← Баляга

Баляга · id 12825

البلاغة العربية

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (1 115 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

البديعة المعنوية (٨) : الهزل الذي يرادُ به الجدّ يتلطّف الأذكياء فيعبّرون عمّا هُمْ جادّون فيه بعبارات مُزاحٍ وهزلٍ خشية إثارة من يقصدونه بالخطاب، وليتأَتَّى لهم التنصُّل ممّا قالوا، بأنّهم يمزحون أو يَهْزِلُون، وأنّهم غير جادّين. وتقولُ العامّة في عباراتها الدارجة: بالضّحِكِ والْمُزَاح تشتفي الأرْواح. وهو فنُّ واسِعٌ جدّاً يعْتَمِدُ علْيْهِ التمثيلُ الهزليُّ، الّذي يتضمَّن ألواناً كثيرة من النّقدِ التوجيهيّ البنّاء لأفرادٍ أو مجتمعات، والنَّقْدِ اللاّذع الجارحِ أحياناً. وقد يُقْصَدُ به التذكير بواجب، أو التّنبيه على أمْرٍ، أو تَعْلِيمُ مُتَرَفّعٍ عن أن يجلس مجلس المتعلّم. أو حثٌّ وحضٌّ على فعل خير. وقد يُقْصد به المدح أو الذّمّ، إلى غير ذلك من مقاصد. ومن أمثلة هذا الفنّ في الأدب قول "أبي نُوَاس": إِذَا مَا تَمِيمِيٌّ أَتَاكَ مُفَاخِراً ... فَقُلْ: عَدِّ عَنْ ذا. كَيْفَ أَكْلُكَ للضَّبّ؟ إنّه يَعْرف كيف يأكُل التميميّون الضّبّ، لكنّه تساءل هازلاً، وغرضه تقريع بني تميم بأنّهم يأكلون الضبّ، وأشراف الناس لا يأكلونه، فليس من حق التميمي أن يفاخر. وقول "ابن نُباتة": سَلَبَتْ مَحَاسِنُكَ الْغَزَالَ صِفَاتِهِ ... حتَّى تَحَيَّرَ كُلُّ ظَبْي فِيكَا لَكَ جِيدُهُ ولِحَاظُهُ وَنِفَارُهُ ... وَكَذَا نَظِيرُ قُرُونِهِ لأَبيكَا فأورد الشطرة الأخيرة مورد الهزل وهو جادٌّ ضِمْناً. إذْ يَذُمُّ أبَاهُ بعدم مراقبة ابنه وحمايته من الْفُسَّاق.

стр. 947

البديعة المعنوية (٩) : القول الدّال على المعنى وضدّه ويعبَّر عنه بالتوجيه - وبالإِيهام القول الدّالّ على المعنى وضدّه ويعبّر عنه بالتوجيه - وبالإِيهام والعنوان الذي اخترتُه أولى قد يقصد الأديب إيراد كلام يَصْلُح للمدح وللهجاء معاً، أو الإِيمان والكفر، أو الإِقرار والإِنكار، أو غير ذلك من المعاني المتضادّة، ليتأنَّى له ادّعاء إرادة أحد المعنيَيْن دون الآخر عند الحاجة. وذكر البلاغيّون أنّ السّابق إلى استخدام هذا الفنّ في الأدب "بشّارُ بن بُرْد" وأنّه كان كثير العبث به، ومن أخباره فيه أنّه أراد أن يخيط قباءً عند خيّاط قيل: اسمه "عَمْرو" وقيل: اسمه "زيد" فقال له الخيّاط ممازحاً سأخيط لك هذا الثوب فلا تدري أهو جُبَّة أَمْ قباء. فقال له بشار: إذاً أنظم فيك شعراً لا يعلم من سمعه أدعوت به لك أم دعوتُ به عليك، وكان الخيّاط أعْوَر، فلمّا فعل الخياط ما وَعَد به، قال فيه بشار: خَاطَ لِي "زَيْدٌ" قَبَاءْ ... لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءْ قُلْ لمن يَعْرِفُ هَذَا ... أَمَدِيحٌ أَمْ هِجَاءْ ورُوي أنّ "محمد بن حزم" هنَّأَ الحسن بن سَهْلٍ بتزويج ابنته "بوران" للخليفة

стр. 948

المأمون مع من هنَّأه، فأثاب المهنِئين، ومنع ابن حزم، فكتب إليه: إنْ أنت تماديت في حرماني قُلتُ فيك شعراً لاَ يُعْرَفُ أمَدْحٌ هو أَمْ ذمّ؟. فاستحضره وقال له: لا أعطيك أو تفعل، فقال ابن حزم: بَارَكَ اللَّهُ للْحَسَنْ ... ولِبُورَانِ فِي الْخَتَنْ يا إمَام الْهُدَى ظفرْ ... تَ ولكِنْ ببنْتِ مَنْ؟ استفهام يحتمل أن تكون ابنة شريف أو وضيع، فاستحسنه "الحسن" وقال له: أمن مبتكراتك؟ قال: لا، بل نقلته من بشار بن برد. ***

стр. 949

البديعة المعنوية (١٠) : الاستخدام الاستخدام: أن يُؤتَى بلفظ له معنيان فيرادَ به أوّلاً أحدهما، ويُعَادَ الضمير عليه أو يُشَارَ إليه باسم إشارة مراداً به المعنى الآخر، أو يُرادَ بأحد ضميريه أحَدُ معنَيَيْه وَيُراد بالآخر الآخَرُ منهما، سواءٌ أكان المعنيان حقيقيَّيْن، أم مجازيّيْن، أم مختلفَيْن. وهذا فنّ بديع يدعو إليه الإِيجاز من جهة، وتَقْدِيرُ ذَكَاء المتلَقِّي وإرضاؤُه من جهة أخرى. أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ﴾ [الآية: ١٨٥] . قالوا: ﴿فمن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي: ثَبَتَتْ لديه رؤية هلال الشهر، ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أي: فلْيَصُمْ في أيّامه، فأعيد الضمير على الشهر بمعنى الزّمَنِ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في كلّ يومٍ من أيّامه. أُطْلِقَ لفظ الشهر على معنى ثبوت دخوله بظهور هلاله، وأعيد الضمير عليه بمعنى الأزمان المخصوصة. المثال الثاني: قول "جرير أو هو قول "معوّذ الحكماء":

стр. 950

إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَاباً قصد بلفظ السماء أوّلاً المطر الّذي ينزل من الماء، وأعاد الضمير عليه مريداً به النبات الذي يَنْبُت في الأرض بسبب ارْتواء الأرض بالمطر. المثال الثالث: قول البحتري من قصيدة يمدح بها "ابْنَ نَيْبَخْت" كما في ديوانه: فَسَقَى الْغَضَا والنَّازِلِيهِ وإِنْ هُمُ ... شَبُّوهُ بَيْنَ جَوانِحٍ وقُلُوبِ لفظ "الْغَضَا" أراد به أوّلاً المكان، وأعاد الضمير عليه بعبارة: "والنّازِلِيه" على هذا المعنى، وأعاد الضمير عليه بعد ذلك على معنى شجر الغضا وحَطَبه الصّلب ذي النار الحارّة إذا اشتعل، فقال: "شَبُّوهُ" أي: أو قَدُوه. المثال الرابع: قول "ابن معتوق الموسوي" "١٠٢٥هـ". تَاللَّهِ مَا ذُكِرَ الْعَقِيقُ وَأَهْلُهُ ... إِلاَّ وَأَجْراهُ الْغَرَامُ بِمِحْجَرِي أراد بلفظ "العقيق" أوّلاً الوادي الذي بظاهر المدينة المنورة، وأعاد الضمير عليه بمعنى "الدَّم" الذي يشبه حجر العقيق الأحمر. المثال الخامس: قولي صانعاً مثلاً للاستخدام، أُوَجِّهُه لأبي رحمة الله عليه: شَهْمٌ كَرِيمُ السَّجَايَا فَارِسٌ بَطَلٌ ... يَحْتَلُّ مِنْ ذُرُوَات الْمَجْدِ أَعْلاَهَا لَمْ أَلْقَهُ دُونَ أَنْ أَلْقَى نَوَائِلَهُ ... كَرَوْضَةٍ تَمْنَحُ الْعَافِينَ أَزْكَاهَا كَمْ صَافَحَتْ يَدُهُ عِنْدَ اللِّقَاءِ يَدِي ... ومُهْجَتِي بِجَزِيلِ الْحَمْدِ تَلْقَاهَا المقصود بعبارة "يَدُهُ" عُضْوُهُ من جسده، وأعيد الضمير عليها بعبارة "تَلْقَاها" على معنَى إنعامه وعطيّته، على سبيل استخدام اللفظ في حقيقته أوّلاً، وفي مجازه ثانياً. ***

стр. 951

البديعة المعنوية (١١) : ذكر المتعدّدات مع ذكر ما يتعلّق بكلّ واحد منها ذكر المتعدّدات مع ذكر ما يتعلّق بكل واحدٍ منها * إمّا لفّ ونشر.. * وإما تقسيم أمّا اللّفُّ والنّشر: فهو فَنٌّ في المتعدّدات التي يتعلّق بكلّ واحِدٍ منها أَمْرٌ لاحق، فاللّف يُشار به إلى المتعدّد الذي يؤتى به أوّلاً، والنشر يُشار به إلى المتعدّد اللاّحق الذي يتعلّق كلُّ واحد منه بواحد من السابق دون تعيين، أما ذكر المتعددات مع تعيين ما يتعلّق بكلّ واحد منها فهو التقسيم. فإذا أتى المتكلم بمتعدّدٍ، وبعده جاء بمتعدّد آخر يتعلّق كلّ فرد من أفراده بفرد من أفراد السابق بالتفصيل ودون تعيين سُمِّيَ صَنيعُه هذا "لفَّاً ونشراً". كأن نقول: "طلعت الشمس وبزع القمر نهاراً وليلاً" - عَمَّ السَّحَابُ والسَّيْلُ السّماءَ والواديَ" - "عاد الْفُرْسَانُ والْجُنْدُ والأَسْرَى مُقَيّدِين ورجالاً ورُكْبَاناً"، أي: فالْفرْسَانُ عادوا ركبانا، والجندْ عادوا مشاة، والأسْرَى جاءوا مقيّدين. والمتعدّد السابق له وجهان: إمّا أن يأتِي لَفُّهُ مُفَصّلاً، وإمّا أنْ يأْتِيَ لَفُّهُ مُجْمَلاً. اللّف المفصّل: إذا جاء لَفُّ المتعدّد السابق مفصّلاً، فالنشر اللاّحق له وجهان: الوجه الأول: أن يأتي النشر على وفق ترتيب اللَّف، ويُسَمَّى "اللّفَّ والنشر المرتَّبَ".

стр. 952

الوجه الثاني: أن يأتي النشر على غير ترتيب اللّف، ويُسمَّى "اللَّفَّ والنشر غير المرتّب" وقد يُعَبَّر عنه بعبارة "اللّف والنشر الْمُشَوّش". أولاً: فمن أمثلة اللّف والنشر المرتب ما يلي: المثال الأوّل: قول الله في سورة (القصص/ ٢٨ مصحف/ ٤٩ نزول) : ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الآية: ٧٣] . فقد جاء اللّفُّ بعبارة ﴿جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ إذْ جُمع اللَّيْلُ والنهار بحرف العطف. وجاء النشر وفق توزيع مرتب، فعبارة: ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ تتعلّق باللّيل، وعبارة: ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: كسْبَ أرزاقكم، تتعلّق بالنهار، مع الإِشارة بهذا الجمع إلى احتمال أن يسكن بعض الناس في النهار ويبتغي كسب رزقه من فضل الله في اللّيل، لكن هذا خلاف ما هو الأصلح للناس بمقتضى تكوينهم الفطري. المثال الثاني: قول ابنْ حَيُّوس: فِعْلُ الْمُدَامِ ولَوْنُهَا وَمَذَاقُهَا ... فِي مُقْلَتَيْهِ وَوَجْنَتَيْهِ وَرِيقِهِ الْمُدام: الخمر. فأورد النشر على ترتيب اللّف، إذْ فِعْلُ الْمُدام في مُقْلَتَيْه إسكار، ولونُها في وجنتيه حُمْرةٌ، ومذاقُها في رِيقِهِ لذّة. المثال الثالث: قولُ ابن الرومي: آرَاؤُكُمْ وَوُجُوهُكُمْ وسُيُوفُكُمْ ... في الْحَادِثَاتِ إِذْ دَجَوْنَ نُجُومُ فِيها مَعَالِمُ لِلْهُدَى. ومَصَابِحٌ ... تَجْلُو الدُّجَى والأُخْرَيَاتُ رُجُومُ

стр. 953

دَجَوْنَ: أي: أظْلَمْنَ. جاء اللّف في قوله: "آراؤُكم ووُجُوهكم وسُيُوفكم" وجاء النشر وفْقَ توزيع مرتب، فقوله: "فيها معالم للهدى" وصفٌ للآراء. وقولُهُ "ومَصَابِح تَجْلُو الدُّجَى" وصف للوجوه. وقوله: "والأخريات رُجُومُ" وصْفٌ للسُّيوف. المثال الرابع: قول الله في سورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول) : ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ [الآية: ٢٩] . الْمَحْسُور: المنهوكُ القوى، والّذي لم يَبْقَ معه مالٌ من كثرة الإِنفاق، يقال لُغةً: حَسَر القوم فلاناً، إذا سألوه فأعطاهم حتى لم يَبْقَ معه شيء. جاء اللَّفُّ المفصَّل هنا في النّهي عن البخل وعن التبذير بعبارة ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ . وجاء النشر مرتَّباً على وفق ترتيب اللّف، وذلِكَ لأنّ اللَّوْمَ يكون على البخل الذي جاء في العبارة أوّلاً، وإنْهاكَ الْقُوى وخُلُوَّ الْيَدِ من المال يكون بسبب التبذير. المثال الخامس: ما جاء في سورة (الكهف/ ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول) في قِصَّة موسى والخضر ﵉، ففي عرض القصة جاء ترتيب عرض أحداثها بدءاً بحادثة خرق السفينة، فحادثة قتل الغلام، فحادثه إقامة الجدار. ولمّا أبان الخضر تأويلَ أعماله التي قام بها لموسى ﵇ بدأ ببيان سبب خرقه السفينة، فبيان سبب قتله الغلام، فبيان سبب إقامته الجدار. ثانياً: ومن أمثلة اللّف والنشر غير المرتّب ما يلي: المثال الأول: قول الله في سورة (الضحى/ ٩٣ مصحف/ ١١ نزول) لرسوله محمّد ﷺ :

стр. 954

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ [الآيات: ٦ - ٨] . هذه الجمل الثلاث تضمَّنَتْ أفكاراً ثلاثة مفصَّلة، فهي لفٌّ مُفَصَّل، وجاء بعدها نَشْرٌ غَيْر مُرَتَّب على وفق ما جاء في هذا اللّف: فجملة: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ [الآية: ٩] ملائمة للجملة الأولى ومتعلّقة بها. وجُمْلَةُ: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الآية: ١٠] ملائمة للجملة الثالثة ومتعلّقة بها. وجُمْلَةُ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الآية: ١١] ملائمة للجملة الثانية ومتعلّقة بها، لأن معنى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ ووجَدَكَ جَاهِلاً فعَلَّمَكَ مَسَائل الدّين، وهي النّعمة الكبرى التي أنعم الله بها عليه وعلى الناس، وأتمَّها يوم أنزل على رسوله قوله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) : ﴿ ... اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ... ﴾ [الآية: ٣] . فالتحديث بِنِعْمَةِ اللَّهِ هو تَبْليغُ هذا الدّين وهدايةُ الناس إليه وتَعُلِيمُهم إيّاه. والحكمةُ في الترتيب الّذِي جاء في اللّف موافَقَةُ التَّرْتِيبِ الذي حَصَل في حياة الرسول ﷺ : فالإِيواءُ من الّيُتْمِ كان أوّلاً، والهدايةُ جَاءَتْ ثانياً قَبْلَ النبوّة وبعدها، والغِنَى جَاء ثالِثاً. والحكمةُ في الترتيب الذي جاء في النشر على خلاف الترتيب الذي جاء في اللّفّ: أنَّه جاءَ بتكاليف يَحْسُنُ فيها قَرْنُ النظائر بعضها مع بعض، فالنَّهْيُ عن قهر اليتيم يلائمه النهي عن نَهْرِ السائل، وبَعْدَ ذَلِك يَحْسُن الختْمُ بالأمْرِ بتبليغ الدّين والتحديثِ بما أنعم اللَّهُ به على رسوله من عِلْمٍ وهُدى. المثال الثاني: قول "ابن حيُّوس": كَيْفَ أَسْلُو وأنْتِ حِقْفٌ وَغُصْنٌ ... وغَزَالٌ لَحْظاً وَقَدّاً وَرِدْفاً

стр. 955

الحِقْفُ: كثيبُ الرَّمْلِ، يَسْتَحْسِن الأدباء تشبيه الأرْدافِ به. جاء اللّفّ المفصّل في (حِقْف - غُصْن - غزال) . وجاء النشر على عكس ترتيب اللَّف، إذ اللّخط للغزال، والْقَدُّ لِلْغُصْنِ، والرِّدْفُ للحِقْف. اللّف المجمل: وإذا جاء لفُّ المتعدّد مجملاً فالنشر بعده مجرّد بيانٍ تفصيليّ للمجمل، ومن أمثلته ما يلي: المثال الأول: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآيات: ٢٣٨ - ٢٣٩] . جاء اللَّفُّ المجمل في عبارة: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ خطاباً للمؤمنين حالة الحرب. وبعده جاء النشر المفصّل في عبارة ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ . رِجالاً: جَمْع "رَاجل" وهو الماشي على قدميه، خلاف الراكب. أي: فالرجال منكم يُصَلُّون رجالاً، والرُّكْبَانُ منكُمْ يُصَلُّونَ رُكْباناً على قدر استطاعة كلٍّ مِنْهُم. المثال الثاني: قول الله في سورة (الحج/ ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول) في حكاية قوله لإِبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ [الآية: ٢٧] . جاء اللّفّ المجمل في عبارة: ﴿وَأَذِّن فِي الناس﴾ خطاباً لإِبراهيم ﵇.

стр. 956

وجاء النشر المفصل في عبارة: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: يأْتِكَ فَرِيقٌ من الْمُلَبّين رجالاً مشاةً على أقدامهم، ويأْتِكَ فريق آخر من الْمُلَبِّين على كُلِّ ضَامِرٍ من الدّواب لطولِ السّير في السّفر إلى البلد الحرام. المثال الثالث: قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الآية: ١١١] . جاء اللّفّ المجمل في عبارة ﴿وَقَالُوا﴾ أي: وقال اليهود والنصارى. وجاء النشر المفصل بعد ذلك مع الإِيجاز البالغ فيه، والمعنى: قالَتِ الْيَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجنَّةَ إلاَّ من كان من اليهود، وقالت النصارى: لن يدخل الجنّة إلاَّ من كان من النصارى. ولم يحصل لَبْسٌ في اللّف للعلم بأنَّ كُلاًّ من الفريقين يعتبر الفريق الآخر ضالاًّ ومن أهل النار، وهذا هو المسوّغ للإِجمال في اللّف. المثال الرابع: قول الأعشى: يَدَاكَ يَدَا صِدْقٍ فَكَفٌ مُفِيدَةٌ ... وكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ جاء اللّفُّ المجمل في عبارة: [يَدَاكَ يَدا صِدْقٍ] . وجاء النشر المفصّل في عبارة: [فكفٌّ مُفيدَةٌ وكَفٌّ إذا مَا ضُنَّ بالمالِ تُنْفِقُ] . *** وأمّا التقسيم: فله إطلاقات ثلاثة: الإِطلاق الأول للتقسيم: التقسيم الذي هو كاللّف والنشر: في ذكر متعدّد أوّلاً مفصَّلٍ أو مجمل، وإتباعه بمتعدّد آخر يتعلّق كلّ واحدٍ من أعداده بواحدٍ من المتعدّد السابق، باستثناء

стр. 957

قَيْدٍ واحد، فالتقسيم فيه تعيين كلِّ واحدٍ من المتعدّد اللاّحق بصاحبه من المتعدّد السابق، بخلاف اللّف والنشر إذ القيد فيه أن يكون بدون تعيين، وأن يكون الاعتماد فيه على فهم المتلقّي، وهذا هو الفرق بينها، وللّفّ والنشر مقتضيات أحوال يَحْسُن فيها، وللتقسيم مقتضيات أحوال يَحْسُن فيها، ومن الأحوال الّتي يَحْسُن فيها التقسيم: الأحوالُ الّتي يُراد فيها النّصّ الواضح القاطع للاحتمالات، والأحوال التعليميّة، وأحوال المخاطبين الذين يعْسُر عليهم التوزيع الملائم بين المتعدّدات اللاّحقة والمتعددات السابقة، والأحوالُ التي يحصل فيها اللَّبْسُ لولا التعيين. ويحسن أن يُسَمَّى هذا التقسيم "تقسيم اللّف والنشر". أمثلة: المثال الأوَّل: قول الله في سورة (الحاقة/ ٦٩ مصحف/ ٧٨ نزول) : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية * وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الآيات: ٤ - ٦] . جاء المتعدّد الأول مُفَصَّلاً، وجاء المتعدّد اللاّحق المتصل به والتابع له مفصّلاً مُعَيَّناً، لأمن اللّبس. المثال الثاني: قول الله في سورة (الانشقاق/ ٨٤ مصحف/ ٨٣ نزول) : ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً * ويصلى سَعِيراً﴾ [الآيات: ٦ - ١٢] . جاء المتعدّد الأوّل مجملاً بعبارة: ﴿ياأيها الإنسان ... ﴾ .

стр. 958

وجاء تقسيمه وأحكام كلّ قسم بعبارة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وعبارة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ . المثال الثالث: قول الله في سورة (آل عمران/ ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧] . جاء المتعدّد الأول مُفَصَّلاً بعبارة: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ . وجاء تقسيمه وبيان أحكام كلِّ قسم على التعيين بعبارة: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾ وعبارة: ﴿وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ ... ﴾ . والأمثلة من القرآن على هذا كثيرة. المثال الرابع: قول أبي تمّام في بيان منهج الدعوة إلى قبول الإِسلام أو القتال بالسيف: فَمَا هُوَ إِلاَّ الْوَحْيُ أَوْ حَدُّ مُرْهَفٍ ... تُمِيلُ ظُبَاهُ أَخْدعَيْ كُلِّ مَائِلِ فَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عَالِمٍ ... وهَذَا دَواءُ الدَّاءِ من كلّ جَاهِلِ الوحي: أي القرآن المجيد، وبيان الرسول ﷺ . أو حَدُّ مُرْهَفٍ: أي: أَو حدُّ سيفٍ مرهف. المرهف الْمَسْنُون ذو الشفرة الرقيقة. ظُبَاهُ: الظُّبَةُ حَدُّ السيف والسّنان والخِنْجَرِ ونَحْوها وجَمْعُها "ظُباً" و"ظُبَاة" و"ظُِبُون". أخْدَعَيْ كُلِّ مائل: الأَخْدَعُ أحد عرقَيْنِ في جانِبَي الْعُنقُ، وهما الأخداعان.. جاء المتعدد الموصوف مفصّلاً بقسمي: "الوحي" و"حدّ مرهف".

стр. 959

وجاء تعيين ما يتعلق بالقسم الأول بعبارة: "فهذا دواء الداء من كل عالم". وجاء تعيين ما يتعلق بالقسم الثاني بعبارة: "وهذا دواء الداء من كلّ جاهل". *** الإِطلاق الثاني للتقسيم: أن تُذْكَرَ متعدّدات ويُذْكَر إلى جانب كلِّ واحدٍ منها ما يَتَعَلَّقُ به، ويحسُن أن يسمَّى التقسيم "التقسيم المذيَّل". ومن الأمثلة على هذا الإِطلاق ما يلي: المثال الأول: ما رواه مسلم وغيره عن أبي مَالِكِ الأشعريّ أنّ النبيّ ﷺ قال: "الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمان، والْحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وسبحان اللَّهِ والحَمْدُ للَّهِ تَمْلآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، والصَّلاةُ نور، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآن حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْك، كُلُّ النَّاسِ يغدُوا فَبَائِعٌ نَفْسَهُ: فمُعْتِقُها أوْ مُوبِقُهَا". جاء في هذا الحديث وفق هذا الإِطلاق أقْسَامُ سبْعَة، آخرها: "والقرآن حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيْكَ". أمَّا عبارة: "كُلُّ الناس يَغْدُو فَبَائعُ نَفْسَه: فَمُعْتِقُها أو مُوبِقُهَا". فتَصْلُحُ مثالاً للإِطلاق الأول للتقسيم، والمتعدّد الأوّل منه جاء مجملاً، والمتعدّ التالي المتعلّق به جاء مُفَصّلاً، أي: فَقِسْمٌ مُعْتِقُ نفسه من النار بالعمل الصالح وقسم مُوْبِقٌ نفسه أي: مهلكها ومعرّضها للعذاب بالنار بما يكتسب من معاصي وآثام. المثال الثاني: قول علي بن أبي طالب ﵁: "أَحْسِنْ إلَى مَنْ شِئْتَ تكُنْ أَمِيرَهُ، واسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَه، واحْتَجْ إلى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ".

стр. 960

المثال الثالث: قول أبي الطيّب المتنبيّ: سَأَطْلُبُ حَقِّي بالقَنَا وَمَشَايخٍ ... كَأَنَّهُمُ مِنْ طُولِ ما الَثَمُوا مُرْدُ ثِقَالٍ إِذا لاَقَوْا خِفَافٍ إذَا دُعُوا ... كَثيرٍ إِذا شَدُّوا قَلِيلٍ إذا عُدُّوا الْتَثَمُوا: أي: وَضَعُوا اللّثَامَ على وجُوههم، فيظهرون كأنَّهُمْ مُرْد. إذَا دُعوا: أي: إذا دُعُوا لمناصرته في قتال. إذا شَدُّوا: أي: أقبلوا محاربين مقاتلين، يقال شَدَّ في الحرب، إذا أقبل بقوة. المثال الرابع: قول المتنبي أيضاً يصف حسناءه: بَدَتْ قَمراً وَمَالَتْ خُوطَ بَانٍ ... وَفَاحَتْ عَنْبراً ورَنَتْ غَزَالاً خُوطَ بَانٍ: الْخوطُ: الغُصْنُ الناعم اللّين. والْبَانُ: شجر سبط القوام لين، ورقه كوَرَقِ الصفصاف، واحدته "بَانَة". رَنَتْ: أي: أدامت النظر مع سكون الطرف. *** الإِطلاق الثالث للتقسيم: هو التقسيم الذي تُسْتَوفَى به أقسام الشيء الموجودة في الواقع، أو تُسْتَوْفَى به الأقسام العقلية، ويَحْسُنُ أن يُسَمَّى هذا "التقسيم المستوفي". أمثلة: المثال الأول: قول "أبي تمّام". إِن يَعْلَمُوا الْخَيْرَ يُخْفُوهُ وإِن عَلِمُوا ... شَرّاً أَذَاعُوا وَإِنْ لَمْ يَعْلموا كَذَبُوا المثال الثاني: قول الله في سورة (الروم/ ٣٠ مصحف/ ٨٤ نزول) :

стр. 961

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ... ﴾ [الآية: ٢٤] . فجاء في هذه الآية استيفاء أقسام الغاية من ظاهرة البرق، إذْ ليس في رؤية البرق إلاَّ الخوف من الصواعق، والطّمع في الأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين بالنسبة إلى الرّائين من عامّة الناس. المثال الثالث: قول الله في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ [الآية: ٣٢] . إنّ واقع حال المؤمنين المسلمين لا يخلو أحدهم من أن يكون واحداً من هؤلاء الأقسام الثلاثة: إمّا ظالم لنفسه بالمعاصي، وإمّا مقتصد بفعل الواجبات وترك المحرّمات، وإمّا سابقٌ في الخيرات بإذن الله بأعمال البر وأعمال الإِحسان، وهذه القسمة واقعيّة وعقليّة. المثال الرابع: قول الله في سورة (الواقعة/ ٥٦ مصحف/ ٤٦ نزول) بشأن أقسام الناس يوم القيامة: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة * وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة * والسابقون السابقون * أولائك المقربون * فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ [الآيات: ٧ - ١٢] . أزواجاً ثلاثة: أي أصنافاً ثلاثة. فالناس يوم القيامة يُفْرَزُون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأوّل: الكافرون، وهم أصحابُ المشأمة. القسم الثاني: المؤمنون غير السابقين، وهم أصحاب الميمنة. القسم الثالث: المؤمنون السّابقون، ذوو الدرجات العليّة.

стр. 962

وقد ذكر النصّ أصحاب الميمنة أوّلاً، وبعدهم أصحاب المشأمة، ثم فرز السابقين من أصحاب الميمنة تمييزاً لهم وإعلاءً لمكانتهم. المثال الخامس: قول الله في سورة (الشورى/ ٤٢ مصحف/ ٦٢ نزول) : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الآيات: ٤٩ - ٥٠] . هذا النصّ استوفَى اقسامَ أحوالِ مَنْ يُولَدُ لهم مواليد أو يُحْرَمُونَ منها مع اتّخاذهم أسباب الإِنجاب، فهي أربعة أقسام لا خامس لها، وفق القسمة العقلية والواقعيّة. فإمّا أن تكون الذّرّية من الإِناث، وإمّا أن تكون من الذكور، وإمّا أن تكون من الصنفين، وإمّا أن يكون الإِنسان عقيماً لا يُنْجب. والأمثلة من القرآن على هذا الإِطلاق الثالث من التقسيم كثيرة، فمنها ما جاء في سورة (مريم) الآية (٦٤) وسورة (الطور) الآية (٣٥) وسورة (المزّمل) الآية (٢٠) . ***

стр. 963

البديعة المعنوية (١٢) : بدائع متجانسة حول أحوال روابط المعاني بدائع متجانسة حول أحوال روابط المعاني ووجوه اجتماعها وافتراقها وتقسيمها وتَفَرُّعِها يتناول الكلام هنا الاختيارات البديعة التالية: (١) الجمع. (٢) الجمع والتفريق. (٣) التقسيم. (٤) الجمع والتقسيم. (٥) الجمع مع التفريق والتقسيم. (٦) التفريع. البيان: تتوارد المعاني على فكر المتكلّم فيرى بينها مفردات قضايا قابلة للجمع في قضيّة كُلّيَّةٍ واحدة، فيدعوه الإِيجاز والاقتصاد في التعبير إلى جَمْعِها في قضيةٍ واحدة. فبدل أن يقول مثلاً: * الخيلُ تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والحبّ. * والبغال تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والحبّ.

стр. 964

* والحمير تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والحبّ. * والإِبل تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والجبّ. * والبقر تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والحبّ. * والغنم تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والحبّ. يقول مثلاً: * الدوابّ والأنعام تأكُلُ الْخَضِرَ من نبات الأرض والحبّ. * أو الدواب والأنعام نباتّيّة. أو تأكُلُ النبات. فيقتصر على جملة واحدةٍ مختصرة يجمع فيها معاني جُمَلٍ عديدة، وهذا مسلك بديعٌ في جَمْعِ الأشباه والنظائر وإعطائها جميعاً حكماً واحداً إذا كانت مُشْتَرِكَةً فيه. ومن هُنا ظهرت في اللّغات الكلماتُ الكليّة الّتي تندرجُ تَحْتَها أفراد كثيرة يجْمَعُها جامعٌ ما، وهذه الكلمات الكلّيّة تجمع في مفهومها أجناساً وأنواعاً وأصنافاً. وظهر هذا بوضوح لعلماء المنطق فقسَّمُوا الكليات إلى خمس، هي: (١) "الجنس" مثل: جماد، نبات، حيوان. (٢) "النوع" مثل: إنسان، فرس، غزال. (٣) "الْفَصْل" مثل: مفكر، ناطق. (٤) العرض الخاص" مثل: ضاحك، كاتب. (٥) "العرض العام" مثل: ماشٍ، آكل، شارب. ويأتي تحت تقسيم علماء المنطق كليّات أخرى هي أصناف، وأقسام، وفئات، ونحو هذه الألفاظ الَّتي تُطْلَقُ على أفراد متعدّدة يجمعها جامعٌ ما، ففي نوع الإِنسان نجد أصنافاً كثيرة، مثل: العربي، الأروبّي، الفارسي، وهكذا في

стр. 965

كلِّ كلّيّ نجد أصنافاً وأقساماً وفئات، هي في ذاتها كليّات مندرجةٌ في الكليّات الأكبر منها، والأكثر عَدَدَ أفراد، وتتنازل وتتصاغر دوائر الكليّات حتى أصغرها. والألفاظ الدّالّة على مَعَاني كليّة عند الأديب قد تكون دلالَتُها على سبيل الحقيقة، أو على سبيل المجاز، أو على سبيل الادّعاء لداعٍ بلاغيٍّ. وتوجد أمام المتكلّم الأديب في هذا المجال أحوال متعدّدة، ووجوه من الكلام مختلفة، ومتفاضلة فيما بينها بلاغيّاً وفنيّاً، وعليه أن يختار ما يراه منها أكثر ملاءمة لمقتضى أحوال المتَلَقِّين. ومن هذه الوجوه ما سبق بيانه في مبحث "اللَّف والنشر" وتابعه مبحث "التقسيم". ومن هذه الوجوه ما يأتي بيانُه وتفصيلُه هُنا، ولتحديد المعالم بوضوح أَعْرِضُ الحالات، والأسلوبَ البديع الذي يَحْسُنُ اختياره في كُلٍّ منها: الحالة الأولى: أن يجتمع مُعَيَّنَان أو صِنْفَان أو نوعان أو جنسان أو أَيُّ مختلفين فأكثر في حكم واحدٍ، وفي هذه الحالة يكون من الإِيجاز من جهة، ومن بديع الكلام من جهة أخرى، صياغَةُ تعبير واحد مختصر، تُذْكَرُ فيه المختلفات إمّا بأفرادها إذا كان كلّ فردٍ منها مُعَيَّنَاً، وإمّا بلفظ كُلّيّ يَجْمَعُها إذا لم يكن للمتكلّم غرضٌ في تعيين الأشخاص، أو كان الأفراد غير محصورين، وكان الغرض تعميم الحكم على كلّ الأفراد. وهذا مَا يُطْلَقُ عليه في فن البديع "الجمعُ في الحكم". أمثلة: لمثال الأول: قول الله في سورة (المائدة/ ٥ مصحف/ ١١٢ نزول) :

стр. 966

﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الآية: ٩٠] . هذه الأصناف المتعدّدة: "الخمر - الْمَيْسِر - الأنْصَاب - الأزلام" جُمِعَتْ في حكم واحد وهو كونُهَا رِجْساً معنويّاً، وكون الله قد أمر المؤمنين باجْتِنَابِها. المثال الثاني: قول "أبي العتاهيَة". إِنَّ الشّبَابَ والْفَراغَ والْجِدَةَ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَةٍ الْجِدَة: السّعة في امتلاك المال، مصدر "وَجَدَ" وُجْداً وجِدَةً إذا صار ذا مالٍ. فاجتمعت هذه الثلاثة في كونها مَفْسَدَةً، فأعطيت في بديع القول حكماً واحداً. المثال الثالث: قول ابن الرومي: أرَاؤُكُمْ وَوُجُوهُكُمْ وَسُيُوفُكُمْ ... في الْحَادِثَاتِ إِذَا دَجَوْنَ نُجوم فجمع آراء الممدوحين ووجُوهَهُم وسُيُوفَهُمْ في حكم واحد، وهو كونها كالنجوم في الحادثات المظلمات. والأمثلة القرآنية على الجمع في الحكم كثيرة. *** الحالة الثانية: أن يكون بعضُ ما يَنْطَبقُ عليه اللَّفظ الْكُلّيُّ من أفراد له حُكْمٌ خَاصٌّ به، وبعضُهُ الآخَرُ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ. وفي هذه الحالة يكون من الإِيجاز في التعبير من جهة، ومن بديع الكلام من جهةٍ أخرى، ذِكْرُ اللّفظ الْكُلِّي للدّلالة به على أنَّ أفْراده يجمعها معنىً جامعٌ، وبعد ذلك يُفرَّقُ في الحكم، فيُعْطَى لكلّ قِسْمٍ حُكْمُهُ الخاصّ به.

стр. 967

وهذا ما يُطْلَقُ عليه في البديع: "التفريق في الحكم". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) بشأن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [الآية: ١٠٥] . لاَ تَكَلَّم: أي: لاَ تَتَكَلَّم. ففي هذه الآية تفريق في الحكم بين بعض النفوس وبعضها الآخر، بعد كونها داخلةً في عموم كلمة "نفس" التي هي كُلّيٌّ يشمل كلَّ فرْدٍ ذي نفس من خَلْقِ الله مسؤولة عن اختياراتها. المثال الثاني: قول "الوطواط": مَا نَوالُ الْغَمَامِ وَقْتَ رَبِيعٍ ... كَنَوالِ الأَمِيرِ يَوْمَ سخَاءِ فنوال الأَمِيرِ بَدْرَةُ عَيْنٍ ... ونوالُ الْغَمَامِ قَطْرَةُ مَاءِ فبعد أن ذكر النوال الذي هو لفظٌ كُلّيٌّ يَجْمع في أفراده نَوالَ الأمير حين يعطي، ونوال الغمام حين يمطر، فرَّقَ في الحكم، فأبان أنّ نوال الأمير بَدْرَةُ عَيْن، أي: كيس مملوءٌ ذهباً، وأنَّ نوال الغمام قطرة ماء. المثال الثالث: قول "صَفِيّ الدّين الْحِلّي" في ممدوحه: فَجُودُ كَفَّيْهِ لَمْ تُقْلِعْ سَحَائِبُهُ ... عَنِ الْعِبَادِ وَجُودُ السُّحْبِ لَم يَدُمِ المثال الرّابع: قول "المتنبّي" يخاطِبُ سَيْفُ الدّولة، وهو من لطيف "التفريق في الحكم" لاقترانه بالاستدلال بالنظير: فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وأَنْتَ مِنْهُمْ ... فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَال ***

стр. 968

الحالة الثالثة: أن تكون وحدات المعنى الْكُلّي الذي دلّ عليه المتكلم بعبارة ما، تجتمع في حكم وتفترق في حكم آخر يَلْمَحُه أديبٌ فطِن بفطنته البلاغيَّة، فيسوق تعبيره الأدبي البديع دالاَّ بِه على حُصُول الاجتماع من جهة الحكم الجامع، وحصول الافتراق من جهة الحكم المختلف. وهذا ما يُطْلَقُ عليه في البديع "الجمع مع التفريق". وإذا كانت جهة التفريق جهةَ تفاضل في نسبة الصفة لا جهة وجود الصفة وعدمها، فقد يطلقون عليه في البديع "جمع المؤتلف والمختلف" وهذا فيما أرى تدقيق لا لزوم له، ويُمثّلُون لهذا بقول الله في سورة (الأنبياء/ ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول) بشأن داود وابنه سليمان ﵉: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ... ﴾ [الآيات: ٧٨ - ٧٩] . ففي هذا النّص تسويَةٌ بين داود وسُليمان بأنّ الله آتاهما حُكْماً وعلماً، وتفضِيلٌ لسليمان في تفهيمه الحكم الأكثر تحقيقاً للعدل في القضيّة الّتي جاء بيانها في النّصّ وقضى فيها داود بقضاء استدرك عليه فيه ابْنُه سليمان وكان صغير السّنّ. أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (الإِسراء/ ١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الآية: ١٢] . أبانَ هذا النّصّ أنّ اللَّيْلِ والنَّهَارَ قد اجْتَمَعَا فِي كَوْنهما آيَتين من آيات الله في كونه (هذه جهة اجتماع) .

стр. 969

وأنّ آية اللّيل آيةُ مَحْوٍ، أي: إزالةُ سبب رؤية ذوي الأبصار للأشياء، وهو الضوء، أمّا آية النهار فهي آيَةُ إبصار، أي: آيَةُ إيجادِ سبب رؤية ذوي الأبصار للأشياء (وهذه جهة افتراق) . وفي هذا النصّ من البديع أيضاً "لَفٌ ونَشْر": فاللّفُّ في ذكر اللَّيْلِ والنهار، والنشرُ في بيان الحكمة من النهار، وهي أن يبتغي الناس أرزاقهم وحاجاتهم من فضل الله، بقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِه﴾ . وفي بيان الحكمة من التعاقُب بين اللَّيْل والنهار، وهي أن يَعْلَمَ الناس عدد السنين والحساب، عن طريق ما يجري فيهما من تغيّرات سببه حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس، بإشارة قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ . المثال الثاني: قول "رشيد الدّين الوطواط". فَوَجْهُكَ كَالنَّارِ فِي ضَوْئِها ... وقَلْبِيَ كالنَّارِ في حَرِّهَا فَجَمع بين قلبه ووَجْهِ محبُوبه في أنَّهما يُشْبهان النار. وفرّقَ بينهما في وجه الشَّبَه، فوجْهُ محبوبه يشبه النار في ضوئها، وقلب الشاعر يشبه النّار في حرّها. المثال الثالث: قول البحتري من قصيدة يمدح بها "أبا صقر" ويتغزّل في أوّلها: وَلَمَّا الْتَقَيْنَا "والنَّقَا" مَوْعِدٌ لَنَا ... تَعَجَّبَ رَائِي الدُّرِّ حُسْناً وَلاَ قِطُهْ فَمِنِ لُؤْلُؤٍ تَجْلُوهُ عِنْدَ ابْتِسَامِهَا ... وَمِنْ لُؤْلُؤٍ عِنْدَ الْحَدِيثِ تُسَاقِطُهْ تُسَاقِطه: تتابع إسقاطه. فجمع بين كلامها وأسنانها في أنَّهما يُشْبهَانِ الدُّرَّ.

стр. 970

وفرّقَ بينهما بأنّ لؤلؤ أسنانها تَجْلُوه عند ابتسامها، أمّا لؤلؤ كَلاَمِهَا فتُتَابِعُ إِسقاطه من فمها ليلتقطه سَمْع من تحدّثه. *** الحالة الرابعة: أنّ يكون المعنى الْكُلّي الذي دَلَّ عليه المتكلّم الأديب بعبارة ماذا أقسام، يَحْسُن لديه فنّياً أن يبيّنها، ويرى أنّ لها حكماً واحداً، ويرى فنّيّاً أن يُبَيّن اجتماعها فيه، فيعبّر عن الأمرين معاً بكلامٍ واحدٍ، فَيُقَسِّم أوّلاً ويجمع ثانياً، أو يَجْمَعُ أوّلاً ويُقَسِّمُ ثانياً. وهذا ما يُطْلَق عليه في البديع "الجمع مع التقسيم". أمثلة: المثال الأول: قول الله في سورة (فاطر/ ٣٥ مصحف/ ٤٣ نزول) الّذي سبق الاستشهاد به في التقسيم بشأن أمّةِ محمد ﷺ خير أُمَّة أُخْرِجت للناس: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ [الآية: ٣٢] . جاء الجمع في هذه الآية ببيان أنّ أمّة محمد ﷺ هي الأمَّة الّتي اصطفاها الله وأَوْرَثَها الكتاب الجامع للكتب الرّبّانيّة السابقة وهو القرآن. وجاء التقسيم ببيان أنّ هذه الأمّة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: * قسم ظالم لنفسه بالمعاصي مع صدق الإِيمان والإِسلام. * وقسم مقتصد بفعل الواجبات وترك المحرمات دون توسُّع في النوافل والقربات، وهذه درجة سقف التقوى. * وقسم سابق في الخيرات بإذن الله، وأهل هذا القسم إمّا أبرار، وإمّا محسنون، وجاء في القرآن تكريمهم باسم "عباد الرّحمن".

стр. 971

المثال الثاني: قول المتنبي يذكر الواقعة التي وقعت بين سيف الدّولة والرّوم في جمادى الأولى سنة (٣٣٩هـ) : حَتَّى أَقَامَ عَلَى أَرْبَاضِ خَرْشَنَةٍ ... تَشْقَى بِهِ الرُّومُ والصُّلْبَانُ والْبِيَعُ للسَّبْيِ مَا نَكَحُوا والْقَتْلِ مَا وَلَدُوا ... وَالنَّهْبِ مَا جَمَعُوا وَالنَّارِ مَا زَرَعُوا عَلَى أَرْباضِ خَرْشَنَةٍ: أَرْبَاض: جَمْعُ "رَبَض" والرَّبضُ ما حول المدينةِ من العمارة. وخَرْشَنَة: اسم بلَدٍ من بلاد الرُّوم. البِيَعُ: جَمْعُ "البِيعَة" وهي معْبَدُ النصارى. جاء الجمع في البيت الأول ببيان شقاء الرّوم بإقامة سيف الدولة وجيشه على أرباض "خَرْشَنَة". وجاء التقسيم في البيت الثاني ببيان أنّ نساءهم للسَّبْي، ورجالَهم للقتل، وأموالهم المنقولة للنّهب، وما زَرَعُوا للنار تأكُلُها. المثال الثالث: قول حسان بن ثابت ﵁: قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرَّوا عَدُوّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْع في أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلاَئِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ جاء في البيت الأول تَقْسيمُ صفات من يمدحهم حسان، فهم بالنسبة إلى عدُوّهم يضرّونَهُم إذا حاربوهم، وبالنسبة إلى أشياعهم ينفعونَهُمْ إذا حاولوا نفعهم. وجاء في البيت الثاني جمع الْوَصْفَيْن بأنَّهما سجيَّةٌ ثابتة من سجاياهم الأصلية غير المتكلَّفة تكلُّفاً مصطنعاً لأمر عارض، إذ هو يرى أن الخلائق المبتدعة المحدَثة التي لا تكون ثمرة سجايا ثابتة هي شرّ الخلائق، إذ تكون مدفوعة بأغرَاضٍ غير شريفة، ومنها النفاق. ***

стр. 972

الحالة الخامسة: أن يكون المعنى الكلّيُّ الذي دلَّ عليه المتكلّم الأديب بعبارة ما، ذا أقسام يَحْسُنُ في نفسه فنيّاً أن يبيّنها، ولها حكْمٌ واحد يريد أن يُبَيّنَ اجْتماعها فيه، وبين وحداتها أو أقسامها افتراق في أمْرٍ آخَرَ يَرَى فَنِّيّاً أن يبيّنَهُ أيضاً، فيعَبِّر عن كلّ هذه الأمور الثلاثة في كلامه. وهذا ما يُطْلَق عليه في البديع: "الجمع مع التفريق والتقسيم". المثال الأول: قول الله في سورة (هود/ ١١ مصحف/ ٥٢ نزول) بشأن اليوم الآخر: ﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ..﴾ [الآيات: ١٠٣ - ١٠٥] . في هذا البيان جَمْعُ كُلِّ النَّفْسِ بأنّها لاَ تتكلَّم يوم القيامة إلاَّ بإذن الله. ويتابع النص فيقول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ . في هذا البيان تفريق في الْحُكْم، ففريق شَقِيٌّ وفَريقٌ سعيد. ويتابع النص فيقول اله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [الآيات: ١٠٦ - ١٠٧] . في هذا بيان وشرح حال القسم الأوّل، وهم أهل الشقاوة. ويتابع النصّ فيقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [الآية: ١٠٨] . في هذا بيانُ وشرح حال القسم الثاني، وهم أهل السعادة.

стр. 973

فظهر بهذا التحليل في النصّ "الجمع مع التفريق والتقسيم". المثال الثاني: قول "ابن شَرَف القيرواني" يمدح أميراً: لِمُخْتَلِفِي الْحَاجَاتِ جَمْعٌ بِبَابِهِ ... فَهَذَا لَهُ فَنٌّ وَهذا لَهُ فَنُّ فَلِلْخَامِلِ الْعُلْيَا وَلِلْمُعْدِمِ الْغِنَى ... ولِلْمُذْنِبِ الْعُتْبَى ولِلْخَائِفِ الأَمْنُ لقد جمع في حكم واحد، وهو أن مختلفي الحاجات مجتمعون في باب الأمير. وفرَّقَ بين المجتمعين بأن كلّ واحد له فَنٌّ مخالفٌ لفنّ غيره. وقسَّمَ في البيت الثاني: * فأبان أنّ خَامِلَ الذِّكْرِ ينال من الأمير إعلاء شأنه. * وأن الْمُعْدِمِ طالبَ المال يَنَالُ من الأمير الغنى. * وأن المذنِبَ الذي يرجو رفع العتب عنه ينال العتْبَى، أي: الرضا. * وأنّ الخائف الذي يرجو الأمن ينال من الأمير الأمْنَ. *** الحالة السادسة: أن يرى المتكلّم الأديب أنّ المعنى الذي يُعبّر عنه بعبارةٍ ما يتفرَّعُ عنه معنىً آخر، ويرى فَنِّيّاً أَنَّ من البديع في القول أن يُعبّر عمّا لاَحظهُ على سبيل التخيُّل أو الادّعاء. ومعلومٌ أنّ كون الشيء فرعاً لشيءٍ آخر ينتج عن ارتباطه به ارتباط الفرع بالأَصْل. والمتكلّم الأديب يَبْنِي على ما تَصَّور، فيفرِّعُ فِكْرَةً عَنْ فِكْرَة، ويبنيها عليها، كما يكون الولد فرعاً لأبويه، وكما تكون أغصانُ الشجرة ونواميها فروعاً لساقها وجذرها. وهذا ما يطْلَقُ عليه في البديع: "التَّفْريع".

стр. 974

ومن الأمثلة على التفريع قول "الكميت" يمدح آل البيت: أَحْلاَمُكُمْ لِسَقَام الْجَهْلِ شافِيَةٌ ... كمَا دِمَاؤكُمُ تَشْفِي مِنَ الْكَلَبِ ففرّع على الحكم الأول الذي جاء في الشطر الأول، الحكْمَ الذي جاءَ في الشطر الثاني، وأوضح منه قولي ممثّلاً للتفريع: تَعَلَّمَ الْغَيْثُ مِنْكَ الْجُودَ مُنْهَمِلاً ... فَكَيْفَ لاَ تُرْتَجَى عِنْدَ الْمُلِمَّاتِ واللَّيْثُ يَحْلُمُ أَنْ يَلْقَاكَ قَائِدَهُ ... فَهَلْ لِبَأْسِكَ نِدٌّ فِي الْبُطُولاَتِ * ومن التفريع قول الله في سورة (البقرة/ ٢ مصحف/ ٨٧ نزول) : ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الآية: ٥٩] . أي: فتفرع على فسقهم عن طاعة الله بتبديل القول الذي قيل هم معاقبتُهم بإنزالِ الرّجز (=العذاب) من السماء عليهم. * وقول الله فيها أيضاً بشأن مزاعم اليهود: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٨٠] . أي: أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فيتفرّعَ عند أَنْ لا يُخْلِفَ الله عهده؟. * وقول الله في سورة (طه/ ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول) حكاية لما قال موسى ﵇ لسحرة فرعون: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾ [الآية: ٦١] . أي: لا تفتروا على الله كذباً بأعْمَال السِّحْر الّتِي تخدعون بها أعْيُنَ الناس فيستأصِلَكُمُ بعذَابٍ شديد، والمعنى أنّ هذا الاستئصال يتفرَّعُ عن افترائكُمْ على الله كَذِباً.

стр. 975

البديعة المعنوية (١٣) الإِدماج الإِدماج في اللّغة: إدْخال شيء في شيء آخر، تقول مثلاً: أدْمَجْتُ متاعي، إذا أدخلتَه في ثوب أو حقيبة أو كيس أو نحوها، وأَدْمَجْتُ طَرَفَ الثوب، إذا لَفَفْتَ بعضه على بعض فأخْفَيْتَ مثْلاً المهترِئَ من هذا الطرف وجعلتَ له طرفاً سليماً. الإِدماج في الاصطلاح هنا: إدْخال فِكْرةٍ في فكرة، أو غرضٍ بلاغيّ في غرضٍ آخر، أو وَجْهٍ من وُجُوه الْبَدِيع في وجه منه آخر، بأسلوب من الكلام لا يظهرُ منه إلاَّ إحْدَى الفكرتين، أو أَحَدُ الغرضين، أو أَحَدُ الْوَجْهَين، فإذا تأمّل المتفكِّرُ ظهَرَ لَهُ الْمُدْمَجُ وسَرَّهُ هذا الإِدماج. وعرَفه القزويني بقوله: هُوَ أنْ يُضَمَّنَ كَلامٌ سِيقَ لمعنًى معنىً آخر. كأن يُوجَّه الكلام في القرآن لوعد الرسول والمؤمنين بالنصر والتأييد من الله ، ويُدْمَج فيه وَعِيدُ الكافرين بالهزيمةِ والانكسار والذّلّة والخذلان من الله . ولدى تحليل كثير من النصوص يظهر بالتأمُّل ما فيها من الإِدماج في الأفكار، والأغراض البلاغية، ووجوه البديع. أمثلة: المثال الأوّل: قول المتنبّي يَصِفُ لَيْلَهُ الطَّوِيل بسبب تراكُم همومه عليه: كَأَنَّ دُجْاهُ يَجْذِبُهَا سُهَادِي ... فَلَيْسَ تَغِيبُ إلاَّ أَنْ يغِيبَا

стр. 976

أُقَلِّبُ فِيهِ أَجْفَانِي كَأَنِّي ... أَعُدُّ بهِ عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوبَا دُجَى اللَّيلِ: ظلمتُه الشديدة. والسَّهادُ: الأرَقُ. لقد صوَّر أن سبب طُول ليلهِ وبقاء ظلمته أنَّ أرقَهُ فيه يَجْذِبُ هذه الظلمة فيُبْقِى بها اللّيل، فلا تغيب ظلمة اللّيْل حتّى يغيب أَرَقُه ويأتيه النوم. وذكر في البيت الثاني أنَّهُ يُقَلِّبُ في دُجَى اللَّيْل أَجْفَانَهُ كأنَّهُ يَعُدُّ على الدَّهّر ذُنُوبَهُ ذاتَ الْعَدَدِ الكثير الذي لا يُحْصَى، وقد ترك ما يقول الأَرِقُون من أنّهم يَبِيتُون يَعُدُّون نجومَ السّماء، وشبَّهَ نَفْسَه بمَنْ يَعُدُّ ذنوبَ الدهر التي لا تُحْصَى، لأنَّه أراد أن يُدمِجَ شَكْوَاهُ مِنْ نوائب الدهر. المثال الثاني: قول ابن المعتزّ في وصف نبات أصْفَر يسمَّى "الْخَيْرِي": "فَقَدْ نَفَضَ الْعَاشِقُونَ مَا صَنَعَ الْهَجرُ بألْوانِهِمْ عَلَى وَرَقِهِ" أي: نفضوا صُفرة وجوههم التي صنعها الهجر على ورق هذا النبات، لقد كان يكفيه أن يَصِفه بالصفرة، ولكنّه ساق هذا المعنى ليدمج ما يعانيه من هجر الحبيب. المثال الثالث: قول ابن نُبَاتة: وَلاَ بُدَّ لِي من جَهْلَةٍ فِي وِصَالِهِ ... فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الْحِلْمَ عِنْدَهُ ضمَّن الغَزَلَ الّذي قد يجرُّه إلى ارتكاب جَهْلَةٍ ما في وصَالِ مَحْبُوبه، والخروج بها عَنْ حِلْمِهِ الذي هو وصفُهُ الدائم، الْفَخْرَ بأنَّه حَلِيمٌ لا يَجْهلُ في العادة، والشكوَى من فقد الخلِّ الوفيّ الّذي إذا أَوْدَعَ الحلْمَ عنده ساعة جَهْلِه استرَدَّه منه بعدها، فعادَ إلى سوائه المعتاد، وحِلْمِهِ ورُشْدِهِ. ***

стр. 977

البديعة المعنوية (١٤) : الاستتباع الاستتباع: أَنْ يؤتَى بالكلام لغرضٍ ما، كمدح أو ذمٍّ، على وجه يَسْتَتْبعُ المدحَ أو الذّمَّ بشيء آخر، وهكذا سائر الأغراض. أمثلة: المثال الأول: سأل صديق صديقه: هل نجحت في شهادة الدكتواره؟ فقال له: نلتها - والحمدُ لله - بدرجة الشرف، وغدا العمل الممتاز بمرتَّب رفيع مُيَسَّراً، وأصبحت العروس التي تترقب نجاحي مستعدّة أن تنتقل إلى داري. لقد سأله صديقه عن النجاح، إلاَّ أن إعلانه الفرح بالنجاح استتبع إعلانه الفرح بالتفوّق، والفرح بتأمين العمل، والفرح بقرب انتقال العروس إلى داره. المثال الثاني: قول المتنبّي يمدح سيف الدولة بالشجاعة وكثرة من قتل من الأعداء: نَهَبْتَ مِنَ الأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْتَهُ ... لَهُنِّئَتِ الدُّنْيَا بأَنَّك خَالِدُ أي: لو أنّكَ حَوَيتَ الأعمار التي نهبتها من قتلاك في الحرب فضَمَمْتَها إلَى عُمْرِكَ لكُنْتَ خالداً، ولكان خُلُودُك نِعْمةً للدّنيا ولَهُنِّئَتِ الدُّنيا بذلك. فجعل مدحه إيّاه بالشجاعة وكثرةِ من قتل في الحرب على وجه يستتبع مدحه بأنَّ قَتْلَهُ للأعداء لم يكُن بطراً وكبراً، وإنَّما كان لصلاح الناس، وتأْمين سعادتهم. نقل "أبو البقاء" في شرح هذا البيت، عن الرّبعيّ أنه قال:

стр. 978

المدحُ في هذا من وُجُوه، أَحَدُها: أنّه وصَفَهُ بنهب الأعمال لا الأموال. الثاني: أنّه كَثُرَ قَتْلاَهُ بِحَيْثُ لو وَرِثَ أعمارهم خلَد في الدّنيا. الثالث: أنّه جعل خُلودَهُ صلاحاً لأهل الدنيا بقوله: "لَهُنِّئَتِ الدُّنْيَا". الرابع: أنّ قتلاه لم يكن ظالماً في قتْلهم، لأنّه لم يَقْصِدْ بذلك إلاَّ صلاح الدنيا وأهلها، فهم مسرورون ببقائه، فلذلك قال: "لهنِّئَتِ الدُّنْيا" أي: أهل الدنيا. وقال أبو الفتح: لو لم يَمْدَحْهُ إلاَّ بهذا البيت لكان قد أَبْقَى له ما لا يمحوه الزَّمان. المثال الثالث: قولي صانعاً مثلاً لهذا النوع: "الاستتباع". أَسْعَدْتَ أَهْلِينَا بِفَرْطِ الْجُودِ ... والْجُودُ مِنْكَ لَنَا شَقَاءُ حَسُودِ جاء في الشطر الأول الثناء على الممدوح بالجود الذي أسْعد أهل المادح. واستتبع هذا مدحه أيضاً بأنّ جوده كان سبباً في شقاء الحسود. ***

стр. 979

البديعة المعنوية (١٥) : التجريد التجريد في اللّغة: قَشْرُ الشيء، كَقَشْرِ اللِّحاء عن الشجرة حتَّى تكون مجرّدة من لِحَائِها، وإزالَةُ ما على الشيء من ثوب ونحوه، وتَعْرِيتُه، وإزالة ما على الجلْدِ من شَعَرٍ ونَحْوِه. التجريد في الاصطلاح هنا: أن ينتزع المتكلّم الأديب من أمْرٍ ما ذي وصفٍ فأكثر أمْراً آخر فأكثر مِثْلَهُ في الصفة أو الصفات على سبيل المبالغة. ويظهر لنا معنى المبالغة حينما نلاحظ أَنّها قائمة على ادّعاء أنّ الشيْءَ الّذي يُنْتَزَعُ منه مثله على سبيل التجريد هو بمثابةِ الذي يفيض بأمثال ما يُسْتَخْرَجُ منه دواماً. فمن قال: "لي من فلان صديق حميم" فكأنَّما جرَّدَ فُلاَناً من كُلٍّ ظواهره واستخرج منه صَدِيقاً حَمِيماً. قال "أبو عليّ الفارسي" في سبب تسمِيَةِ هذا النوع بالتجريد: "إِنَّ العرب تعتقد أنّ في الإِنسان مَعْنىً كامناً فيه، كأنَّهُ حقيقته وَمَحْصُولُه، فَتُخْرِجُ ذلِكَ المعنى إلى ألفاظها مُجَرّداً عن الإِنسان، كأنَّهُ غَيْرُهُ، وهو هو بعينه، كقولهم: لَئِنْ لَقيتَ فُلاَناً لَتَلْقَيَنَّ به الأسَدَ، ولَئِنْ سَأَلْتَهُ لَتَسْأَلَنَّ مِنْهُ الْبَحْرَ.

стр. 980

وهو عينهُ الأسَدُ والْبَحْرُ، لا أنَّ هُنَاكَ شيئاً مُنْفَصِلاً عَنْهُ أو متميّزاً منه. ... وعلى هذا النّمط كوْنُ الإِنسان يخاطِبُ نفسه حتَّى كأنّه يُقَاوِلُ غَيْرَهُ، كما فَعَل "الأعْشَى" في قوله: "وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرّكْبَ مُرْتَحِلُ" ... ويكون التجريد بأساليب من التعبير، منها الأساليب التالية: الأسلوب الأول: التجريد باستخدام حرف الجرّ "مِنْ" داخلاً على المنتزع منه. أمثلة: المثال الأول: قولهم: "لِي مِنْ فُلاَنٍ صَدِيقٌ حَمِيم". أي: بلغ من الصداقة والمودة الصحيحة مبلغاً صحَّ معه أن يُسْتَخْرَجَ منه صَديقٌ آخرُ مثله في صفاته، فهو منْبَعُ أمثاله. المثال الثاني: قول الله في سورة (آل عمران / ٣ مصحف/ ٨٩ نزول) : ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وأولائك هُمُ المفلحون﴾ [الآية: ١٠٤] . أي: ولْتَكُونُوا يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا بمحمّد وبما جاء به عن رَبِّه أُمِّةً يَدْعُونَ إلى الخير ويأمرون بالمعروف ويَنْهَون عن المنكر. الأسلوب الثاني: التجريد باستخدام "الباء" الجارَّة داخلةً عَلى المنتَزَعِ منْه. أمثلة: المثال الأول: أن تقول: "لَئِنْ سَأَلْتَ فُلاَناً لَتَسْأَلَنَّ بِهِ البحْرَ، ولَئِنْ نَظَرْتَ إليه لترَيَنَّ به الْبَدْر، ولَئِنْ سَمِعْتَ كلامَه لتَجِدنَّ بِه السِّحْر". المثال الثاني: قولي صانعاً مثلاً:

стр. 981

فَتَىً كُنْتُ أرْتَابُ في شَأنِهِ ... وأَحْسَبُهُ مَاكِراً فَاسِقاً فلَمّا تَقَصَّيْتُ أَسْرَارَهُ ... رَأَيْتُ بِهِ وَرِعاً صَادِقاً الأسلوب الثالث: التجريد باستخدام "الباء" الجارّة الداخلة على المنتزَع: ومنه قول الشاعر: وَشَوْهَاءَ تَعْدُو بي إلَى صَارِخِ الْوَغَى ... بِمُسْتَلْئِمِ مِثْلِ الْفَنِيقِ الْمُرَحَّلِ وشَوْهَاء: أي: ورُبّ فَرَسٍ شَوْهَاءَ قبيحة المنظر لِسَعَةِ أشداقها، وهذا مما يستحْسنُ في الخيل المعدَّة للحرب. تَعْدُو بي: أي تُسْرِعُ بي. إلى صَارخ الوغى: أي: إلى الصّارخ الذي يَصْرُخ داعياً إلى الحرب. بمُسْتَلْئِمٍ: الْمُسْتَلْئِم هو لابس لأمَةِ الحرب، أي: عدّة الحرب وسلاحها، ويقصد نفسه، إذ هو الْمُسْتَلْئِمُ، والفرسُ تَعْدُو به، وهذا على سبيل التجريد، والباء هنا داخلة على المنتزَعِ لا على المنتزَعِ منه. مِثْلِ الْفَنِيق: الْفَنِيقُ هو الْفَحْلُ المكرَّم عند أهله، شبّه نفسه به. الْمُرَحَّلُ: هُو البعيرُ الذي وُضِعَ عليه رَحْلُه وأرْسِلَ مُنْدَفِعاً في رِحْلَتِه. الأسلوبُ الرابع: التجريد باستخدام حرف الجرّ "فِي" داخلاً على المنتزع منه. ومن أمثلته قولُ الله في سورة (فُصِّلَتْ/ ٤١ مصحف/ ٦١ نزول) : ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله النار لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الآية: ٢٨] . إنّ جهنَّمَ هي دَارُ الْخُلْدِ يوم الدّين لأعداء الله، ولكن جاء على طريقة التجريد، إذِ انْتُزِعَ من جَهَنَّمَ دَارٌ وجُعلَتْ داراً لهم، بأسلوب استخدام "في" الجارّةِ

стр. 982

الظرفية دَاخلَةً على المنتزَعِ منه. الأسلوب الخامس: التجريد باستخدام العطف على الْمُنْتَزَعِ منه، مثل مرَرْتُ بالرَّجُلِ الكريم، والنّسَمَةِ المباركة، والعالم التقي. ففي هذا المثال عَطْفُ: النسمة المباركة، وعطف العالم التقيّ، على الرَّجُل الكريم، وهذا العطف يشعر بأنه عطفُ تغايُر، مع أنّ المعطوفين هما الرَّجُلُ الكريم نفسه، ولكن على طريقة التجريد، فكأنَّهُمَا شخصان مغايران له. الأسلوب السادس: التجريد باستخدام الكناية، ومن الأمثلة على هذا قول الأعْشَى: يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ الْمَطِيَّ وَلاَ ... يَشْرَبُ كَأْساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلاَ يريد أنّ ممدوحه لا يشرب كأساً بكفِّ بخيل، إنّما يشربُ بكف كريم، وبما أنّ هذا الممودح جوادٌ كريم فهو لا يشرب غالباً إلاَّ بكف نفسه، فقد جرّدَ الأعشى من مدوحه شخصاً كريماً ورأى أنه لا يشْرَبُ إلاَّ بكفّه. الأسلوب السابع: التجريد دون استخدام لفظ يَدُلُّ عليه، ومن الأمثلة على هذا قولُ مَسْلَمَةَ الحنفيّ: فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الْغَنائِمَ أَوْ يَمُوتُ كَرِيمُ أي: تحوي هذه الغزوة الغنائم التي يَنَالُ منها ظافراً، أو يَموتُ هو فيها، فعبّر عن نفسه بقوله: "أو يَمُوتُ كريم" على طريقة التجريد، لِيُثْنِيَ على نَفْسِهِ بصفة الكريم. الأسلوب الثامن: التجريد عن طريق مخاطبة الإِنسان نفسه، ومنه قول "الأعشى": وَدِّعْ هُرَيرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ ... وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّها الرَّجُلُ

стр. 983

ومنه قول الْبُوصيري في بُرْدَته يخاطب نفسه على طريقة التجريد: أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ ... مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بدَمِ ومنه قول المتنبّي يخاطب نفسه على طريق التجريد: لاَ خَيْلَ عِنْدَك تُهْدِيهَا وَلاَ مَالُ ... فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الْحَالُ ومن التجريد فرع سمَّوهُ "عِتَابَ الْمَرْءِ نَفْسَه" وضَربُوا له أمثلةً منها: أن يقول النادم نحو: "يا ليتني" أو "يَا حَسْرتا على فرَّطْتُ في جنْب الله" وهما مما جاء في القرآن. ***

стр. 984

البديعة المعنوية (١٦) : المزاوجة يقال لغة: زاوج بين الشيئين، إذَا قَرَنَ بينهما. والمزاوجة في الاصطلاح هنا: تَرْتِيبُ فِعْلٍ واحد ذي تَعَلُّقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلى شَرْطٍ وَجَزَائِهِ، لكنّه إذْ يُرَتَّبُ على الشرط يكون مقروناً بأحدهما، وإذْ يُرتّبُ على الجزاء يكون مقروناً بالآخر منهما. أمثلة: المثال الأول: قول البحتري يشكو هجْرَ سُعاد له: إِذَا مَا نَهَى النَّاهِي فَلَجَّ بيَ الْهَوَى ... أصَاخَتْ إلَى الْوَاشِي فَلَجّ بهَا الْهَجْرُ أي: إذَا نَهانِي الناهي عن حُبِّها فَلَجَّ (أي: تَمادَى) بِيَ الْهَوَى أصاخَتْ هي إلى الواشي (أي: اسْتَمَعَتْ إليه) فَلجّ بهَا الهَجْر. لقد زاوَجَ بَيْنَ نَهْيِ الناهي له عن حُبِّها الواقع في كلامه شرطاً، وبين إصاخَتِها للواشي به، الواقع في كلامه جزاءً، في أنْ رَتّبَ عليهما لَجَاجاً، لكنّ اللّجَاجَ الأول هو لَجَاجُ هواه بها، واللَّجَاجَ الآخر هو لَجَاجُها بهجره. وهذا فنُّ بديع. المثال الثاني: قول البحتريّ أيضاً من قصيدة يَمْدَحُ بها المتوكّل على الله، وفيها يَصِفُ فُرْسَانَ حَرْبٍ ثائرة للأخذ بالثأر من ذوي قُرْبَاها: إِذَا احْتَرَبَتْ يَوْماً فَفَاضَتْ دِمَاؤُهَا ... تَذَكَّرَتِ الْقُرْبَى فَفَاضَتْ دُمُوعُها

стр. 985

إذا احْتَربَتْ: أي: حَارَبَ بعضُها بعضاً. لقد زاوج بين الاحتراب الواقع في كلامه شرطاً، وبين تذكُّر الْقُرْبَى الواقع في كلامه جزاءً، في أَنْ رَتَّبَ علَى كلٍّ مِنْهُما فَيْضاً، لكنّ الفيض المرَتَّب على الاحتراب هو فيض دماء، أمّا الفَيْضُ المرتّب على تذكّر القربَى فهو فيضُ دمُوَع. ***
следующие страницы →