Полный текст (1 589 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَقلت: دَعْنِي أتلطف فِي كشف هَذَا.
قَالَ: افْعَل.
فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بِأَحَدِهِمَا، فَقَالَ: النَّار وَلَا الْعَار، وَذكر أَن امْرَأَة ابْن أبي خَالِد، أَعطَتْهُ ألف دِينَار، وَسَأَلته الشَّهَادَة على الْجَارِيَة، وأحضرني الْكيس مَخْتُومًا بِخَاتم الْمَرْأَة، وأمرته أَن لَا يذكر شَيْئا إِلَّا بعد أَن يُوقع بِهِ الْمَكْرُوه، ليَكُون أثبت للْخَبَر، ودعوت الآخر، فاعترف بِمثل ذَلِك أَيْضا.
فبادرت إِلَى أَحْمد بالبشارة، فَمَا وصلت إِلَيْهِ، حَتَّى جَاءَتْهُ رقْعَة الْحرَّة، تعلمه أَن الرقعة الأولى كَانَت من فعلهَا، غيرَة عَلَيْهِ من الْجَارِيَة، وَأَن جَمِيع مَا فِيهَا بَاطِل، وَأَنَّهَا حملت الخادمين على ذَلِك، وَأَنَّهَا تائبة إِلَى الله تَعَالَى من هَذَا الْفِعْل وَأَمْثَاله.
فَجَاءَتْهُ بَرَاءَة الْجَارِيَة من كل وَجه فسر بذلك، وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ، وَأحسن إِلَى الْجَارِيَة.
стр. 177
سَبَب خُرُوج أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر إِلَى الشَّام
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الشَّاهِد، الْمُقْرِئ، الْمَعْرُوف بِغُلَام ابْن مُجَاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر، قَالَ: كَانَ بَدْء خروجي إِلَى الشَّام، أَن المتَوَكل خرج يتنزه بالمحمدية، فَخَلا بِهِ
стр. 178
الْكتاب هُنَاكَ، فأحكموا على الْقِصَّة وَأَنا لَا أعلم، ثمَّ بعثوا إِلَيّ، وَأَنا لَا أَدْرِي، فَحَضَرت وهم مجتمعون، فَقَالُوا لي: وَكَانَ الْمُخَاطب لي مُوسَى بن عبد الْملك.
فَقَالَ لي: قد جرت أَسبَاب أوجبت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمر أَن تخرج إِلَى الرقة، فكم تحْتَاج لنفقتك؟ فَقلت: أما خروجي، فالسمع وَالطَّاعَة لأمير الْمُؤمنِينَ، وَأما الَّذِي أحتاج إِلَيْهِ للنَّفَقَة، فَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم.
فَمَا بَرحت، حَتَّى دفعت إِلَيّ، وَقَالُوا: اخْرُج السَّاعَة.
فَقلت: أودع أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالُوا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَقلت: أصلح من شأني.
فَقَالُوا: وَلَا هَذَا، وَأخذ مُوسَى يعرض لي، أَن السُّلْطَان قد سخط عَليّ، وَأَن الصَّوَاب الْخُرُوج، وَترك الْخلاف.
وَأَقْبل يَقُول: إِن السُّلْطَان إِذا سخط على الرجل، فَالصَّوَاب لذَلِك الرجل أَن يَنْتَهِي إِلَى أمره كُله، وَأَن لَا يُرَاجِعهُ فِي شَيْء، وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن التباعد عَن السُّلْطَان، لَهُ فِيهِ الْحَظ.
فَقلت: يَكْفِي الله ويلطف.
стр. 179
فوكلوا بِي جمَاعَة، حَتَّى خرجت من الْبَلَد، وَأَنا فِي حَالَة، الْأسر عِنْدِي أحسن مِنْهَا وَأطيب، وحثوا بِي السّير.
فَلَمَّا قاربت الرقة، وَأَرَدْت الدُّخُول إِلَيْهَا، أدركنا اللَّيْل، فَإِذا بأعرابي فِي نَاحيَة عني، وَمَعَهُ إبل يحدوها، وَيَقُول:
كم مرّة حفت بك المكاره ... خار لَك الله وَأَنت كَارِه
قَالَ: وَلم يزل يُكَرر ذَلِك، فحفظته، وتبركت بالفأل، وَدخلت الرقة، فَلم أقِم بهَا إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة، حَتَّى ورد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ إِلَى الشَّام للتعديل، وأجرى على مائَة ألف دِرْهَم، وَذكر أَن هَذَا عمل جليل، كَانَ الْمَأْمُون خرج فِيهِ بِنَفسِهِ، لجلالته وَعظم خطره، وَأَنه رَآنِي أَهلا لَهُ.
فَخرجت، فَرَأَيْت كل مَا أحب، حَتَّى لَو بذلت لي الْعرَاق بأسرها، على فِرَاق تِلْكَ النَّاحِيَة، مَا سمحت نفسا بذلك، فَللَّه الْحَمد والْمنَّة.
وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي جدك أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُدبر، وَكَانَ جده لأمه، وحَدثني أَنه لم يره قطّ، أَن المتَوَكل خرج إِلَى المحمدية سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ متنزها، فَأَتَانِي رَسُوله، وأحضرني، فَحَضَرت، فَوجدت عبيد الله بن يحيى،
стр. 180
وَالْحسن بن مخلد، وَأحمد بن الخصيب، وَجَمَاعَة من الْكتاب حضورا.
فَقَالَ لي عبيد الله بن يحيى: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك: قد فسد علينا أَمر الرقة، ثمَّ ذكر نَحوا من الحَدِيث الأول، إِلَّا أَنه لم يكن فِيهِ إِطْلَاق ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، بل قَالَ: فَخرجت وَمَا أقدر على نَفَقَة، ففكرت فِيمَن أقصده، واستعين بِمَالِه، فَمَا ذكرت غير الْمُعَلَّى بن أَيُّوب، وَكَانَت بيني وَبَينه وَحْشَة، فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة حملت نَفسِي على الصعب فِيهَا، فَوجه إِلَيّ خَمْسَة آلَاف دِينَار، فتحملت بهَا. . . ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، على سِيَاقَة الْخَبَر الأول، إِلَّا أَنه قَالَ: إِن الَّذِي أجري عَلَيْهِ، لما أَمر بِالْخرُوجِ للتعديل، فِي كل شهر مائَة ألف وَعشْرين ألف دِرْهَم.
قَالَ: فشخصت إِلَيْهَا، وَلَو أَعْطَيْت الْآن بقصري فِيهَا، سر من رأى كلهَا، مَا سمحت نفسا بذلك.
وَكَانَ قصره بالرملة، وَكَانَ جَلِيلًا.
стр. 181
بَين الْحسن بن عَليّ ﵉ وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
١: ٢٥١ أَخْبَرَنِي أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ، فِيمَا أَجَازَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِنْ حَدِيثٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ بْنِ ثَوْبَانَ، مُسْتَمْلِي بُنْدَارٍ، وَكَتَبَهُ لَنَا بِخَطِّهِ، وَنَقَلْتُهُ أَنَا مِنْ أَصْلِ أَبِي طَالِبٍ، الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ بِخَطِّ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَوِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵉، وَدَعَا بِضِبَارَةِ سِيَاطٍ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَسَنُ ﵇ أَخَذَ السِّيَاطَ فَرَمَى بِهَا، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ شَبَابِ قُرَيْشٍ وَدَعَا بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى زَمَانِكَ، فَلَمَّا
стр. 182
خَرَجَ تَبِعَهُ الْحَاجِبُ، فَقَالَ لَهُ: يَابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّا نَخْدُمُ هَذَا السُّلْطَانَ، وَلَسْنَا نَأْمَنُ بَادِرَتَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ بِشَيْءٍ، فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: أُعْلِمُكَ، عَلَى أَنْ لَا تُعْلِمَ أَحَدًا مِنْ آلِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: إِذَا وَقَعْتَ فِي شِدَّةٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، أَوْ خِفْتَ مِنْ سُلْطَانٍ، فَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ جَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَعَزَّ جَارُكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فُلانٍ، وَأَتْبَاعِهِ، وَأَشْيَاعِهِ، مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، أَنْ يُفْرِطُوا عَلَيَّ، أَوْ أَنْ يَطْغَوْا
стр. 183
لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم
١: ٢٥٣ أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو طَالِبٍ إِجَازَةً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَتَهُ إِلَى زَوْجِهَا، خَلا بِهَا، فَقَالَ لَهَا: إِذَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ فَظِيعٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَوِ الْمَوْتِ، فَاسْتَقْبِلِيهِ بِقَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ الْحَسَنُ: فَبَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ، فَقُلْتُهُنَّ، فَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: لَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أُرِيدُ قَتْلَكَ، وَالْيَوْمُ مَا أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ، فَسَلْ حَوَائِجَكَ
стр. 184
دُعَاء يَعْقُوب الَّذِي نَالَ بِهِ الْفرج
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي المثني بن عبد الْكَرِيم، قَالَ: حَدثنِي زَافِر بن سُلَيْمَان، عَن يحيى بن سليم، قَالَ: بَلغنِي أَن ملك الْمَوْت، اسْتَأْذن ربه ، أَن يسلم على يَعْقُوب، فَأذن لَهُ، فَأَتَاهُ، فَسلم عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: بِالَّذِي خلقك، أقبضت روح يُوسُف؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أعلمك كَلِمَات لَا تسْأَل الله بهَا شَيْئا إِلَّا أَعْطَاك.
قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: قل يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْقَطِع أبدا، وَلَا يُحْصِيه غَيره.
فَقَالَهَا، فَمَا طلع الْفجْر من غده، حَتَّى أَتَاهُ البشير بالقميص.
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنِي أَبُو غَسَّان مَالك بنى ضيغم، عَن إِبْرَاهِيم بن خَلاد الْأَزْدِيّ، قَالَ:
стр. 185
نزل جِبْرِيل على يَعْقُوب ﵇، فشكي إِلَيْهِ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الشوق إِلَى يُوسُف، فَقَالَ: أَلا أعلمك دُعَاء، إِن دَعَوْت بِهِ فرج الله عَنْك؟ قَالَ: بلي.
قَالَ: قل: يَا من لَا يعلم كَيفَ هُوَ، إِلَّا هُوَ، وَيَا من لَا يبلغ قدرته غَيره، فرج عني.
فَقَالَهَا، فَأَتَاهُ البشير بالقميص.
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُون بن عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن عَامر الضبعِي، عَن المعمر بن سُلَيْمَان، قَالَ: لَقِي يَعْقُوب رجل، فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، مَا لي لَا أَرَاك كَمَا كنت؟ قَالَ: طول الزَّمَان، وَكَثْرَة الأحزان.
قَالَ: قل: اللَّهُمَّ اجْعَل لي من كل هم همني وكربني من أَمْرِي، فِي ديني ودنياي، وآخرتي، فرجا ومخرجا، واغفر لي ذُنُوبِي، وَثَبت رجاءك فِي قلبِي، واقطعه عَمَّن سواك، حَتَّى لَا يكون لي رَجَاء إِلَّا إياك.
قَالَ: دَاوُد بن رشيد، حَدثنِي الْوَلِيد بن مُسلم، عَن خُلَيْد بن دعْلج،
стр. 186
عَن الْحسن بن أبي الْحسن، قَالَ: لَو عري من الْبِلَاد أحد، لعري مِنْهُ آل يَعْقُوب، مسهم الْبلَاء ثَمَانُون سنة.
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُدْلِج بن عبد الْعَزِيز، عَن شيخ من قُرَيْش: أَن جِبْرِيل ﵇ هَبَط على يَعْقُوب صلى الله عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، تملق إِلَى رَبك.
فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، كَيفَ أَقُول؟ فَقَالَ: قل: يَا كثير الْخَيْر، يَا دَائِم الْمَعْرُوف.
فَأوحى الله إِلَيْهِ، لقد دعوتني بِدُعَاء، لَو كَانَ ابناك ميتين، لأنشرتهما لَك.
١: ٢٥٦ ٤٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: كَانَ لِيَعْقُوبَ ﵇، أَخٌ مُؤَاخٍ فِي اللَّهِ ، فَقَالَ لِيَعْقُوبَ:
стр. 187
مَا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرَكَ، وَقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرِي، فَالْحُزْنُ عَلَى بنْيَامِينَ، وَأَمَّا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرِي، فَالْبُكَاءُ عَلَى يُوسُفَ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَمَا تَسْتَحْيِي، تَشْكُونِي إِلَى عَبْدِي.
قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، ارْحَمِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ، أَذْهَبْتَ بَصَرِي، وَقَوَّسْتَ ظَهْرِي، أرْدِدْ عَلَيَّ رَيْحَانَتِي يُوسُفَ، أَشُمَّهُ ثُمَّ افْعَلْ بِي مَا شِئْتَ.
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ: أَبْشِرْ، وَلْيَفْرَحْ قَلْبُكَ، فَوَعِزَّتِي لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، لأَنْشَرْتُهُمَا لَكَ، فَاصْنَعْ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ وَادْعُهُمْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ، الأَنْبِيَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَإِنَّ الَّذِي ذَهَبَ بِبَصَرِكَ، وَقَوَّسَ ظَهْرَكَ، وَسَبَّبَ صُنْعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ بِهِ مَا صَنَعُوا، أَنَّكُمْ ذَبَحْتُمْ شَاةً، فَأَتَاكُمْ رَجُلٌ صَائِمٌ، فَلَمْ تُطْعِمُوهُ.
فَكَانَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْغَدَاءَ، أَمَرَ مُنَادِيَهُ، فَنَادَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْغَدَاءَ مِنَ الْمَسَاكِينَ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا أَمَرَ مُنَادِيَهُ، فَنَادَى: مَنْ كَانَ صَائِمًا مِنَ الْمَسَاكِينَ فَلْيُفْطِرْ مَعَ يَعْقُوبَ.
стр. 188
كَلِمَات الْفرج الَّتِي دَعَا بهَا يُوسُف
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِم بن هَاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخطاب بن عُثْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن عمر، عَن رجل من أهل الْكُوفَة: أَن جِبْرِيل ﵇ دخل على يُوسُف السجْن، فَقَالَ لَهُ: يَا طيب! مَا الَّذِي أدْخلك هَا هُنَا؟ قَالَ: أَنْت أعلم.
قَالَ: فَلَا أعلمك كَلِمَات الْفرج؟ قَالَ: بلي.
قَالَ: قل: اللَّهُمَّ، يَا شَاهدا غير غَائِب، وَيَا قَرِيبا غير بعيد، وَيَا غَالِبا غير مغلوب، اجْعَل لي من أَمْرِي هَذَا فرجا ومخرجا، وارزقني من حَيْثُ لَا أحتسب
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي أَزْهَر بن مَرْوَان الرقاشِي، قَالَ: حَدثنِي قزعة بن
стр. 189
سُوَيْد، عَن أبي سعيد مُؤذن الطَّائِف: أَن جِبْرِيل ﵇: أَتَى يُوسُف، فَقَالَ: يَا يُوسُف، اشْتَدَّ عَلَيْك الْحَبْس؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: قل: اللَّهُمَّ اجْعَل لي من كل مَا أهمني، وحزبني، من أَمر دنياي وآخرتي، وفرجا ومخرجا، وارزقني من حَيْثُ لَا أحتسب، واغفر لي ذُنُوبِي، وَثَبت رجاءك فِي قلبِي، واقطعه عَمَّن سواك، حَتَّى لَا أَرْجُو أحدا غَيْرك
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، ثال حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى، قَالَ: حَدثنِي عبد الْعَزِيز الْقرشِي، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن غَالب الْقطَّان قَالَ: لما اشْتَدَّ كرب يُوسُف، وَطَالَ سجنه، واتسخت ثِيَابه، وشعث رَأسه، وجفاه النَّاس، دَعَا عِنْد ذَلِك، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك مَا لقِيت من ودي وعدوي، أما ودي، فباعوني، وَأما عدوي، فحبسني، اللَّهُمَّ اجْعَل لي فرجا ومخرجا.
فَأعْطَاهُ الله ذَلِك.
стр. 190
إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ الزَّاهِد فِي حبس الْحجَّاج بن الْجراح يُوسُف الثَّقَفِيّ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن مَحْبُوب، قَالَ: قَالَ الْفَيْض بن إِسْحَاق، قَالَ: الفضيل بن عِيَاض، قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: لما حبست الحبسة الْمَشْهُورَة، أدخلت السجْن، فأنزلت على أنَاس فِي قيد وَاحِد، وَمَكَان ضيق، لَا يجد الرجل إِلَّا مَوضِع مَجْلِسه، وَفِيه يَأْكُلُون، وَفِيه يَتَغَوَّطُونَ، وَفِيه يصلونَ.
قَالَ: فجيء بِرَجُل من أهل الْبَحْرين، فَأدْخل علينا، فَلم نجد مَكَانا، فَجعلُوا يتبرمون بِهِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّمَا هِيَ اللَّيْلَة.
فَلَمَّا دخل اللَّيْل، قَامَ يُصَلِّي، فَقَالَ: يَا رب، مننت عَليّ بِدينِك، وعلمتني كتابك، ثمَّ سلطت عَليّ شَرّ خلقك، يَا رب، اللَّيْلَة، اللَّيْلَة، لَا أصبح فِيهِ.
فَمَا أصبحا حَتَّى ضربت أَبْوَاب السجْن: أَيْن البحراني، أَيْن البحراني؟ فَقَالَ كل منا: مَا دعِي السَّاعَة، إِلَّا ليقْتل، فخلي سَبيله.
فجَاء، فَقَامَ على بَاب السجْن، فَسلم علينا، وَقَالَ: أطِيعُوا الله لَا يضيعكم.
стр. 191
أَبُو سعد الْبَقَّال فِي حبس الْحجَّاج بن الْجراح يُوسُف الثَّقَفِيّ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي أَبُو نصر الْمُؤَدب، عَن أبي عبد الرَّحْمَن الطَّائِي، قَالَ: أخبرنَا أَبُو سعد الْبَقَّال، قَالَ: كنت مَحْبُوسًا فِي ديماس الْحجَّاج، ومعنا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، فَبَاتَ فِي السجْن، فَأتي رجل، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق، فِي أَي شَيْء حبست؟ فَقَالَ: جَاءَ العريف، فتبرأ مني، وَقَالَ: إِن هَذَا كثير الصَّوْم وَالصَّلَاة، وأخاف أَنه يرى رَأْي الْخَوَارِج.
فَإنَّا لنتحدث مَعَ مغيب الشَّمْس، ومعنا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، إِذْ دخل علينا رجل السجْن، فَقُلْنَا: يَا عبد الله، مَا قصتك، وأمرك؟
стр. 192
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَلَكِنِّي أخذت فِي رَأْي الْخَوَارِج، وَوَاللَّه، إِنَّه لرأي مَا رَأَيْته قطّ، وَلَا أحببته، وَلَا أَحْبَبْت أَهله، يَا هَؤُلَاءِ، ادعوا لي بِوضُوء، فدعونا لَهُ بِهِ، ثمَّ قَامَ فصلى أَربع رَكْعَات، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم، أَنِّي كنت على إساءتي وظلمي، وإسرافي على نَفسِي، لم أجعَل لَك ولدا، وَلَا شَرِيكا، وَلَا ندا، وَلَا كُفؤًا، فَإِن تعذب فَعدل، وَإِن تعف، فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك يَا من لَا تغلطه الْمسَائِل، وَلَا يشْغلهُ سمع عَن سمع، وَيَا من لَا يبرمه إلحاح الملحين، أَن تجْعَل لي فِي سَاعَتِي هَذِه، فرجا ومخرجا مِمَّا أَنا فِيهِ، من حَيْثُ أَرْجُو، وَمن حَيْثُ لَا أَرْجُو، وَخذ لي بقلب عَبدك الْحجَّاج، وسَمعه، وبصره، وَيَده وَرجله، حَتَّى لَا تخرجني فِي سَاعَتِي هَذِه، فَإِن قلبه، وناصيته بِيَدِك، يَا رب، يَا رب.
قَالَ: وَأكْثر، فوالذي لَا إِلَه غَيره، مَا انْقَطع دعاؤه، حَتَّى ضرب بَاب السجْن وَقيل أَيْن فلَان؟ فَقَامَ صاحبنا، فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، إِن تكن الْعَافِيَة، فوَاللَّه، لَا أدع الدُّعَاء لكم، وَإِن تكن الْأُخْرَى، فَجمع الله بَيْننَا وَبَيْنكُم، فِي مُسْتَقر رَحمته.
قَالَ: فَبَلغنَا من الْغَد، أَنه خلي سَبيله ٨٩
стр. 193
سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا كثير بن هِشَام، عَن الحكم بن هِشَام الثَّقَفِيّ، قَالَ: أخْبرت أَن رجلا أَخذ أَسِيرًا، فألقي فِي جب، وَأُلْقِي على رَأس الْجب صَخْرَة، فتلقن فِيهِ: قل: سُبْحَانَ الله الْحَيّ القدوس، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، فَأخْرج من غير أَن يكون أخرجه إِنْسَان.
стр. 194
يَا عَزِيز يَا حميد يَا ذَا الْعَرْش الْمجِيد
قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب، وَقد ذكر القَاضِي هَذَا الْخَبَر فِي كِتَابه، قَالَ:
حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَان الْحِمْيَرِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا بلج الْفَزارِيّ، قَالَ: أُتِي الْحجَّاج بن يُوسُف، بِرَجُل كَانَ جعل على نَفسه، إِن ظفر بِهِ، أَن يقْتله، قَالَ: فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، تكلم بِكَلَام، فخلى سَبيله.
فَقيل لَهُ: أَي شَيْء قلت؟ فَقَالَ: قلت: يَا عَزِيز، يَا حميد، يَا ذَا الْعَرْش الْمجِيد، اصرف عني مَا أُطِيق، وَمَا لَا أُطِيق، واكفني شَرّ كل جَبَّار عنيد.
стр. 195
دُعَاء النَّبِي صلوَات الله عَلَيْهِ فِي كل هم
١: ٢٦٥ ٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ عَلِيًّا ﵇، دُعَاءً يَدْعُو بِهِ فِي كُلِّ هَمٍّ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ، وَهُوَ: يَا كَائِنًا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، يَا مُكَوِّنَ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَا كَائِنًا بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، افْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا
стр. 196
الدُّعَاء الَّذِي خلص عَمْرو السَّرَايَا من العلج
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن عِيسَى، ابْن بنت دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الْحَارِث الْبَصْرِيّ، عَن عَمْرو السَّرَايَا، قَالَ: كنت أغير فِي بِلَاد الرّوم وحدي، فَبينا أَنا ذَات يَوْم نَائِم، إِذْ ورد عَليّ علج، فحركني بِرجلِهِ، فانتبهت.
فَقَالَ لي: يَا عَرَبِيّ، اختر، إِن شِئْت مسايفة، وَإِن شِئْت مطاعنة، وَإِن شِئْت مصارعة.
فَقلت: أما المسايفة والمطاعنة، فَلَا بَقينَا لَهما، وَلَكِن مصارعة، فَنزل، فَلم ينهنهني أَن صرعني، وَجلسَ على صَدْرِي، وَقَالَ: أَي قتلة تُرِيدُ أَن أَقْتلك؟ فَذكرت الدُّعَاء، فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء، فَقلت: أشهد أَن كل معبود مَا دون عرشك، إِلَى قَرَار الْأَرْضين، بَاطِل غير وَجهك الْكَرِيم، فقد ترى مَا أَنا فِيهِ، فَفرج عني، وأغمي عَليّ، فَأَفَقْت، فَرَأَيْت الرُّومِي قَتِيلا إِلَى جَانِبي.
قَالَ إِسْحَاق ابْن بنت دَاوُد، فَسَأَلت الْحَارِث الْبَصْرِيّ، عَن الدُّعَاء، فَقَالَ:
стр. 197
سَأَلت عَنهُ عَمْرو السَّرَايَا، فَقلت لَهُ: بِاللَّه يَا عَمْرو مَا قلت؟ قَالَ: قلت: اللَّهُمَّ رب إِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَرب جِبْرِيل، وَمِيكَائِيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالزَّبُور، وَالْقُرْآن الْعَظِيم، ادرأ عني شَره، فدرأ عني شَره.
قَالَ: إِسْحَاق ابْن بنت دَاوُد: فحفظته وَقلت أعلمهُ النَّاس، فَوَجَدته نَافِذا، وَهُوَ الْإِخْلَاص بِعَيْنِه.
стр. 198
تخلص من الْقَتْل بِدُعَاء دَعَا بِهِ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا جرير بن حَفْص، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد زِيَاد، فَأتي بِرَجُل يحمل، مَا يشك فِي قَتله، فحرك الرجل شَفَتَيْه بِشَيْء مَا نَدْرِي مَا هُوَ، فخلى سَبيله.
فَقلت للرجل: مَا قلت؟ قَالَ: قلت: اللَّهُمَّ رب إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب، وَرب جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل، ومنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان الْعَظِيم، ادرأ عني شَرّ زِيَاد، فدرأه عني.
стр. 199
هَارُون الرشيد يَأْمر بقتل فَتى علوي فينجيه الله تَعَالَى
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي عِيسَى بن عبد الْعَزِيز الظَّاهِرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله قَالَ: أَمر الرشيد بعض خدمه، فَقَالَ: إِذا كَانَ اللَّيْل، فصر إِلَى الْحُجْرَة الْفُلَانِيَّة، فافتحها، وَخذ من رَأَيْت فِيهَا، فأت بِهِ مَوضِع كَذَا وَكَذَا، من الصَّحرَاء الْفُلَانِيَّة، فَإِن ثمَّ قليبا محفورا، فارم بِهِ، وطمه بِالتُّرَابِ، وَليكن مَعَك فلَان الْحَاجِب.
قَالَ: فجَاء الْغُلَام إِلَى بَاب الْحُجْرَة، ففتحه، فَإِذا فِيهَا غُلَام كَالشَّمْسِ الطالعة، فجذبناه جذبا عنيفا.
فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ الله، فَأَنِّي ابْن رَسُول الله، فَالله، الله، أَن تلقي الله بدمي، فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْله، وَأخرجه إِلَى الْموضع.
فَلَمَّا أشرف الْفَتى على التّلف، وَشَاهد القليب، قَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّك على رد
стр. 200
مَا لم تفعل، أقدر مِنْك على رد مَا فعلت، فَدَعْنِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وامض لما أمرت بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ.
فَقَامَ الفتي، فَصلي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فيهمَا: يَا خَفِي اللطف، أَغِثْنِي فِي وقتي هَذَا، والطف بِي بلطفك الْخَفي.
فَلَا وَالله مَا استتم دعاءه، حَتَّى هبت ريح وغبرة، حَتَّى لم ير بَعضهم بَعْضًا، فوقعوا لوجوههم، وَاشْتَغلُوا بِأَنْفسِهِم عَن الْفَتى، ثمَّ سكنت الرّيح والغبرة، وطلبنا الْفَتى، فَلم يُوجد، وقيوده مرمية.
فَقَالَ الْحَاجِب لمن مَعَه: هلكنا وَالله، سيقع لأمير الْمُؤمنِينَ أَنا أطلقناه، فَمَاذَا نقُول لَهُ؟ إِن كذبناه لم نَأْمَن أَن يبلغهُ خبر الْفَتى فيقتلنا، وَلَئِن صدقناه، ليجعلن لنا الْمَكْرُوه.
فَقَالَ لَهُ الآخر: يَقُول الْحَكِيم: إِن كَانَ الْكَذِب يُنجي، فالصدق أَرْجَى وأنجى.
فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُم: مَا فَعلْتُمْ فِيمَا تقدّمت بِهِ إِلَيْكُم؟ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الصدْق أولى مَا اتبع فِي جَمِيع الْأُمُور، ومثلي لَا يجترئ أَن يكذب بحضرتك، وَإنَّهُ كَانَ من الْخَبَر كَيْت وَكَيْت.
فَقَالَ الرشيد: لقد تَدَارُكه اللطف الْخَفي، وَالله، لأجعلنها فِي مُقَدمَات دعائي، امْضِ لشأنك، واكتم مَا جرى.
стр. 201
يَا سامع كل صَوت يَا بارئ النُّفُوس بعد الْمَوْت
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو بن البخْترِي الْبَزَّاز، فِي جَامع الْمَنْصُور، فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفضل بن إِسْحَاق الدوري، عَن مُحَمَّد بن الْحسن، عَن أبي سَلمَة عبد الله مَنْصُور، قَالَ: حزن رجل حزنا شَدِيدا، على شَيْء لحقه، وَأمر أهمه وأقلقه، فألح فِي الدُّعَاء، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف: يَا هَذَا، قل: يَا سامع كل صَوت، يَا بارئ النُّفُوس بعد الْمَوْت، وَيَا من لَا تغشاه الظُّلُمَات، وَيَا من لَا يشْغلهُ شَيْء عَن شَيْء.
قَالَ: فَدَعَا بهَا، فَفرج الله عَنهُ، وَلم يسْأَل الله تِلْكَ اللَّيْلَة حَاجَة، إِلَّا أعطَاهُ.
стр. 202
لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن هَاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو، عَن أبي يحيى إِسْحَاق العدواني، قَالَ: كُنَّا بِإِزَاءِ آزرمهر، عِنْد مَدِينَة الكرج، وَقد زحف إِلَيْنَا فِي ثَمَانِينَ فيلا، فَكَادَتْ تنقض الصُّفُوف، وتشتت الْخُيُول، وَكَانَ أميرنا مُحَمَّد بن الْقَاسِم، فَنَادَى عمرَان بن النُّعْمَان أَمِير أهل حمص، وأمراء الأجناد، فنهضوا، فَمَا اسْتَطَاعُوا، فَلَمَّا أعيته الْأُمُور، نَادَى مرَارًا: لَا حول وَلَا قُوَّة
стр. 203
إِلَّا بِاللَّه، فكشف الله الفيلة، وسلط عَلَيْهَا الْحر، فأنضحها، فَفَزِعت إِلَى المَاء، فَمَا اسْتَطَاعَ سواسها، وَلَا أَصْحَابهَا، حَبسهَا، وحملت خَيْلنَا، وَكَانَ الْفَتْح بِإِذن الله تَعَالَى
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِم بن هَاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو، عَن الْأَشْيَاخ: أَن حبيب بن مسلمة كَانَ يسْتَحبّ إِذا لَقِي الْعَدو، أَو ناهض حصنا، أَن يَقُول: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
ثمَّ إِنَّه ناهض يَوْمًا حصنا، فَانْهَزَمَ الرّوم، وتحصنوا فِي حصن آخر لَهُم، أعجزه، فَقَالَهَا، فانصدع الْحصن.
стр. 204
الَّذِي كَفاك الأمس يَكْفِيك غدك
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: بَلغنِي أَن بعض الْمُلُوك، نفي وزيرا لَهُ، لموجدة وجدهَا عَلَيْهِ، فَاغْتَمَّ لذَلِك غما شَدِيدا، فَبينا هُوَ يسير، إِذْ أنْشدهُ رجل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
أحسن الظَّن بِرَبّ عودك ... حسنا أمس وَسوى أودك
إِن رَبًّا كَانَ يَكْفِيك الَّذِي ... كَانَ بالْأَمْس سيكفيك غدك
فَسرِّي عَن الوزيرٌ، وَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
стр. 205
لَا تيأسن كَأَن قد فرج الله
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن السراج، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي رَجَاء، مولى بني هَاشم، قَالَ: أصابني هم شَدِيد، لأمر كنت فِيهِ، فَرفعت مقْعدا لي، كنت جَالِسا عَلَيْهِ، فَإِذا برقعة مَكْتُوبَة فَنَظَرت فِيهَا، فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب:
يَا صَاحب الْهم إِن الْهم مُنْقَطع ... لَا تيأسن كَأَن قد فرج الله
قَالَ: فَذهب عني مَا كنت فِيهِ من الْغم، وَلم ألبث أَن فرج الله عني، فَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر.
كن للمكاره بالعزاء مقطعا
حَدثنِي أَبُو بكر الثَّقَفِيّ، قَالَ: قَالَ بَعضهم: أصابني هم ضقت بِهِ ذرعا، فَنمت، فَرَأَيْت كَأَن قَائِلا يَقُول:
كن للمكاره بالعزاء مقطعا ... فَلَعَلَّ يَوْمًا لَا ترى مَا تكره
ولربما ابتسم الوقور من الْأَذَى ... وضميره من حره يتأوه
стр. 206
الْوَزير مُحَمَّد بن الْقَاسِم يلاقي عَاقِبَة ظلمه
حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحسن، الشَّاهِد الْمَعْرُوف بالجراحي، من حفظه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن بن أبي الطَّاهِر مُحَمَّد بن الْحسن الْكَاتِب، صَاحب الْجَيْش، قَالَ: قبض عَليّ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عبيد الله، فِي أَيَّام وزارته للقاهر بِاللَّه، وعَلى أبي، فحبسنا فِي حجرَة ضيقَة، وأجلسنا على التُّرَاب، وشدد علينا، وَكَانَ يخرجنا فِي كل يَوْم، فَيُطَالب أبي بِمَال المصادرة، وأضرب أَنا بِحَضْرَة أبي، وَلَا يضْرب هُوَ، فلاقينا من ذَلِك أمرا شَدِيدا صعبا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، قَالَ: لي أبي: إِن هَؤُلَاءِ الموكلين، قد صَارَت لَهُم بِنَا حُرْمَة، فتوصل إِلَى مُكَاتبَة أبي بكر الصَّيْرَفِي، وَكَانَ صديقا لأبي - حَتَّى
стр. 207
ينفذ إِلَيْنَا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، نفرقها فيهم، فَفعلت ذَلِك، فأنفذ إِلَيْنَا بِالْمَالِ من يَوْمه.
فَقلت للموكلين، فِي عشي ذَلِك الْيَوْم: قد وَجَبت لكم علينا حُقُوق، فَخُذُوا هَذِه الدَّرَاهِم، فانتفعوا بهَا، فامتنعوا.
فَقلت: مَا سَبَب امتناعكم؟ فوروا عَن ذَلِك.
فَقلت: إِمَّا قبلتم، وَإِمَّا عرفتمونا السَّبَب الَّذِي لأَجله امتناعكم.
فَقَالُوا: نشفق عَلَيْكُم، ونستحي من ذَلِك.
فَقَالَ لَهُم أبي: اُذْكُرُوهُ على كل حَال.
قَالُوا: قد عزم الْوَزير على قتلكما اللَّيْلَة، وَلَا نستحسن أَخذ شَيْء مِنْكُمَا مَعَ هَذَا.
فقلقت، وَدخلت إِلَى أبي بِغَيْر تِلْكَ الصُّورَة، فَقَالَ: مَا لَك؟ فَأَخْبَرته بالْخبر، وَقلت لأبي: مَا أصنع بِالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ: ردهَا على أبي بكر، فرددتها عَلَيْهِ.
وَكَانَ أبي يَصُوم تِلْكَ الْأَيَّام كلهَا، فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس، تطهر، وَصلى الْمغرب، فَصليت مَعَه، وَلم يفْطر، ثمَّ أقبل على الصَّلَاة وَالدُّعَاء، إِلَى أَن صلى الْعشَاء الْآخِرَة، ثمَّ دَعَاني.
فَقَالَ: اجْلِسْ يَا بني إِلَى جَانِبي، جاثيا على ركبتك، فَفعلت، وَجلسَ هُوَ كَذَلِك.
ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: يَا رب، مُحَمَّد بن الْقَاسِم ظَلَمَنِي وحبسني على مَا ترى، وَأَنا بَين يَديك، وَقد استعديت إِلَيْك، وَأَنت أحكم الْحَاكِمين، فاحكم بَيْننَا، لَا يزِيد عَن ذَلِك.
стр. 208
ثمَّ صَاح بهَا إِلَى أَن ارْتَفع صَوته، وَلم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إِلَى أَن ظَنَنْت أَنه قد مضى ربع اللَّيْل.
فوَاللَّه مَا قطعهَا حَتَّى سَمِعت الْبَاب يدق، فَذهب عَليّ أَمْرِي، وَلم أَشك فِي أَنه الْقَتْل.
وَفتحت الْأَبْوَاب، فَدخل قوم بشموع، فتأملت، وَإِذا فيهم سَابُور، خَادِم القاهر، فَقَالَ: أَيْن أَبُو طَاهِر؟ فَقَامَ إِلَيْهِ أبي، فَقَالَ: هَا أنذا.
فَقَالَ: أَيْن ابْنك؟ فَقَالَ: هوذا.
فَقَالَ: انصرفا إِلَى منزلكما، فخرجنا، فَإِذا هُوَ قد قبض على مُحَمَّد بن الْقَاسِم، وحدره إِلَى دَار القاهر.
وعاش مُحَمَّد بن الْقَاسِم فِي الاعتقال ثَلَاثَة أَيَّام، وَمَات.
стр. 209
طَاهِر بن الْحُسَيْن يحمل الدَّرَاهِم فِي كمه ويفرقها على الْفُقَرَاء
لما خرج طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى محاربة عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، جعل ذَات يَوْم فِي كمه دَرَاهِم، يفرقها فِي الْفُقَرَاء، ثمَّ سَهَا عَنْهَا، فأرسلها، فتبددت، فتطير بذلك، واغتم غما شَدِيدا، حَتَّى تبين فِي وَجهه، فأنشده شَاعِر كَانَ فِي عسكره:
هَذَا تفرق جمعهم لَا غَيره ... وذهابه مِنْكُم ذهَاب الْهم
شَيْء يكون الْهم بعض حُرُوفه ... لَا خير فِي إِمْسَاكه فِي الْكمّ
قَالَ: فسلا طَاهِر، وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
стр. 210
الْهَادِي يتهدد يحيى الْبَرْمَكِي ويتوعده بِكُل عَظِيمَة
انْصَرف يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، من عِنْد الْهَادِي، وَقد ناظره فِي تسهيل خلع الْعَهْد على هَارُون، فَحلف لَهُ يحيى أَنه فعل، وَجهد فِيهِ، فَامْتنعَ عَلَيْهِ هَارُون.
فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: كذبت، وَوَاللَّه لَأَفْعَلَنَّ بك وأصنعن، وتوعده بِكُل عَظِيمَة، وَصَرفه.
فجَاء إِلَى بَيته، فَكلم بعض غلمانه بِشَيْء، فَأَجَابَهُ بِمَا غاظه، فَلَطَمَهُ يحيى، فَانْقَطَعت حَلقَة خَاتمه، وطاح الفص، فَاشْتَدَّ ذَلِك على يحيى، وَتَطير مِنْهُ، واغتم، فَدخل عَلَيْهِ السياري الشَّاعِر، وَقد أخبر بالقصة، فأنشده فِي الْحَال:
стр. 211
أخلاك من كل الهموم سُقُوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الْخَاتم
قد كَانَ ضَاقَ ففك حَلقَة ضيقه ... فاصبر فَمَا ضيق الزَّمَان بدائم
قَالَ: فَمَا أَمْسَى حَتَّى ارْتَفَعت الواعية بِمَوْت مُوسَى الْهَادِي، وَصَارَ الْأَمر إِلَى هَارُون الرشيد، فَأعْطَاهُ مائَة ألف دِرْهَم.
стр. 212
مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج يَمُوت وَهُوَ على صهوه جَوَاده
قَالَ أَبُو عَليّ القنائي، قَالَ لي جدي: بكرت يَوْمًا إِلَى مُوسَى بن عبد الْملك، وَحضر دَاوُد بن الْجراح، فَوقف إِلَى جَانِبي، فَقَالَ لي: كَانَ لي أمس خبر طريف، انصرفت من عِنْد مُوسَى بن عبد الْملك، فَوجدت فِي منزلي امْرَأَة من شرائف النِّسَاء، فشكته إِلَيّ، وَقَالَت: قد حاول أَن يَأْخُذ ضيعتي الْفُلَانِيَّة، وَأَنت تعلم أَنَّهَا عمدتي فِي معيشتي، وَأَن فِي عنقِي صبية أيتاما، فَأَي شَيْء تدبر فِي أَمْرِي، أَو تُشِير عَليّ؟ .
стр. 213
فَقلت: من مَعَك وَرَاء السّتْر؟ فَقَالَت: مَا معي أحد.
فَقلت: أما التَّدْبِير فِي أَمرك، فَمَا لي فِيهِ حِيلَة، وَأما المشورة، فقد قَالَ النبطي: لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل السوء، فَإِن الرجل السوء يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى، فدعَتْ لي، وانصرفت.
فَمَا انْقَضى كَلَامه، حَتَّى خرج مُوسَى، فَقَالَ لدواد: يَا أَبَا سُلَيْمَان، لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل الرَّدِيء، فَإِنَّهُ يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى.
فَقَالَ لي دَاوُد: أسمعت؟ هَذَا وَالله الْمَوْت، أَيْن أهرب؟ أَيْن أمضي؟ مَا آمنهُ وَالله على نَفسِي، وَلَا على نعمتي، فأشر عَليّ بِمَا أصنع، قبل نَفاذ طريقنا، ونزولنا مَعَه إِلَى الدِّيوَان.
فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي.
فَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي أمره، وشره، وضره، فَإنَّك تعلم قصتي، وَأَنِّي مَا أردْت بِمَا قلت إِلَّا الْخَيْر، وَاشْتَدَّ قلقه وبكاؤه ودعاؤه.
وقربنا من الدِّيوَان، فَقَالَ مُوسَى، وَهُوَ على دَابَّته: مَتى حدث هَذَا الْجَبَل الْأسود فِي طريقنا؟ وَمَال على سَرْجه حَتَّى سقط، وأسكت.
فَحمل إِلَى منزله، وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
стр. 214
يَا ذَا الْعَرْش اصْنَع كَيفَ شِئْت فَإِن أرزاقنا عَلَيْك
ذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه: قَالَ: أَبُو سعيد، وَأَنا أَحْسبهُ يَعْنِي الْأَصْمَعِي: نزلت بحي من كلب مجدبين، قد توالت عَلَيْهِم السنون، فَمَاتَتْ الْمَوَاشِي، ومنعت الأَرْض من إِخْرَاج النَّبَات، وَأَمْسَكت السَّمَاء قطرها، فَجعلت أنظر إِلَى السحابة ترْتَفع من نَاحيَة الْقبْلَة سَوْدَاء مُتَقَارِبَة، حَتَّى تطبق الأَرْض، فيتشوف لَهَا أهل الْحَيّ ويرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ، ثمَّ يعدلها الله عَنْهُم مرَارًا.
فَلَمَّا كثر ذَلِك، خرجت عَجُوز مِنْهُم، فعلت نشزا من الأَرْض، ثمَّ نادت بِأَعْلَى صَوتهَا: يَا ذَا الْعَرْش، اصْنَع كَيفَ شِئْت فَإِن أرزاقنا عَلَيْك.
فَمَا نزلت من وَضعهَا، حَتَّى تغيمت السَّمَاء غيما شَدِيدا، وأمطروا مَطَرا كَاد أَن يغرقهم، وَأَنا حَاضر.
стр. 215
يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج وخليفته فِي الظُّلم وَالْبَغي
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: وَجه سُلَيْمَان بن عبد الْملك، حِين ولي الْخلَافَة، مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى الْعرَاق، فَأطلق أهل السجون، وَقسم الْأَمْوَال، وضيق على يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج، فظفر بِهِ يزِيد بأفريقية لما وَليهَا فِي شهر رَمَضَان عِنْد الْمغرب، وَفِي يَده عنقود عِنَب.
فَجعل مُحَمَّد يَقُول: اللَّهُمَّ احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الْفُقَرَاء.
следующие страницы →