← Адаб

Адаб · id 12828

الفرج بعد الشدة للتنوخي

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (1 589 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وغزا أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم، عمورية، وَكَانَ من أَمر عجيف مَا كَانَ، فَقتله، واتصل الْخَبَر بكاتبه، فأطلقني. فَخرجت من الْحَبْس، وَمَا أهتدي إِلَى حَبَّة فضَّة، فَمَا فَوْقهَا. فقصدت صَاحب الدِّيوَان بسر من رأى، وَكَانَ صديقي، فَلَمَّا رَآنِي سر بإطلاقي وتوجع لي من سوء حَالي، وَعرض عَليّ مَالا. فَقلت: بل تتفضل بتصريفي فِي شَيْء أستتر بجاريه. فقلدني عملا بنواحي ديار ربيعَة، فاقترضت من التُّجَّار لما سمعُوا بِخَبَر ولايتي، مَا تحملت بِهِ إِلَى الْعَمَل، وَخرجت. وَكَانَ فِي ضيَاع عَمَلي، ضَيْعَة تعرف بكراثا، فَنزلت بهَا فِي بعض طوافي بِالْعَمَلِ، وحصلت فِي دَار مِنْهَا، فَلَمَّا كَانَ السحر، وجدت المستحم ضيقا غير نظيف، فَخرجت من الدَّار إِلَى تل فِي الصَّحرَاء، فَجَلَست أبول عَلَيْهِ. فَخرج إِلَيّ صَاحب الدَّار، فَقَالَ لي: أَتَدْرِي على أَي شَيْء تبول؟ قلت: على تل تُرَاب. فَضَحِك، وَقَالَ: هَذَا قبر رجل يعرف بعجيف، قَائِد من قواد السُّلْطَان، كَانَ قد سخط عَلَيْهِ، وَحمله مَعَه مُقَيّدا، فَلَمَّا بلغ إِلَى هَاهُنَا قتل، فَطرح فِي هَذَا الْمَكَان تَحت حَائِط، فَلَمَّا انْصَرف الْعَسْكَر، طرحنا عَلَيْهِ الْحَائِط، لنواريه من الْكلاب، فَهُوَ - وَالله - تَحت هَذَا التل التُّرَاب. فعجبت من بولِي خوفًا مِنْهُ، وَمن بولِي على قَبره.

стр. 352

لِقَاء بَين الْجد الرُّومِي النَّصْرَانِي والحفيد الْعَرَبِيّ الْمُسلم . وروى ابْن دُرَيْد عَن أبي حَاتِم، عَن أبي معمر، عَن رجل من أهل الْكُوفَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ مسلمة بن عبد الْملك، بِبِلَاد الرّوم، فسبا سَبَايَا كَثِيرَة، وَأقَام بِبَعْض الْمنَازل، فَعرض السَّبي على السَّيْف، فَقتل خلقا، حَتَّى عرض عَلَيْهِ شيخ كَبِير ضَعِيف، فَأمر بقتْله. فَقَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك إِلَى قتل شيخ مثلي؟ إِن تَرَكتنِي حَيا، جئْتُك بأسيرين من الْمُسلمين شابين. قَالَ لَهُ: وَمن لي بذلك؟ قَالَ: إِنِّي إِذا وعدت وفيت. قَالَ: لست أَثِق بك. فَقَالَ لَهُ: دَعْنِي حَتَّى أَطُوف فِي عسكرك، لعَلي أعرف من يتكفل بِي إِلَى أَن أمضي وأعود أجيء بالأسيرين. فَوكل بِهِ من يطوف بِهِ، وَأمره بالاحتفاظ بِهِ، فَمَا زَالَ الشَّيْخ يطوف ويتصفح الْوُجُوه، حَتَّى مر بفتى من بني كلاب، قَائِما يحس فرسه.

стр. 353

فَقَالَ لَهُ: يَا فَتى، اضمني للأمير، وقص عَلَيْهِ قصَّته. فَقَالَ: أفعل، وَجَاء الْفَتى إِلَى مسلمة، فضمنه، فَأَطْلقهُ مسلمة. فَلَمَّا مضى قَالَ للفتى: أتعرفه؟ قَالَ: لَا، وَالله. قَالَ: فَلم ضمنته؟ قَالَ: رَأَيْته يتصفح الْوُجُوه، فاختارني من بَينهم، فَكرِهت أَن أخلف ظَنّه فِي، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، عَاد الشَّيْخ وَمَعَهُ أسيران شابان من الْمُسلمين، فسلمهما إِلَى مسلمة، وَقَالَ: إِن رأى الْأَمِير أَن يَأْذَن لهَذَا الْفَتى أَن يصير معي إِلَى حصني لأكافئه على فعله. فَقَالَ مسلمة للفتى الْكلابِي: إِن شِئْت فَامْضِ مَعَه. فَلَمَّا صَار إِلَى حصنه، قَالَ لَهُ: يَا فَتى، تعلم وَالله أَنَّك ابْني؟ قَالَ لَهُ: وَكَيف أكون ابْنك، وَأَنا رجل من الْعَرَب مُسلم، وَأَنت رجل من الرّوم نَصْرَانِيّ. فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن أمك، مَا هِيَ؟ قَالَ: رُومِية. قَالَ: فَإِنِّي أصفها لَك، فبالله إِن صدقت، إِلَّا صدقتني. قَالَ: أفعل. فَأقبل الرُّومِي، يصف أم الْفَتى، مَا خرم من صفتهَا شَيْئا. فَقَالَ لَهُ الْفَتى: هِيَ كَذَلِك، فَكيف عرفت أَنِّي ابْنهَا؟ قَالَ: بالشبه، وتعارف الْأَرْوَاح، وَصدق الفراسة.

стр. 354

ثمَّ أخرج إِلَيْهِ امْرَأَة، فَلَمَّا رَآهَا الْفَتى لم يشك فِيهَا أَنَّهَا أمه، لتقارب الشّبَه، وَخرجت مَعهَا عَجُوز كَأَنَّهَا هِيَ، فأقبلتا تقبلان رَأس الْفَتى، وَيَديه، وتترشفانه. فَقَالَ لَهُ: هَذِه جدتك، وَهَذِه خالتك. ثمَّ اطلع من حصنه، فَدَعَا بشباب فِي الصَّحرَاء، فَأَقْبَلُوا، فَكَلَّمَهُمْ بالرومية، فَأَقْبَلُوا يقبلُونَ رَأس الْفَتى وَيَديه، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أخوالك، وَبَنُو خَالَاتك، وَبَنُو عَم والدتك. ثمَّ أخرج إِلَيْهِ حليا كثيرا، وثيابا فاخرة، وَقَالَ: هَذَا لوالدتك عندنَا مُنْذُ سبيت، فَخذه مَعَك، وادفعه إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا ستعرفه، ثمَّ أعطَاهُ لنَفسِهِ مَالا كثيرا، وثيابا، وحليا، وَحمله على عدَّة دَوَاب، وألحقه بعسكر مسلمة. وَانْصَرف. وَأَقْبل الْفَتى قَافِلًا حَتَّى دخل إِلَى منزله فَأقبل يخرج الشَّيْء بعد الشَّيْء مِمَّا عرفه الشَّيْخ أَنه لأمه، وتراه أمه، فتبكي، فَيَقُول لَهَا: قد وهبته لَك. فَلَمَّا كثر عَلَيْهَا، قَالَت لَهُ: يَا بني، أَسَالَك بِاللَّه، من أَي بلد صَارَت إِلَيْكُم هَذِه الثِّيَاب، وَهل تصف لي أهل هَذَا الْحصن الَّذِي كَانَ فِيهِ هَذَا؟ فوصف لَهَا الْفَتى صفة الْبَلَد والحصن، وَوصف لَهَا أمهَا وَأُخْتهَا، وَالرِّجَال الَّذين رَآهُمْ، وَهِي تبْكي وتقلق. فَقَالَ لَهَا: مَا يبكيك؟ فَقَالَت: الشَّيْخ وَالله وَالِدي، والعجوز أُمِّي، وَتلك أُخْتِي. فَقص عَلَيْهِ الْخَبَر، وَأخرج بَقِيَّة مَا كَانَ أنفذه مَعَه أَبوهَا إِلَيْهَا، فَدفعهُ إِلَيْهَا.

стр. 355

يحتال لإِخْرَاج أحد أَصْحَابه من الْحَبْس حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق التنوخي، قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيل الصفار الْبَصْرِيّ، أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة الأجلاد، وَكَانَ النَّاس إِذْ ذَاك يتشددون على الْمُعْتَزلَة وينالونهم بالمكاره. فتقلد الْبَصْرَة نزار بن مُحَمَّد الضَّبِّيّ، فَرفع إِلَيْهِ عَن رجل أَنه معتزلي

стр. 356

فحبسه، فاستغاث الرجل بِإِسْمَاعِيل، فَكلم غير وَاحِد من رُؤَسَاء الْبَلَد، أَن يكلم نزارا فِيهِ، فتجنبوا ذَلِك بِسَبَب الْمَذْهَب، فَبَاتَ إِسْمَاعِيل قلقا. ثمَّ بكر من غَد، فَطَافَ على كل معتزلي بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ لَهُم: إِن تمّ هَذَا عَلَيْكُم هلكتم مُتَفَرّقين، وحبستم وَأتي على أَمْوَالكُم ونفوسكم، فاقبلوا مني، واجتمعوا، وتدبروا برأيي، فَإِن الرجل يتَخَلَّص وتعزون. فَقَالُوا: لَا نخالف عَلَيْك. فَوَعَدَهُمْ ليَوْم بِعَيْنِه، ووعد مَعَهم كل من يعرفهُ من الْعَوام، وَأَصْحَاب الْمذَاهب، مِمَّن يتبع قصاص الْمُعْتَزلَة، وَمن يمِيل إِلَيْهِم. فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم، اجْتمع لَهُ مِنْهُم أَكثر من ألف رجل، فَصَارَ بهم إِلَى نزار، وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأذن لَهُ وَلَهُم. فَقَالَ: أعز الله الْأَمِير، بلغنَا أَنَّك حبست فلَانا، لِأَنَّهُ قَالَ: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَقد جئْنَاك، وكلنَا نقُول: إِن الْقُرْآن مَخْلُوق، وخلفنا أُلُوف يَقُولُونَ كَمَا نقُول، فإمَّا حبستنا جَمِيعًا، وَإِمَّا أطلقت صاحبنا، وَإِذا كَانَ السُّلْطَان أَطَالَ الله بَقَاءَهُ قد ترك المحنة، وَقد أقرّ النَّاس على مذاهبهم، فَلم نؤاخذ نَحن بمذهبنا من بَين سَائِر المقالات؟ فَنظر نزار فَإِذا فتْنَة تثور، لم يُؤذن لَهُ فِيهَا، وَلم يدر مَا تجر، فَأطلق الرجل، وَسلمهُ إِلَيْهِم. فشكره إِسْمَاعِيل، وَانْصَرف وَالْجَمَاعَة.

стр. 357

شَامي عَظِيم الجاه من بقايا بني أُميَّة وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي الحنطبي، عَن أبي أُميَّة الهشامي، عَن أبي سلميان دَاوُد بن الْفضل الْعَبْدي، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، عَن مُحَمَّد بن الْحسن بن بشر الأدمِيّ، قَالَ: حَدثنِي مَنَارَة، خَادِم الْخُلَفَاء، قَالَ: رفع إِلَى هَارُون الرشيد، أَن رجلا بِدِمَشْق، من بقايا بني أُميَّة، عَظِيم الجاه وَاسع الدُّنْيَا، كثير المَال والأملاك، مُطَاعًا فِي الْبَلَد، لَهُ جمَاعَة أَوْلَاد ومماليك وموالي، يركبون الْخَيل، ويحملون السِّلَاح، ويغزون الرّوم، وَأَنه سمح جواد، كثير الْبَذْل والضيافة، وَأَنه لَا يُؤمن مِنْهُ فتق لَا يُمكن رتقه، فَعظم ذَلِك على الرشيد. قَالَ مَنَارَة: وَكَانَ وقُوف الرشيد على هَذَا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فِي بعض خرجاته إِلَى الْحَج سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقد عَاد من الْمَوْسِم، وَقد بَايع للأمين ثمَّ الْمَأْمُون ثمَّ المؤتمن.

стр. 358

فدعاني وَهُوَ خَال، فَقَالَ لي: دعوتك لأمر أهمني وَقد مَنَعَنِي النّوم، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ ثمَّ قصّ عَليّ خبر الْأمَوِي. وَقَالَ: اخْرُج السَّاعَة، فقد أَعدَدْت لَك الجمازات، وأزحت علتك فِي الزَّاد وَالنَّفقَة والآلات، وضممت إِلَيْك مائَة غُلَام، فاسلك الْبَريَّة، وَهَذَا كتابي إِلَى أَمِير دمشق، وَهَذِه قيود، فَادْخُلْ، وابدأ بِالرجلِ، فَإِن سمع وأطاع، فقيده وجئني بِهِ وَإِلَّا فتوكل بِهِ أَنْت وَمن مَعَك

стр. 359

حَتَّى لَا يهرب، وأنفذ الْكتاب إِلَى أَمِير دمشق، ليركب فِي جَيْشه فَيقبض عَلَيْهِ، وتجيئني بِهِ، وَقد أجلتك لذهابك سِتا، ولعودك سِتا، وَيَوْما لمقامك، وَهَذَا محمل، تَجْعَلهُ إِذا قيدته فِي شقَّه، تجْلِس أَنْت فِي الشق الآخر، وَلَا تكل حفظه إِلَى غَيْرك، حَتَّى تَأتِينِي بِهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من خُرُوجك، وَإِذا دخلت دَاره فتفقدها، وَجَمِيع مَا فِيهَا، وَأَهله وَولده وحاشيته، وغلمانه، وَقدر النِّعْمَة، وَالْحَال، وَالْمحل , واحفظ مَا يَقُوله الرجل حرفا بِحرف، بِجَمِيعِ أَلْفَاظه، مُنْذُ وُقُوع طرفك عَلَيْهِ، إِلَى أَن تَأتِينِي بِهِ، وَإِيَّاك أَن يشذ عَلَيْك شَيْء من أمره، انْطلق مصاحبا. قَالَ مَنَارَة: فودعته وَخرجت، فَرَكبْنَا الْإِبِل، وطوينا الْمنَازل، أَسِير اللَّيْل وَالنَّهَار، وَلَا أنزل إِلَّا للْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ، وَالْبَوْل، وتنفيس النَّاس قَلِيلا. إِلَى أَن دخلت دمشق فِي أول اللَّيْلَة السَّابِعَة، وأبواب الْبَلَد مغلقة، فَكرِهت طرقها، فَنمت بِظَاهِر الْبَلَد، إِلَى أَن فتح بَابه فِي الْغَد، فَدخلت على هيأتي، حَتَّى أتيت بَاب دَار الرجل، وَعَلِيهِ صفف عَظِيمَة، وحاشية كَثِيرَة، فَلم أَسْتَأْذن، وَدخلت بِغَيْر إِذن. فَلَمَّا رأى الْقَوْم ذَلِك، سَأَلُوا بعض أَصْحَابِي عني، فَقَالُوا لَهُم: هَذَا مَنَارَة، رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى صَاحبكُم، فأمسكوا. فَلَمَّا صرت فِي صحن الدَّار، نزلت، وَدخلت مَجْلِسا، رَأَيْت فِيهِ قوما جُلُوسًا، فَظَنَنْت أَن الرجل فيهم، فَقَامُوا إِلَيّ، ورحبوا بِي، وأكرموني. فَقلت: أفيكم فلَان؟ قَالُوا: لَا، نَحن أَوْلَاده، وَهُوَ فِي الْحمام.

стр. 360

فَقلت: استعجلوه. فَمضى بَعضهم يستعجله، وَأَنا أتفقد الدَّار، وَالْأَحْوَال، والحاشية، فَوجدت الدَّار قد ماجت بِأَهْلِهَا موجا شَدِيدا. فَلم أزل كَذَلِك، حَتَّى خرج الرجل، بعد أَن أَطَالَ، واستربت بِهِ، وَاشْتَدَّ قلقي وخوفي من أَن يتَوَارَى. إِلَى أَن رَأَيْت شَيخا قد أقبل بزِي الْحمام، يمشي فِي الصحن، وَحَوله جمَاعَة كهول، وأحداث، وصبيان، هم أَوْلَاده، وغلمان كَثِيرَة، فَعلمت أَنه الرجل. فجَاء حَتَّى جلس، وَسلم عَليّ سَلاما خَفِيفا، وسألني عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ، واستقامة أَمر حَضرته، فَأَخْبَرته بِمَا وَجب. فَمَا انْقَضى كَلَامه حَتَّى جَاءُوهُ بأطباق الْفَاكِهَة، فَقَالَ لي: تقدم يَا مَنَارَة فَكل مَعنا. فَقلت: مَا بِي إِلَى ذَلِك حَاجَة. فَلم يعاودني، وَأَقْبل يَأْكُل هُوَ والحاضرون مَعَه، ثمَّ غسل يَدَيْهِ، ودعا بِالطَّعَامِ، فجاءوه بمائدة حَسَنَة جميلَة، لم أر مثلهَا إِلَّا للخليفة، فَقَالَ: تقدم يَا مَنَارَة فساعدنا على الْأكل، لَا يزِيد على أَن يدعوني باسمي، كَمَا يدعوني الْخَلِيفَة. فامتنعت، فَلم يعاودني، وَأكل هُوَ وَأَوْلَاده، وَكَانُوا تِسْعَة، عددتهم وَجَمَاعَة كَثِيرَة من أَصْحَابه، وحاشيته، وَجَمَاعَة من أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده. فتأملت أكله فِي نَفسه، فرأيته أكل الْمُلُوك، وَوجدت جأشه رابطا، وَذَلِكَ الِاضْطِرَاب الَّذِي كَانَ فِي دَاره قد سكن، وَوَجَدته لَا يرفع من بَين يَدَيْهِ

стр. 361

شَيْء، كَانَ على الْمَائِدَة، إِلَّا وهب. وَقد كَانَ غلمانه، لما نزلت الدَّار، أخذُوا جمالي، وَجَمِيع غلماني، فعدلوا بهم إِلَى دَار لَهُ، فَمَا أطاقوا ممانعتهم، وَبقيت وحدي، لَيْسَ بَين يَدي إِلَّا خَمْسَة أَو سِتَّة غلْمَان وقُوف على رَأْسِي. فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا جَبَّار عنيد، فَإِن امْتنع عَليّ من الشخوص، لم أطق إشخاصه بنفسي، وَلَا بِمن معي، وَلَا حفظه إِلَى أَن يلحقني أَمِير الْبَلَد، وَجَزِعت جزعا شَدِيدا، ورابني مِنْهُ استخفافه بِي، وتهاونه بأَمْري، وَأَن يدعوني باسمي، وَقلة اكتراثه بامتناعي من الْأكل وَالشرب، وَلَا يسألني عَمَّا جِئْت لَهُ، وَيَأْكُل مطمئنا. وَأَنا أفكر من ذَلِك، إِذْ فرغ من طَعَامه، وَغسل يَدَيْهِ، واستدعى بالبخور، فتبخر، وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة، فصلى الظّهْر صَلَاة حَسَنَة، وَأكْثر من الدُّعَاء والابتهال. فَلَمَّا انْفَتَلَ من محرابه، أقبل عَليّ، وَقَالَ: مَا أقدمك يَا مَنَارَة؟ فَقلت: أَمر لَك من أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأخرجت الْكتاب، فَدَفَعته إِلَيْهِ، ففضه، وقرأه، فَلَمَّا استتم قِرَاءَته دَعَا أَوْلَاده، وحاشيته، فَاجْتمعُوا، فَلم أَشك أَنه يُرِيد أَن يُوقع بِي. فَلَمَّا تكاملوا، ابْتَدَأَ فَحلف أيمانا غَلِيظَة، فِيهَا الطَّلَاق، وَالْعتاق، وَالْحج، وَالصَّدَََقَة، وَالْوَقْف، وَالْحَبْس، إِن اجْتمع اثْنَان مِنْهُم فِي مَوضِع، وَأَن يتفرقوا، ويدخلوا مَنَازِلهمْ، وَلَا يظْهر مِنْهُم أحد، إِلَى أَن ينْكَشف لَهُ أَمر يعْمل عَلَيْهِ.

стр. 362

ثمَّ قَالَ: هَذَا كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُرنِي بالمصير إِلَى بَابه، وَلست أقيم بعد نَظَرِي فِيهِ لَحْظَة وَاحِدَة. وَقَالَ لِغِلْمَانِهِ، وَأَوْلَاده: اسْتَوْصُوا بِمن ورائي من الْحرم خيرا، وَمَا بِي حَاجَة أَن يصحبني غُلَام، هَات أقيادك يَا مَنَارَة. فدعوت بهَا، وَكَانَت فِي سفط، فأحضر حدادا، وَمد سَاقيه، فقيدته، وَأمرت غلماني بِحمْلِهِ حَتَّى حصل فِي الْمحمل، وَركبت فِي الشق الآخر، وسرت من وقتي، وَلم ألق أَمِير الْبَلَد، وَلَا غَيره. وسرت بِالرجلِ، لَيْسَ مَعَه أحد، إِلَى أَن صرنا بِظَاهِر دمشق، فابتدأ يحدثني بانبساط، حَتَّى انتهينا إِلَى بُسْتَان حسن فِي الغوطة، فَقَالَ: ترى هَذَا؟ فَقلت: نعم. قَالَ: هُوَ لي، وَفِيه من غرائب الْأَشْجَار كَيْت وَكَيْت، ثمَّ انْتهى إِلَى آخر، فَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ انْتهى إِلَى مزارع حسان، وقرى سَرِيَّة، فَأقبل يَقُول: هَذَا لي، ويصف كل شَيْء فِيهَا. فَاشْتَدَّ غيظي مِنْهُ، فَقلت لَهُ: هَل علمت أَنِّي شَدِيد التَّعَجُّب مِنْك؟ قَالَ: وَلم؟ قلت: أَلَسْت تعلم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أهمه أَمرك، حَتَّى أرسل إِلَيْك من انتزعك من بَين أهلك، وولدك، وَمَالك، وأخرجك عَن جَمِيع حالك، وحيدا، فريدا، مُقَيّدا، لَا تَدْرِي مَا يصير إِلَيْهِ أَمرك، وَلَا كَيفَ تكون، وَأَنت مَعَ هَذَا، فارغ الْقلب، تصف بساتينك وضياعك، هَذَا وَقد رَأَيْتُك، وَقد جِئْت، وَأَنت لَا تعلم فيمَ جِئْت، وَأَنت سَاكن الْقلب، قَلِيل الْفِكر، وَقد كنت عِنْدِي شَيخا عَاقِلا. فَقَالَ مجيبا لي: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، أَخْطَأت فراستي فِيك يَا مَنَارَة، قدرتك رجلا كَامِل الْعقل، وَأَنَّك مَا حللت من الْخُلَفَاء هَذَا الْمحل، إِلَّا بعد أَن

стр. 363

عرفوك بذلك، فَإِذا عقلك وكلامك يشبه كَلَام الْعَوام وعقلهم، فَالله الْمُسْتَعَان. أما قَوْلك فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ، وإزعاجه لي من دَاري، وإخراجه إيَّايَ إِلَى بَابه على هَذِه الصُّورَة، فَأَنا على ثِقَة بِاللَّه ، الَّذِي بِيَدِهِ نَاصِيَة أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلَا يملك مَعَه لنَفسِهِ، وَلَا لغيره، ضرا وَلَا نفعا، إِلَّا بِإِذن الله ومشيئته، وَلَا ذَنْب لي عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أخافه، وَبعد، فَإِذا عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمْرِي، وَعلم سَلامَة جَانِبي، وَصَلَاح ناحيتي، وَأَن الْأَعْدَاء والحسدة، رموني عِنْده بِمَا لست فِي طَرِيقه، وَتَقولُوا عَليّ الأباطيل الكاذبة، لم يسْتَحل دمي، وتحرج من أذاي وإزعاجي، فردني مكرما، أَو أقامني بِبَابِهِ مُعظما، وَإِن كَانَ سبق فِي قَضَاء الله تَعَالَى، أَنه يبدر إِلَيّ ببادرة سوء، وَقد حضر أَجلي، وحان سفك دمي على يَده، فَلَو اجتهدت الْمَلَائِكَة والأنبياء وَأهل السَّمَوَات وَالْأَرْض، على صرف ذَلِك عني، مَا اسْتَطَاعُوا، فَلم أتعجل الْهم، وأتسلف الفكرة وَالْغَم، فِيمَا قد فرغ الله مِنْهُ، وَأَنا حسن الظَّن بِاللَّه الَّذِي خلق ورزق، وَأَحْيَا وأمات وَفطر وجبل، وَأحسن وأجمل، وَأَيْنَ الصَّبْر وَالرِّضَا، والتفويض وَالتَّسْلِيم إِلَى من يملك الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَكنت أَحسب أَنَّك تعرف هَذَا، فَإِذا قد عرفت مبلغ فهمك، فَإِنِّي لَا أُكَلِّمك بِكَلِمَة، حَتَّى تفرق بَيْننَا حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ. ثمَّ أعرض عني، فَمَا سَمِعت لَهُ لَفْظَة بِغَيْر الْقُرْآن وَالتَّسْبِيح، أَو طلب مَاء أَو حَاجَة تجْرِي مجْرَاه، حَتَّى شارفنا الْكُوفَة فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر بعد الظّهْر، فَإِذا النجب قد استقبلتنا على فراسخ من الْكُوفَة، يتجسسون خبري.

стр. 364

فَلَمَّا رأوني رجعُوا بخبري إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فانتهيت إِلَى الْبَاب آخر النَّهَار، فَدخلت على الرشيد، فَقبلت الأَرْض، ووقفت بَين يَدَيْهِ. فَقَالَ: هَات مَا عنْدك، وَإِيَّاك أَن تغفل مِنْهُ لَفْظَة وَاحِدَة. فسقت إِلَيْهِ الحَدِيث من أَوله، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى ذكر الْفَاكِهَة وَالطَّعَام وَالْغسْل وَالطهُور والبخور، وَمَا حدثت بِهِ نَفسِي من امْتِنَاعه مني، وَالْغَضَب يظْهر فِي وَجهه ويتزايد، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى فرَاغ الْأمَوِي من الصَّلَاة، وانفتاله، وسؤاله عَن سَبَب مقدمي، ودفعي الْكتاب إِلَيْهِ، ومبادرته إِلَى إِحْضَار وَلَده وأسبابه، وَيَمِينه أَن لَا يتبعهُ أحد مِنْهُم، وَصَرفه إيَّاهُم، وَمد رجلَيْهِ حَتَّى قيدته، فَمَا زَالَ وَجه الرشيد يسفر. فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى مَا خاطبني بِهِ فِي الْمحمل، عِنْد توبيخي إِيَّاه، قَالَ: صدق وَالله، مَا هَذَا إِلَّا رجل مَحْسُود على النِّعْمَة، مَكْذُوب عَلَيْهِ، وَلَقَد أذيناه، ولعمري لقد أزعجناه، وروعناه، وروعنا أَهله، فبادر بِنَزْع قيوده عَنهُ، وائتني بِهِ. فَخرجت، فنزعت قيوده، وأدخلته على الرشيد، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن رَآهُ، حَتَّى رَأَيْت مَاء الْحيَاء يَدُور فِي وَجه الرشيد، ودنا الْأمَوِي، فَسلم بالخلافة، ووقف، فَرد عَلَيْهِ الرشيد ردا جميلا، وَأمره بِالْجُلُوسِ، فَجَلَسَ. وَأَقْبل عَلَيْهِ الرشيد، ثمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّه بلغنَا عَنْك فضل همة، وَأُمُور، أحببنا مَعهَا أَن نرَاك، ونسمع كلامك، ونحسن إِلَيْك، فاذكر حوائجك. فَأجَاب الْأمَوِي جَوَابا جميلا، وشكر، ودعا، ثمَّ قَالَ: أما حَاجَتي، فَمَا لي إِلَّا حَاجَة وَاحِدَة. فَقَالَ: مقضية، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تردني إِلَى بلدي، وَأَهلي، وَوَلَدي. فَقَالَ: نَحن نَفْعل ذَلِك، وَلَكِن سل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من صَلَاح جاهك، ومعاشك، فَإِن مثلك لَا يَخْلُو أَن يحْتَاج إِلَى شَيْء من هَذَا.

стр. 365

فَقَالَ: عُمَّال أَمِير الْمُؤمنِينَ منصفون، وَقد اسْتَغْنَيْت بعدله عَن مَسْأَلته، وأموري منتظمة، وأحوالي مُسْتَقِيمَة، وَكَذَلِكَ أُمُور أهل بلدي بِالْعَدْلِ الشَّامِل فِي دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ لَهُ الرشيد: انْصَرف مَحْفُوظًا إِلَى بلدك، وَكتب إِلَيْنَا بِأَمْر إِن عرض لَك، فودعه الْأمَوِي. فَلَمَّا ولى خَارِجا، قَالَ لي الرشد: يَا مَنَارَة، احمله من وقتك، وسر بِهِ رَاجعا كَمَا أتيت بِهِ، حَتَّى إِذا أوصلته إِلَى الْمجْلس الَّذِي أَخَذته مِنْهُ، فَارْجِع وخله، فَفعلت ذَلِك.

стр. 366

ابْن الْفُرَات يتحدث عَن اعتقاله وتعذيبه حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، وَيعرف هِشَام بِأبي قِيرَاط، قَالَ: كنت حَاضرا مَعَ أبي ﵀، فِي مجْلِس أبي الْحسن بن الْفُرَات، فِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَثَلَاث مائَة، وَفِي وزارته الثَّانِيَة، فَسَمعته يتحدث، قَالَ: دخل عَليّ أَبُو الْهَيْثَم الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن ثوابة الْأَنْبَارِي، فِي محبسي بدار المقتدر، فطالبني بكتب خطي بِثَلَاثَة عشر ألف ألف دِينَار. فَقلت: وَالله، مَا جرى قدر هَذَا المَال، على يَدي للسُّلْطَان، فِي طول وزارتي، فَكيف أصادر على مثله؟ فَقَالَ: قد حَلَفت بِالطَّلَاق أَنه لَا بُد من أَنَّك تكْتب خطك بذلك، فَكتبت ثَلَاثَة عشر ألف ألف، من غير مَا أذكر مَا هِيَ، أَو ضمانا فِيهَا.

стр. 367

قَالَ: فَاكْتُبْ دِينَارا، لتبريني من يَمِيني. فَكتبت دِينَارا، ثمَّ ضربت عَلَيْهِ، وأكلت الرقعة، وَقلت لَهُ: قد بَرِئت من يَمِينك، وَلَا سَبِيل لَك إِلَى غير هَذَا مني. فاجتهد بِي، فَلم أجبه إِلَى شَيْء، فحبسني. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، دخل إِلَى الْحَبْس، وَمَعَهُ أم مُوسَى، فطالبني بذلك، وأسرف فِي سبي وشتمي، ورماني بِالزِّنَا. فَحَلَفت بِالطَّلَاق، وَالْعتاق، والأيمان الْمُغَلَّظَة، أَنِّي مَا دخلت فِي مَحْظُور من هَذَا الْجِنْس، من نَيف وَثَلَاثِينَ سنة، وسمته أَن يحلف بِمثل تِلْكَ الْيَمين أَن غُلَامه الْقَائِم على رَأسه، لم يَأْته فِي ليلته تِلْكَ، فأنكرت أم مُوسَى هَذَا الْحَال، وغطت وَجههَا حَيَاء مِنْهُ.

стр. 368

فَقَالَ ابْن ثوابة: إِن هَذَا إِنَّمَا تبطره الْأَمْوَال الَّتِي وَرَاءه، وَمثله فِي ذَلِك، كَمثل المزين مَعَ كسْرَى، والحجام مَعَ الْحجَّاج، فتستأمرين السَّادة، فِي إِنْزَال الْمَكْرُوه بِهِ، حَتَّى يذعن بالأموال. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَيَعْنِي بالسادة: المقتدر، ووالدته، وخالته

стр. 369

خاطف، ودستنبويه أم ولد المتعضد؛ لأَنهم كَانُوا، إِذْ ذَاك، يدبرون الْأُمُور؛ لحداثة سنّ المقتدر. قَالَ ابْن الْفُرَات: فمضت أم مُوسَى، ثمَّ عَادَتْ، فَقَالَت لِابْنِ ثوابة: السَّادة يَقُولُونَ لَك: صدقت فِيمَا ذكرت، ويدك مُطلقَة فِيهِ. وَكنت فِي دَار ضيقَة، فِي حر شَدِيد، فَأمر بكشف البواري حَتَّى صرت فِي الشَّمْس، ونحي الْحَصِير من تحتي، وأغلق أَبْوَاب الْبيُوت، حَتَّى حصلت فِي الصحن، ثمَّ قيدني بِقَيْد ثقيل، وألبسني جُبَّة صوف قد نقعت فِي مَاء الأكارع، وغلني بغل، وأقفل بَاب الْحُجْرَة وَانْصَرف، فَأَشْرَفت على التّلف. وعددت على نَفسِي ذُنُوبِي، فوجدتني قد عوملت بِمَا عاملت بِهِ النَّاس، من المصادرة، وَنهب الْمنَازل، وَقبض الضّيَاع، وَتَسْلِيم النَّاس إِلَى أعدائهم، وحبسهم، وتقييدهم، وإلباسهم جباب الصُّوف، وهتك حريمهم، وإقامتهم فِي الشموس، وإفرادهم فِي الحبوس. ثمَّ قلت: مَا غللت أحدا، فَكيف غللت؟ ثمَّ تذكرت أَن النَّرْسِي، كَاتب الطَّائِي، كَانَ سلمه إِلَيّ عبيد الله بن

стр. 370

سُلَيْمَان، لمَال عَلَيْهِ، فسلمته إِلَى الْحسن، الْمَعْرُوف بالمعلوف، الْمُسْتَخْرج، وَكَانَ عسوفا، وأمرته بتقييده، وتعذيبه، ومطالبته بِمَال ذكرته لَهُ، فألط بِهِ، فَأمرت بِهِ أَن يغل، ثمَّ تحوبت بعد أَن غل مِقْدَار ساعتين من النَّهَار، فَأمرت بِأخذ الغل عَنهُ. فَلَمَّا جَازَت الساعتان، تذكرت شَيْئا آخر، وَهُوَ أَنه لما قرب سبكرى من الْجَبَل، مَعَ رَسُول صَاحب خُرَاسَان، مأسورا، كتبت إِلَى بعض عُمَّال الْمشرق، بمطالبته بأمواله وودائعه، فَكتب إِلَيّ بإلطاطه، فَكتبت

стр. 371

بِأَن يغل، وَكنت أتغدى، فَلَمَّا غسلت يَدي، تندمت، وتحوبت، فَكتبت بِأَن يحل الغل عَنهُ إِن كَانَ قد غل، فوصل الْكتاب الأول فعل، وَوصل الْكتاب الثَّانِي بعد ساعتين، فَحل عَنهُ، على مَا كتبت بِهِ. فَلَمَّا مَضَت أَربع سَاعَات، إِذا بِصَوْت غلْمَان مجتازين فِي الْمَمَر الَّذِي فِيهِ الْحُجْرَة الَّتِي أَنا مَحْبُوس فِيهَا، فَقَالَ لي الخدم الموكلون بِي: هَذَا بدر الحرمي، وَهُوَ لَك صَنِيعَة. فاستغثت بِهِ، وَصحت: يَا أَبَا الْخَيْر، ألله، ألله، فيَّ، لي عَلَيْك حُقُوق، وَقد ترى حَالي، وَالْمَوْت أسهل مِمَّا أَنا فِيهِ، فتخاطب السَّادة فِي أَمْرِي، وتذكرهم حرمتي، وخدمتي فِي تثبيت دولتهم، إِذْ خذلهم النَّاس، وافتتاحي الْبلدَانِ المنغلقة وإثارتي الْأَمْوَال المنكسرة، فَإِن كَانَ ذَنبي يُوجب الْقَتْل، فالسيف أروح لي، فَرجع، فَدخل إِلَيْهِم، فخاطبهم ورققهم، وَلم يبرح حَتَّى أمروا بِأخذ حديدي، وإدخالي الْحمام، وَأخذ شعري، وتغيير لباسي، وتسليمي إِلَى زَيْدَانَ، وترفيهي

стр. 372

فَجَاءَنِي بذلك، وَقَالَ: يَقُولُونَ لَك: لن ترى بعْدهَا بَأْسا، وأقمت عِنْد زَيْدَانَ، إِلَى أَن رددت إِلَى هَذَا الْمجْلس.

стр. 373

كتاب ابْن ثوابة باستيزار ابْن الْفُرَات وحَدثني أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن هِشَام بن أبي قِيرَاط، أَن أَبَاهُ حَدثهُ، أَنه سمع أَبَا الْحسن بن الْفُرَات. . . .، فَذكر نَحْو هَذَا الحَدِيث، إِلَّا أَنه زَاد: أَن ابْن الْفُرَات لما خرج من هَذِه الشدائد الهائلة، إِلَى الوزارة الثَّانِيَة، أَمر أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن ثوابة، صَاحب ديوَان الرسائل، أَن يكْتب عَن المقتدر بِاللَّه، إِلَى أَصْحَاب الْأَطْرَاف، برده إِيَّاه إِلَى الوزارة، فَكتب إِلَى جَمِيعهم كتابا بنسخة وَاحِدَة، سَمِعت أبي وَغَيره من مَشَايِخ الْكتاب، إِذْ ذَاك، يَقُولُونَ: إِنَّهُم مَا سمعُوا فِي مَعْنَاهُ أحسن مِنْهُ، فأعطانيه أبي، وَأَمرَنِي بحفظه، وتلاه عَليّ الْقَاسِم، فَحفِظت مِنْهُ فصلا، وَهُوَ: لما لم يجد أَمِير الْمُؤمنِينَ بدا مِنْهُ، وَلم يكن بِالْملكِ غنى عَنهُ، انتضاه أَمِير الْمُؤمنِينَ من غمده، فعاود مَا عرف من حَده، ودبر الْأُمُور كَأَن لم يخل مِنْهَا، وأمضاها كَأَن لم يزل عَنْهَا، إِذْ كَانَ الْحول الْقلب، المحنك المدرب، الْعَالم بدرة المَال كَيفَ تحلب، ووجوهه من أَيْن تطلب، وَكَانَ الْكتاب على اخْتِلَاف طبقاتهم، وتباين مرتباتهم، يقفون عِنْده إِذا استبقوا، وينتهون إِلَيْهِ إِذا احتكموا، وَكَانَ هَذَا الِاسْم حَقًا من حُقُوقه، استعير مِنْهُ، ثمَّ رد إِلَيْهِ.

стр. 374

خرج من حبس المقتدر وَنصب مستشارا للوزير ابْن مقلة حَدثنِي عَليّ بن هِشَام أبي قِيرَاط الْكَاتِب، من حفظه، وكتبت بإملائه، قَالَ: تطاول الْحَبْس بِأبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى فِي دَار المقتدر، حَتَّى أيس مِنْهُ، فَلَمَّا اجْتمع أَبُو الهيجاء، ونازوك، والطبقة الَّذين تجمعُوا وخلعوا المقتدر

стр. 375

وأجلسوا القاهر، وحصلوا المقتدر فِي دَار مؤنس، كسرت الحبوس، وَنهب بعض دَار المقتدر، فَأَفلَت عَليّ بن عِيسَى من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ مَحْبُوسًا، فَخرج، فاستتر تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي كَانَ فِيهَا المقتدر مَحْبُوسًا عِنْد مؤنس، والقاهر متسم بالخلافة. فَلَمَّا جَاءَت الرجالة، بِغَيْر مراسلة من المقتدر لَهُم، وَلَا حِيلَة مِنْهُ فِي أَمر نَفسه، وَإِنَّمَا كَانَ بصنع طريف، وَسُوء تَدْبِير نازوك فِي خطابهم بِمَا كَرهُوا، فثاروا، وَقتلُوا أَبَا الهيجاء، ونازوك، وكبسوا دَار مؤنس، وَأخذُوا المقتدر من يَده، وأعادوه للخلافة، وردوا القاهر إِلَى دَار ابْن طَاهِر، وَظهر ابْن مقلة، وَكَانَ وَزِير المقتدر، وَكَانَ قد استتر.

стр. 376

قَالَ: فَحَدثني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل زنجي الْكَاتِب، وَأَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الرُّوذَبَارِي، صَاحب الْفضل بن جَعْفَر، قَالُوا: كُنَّا فِي دَار مؤنس، وَالنَّاس يهنونه، وَعلي بن عِيسَى مستتر، فَلم يشْعر إِلَّا وَقد جَاءَ عَليّ بن عِيسَى بطيلسان، وأحفى الْمَسْأَلَة أَن يرد إِلَى الْحَبْس، خوفًا من عواقب الاستتار، وَأَن يُولد عَلَيْهِ أَكثر من الْحَبْس. فَتَلقاهُ مؤنس أحسن لِقَاء وأجمله، واستصوب رَأْيه فِي الظُّهُور، وراسل

стр. 377

المقتدر فِي الْحَال، فَعَاد الْجَواب من المقتدر، بأجمل قَول وَأحسنه، وَأَنه قد رد إِلَى عَليّ بن عِيسَى الإشراف على ابْن مقلة، والاجتماع مَعَه على سَائِر أُمُور المملكة، وَأمر أَن يصل بوصوله، وَأَن لَا ينْفَرد ابْن مقلة بتدبير أَمر دونه، وأفرد عَليّ بن عِيسَى بالمظالم، من غير أَن يكون لِابْنِ مقلة فِيهَا نظر. فَقَالَ لَهُ مؤنس: لَيْسَ يجوز مَعَ هَذَا أَن تلبس الطيلسان، وَعَلَيْك أَن تتلقى هَذَا الإنعام بالشكر. فَانْصَرف عَليّ بن عِيسَى، وَعَاد عشيا وَعَلِيهِ دراعة، وَجلسَ فِي دَار مؤنس، منتظرا مَجِيء الْوَزير ابْن مقلة، إِلَى أَن جَاءَ، فاجتمعا يتفاوضان فِي أُمُور الْأَمْوَال والأعمال. فَقَالَ لَهُ ابْن مقلة: إِن أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَليّ المادرائي يطيعك، وَهُوَ من أكبر صنائعك، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ بِحمْل مَال. فَقَالَ عَليّ بن عِيسَى: إِن مصر مَعَ الِاضْطِرَاب الْوَاقِع، ستفور نَارا، لِكَثْرَة الْجَيْش بهَا، وَعظم مَال صلَة الْبيعَة، وَالْوَجْه أَن يكْتب الْوَزير أعزه الله، فَقَالَ مؤنس لِابْنِ مقلة: افْعَل مَا أَشَارَ بِهِ أَبُو الْحسن.

стр. 378

فَقَالَ: لَا يحسن أَن أكتب فِي شَيْء من هَذَا، وَهَذَا الشَّيْخ حَاضر. فَقَالَ أَبُو الْحسن: فَأَنا أكتب بخطي عَنْك، إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ، فَإنَّك أَنْت الْوَزير، وكلنَا أعوانك وأتباعك، فسر بذلك ابْن مقلة جدا، وَصَارَت لَهُ عِنْد النَّاس جَمِيعًا منزلَة. ودعا عَليّ بن عِيسَى بِثلث قرطاس، وَكتب فِيهِ، فِي الْحَال، بِغَيْر نُسْخَة، كتابا نسخته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، أعزّك الله، وَأطَال بقاك، وأكرمك، وَأتم نعْمَته عَلَيْك، وَزَاد فِي إحسانه إِلَيْك، قد عود الله أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، فِي تصاريف أَحْوَاله، ومعقبات أَعماله، وَعند الخطوب إِذا ألمت، والحوادث إِذا أظلت، أَن لَا يخليه من نظر يتيحه لَهُ، وَنعم يجددها عِنْده، ومنح يُضَاعِفهَا لَدَيْهِ، لما يعرفهُ من صفاء نِيَّته، وخلوص طويته، وَحسن سَرِيرَته، لسَائِر رَعيته، عَادَة فِي الصّلاح والإصلاح، هُوَ، ، متممها، وموزع الشُّكْر عَلَيْهَا، وَكَانَ جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء، وَجُمْهُور الرِّجَال والأصفياء، عدلوا عَن طَرِيق السَّلامَة، وزالوا عَن مَذْهَب الاسْتقَامَة، وحادوا مَا توالى عَلَيْهِم من النِّعْمَة، وَوصل إِلَيْهِم من الْإِحْسَان فِي طول الْمدَّة، وَحَملهمْ الْحِين المتاح لأمثالهم، وَمَا قرب الله من آجالهم، على الْخُرُوج عَن مَدِينَة السَّلَام، بِغَيْر تَدْبِير وَلَا نظام، والمطالبة بِمَا لَا يسْتَحقُّونَ من الأرزاق، على سَبِيل السطوة والاقتدار، غير مفكرين فِي ذميم الْمذَاهب، ووخيم العواقب، مترددين فِي بغيهم، متسكعين فِي جهلهم وغيهم، وأمير الْمُؤمنِينَ، أدام الله عزه، يعدهم بنظره الَّذِي لَا يخلفه، وَالعطَاء الَّذِي لَا يُؤَخِّرهُ، ويتوخاهم بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة، وينهاهم عَن الْأَفْعَال القبيحة الْمُنكرَة، وهم يأبون مَا يَدعُوهُم

стр. 379

إِلَيْهِ، ويسرفون فِي التحكم وَالْبَغي عَلَيْهِ، إِلَى أَن أداهم الْجَهْل والطغيان والتمرد والعصيان، إِلَى إحضارهم دَار المملكة من لقبوه بالخلافة يَوْمًا وَاحِدًا، ثمَّ صرف عَنْهَا، وأمير الْمُؤمنِينَ، أيده الله تَعَالَى، يعْمل فكره ورويته فِي حل نظامهم، وحسم مواد اجْتِمَاعهم، وتشتيت كلمتهم، وتفريق جَمَاعَتهمْ، حَتَّى يتَمَكَّن مِنْهُم تمَكنا يفت فِي أعضادهم، ويوهن من عنادهم، ثمَّ يعْفُو عَمَّن يرى الْعَفو عَنهُ، ويوقع الْقصاص على من يُوجب الْحق الْقصاص مِنْهُ، فَلم تكن إِلَّا وقْعَة من الوقعات، وَسَاعَة من السَّاعَات، حَتَّى أخلف الله آمالهم، وأكذب أطماعهم وبدد شملهم، وَخيَّب سَعْيهمْ، وأكبى زندهم، وانفضوا بعد أَن استلحم من كَانَ مضرما للفتنة، وملهبا للنائرة، وَعَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ، أيده الله، على البَاقِينَ بالصفح الشَّامِل والإنعام الْكَامِل، وتغمد هفوتهم، وأقال عثرتهم، وَأحسن صلتهم، واستأنف أفضل الْأَحْوَال بهم، وعادت الْأُمُور كَمَا كَانَت، وتكشفت الخطوب وزالت وخلصت النيات وصلحت، وهدأت الرّعية وسكنت، وَقد تكفل الله، ، بنصر أَمِير الْمُؤمنِينَ، وتشييد أَرْكَان عزه، وَالله يحِق الْحق، وَيبْطل الْبَاطِل، وَلَو كره المجرمون، فأجر أعمالك، أعزّك الله، على أجمل مَا تجريها عَلَيْهِ، وَأحسن سيرتك فِيهَا، مُسْتَعْملا فِيهَا أجد الْجد، وأبلغ التشمير، حَتَّى تسهل صعابها، وتدر أحلابها، وتجري على أحسن مجاريها، وأجمل تأتيها، وَاحْذَرْ أَن ترخص لنَفسك فِي تَأْخِير الْحمل، فَتخرج إِلَى التَّأْنِيث والعذل، وبادر الْجَواب عَن هَذَا الْكتاب، لأعرضه على أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ،

стр. 380

فَإِنَّهُ يتوكفه، ويراعيه، ويتشوفه، وَالدُّعَاء لَهُ، وَكتب يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من الْمحرم سنة سبع عشرَة وَثَلَاث مائَة.

стр. 381

من مَكَارِم القَاضِي أَحْمد بن أبي دؤاد أ - سيد الْعَرَب أَحْمد بن أبي دؤاد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر الصولي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن خَلاد، قَالَ: رفع بعض الْعمَّال إِلَى المعتصم، وَكَانَ يَلِي الْخراج بِموضع يَلِي فِيهِ خَالِد بن يزِيد الْحَرْب، أَن خَالِد بن يزِيد اقتطع الْأَمْوَال واحتجن بَعْضهَا. فَغَضب المعتصم، وَحلف ليأخذن أَمْوَال خَالِد، ويعاقبه.

стр. 382

فلجأ خَالِد إِلَى أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي، فاحتال حَتَّى جمع بَينه وَبَين خَصمه، فَلم تقم على خَالِد حجَّة. فَعرف ابْن أبي دؤاد المعتصم ذَلِك، وشفع إِلَيْهِ فِي خَالِد، فَلم يشفعه. وأحضر خَالِدا، وأحضر آلَات الْعقُوبَة، وَقد كَانَ قبل ذَلِك، قبض أَمْوَاله، وضياعه، وَصَرفه عَن الْعَمَل. وَحضر ابْن أبي دؤاد الْمجْلس، فَجَلَسَ دون النَّاس. فَقَالَ لَهُ المعتصم: ارْتَفع إِلَى مَكَانك. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أستحق إِلَّا دون الْمجْلس. قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: النَّاس يَزْعمُونَ أَن لَيْسَ محلي مَحل من شفع فِي رجل قرف بِمَا لم يَصح عَلَيْهِ فَلم يشفع. قَالَ: ارْتَفع إِلَى موضعك. قَالَ: مشفعا أَو غير مُشَفع؟

стр. 383

قَالَ: مشفعا، قد وهبت لَك خَالِدا، ورضيت عَنهُ. قَالَ: النَّاس لَا يعلمُونَ بِهَذَا. قَالَ: وَقد رددت عَلَيْهِ العمالة، والضياع، وَالْأَمْوَال الَّتِي لَهُ. قَالَ: ويشرفه أَمِير الْمُؤمنِينَ بخلع تظهر للعامة. فَأمر أَن تفك قيوده ويخلع عَلَيْهِ، فَفعل بِهِ ذَلِك، ورد إِلَى حَضرته. فَقَالَ ابْن أبي دؤاد: قد اسْتحق هُوَ وَأَصْحَابه رزق سِتَّة أشهر، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يَجْعَلهَا صلَة لَهُ. قَالَ: لتحمل مَعَه. فَخرج خَالِد، وَالنَّاس منتظرون الْإِيقَاع بِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ على تِلْكَ الْحَال سروا، وَصَاح بِهِ رجل: الْحَمد لله على خلاصك يَا سيد الْعَرَب. فَقَالَ: مَه، سيد الْعَرَب، وَالله، ابْن أبي دؤاد، الَّذِي طوقني هَذِه المكرمة الَّتِي لَا تنفك من عنقِي أبدا، لَا أَنا. وَفِي هَذِه الْقَضِيَّة، يَقُول أَبُو تَمام الطَّائِي: يَا سائلي عَن خَالِد وفعاله ... رد فاغترف علما بِغَيْر رشاء قد كَانَ خطب عاثر فأقاله ... رَأْي الْخَلِيفَة كَوْكَب الْخُلَفَاء فَخرجت مِنْهُ كالشهاب وَلم تزل ... مذ كنت خراجا من الغماء مَا سرني بِخُرُوجِهِ من حجَّة ... مَا بَين أندلس إِلَى صنعاء

стр. 384

ب - إِطْلَاق الْكتاب من حبس الواثق حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن عِيسَى، يتحدث، قَالَ: سَمِعت عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب، يَقُول: حَدثنِي أبي، قَالَ: كنت وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْخَطِيب، مَعَ خلق من الْعمَّال وَالْكتاب معتقلين فِي يَدي مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات، فِي آخر وزارته للواثق، نطالب ببقايا مصادراتنا، وَنحن آيس مَا كُنَّا من الْفرج، إِذْ اشتدت عِلّة الواثق، وحجب سِتَّة أَيَّام عَن النَّاس، فَدخل عَلَيْهِ أَبُو عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد القَاضِي، فَقَالَ لَهُ الواثق: يَا أَبَا عبد الله، وَكَانَ يكنيه، ذهبت مني الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. قَالَ: كلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: بلَى، أما الدُّنْيَا، فقد ذهبت مني بِمَا ترى من حُضُور الْمَوْت، وَذَهَبت مني الْآخِرَة، بِمَا أسلفت من عمل الْقَبِيح، فَهَل عنْدك من دَوَاء؟ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد غَرَّك مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فِي الْكتاب والعمال، وملأ بهم الحبوس، وَلم يحصل من جهتهم على كَبِير شَيْء، وهم عدد كثير، ووراءهم ألف يَد ترفع إِلَى الله تَعَالَى بِالدُّعَاءِ عَلَيْك، فتأمر بإطلاقهم، لترتفع تِلْكَ الْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ لَك، فَلَعَلَّ الله أَن يهب لَك الْعَافِيَة، وعَلى كل حَال، فَأَنت مُحْتَاج إِلَى أَن تقل خصومك. فَقَالَ: نعم مَا أَشرت بِهِ، وَقع عني إِلَيْهِ بإطلاقهم. فَقَالَ: إِن رأى خطي، عاند ولج، وَلَكِن يغتنم أَمِير الْمُؤمنِينَ الثَّوَاب، ويتساند، وَيحمل على نَفسه، ويوقع بِخَطِّهِ.

стр. 385

فَوَقع الواثق، بِخَط مُضْطَرب إِلَى ابْن الزيات بإطلاقهم، وَإِطْلَاق كل من فِي الحبوس، من غير استئمار وَلَا مُرَاجعَة. فَقَالَ ابْن أبي دؤاد: يتَقَدَّم أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى إيتاخ أَن يمْضِي بالتوقيع، وَلَا يَدعه يعْمل شَيْئا، أَو يُطْلِقهُمْ، وَأَن يحول بَينه وَبَين الْوُصُول إِلَيْك، أَو كتب رقْعَة، أَو اشْتِغَاله بِشَيْء أَلْبَتَّة، إِلَّا بعد إِطْلَاقهم، وَإِن لقِيه فِي الطَّرِيق أنزلهُ عَن دَابَّته، وَأَجْلسهُ على غاشيته فِي الطَّرِيق، حَتَّى يفرغ من ذَلِك. فَتوجه إيتاخ، فلقي ابْن الزيات رَاكِبًا يُرِيد دَار الْخَلِيفَة. فَقَالَ لَهُ: تنزل عَن دابتك، وتجلس على غاشيتك. فارتاع، وَظن أَنه قد وَقع بِهِ الْحَال، فَنزل، وَجلسَ على غاشيته، فأوصل إِلَيْهِ التوقيع، فَامْتنعَ، وَقَالَ: إِذا أطلقت هَؤُلَاءِ فَمن أَيْن أنْفق الْأَمْوَال، وأقيم الأنزال؟ فَقَالَ لَهُ: لَا بُد من ذَلِك. فَقَالَ: أركب إِلَيْهِ وأستأذنه. فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل. قَالَ: فَدَعْنِي أكاتبه. قَالَ: وَلَا هَذَا. قَالَ: فَمَا تَركه يبرح من مَوْضِعه، حَتَّى وَقع بِإِطْلَاق النَّاس. فَصَارَ إيتاخ إِلَيْنَا، وَنحن فِي الْحَبْس، آيس مَا كُنَّا من الْفرج، وَقد بلغنَا شدَّة عِلّة الواثق، وَأَن قد أرجف لِابْنِهِ بالخلافة، وَكَانَ صَبيا، فخفنا أَن يتم

стр. 386

ذَلِك، فَيجْعَل ابْن الزيات الصَّبِي شبحا، ويتولى التَّدْبِير فيتلفنا، وَقد امتنعنا لفرط الْغم من الْأكل. فَلَمَّا دخل علينا إيتاخ، لم نشك أَنه قد حضر لبلية، فأطلقنا، وعرفنا الصُّورَة، فدعونا للخليفة، وَلأَحْمَد بن أبي دؤاد، وانصرفنا إِلَى مَنَازلنَا لَحْظَة، ثمَّ خرجنَا، فوقفنا لأبي عبد الله دؤاد على الطَّرِيق، نَنْتَظِر عوده من دَار الْخَلِيفَة عشيا. فحين رَأَيْنَاهُ ترجلنا لَهُ، فَقَالَ: لَا تَفعلُوا، وأكبر ذَلِك، ومنعنا من التَّرَجُّل، فَلم نمتنع ودعونا لَهُ وشكرناه. فَوقف حَتَّى ركبنَا وسايرناه، وَأخذ يخبرنا بالْخبر، وَنحن نشكره، وَهُوَ يستصغر مَا فعل، وَيَقُول: هَذَا أقل حقوقكم، وَكَانَ الَّذِي لقِيه أَنا وَأحمد بن الخصيب. وَقَالَ لنا: ستعلمان مَا أَفعلهُ مستأنفا. ثمَّ رَجَعَ ابْن أبي دؤاد إِلَى دَار الْخَلِيفَة عشيا، فَقَالَ لَهُ الواثق: قد تبركت بِرَأْيِك يَا أَبَا عبد الله، وَوجدت خفَّة من الْعلَّة، ونشطت للْأَكْل، فَأكلت وزن خَمْسَة دَرَاهِم خبْزًا بصدر دراج. فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تِلْكَ الْأَيْدِي الَّتِي كَانَت تَدْعُو عَلَيْك غدْوَة، صَارَت تَدْعُو لَك عَشِيَّة، وَيَدْعُو لَك بسببهم خلق كثير من رعيتك،

стр. 387

إِلَّا أَنهم قد صَارُوا على دور خراب، وأحوال قبيحة، بِلَا فرش، وَلَا كسْوَة، وَلَا دَوَاب، وَلَا ضيَاع، موتى جوعا وهزالا. قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: فِي الخزائن والاصطبلات بقايا مَا أَخذ مِنْهُم، فَلَو أمرت أَن ينظر فِي ذَلِك، فَكل من وجد لَهُ شَيْء بَاقٍ من هَذَا رد عَلَيْهِ، وأطلقت لَهُم ضياعهم، لعاشوا، وخف الْأَلَم وتضاعف الدُّعَاء، وقويت الْعَافِيَة. قَالَ: فَوَقع عني بذلك، فَوَقع عَنهُ أَحْمد بن أبي دؤاد. فَمَا شعرنَا من الْغَد، إِلَّا وَقد رجعت علينا نعمتنا، وَمَات الواثق بعد ثَلَاثَة أَيَّام. وَفرج الله عَنَّا بِابْن أبي دؤاد، وَبقيت لَهُ هَذِه المكرمة الْعَظِيمَة فِي أعناقنا. وَقد ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس هَذَا الْخَبَر، فِي كتاب الوزراء، عَن مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، عَن عبيد الله بن سُلَيْمَان، بِمَا يقرب من هَذِه الْأَلْفَاظ، وَالْمعْنَى وَاحِد، إِلَّا أَنه لم يذكر أَنه كَانَ مَعَهم فِي الْحَبْس أَحْمد بن الخصيب. جـ - إنقاذ أبي دلف من موت مُحَقّق حَدثنِي أبي ﵁، فِي المذاكرة، بِإِسْنَاد لست أقوم عَلَيْهِ؛ لِأَنِّي لم أكتبه فِي الْحَال، قَالَ: كَانَ ابْتِدَاء الْعَدَاوَة بَين أبي عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد وَبَين الإفشين،

стр. 388

أَن الإفشين كَانَ أغرى المعتصم بِأبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ؛ لعداوة كَانَت بَينهمَا، فسلمه إِلَيْهِ المعتصم، فأجمع على قَتله من يَوْمه ذَاك. وَبلغ الْخَبَر أَبَا دلف، فارتحل على ابْن أبي دؤاد، فَاسْتَجَارَ بِهِ، وعرفه مَا قد أشرف عَلَيْهِ. فجَاء ابْن أبي دؤاد إِلَى المعتصم ليسأله عَن أمره، فَوَجَدَهُ نَائِما، فكره أَن

стр. 389

يقيمه وينبهه، وَخَافَ أَن يشرع الإفشين فِي قتل أبي دلف، فجَاء إِلَى الإفشين، فَقَالَ لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ، بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ أَن تحدث على الْقَاسِم بن عِيسَى حَادِثَة، وَالله لَئِن فعلت لأَقْتُلَنك، وَلم يكن المعتصم أرْسلهُ، وَلَا قَالَ لَهُ شَيْئا. فرهب الإفشين أَن يقتل أَبَا دلف. وَعَاد ابْن أبي دؤاد إِلَى المعتصم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَيْسَ الْكذَّاب من أصلح بَين النَّاس» ، فَقَالَ خيرا، ومنَّى خيرا، وَقد أدّيت عَنْك رِسَالَة أَحييت بهَا أهل بَيت من الْمُسلمين، وكففت بهَا أسياف خلق من الْعَرَب، بَلغنِي أَن الإفشين عزم على قتل الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فأديت إِلَيْهِ عَنْك رِسَالَة هِيَ كَذَا وَكَذَا، فحقنت دم الرجل، ونعشت عِيَاله، وكففت عَنْك عصيان عجل وَمن يتبعهَا مِمَّن يتعصب لَهُ، فيتفق عَلَيْك من ذَلِك مَا تغتم بِهِ، وَالرجل فِي يَده مشف على الْقَتْل. فَقَالَ لَهُ المعتصم: قد أَحْسَنت. وَوجه الإفشين إِلَى ابْن أبي دؤاد: لَا تَأتِينِي، وَلَا تقربني. فَقَالَ للرسول: أتؤدي عني كَمَا أدّيت إِلَيّ؟ قَالَ: قل. قَالَ: قل لَهُ: مَا آتِيك تعززا من ذلة، وَلَا تكثرا من قلَّة، وَإِنَّمَا أَنْت رجل ساعدك زمَان، ورفعك سُلْطَان، فَإِن جئْتُك فَلهُ، وَإِن تَأَخَّرت عَنْك فلنفسك. أَخْبرنِي القَاضِي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع القَاضِي، قَالَ: أخبرنَا مُوسَى بن جَعْفَر، أَخُو يعِيش الْكَاتِب، قَالَ:

стр. 390

كَانَ أَحْمد بن أبي دؤاد حِين ولي المعتصم الْخلَافَة، عادى الإفشين وحرض عَلَيْهِ المعتصم، وَذكر حَدِيثا طَويلا، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. ثمَّ قَالَ فِيهِ: وَكَانَ سَبَب الْعَدَاوَة بَين أَحْمد بن أبي دؤاد، وَبَين الإفشين، أَن الإفشين أَرَادَ قتل أبي دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فَاسْتَجَارَ بِابْن أبي دؤاد، ثمَّ ذكر نَحوا مِمَّا ذكرته عَن أبي ﵁، إِلَّا أَنه لم يقل فِي خَبره أَن ابْن أبي دؤاد جَاءَ إِلَى المعتصم فَوَجَدَهُ نَائِما، ثمَّ عَاد فَوَجَدَهُ قد انتبه، وَقَالَ فِي آخر حَدِيثه: وَإِنَّمَا أَنْت رجل رفعتك دولة، فَإِن جِئْت فلهَا وَإِن قعدت فعنك. وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ أَبُو دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ، فِي جملَة من كَانَ مَعَ الإفشين خيذر بن كاوس لما خرج لمحاربة بابك، ثمَّ تنكر لَهُ، فَوجه من جَاءَهُ بِهِ ليَقْتُلهُ. وَبلغ المعتصم الْخَبَر، فَبعث إِلَيْهِ بِأَحْمَد بن أبي دؤاد، وَقَالَ لَهُ: أدْركهُ، وَمَا أَرَاك تُدْرِكهُ، واحتل فِي خلاصه مِنْهُ كَيفَ شِئْت. قَالَ أَحْمد: فمضيت ركضا حَتَّى وافيته، فَإِذا أَبُو دلف وَاقِف بَين يَدَيْهِ، وَقد أَخذ بِيَدِهِ غلامان لَهُ تركيان، فرميت بنفسي على الْبسَاط، وَكنت إِذا جِئْته دَعَا لي بمصلى. فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا حملك على هَذَا؟ قلت: أَنْت أجلستني هَذَا الْمجْلس، ثمَّ كَلمته فِي الْقَاسِم بن عِيسَى، وَسَأَلته فِيهِ، وخضعت لَهُ، فَجعل لَا يزْدَاد إِلَّا غلظة. فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك مِنْهُ، قلت: هَذَا عبد، وَقد أغرقت فِي الرقة مَعَه فَلم تَنْفَع، وَلَيْسَ إِلَّا أَخذه بالرهبة. فَقُمْت، وَقلت: كم تراك قدرت فِي نَفسك تقتل أَوْلِيَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاحِدًا بعد وَاحِد، وتخالف أمره فِي قَائِد بعد قَائِد؟ قد حملت إِلَيْك هَذِه الرسَالَة عَن
следующие страницы →