْ يَدْخُلُوا الجنَّة، لاَ أنَّهُم يَطْمَعُون بأن يُقْضَى لهم بدخول الجنّة، فهذا الأمْرُ قَدْ قُضِي الْحُكْمُ به سابقاً في محكمة العدل الرّبّانية، فهم أصحابُ الجنّة، وتذاكِرُ الدُّخولِ في أيديهم، إنّما طَمَعُهُمْ هُو طَمَع مُتَرقِّبِ إعْلاَنِ مُبَاشَرَةِ الدُّخول، كَمُنْتَظِرِي النداء بدخول بوّابَةِ الْعُبور إلى الطائرة، في الصّالة الدّاخليّة، بعْدَ استكمال كُلّ شروطِ الدُّخول ولوازمه.
بعْدَ هذهِ المعترضَةِ تَابَعَ النّصُّ عرْضَ لقطاتٍ من الْمَشْهَدِ تتعلْقُ بأصْحَاب الأعراف، فقال الله :
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النار قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين﴾ [الآية: ٤٧] .
هذا الدّاء يُناسِبُ أنْ يدعُوَ به مُشْفِقٌ خائف من العذاب، ينْظُرُ إلى سوابقِ
стр. 918
معاصِيه، فيخافُ أنْ يُقْضَى عليه بأنْ يكون مع الْقَوْمِ الظالمِينَ المخلَّدينَ في النّار، أو من المعذّبين فيها وَلَوْ تَعْذِيباً مؤقَّتاً.
وتابع النَّصُّ الحديث عنْهُمْ فقال اللَّهُ :
﴿ونادى أَصْحَابُ الأعراف رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَآ أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أهاؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ... ﴾ [الآية: ٤٩] .
هذا البيان يحكي حدثاً بصيغة الْفِعْلِ الماضي، وهو مُقْتَطَعٌ مِنَ الْمُسْتقْبَل، ومَقَدَّمٌ في المشهد البيانيّ.
أصْحَابُ الأعراف نَادَوا رجالاً من أصحاب النار الّذين هُمْ عَلَى شمال الحِجَاب، وهؤلاء الرّجال هُمْ من أئمة الكُفْر، ويَعْرِفونَهُمْ بعلاماتِهِمْ المميِّزَةِ لَهُمْ، فيقولون لهم مثيرين فيهم النّدمَ والتحسُّرَ: مَا أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمُ الأموال والأنصار؟؟ ومَا أغْنَى عَنْكُمْ استكْبَارُكُمُ الذي كُنتُمْ تَسْتَكْبِرونه، وما كنْتُمْ تستكبرون به على عباد الله، وعن طاعة الله؟؟.
ويقولون لهم أيضاً مُشِيرين إلى بَعْضِ الضُّعَفَاءِ من أصحاب الجنة:
أهؤلاَءِ الّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ ينالُهُمُ اللَّهُ برَحمةٍ، وهُمُ الآن ينتظرون الإِذْنَ لَهُمْ بأن يَدْخُلوا الجنّة خالِدِين فيها.
عِنْدَ هذا الْمَفْصِلِ قَطَعَ البيانُ القرآنيُّ اللَّقَطَاتِ الْمُتَعَلِّقَاتِ بأصْحَاب الأعراف، وقدّم عبارة النداء لأصْحَاب الجنّة، بأنْ يدخُلوا الجنّة، فقال الله :
﴿ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الآية: ٤٩] .
لقد صدَر الأمْر التكريميّ بالإِذْنِ لَهُم بدخول الجنّة.
وطوى النصّ ما يتعلَّقُ بالأَمْرِ بِإدْخَالِ أهْلِ النار النارَ، وجَمْعِهِمْ رُكاماً، وكَبْكَبَتِهِمْ فِيها، اعْتِماداً عَلى أنَّه يُعْلَمُ ذَهْناً، ولَوْ لمْ يُذْكَرْ في النّصّ، وجاء البناء على الأمْرَيْنِ المذكُورِ والمطويِّ، فقال الله :
стр. 919
﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾ [الآية: ٥٠] .
هنا يتحدَّث الله عن سبَبِ كُفْرِهِمْ وَتَعْرِيضهِمْ أنْفُسَهُمْ للعذاب في النار، فقال الله :
﴿الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هاذا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الآية: ٥١] .
ألَيْسَ هذا التّنَقُّلُ العجيب في الأزمنة والأمكنة والأحداث مع استخدام مُخْتَلِف الأساليب من الإِعجاز البيانيّ في القرآن، ومن قِمَّةِ الأدَب الّتي لاَ يَرْتقيها بشر؟!.
***
стр. 920
علمُ البَدِيع
وفيه مقدمة وثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: البدائع المشتملة على محسنات جمالية معنوية.
الفصل الثاني: البدائع المشتملة على محسنات جمالية لفظية.
الفصل الثالث: ملاحق.
стр. 921
" علم البديع" المقدمة
(١) البواعث
اكتشف البلاغيون في النصوص البليغة ذات البيان الرفيع منثورات جماليّة متفرّقة، لفظيّة ومعنوية، وهذا المتفرقات المتناثرات يعْسُر تأليفها في أبواب وفصول، ولا يتضح في معظمها إلحاقُها بعلمي المعاني والبيان، وسمّوا كلّ واحدٍ ممّا اكتشفوهُ منها باسم خاصٍّ به، وجمعوها في مُسَمَّى علم واحد، أطلقوا عليه اسم "علم البديع".
وهذه الجماليّات البديعة التي يوجد فيها جماليّات معنويّة عبّروا عنها بعبارة "محسنّات معنويّة" ويوجد فيها جماليات لفظيّة عبَّروا عنها بعبارة "محسنّات لفظيّة" لها طبيعة مشابهة لأنواع الزينة التي تتزيَّن بها النساء، كقُرْطٍ، وسوارٍ، وخلخالٍ، وباقةِ وَرْدٍ، ونبات أخضر مزهر، وتَلْوين بصِبْغٍ أبيض أو أحمر أو أخضر أو أصفر أو غير ذلك، وتصفيف شعر وتثنيته أو إرساله أو رفعه أو خفضه، وتقصير ثوب أو إطالته، أو شقِّ جانب منه، أو تثقيبة أو توشيته وتطريزه وزخرفته، أو حركات خفَّة في الجسم، وتَثَنٍّ وتكسُّر في القامة وتضمير للخصْر وإبرازٍ وتعظيم لمواضع جماليّة، إلى غير ذلك مما يدركُه ذوّاقو الجمال، ويصعُبُ إحصاؤه، وقد أحسّ البلاغيون أنَّ الجماليات الَّتي اشتمل عليها علما المعاني والبيان جماليات ذاتية، أمّا جماليات علم البديع فهي جماليات عَرضية.
стр. 922
فإذا كانت هذه الجماليّات البديعة على اختلافها في الكلام أو في الأجسام، أو في غير ذلك منْ كلِّ ما يُرى أو يُسْمَعُ أو يُدْرَكُ بالفكر مصطنعةً متكلّفة، مُكْرَهةً إكراهاً على الدخول في مواضع غير ملائمة لها، أو مكْدُوسة كدْساً دون حسّ جماليّ رفيع، أعطت تأثيرات عكسيّة وربّما أفسدت الجوانب الجميلة الَّتي كانت تُلْحَظُ في المزيَّنِ بها قبل إضافتها للتزيين بها.
فالبدائع الجمالية لا تُضافُ اعتباطاً دون حسٍّ رفيع بالجمال، ولإِضافتها شُروطٌ بالغة الأهميّة، ومن أوائل شروطها وأهمها ما يلي:
الإِتقان البالغ، والطَّبَعِيَّة، والتِّلْقائية، وإخفاء قصد التجميل والتزيين بها، حتَّى لا يَشْعُر ذوّاقو الجمال الملاحظون لها في نظراتهم الأولى أنّها مصنوعة بتكلُّف، بل يشعرون أنَّها واردة بتِلْقائيّة السلوك المعتاد.
وما اكتشفه البلاغيون من هذه البدائع لا نعتبره اكتشافاً جامعاً كليّاً وحاصراً، فالبدائع الجماليّة يصعُبُ إحصاؤها كلّها، وهي قابلة للإِضافات الابتكاريَّة الَّتي تتفتَّق عنها مواهبُ المبدعين.
***
(٢) تعريفات
تعريف البديع لغةً واصطلاحاً:
البديع في اللُّغة: كلمة "بديع" على وزن "فعيل" تأتي لغة بمعنى اسم الفاعل، وبمعنى اسم المفعول.
يقال لغةً: بَدَعَ فلانٌ الشيءَ يَبْدَعُهُ بَدْعاً إذا أنشأه على غير مثال سبَقَ، فالفاعل للشيء بَدِيع، والشيء المفعول بديع أيضاً.
стр. 923
ويقال أيضاً: أبْدَعَ، أي: أتى بما هو مُبْتكر جديد بديع على غير مثال سبق، فهو مُبْدِع والشيء مُبْدَعٌ.
وقد أطلقت كلمة "البديع" على العلم أو الفنّ الجامع والشارح للبدائع البلاغية المشتملة على المحسنات المعنويّة، والمحسنات اللفظية، من منثورات جمالية في الكلام، ممّا لم يلحق بعلم المعاني، ولا بعلم البيان.
فعلم البديع اصطلاحاً: هو العلم الذي تُعْرِف به المحسنات الجمالية المعنوية واللفظيّة المنثورة، الَّتي لم تُلْحَقْ بعلم المعاني، ولا بعلم البيان.
المحسنات الجمالية المعنويّة: هي ما يشتمل عليه الكلام من زينات جمالية معنوية قد يكون بها أحياناً تحسينٌ وتزيين في اللفظ أيضاً ولكن تبعاً لا أصالة.
المحسنات الجمالية اللفظيّة: هي ما يشتمل عليه الكلام من زينات جماليّة لفظيّة، قد يكون بها تحسين وتزيين في المعنى أيضاً، ولكن تبعاً لا أصالة.
(٣) واضع علم البديع
(١) قالوا: إنّ أوّل من دوَّن في هذا الفنّ "عبد الله بن المعتزّ العباسي" المتوفى سنة (٢٧٤ هجرية) إذْ جمع ما اكتشفه في الشعر من المحسنات وكتب فيه كتاباً جعل عنوانه عبارة: "البديع".
ذكر في كتابه هذا سبعة عشر نوعاً، وقال: ما جمع قَبْلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختياره.
وجاء من بعده من أضاف أنواعاً أُخَر، منهم على ما ذكر البلاغيون:
(٢) "جعفر بن قُدَامة" أديب بغدادي من كبار الكتّاب متوفي سنة (٣١٩هـ)
стр. 924
ألَّف كتاباً سمّاه "نقد قُدامة" ذكر فيه ثلاثة عشر نوعاً من أنواع البديع، إضافةً إلى ما سبق أن اكتشفه من قبل "عبد الله بن المعتزّ العبّاسيّ".
(٣) ثم "أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري" المتوفي سنة (٣٩٥هـ) ، فقد جمع سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع البديع.
(٤) "ابن رشيق الحسن بن رشيق القيرواني" فجمع في كتابه "العمدة" قرابة سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع البديع.
(٥) ثم "شرف الدِّين أحمد بن يوسف القيسيّ التيفاشي" من أهل "تيفاش" وهي إحدى قرى "قفصة" بإفريقية، ولد فيها، وتعلَّم بمصر، وولي القضاء في بلده، له عدَّة مؤلفات، ولادته ووفاته في (٥٨٠ - ٦٥١هـ) .
(٦) ثم "عبد العظيم المشهور بابْنِ أبي الإِصْبَع العدواني" البغدادي ثم المصري، شاعر من العلماء بالأدب، له تصانيف حسنة، منها كتابة "بديع القرآن ط" في أنواع البديع الواردة في القرآن، ولادته ووفاته (٥٩٥ - ٦٥٤هـ) وقد أوصل الأنواع إلى تسعين نوعاً".
(٧) ثم "صَفِيُّ الدين عبد العزيز بن سرايا السَّنْبسي الطائي الحِلّي" وهو معروف باسم "صفيّ الدين الْحِلّي" وُلد في الحِلَّة "بين الكوفة وبغداد"، ولادته ووفاته: (٦٧٧- ٧٥٠ هـ) فأوصل الأنواع إلى مئة وأربعين نوعاً، يمكن جمع بعضها في بعض.
(٨) ثم "عزّ الدّين علي بن الحسين الموصلي" شاعر، أديب، من أهل الموصل، سكن دمشق وتوفي فيها في (٧٨٩هـ) له مؤلف سمّاه "بديعيّة" وشرحه، فذكر في كتابه ما ذكر صفي الدين الحلّي، وزاد زيادة يسيرة من ابتكاره.
وإني أذكر وأشرح من هذه البدائع ما هو مشهور ومتداول عند البلاغيين مع جمع بعضها ما أمكن ذلك، للتقليل من التفرد في الأنواع.
стр. 925
" علم البديع" الفصل الأول: البدائع المشتملة على محسنات جمالية معنوية
стр. 926
البديعة المعنوية (١) : التورية
التورية: أن يَذكُرَ المتكلّم لفظاً مفرداً له معنيان، على سبيل الحقيقة، أو على سبيل الحقيقة والمجاز، أحدهما ظاهر قريبٌ يَتَبَادَرُ إلى الذهن وهو غير مراد، والآخَرُ بعيد فيه نوع خفاءٍ وهو المعنى المراد، لكن يُورَّى عنه بالمعنى القريب، لِيَسْبِقَ الذهن إليه ويَتَوهّمَهُ قبل التأمّل، وبَعْدَ التأمّل يَتَنبَّه المتلَقِّي فيُدْرَكُ المعنى الآخر المراد.
وأصل التورية في اللّغة: إرادةُ الشيءٍ وإظهارُ غيره إيهاماً، وقد جاء في كتب السيرة النبويّة أن الرسول ﷺ كان إذا أراد غزاة أو سفراً إلى جهةٍ ورَّى بغيرها، ليعمّي الأخبار، حتَّى لا يترصَّد له الأعداء.
قال الزمخشري: لا ترى باباً في البيان أدقَّ ولا ألطف من التورية، ولا أنفع ولا أعْوَنَ على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله منها.
أقسام التورية:
تنقسم التورية إلى ثلاثة أقسام: مجرّدة ومرشحة، ومبيَّنة.
* فالتورية المجرّدة: هي التي لم تقترن بما يلائم المعنى القريب، ولا بما يلائم المعنى البعيد.
* والتورية المرشّحة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى القريب، سواء أكان هذا المقارن قبل اللفظ المستعمل في التورية أو بعده.
стр. 927
* والتورية المبيَّنة: هي التي اقترنت بما يلائم المعنى البعيد المقصود باللّفظ.
أقول: ولا يحسُنُ بلاغيّاً استخدام التورية إلاَّ إذا دعا داعٍ بلاغي يقتضيه حال المتلقّي، وهذا الداعي ممّا يُقْصدُ لدى أذكياء البلغاء، كإخفاء المراد عن العامة وإشعار الخاصة من طرفٍ خفي، وكالتعبير عن المقصود بكلام يتأتَّى معه الإِنكار عند الحاجة إليه، وكاختبار ذكاء المتلقّي والتأثير في نفسه بما يُعْجِبُه من أداءٍ فنّيّ يستخدم فيه الأسلوب غير المباشر حتى الإِلغاز، إلى غير ذلك من دواعي.
فليس كلّ كلمة لها معنًى قريب ولها معنًى بعيد على وجه الحقيقة أو المجاز يحْسُنُ استخدامها، وقَصْدُ المعنى البعيد بها، على سبيل التورية، دون مراعاة أو ملاحظة داعٍ بلاغي يُقْصَد لدى البلغاء الفطناء.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في حكاية قول بعض أولاد يعقوب ﵇ له، حين أخذ يُحِسُّ بريح يوسف ﵇، ولم يكن قد وصل البشير إليه يحمل قميصه من مصر، ولم يكن قد علم بما حصل لباقي بنيه في مصر الذين ذهبوا ليطلبوا الإِفراج عن بنيامين شقيق يوسف، فقال الله تعالى في سورة (يوسف/ ١٢ مصحف/ ٥٣ نزول) :
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ [الآيات: ٩٤ - ٩٥] .
تُفَنِّدُونِ: تُخَطِّئُوني بأنّي أُحسُّ بإحْسَاسِ من أصابَهُ الخرفُ وضعُفَ رأيُه، فصار يتصوّر تصورات باطلات.
وتلاحظ التورية في عبارتهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾ فهذه العبارة لها معنيان:
стр. 928
المعنَى الأول القريب الذي أرادوا الإِيهام به: هو أنّه ما زال ضالاً مع أوهامه، طامعاً بعد نيف وثلاثين سنة من غياب يوسف في أن يعود إليه أو يلتقي به، وضالاً في شغل نفسه بالحزن عليه حتَّى يكون حرضاً (أي: شديد المرض) أو يكون من الهالكين.
المعنى الثاني البعيد الذي قَصَدُوه: هو أنّه ما زال ضالاً في إيثاره يوسف وشقيقه بنيامين على سائر بنيه، وهذا المعنى هو المعنى الذي كانوا ذكروه قبل أن يُلْقُوه يوسُفَ في غَيابة الجبّ، وقَدْ أبانه الله بقوله في أوائل السّورة.
﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الآية: ٨] .
والتورية في هذا المثال مجرّدة.
المثال الثاني: قول الشاعر "صلاح الصفدي":
وصَاحِب لمَّا أَتَاهُ الْغِنَى ... تَاهَ ونَفْسُ الْمَرْءِ طَمَّاحَهْ
وَقيلَ: هَلْ أبْصَرْتَ مِنْهُ يداً ... تَشْكُرُها قُلْتُ ولاَ رَاحَهْ
كلمة: راحة لها معنيان: أحدهما المعنى القريب وهو راحة اليد، وهو المعنى الذي تستدعيهِ عبارة "يداً تشكرها" والآخر المعنى المقصود وهو راحة الجسم من التعب.
والتورية هنا مرشّحة لاقترانها بما يلائم المعنى القريب.
المثال الثالث: قول الشاعر:
أَيُّهَا الْمُعْرِضُ عَنَّا ... حَسْبُكَ اللَّهُ تَعَالَ
كلمة "تَعَالَ" لها معنيان: المعنى القريب هو الثناء على الله بالعلوّ، وهو يلائم لفظ الجلالة "الله" والمعنى الآخر وهو الدعوة إلى الحضُور، وهو يلائم عبارة: "أيُّها المعرض عنّا".
المثال الرابع: قول سراج الدين الورّاق شاعر مصري (٦١٥- ٦٩٥هـ) .
أَصُونُ أَدِيمَ وَجْهِي عَنْ أُنَاس ... لِقَاءُ الْمَوْتِ عِنْدَهُمُ الأَدِيبُ
وَرَبُّ الشِّعْرِ عِنْدهُمُ بَغِيضٌ ... وَلَوْ وَافَى بِهِ لَهُمُ حَبِيبُ
كلمة "حبيب" لا يريد بها المعنى القريب وهو المحبوب، بل يريد بها المعنى البعيد، وهو اسم أبي تمّام الشاعر: "حَبِيبُ بن أوس".
وهذه من التورية المجرّدة.
المثال الخامس: قول الشابّ الظريف "شمس الدين بن العفيف التلمساني" (٦٦٢ - ٦٨٧هـ) :
تَبَسَّمَ ثَغْرُ اللَّوْزِ عَنْ طِيب نَشْرِهِ ... وأَقْبَلَ فِي حُسْنٍ يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ
هَلُمُّوا إلَيْهِ بَيْنَ قَصْفٍ ولَذَّةٍ ... فَإِنَّ غُصُونَ الزَّهْرِ تَصْلُحُ لِلْقَصْفِ
كلمة "القصف" في قافية البيت الثاني لها معنيان: المعنى الأول هو الكسْرُ، فغُصُون الزهر تُكْسَرُ عن شجرتها، للاستمتاع بزينتها، وهذا المعنى غير مراد. والمعنى الآخر البعيد هو اللَّهْو واللّعب والافتنان بالطعام والشراب، وهذا هو المعنى المراد.
وفي سوابق هذه التورية ما يلائم المعنيين، فهي بقوّة المجرّدة.
المثال السادس: قول بدر الدين الذهبي:
رِفْقاً بخِلٍّ نَاصِحٍ ... أَبْلَيْتَهُ صَدّاً وهَجْراً
وَافَاكَ سَائِلُ دَمْعِهِ ... فَرَدَدْتَهُ فِي الْحَالِ نَهْراً
كلمة "نهراً لها معنيان: الأول القريب هو النَّهْرُ واحد الأنهار. والمعنى الآخر البعيد وهو المراد: هو الزَّجر، ويشير إلى قول الله تعالى: وأمّا السائل فلا تنهر. وفيه أيضاً تورية بكلمة "سائل" من سال يسيل، ومن سأل يسأل، إذ الدمع الذي يسيل يتضمَّن سؤال الوصال.
البديعة المعنوية (٢) : الطباق
الطباق وتسمَّى: المطابقة، والتكافُؤ، والتضاد
الطِّبَاقُ في اللّغة: وضْعُ طَبَقٍ علَى طَبَقٍ، كوضْعِ غِطَاء الْقِدْر مُنكَفِئاً على فَمِ الْقِدْر حتَّى يُغَطِّيَهُ بإحكام، ومنه إطباقُ بطْنِ الكفِّ علَى بَطْنِ الكفّ الآخر، تقول: طابَقَ الشيءَ على الشيءِ مُطَابقةً وطباقاً، أي: أطبَقَهُ عليه، وهذا الإِطباق يقتضي في الغالب التعاكس، فبَطْنُ الغطاء على بَطْنِ القدر يقتضي أن يكون ظهر الغطاء إلى الأعلَى وظَهْرُ الْقِدْرِ إلى الأَسفل.
والطباقُ في الاصطلاح: هو الْجَمْعُ في العبارة الواحدة بين معنَيْينِ متقابلين، على سبيل الحقيقة، أو على سبيل المجاز، ولو إيهاماً، ولا يشترط كون اللّفظين الدَّالَّيْن عليهما من نَوْع واحدٍ كاسمين أو فعلين، فالشرط التقابل في المعنييَيْن فقط. والتقابل بين المعاني له وجوه، منها ما يلي:
(١) تقابل التناقض: كالوجد والعدم، والإِيجاب والسلب.
(٢) تقابل التضاد: كالأسود والأبيض، والقيام والقعود.
(٣) تقابل التضايُف: كالأب والابن، والأكبر والأصغر، والخالق والمخلوق.
ومن الطباق نوع يختصُّ باسم "الْمُقَابلة".
المقابلة: هي طباقٌ مُتَعَدِّدُ عَنَاصرِ الفريقَيْنِ المتقابلَيْنِ، وفيها يؤتى بمعنَيْين فأكْثر، ثُمَّ يُؤْتَى بما يُقابلُ ذلِكَ على سبيل الترتيب.
والعنصر الجماليُّ في الطباق هو ما فيه من التلاؤم بينه وبين تداعي الأفكار في الأذهان، باعتبار أنّ المتقابلات أقرب تخاطراً إلى الأذهان من المتشابهات والمتخالفات.
المثال الأول: قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) :
﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الآيات: ٢٦ - ٢٧] .
في هذا النّصّ أَرْبَعَةُ أمثلةٍ من أمثلة الطباق:
الأول: الطباق بَيْن: "تُؤْتِي"، و"تَنْزِعُ" فهذا متقابلان تقابل تضاد.
الثاني: الطباق بين: "تُعِزُّ" و"تُذِلُّ" وهو كالأول.
الثالث: الطباق بين: "تُولجُ اللَّيْل في النهار" و"تُولجُ النَّهار في اللّيْل".
الرابع: المقابلة بين: "وتُخْرِج الْحَيَّ مِنَ الْمَيّتِ" و"تُخْرِجُ الْمَيِتَ مِنَ الْحَيّ"، ويلاحظ هنا أنّ في كُلٍّ من الجملتين طباقاً، وأن في الجملتين معاً مُقَابلة، فالحيُّ في الأولى يضادُّ الميّت في الثانية، والميّتُ في الأولى يضادُّ الحيَّ في الثانية، وقد جاء هذا التقابل في الثانية على الترتيب الذي جاء في الأولى.
المثال الثاني: قول الله في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) في قصّة أهل الكهف:
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال ... ﴾ [الآية: ١٨] .
في هذا النصّ طباقان:
الأول: الطباق بين: "أَيْقَاظاً" و"رقود".
الثاني: الطباق بين: "ذاتَ الْيَمِينِ" و"ذاتَ الشِّمَالِ".
المثال الثالث: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... ﴾ [الآية: ٢٨٦] .
في هذا النصّ طباق بين المعنى الذي دلّ عليه الحرف في [لَهَا] والمعنى الذي دلَّ عليه الحرفُ في [عَلَيْهَا] فَلفْظُ "لَهَا" على الثواب، ولفظ "عليها" دلَّ على المؤاخذة أو العقاب. وطباق بين المعنى الذي دلّ عليه فعل "كَسَبَ" وهو الطاعة وفعل الخير، والمعنى الذي دلَّ عليه فعل "اكْتَسَبَ" وهو المعصية والذّنب.
المثال الرابع: أثنى الرسول ﷺ على الأنصار بقوله كما جاء في بعض كتب السيرة والأخبار:
"إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَع".
في هذا القول مقابَلَةٌ بين الكَثْرَةِ والْفَزَعِ مِنْ جهة، والقلّة والطَّمَعِ من جهة أُخْرى.
المثال الخامس: قول الله في سورة (الروم/٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) :
﴿ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الآيات: ٧ - ٨] .
في هذا النّصّ طباق بين النفي في: "لاَ يَعْلَمُونَ" والإِثباتِ في عبارة: "يَعْلَمُون" وهو طباق سلْبٍ وإيجاب.
ونظيره الطباق بين الأمْر والنهي، والترغيب والترهيب، والإِغراء والتحذير، ونحو ذلك.
المثال السادس: قول "دِعْبل الخزاعي".
لاَ تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ... ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى
في هذا البيت إيهامُ التضادّ بين بياض الشَّيْب والبكاء، إذْ استعار الشاعر لظهور بياض الشيب فعل "ضَحِكَ" فكان الضحك مقابلاً للبكاء مقابلة تضادّ.
المثال السابع: قول أبي الطيّب المتنبيّ:
فَلاَ الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ وَالْجَدُّ مُقْبلٌ ... وَلاَ الْبُخْلُ يُبْقي الْمَالَ وَالْجّدُّ مُدْبِرُ
الْجَدُّ: الحظُّ والنَّصِيبُ من الْخَيْر.
في هذا البيت مقابلة بين فريقين من المعاني يوجد بين عناصرهما طباق، وهي ثُلاَث:
الفريق الأول: الجود - يُفْنِي - مُقْبل.
الفريق الثاني: البخل - يُبْقِي - مُدْبِر.
المثال الثامن: قول النابغة الجعدي مادحاً:
فتَىً تَمَّ فِيهِ مَا يَسُرُّ صَدِيقَهُ ... على أنَّ فِيهِ مَا يَسُوءُ الأَعَادِيَا
في هذا البيت مقابلة بين فريقين من المعاني يوجد بين عناصرهما طباق، وهي مثنىً:
الفريق الأول: يَسُرُّ - صَدِيقه.
стр. 929
الفريق الثاني: يَسُوءُ - الأعاديا.
المثال التاسع: قول الله في سورة (الليل/ ٩٢ مصحف/ ٩ نزول) :
﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى * وَكَذَّبَ بالحسنى * فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ [الآيات: ٥ - ١٠] .
في هذا النصّ مقابلة بين فريقين من المعاني يوجد بين عناصرهما طباق، وهي رُبَاعٌ:
الفريق الأول: أعْطَى - اتَّقَى - صَدَّق - الْيُسْرَى.
الفريق الثاني: بخل - استَغْنَى، أي: طغَى فلم يَتَّقِ - كَذّبَ - الْعُسْرَى.
المثال العاشر: قول أبي الطيّب المتنبيّ:
أزُررهُمْ وَسَوادُ اللَّيْلِ يَشْفَعُ لي ... وَأَنْثَنِي وَبيَاضُ الصّبْح يُغْرِي بِي
في هذا البيت مقابلة فريقين من المعاني يوجد بين عناصرهما طباق، وهي خُمَاسَ:
الفريق الأول: أزورهم - سواد - اللّيل - يشْفَعُ - لِي.
الفريق الثاني: أنثني، أي: أعود من الزيارة - بياض - الصبح - يُغْرِي بِي.
***
стр. 930
البديعة المعنوية (٣) : مراعاة النظير
مراعاة النظير ومنها تشابُه الأطراف وتُسَمَّى: التناسُب، والتوفيقَ، والائتلاف
مراعاة النظير: الجمع في العبارة الواحدة بين المعاني التي بينها تناسبٌ وائتلاف ما، لا على سبيل تقابل التناقض أو التضاد أو التَّضايُف، الذي سبق في الطباق، ويكون هذا التناسُب بين معنيَيْن فأكثر، فإذا كان هذا التناسب بين أول الكلام وآخره سُمّي: "تَشابه الأطراف".
كالتناسب والتلاؤم بين الشمس والقمر، والظلّ والشجر، والزَّهْرِ والثَّمَر، والإِبلِ والبقر، والْقَوْسِ والْوَتَر، واللَّيْلِ والسَّمَر، والْوَعِلِ والجَبَلِ، والنَّعْجةِ والْحَمَلِ، والهوَى والشباب، والظّمأ والسَّراب، والعلم والكتاب، والضَّرْبِ والعذاب، إلى نحو ذلك ممّا لا يُحصْى.
وعكس مراعاة النظير الجمْعُ بين غير المتناسبات المتلائمات، كالسّجْن والتّجارة، والنسيم العليل ولدْغ العقرب، والخشوع في الصّلاة والنّميمة، واللّعب مع الصبيان ومقابلة السلطان، وعَلْكِ اللُّبَان ومواساةِ الثَّكْلَى، إلى غير ذلك مما لا تناسب فيه ولا تَلاؤم، فهذا منافٍ لما تتطلّبُهُ هذه البديعة من البدائع المعنوية.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في سورة (الرَّحمن/ ٥٥ مصحف/ ٩٧ نزول) :
﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الآيات: ٥ - ٦] .
стр. 931
النَّجْمُ: النباتُ الذي لا ساق له. والشَّجَر: النبات الذي له ساق.
وفي هذه السورة أمثلة متعدّدة من أمثلة مراعاة النظير.
وفي القرآن المجيد أمثلة كثيرة من هذه البديعة المعنوية.
المثال الثاني: قول "البحتري" وهو أبو عبادة الوليدُ بن عُبَيْد الطائي، يَصِفُ الإِبل التي يهاجر على ظهورها من بلادٍ تنكّرَتْ له، بالهزال الشديد:
يَتَرقْرَقْنَ كَالسَّرَابِ وقَدْ خُضْـ ... ـنَ غِمَاراً مِنَ السَّرَاب الْجَارِي
كالْقِسِيّ الْمُعَطَّفَاتِ بَلِ الأَسْـ ... ـهُمِ مَبْرِيَّةً بَلِ الأَوْتَارِ
فجمع في تَشبيهاته أشياء بينها تناسبٌ وتلاؤم، إذ "الْقِسِيّ" جمع "قوس" ويجمع على "أقواس" تناسب "الأسهم" وتُنَاسِبُ "الأوتار" لأنّها كلّها في آلة واحدة.
المثال الثالث: قول ابن رشيق:
أَصَحُّ وَأَقْوَى مَا سَمِعْنَاهُ فِي النَّدَى ... مِنَ الْخَبَرِ الْمَأْثُورِ مُنْذُ قَدِيمِ
أَحَادِيثُ تَرْوِيهَا السُّيُولُ عَنِ الْحَيَا ... عَنِ الْبَحْرِ عَنْ جُودِ الأَمِيرِ تَمِيمِ
نجد في هذَيْنِ البيتين التلاؤم والتناسب فيما يلي:
* بين الصحة والقوة.
* وبين السماع والخبر المأثور.
* وبين السيول، والْحَيَا (أي: المطر) والْبَحْرِ، والجود أيضاً لأنّه يلائم المطر والبحر في تشبيهات الشعراء.
تشابُهُ الأطراف:
ومن أمثلة تشابه الأطراف قول الله في سورة (الأنعام/ ٦ مصحف/ ٥٥ نزول) في وصف ذاته جلّ وعلا:
стр. 932
﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الآية: ١٠٣] .
فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ الذي هو ختام الآية يُلاَئِمُ ما جاء قبله، إذْ كلمة "اللّطِيف" تُلائم وصْفَهُ تعالى بأنّه لا تُدْركُه الأبصار، وكلمة "الخبير تُلائم وصفه بأنّه يُدْرِك الأبصار جميعها.
وألْحَقَ البلاغيون بمراعاة النظير ما فيه إيهام التناسب، كأن يكون اللّفظ مشتركاً بين معنيين: أَحَدُهُما يُنَاسب ما جاء في الكلام من معاني إلاَّ أنّه غير مراد، والآخر لا يناسِبُ وهو المراد.
وضربوا مثلاً لما فيه إيهام التناسب قول الله في سورة (الرحمن/ ٥٥ مصحف/ ٩٧ نزول) :
﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الآيات: ٥ - ٦] .
إنّ كلمة "النجم" تأتي بمعنى الأَجْرَام المضيئة في السماء، وهذا المعنى يُلائم ويُنَاسب كلمتي الشمس والقمر، فهما جرمان أحدهما مُضِيء، والآخر مُنير، لكن هذا المعنى للنجم غير مراد النَّصّ، فكان استخدامه من إيهام التناسب، إذْ كان يمكن استخدام كلمة أخرى تؤدّي المعنى المراد دون أن يكون فيها إيهام التناسب، ككلمة "النبت".
وتأتي كلمة "النَّجْم" بمعنى النبات الذي لا ساق له، يقال لغة: نَجَمَ الشيءُ والنباتُ نجماً ونجوماً إذا طلَع وظهر، وهذا المعنى يناسب معنى كلمة الشجر.
فناسبت كلمة "النجم" بمعناها غير المراد ما سبقها، وهما الشمس والقمر، وناسبت بمعناها المراد ما جاء بعدها وهو الشجر، وهذا فنٌ بديع، تنبّه له البلاغيُّون فألحقوه بمراعاة النظير على اعتبار أنّ فيه إيهامَ التناسب.
стр. 933
البديعة المعنوية (٤) : الإِرصاد
الإِرصاد وقد تُسَمَّى: التسهيم
الإِرصاد في اللّغة: التهيئة والإِعداد، يقال لغة: أرْصَدَ الشيءَ للشيء إذا أعَدَّه له، ومنه: أرْصَدْتُ الجيش للقتال، والفرسَ للطِّراد.
والإِرصادُ في الاصطلاح: أن يُجْعَل قَبْل آخر العبارة الّتي لها حرْفُ رَوِيّ معروف (وهو آخر حرف يُبْنَى عليه نسَقُ الكلام) ما يَدُلُّ على هذا الآخر. فقد يأتي به السامع قبل أن يَنْطِقَ به المتكلِمّ.
وقالوا في الإِرصاد: إنّه من محمود الصنعة فإنّ خير الكلام مَا دلّ بعضه على بعض.
وأطْلَقَ عليه بَعْضُهُم عنوان "التّسْهِيم" وهو مأخوذ من وضع صورة السّهم، للإِشارة به إلى المكان المقصود، أو المعنى المقصود، ومعلومٌ أنّ إعداد ما يلزم في أول الكلام لمعرفة ما سيأتي في آخره هو بمثابة وضع صورة السّهم الّتي يُشَارُ بها إلى المقصود.
أمثلة:
المثال الأول: قول اله في سورة (سبأ/ ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول) :
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ [الآية: ١٧] .
إنّ مقدّمة هذه الآية يَدُلُّ المتلَقِّي على الكلمة الأخيرة منها، فمنْ سمع:
стр. 934
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازيا﴾ قال دون تفكير طويل: ﴿إِلاَّ الكفور﴾ إذا كان قد سمع آخر الآية قبلها وهو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [الآية: ١٥] .
المثال الثاني: قول عمرو بن مَعْد يكَرب:
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شيئاً فَدَعْهُ ... وجَاوِزْهُ إلَى مَا تَسْتَطِيعُ
فكلمة "تَسْتطيعُ" يأتي بها السّامع قبل أن ينطق بها المتكلّم، لأنّ أوّل الكلام موطِّئٌ وممهّد لها، وفيه ما يشير إليها كإشارة السَّهمِ إلى الجهة المقصودَة.
المثالث الثالث: قول زهير بن أبي سُلْمى:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ حَوْلاً لاَ أَبَا لَكَ يَسْأَمِ
فكلمة "يسأم" يأتي بها السامع قبل أن ينطق بها المتكلّم، لأنّ أوّل الكلام موطّئٌ لها.
المثال الرابع: قول البحتري "الوليد بن عُبَيد":
أَبِْكِيكُمَا دَمْعاً وَلَوْ أَنِّي عَلَى ... قَدْرِ الْجَوَى أَبْكِي بَكَيْتُكُمَا دَمَا
الْجَوَى: شِدَّةُ الْوَجْدِ مِنْ عِشْقٍ أَوْ حزن.
فلو وقف المتكلّم عند "بَكيْتُكُمَا" لقال السامع "دَمَا".
المثال الخامس: قول البحتري أيضاً:
أَحَلَّتْ دَمِي مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وحَرَّمَتْ ... بِلاَ سَبَبٍ يَوْمَ اللِّقَاءِ كَلاَمِي
فَلَيْسَ الَّذي حَلَّلْتِهِ بِمُحَلَّل ... وَلَيْسَ الَّذِي حَرَّمْتِهِ بِحَرَامِ
فلو وقف المتكلّم عند "حَلَّلْتِهِ" لقال السامع "بِمُحَلَّلٍ".
ولو وقف عند "حَرَّمْتِهِ" لقال السامع "بِحَرَامِ".
لأنّ السّوابق تدُلُّ على كلمة الختام.
стр. 935
البديعة المعنوية (٥) : حُسْنُ التعليل
حُسْنُ التعليل: أنْ يَدَّعِيَ المتكلِّم مُزَخْرِفاً كلامَه عِلَّةً لِوَصْفٍ ما ثَابِتٍ أو غير ثابتٍ، وهذه العلَّة التي يدّعيها مناسبةٌ للوصْفِ باعتبار لطيفٍ غير حقيقيّ، والعلَّةُ الحقيقيَّةُ خلاف ما ادَّعَى، وقد يكون ذكْرُ الوَصْفِ على سبيل الادّعاء الذي لا حقيقة له أيضاً.
فالوصف المذكور: إمّا أن يكون ثابتاً أو غير ثابت، والثابت إمّا أن تكون له علّة ظاهرة غير ما يدّعي المتكلِّم، وإمَّا أن لا تكون له علَّة ظاهرة.
فَحُسْنُ التعليل يكون بأن يستبْعِدَ الأديب صراحةً أو ضمناً علَّة الشيء المعروفة، ويأتي بعلَّةٍ أدبيّةٍ طريفةٍ مُسْتَملَحة تناسب الغرض الذي يقصد إليه.
أمثلة:
المثال الأول: قول المتنبي يمدح "هارون بن عبد العزيز":
لَمْ تَحْكِ نَائِلَكَ السَّحَابُ وإِنَّما ... حُمَّتْ بِهِ فَصَبِيبُهَا الرُّحَضَاءُ
أي: لم تُرِد السُّحبُ أنْ تَتَشبَّه بعطائك المتتابع، وإنّما هو عَرَقُ الحمَّى الّتي نزلت بها حَسَدِها من جودك، وعلَّةُ السُّحبِ إذ تمطر معروفة.
الصَّبيبُ: ما ينصبُّ من ماءٍ وغيره.
الرُّخَضَاءُ: الْعَرَقُ الكثير، والْعَرَقُ إثْرَ الْحُمَّى.
стр. 936
ادّعى المتنبي أنّ السّحاب قد أمطرت بسبب ما أصابها من الْحُمَّى التي نزلت بها إذْ حَسَدَت جود ممدوحه. ونفى تعليلاً آخر كان يُمْكِن أن يُعَلِّلَ به، وهو أيضاً تَعْليلٌ ادِّعائي لا حقيقة له، وهو أنَّها أرادت أن تُحَاكِي وتُقَلِّد ممدوحه في الجود.
المثال الثاني: قول أبي تمّام:
لاَ تُنْكِرِي عَطَلَ الكرِيمِ مِنَ الغِنَى ... فَالسَّيلُ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي
عَطَلَ الكريم مِنَ الغِنَى: أي: خُلوّ الكريم من الغنى، يقال: عَطِلَ يَعْطَلُ عَطَلاً، إذَا خلا.
فعَلَّلَ فَقْرَ الكريم بعلَّةٍ ادَّعاها زُخْرُفيّاً في الكلام دون مستنَدٍ من الحقيقة. هو أنَّ ذا المكانة الرفيعة لا يكون غنيّاً، قياساً على أنَّ السَّيل لاَ يَصِلُ إلى المكان العالي، وعبَّر عن ذلك بأنَّه حَرْبٌ له.
المثال الثالث: قول المتنبي من قصيدة يمدح بها بَدْرَ بن عمّار:
مَا بِهِ قَتْلُ أَعَادِيهِ وَلَكِنْ ... يَتَّقِي إِخْلاَفَ مَا تَرْجُوا الذِّئَابُ
أي: ما به رغبةٌ في قتل أعاديه حقداً عليهم وتخلُّصاً مِنْهُم، لكنَّه رجُلٌ جواد اتَّسع جودُه حتَّى صارت الوحوش ترجو عطاءه، فالذئابُ ترجو أنْ يَقْتُلَ لها الناسَ لتَنْعَم بلحوم الْقَتْلَى.
لقد بالَغَ، فتخيَّلَ، فادَّعَى هذِه الدَّعْوى الزُّخْرُفيّة الباطلة، لَكنَّهَا تشتَمِلُ عَلَى فكرةٍ جميلةٍ لا يلتقطها إلاَّ ذو فطنة.
المثال الرابع: قول مسلم بن الوليد:
يَا وَاشياً حَسُنَتْ فِينَا إِسَاءَتُهُ ... نَجَّى حِذَارُكَ إنْسَانِي مِنَ الْغَرَقِ
الأصلُ في الوشاية أنَّها تَسُوءُ الْمَوشِيَّ بِه، لكنَّ الشاعر رأى أنّ وشاية من
стр. 937
وشى به كانت في نفسه أمراً حسناً، وعلَّلَ ذلِكَ بأنَّها دَفعَتْهُ إلى أن يَحْذَرَ الواشِيَ. وهذا الحَذَر جَعَلَه يتّقِي مَكْرَهُ وكَيْده، فَحَمَى بِذلِكَ إنسانَ عَيْنِه مِن الغَرَقِ في الدَّمْع، الذي تُسبِّبُه غَفْلَتُه وعَدَمُ حَذَرِه من مَكْرِهِ وَكَيْدِهِ لو أنَّه لم يطَّلع على وِشاياته، ويَعْرِفْ عداوته له.
المثال الخامس: قول الشاعر مادحاً (وهو مُتَرْجَمٌ عن الفارسيّة) :
لَوْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةُ الْجَوْزَاءِ خِدْمَتَهُ ... لَمَا رَأَيْتَ عَلَيْها عِقْدَ مُنْتَطِقِ
ادّعاءٌ زُخْرُفيٌّ لا أصل له، وهو غير ممكن في الواقع، لكنّه ظريفٌ مُسْتَمْلَح، فالشاعر يدّعي أنّ الجوزاء قد نوَتْ خِدْمَتَه فانتطَقَتُ بنطاق الخِدْمَة.
الانتطاق: شدُّ الوسَطِ بالمِنْطَقَة. المِنْطَقَةُ والمِنْطَقُ: ما يُشَدُّ به الوسط.
الجوزاء: "بُرْجٌ من بروج السّماء" يوجد حولها كواكب تُشْبهُ المنطقة، شَبَّهها الشاعر بالْعِقْدِ المنظوم من الّلؤلؤ.
المثال السادس: قول "ابْنِ نُبَاتَة" في صفة فرس أدهم مُحَجَّل القوائم ذي غُرَة:
وأَدْهَمَ يَسْتَمِدُّ اللَّيْلُ مِنْهُ ... وتَطْلُعُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ الثُّرَيَّا
سَرَى خَلْفَ الصَّباحِ يَطِيرُ مَشْياً ... ويَطْوِي خَلْفَهُ الأَفْلاَكَ طَيّاً
فَلَمَّا خَافَ وَشْكَ الفَوْتِ مِنْهُ ... تَشَبَّثَ بِالْقَوَائِمِ والْمُحَيَّا
علّل ابن نباته بياض قوائم الفرس وبياض مُحَيَّاهُ (= وجهه) بأَنَّ الصّباح خافَ أن يفوتَه الفرس بسبب سُرعة جريه فتشبَّثَ بقوائمه ووجهه، فظهر بياض الصباح عليها، أي: يدخل في وقت الصباح بعبور سريع ويخرج منه دون أن يُرَى بياض الصباح عليه.
كلُّ هذا التعليل تعليلٌ زخرفيٌّ لا نصيب له من الحقيقة، وهو مبنيٌّ على تخيُّلٍ أسَاسُه تشبيهُ بياضِ قوائِم الفرس وبياضِ وجْهِه ببياض الصَّباح.
стр. 938
المثال السابع: قول أبي تمّام:
رُبىً شَفَعَتْ رِيحُ الصَّبَا لِرِيَاضها ... إلَى المُزْنِ حَتَّى جَادَها وَهُوَ هَامِعُ
كَأَنَّ السَّحَابَ الْغُرَّ غَيَّبْنَ تحْتَهَا ... حَبيباً فَمَا تَرْقا لَهُنَّ مَدَامِعُ
الْغُرّ: جمع "الأغرّ" وهو الأبيض.
فما ترقا: أي: فما ترقأُ بمعنى، فما تسْكُنُ وما تجفّ.
فبنى التعليل على توجيه الشكّ الاحتمالي، بأنّ بكاء السحاب يحتمل أن يكون على ما دفنت من حبيبٍ تحتها.
المثال الثامن: قول المعرّي في الرّثاء:
وَمَا كُلْفَةُ البَدْرِ المُنيرِ قَديمةً ... ولَكِنَّهَا فِي وَجْهِهِ أَثَرُ اللَّطْمِ
الْكُلْفَة: ما عَلَى وَجْهِ القَمَر من كَلَف.
اللّطْمُ: ضربُ الخدّ بباطن الكفّ، ومن عادته الحزينة أن تلطم خدّيها.
يدّعي أبو العلاء أنّ الحزن على من يرثيه قد انتقل من الأحياء إلى الأشياء، حتّى إنّ الكلّف الذي يُرَى على وجه البدر هو من أثَرِ اللَّطْم حُزْناً عليه، ويستبْعِد السبب الطبيعي على الرغم من دوامه.
المثال التاسع: قول ابن الرومي في المدح:
أمَّا ذُكَاءُ فَلَمْ تَصْفَرَّ إذْ جَنَحَتْ ... طَبْعاً وَلَكِنْ تَعَدَّاكُمْ مِنَ الخَجَلِ
ذُكَاءُ: اسم من أسماء الشمس.
إذ جَنحت: أي إذْ جنحت للمغيب.
تعَدَّاكم: أي: تتَعَدّاكم بمعنى تتجاوزكم يخاطب ممدوحه.
فهو يدّعي أن اصفرار الشمس عند المغيب قد حصل بسبب أنها خجلت من
стр. 939
ممدوحه، فهي تتجاوزه خَجْلَى منه، ويستبعد السبب الطبيعي مع دوامه كلَّ مساء عند المغيب.
المثال العاشر: قول أحد الشعراء:
سَبَقَتْ إلَيْكَ مِنَ الْحَدَائِقِ وَرْدَةٌ ... وأتَتْكَ قَبْلَ أَوَانِها تَطْفِيلاً
طَمِعَتْ بِلَثْمِكَ إِِذْ رَأَتْكَ فَجَمَّعَتْ ... فَمَهَا إِلَيْكَ كَطَالِبٍ تَقْبِيلاً
تَطْفِيلاً: التَّطْفيل والتَّطَفُّل حضور الولائم دون دعوة إليها.
فهو يدّعي أن زِرّ الورد الذي لم يكتمل تفتُّحه قد جَمَّعَ فَمَه طالباً التقبيل.
المثال الحادي عشر: قوليٍ:
رَأَوْ بِيَدِي عُكَّازَةً ذات عَطْفَةٍ ... وظَهْرِي كظَهْرِ الْقَوْسِ يَهْوِي ويَنْحَنِي
فَقُلْتُ: لَقَدْ كانَتْ عَصاً مُسْتَقِيمَةً ... فَجَمَّعْتُ عَزْمِي وانْحَنَيْتُ لِتَنْثَنِي
***
стр. 940
البديعة المعنوية (٦) : تأكيد الفكرة بما يشبه تقرير ضدّها
تَأْكيد الْفِكْرة بما يُشْبِهُ تقرير ضدّها وهي المُسَمّاة: تأكيد المدح بما يشبه الذّم وعكسه والعنوان الذي وضعته أولى
تأكيد الفكرة بما يشبه تقرير ضدّها: هي أن يأتي المتكلّم بكلام يتضمَّنُ مَدْحاً، أو ذمّاً، إو إثباتَ صفةٍ أو حَدَثٍ، أو نَفْيَ صِفَةٍ، أو حدث، ويُتْبعَهُ بكلاَمٍ يَبْدَؤُه بما يُشْعِرُ باستثناءٍ أو استدراكٍ على كلامه السابق فإذا به يأتي بما يتضَمَّنُ تأكيد كلامه السابق.
وهذا فنٌّ بديع في الكلام له حركة في النفس تَشْبِهُ الْجَزْرَ فالمدَّ السّريع الأقوى من الْجَزْرَ.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) بشأن الجنة وما فيها من نعيم لأهلها:
﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ [الآيات: ٢٥ - ٢٦] .
إنّ الاستثناء بعبارة ﴿إِلاَّ قِيلاً﴾ يُشْعِرُ بأنّ نفي اللَّغو والتأثيم السابق سيأتي إثباتُ بعضِ ما هو ضدّه، فإذا بالمستثنى يوكِّد الفكرة السابقة، وهي أنّهم لا يَسمَعُونَ فيها لَغْواً ولاَ تأثِيماً، لأنَّ عبارات السلام التي يسْمَعُها أهْلُ الجنّة ليست من اللّغو ولا من التأثيم، الّذي هو الشتيمة بارتكاب الإِثم، بل هي تكريم ودعاء وتحيَّة.
стр. 941
المثال الثاني: قول الله في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) خطاباً لرسوله محمد ﷺ :
﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى﴾ [الآيات: ١ - ٣] .
جملة: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ أي: ما أنزلْنَا عَلَيْك القرآن لتُتْعِبَ قلْبَكَ ونفْسَك بتَحَمُّل أعباء تحويل الناس من الكفر إلى الإِيمان، بل لتبلّغهم وتذكّرهم، وتريح قلبك ونَفْسَك بأنَّك أدّيْتَ واجبك.
وجاءت بعدها كلمة [إلاَّ] تشعر بأنّه سَيَليها مستثنىً يُحمِّلُه تكليفاً فيه بعض شقاءٍ له، فإذا بالمستثنى يتضمّن تأكيد الفكرة التي جاءت في الجملة السابقة لأداة الاستثناء.
المثال الثالث: قول الله في سورة (القيامة/ ٧٥ مصحف/ ٣١ نزول) بشأن الكافر المَسُوق إلى عذاب ربّه:
﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى * ولاكن كَذَّبَ وتولى﴾ [الآيات: ٣١ - ٣٢] .
قد تُشْعر كلمة [لَكِنْ] في الوهلة الأولى بأنّه فعل شيئاً من الخير استدراكاً على كونه كذّب بالرسول ولم يُصَلِّ للَّهِ ، فإذا بالمستَدْرَكِ به يتضَمَّن تأكيد ما جاء قبلَه، فقد كذّب الرّسول وكذّب بما جاء به، وتولَّى مُدْبراً فلم يُصَلِّ ولم يَعْبُدْ ربَّه بعبادةٍ ما.
المثال الرابع: قول النابعة الذّبياني:
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قرَاعِ الْكَتَائِبِ
فُلُول: جَمْعُ "فَلّ" وهو ثَلْمٌ يُصِيبُ حدّ السّيف من الضرب الشَّدِيدِ به.
مِنْ قراع الكتائب: القِرَاع: التقاتل ضرباً بالسّيوف والرماح، والكتائب: الجيوش المحاربة.
стр. 942
إنّ تثلُّم سيوفهم من قراع الكتائب يتضمّن مدحاً لهم بالشجاعة والإِقدام، فهو ليس من العيوب، بل هو من المناقب، فَذِكره على أنّه هو العيب الوحيد لهم يؤكّد الثناء عليهم أبلغ تأكيد.
المثال الخامس: قول "بديع الزمان الهمذاني" يمدح "خلف بن أحمد السجستاني":
هُوَ الْبَدْرُ إلاَ أنَّهُ البَحْرُ زاخِراً ... سِوَى أنَّه الضِّرْغامُ لكنَّهُ الوَبْلُ
زاخراً: ممتلئاً طامياً. الضرغام: الأسد. الوَبْل: المطر الشديد.
فقد أكدّ المدح بأسلوب يُوهِمُ عند البدء به أنّه يريد أن يذكر له عيباً بعد أن شبّهه بالبدر.
المثال السادس: قول النابغة الجعدي في المديح:
فَتَى كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ غيْرَ أَنَّهُ ... جَوَادٌ فَمَا يُبْقي مِنَ المَالِ بَاقِيَا
المثال السابع: قول ابن الرومي في المديح:
لَيسَ بِهِ عَيْبٌ سِوَى أنّه ... لا تَقَعُ الْعَيْنُ عَلَى مِثْلِهِ
المثال الثامن: رُوي عن الرسول ﷺ أنّه قال:
"أَنَا أفْصَحُ الّعَرَب، بَيْدَ أنِّي من قُرَيشٍ".
فكونُه من قريش يؤكّد أنّه صلوات الله عليه أفصح العرب.
المثال التاسع: قول المعرّي:
تُعَدُّ ذُنُوبي عِنْدَ قَوْمٍ كَثِيرةً ... وَلاَ ذَنْبَ لِي إلاَّ العُلاَ والفَضَائِلُ
المثال العاشر: قول صفي الدّين الحلّي:
لاَ عَيْبَ فِيهِمْ سِوَى أنَّ النَّزِيلَ بِهِمْ ... يَسْلُو عَنْ الأَهْلِ والأَوْطَانِ والْحَشَمِ
стр. 943
حَشَمُ الرَّجُل: خاصَّتُه الّذين يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه ويدخل فيهم الأهل والعبيد والْجِيرَة.
المثال الحادي عشر: قول الله في سورة (التوبة/ ٩ مصحف/ ١٣ نزول) بشأن المنافقين:
﴿ ... وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ... ﴾ [الآية: ٧٤] .
من شأن الإِغناء أن يكون سبب حُبّهم والباعث على طاعتهم، لا أن يكون سبب نقمتهم، فجاء ما بعد الاستثناء مؤكِّداً عدَمَ وجود سبب لنقمتهم.
المثال الثاني عشر: قول الله في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) :
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله ... ﴾ [الآيات: ٢٩ - ٣٠] .
جاءَ ما بَعْدَ الاستثناء مؤكّداً أَنَّهم أُخْرِجوا من ديارِهِم بغَيْرِ حَقٍّ، لأنّ قولَهُم: ﴿رَبُّنَا الله﴾ لا يُعطي الكافرين أيَّ حَقٍّ في إِخراجِهم من دِيارِهم.
المثال الثالث عشر: جاء في مادة (نمل) من لسان العرب، قول الشاعر:
وَلاَ عَيْبَ فينَا غَيْرُ نَسْلٍ لِمَعْشَرٍ ... كِرَامٍ وأَنَّا لاَ نَخُطُّ عَلَى النَّمْلِ
أي: لسنا بمجوس ننكح الأخوات، قال أبو العبّاس: وأنشدنا ابْنُ الأعرابي هذا البيت، وفسَّره: أنَّا كِرامٌ ولاَ نَأْتِي بُيُوتَ النَّمْلِ في الجدْب لِنَحْفِرَ على مَا جَمَعَ لنأكُلَه.
المثال الرابع عشر: قول الشاعر في مدح بني أُمَيَّة:
مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلاَّ ... أنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا
وَأَنَّهُمْ سَادَةُ الْمُلُوكِ وَلاَ ... يَصْلُحُ إلاَّ عَلَيْهِمُ الْعَرَبُ
***
стр. 944
البديعة المعنوية (٧) : تجاهل العارف
تجاهُل العارف: سَوْقُ الْمَعْلُوم مسَاقَ المجهولِ لنكتة تُقْصد لدى البلغاء.
والدواعي لتجاهل العارف كثيرة، منها ما يلي:
(١) التوبيخ: ومنه قول الخارجيّة "ليلى بنت طريف" ترثي أخاها الوليد:
أَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَالَكَ مُورِقاً؟ ... كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ
فَتَىً لاَ يُريدُ الْعزَّ إلاَّ مِنَ التُّقَى ... وَلاَ الرِّزْقَ إلاَّ مِنْ قَناً وسُيُوفِ
الخابور: اسمُ نَهْرٍ في ديار بني بكر.
(٢) المبالغة في المدح أو في الذمّ:
* فمن المبالغة في المدح قول البحتري:
أَلَمْعُ بَرْقٍ سَرَى أَمْ ضَوْءُ مِصْبَاحِ؟ ... أَمِ ابْتِسَامَتُهَا بِالْمَنْظَرِ الضَّاحِي
الضّاحِي: الظاهر البارز للشمس.
* ومن المبالغة في الذّمّ قول زهير:
وَمَا أَدْرِي وسَوْفُ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟!
أي: أرجالٌ أَمْ نِسَاء؟!.
(٣) التَّدَلُّهُ في الْحُبّ: ومنه قول الحسين بن عبد الله الغريبي:
بِاللَّهِ يَا ظَبَيَاتِ الْقَاعِ قُلْنَ لَنَا ... لَيْلاَيَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ الْبَشَرِ؟
القاع: أرضٌ مستويةٌ مطمئنّة عمّا يحيطُ به من الجبال والآكام.
стр. 945
وقوله ذي الرِّمّة:
أيَا ظَبْيَةَ الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاَجِلٍ ... وبَيْنَ النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِم؟
الوعْسَاء: الأرض اللّينة ذات الرمل.
(٤) الإِيناس: ومنه قول الله لموسى، كما جاء في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) :
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ [الآية: ١٧] .
إلى غير ذلك من دواعي.
***
стр. 946
البديعة المعنوية (٨) : الهزل الذي يرادُ به الجدّ
يتلطّف الأذكياء فيعبّرون عمّا هُمْ جادّون فيه بعبارات مُزاحٍ وهزلٍ خشية إثارة من يقصدونه بالخطاب، وليتأَتَّى لهم التنصُّل ممّا قالوا، بأنّهم يمزحون أو يَهْزِلُون، وأنّهم غير جادّين.
وتقولُ العامّة في عباراتها الدارجة: بالضّحِكِ والْمُزَاح تشتفي الأرْواح.
وهو فنُّ واسِعٌ جدّاً يعْتَمِدُ علْيْهِ التمثيلُ الهزليُّ، الّذي يتضمَّن ألواناً كثيرة من النّقدِ التوجيهيّ البنّاء لأفرادٍ أو مجتمعات، والنَّقْدِ اللاّذع الجارحِ أحياناً.
وقد يُقْصَدُ به التذكير بواجب، أو التّنبيه على أمْرٍ، أو تَعْلِيمُ مُتَرَفّعٍ عن أن يجلس مجلس المتعلّم. أو حثٌّ وحضٌّ على فعل خير.
وقد يُقْصد به المدح أو الذّمّ، إلى غير ذلك من مقاصد.
ومن أمثلة هذا الفنّ في الأدب قول "أبي نُوَاس":
إِذَا مَا تَمِيمِيٌّ أَتَاكَ مُفَاخِراً ... فَقُلْ: عَدِّ عَنْ ذا. كَيْفَ أَكْلُكَ للضَّبّ؟
إنّه يَعْرف كيف يأكُل التميميّون الضّبّ، لكنّه تساءل هازلاً، وغرضه تقريع بني تميم بأنّهم يأكلون الضبّ، وأشراف الناس لا يأكلونه، فليس من حق التميمي أن يفاخر.
وقول "ابن نُباتة":
سَلَبَتْ مَحَاسِنُكَ الْغَزَالَ صِفَاتِهِ ... حتَّى تَحَيَّرَ كُلُّ ظَبْي فِيكَا
لَكَ جِيدُهُ ولِحَاظُهُ وَنِفَارُهُ ... وَكَذَا نَظِيرُ قُرُونِهِ لأَبيكَا
فأورد الشطرة الأخيرة مورد الهزل وهو جادٌّ ضِمْناً. إذْ يَذُمُّ أبَاهُ بعدم مراقبة ابنه وحمايته من الْفُسَّاق.
стр. 947
البديعة المعنوية (٩) : القول الدّال على المعنى وضدّه ويعبَّر عنه بالتوجيه - وبالإِيهام
القول الدّالّ على المعنى وضدّه ويعبّر عنه بالتوجيه - وبالإِيهام والعنوان الذي اخترتُه أولى
قد يقصد الأديب إيراد كلام يَصْلُح للمدح وللهجاء معاً، أو الإِيمان والكفر، أو الإِقرار والإِنكار، أو غير ذلك من المعاني المتضادّة، ليتأنَّى له ادّعاء إرادة أحد المعنيَيْن دون الآخر عند الحاجة.
وذكر البلاغيّون أنّ السّابق إلى استخدام هذا الفنّ في الأدب "بشّارُ بن بُرْد" وأنّه كان كثير العبث به، ومن أخباره فيه أنّه أراد أن يخيط قباءً عند خيّاط قيل: اسمه "عَمْرو" وقيل: اسمه "زيد" فقال له الخيّاط ممازحاً سأخيط لك هذا الثوب فلا تدري أهو جُبَّة أَمْ قباء.
فقال له بشار: إذاً أنظم فيك شعراً لا يعلم من سمعه أدعوت به لك أم دعوتُ به عليك، وكان الخيّاط أعْوَر، فلمّا فعل الخياط ما وَعَد به، قال فيه بشار:
خَاطَ لِي "زَيْدٌ" قَبَاءْ ... لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءْ
قُلْ لمن يَعْرِفُ هَذَا ... أَمَدِيحٌ أَمْ هِجَاءْ
ورُوي أنّ "محمد بن حزم" هنَّأَ الحسن بن سَهْلٍ بتزويج ابنته "بوران" للخليفة
стр. 948
المأمون مع من هنَّأه، فأثاب المهنِئين، ومنع ابن حزم، فكتب إليه: إنْ أنت تماديت في حرماني قُلتُ فيك شعراً لاَ يُعْرَفُ أمَدْحٌ هو أَمْ ذمّ؟. فاستحضره وقال له: لا أعطيك أو تفعل، فقال ابن حزم:
بَارَكَ اللَّهُ للْحَسَنْ ... ولِبُورَانِ فِي الْخَتَنْ
يا إمَام الْهُدَى ظفرْ ... تَ ولكِنْ ببنْتِ مَنْ؟
استفهام يحتمل أن تكون ابنة شريف أو وضيع، فاستحسنه "الحسن" وقال له: أمن مبتكراتك؟ قال: لا، بل نقلته من بشار بن برد.
***
стр. 949
البديعة المعنوية (١٠) : الاستخدام
الاستخدام: أن يُؤتَى بلفظ له معنيان فيرادَ به أوّلاً أحدهما، ويُعَادَ الضمير عليه أو يُشَارَ إليه باسم إشارة مراداً به المعنى الآخر، أو يُرادَ بأحد ضميريه أحَدُ معنَيَيْه وَيُراد بالآخر الآخَرُ منهما، سواءٌ أكان المعنيان حقيقيَّيْن، أم مجازيّيْن، أم مختلفَيْن.
وهذا فنّ بديع يدعو إليه الإِيجاز من جهة، وتَقْدِيرُ ذَكَاء المتلَقِّي وإرضاؤُه من جهة أخرى.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) :
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ﴾ [الآية: ١٨٥] .
قالوا: ﴿فمن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي: ثَبَتَتْ لديه رؤية هلال الشهر، ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أي: فلْيَصُمْ في أيّامه، فأعيد الضمير على الشهر بمعنى الزّمَنِ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في كلّ يومٍ من أيّامه.
أُطْلِقَ لفظ الشهر على معنى ثبوت دخوله بظهور هلاله، وأعيد الضمير عليه بمعنى الأزمان المخصوصة.
المثال الثاني: قول "جرير أو هو قول "معوّذ الحكماء":
стр. 950
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَاباً
قصد بلفظ السماء أوّلاً المطر الّذي ينزل من الماء، وأعاد الضمير عليه مريداً به النبات الذي يَنْبُت في الأرض بسبب ارْتواء الأرض بالمطر.
المثال الثالث: قول البحتري من قصيدة يمدح بها "ابْنَ نَيْبَخْت" كما في ديوانه:
فَسَقَى الْغَضَا والنَّازِلِيهِ وإِنْ هُمُ ... شَبُّوهُ بَيْنَ جَوانِحٍ وقُلُوبِ
لفظ "الْغَضَا" أراد به أوّلاً المكان، وأعاد الضمير عليه بعبارة: "والنّازِلِيه" على هذا المعنى، وأعاد الضمير عليه بعد ذلك على معنى شجر الغضا وحَطَبه الصّلب ذي النار الحارّة إذا اشتعل، فقال: "شَبُّوهُ" أي: أو قَدُوه.
المثال الرابع: قول "ابن معتوق الموسوي" "١٠٢٥هـ".
تَاللَّهِ مَا ذُكِرَ الْعَقِيقُ وَأَهْلُهُ ... إِلاَّ وَأَجْراهُ الْغَرَامُ بِمِحْجَرِي
أراد بلفظ "العقيق" أوّلاً الوادي الذي بظاهر المدينة المنورة، وأعاد الضمير عليه بمعنى "الدَّم" الذي يشبه حجر العقيق الأحمر.
المثال الخامس: قولي صانعاً مثلاً للاستخدام، أُوَجِّهُه لأبي رحمة الله عليه:
شَهْمٌ كَرِيمُ السَّجَايَا فَارِسٌ بَطَلٌ ... يَحْتَلُّ مِنْ ذُرُوَات الْمَجْدِ أَعْلاَهَا
لَمْ أَلْقَهُ دُونَ أَنْ أَلْقَى نَوَائِلَهُ ... كَرَوْضَةٍ تَمْنَحُ الْعَافِينَ أَزْكَاهَا
كَمْ صَافَحَتْ يَدُهُ عِنْدَ اللِّقَاءِ يَدِي ... ومُهْجَتِي بِجَزِيلِ الْحَمْدِ تَلْقَاهَا
المقصود بعبارة "يَدُهُ" عُضْوُهُ من جسده، وأعيد الضمير عليها بعبارة "تَلْقَاها" على معنَى إنعامه وعطيّته، على سبيل استخدام اللفظ في حقيقته أوّلاً، وفي مجازه ثانياً.
***
следующие страницы →