← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أخلاك من كل الهموم سُقُوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الْخَاتم قد كَانَ ضَاقَ ففك حَلقَة ضيقه ... فاصبر فَمَا ضيق الزَّمَان بدائم قَالَ: فَمَا أَمْسَى حَتَّى ارْتَفَعت الواعية بِمَوْت مُوسَى الْهَادِي، وَصَارَ الْأَمر إِلَى هَارُون الرشيد، فَأعْطَاهُ مائَة ألف دِرْهَم.

стр. 212

مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج يَمُوت وَهُوَ على صهوه جَوَاده قَالَ أَبُو عَليّ القنائي، قَالَ لي جدي: بكرت يَوْمًا إِلَى مُوسَى بن عبد الْملك، وَحضر دَاوُد بن الْجراح، فَوقف إِلَى جَانِبي، فَقَالَ لي: كَانَ لي أمس خبر طريف، انصرفت من عِنْد مُوسَى بن عبد الْملك، فَوجدت فِي منزلي امْرَأَة من شرائف النِّسَاء، فشكته إِلَيّ، وَقَالَت: قد حاول أَن يَأْخُذ ضيعتي الْفُلَانِيَّة، وَأَنت تعلم أَنَّهَا عمدتي فِي معيشتي، وَأَن فِي عنقِي صبية أيتاما، فَأَي شَيْء تدبر فِي أَمْرِي، أَو تُشِير عَليّ؟ .

стр. 213

فَقلت: من مَعَك وَرَاء السّتْر؟ فَقَالَت: مَا معي أحد. فَقلت: أما التَّدْبِير فِي أَمرك، فَمَا لي فِيهِ حِيلَة، وَأما المشورة، فقد قَالَ النبطي: لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل السوء، فَإِن الرجل السوء يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى، فدعَتْ لي، وانصرفت. فَمَا انْقَضى كَلَامه، حَتَّى خرج مُوسَى، فَقَالَ لدواد: يَا أَبَا سُلَيْمَان، لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل الرَّدِيء، فَإِنَّهُ يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى. فَقَالَ لي دَاوُد: أسمعت؟ هَذَا وَالله الْمَوْت، أَيْن أهرب؟ أَيْن أمضي؟ مَا آمنهُ وَالله على نَفسِي، وَلَا على نعمتي، فأشر عَليّ بِمَا أصنع، قبل نَفاذ طريقنا، ونزولنا مَعَه إِلَى الدِّيوَان. فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي. فَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي أمره، وشره، وضره، فَإنَّك تعلم قصتي، وَأَنِّي مَا أردْت بِمَا قلت إِلَّا الْخَيْر، وَاشْتَدَّ قلقه وبكاؤه ودعاؤه. وقربنا من الدِّيوَان، فَقَالَ مُوسَى، وَهُوَ على دَابَّته: مَتى حدث هَذَا الْجَبَل الْأسود فِي طريقنا؟ وَمَال على سَرْجه حَتَّى سقط، وأسكت. فَحمل إِلَى منزله، وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.

стр. 214

يَا ذَا الْعَرْش اصْنَع كَيفَ شِئْت فَإِن أرزاقنا عَلَيْك ذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه: قَالَ: أَبُو سعيد، وَأَنا أَحْسبهُ يَعْنِي الْأَصْمَعِي: نزلت بحي من كلب مجدبين، قد توالت عَلَيْهِم السنون، فَمَاتَتْ الْمَوَاشِي، ومنعت الأَرْض من إِخْرَاج النَّبَات، وَأَمْسَكت السَّمَاء قطرها، فَجعلت أنظر إِلَى السحابة ترْتَفع من نَاحيَة الْقبْلَة سَوْدَاء مُتَقَارِبَة، حَتَّى تطبق الأَرْض، فيتشوف لَهَا أهل الْحَيّ ويرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ، ثمَّ يعدلها الله عَنْهُم مرَارًا. فَلَمَّا كثر ذَلِك، خرجت عَجُوز مِنْهُم، فعلت نشزا من الأَرْض، ثمَّ نادت بِأَعْلَى صَوتهَا: يَا ذَا الْعَرْش، اصْنَع كَيفَ شِئْت فَإِن أرزاقنا عَلَيْك. فَمَا نزلت من وَضعهَا، حَتَّى تغيمت السَّمَاء غيما شَدِيدا، وأمطروا مَطَرا كَاد أَن يغرقهم، وَأَنا حَاضر.

стр. 215

يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج وخليفته فِي الظُّلم وَالْبَغي وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: وَجه سُلَيْمَان بن عبد الْملك، حِين ولي الْخلَافَة، مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى الْعرَاق، فَأطلق أهل السجون، وَقسم الْأَمْوَال، وضيق على يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج، فظفر بِهِ يزِيد بأفريقية لما وَليهَا فِي شهر رَمَضَان عِنْد الْمغرب، وَفِي يَده عنقود عِنَب. فَجعل مُحَمَّد يَقُول: اللَّهُمَّ احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الْفُقَرَاء.

стр. 216

فَقَالَ لَهُ يزِيد حِين دنا مِنْهُ: مُحَمَّد بن يزِيد؟ مَا زلت أسأَل الله أَن يظفرني بك. قَالَ لَهُ: وَمَا زلت أسأَل الله، أَن يجيرني مِنْك. قَالَ: وَالله، مَا أجارك، وَلَا أَعَاذَك مني، وَوَاللَّه لأَقْتُلَنك قبل أَن آكل هَذِه الْحبَّة الْعِنَب، وَوَاللَّه لَو رَأَيْت ملك الْمَوْت يُرِيد قبض روحك، لسبقته إِلَيْهَا. فأقيمت الصَّلَاة، فَوضع يزِيد الْحبَّة الْعِنَب من يَده، وَتقدم، فَصلي بهم. وَكَانَ أهل أفريقية قد أَجمعُوا على قَتله، فَلَمَّا ركع، ضربه رجل مِنْهُم على رَأسه بعمود حَدِيد، فَقتله. وَقيل لمُحَمد: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت، فَمضى سالما. ذكره القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد، وَلم يعزه إِلَى الْمَدَائِنِي، وَجَاء بِهِ على خلاف هَذَا اللَّفْظ، وَالْمعْنَى وَاحِد، إِلَّا أَنه جعل بدل مُحَمَّد بن يزِيد، وضاحا، صَاحب عمر بن عبد الْعَزِيز، وبدلا من سُلَيْمَان بن عبد الْملك، عمر بن عبد الْعَزِيز، وَلم يذكر الدُّعَاء فِي خَبره. . وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، على غير هَذَا، حَدَّثَنِيهِ عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن زِيَاد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو همام الصَّلْت بن مُحَمَّد الخاركي، قَالَ: حَدَّثَنَا

стр. 217

مسلمة بن عَلْقَمَة، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن يزِيد، قَالَ: إِن سُلَيْمَان بن عبد الْملك، أنفذ مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى ديماس الْحجَّاج، وَفِيه يزِيد الرقاشِي، وَيزِيد الضَّبِّيّ، وعابدة من أهل الْبَصْرَة، فأنطلق كل من فِيهِ، غير يزِيد بن أبي مُسلم. فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان، قَالَ مُحَمَّد: كنت مُسْتَعْملا على أفريقية، إِذْ قدم يزِيد بن أبي مُسلم، أَمِيرا، فِي خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك. قَالَ مُحَمَّد: فعذبني عذَابا شَدِيدا، حَتَّى كسر عِظَامِي، فَأتي بِي يَوْمًا

стр. 218

فِي كسَاء، أحمل عِنْد الْمغرب. فَقلت لَهُ: ارْحَمْنِي. فَقَالَ: التمس الرَّحْمَة من عِنْد غَيْرِي، وَلَو رَأَيْت ملك الْمَوْت عِنْد رَأسك، لبادرته إِلَى نَفسك، اذْهَبْ حَتَّى أصبح لَك. فدعوت الله، وَقلت: اللَّهُمَّ اذكر مَا كَانَ مني فِي أهل الديماس، اذكر يزِيد الرقاشِي، وَفُلَانًا وَفُلَانًا، واكفني شَرّ يزِيد بن أبي مُسلم، وسلط عَلَيْهِ من لَا يرحمه، وَاجعَل ذَلِك من قبل أَن يرْتَد إِلَيّ طرفِي، وَجعلت أحبس طرفِي رَجَاء الْإِجَابَة. فَدخل عَلَيْهِ نَاس من البربر، فَقَتَلُوهُ، ثمَّ أطلقوني، فَقَالُوا لي: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت. فَقلت لَهُم: اذْهَبُوا واتركوني، فَإِنِّي أَخَاف إِن انصرفت، أَن يظنّ أَن هَذَا من عَمَلي. فَذَهَبُوا، وتركوني. حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي مُحدث

стр. 219

عَن أُميَّة بن خَالِد عَن وضاح بن خَيْثَمَة، قَالَ: أَمرنِي عمر بن عبد الْعَزِيز بِإِخْرَاج من فِي السجْن، فأخرجتهم إِلَّا يزِيد بن أبي مُسلم، فَنَذر دمي، فَإِنِّي لبإفريقية، إِذْ قيل لي: قد قدم يزِيد بن أبي مُسلم، فهربت مِنْهُ، فَأرْسل فِي طلبي، فَأخذت، وَأتي بِي إِلَيْهِ.

стр. 220

فَقَالَ: وضاح؟ قلت: وضاح. فَقَالَ: أما وَالله، طالما سَأَلت الله أَن يمكنني مِنْك. فَقلت: وَأَنا وَالله لطالما سَأَلت الله أَن يعيذني مِنْك. فَقَالَ: وَالله، مَا أَعَاذَك مني، وَوَاللَّه، لأَقْتُلَنك، وَلَو سابقني إِلَيْك ملك الْمَوْت، لسبقته. ثمَّ استدعى بِالسَّيْفِ والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فِيهِ، لتضرب عنقِي، وَقَامَ قَائِم على رَأْسِي بِالسَّيْفِ مَشْهُورا، فأقيمت الصَّلَاة فَخرج يزِيد وَصلى بهم، فَلَمَّا خر سَاجِدا، أَخَذته سيوف الْجند، وأطلقت. حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ أَبُو بكر، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَن الزبير بن بكار، قَالَ: كَانَ وضاح حاجبا لعمر بن عبد الْعَزِيز، فَلَمَّا حضرت عمر الْوَفَاة أَمر بِإِخْرَاج كل من فِي الْحَبْس، إِلَّا يزِيد بن أبي مُسلم. وَذكر الحَدِيث.

стр. 221

عواقب مَكْرُوه الْأُمُور خِيَار حَدثنِي أَبُو طَالب عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفضل بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَمَّاد دنقش، مولى الْمَنْصُور وَصَاحب حرسه، وَكَانَ مُحَمَّد بن حَمَّاد يحجب الرشيد والمعتصم، وَأحمد بن مُحَمَّد أحد القواد بسر من رأى مَعَ صَالح بن وصيف، وَولي الشرطة بهَا للمهتدي، وَأحمد بن مُحَمَّد بن الْفضل، يكني أَبَا عِيسَى، وَكَانَ أحد أُمَنَاء الْقُضَاة بِبَغْدَاد، قَالَ: قَالَ: لي القَاضِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد التنوخي، قَالَ: حَدثنِي القَاضِي أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي الْأَنْبَارِي، قَالَ:

стр. 222

حَدثنِي أَبُو عبد الله بن أبي عَوْف الْبزورِي، قَالَ: دخلت على أبي الْعَبَّاس بن ثوابة، وَكَانَ مَحْبُوسًا، فَقَالَ لي: احفظ عني. قلت: نعم. فَقَالَ: عواقب مَكْرُوه الْأُمُور خِيَار ... وَأَيَّام سوء لَا تدوم قصار وَلَيْسَ بباق بؤسها وَنَعِيمهَا ... إِذا كرّ ليل ثمَّ كرّ نَهَار قَالَ: فَلم تمض إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أطلق من حَبسه. وَقد ذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، بِغَيْر إِسْنَاد، وَلم يذكر الْقِصَّة، وَلَا سَبَب الشّعْر.

стр. 223

لَا تيأس فَإِن الْيَأْس كفر حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله العلاف، الْمَعْرُوف بالمستعيني، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود، عَن بعض تجار الْمَدِينَة، قَالَ: كنت أختلف إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد، وَكنت لَهُ خليطا، وَكَانَ يعرفنِي بِحسن حَال، فتغيرت حَالي، فَأَتَيْته فَجعلت أَشْكُو إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ يَقُول: فَلَا تجزع وَإِن أعسرت يَوْمًا ... فقد أَيسَرت فِي الزَّمن الطَّوِيل قَالَ: فَخرجت من عِنْده، وَأَنا أغْنى النَّاس. حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفضل أَحْمد بن سُلَيْمَان القَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا طَاهِر بن يحيى بن الْحسن بن جَعْفَر بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵉، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَليّ بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، قَالَ:

стр. 224

جَاءَ رجل إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد، فَشَكا إِلَيْهِ الْإِضَافَة، فأنشده جَعْفَر بن مُحَمَّد: فَلَا تجزع إِذا أعسرت يَوْمًا ... فكم أرضاك باليسر الطَّوِيل وَلَا تيأس فَإِن الْيَأْس كفر ... لَعَلَّ الله يُغني عَن قَلِيل وَلَا تَظنن بِرَبِّك غير خير ... فَإِن الله أولى بالجميل قَالَ الرجل: فَذهب عني مَا كنت أجد. وروى القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه «كتاب الْفرج بعد الشدَّة» هَذَا الشّعْر بِغَيْر خبر، وَلَا إِسْنَاد، وَنسبه إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵉، وروى الْبَيْت الأول كَمَا رَوَاهُ ابْن الْجراح أبي سعد فِي الْخَبَر الَّذِي رويت قبل هَذَا، وَقَالَ بعده: فَإِن الْعسر يتبعهُ يسَار ... وَقيل الله أصدق كل قيل ثمَّ جَاءَ بالبيتين الثَّانِي وَالثَّالِث، كَمَا جَاءَا فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ، وَزَاد بعد ذَلِك بَيْتا خَامِسًا، وَهُوَ: وَلَو أَن الْعُقُول تَسوق رزقا ... لَكَانَ المَال عِنْد ذَوي الْعُقُول

стр. 225

عبيد الله بن زِيَاد يشْتم رجلا من الْقُرَّاء ويتهدده وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه: أَن الْمَدَائِنِي روى عَن مُحَمَّد بن الزبير التَّمِيمِي، أَن عبيد الله بن زِيَاد، أُتِي بِرَجُل من الْقُرَّاء فشتمه وَقَالَ لَهُ: أحروري أَنْت؟ . فَقَالَ الرجل: لَا وَالله، مَا أَنا بحروري. فَقَالَ: وَالله، لَأَفْعَلَنَّ بك، ولأصنعن، انْطَلقُوا بِهِ إِلَى السجْن، فَانْطَلقُوا بِهِ. فَسَمعهُ ابْن زِيَاد يهمهم، فَرده، وَقَالَ لَهُ: مَا قلت؟ فَقَالَ: غن لي بيتان من الشّعْر قلتهما. فَقَالَ: إِنَّك لفارغ الْقلب، أَنْت قلتهما، أم شَيْء سمعته؟ قَالَ: بل قلتهما، وهما: عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إِنَّه ... لَهُ كل يَوْم فِي خليقته أَمر إِذا اشْتَدَّ عسر فارج يسرا فَإِنَّهُ ... قضى الله أَن الْعسر يتبعهُ يسر فَسكت ابْن زِيَاد سَاعَة، ثمَّ قَالَ: قد أَتَاك الْفرج، خلوا سَبيله.

стр. 226

أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ:، أَخْبرنِي عَليّ بن دبيس الْكَاتِب، عَن أَحْمد بن الْحَارِث الخراز، عَن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي، عَن مُحَمَّد بن الزبير التَّمِيمِي، فَذكر نَحوه.

стр. 227

عَليّ بن الْحسن بن يزِيد كَاتب الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون يتحدث عَن أَيَّام فاقته وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن بَيَان، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْفُرَات، قَالَ: كنت أتولى ماسبذان، وَكَانَ صَاحب الْبَرِيد بهَا عَليّ بن يزِيد، وَكَانَ قَدِيما يكْتب للْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، فَحَدثني: أَن الْعَبَّاس غضب عَلَيْهِ وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ يملكهُ، حَتَّى إِنَّه بَقِي بسر من رأى لَا يملك شَيْئا، إِلَّا برذونه، بسرجه ولجامه، ومبطنة، وطيلسانا، وقميصا، وشاشية، وَأَنه كَانَ يركب فِي أول النَّهَار، فَيلقى من يُرِيد لقاءه، ثمَّ ينْصَرف، فيبعث

стр. 228

ببرذونه إِلَيّ الْكِرَاء، فيكسب عَلَيْهِ مَا يعلفه، وَمَا يُنْفِقهُ هُوَ وَغُلَامه. فاتفق فِي بعض الْأَيَّام أَن الدَّابَّة لم تكسب شَيْئا، فَبَاتَ هُوَ وَغُلَامه طاويين، قَالَ: ونالنا من الْغَد مثل ذَلِك. فَقَالَ غلامي: يَا مولَايَ، نَحن نصبر، وَلَكِن الشَّأْن فِي الدَّابَّة، فَإِنِّي أَخَاف أَن تعطب. قلت: فَأَي شَيْء أعمل؟ لَيْسَ إِلَّا السرج، واللجام، وثيابي، وَإِن بِعْت من ذَلِك شَيْئا، تعطلت عَن الْحَرَكَة، وَطلب التَّصَرُّف. قَالَ: فَانْظُر فِي أَمرك. فَنَظَرت، فَإِذا بحصيري خلق، ومخدتي لبنة مغشاة بِخرقَة، أدعها تَحت رَأْسِي، ومطهرة خزف للطهور، فَلم أجد غير منديل دبيقي خلق قد بَقِي مِنْهُ الرَّسْم. فَقلت للغلام: خُذ هَذَا المنديل، فبعه، واشتر علفا للدابة، وَلَحْمًا بدرهم، واشوه، وجئ بِهِ، فقد قرمت إِلَى أكل اللَّحْم. فَأخذ المنديل، وَمضى، وَبقيت فِي الدَّار وحدي، وفيهَا شاهمرج قد جَاع لجوعنا، فَلم أشعر إِلَّا بعصفور قد سقط فِي المطهرة الَّتِي فِيهَا المَاء للطهور، عطشا، فَشرب، فَنَهَضَ إِلَيْهِ الشاهمرج، فناهضه، فلضعفه مَا قصر عَنهُ،

стр. 229

وطار العصفور، ووقف الشاهمرج، فَعَاد العصفور إِلَى المطهرة، فبادره الشاهمرج فَأَخذه بحمية، فابتلعه. فَلَمَّا صَار فِي حوصلته، عَاد إِلَى المطهرة، فتغسل، وَنشر جناحيه وَصَاح، فَبَكَيْت، وَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء، وَقلت: اللَّهُمَّ، كَمَا فرجت عَن هَذَا الشاهمرج، فرج عَنَّا، وارزقنا من حَيْثُ لَا نحتسب. فَمَا رددت طرفِي، حَتَّى دق بَابي، فَقلت: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا إِبْرَاهِيم بن يوحنا، وَكيل الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون. فَقلت: ادخل، فَدخل، فَلَمَّا نظر إِلَى صُورَتي، قَالَ: مَا لي أَرَاك على هَذِه الصُّورَة، فكتمته خبري. فَقَالَ لي: الْأَمِير يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَقد اصطبح الْيَوْم، وذكرك وَقد أَمر لَك بِخمْس مائَة دِينَار، وَأخرج الْكيس فَوَضعه بَين يَدي. فحمدت الله تَعَالَى، ودعوت للْعَبَّاس، ثمَّ شرحت لَهُ قصتي، وأطفته فِي دَاري وبيوتي، وحدثته بِحَدِيث الدَّابَّة، وَمَا تقاسيه من الضّر، والمنديل، والشاهمرج، وَالدُّعَاء، فتوجع لي، وَانْصَرف. وَلم يلبث أَن عَاد، فَقَالَ لي: صرت إِلَى الْأَمِير، وحدثته بحديثك كُله، فَاغْتَمَّ بذلك، وَأمر لَك بِخمْس مائَة دِينَار أُخْرَى، قَالَ: تأثث بِتِلْكَ، وَأنْفق هَذِه، إِلَى أَن يفرج الله. وَعَاد غلامي، وَقد بَاعَ المنديل، واشتري مِنْهُ مَا أردته، فأريته الدَّنَانِير، وحدثته الحَدِيث، ففرح حَتَّى كَاد أَن تَنْشَق مرارته. وَمَا زَالَ صنع الله يتعاهدنا.

стр. 230

وَيَوْم الوشاح من تعاجيب رَبنَا قَالَ: الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، وَجَاء بِهِ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه عَن الْمَدَائِنِي بِغَيْر إِسْنَاد، واللفظان متقاربان: إِن أعرابية كَانَت تخْدم نسَاء النَّبِي ﷺ ، وَكَانَت كثيرا مَا تتمثل: وَيَوْم الوشاح من تعاجيب رَبنَا ... أَلا أَنه من ظلمَة الْكفْر نجاني فَقيل لَهَا: إِنَّك تكثرين من التمثل بِهَذَا الْبَيْت، وَإِنَّا نظنه لأمر، فَمَا هُوَ؟ قَالَت: أجل، كنت عسيفة على قوم بالبادية. قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب: العسيف: الْأَجِير. فَوضعت جَارِيَة مِنْهُم وشاحا، فمرت عِقَاب، فاختطفته وَنحن لَا نَدْرِي، ففقدنه، وقلن أَيْن هُوَ؟ أَنْت صاحبته، فَحَلَفت، واعتذرت، فأبين قبُول قولي وعذري، واستعدين بِالرِّجَالِ، فَجَاءُوا ففتشوني، فَلم يَجدوا شَيْئا. فَقَالَ بَعضهم: احتملته فِي فرجهَا. فأرادوا أَن يفتشوا فَرجي، فَمَا ظنكم بِامْرَأَة تخَاف ذَلِك. فَلَمَّا خفت الشَّرّ، رفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء فَقلت: يَا رباه، أَغِثْنِي، فمرت الْعقَاب فَطَرَحته بَيْننَا، فَنَدِمُوا، وَقَالُوا: ظلمنَا المسكينة، وَجعلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى، فَمَا وَقعت فِي كربَة إِلَّا ذكرت ذَلِك، وَهُوَ يَوْم الوشاح، فرجوت الْفرج. ١: ٣٠٤ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ

стр. 231

أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَغْشَانَا تَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ: وَيَوْمُ السِّخَابِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... عَلَى أَنَّهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ نَجَّانِي فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ: وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ. . إِلا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: قَالَتْ عَجُوزٌ مِنْهُنَّ لَا رِعَةَ لَهَا: فَتِّشُوا مَالَهَا، أَيْ: فَرْجَهَا، فَأَشْرَفْتُ عَلَى الْفَضِيحَةِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: يَا غَيَّاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ، فَمَا أَتْمَمْتُهَا، حَتَّى جَاءَ غُرَابٌ

стр. 232

فَرَمَى السِّخَابَ بَيْنَنَا، فَلَوْ رَأَيْتِهِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ حَوَاليَّ، يَقُولُونَ: اجْعَلِينَا فِي حِلٍّ، فَنَظَّمْتُ ذَلِكَ فِي بَيْتٍ، فَأَنَا أُنْشِدُهُ لِئَلا أَنْسَى النِّعْمَةَ، فَأَتْرُكَ شُكْرَهَا

стр. 233

بَين يحيى الْبَرْمَكِي وَالْفضل بن الرّبيع ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن سعد، عَن أَبِيه عبد الله بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن نمير الْخُزَاعِيّ، قَالَ: صَار الْفضل بن الرّبيع إِلَى الْفضل بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي فِي حَاجَة

стр. 234

لَهُ، فَلم يرفع لَهُ رَأْسا، وَلَا قضى حَاجته، فَقَامَ مغضبا، فَلم يدع بدابته، وَلَا اكترث لَهُ، ثمَّ أتبعه رجلا، فَقَالَ: انْظُر مَا يَقُول، فَإِن الرجل يُنبئ عَمَّا فِي نَفسه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع إِذا اضْطجع على فرَاشه، وَإِذا خلا بعرسه، وَإِذا اسْتَوَى على سَرْجه، قَالَ: الرجل: فاتبعته، فَلَمَّا اسْتَوَى على سَرْجه، عض على شَفَتَيْه، وَقَالَ: عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بدور زمَان وَالزَّمَان يَدُور فيعقب روعات سُرُورًا وغبطة ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور فَلم يكن بَين ذَلِك، وَبَين أَن سخط الرشيد على البرامكة، واستورز الْفضل بن الرّبيع، إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة. وحَدثني بِهَذَا الْخَبَر، أبي، على مثل هَذَا الْإِسْنَاد، وَلم أحفظه، لِأَنِّي لم أكتبه عَنهُ فِي الْحَال، فَقَالَ فِي الْبَيْت الأول: عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بعثرة دهر وَالزَّمَان عثور وَقَالَ فِي الْبَيْت الثَّانِي: فتدرك حاجات وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور وَزَاد فِيهِ أَن الْفضل بن يحيى بن خَالِد رده فَقضى حَوَائِجه. أخبرنيه مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر الصولي، عَن مَيْمُون بن هَارُون، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن نمير الْخُزَاعِيّ، وَذكره، وَقد دخل فِيمَا أجَازه لي الصولي. وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي بِالْبَصْرَةِ، فِي كِتَابه «كتاب الوزراء» سنة خمس

стр. 235

وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَأَنا حَاضر أسمع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمد بن يزِيد بن مُحَمَّد , يَعْنِي: المهلبي، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن إِسْحَاق، قَالَ: دخل الْفضل بن الرّبيع على يحيى بن خَالِد، فَلم يُوسع لَهُ، وَلَا هش بِهِ، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا الْعَبَّاس؟ قَالَ: رقاع معي. فَرده عَن جَمِيعهَا، فَوَثَبَ الْفضل وَهُوَ يَقُول: عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بعثرة دهر وَالزَّمَان عثور فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور فَرده يحيى، وَوَقع لَهُ بِجَمِيعِ مَا أَرَادَ.

стр. 236

دُعَاء للشفاء من الْعِلَل وَأَخْبرنِي عَليّ بن عبد الله الوارق، الْمَعْرُوف بِابْن أبي لُؤْلُؤ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي سعيد بن أبي أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ، عَن عبد الله بن جَعْفَر: أَن رجلا أَصَابَهُ مرض شَدِيد، مَنعه من الطَّعَام وَالشرَاب وَالنَّوْم، فَبينا هُوَ ذَات لَيْلَة ساهرا، إِذْ سمع وجبة شَدِيدَة فِي حجرته، فَإِذا هُوَ كَلَام، فوعاه، فَتكلم بِهِ، فبرأ مَكَانَهُ، وَهُوَ اللَّهُمَّ أَنا عَبدك، وَبِك أملي، فَاجْعَلْ الشِّفَاء فِي جَسَدِي، وَالْيَقِين فِي قلبِي، والنور فِي بَصرِي، وَالشُّكْر فِي صَدْرِي، وذكرك بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، مَا بقيت، على لساني، وارزقني مِنْك، رزقا غير مَحْظُور وَلَا مَمْنُوع.

стр. 237

الْبَاب الرَّابِع من استعطف غضب السُّلْطَان بصادق لفظ واستوقف مكروهه بموقظ بَيَان أَو وعظ بَين الْمَأْمُون وَعَمْرو بن مسْعدَة قرئَ على أبي بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا حَاضر أسمع، فِي كِتَابه الوزراء سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَقَالَ: حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد النَّوْفَلِي: أَن الْمَأْمُون ذكر عَمْرو بن مسْعدَة، فاستبطأه فِي أَشْيَاء، وَقَالَ: أيحسب عَمْرو أَنِّي لَا أعرف أخباره، وَمَا يجبي إِلَيْهِ، وَمَا يُعَامل بِهِ النَّاس، بلي وَالله، ثمَّ يظنّ أَنه لَا يسْقط عَليّ مِنْهُ شَيْء؟ ، وَكَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد حَاضرا لذَلِك، فَمضى إِلَى عَمْرو، فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ الْمَأْمُون. فَنَهَضَ من سَاعَته، وَدخل إِلَى الْمَأْمُون، فَرمي بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: أَنا عَائِذ بِاللَّه من سخط أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَنا أقل من أَن يشكوني إِلَى أحد، أَو يسر عَليّ ضغنا

стр. 238

يظْهر مِنْهُ بِكَلَامِهِ مَا ظهر. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: وَمَا ذَاك؟ فَأخْبرهُ بِمَا بلغه. فَقَالَ: لم يكن الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا جرى معنى أوجب ذكر مَا ذكرت، فقدمته قبل أَن أخْبرك بِهِ، وَكَانَ ذَلِك عزمي، وَمَا لَك عِنْدِي إِلَّا مَا تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظَنك، وَسكن مِنْهُ حَتَّى شكره، وَجعل مَاء الْحَيَاة يَدُور فِي وَجهه. فَلَمَّا دخل أَحْمد بن أبي خَالِد إِلَى الْمَأْمُون، قَالَ: لَهُ: أَشْكُو إِلَيْك من بحضرتي من خدمي وَأَهلي، أما لمجلسي حق وَلَا حُرْمَة ليكتم مَا يجْرِي فِيهِ، حَتَّى يُؤدى إِلَى عَمْرو بن مسْعدَة؟ فَإِنَّهُ قد أبلغ أَشْيَاء قلتهَا فِيهِ واتهمت فِيهَا بعض بني هَاشم مِمَّن كَانَ حَاضرا، وَذَلِكَ أَن عمرا دخل عَليّ، وَأعَاد مَا كَانَ، فاعتذرت لَهُ بِعُذْر لم يبن الْحق نسجه، وَلم يتسق القَوْل مني فِيهِ، وَإِن لِسَان الْبَاطِل، لعي الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَمَا نعش الْبَاطِل أحدا , قَالَ لَهُ أَحْمد: لَا يتهم أَمِير الْمُؤمنِينَ أحدا، أَنا أخْبرت عمرا. قَالَ: وَمَا دعَاك إِلَى ذَلِك؟ قَالَ: الشُّكْر لله، وَلَك لاصطناعك، والنصح لَك والمحبة لتَمام نِعْمَتك على أوليائك وخدمك، وَقد علمت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحب استصلاح الْأَعْدَاء والبعداء، فَكيف بالأولياء والقرباء، ولاسيما مثل عَمْرو، فِي مَوْضِعه من الدولة، وموقعه من الْخدمَة، ومكانه من رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فخبرته بِمَا أنكرهُ عَلَيْهِ، ليقوم أود نَفسه، ويتلافى مَا فرط مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْعَيْب لَو أفشيت كلَاما فِيهِ لأمير الْمُؤمنِينَ سر، أَو قدح على السُّلْطَان، أَو نقض تَدْبِير لَهُ. فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنت وَالله يَا أَحْمد، إِذْ كفيتني مخاضة الظَّن، وصدقتني عَن نَفسك، وأزلت التُّهْمَة عَن غَيْرك.

стр. 239

الْمَنْصُور العباسي يحْشر العلويين جَمِيعًا إِلَى الْكُوفَة ويتهددهم ١: ٣١٣ ٤٦ - أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَرَجِ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّلُولِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ سَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵇، بِبَاخمْرَى، حُشِرْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يُتْرَكْ مِنَّا فِيهَا مُحْتَلِمٌ، حَتَّى قَدِمْنَا الْكُوفَةَ، فَمَكَثْنَا فِيهَا شَهْرًا نَتَوَقَّعُ الْقَتْلَ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ، فَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلاءِ الْعَلَوِيَّةُ؟ أَدْخِلُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ. قَالَ: فَدَخَلْتُ أَنَا إِلَيْهِ، وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ لِي: أَنْتَ الَّذِي تَعْلَمُ الْغَيْبَ أَنْتَ الَّذِي تَعْلَمُ الْغَيْبَ؟

стр. 240

قُلْتُ: لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ. قَالَ: أَنْتَ الَّذِي يُجْبَى إِلَيْكَ هَذَا الْخَرَاجُ؟ قُلْتُ: إِلَيْكَ يُجْبَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْخَرَاجُ. قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ دَعَوْتُكُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَهْدِمَ رِبَاعَكُمْ، وَأُغَوِّرَ قُلْبَكُمْ، وَأَعْقِرَ نَخْلَكُمْ، وَأُنْزِلَكُمْ بِالسَّرَاةِ، فَلا يَجِيئُكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ لَكُمْ مَفْسَدَةٌ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَإِنَّ أَيُّوبَ ﵇ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنَّ يُوسُفَ ﵇ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَأَنْتَ مِنْ ذَلِكَ السَّنْخِ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ أَعِدْ، فَأَعَدْتُ. فَقَالَ: مِثْلُكَ فَلْيَكُنْ زَعِيمَ الْقَوْمِ، قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَوَهَبْتُ لَكُمْ جرمَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، حَدِّثْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثْتَنِي بِهِ عَنْ أَبِيكَ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْتُ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «صِلَةُ الرَّحِمِ، تُعَمِّرُ الدِّيَارِ، وَتُطِيلُ الأَعْمَارِ، وَتُكْثِرُ الْعمَّارَ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا» قَالَ: لَيْسَ هَذَا. ١: ٣١٤ ٤٧ - فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 241

وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " الأَرْحَامُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: صِلْ مَنْ وَصَلَنِي، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي " قَالَ: لَيْسَ هَذَا. ١: ٣١٥ ٤٨ - قُلْتُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ " قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ. ١: ٣١٥ ٤٩ - قُلْتُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵇، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ، كَانَ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ، فَوَصَلَ رَحِمَهُ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ ، ثَلاثِينَ سَنَةً» قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ أَرَدْتُ، أَيُّ الْبِلادِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ فَوَاللَّهِ، لأَصِلَنَّ رَحِمِي الْيَوْمَ. قُلْنَا: الْمَدِينَةُ. قَالَ: فَسَرَّحَنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَفَانَا اللَّهُ ، مَئُونَتَهُ

стр. 242

بَين الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق والمنصور العباسي وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذِه السِّيَاقَة، وجدته فِي بعض الْكتب بِغَيْر إِسْنَاد: إِن معَاذًا، مولى إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ﵏، قَالَ: كنت قَائِما على رَأس مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، مولَايَ، ورزام، مولى مُحَمَّد بن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، يحدثه، وَكَانَ كَاتبه إِذْ ذَاك، قَالَ: وجهني مُحَمَّد بن خَالِد الْقَسرِي، لآتيه بِجَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، من الْمَدِينَة، إِلَى الْمَنْصُور.

стр. 243

فَلَمَّا صررنا بالنجف، نزل عَن رَاحِلَته، وأسبغ الْوضُوء، واستقبل الْقبْلَة، وَصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَأَنا بِالْقربِ مِنْهُ، فَسَمعته يَقُول: اللَّهُمَّ بك أستفتح، وَبِك أستنجح، وَبِمُحَمَّدٍ عَبدك وَرَسُولك أتوجه، اللَّهُمَّ إِنِّي أدرأ بك فِي نَحره، وَأَعُوذ بك من شَره , اللَّهُمَّ سهل لي حزونته، وذلل لي صعوبته، وَأَعْطِنِي من الْخَيْر أَكثر مِمَّا أَرْجُو، واكفني من الشَّرّ أَكثر مِمَّا أَخَاف، ثمَّ جَاءَ فَركب وَمضى. فَلَمَّا قيل لأبي جَعْفَر: إِنَّه بِالْبَابِ، أَمر بالستور فَرفعت، وبالأبواب ففتحت، ثمَّ خرج إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فِي منتصف الدَّار فعانقه أَبُو جَعْفَر، وَأخذ بِيَدِهِ يماشيه مُقبلا عَلَيْهِ، حَتَّى انْتهى إِلَى مَجْلِسه، فأجلسه فِيهِ، ثمَّ أقبل عَلَيْهِ الْمَنْصُور يسائله، وَأَقْبل جَعْفَر يَدْعُو لَهُ ويفديه. ثمَّ إِن الْمَنْصُور قَالَ لَهُ: عرفت مَا كَانَ من أَمر هذَيْن الرجلَيْن، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيم ابْني عبد الله بن الْحسن، وَمَا كَانَ من بري بهما، وَقد استترا، وَخفت أَن يشقا الْعَصَا، ويلقيا بَين أهل هَذَا الْبَيْت شرا لَا يصلح أبدا، فَأَخْبرنِي بخبرهما، ودلني عَلَيْهِمَا. فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قد وَالله نهيتهما فَلم يقبلا، وكرهت أَن أطلع على شَيْء من أمورهما، وَمَا زلت مائلا إِلَيْك، وحاطبا فِي حبلك، ومواظبا على طَاعَتك. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: صدقت، وَلَكِنَّك تعلم، أَنِّي أعلم، أَن علم أَمرهمَا عنْدك، وَلنْ أقنع إِلَّا أَن تُخبرنِي بخبرهما وَأَمرهمَا. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أتلو عَلَيْك آيَة من كتاب الله ، فِيهَا مُنْتَهى علمي بهما. قَالَ: هَات، على اسْم الله. فَتلا عَلَيْهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الْحَشْر: ١٢] .

стр. 244

فَخر الْمَنْصُور سَاجِدا، وَقَالَ: حَسبك. وَلم يسْأَله بعد ذَلِك عَن شَيْء من أَمرهمَا. وَرُوِيَ لي هَذَا الْخَبَر على وَجه آخر، حَدَّثَنَا بِهِ عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عِيسَى بن أبي حَرْب الصفار، والمغيرة بن مُحَمَّد، قَالَا: حَدَّثَنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن الْفضل بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن الْفضل بن الرّبيع، عَن الْفضل بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حج أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة، قَالَ لي: ابْعَثْ إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد من يأتيني بِهِ بَغْتَة، قتلني الله إِن لم أَقتلهُ، فَأَمْسَكت عَنهُ، رَجَاء أَن ينساه، فَأَغْلَظ لي فِي الثَّانِيَة. فَقلت: جَعْفَر بن مُحَمَّد بِالْبَابِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذنت لَهُ. فَلَمَّا دخل، قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَقَالَ: لَا سلم الله عَلَيْك، يَا عَدو الله، تلحد فِي سلطاني، وتبغيني الغوائل فِي ملكي، قتلني الله إِن لم أَقْتلك.

стр. 245

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن سُلَيْمَان أعطي فَشكر، وَإِن أَيُّوب ابْتُلِيَ فَصَبر، وَإِن يُوسُف ظلم فغفر، وَأَنت من ذَلِك السنخ ففكر طَويلا. ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: أَنْت عِنْدِي، يَا أَبَا عبد الله، البريء الساحة، السَّلِيم النَّاحِيَة، الْقَلِيل الغائلة، جَزَاك الله عَن ذِي رَحِمك، أفضل مَا يَجْزِي ذَوي الْأَرْحَام عَن أرحامهم. ثمَّ تنَاول يَده، فأجلسه على مفرشه، واستدعى بالمنفحة، والمنفخة مدهن كَبِير فِيهِ غَالِيَة، فغلفه بِيَدِهِ، حَتَّى قطرت لحيته. ثمَّ قَالَ لَهُ: فِي حفظ الله وَفِي كلاءته، يَا ربيع، ألحق أَبَا عبد الله جائزته وَكسوته. قَالَ: الرّبيع: فتبعته، فَلَمَّا لحقته، قلت لَهُ: إِنِّي رَأَيْت مَا لم تَرَ، وَسمعت مَا لم تسمع، وَرَأَيْت بعد ذَلِك مَا قد رَأَيْت، وَقد رَأَيْتُك تحرّك شفتيك بِشَيْء، فَمَا الَّذِي قلت؟ فَقَالَ: نعم، إِنَّك رجل منا أهل الْبَيْت، وَلَك محبَّة ومودة، اعْلَم أنني قلت: اللَّهُمَّ احرسني بِعَيْنِك الَّتِي لَا تنام، واكنفني بركنك الَّذِي لَا يرام، وأدركني بِرَحْمَتك، واعف عني بقدرتك، لَا أهلك وَأَنت رجائي، رب، كم من نعْمَة أَنْعَمت بهَا عَليّ بن الْحسن، قل لَك عِنْدهَا شكري فَلم تحرمني، وَكم من بلية ابتليتني بهَا، قل لَك عِنْدهَا صبري فَلم تخذلني، فيا من قل عِنْد نعمه شكري فَلم يحرمني، وَيَا من قل عِنْد بليته صبري فَلم يخذلني، يَا من

стр. 246

رَآنِي على الْخَطَايَا فَلم يهتكني، يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْقَضِي أبدا، وَيَا ذَا النعماء الَّتِي لَا تحصى عددا، صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، بك أدرأ فِي نَحره، وَأَعُوذ بك من شَره، اللَّهُمَّ أَعنِي على ديني بدنياي، وعَلى آخرتي بتقواي، واحفظني فِيمَا غبت عَنهُ، وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين، يَا من لَا تضره الذُّنُوب، وَلَا تنقصه الْمَغْفِرَة، اغْفِر لي مَا لَا يَضرك، وَأَعْطِنِي مَا لَا ينْقصك، إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب، أَسأَلك فرجا قَرِيبا، وصبرا جميلا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، والعافية من جَمِيع البلايا، وشكر الْعَافِيَة.

стр. 247

بَين مُوسَى الْهَادِي وَأحد كِتَابه وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كِتَابه «الوزراء» : أَن مُوسَى الْهَادِي، سخط على بعض كِتَابه، وَلم يسمه، فَجعل يقرعه، ويؤنبه، ويتهدده، ويتوعده. فَقَالَ لَهُ الْكَاتِب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن اعتذاري إِلَيْك فِيمَا تقرعني بِهِ رد عَلَيْك، وإقراري بِمَا بلغك عني، يُوجب ذَنبا لم أجنه، وَلَكِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ الشَّاعِر: إِذا كنت ترجو فِي الْعقَاب تشفيا ... فَلَا تزهدن عِنْد التجاوز فِي الْأجر فصفح عَنهُ، وَأمر بترك التَّعَرُّض لَهُ، وَأحسن إِلَيْهِ، وَصَرفه مكرما.

стр. 248

ابْن مقلة ينفذ من سجنه رقْعَة إِلَى الْوَزير ابْن الْفُرَات حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، عَن أبي عبد الله زنجي الْكَاتِب، قَالَ: لما نكب أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، أَبَا عَليّ بن مقلة، فِي وزارته الثَّالِثَة، لم أَدخل إِلَيْهِ فِي الْحَبْس، وَلَا كاتبته متوجعا لَهُ، وَلَا راسلته بِحرف، خوفًا من أَن يرقى ذَلِك إِلَى ابْن الْفُرَات. وَكَانَت بيني وَبَين ابْن الْجراح مقلة مَوَدَّة، فَلَمَّا طَال مكثه فِي الْحَبْس، كتب إِلَيّ رقْعَة لَطِيفَة، أَولهَا:

стр. 249

ترى حرمت كتب الأخلاء بَينهم ... أبن لي، أم أصبح الود غاليا؟ فَمَا كَانَ لَو ساءلتنا كَيفَ حَالنَا ... وَقد دهمتنا نكبة هِيَ مَا هيا صديقك من راعاك عِنْد شَدِيدَة ... وكل ترَاهُ فِي الرخَاء مراعيا فهبك عدوي، لَا صديقي، فَرُبمَا ... يكَاد الأعادي يرحمون الأعاديا ثمَّ أتبع ذَلِك بِكَلَام عَاتَبَنِي فِيهِ، وَيذكر أَنه أنفذ إِلَيّ، فِي طي رقعته، رقْعَة إِلَى الْوَزير، وسألني عرضهَا عَلَيْهِ، فِي وَقت خلْوَة لَا يكون فِيهَا ابْنه أَبُو أَحْمد المحسن. فَقَرَأت الرقعة الَّتِي للوزير، فَكَانَ فِيهَا: أقصرت أَطَالَ الله بَقَاء الْوَزير، وَفعل بِهِ وصنع، عَن الاستعطاف وَعَن الشكوى، حَتَّى تناهت بِي المحنة والبلوى، فِي النَّفس وَالْمَال، والجسم وَالْحَال، إِلَى مَا فِيهِ شِفَاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حَتَّى أفضت بِي، إِلَى الْحيرَة والتبلد، وبعيالي إِلَى الهتكة والتلدد، وَمَا أَقُول إِن حَالا أَتَاهَا الْوَزير، أيده الله، فِي أَمْرِي، إِلَّا بِحَق وَاجِب، وَظن صَادِق غير كَاذِب، إِلَّا أَن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَالِاعْتِرَاف يزِيل الاقتراف، وَرب الْمَعْرُوف يؤثره أهل الْفضل وَالدّين، وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُسِيء،

стр. 250

من أَفعَال الْمُتَّقِينَ، وعَلى كل حَال، فلي ذمام وَحُرْمَة، وتأميل وخدمة، إِن كَانَت الْإِسَاءَة تضيعها، فرعاية الْوَزير، أيده الله، تحفظها، فَإِن رأى الْوَزير، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، أَن يلحظ عَبده بِعَين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، ويتخلصها من الْعَذَاب الشَّديد، والجهد الجهيد، وَيجْعَل لَهُ من معروفه نَصِيبا، وَمن الْبلوى فرجا قَرِيبا، فعل، إِن شَاءَ الله. فأقامت الرقعة فِي كمي أَيَّامًا، لَا أتمكن من عرضهَا، إِلَى أَن رسم لي الْوَزير ابْن الْفُرَات، كتب رقْعَة إِلَى جَعْفَر بن الْقَاسِم، عَامله على فَارس، فِي مُهِمّ، وَأَن أحررها بَين يَدَيْهِ، وأعرضها عَلَيْهِ، فَأمرنِي بتحريرها وَقد خلا، فاغتنمت خلوته من كل أحد، فَقلت لَهُ: قد عرف الْوَزير، أيده الله، مَا بيني وَبَين ابْن مقلة، من الْعشْرَة والإلفة الَّتِي جمعتنَا عَلَيْهَا خدمته، وَوَاللَّه، مَا كاتبته وَلَا راسلته، وَلَا قضيت لَهُ حَقًا بمعونة وَلَا غَيرهَا، مُنْذُ سخط الْوَزير، أيده الله، عَلَيْهِ، وَهَذِه رقعته إِلَيّ تدل على ذَلِك، وَيسْأل عرض رقْعَة لَهُ على الْوَزير، أيده الله، وَهِي معي، فَإِن أذن عرضتها عَلَيْهِ. فَقَالَ: هَاتِهَا. فناولته إِيَّاهَا، قَالَ: فَقَرَأَ رقعته إِلَيّ، ثمَّ قَالَ: هَات رقعته إِلَيّ. فَقلت: أسأَل الْوَزير، أيده الله، أَن يكتم ذَلِك عَن سَيِّدي أبي أَحْمد، يَعْنِي: المحسن ابْنه، فَإِنِّي أخافه.
следующие страницы →