الرباط بين الفرد والمجموع، لذلك وجدت تكاليف حكمها أنها فرض كفاية.
وفي جانب العلاقات الدولية فالإسلام لا يمنع من إقامتها حتى مع غير المسلمين على أسس من العدل والمعاملة بالمثل.
فالتوازن هو السنة التي دونها يستحيل أن يكون هناك وجود حقيقي على مستوى الفرد، فالإنسان إذا اختلت التوازنات في ذاته وفي جسمه يشعر بمرض كذلك الطبيعة والطقس والجو إذا اختلت فيها التوازنات يحدث الخلل، وإذا اختل التوازن في العلاقة بين الطبقات في المجتمع، يحدث الصراع والدمار، وإذا اختل التوازن بين العلاقات الدولية تحدث الحروب والصراعات إذن فكرة الوسطية فكرة عميقة وشاملة كما حددها الإسلام والرؤية الإسلامية.
стр. 37
الدعوة الإسلامية واستخدام الحوار وفي مجال الدعوة إلى الله نجد أن الإسلام ينبذ العنف لأن الدعوة الإسلامية تستهدف البدء بتغيير النفس وإعادة صياغة الإنسان قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (سورة الرعد من الآية:١١) .
وتغيير ما بأنفسهم وما بداخلهم لا يتأتى بالإكراه أو العنف، لأن العنف يؤدي إلى النفاق، فإذا استعملت العنف في الدعوة أكرهت الآخرين، فأنت تكسب بذلك منافقاً لا مؤمناً، لأنك تكسب الظاهر، أما الداخل أو الباطن فلا يظهر، ومن هنا كانت وما زالت الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار والجدال بالتي هي أحسن سبيل الدعوة.
فالذين يلجؤون إلى العنف في الدعوة اليوم أو في فرض آرائهم هؤلاء مخالفون تمام المخالفة لمناهج الإسلام في الدعوة، هذا المنهاج الذي هو منهاج القرآن.
стр. 38
إذن النقطة الأساسية في بداية الدعوة الإسلامية هي تغيير ما في النفس، وهذا لا يتأتى بالإكراه أو العنف، فالعنف عادة يكون رد فعل لعنف آخر أو رد فعل لقيود عنيفة تمارس على حريات الإنسان، فيرفضها رفضاً عنيفاً.
إن استخدام القوة لا يجوز إلا دفاعاً عن النفس وحماية للأرض والعرض، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (سورة الفتح من الآية:٢٩) ، وقال : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النحل، الآية:١٢٦) ، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة من الآية:١٩٤) .
فلا بد أن نكون رحماء فيما بيننا لنحقق المنهج الإسلامي في الوسطية والبعد عن الإفراط والتفريط.
стр. 39
فالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن هي من أبرز وسائل الدعوة إلى الله وهي علامة على وسطية الأمة واعتدالها في التعامل مع وجهات النظر بل مع المخالف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سورة سبأ من الآية:٢٤) ، وقد كان رسول الله ﷺ يحاور الناس ويبحث عمن يقبل دعوته، واستخدم رسولنا ﷺ الوسائل المتعددة لتبليغ الرسالة ومنها الحوار.
وقد سمى الله صلح الحديبية الذي عارضه أغلب الصحابة ﵃ وعدوه ضيماً سماه فتحاً، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفتح، الآية:١) ؛ وذلك لما ترتب عليه من ثمرات وفتوح كان من أعظمها الحوار بين المسلمين والمشركين وعرض المسلمين لدينهم الأمر الذي كان ممنوعاً وغير مقبول قبل هذا الصلح فدخل الناس بعده في دين الله أفواجاً.
فالواجب على المسلمين الاعتدال في الدعوة إلى الله فلا غلظة ولا شدة، بل قول لين وموعظة حسنة ورفق بالمدعوين، وإرشاد بالحسنى للضالين عن الصراط المستقيم، وستر على المسلمين، ومجادلة وحوار مع الجميع بالتي هي أحسن.
стр. 40
وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف، الآية:١٠٨) ، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل، الآية:١٢٥) ، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.
وقال الرسول المصطفى ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» (١)
إن وسطية هذا الدين وسماحته لو ظهرت للناس على حقيقتها لوجد التائهون فيه ضالتهم المنشودة وسعادتهم وغبطتهم، ولتحقق لهم النصر العظيم والفوز المبين.
ولو أعطى المسلمون بسلوكهم المنهج الوسط لكان للإسلام شأن أعظم وأرض أرحب.
стр. 41
ولهذا فإن الواجب تعميق مفهوم الوسطية بالتوعية والإرشاد والقدوة، ومقارعة الحجة بالحكمة والموعظة الحسنة، ينهض بذلك العلماء وأهل الهدى، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (سورة المجادلة من الآية:١١) ، وقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة الزمر من الآية:٩) .
على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن.
إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
стр. 42
وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
وبالجدل بالتي هي أحسن بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح. حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس الهدف هو الغلبة في الجدل، ولكن بالإقناع وإظهار الحق.
стр. 43
مجالات الوسطية في الإسلام الإسلام دين الوسط بين المادية الملحدة وبين الرهبانية المبتدعة. فاليهودية والنصرانية زاغت عن العدل والاعتدال فيما يخص حقوق الروح وحقوق الجسد.
стр. 44
فبالنسبة لليهودية كانت وما تزال ترى أن المال هو الغاية وأن المادة هي الهدف الأسمى. ولذا أقدمت على تقديسها وتأليهها لدرجة أنها حريصة على الحياة المادية أكثر من كل شيء حتى إن عيسى ﵇ كان يخاطبهم قائلاً: (لا تعبدوا ربين: الله والمال) ، ويقول ول ديورانت: (إن اليهود قلما كانوا يبشرون إلى حياة أخرى) ، ولم يرد في دينهم شيء من الخلود، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية:٩٤) ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية:٩٦) ، ويقول تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة النساء، الآية:١٦١) .
стр. 45
ومن هنا نرى أن اليهود حرفت وشوهت وبالغت في هذا الجانب المادي على حساب الجانب الروحي.
أما النصرانية فقد اتخذت منحنى معاكساً للفكر اليهودي حيث بالغت في الجانب الروحي بدعوة الزهد والترهبن قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (سورة الحديد من الآية:٢٧) .
وقال رسول الله ﷺ : «لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ» (١)
стр. 46
وأمام هذا الغلو اليهودي المادي الملحد، وغلو المسيحية في الترهبن المبتدع جاء الإسلام ليصحح المسيرة ويهدي الناس إلى أقوم السبل وأعدل الطرق وهو سبيل الوسط بين المادة والروح ليعطي كل ذي حق حقه، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص، الآية:٧٧) ، وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (لأعراف: من الآية:٣٢) ، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (سورة الكهف، الآية:٤٦) ، وقال عز من قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية:١٧٢) .
стр. 47
الوسطية في الإسلام شاملة لكل قضايا الإنسان ففي مجال العقيدة نجد أن اليهودية والمسيحية بالغت في تحريف عقيدة التوحيد، وادعوا ما ليس من حقهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (سورة التوبة، الآية:٣٠) ، ويقول سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (سورة المائدة، الآية:١٨) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
الآية:١٧١) .
أمام هذا التحريف في العقيدة إفراطاً أو تفريطاً جاء الإسلام بالوسطية وبالإيمان الصحيح، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ .
стр. 50
الوسطية في الحقوق الإسلام يحترم حقوق الإنسان ويلزمه بأداء الواجب إذ إنهما وجهان لعملة واحدة فكل حق يقابله واجب، ويعطيه مكانته وكامل حقوقه المشروعة شريطة ألا تكون هذه الحقوق على حساب الجماعة، وهكذا نرى أنه من الحقوق التي منحها الإسلام للفرد حق حرية الرأي والتعبير والمشاركة في المجتمع وحق التملك وحق الكرامة وحرية التدين.
فالحرية التي يرفع شعارها اليوم الكثير من الدول في العالم بلا ضوابط ولا قيود مما أدى للفوضى والتناقض والاضطراب في فهمها وتطبيقها؛ فحرية كل فرد تكون اعتداء على حريات الآخرين، وفي الوقت نفسه فإن الحجر عليها كبت لا يرضى، فجاء الإسلام ليعلن الحرية في حمى الدين المقيدة بضوابط شرع رب العالمين، تلك التي تمنع الإنسان من فعل الشر، وتدفعه لجلب الخير.
فالحرية في الإسلام لا تعني التفلت من المسؤولية، وحرية القول لا تعني حرية السب والشتم، وحرية الفكر لا تعني حرية الكفر والإلحاد والهدم، وحرية الانتقال لا تعني حرية الاستيلاء والاحتلال.
стр. 51
وأما بالنسبة لحق التملك فقد أباح الإسلام للإنسان الملكية الفردية مع مراعاة حقوق الآخرين في هذه الملكية من زكاة وصدقات ووجوه البر والخير والإحسان، وكذلك الإرث والوصايا وغيرها، قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (سورة الذاريات، الآية:١٩) ، وقال سبحانه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (سورة الحديد، الآية:٧) .
لقد أباح الإسلام التملك الفردي احتراماً لحق الإنسان وحثاً له على العمل والإنتاج تلقائياً ولكن مع مراعاة مصلحة الجماعة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والتخفيف من الفوارق الطبقية هذه هي الوسطية الإسلامية الحقيقية التي لا نجدها في الأنظمة الاقتصادية الحديثة.
стр. 52
أما بالنسبة لكرامة الإنسان فإن الفرد في الإسلام مكرم عند الله بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات، الآية:١٣) ، وقال رسول الله ﷺ : «الناس سواسية كأسنان المشط» .
فالإسلام ينبذ العنصرية بكل أشكالها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (سورة الإسراء، آية:٧٠) وتظهر وسيطة الإسلام هنا من عطاء الحق والعدل والاعتدال في الكرامة للجميع.
стр. 53
وسطية الإسلام في إنفاق المال يعد المال في الإسلام عصب الحياة وقوام الأعمال إلا أنه في الوقت نفسه يحذرنا المولى من طغيانه، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ (سورة العلق، الآية:٦) ، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (سورة الكهف، الآية:٤٦) ، ويقول : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص، الآية:٧٧) .
стр. 54
لقد أمرنا الله بالاعتدال في الإنفاق فلا إسراف ولا تقتير، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (سورة الإسراء، الآية:٢٩) ، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف، الآية:٣١) ، ويقول : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (سورة الفرقان، الآية:٦٧) .
ومن هنا فإن المال في الإسلام هو نعمة ينبغي للإنسان أن يشكر الله عليها فيبذل قصارى جهده في حسن التصرف والبذل للمستحقين دون إسراف أو تقتير.
стр. 55
وحذر الإسلام أيضاً من الترف الفاحش الذي يؤدي إلى الفسق وارتكاب المعاصي فيستوجب غضب الرب كما يستوجب الدمار والهلاك والخراب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (سورة الإسراء، الآية:١٦) ، وفي الوقت نفسه نهى الإسلام عن الشح والتقتير والبخل لدعوى الخوف من الفقر وهذا يعني أنه يجب على الإنسان أن يسلك في النفقة مسلك الوسط: لا إسراف ولا تقتير، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (سورة الإسراء، الآية:٢٩) .
стр. 56
الوسطية في النفس حذر الإسلام من طغيان النفس وأهوائها وتحكمها في سلوك الإنسان، إلا أنه في الوقت نفسه نهانا عن إرهاق النفس بما لا تطيق، كما نهانا الإسلام عن تحريم ما أحله الله من الطيبات. وهذا يعني أن الإنسان عليه أن يتخذ من نفسه موقفاً وسطاً؛ بحيث لا تتحكم فيه كما تشاء ولا يكلفها ما لا تطيق من أمور العبادات والعمل ولا يمنعها حقها من التمتع بالطيبات.
стр. 57
أمر الإسلام الإنسان بأن يسلك مسلك الحلم والتعقل والرزانة بحيث لا يكون ليناً فيعصر ولا يابساً فيكسر، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية:١٣٤) ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (سورة الشورى، الآية:٣٧) ، وقال ﷺ : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (١) . لذا لا بد من الوسطية هنا واستعمال الحكمة، فالغضب عواقبه وخيمة كما أنه دليل على الضعف وتحكم النفس والشيطان.
стр. 58
نحن المسلمين دعاة الوسطية لكل خير، ونسعى لدفع كل شر ما شرع لنا ديننا بأن نكون مبشرين وميسرين، فديننا دين السماحة واليسر والرفق دين المودة والأخوة، وأمتنا أمة الوسطية والاعتدال وأمة القسط والعدل، وذلك تكريم من الله لنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (سورة البقرة من الآية:١٤٣) ، فجعل الله تعالى لهذه الأمة الصدارة بين الأمم لتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتحدد لهم قواعد السلوك السوي، ثم تكون شاهدة على الأمم قبلها ويكون الرسول المصطفى ﷺ شهيداً عليها. والاعتدال سمة واضحة في دين الإسلام ومبدأ ينظم كل شأن من شؤون الحياة. وتتجلى بوضوح الحكمة الإلهية في هذه الوسطية الإسلامية في أنها جامعة وشاملة لأمور الدنيا والآخرة مادياً وروحياً وأعطت الإنسان الحق في تعمير الأرض بالاستثمار والإنتاج والاختراع والاكتشاف عن طريق العمل والسعي وهو متسلح بسلاح الإيمان وبالسلوك والمعاملات التي ترضي الله، وذلك تنفيذاً لأوامر الله - سبحانه - الذي حمل الإنسان مسؤولية وجوده في هذه الأرض كما حمله مسؤولية وجوده من أجل أن يعترف بوحدانيته تعالى، وأن يخصه
стр. 59
بالعبادة وحده لا شريك له.
لقد اختار الله محمداً ﷺ من العرب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، أتت هذه الرسالة الراشدة بعد زمن ضاع فيه العقل البشري في متاهات المادة، فتعهدته بالدعوة إلى الإيمان بالله وترك ما كانت عليه من بعد عن المنهج القويم وجمعت بين ملذاته الفطرية ومتطلباته المادية في غاية من الترابط والأحكام.
أمر النبي ﷺ بالاعتدال في العبادة فلا إفراط ولا تفريط، فقد نهى الرسول ﷺ عن التنطع بقوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا» (١)
ونهى عن الغلو بقوله ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (٢) وقال ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» (٣) .
стр. 60
ولما اتفق بعض الصحابة ﵃ مع بعضهم على مواصلة الصيام والاستمرار في الصلاة واعتزال النساء، قال ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١)
وطالب الإنسان المسلم بالاعتدال في الإنفاق والابتعاد عن الإسراف والتقتير. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (سورة الفرقان، الآية:٦٧) .
وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف، الآية:٣١) .
وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية:٢٦) .
стр. 61
والاعتدال في المشي فلا اختيال ولا تكبر ولا مسكنة ولا ذلة. قال تعالى آمراً رسوله ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشعراء، الآية:٢١٥) ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (سورة لقمان، الآيات: ١٨-١٩) ، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (سورة الإسراء، الآيات:٣٧-٣٨) .
وقال ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد» رواه مسلم.
وقال ﷺ : «قال الله : " العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحد منهما عذبته» .
стр. 62
ولهذا فإن التزام وسطية الإسلام يتطلب علماً وعملاً، وفقهاً في الدين وإخلاصاً وتجرداً لرب العالمين، ولأجل هذا يدعو المسلم في كل يوم سبع عشرة مرة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (سورة الفاتحة، الآيات:٦-٧) ، في كل فريضة فضلاً عن النوافل، ويقول سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام، الآية:١٥٣) .
فالوسطية منهج قويم وصراط مستقيم من أخذ به تحقق له الظفر والفوز المبين فنبينا وإمامنا ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال ﷺ : «إن الله - تعالى - فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» رواه البيهقي، وأبي يعلى، والطبراني.
стр. 63
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» .
стр. 64
والإسلام يدعو إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن والدعوة بالحسنى، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل، الآية:١٢٥) ، ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة، الآية:٦) ، وفوق ذلك فقد أمر الله بموادعة غير المسلمين بل دعا إلى إكرامهم وبذل الجهد في برهم والإحسان إليهم، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة، الآية:٨) ، ويقول : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
стр. 65
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة، الآية:٨) ، فالإسلام دين وسط يدعو إلى إقامة العدل والتعامل بالقسط حتى مع غير المسلمين، والمسلم إنسان متوازن معتدل في معتقده وسلوكه.
إن الإسلام يقف موقف الوسط في تعاليمه وتشريعاته، سواء في الميدان الاجتماعي أو الميدان الاقتصادي، وفي ممارسة العبادات، وفي ميدان المعاملات، وهذه السماحة والوسطية ساعدت في انتشار الإسلام عبر العالم في زمن قياسي.
وبعد فهذه معالم في الاعتدال والوسطية في الإسلام فهو تشريع كامل، ومنهج خالد، ونظام مجتمع، وقواعد للتعامل والسلوك الأخلاقي والعملي.
стр. 66
فالإسلام دين رحمة ومودة، ورفق ولين، ودعوة حسنة، وهو دين يسر وسماحة، لا دين عسر ومشقة، أو تشدد وغلو، أو تنطع وتزمت، فهو دين وسط واعتدال ورحمة مهداة للعالمين، قال جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (سورة البقرة من الآية: ١٨٥) ، وقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (سورة الحج من الآية:٧٨) ، وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة من الآية:٣) ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية:٨٥) .
стр. 67
فما أحوجنا نحن المسلمين اليوم إلى التمسك بديننا الحنيف قولاً وعملاً واعتقاداً فهو دين الاعتدال المقرون بالاستقامة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (سورة فصلت، الآية:٣٠) .
وقال : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة هود، الآية:١١٢) .
وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة هود، الآيات:١١٤-١١٥) .
والله الهادي إلى سواء السبيل.