← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فَجَلَسَ، وأكب مُوسَى على الْكتاب يتشاغل بِهِ عَن خطاب عتاب، وَأصَاب عتاب برد المروحة والخيش، فَنَامَ واستثقل. وَكَانَ عتاب قد أخرج التوقيع حِين جلس، فَوَضعه على دَوَاة مُوسَى، فغمز مُوسَى بعض غلمانه فَأخذ الْكتاب فغيبه. وَمَا زَالَ عتاب ينَام مرّة وينتبه أُخْرَى، ومُوسَى يعْمل، إِلَى أَن اتقضت الهاجرة، وَقد توجه لمُوسَى بعض المَال، وأنفذ أَصْحَابه لقبضه. فَقَالَ لَهُ عتاب: انْظُر فِيمَا جِئْنَا لَهُ. قَالَ: قل أصلحك الله فيمَ جِئْت؟ قَالَ: فِيمَا تضمن التوقيع. قَالَ: وَأي توقيع؟ قَالَ: الَّذِي أوصلته إِلَيْك من أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَتى؟ قَالَ: السَّاعَة وَضعته على الدواة. فَقَالَ لَهُ: قد نمت نومان، وأظن أَنَّك رَأَيْت فِي نومك شَيْئا. فَطلب عتاب التوقيع، فَلم يجده، فَقَالَ: سرق وَالله التوقيع، يَا أَصْحَاب الْأَخْبَار، اكتبوا. فَقَالَ مُوسَى: يَا أَصْحَاب الْأَخْبَار، اكتبوا، كذب فِيمَا ادَّعَاهُ، مَا أوصل إِلَيّ توقيعا، وَأَنْتُم حاضرون، فَهَل رَأَيْتُمُوهُ أوصل إِلَى توقيعا؟ قُم فَانْظُر لَعَلَّك يَا أَبَا مُحَمَّد ضيعت التوقيع فِي طريقك. فَانْصَرف عتاب إِلَى عبيد الله فَأخْبرهُ بذلك.

стр. 317

فَدخل عبيد الله إِلَى المتَوَكل، فحدثه، فَضَحِك، وَقَالَ: أحضروا مُوسَى السَّاعَة، فَحَضَرَ. فَقَالَ لَهُ المتَوَكل: يَا مُوسَى، سرقت التوقيع من عتاب؟ قَالَ: إِي وَالله يَا سَيِّدي خمنت أَن فِيهِ مَكْرُوها، ونام عتاب من قبل أَن يوصله إِلَيّ، فَأمرت من سَرقه، وَقد أَعدَدْت نصف المَال، والساعة أحملهُ إِلَى صَاحب بَيت مَال الْخَاصَّة، وأحمل الْبَاقِي بعد خَمْسَة أَيَّام، وأتبع ذَلِك بتضرع. فأنفذ المتَوَكل مَعَه من قبض مِنْهُ ذَلِك، وَانْصَرف وَقد رَضِي عَنهُ.

стр. 318

صَاحب الشرطة لَا يصلح أَن يكون نديما للخليفة دَعَا الواثق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي إِلَى منادمته، فَامْتنعَ، فتلاحيا فِي ذَلِك، إِلَى أَن تغير الواثق على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَأمر بحجبه عَنهُ. فَكتب إِلَيْهِ إِسْحَاق: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو أطلقتني الحشمة الَّتِي عقد بهَا لساني عَن الانبساط لتغيره عَليّ، لَقلت: مَا لي فِيمَا عقده عَليّ قلب أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَنْب، إِذْ كَانَ يوقيني من امتهان الْعَامَّة إيَّايَ. فَرمى الواثق كِتَابه إِلَى ابْن أبي دؤاد. فَقَالَ لَهُ ابْن أبي دؤاد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا على من كَانَت هَذِه همته فِيمَا يرد على أَمِير الْمُؤمنِينَ عيب، وَهُوَ يجد من إِسْحَاق عوضا فِي المنادمة، وَلَا يجد مِنْهُ عوضا فِي شرطته. فَرضِي عَنهُ الواثق، وأعفاه من المنادمة، وَمنع من حجبه، وأجراه على رسمه، وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.

стр. 319

الرشيد يرضى عَن نصر بن مَالك لما عزل الرشيد نصر بن مَالك، بسعي البرامكة، أمره أَن يلْزم بَيته، وَلَا يخرج مِنْهُ، فَكتب إِلَى الرشيد: قد قبضني سوء رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي، عَن الِاعْتِذَار بِحجَّة، أَو نشر دلَالَة تنبئ بِخِلَاف مَا قرفت بِهِ عِنْده، فَمَا أهتدي إِلَى وَجه طلب الِاعْتِذَار، وَمَا يجرأني على الْإِبَانَة عَمَّا لَا أعلمهُ إِلَّا حسن رَأْيه أعزه الله، واطلاعه على قلقي بضميره، فَإِنِّي عبد نعْمَته، وغذي إحسانه، إِن أسبغا عَليّ، وَفِي شكري لَهما، وَإِن أزيلا عني، اعتصمت مِنْهُمَا الرُّجُوع إِلَى الْحُرْمَة، وَلُزُوم فَائِدَة يتطول بهَا عَليّ، من تطول على أَمِير الْمُؤمنِينَ برد مِيرَاثه من الْخلَافَة عَلَيْهِ. فَوَقع الرشيد على ظهر رقعته: نصر بن مَالك، أولى من ردَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَة، إِذا كَانَ معترفا بسمتها، وبالغا بالشكر حق قيمتهَا، فَمَا شكرني أحد من أوليائي كشكره، فليهنه مَا أوليناه من رَأينَا، ومنحناه من برنا. وَأظْهر الرِّضَا عَنهُ، وولاه ولَايَة أخرجه إِلَيْهَا.

стр. 320

بَين الْحجَّاج ويوسف بن عبد الله بن عُثْمَان ذكر أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، عَن ابْن أبي عقبَة، عَن أَبِيه، قَالَ: لما أَمن الْحجَّاج النَّاس، أَتَاهُ يُوسُف بن عبد الله بن عُثْمَان، وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان قد كتب لَهُ أَمَانًا. فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: ثكلتك أمك. قَالَ: وَأبي مَعَ أُمِّي. قَالَ: أَيْن ألقتك الأَرْض بعدِي؟ قَالَ: مَا قُمْت مقَاما، مُنْذُ لم ترني، أوسع من مقَام قمته السَّاعَة، إِن الله استعملك علينا، فأبينا، فأبي علينا، فَعَفَا عَنهُ. فَقَالَ الفرزدق ذَلِك: وَلَو لم ينل حَبل الْخَلِيفَة يوسفا ... لمج نجيعا من دم الْجوف أحمرا

стр. 321

بَين زِيَاد وَأحد قعدة الْخَوَارِج وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: أرسل زِيَاد إِلَى رجل من قعدة الْخَوَارِج، من بني تَمِيم، فاستدعاه، فَأَتَاهُ خَائفًا. فَقَالَ لَهُ زِيَاد: مَا مَنعك من إتياني؟ فَقَالَ لَهُ: قدمت علينا، فَقلت لَا أعدكم خيرا وَلَا شرا إِلَّا وفيت بِهِ وأنجزته، وَقلت: من كف يَده وَلسَانه لم أعرض لَهُ، فكففت يَدي ولساني، وَجَلَست فِي بَيْتِي، فَأمر لَهُ بصلَة، فَخرج وَالنَّاس لَا يَشكونَ فِي أَنه يقْتله. فَقَالُوا لَهُ: مَا قَالَ لَك الْأَمِير؟ فَقَالَ: مَا كلكُمْ أَسْتَطِيع أَن أخبرهُ بِمَا كَانَ بَيْننَا، وَلَكِنِّي وصلت إِلَى رجل لَا يملك لنَفسِهِ ضرا وَلَا نفعا، فرزق الله مِنْهُ خيرا.

стр. 322

الْحجَّاج يحبس رجلا لِأَنَّهُ شكا إِلَيْهِ أَخَاهُ مُحَمَّدًا عَامل الْيمن وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: قدم رجل من أهل الْيمن، على الْحجَّاج، يشكو أَخَاهُ، مُحَمَّد بن يُوسُف، فصادف الْحجَّاج على الْمِنْبَر، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَشَكا أَخَاهُ مُحَمَّدًا، فَأمر بِهِ الْحجَّاج، فحبس. فَلَمَّا نزل عَن الْمِنْبَر، استدعاه وَهُوَ متغيظ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا جرأك على أَن ترفع على أخي؟ فَقَالَ لَهُ: أَنا بِاللَّه، أعز من أَخِيك بك. فَقَالَ الْحجَّاج: خلوا سَبيله.

стр. 323

الْحجَّاج يَأْمر بتعذيب آزاد مرد وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، عَن أبي المضرحي، وَقد وجدته أَنا، فِي غير مَوضِع، عَن الْمَدَائِنِي، بِمَا يقرب من هَذِه الْعبارَة: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي، عَن الزبير، قَالَ: أَمر الْحجَّاج مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر بن الأجدع الْهَمدَانِي، ابْن أخي مَسْرُوق، أَن يعذب آزاد مرد بن الفرند، فَأَخذه مُحَمَّد. فَقَالَ لَهُ آزاد مرد: أرى لَك يَا مُحَمَّد، شرفا، ودينا، وَإِنَّا من أهل بَيت لَا نعطي على الذل شَيْئا، فارفق بِي، وَاسْتَأْذَنَ فِي. فَقَالَ: أفعل. فرفهه مُحَمَّد، وأكرمه، فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَيْهِ، فِي كل جُمُعَة، ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم. فَغَضب الْحجَّاج، وَأمر معد، صَاحب الْعَذَاب، أَن يَأْخُذهُ من مُحَمَّد، فَأَخذه معد من مُحَمَّد، فَعَذَّبَهُ، ودق يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، فَلم يُعْطه شَيْئا. فَقَالَ مُحَمَّد: فَإِنِّي لأسير، بعد ثَلَاثَة أَيَّام، إِذا بِهِ مُعْتَرضًا على بغل، مدقوق الْيَد وَالرجل.

стр. 324

فصاح بِي: يَا مُحَمَّد. فَكرِهت أَن آتيه، فَيبلغ الْحجَّاج، فأقع مَعَه فِي مَكْرُوه، ثمَّ تذممت أَن لَا أدنو مِنْهُ، فدنوت. فَقلت: حَاجَتك؟ فَقَالَ: إِنَّك وليت مني مثل هَذَا، فأحسنت، ولي عِنْد فلَان مائَة ألف دِرْهَم، فَخذهَا مِنْهُ برسالتي إِلَيْهِ. فَقلت: وَالله، لَا أخذت مِنْك شَيْئا، وَأَنت على هَذِه الْحَال. فَقَالَ: أما إِذْ أَبيت، فاستمع مني، أحَدثك حَدِيثا سمعته من أهل دينك، عَن نبيك، سمعتهم يَقُولُونَ، إِنَّه قَالَ: إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بالعباد خيرا، أمطرهم الْمَطَر فِي أَوَانه، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم خيارهم، وَجعل المَال فِي سمحائهم، وَإِذا أَرَادَ بهم شرا، أمطرهم الْمَطَر فِي غير أَوَانه وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شرارهم، ومول بخلاءهم، ثمَّ مضى. وأتيت منزلي، فَمَا وضعت ثِيَابِي حَتَّى أَتَانِي رَسُول الْحجَّاج، وَقد بلغه مَا جرى. فخفته خوفًا شَدِيدا، وَوَقعت فِي أَمر عَظِيم، فَأَتَيْته وَقد اخْتَرَطَ سَيْفه، وَهُوَ فِي حجره منتضى. فَقَالَ لي: ادن. فَقلت: مَا بِي دنو، وَفِي حجر الْأَمِير السَّيْف. فَضَحِك، وَقَالَ: مَا قَالَ لَك الْخَبيث؟ فَقلت لَهُ: وَالله مَا غششتك مُنْذُ استنصحتني، وَلَا خنتك مُنْذُ ائتمنتني، وَلَا كذبتك مذ صدقتني، وأخبرته بِمَا قَالَ. فَلَمَّا أردْت ذكر الرجل الَّذِي عِنْده المَال، صرف وَجهه عني، وَقَالَ: لَا تسمه، لقد سمع عَدو الله الْأَحَادِيث، انْصَرف راشدا. فَانْصَرَفت آمنا، وَقد زَالَ خوفي.

стр. 325

الْمَأْمُون يرضى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي حَدثنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، وَالْحُسَيْن بن يحيى، عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي، عَن أَبِيه، قَالَ: أَبُو الْفرج، وَأَخْبرنِي يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، عَن أَبِيه، عَن إِسْحَاق، قَالَ: أَقَامَ الْمَأْمُون بعد دُخُوله بَغْدَاد عشْرين شهرا، وَلم يسمع حرفا من الأغاني، ثمَّ كَانَ أول من تغنى بِحَضْرَتِهِ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أول مرّة، ثمَّ واظب على السماع متسترا، متشبها بالرشيد فِي أول أمره، فَأَقَامَ الْمَأْمُون كَذَلِك أَربع سِنِين، ثمَّ ظهر للندماء والمغنين. قَالَ: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: وَكَانَ حِين أحب السماع، سَأَلَ عني، فجرحت بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ الطاعن عَليّ: مَا يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي رجل يتيه على الْخُلَفَاء، مَا بَقِي هَذَا من التيه شَيْئا إِلَّا اسْتَعْملهُ. فَأمْسك عَن ذكري، وجفاني من كَانَ يصلني لسوء رَأْيه فِي، فأضر ذَلِك بِي، حَتَّى جَاءَنِي عُلْوِيَّهُ يَوْمًا، فَقَالَ لي: أتأذن لي فِي ذكرك

стр. 326

بِحَضْرَة الْمَأْمُون، فَإنَّا قد دعينا الْيَوْم. فَقلت: لَا، وَلَكِن غنه بِهَذَا الشّعْر، فَإِنَّهُ يَبْعَثهُ على أَن يَسْأَلك لمن هُوَ؟ فَإِذا سَأَلَك انْفَتح لَك مَا تريده، وَكَانَ الْجَواب أسهل عَلَيْك من الِابْتِدَاء. قَالَ: هَات، فألقيت عَلَيْهِ لحني فِي شعري: يَا سرحة المَاء قد سدت موارده ... أما إِلَيْك طَرِيق غير مسدود لحائم حام حَتَّى لَا حيام بِهِ ... مشرد عَن طَرِيق المَاء مطرود قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: والغناء فِيهِ لإسحاق الْموصِلِي، رمل بالوسطى، عَنهُ، وَعَن عَمْرو بن بانة. رَجَعَ الحَدِيث، قَالَ: فَمضى عُلْوِيَّهُ، فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْمجْلس، غناهُ بالشعر، الَّذِي أمره بِهِ إِسْحَاق. فَقَالَ الْمَأْمُون: وَيلك يَا عُلْوِيَّهُ، لمن هَذَا الشّعْر؟ . فَقَالَ: يَا سَيِّدي لعبد من عبيدك، جفوته، واطرحته، من غير ذَنْب. فَقَالَ: إِسْحَاق تَعْنِي؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: يحضر السَّاعَة. قَالَ إِسْحَاق: فَجَاءَنِي رَسُول الْمَأْمُون، فصرت إِلَيْهِ، فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ استدناني، فدنوت مِنْهُ، فَرفع يَدَيْهِ إِلَيّ مادهما، فانكببت عَلَيْهِ، فاحتضنني بيدَيْهِ، وَأظْهر من بري وإكرامي، مَا لَو أظهره صديق مؤانس لصديق، لسر بِهِ.

стр. 327

وَقد ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد، وبأقل من هَذَا الشَّرْح، والمعني مُتَقَارب.

стр. 328

الْبَاب الْخَامِس من خرج من حبس أَو أسر واعتقال إِلَى سراح وسلامة وَصَلَاح حَال رَسُول الله يمن على هوَازن وَيُطلق لَهُم أَسْرَاهُم وَيرد عَلَيْهِم مَا غنم مِنْهُم ٢: ٥ ٥٠ - حَدَّثَنَا الأَمِيرُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَمِيرُ أَبُو النَّجْمِ بَدْرٌ الْكَبِيرُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَمَامِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ الْجُشَمِيُّ

стр. 329

مِنْ قُوَّادِ فِلَسْطِينَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ زِيَادُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الرَّمَّاحِيِّ، وَكَانَتْ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَهُوَ يَصْعَدُ يَلْقُطُ التِّينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَرْوَلٍ زُهَيْرَ بْنَ صُرَدٍ الْجُشَمِيَّ، يَقُولُ: أَسَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَيَوْمَ هَوَازِنَ، وَذَهَبَ يُفَرِّقُ الْسَّبْيَ، فَقُمْتُ، فَأَنْشَدْتُهُ: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرُ ... مُفَرِّقٌ شَمْلَهَا فِي دَارِهَا غِيَرُ أَبْقَتْ لَنَا الْحَرْبُ هتافًا عَلَى حُزْنٍ ... عَلَى قُلُوبِهِمُ الْغمَّاءُ وَالْغمرُ إِنْ لَمْ تُدَارِكْهُمْ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ إِذْ أَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يَرِيبُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذرُ لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ ... وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زهرُ

стр. 330

إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنَّعْمَاءِ إِذْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ يَا خَيْرَ مَنْ مَرِحَتْ كُمْتُ الْجِيَادِ بِهِ ... عَنِ الْهِيَاجِ إِذَا مَا اسْتُوقِدَ الشَّرَرُ فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ... مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهِرُ إِنَّا نُؤَمَّلُ عَفْوًا مِنْكَ تُلْبِسُهُ ... هَذِي الْبَرِيَّةَ إِذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ عَفْوًا عَفَا اللَّهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يُهْدَى لَكَ الظَّفَرُ قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الشِّعْرَ، قَالَ: «مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ» . فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَأَطْلَقَهُمْ جَمِيعًا ٢: ٧ وَحَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِالأَثْرَمِ، الْمُقْرِئُ الْخَيَّاطُ الْبَغْدَادِيُّ، بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:

стр. 331

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ هَوَازِنَ مَا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ، أَدْرَكَتْهُ هَوَازِنُ بِالْجِعْرَانَةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَا فِي الْحَظَائِرِ مِنَ النِّسَاءِ، خَالاتُكَ، وَعَمَّاتُكَ، وَحَوَاضِنُكَ اللاتِي تَكَفَّلْنَكَ، وَلَوْ أَنَّا مَالَحْنَا ابْنَ أَبِي شِمْرٍ، أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ أَصَابَنَا مِثْلَ الَّذِي أَصَابَنَا مِنْكَ، رَجَوْنَا عَائِدَتَهُمَا، وَعَطْفَهُمَا، وَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا قَالَهَا، وَذَكَرَ مِنَ الأَبْيَاتِ ثَمَانِيَةً، فَقَالَ فِي الأَوَّلِ: وَنَدَّخِرُ، وَقَالَ فِي الثَّانِي: مُمَزِّقٌ، وَقَالَ فِي الثَّالِثِ: نَهَّافًا، وَقَالَ فِي السَّادِسِ: نَعَامَتُهُمْ، وَقَالَ فِي السَّابِعِ: إِنَّا لَنَشْكُرُ آلَاء وَإِنْ كُفِرَتْ

стр. 332

الْوَزِيرُ الْقَاسِمُ يَعْتَقِلُ ثَلاثَةَ أُمَرَاءَ عَبَّاسِيِّينَ أخبرنَا أَبُو بكر الصولي، قَالَ: كَانَ الْقَاسِم بن عبيد الله، قد تقدم عِنْد وَفَاة المعتضد، إِلَى صَاحب الشرطة مؤنس الخازن، أَن يُوَجه إِلَى قصي بن الْمُؤَيد , وَعبد الْعَزِيز بن الْمُعْتَمد،

стр. 333

وَعبد الله بن المعتز، فيحبسهم فِي دَار، ويوكل بهم، فَفعل ذَلِك، وَكَانُوا محبوسين خَائِفين، إِلَى أَن قدم المكتفي بَغْدَاد فَعرف خبرهم، فَأمر بإطلاقهم، وَوصل كل وَاحِد مِنْهُم بِأَلف دِينَار. قَالَ: فَحَدثني عبد الله بن المعتز، قَالَ: سهرت فِي اللَّيْلَة الَّتِي فِي صبيحتها دخل المكتفي إِلَى بَغْدَاد، فَلم أنم، خوفًا على نَفسِي، وقلقا لوروده، فمرت بِي فِي السحر طير، فصاحت، فتمنيت أَن أكون مخلى مثلهَا، لما جرى عَليّ من النكبات. ثمَّ فَكرت فِي نعم الله تَعَالَى عَليّ، وَمَا خاره لي من الْإِسْلَام والقرابة من رَسُول الله ﷺ ، وَمَا أؤمله من الْبَقَاء الدَّائِم فِي الْآخِرَة فَقلت: يَا نفس صبرا لَعَلَّ الْخَيْر عقباك ... خانتك من بعد طول الْأَمْن دنياك مرت بِنَا سحرًا طير فَقلت لَهَا ... طوباك يَا لَيْتَني إياك طوباك لَكِن هُوَ الدَّهْر فالقيه على حذر ... فَرب مثلك ينزو تَحت أشراك

стр. 334

البحتري وَأَبُو معشر يؤصلان عِنْد المعتز أصلا حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم سُلَيْمَان بن الْحسن بن مخلد، قَالَ: لما أنفذ أبي إِلَى مصر، اجتذبت أَبَا عبَادَة البحتري، وَأَبا معشر المنجم، وَكنت آنس بهما فِي وَحْدَتي، وملازمتي الْبَيْت، فَكَانَا أَكثر الْأَوْقَات عِنْدِي، يحادثاني ويعاشراني. فحدثاني يَوْمًا: إنَّهُمَا أضاقا إضاقة شَدِيدَة، وَكَانَا مصطحبين، فَعَن لَهما أَن يلقيا المعتز بِاللَّه، وَهُوَ مَحْبُوس، فيتوددان إِلَيْهِ ويؤصلان

стр. 335

عِنْده أصلا، فتوصلا إِلَيْهِ، حَتَّى لقيَاهُ فِي حَبسه. قَالَ البحتري: فَأَنْشَدته أبياتي الَّتِي كنت قلتهَا فِي مُحَمَّد بن يُوسُف الثغري، لما حبس، وخاطبت بهَا المعتز، كَأَنِّي عملتها لَهُ فِي الْحَال، وَهِي: جعلت فدَاك الدَّهْر لَيْسَ بمنفك ... من الْحَادِث المشكو والنازل المشكي وَمَا هَذِه الْأَيَّام إِلَّا منَازِل ... فَمن منزل رحب وَمن منزل ضنك وَقد هذبتك الحادثات وَإِنَّمَا ... صفا الذَّهَب الإبريز قبلك بالسبك أما فِي رَسُول الله يُوسُف أُسْوَة ... لمثلك مَحْبُوسًا على الظُّلم والإفك أَقَامَ جميل الصَّبْر فِي السجْن بُرْهَة ... فآل بِهِ الصَّبْر الْجَمِيل إِلَى الْملك على أَنه قد ضيم فِي حَبسك العلى ... وَأصْبح عز الدَّين فِي قَبْضَة الشّرك

стр. 336

قَالَ: فَأخذ الرقعة الَّتِي فِيهَا الأبيات، فَدَفعهَا إِلَى خَادِم كَانَ وَاقِفًا على رَأسه، وَقَالَ لَهُ: احتفظ بِهَذِهِ الرقعة، فَإِن فرج الله عني، فأذكرني بهَا، لأقضي حق هَذَا الرجل الْحر. وَقَالَ لي أَبُو معشر: وَقد كنت أَنا أخذت مولده، وَوقت عقد لَهُ الْعَهْد، وَوقت عقدت الْبيعَة للمستعين بالخلافة، فَنَظَرت فِي ذَلِك، وصححت الحكم للمعتز بالخلافة بعد فتْنَة تجْرِي وحروب، وحكمت على المستعين بِالْقَتْلِ، فَسلمت ذَلِك إِلَى المعتز، وانصرفنا. وَضرب الزَّمَان ضربه، وَصَحَّ الحكم بأسره. قَالَ أَبُو معشر: فَدخلت أَنا والبحتري جَمِيعًا إِلَى المعتز، وَهُوَ خَليفَة، بعد خلع المستعين وتغريقه، فَقَالَ لي: لم أنسك، وَقد صَحَّ حكمك، وَقد أجريت لَك فِي كل شهر مائَة دِينَار، وَثَلَاثِينَ دِينَارا نزلا، وجعلتك رَئِيس المنجمين فِي دَار الْخلَافَة، وَأمرت لَك عَاجلا بِإِطْلَاق ألف دِينَار صلَة، فقبضت ذَلِك كُله فِي يومي.

стр. 337

وَقَالَ لي البحتري: وَتَقَدَّمت أَنا، فأنشدت المعتز قصيدة مدحته بهَا، وهنأته بالخلافة، وهجوت المستعين، أَولهَا: يجانبنا فِي الْحبّ من لَا نجانبه ... وَيبعد عَنَّا فِي الْهوى من نقاربه فَلَمَّا بلغت فِيهَا إِلَى قولي، والمعتز يستمع: فَكيف رَأَيْت الْحق قر قراره ... وَكَيف رَأَيْت الظُّلم آلت عواقبه وَلم يكن المعتز بِاللَّه إِذْ سرى ... ليعجز والمعتز بِاللَّه طَالبه رمى بالقضيب عنْوَة وَهُوَ صاغر ... وعري من برد النَّبِي مناكبه وَقد سرني أَن قيل وَجه غاديا ... إِلَى الشرق تحدى سفنه وركائبه إِلَى وَاسِط حَيْثُ الدَّجَاج وَلم تكن ... لتنشب إِلَّا فِي الدَّجَاج مخالبه فاستعادني هَذِه الأبيات مرَارًا، فأعدتها عَلَيْهِ، فَدَعَا الْخَادِم الَّذِي كَانَ مَعَه فِي الْحَبْس، وَطلب مِنْهُ الرقعة الَّتِي كنت أنشدته الشّعْر الَّذِي كَانَ فهيا، فِي حَبسه، فَأحْضرهُ إِيَّاهَا بِعَينهَا. فَقَالَ: قد أمرت لَك بِكُل بَيت مِنْهَا بِأَلف دِينَار، وَكَانَت سِتَّة أَبْيَات، فَأخذت سِتَّة آلَاف دِينَار. ثمَّ قَالَ لي: كَأَنِّي بك، وَقد بادرت، فاشتريت مِنْهَا جَارِيَة، وَغُلَامًا، وفرسا، وأتلفت المَال، لَا تفعل، فَإِن لَك فِيمَا تستأنفه مَعنا من أيامك، وَمَعَ

стр. 338

وزرائنا وأسبابنا، إِذا عرفُوا موضعك عندنَا، غناء عَن ذَلِك، وَلَكِن افْعَل بِهَذَا المَال كَمَا فعل ابْن قيس الرقيات بِالْمَالِ الَّذِي أعطَاهُ عبد الله بن جَعْفَر، وَاشْترى بِهِ ضَيْعَة، فاشتر أَنْت أَيْضا بِهِ ضَيْعَة تنْتَفع بغلتها، وَيبقى عَلَيْك وعَلى ولدك أَصْلهَا. فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، وَخرجت فاشتريت بِالْمَالِ ضَيْعَة جليلة بمنبج، ثمَّ ارْتَفَعت حَالي مَعَه وزادت.

стр. 339

أَبُو سعيد الثغري يعتقل ويعذب قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وللبحتري فِي هَذِه الأبيات الكافية، خبر آخر حسن، نذكرهُ لِأَنَّهُ أَيْضا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب، أَخْبرنِي أَبُو بكر الصولي إجَازَة، ونقلته من خطه، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن إِبْرَاهِيم القنوي، قَالَ: طُولِبَ أَبُو سعيد الثغري، بِمَال، بعد غَزَوَاته الْمَشْهُورَة، وَسلم إِلَى أبي الْحُسَيْن النَّصْرَانِي الجهبذ ليستخرج مِنْهُ المَال، فَجعل يعذبه فشق ذَلِك على الْمُسلمين، وَقَالُوا: يَأْخُذ بثأر النَّصْرَانِيَّة. فَقَالَ البحتري: يَا ضَيْعَة الدُّنْيَا وضيعة أَهلهَا ... وَالْمُسْلِمين وضيعة الْإِسْلَام طلبت ذحول الشّرك فِي دَار الْهدى ... بَين المداد وألسن الأقلام هَذَا ابْن يُوسُف فِي يَدي أعدائه ... يجزى على الْأَيَّام بِالْأَيَّامِ نَامَتْ بَنو الْعَبَّاس عَنهُ وَلم تكن ... عَنهُ أُميَّة - لَو رعت - بنيام فقرئ هَذَا الشّعْر على المتَوَكل، فَأمر بِإِطْلَاق أبي سعيد، وتوليته، وَأمر بإحضار قَائِل الأبيات، فأحضر البحتري، واتصل بِهِ فَكَانَ أول شعر أنْشدهُ، قَوْله فِي أبي سعيد: جعلت فدَاك الدَّهْر لَيْسَ بمنفك وَذكر الأبيات، إِلَّا أَنه قَالَ فِي الْبَيْت الثَّالِث، بدل الحادثات: النائبات.

стр. 340

وَقَالَ فِي الْبَيْت الَّذِي أَوله: على أَنه قد ضيم فِي حَبسك العلى ... وأضحى بك الْإِسْلَام فِي قَبْضَة الشّرك

стр. 341

البحتري يهنئ إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر وَمن محَاسِن شعر البحتري الَّذِي يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب، وَإِن كَانَ تعلقا ضَعِيفا، إِلَّا أَن الشَّيْء بالشَّيْء يذكر، وَلَا سِيمَا إِذا قاربه، مَا أخبرنيه الصولي، إجَازَة، قَالَ: ذكر إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر، يَوْمًا، البحتري، فَقَالَ: مَا رَأَيْت أتم طبعا مِنْهُ، وَلَا أحضر خاطرا، فقد مدحني حِين تخلصت من الْأسر، يَعْنِي: أسر صَاحب الزنج بِالْبَصْرَةِ , وَذكر الضَّرْبَة الَّتِي فِي وَجْهي، وتخلصي , ومدح المأسور شَيْء مَا راعاه قبله أحد. قَالَ الصولي: والأبيات من قصيدة أَولهَا: قد كَانَ طيفك مرّة يغرى بِي

стр. 342

قَالَ فِيهَا: لَو أَنه استام النجَاة لنَفسِهِ ... وجد النجَاة رخيصة الْأَسْبَاب ومبينة شهد الْمنَازل رسمها ... وَالْخَيْل تكبو فِي العجاج الكابي كَانَت بِوَجْهِك دون عرضك درأة ... إِن الْوُجُوه تصان بِالْأَحْسَابِ وَلَئِن أسرت فَمَا الإسار على امْرِئ ... لم يأل صدقا فِي اللِّقَاء بعاب نَام المضلل عَن سراك وَلم يخف ... حرس الرَّقِيب وقسوة البواب وَرَأى بِأَن الْبَاب مذهبك الَّذِي ... يخْشَى وهمك كَانَ غير الْبَاب قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ نقب نقبا، وَخرج مِنْهُ. فركبتها هولا مَتى تخبر بهَا ... يقل الجبان أنيت غير صَوَاب مَا راعهم إِلَّا امتراقك مُصْلِتًا ... عَن مثل برد الأرقم المنساب تَحْمِي أغيلمة وطائشة الخطى ... تصل التلفت خشيَة الطلاب قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ أخرج مَعَه من الْحَبْس امْرَأَة، وَأخرج ابْن أَخِيه. مَا زَالَ يَوْم ندى بطولك زاهرا ... حَتَّى أضفت إِلَيْهِ يَوْم ضراب ذكر من الْبَأْس استعدت إِلَى الَّذِي ... أَعْطَيْت فِي الْأَخْلَاق والآداب وروى غير الصولي، فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا الآخر: لم ترض يَوْم ندى بطولك. . .

стр. 343

يمْنَع ابْن أبي سُبْرَة علنا ويجيزه سرا حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله الْوراق، من كتاب نسب قُرَيْش للزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: أَخْبرنِي عمي مُصعب بن عبد الله، وحَدثني سعيد بن عَمْرو، جَاءَ بهما الزبير خبرين مفردين فيهمَا تَكْرِير وَزِيَادَة فِي أَحدهمَا على الآخر، وَأَنا هُنَا أجمع بَينهمَا، وأجعلهما سِيَاقَة وَاحِدَة، وَأسْقط التكرير، قَالَ: كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي سُبْرَة بن أبي ريم بن عبد الْعُزَّى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر بن لؤَي بن غَالب بن نصر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة عَاملا لرياح بن عُثْمَان، على مسعاة أَسد وطيء، فَلَمَّا خرج مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵈ جَاءَ بِمَا صدق من المَال إِلَيْهِ، ومبلغه أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار،

стр. 344

فَدفع ذَلِك إِلَيْهِ، فَكَانَت قُوَّة لمُحَمد. فَلَمَّا قتل عِيسَى بن مُوسَى مُحَمَّدًا بِالْمَدِينَةِ، قيل لأبي بكر: اهرب، قَالَ: لَيْسَ مثلي يهرب، فَأخذ أَسِيرًا، فَطرح فِي حبس الْمَدِينَة، وَلم يحدث عِيسَى بن مُوسَى فِي أمره شَيْئا غير حَبسه، فَأمر الْمَنْصُور بتقييده، فقيد. فَقدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا شخص عِيسَى بن مُوسَى، عبد الله بن الرّبيع الْمدنِي وَمَعَهُ جند، فعاثوا فِي الْمَدِينَة وأفسدوا، فَوَثَبَ عَلَيْهِ سودان الْمَدِينَة والرعاع، فَقتلُوا جنده، وطردوهم، وانتهبوهم، وانتهبوا عبد الله بن الرّبيع، فَخرج حَتَّى نزل ببئر الْمطلب، يُرِيد الْعرَاق، على خَمْسَة أَمْيَال من الْمَدِينَة. وكبس السودَان السجْن، فأخرجوا أَبَا بكر. وَقَالَ سعيد: فَأخْرج القرشيون أَبَا بكر، فَحَمَلُوهُ على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ ، فَنهى عَن مَعْصِيّة أَمِير الْمُؤمنِينَ، وحث على طَاعَته. وَقيل لَهُ: صل بِالنَّاسِ. فَقَالَ: إِن الْأَسير لَا يؤم، وَرجع إِلَى محبسه.

стр. 345

فَلَمَّا ولى الْمَنْصُور، جَعْفَر بن سُلَيْمَان، على الْمَدِينَة، قَالَ لَهُ: بَيْننَا وَبَين أبي بكر رحم، وَقد أَسَاءَ وَأحسن، فَإِذا قدمت الْمَدِينَة، فَأَطْلقهُ، وَأحسن جواره. وَقَالَ سعيد: فَأمره بِإِطْلَاق ابْن أبي سُبْرَة، وأوصاه بِهِ، وَقَالَ: إِن كَانَ قد أَسَاءَ فقد أحسن. فَأَطْلقهُ جَعْفَر. فَسَأَلَ جَعْفَر أَن يكْتب لَهُ بوصاة إِلَى معن بن زَائِدَة، وَهُوَ إِذْ ذَاك على الْيمن، فَكتب لَهُ بوصاة إِلَيْهِ. فلقي الرابحي، فَقَالَ: هَل لَك فِي الْخُرُوج معي إِلَى الْعمرَة؟ فَقَالَ: أما وَالله، مَا أخرجني من منزلي إِلَّا طلب شَيْء لأهلي، فَمَا تركت عِنْدهم شَيْئا، فَأمر لَهُ ابْن أبي سُبْرَة بِنَفَقَة أنفذها إِلَى عِيَاله، وَخرج مَعَه. فَلَمَّا قضيا عمرتهما، قَالَ للرابحي: هَل لَك أَن نأتي معن بن زَائِدَة؟ قَالَ: نعم. فَأمر بِهِ بِنَفَقَة أنفذها إِلَى عِيَاله، وَأخرجه مَعَه، حَتَّى قدما على معن بن زَائِدَة، فَدخل عَلَيْهِ ابْن أبي سُبْرَة وَحده، فَدفع إِلَيْهِ كتاب جَعْفَر بِالرِّضَا عَنهُ، فَلَمَّا قَرَأَهُ، قَالَ: كَانَ جَعْفَر أقدر على صلتك مني، انْصَرف، فَلَيْسَ لَك عِنْدِي شَيْء، فَانْصَرف مغموما.

стр. 346

فَلَمَّا انتصف النَّهَار، أرسل إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أبي سُبْرَة مَا حملك على أَن قدمت عَليّ، وأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك وَاجِد؟ ثمَّ سَأَلَهُ: كم دينك؟ قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف دِينَار. فَأعْطَاهُ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، وَأَعْطَاهُ ألفي دِينَار أُخْرَى، وَقَالَ: أصلح بِهَذِهِ أَمرك. فَانْصَرف إِلَى منزله، فَأخْبر الرابحي، بِمَا صنع معن مَعَه، فراح الرابحي إِلَى معن، فأنشده: الرابحي يَقُول فِي مدح ... لأبي الْوَلِيد أخي الندى الْغمر ملك بِصَنْعَاء الْمُلُوك لَهُ ... مَا بَين بَيت الله والشحر لَو جاودته الرّيح مُرْسلَة ... لجرى يجود فَوق مَا تجْرِي حملت بِهِ أم مباركة ... وَكَأَنَّهَا بِالْحملِ لَا تَدْرِي فَقَالَ لَهُ معن: فَكَانَ مَاذَا وَيحك؟ فَقَالَ: حَتَّى إِذا مَا تمّ تاسعها ... وَلدته مولد لَيْلَة الْقدر فَقَالَ لَهُ معن: ثمَّ مَاذَا وَيحك؟ فَقَالَ: فَأَتَت بِهِ بيضًا أسرته ... يُرْجَى لحمل نَوَائِب الدَّهْر

стр. 347

مسح القوابل وَجهه فَبَدَا ... كالبدر بل أبهى من الْبَدْر فنذرن حِين رأين غرته ... إِن عَاشَ أَن يوفين بِالنذرِ لله صوما شكر أنعمه ... وَالله أهل الْحَمد وَالشُّكْر فَقَالَ لَهُ معن: ثمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: فنشا بِحَمْد الله حِين نشا ... حسن الْمُرُوءَة نابه الذّكر فَقَالَ معن: ثمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: حَتَّى إِذا مَا طر شَاربه ... خضع الْمُلُوك لسَيِّد بهر فَإِذا وهى ثغر يُقَال لَهُ: ... يَا معن أَنْت سداد ذَا الثغر فَقَالَ معن: أَنا أَبُو الْوَلِيد، أَعْطوهُ ألف دِينَار. فَأَخذهَا وَرجع إِلَى ابْن أبي سُبْرَة، فَخَرَجَا جَمِيعًا إِلَى مَكَّة. فَقَالَ ابْن أبي سُبْرَة: أما الْأَرْبَعَة آلَاف دِينَار، فلقضاء ديني، وَأما الألفان الفاضلة، فلك مِنْهَا ألف. قَالَ الرابحي: قد أَعْطَانِي ألف دِينَار، وَهِي تجزيني، فَلَا تضيق على نَفسك فِي الألفي الدِّينَار. فَقَالَ لَهُ: أَقْسَمت عَلَيْك لتأخذنها، فَأَخذهَا، وَأنْفق عَلَيْهِ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَة. ونمى الْخَبَر إِلَى الْمَنْصُور، فَكتب إِلَى معن: مَا حملك على أَن أَعْطَيْت

стр. 348

ابْن أبي سُبْرَة مَا أَعْطيته، وَقد علمت مَا صنع؟ فَكتب إِلَيْهِ معن: إِن جَعْفَر بن سُلَيْمَان كتب إِلَيّ بوصيني بِهِ، وَلم أَظن أَن جعفرا يكْتب فِي رجل لم يرض عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَكتب الْمَنْصُور إِلَى جَعْفَر، يبكته بذلك. فَكتب إِلَيْهِ جَعْفَر: أَنْت، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أوصيتني بِهِ، وَلم يكن فِي استيصائي بِهِ شَيْء أيسر من كتاب وصاة إِلَى معن.

стр. 349

بَال فِي ثِيَابه خوفًا مِنْهُ ثمَّ بَال على قَبره وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي الحنطي، عَن أبي طَالب الْجَعْفَرِي، أَنه سمع رجلا يحدث عَن مُحَمَّد بن الْفضل الجرجرائي فِي وزارته للمعتصم، قَالَ: كنت أتولى ضيَاع عجيف، بكسكر، فَرفع عَليّ أَنِّي خنته، وأخربت

стр. 350

الضّيَاع، فأنفذ إِلَيّ من قيدني، وأدخلت عَلَيْهِ فِي دَاره بسر من رأى، على تِلْكَ الْحَال، فَإِذا هُوَ يطوف على صناع فِيهَا. فَلَمَّا نظر إِلَيّ شَتَمَنِي، وَقَالَ: أخربت الضّيَاع، ونهبت الِارْتفَاع , وَالله لأَقْتُلَنك، هاتوا السِّيَاط. فاحضرت، وشلحت للضرب. فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، ذهب عَليّ أَمْرِي، وبلت على ساقي. فرآني كَاتبه، فَقَالَ لعجيف: أعز الله الْأَمِير، أَنْت مَشْغُول الْقلب بِهَذَا الْبناء، وَضرب هَذَا وَقَتله فِي أَيْدِينَا، لَيْسَ يفوت، فتأمر بحبسه، وَانْظُر فِي أمره فَإِن كَانَت الرفيعة صَحِيحَة، فَلَيْسَ يفوتك عِقَابه، وَإِن كَانَت بَاطِلَة، لم تتعجل الْإِثْم، وتنقطع عَمَّا أَنْت مهتم بِهِ. فَأمر بِي إِلَى الْحَبْس، فَمَكثت فِيهِ أَيَّامًا.

стр. 351

وغزا أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم، عمورية، وَكَانَ من أَمر عجيف مَا كَانَ، فَقتله، واتصل الْخَبَر بكاتبه، فأطلقني. فَخرجت من الْحَبْس، وَمَا أهتدي إِلَى حَبَّة فضَّة، فَمَا فَوْقهَا. فقصدت صَاحب الدِّيوَان بسر من رأى، وَكَانَ صديقي، فَلَمَّا رَآنِي سر بإطلاقي وتوجع لي من سوء حَالي، وَعرض عَليّ مَالا. فَقلت: بل تتفضل بتصريفي فِي شَيْء أستتر بجاريه. فقلدني عملا بنواحي ديار ربيعَة، فاقترضت من التُّجَّار لما سمعُوا بِخَبَر ولايتي، مَا تحملت بِهِ إِلَى الْعَمَل، وَخرجت. وَكَانَ فِي ضيَاع عَمَلي، ضَيْعَة تعرف بكراثا، فَنزلت بهَا فِي بعض طوافي بِالْعَمَلِ، وحصلت فِي دَار مِنْهَا، فَلَمَّا كَانَ السحر، وجدت المستحم ضيقا غير نظيف، فَخرجت من الدَّار إِلَى تل فِي الصَّحرَاء، فَجَلَست أبول عَلَيْهِ. فَخرج إِلَيّ صَاحب الدَّار، فَقَالَ لي: أَتَدْرِي على أَي شَيْء تبول؟ قلت: على تل تُرَاب. فَضَحِك، وَقَالَ: هَذَا قبر رجل يعرف بعجيف، قَائِد من قواد السُّلْطَان، كَانَ قد سخط عَلَيْهِ، وَحمله مَعَه مُقَيّدا، فَلَمَّا بلغ إِلَى هَاهُنَا قتل، فَطرح فِي هَذَا الْمَكَان تَحت حَائِط، فَلَمَّا انْصَرف الْعَسْكَر، طرحنا عَلَيْهِ الْحَائِط، لنواريه من الْكلاب، فَهُوَ - وَالله - تَحت هَذَا التل التُّرَاب. فعجبت من بولِي خوفًا مِنْهُ، وَمن بولِي على قَبره.

стр. 352

لِقَاء بَين الْجد الرُّومِي النَّصْرَانِي والحفيد الْعَرَبِيّ الْمُسلم . وروى ابْن دُرَيْد عَن أبي حَاتِم، عَن أبي معمر، عَن رجل من أهل الْكُوفَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ مسلمة بن عبد الْملك، بِبِلَاد الرّوم، فسبا سَبَايَا كَثِيرَة، وَأقَام بِبَعْض الْمنَازل، فَعرض السَّبي على السَّيْف، فَقتل خلقا، حَتَّى عرض عَلَيْهِ شيخ كَبِير ضَعِيف، فَأمر بقتْله. فَقَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك إِلَى قتل شيخ مثلي؟ إِن تَرَكتنِي حَيا، جئْتُك بأسيرين من الْمُسلمين شابين. قَالَ لَهُ: وَمن لي بذلك؟ قَالَ: إِنِّي إِذا وعدت وفيت. قَالَ: لست أَثِق بك. فَقَالَ لَهُ: دَعْنِي حَتَّى أَطُوف فِي عسكرك، لعَلي أعرف من يتكفل بِي إِلَى أَن أمضي وأعود أجيء بالأسيرين. فَوكل بِهِ من يطوف بِهِ، وَأمره بالاحتفاظ بِهِ، فَمَا زَالَ الشَّيْخ يطوف ويتصفح الْوُجُوه، حَتَّى مر بفتى من بني كلاب، قَائِما يحس فرسه.

стр. 353

فَقَالَ لَهُ: يَا فَتى، اضمني للأمير، وقص عَلَيْهِ قصَّته. فَقَالَ: أفعل، وَجَاء الْفَتى إِلَى مسلمة، فضمنه، فَأَطْلقهُ مسلمة. فَلَمَّا مضى قَالَ للفتى: أتعرفه؟ قَالَ: لَا، وَالله. قَالَ: فَلم ضمنته؟ قَالَ: رَأَيْته يتصفح الْوُجُوه، فاختارني من بَينهم، فَكرِهت أَن أخلف ظَنّه فِي، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، عَاد الشَّيْخ وَمَعَهُ أسيران شابان من الْمُسلمين، فسلمهما إِلَى مسلمة، وَقَالَ: إِن رأى الْأَمِير أَن يَأْذَن لهَذَا الْفَتى أَن يصير معي إِلَى حصني لأكافئه على فعله. فَقَالَ مسلمة للفتى الْكلابِي: إِن شِئْت فَامْضِ مَعَه. فَلَمَّا صَار إِلَى حصنه، قَالَ لَهُ: يَا فَتى، تعلم وَالله أَنَّك ابْني؟ قَالَ لَهُ: وَكَيف أكون ابْنك، وَأَنا رجل من الْعَرَب مُسلم، وَأَنت رجل من الرّوم نَصْرَانِيّ. فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن أمك، مَا هِيَ؟ قَالَ: رُومِية. قَالَ: فَإِنِّي أصفها لَك، فبالله إِن صدقت، إِلَّا صدقتني. قَالَ: أفعل. فَأقبل الرُّومِي، يصف أم الْفَتى، مَا خرم من صفتهَا شَيْئا. فَقَالَ لَهُ الْفَتى: هِيَ كَذَلِك، فَكيف عرفت أَنِّي ابْنهَا؟ قَالَ: بالشبه، وتعارف الْأَرْوَاح، وَصدق الفراسة.

стр. 354

ثمَّ أخرج إِلَيْهِ امْرَأَة، فَلَمَّا رَآهَا الْفَتى لم يشك فِيهَا أَنَّهَا أمه، لتقارب الشّبَه، وَخرجت مَعهَا عَجُوز كَأَنَّهَا هِيَ، فأقبلتا تقبلان رَأس الْفَتى، وَيَديه، وتترشفانه. فَقَالَ لَهُ: هَذِه جدتك، وَهَذِه خالتك. ثمَّ اطلع من حصنه، فَدَعَا بشباب فِي الصَّحرَاء، فَأَقْبَلُوا، فَكَلَّمَهُمْ بالرومية، فَأَقْبَلُوا يقبلُونَ رَأس الْفَتى وَيَديه، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أخوالك، وَبَنُو خَالَاتك، وَبَنُو عَم والدتك. ثمَّ أخرج إِلَيْهِ حليا كثيرا، وثيابا فاخرة، وَقَالَ: هَذَا لوالدتك عندنَا مُنْذُ سبيت، فَخذه مَعَك، وادفعه إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا ستعرفه، ثمَّ أعطَاهُ لنَفسِهِ مَالا كثيرا، وثيابا، وحليا، وَحمله على عدَّة دَوَاب، وألحقه بعسكر مسلمة. وَانْصَرف. وَأَقْبل الْفَتى قَافِلًا حَتَّى دخل إِلَى منزله فَأقبل يخرج الشَّيْء بعد الشَّيْء مِمَّا عرفه الشَّيْخ أَنه لأمه، وتراه أمه، فتبكي، فَيَقُول لَهَا: قد وهبته لَك. فَلَمَّا كثر عَلَيْهَا، قَالَت لَهُ: يَا بني، أَسَالَك بِاللَّه، من أَي بلد صَارَت إِلَيْكُم هَذِه الثِّيَاب، وَهل تصف لي أهل هَذَا الْحصن الَّذِي كَانَ فِيهِ هَذَا؟ فوصف لَهَا الْفَتى صفة الْبَلَد والحصن، وَوصف لَهَا أمهَا وَأُخْتهَا، وَالرِّجَال الَّذين رَآهُمْ، وَهِي تبْكي وتقلق. فَقَالَ لَهَا: مَا يبكيك؟ فَقَالَت: الشَّيْخ وَالله وَالِدي، والعجوز أُمِّي، وَتلك أُخْتِي. فَقص عَلَيْهِ الْخَبَر، وَأخرج بَقِيَّة مَا كَانَ أنفذه مَعَه أَبوهَا إِلَيْهَا، فَدفعهُ إِلَيْهَا.

стр. 355

يحتال لإِخْرَاج أحد أَصْحَابه من الْحَبْس حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق التنوخي، قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيل الصفار الْبَصْرِيّ، أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة الأجلاد، وَكَانَ النَّاس إِذْ ذَاك يتشددون على الْمُعْتَزلَة وينالونهم بالمكاره. فتقلد الْبَصْرَة نزار بن مُحَمَّد الضَّبِّيّ، فَرفع إِلَيْهِ عَن رجل أَنه معتزلي
следующие страницы →