← Общие книги

Общие книги · id 1282

وسطية الإسلام وسماحته - محمد الصالح

محمد بن أحمد الصالح

Полный текст (67 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وسطية الإسلام وسماحته ودعوته للحوار تنفرد الأمة الإسلامية بميزة لم تكن لأمة من قبل، وهي خصيصة الوسطية التي ورد وصف الأمة بها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية١٤٣) . ولفظة وسط وما شابهها من مشتقات أخرى كواسط، وأوسط، ووسيط، وواسطة ووساطة تطلق في اللغة العربية على معنيين: المعنى الأول بديهي وعام، يقصد به مجرد التوسط بين شيئين مطلقا معنوياً كان أو حسياً. كقولهم: فلان يقوم بدور الوسيط أو الوساطة بين خصمين، ويرى اللغويون أن الوسط بالسكون لا يراد به إلا مجرد التوسط بين أمرين، أما الوسط بالفتح فيراد به شيء أهم وأسمى من مجرد التوسط. أما المعنى الثاني للفظ وسط فهو المعنى الخاص، حيث يراد به في لغة العرب الأعدل والأفضل والأحسن والأخير بسكون الخاء. ومن ذلك قولهم فلان وسط قومه أي: من أحسن القوم وأخير الناس. وقولهم عن رسول الله ﷺ إنه كان من أوسط قومه نسباً وشرفاً أي: أنه من أخير الناس وأفضلهم وأعدلهم.

стр. 2

قال الشاعر يمتدح الرسول ﷺ : يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أما برة وأبا ويفهم من هذا أن أوسط الشيء أفضله وخياره، كوسط المرعى فإنه خير من طرفيها، وكوسط الدابة للركوب فإنه خير من طرفيها لتمكن الراكب، ومنه الحديث «خيار الأمور أوساطها» ، وواسطة القلادة هي الدرة التي في وسطها، وهي أنفس خرزها، ويقال: فلان من أوسط قومه أي خيارهم، وفلان وسيط قومه أو وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسباً وأرفعهم مجداً. قال العرجي: كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تكن نسبتي في آل عمر وفي حديث رقيقة: انظروا رجلاً وسيطاً أي حسيباً في قومه. ومن ذلك أيضاً قول الشاعر زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم أي هم عدل. وقول شاعر آخر: " وكن من الناس جميعا ووسطا " أي من أخيرهم. وقول ابن الرومي في رثاء ولده: توخى حمام الموت أوسط صبيتي ... فلله كيف اختار واسطة العقد أي أفضل وأعز وأجمل أولاده.

стр. 3

ومعنى هذا أن لفظ وسط في لغة العرب كما ذكرت سابقاً يعني الأعدل والجيد والأفضل لا مجرد التوسط بين أمرين، ويتضح هذا المفهوم أو هذا المعنى من الآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ وسط وأوسط ووسطى وذلك في خمسة مواضع في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ (سورة العاديات، الآية:٥) . وقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (المائدة من الآية: ٨٩) . وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (سورة القلم، الآية:٢٨) . وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية:٢٣٨) ، وهي أفضل أوقات الصلاة عند المفسرين. وقيل في تفسير الصلاة الوسطى: إنها صلاة العصر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل وقيل: الوسطى بمعنى الفضلى.

стр. 4

وقال تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية:١٤٣) ، أي جعلناكم أعدل الناس وأخيرهم. وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ يفهم منها أن المراد بالوسط في الآية: العدل والأعدل والخيار والأخير. ومن هذه الأحاديث النبوية الشريفة ما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أنه ﷺ سئل عن الوسط في هذه الآية فقال: وسطا عدلاً. ويقول ابن كثير في شرح هذه الآية والتي جاءت في سياق الكلام عن تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة المشرفة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: إنما حولناكم إلى الكعبة واخترناها لكم لتكونوا خيار الأمم. إلى أن قال: والوسط هنا معناه: الخيار والعدل في الشهادة لأن جميع الرسل سينكرهم أقوامهم يوم القيامة فتأتي هذه الأمة الإسلامية فتشهد لأولئك الرسل بأنهم بلغوا رسالات ربهم طبقاً لما أخبرهم به رسول الله محمد ﷺ .

стр. 5

فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ، قَالَ: عَدْلاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (١) .

стр. 6

الْوَسَط فِي كَلام الْعَرَب الْخِيَار, يَقُولُونَ: فُلان وَسَط فِي قَوْمه وَوَاسِط إِذَا أَرَادُوا الرَّفْع فِي حَسَبه، ومَعْنَى الْوَسَط فِي الآيَة الْجُزْء الَّذِي بَيْن الطَّرَفَيْنِ, وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ وَسَط لِتَوَسُّطِهِمْ فِي الدِّين فَلَمْ يَغْلُوا كَغُلُوِّ النَّصَارَى وَلَمْ يُقَصِّرُوا كَتَقْصِيرِ الْيَهُود, وَلَكِنَّهُمْ أَهْل وَسَط وَاعْتِدَال، فالوسط يجيء في المعاني المعقولة، كما يجيء في الأشياء الملموسة، ومن ذلك قول أعرابي للحسن: (علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا فروطا ولا ساقطا سقوطا) فالوسوط هو المتوسط بين الفالي والتالي، ومن ذلك قول علي ﵁ " خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الفالي".

стр. 7

وقال ابن الأثير في شرح قوله: «خير الأمور أوسطها» : كل خصلة محمودة فلها طرفان مذمومان، فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم، وتجنبه بالتعري منه، فكلما ازداد منه بعداً ازداد من الوسط قرباً، وأبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسطهما، وهو غاية البعد منهما، فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة بتعدد الأماكن.

стр. 8

وقد وصف الله - تعالى - الأمة الإسلامية بأنها أمة وسط، وذم الإسلام التطرف والانحراف والخروج عن الجادة، وصور الله غير المتمكن من دينه بصورة من هو على حرف قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (سورة الحج، الآية:١١) ، أي على غير تمكن فهو على طرف من دينه غير متمكن منه، كما صور المتمكن المستقيم بصورة من هو على صراط سوي لا عوج فيه ولا أمت، ووصف دينه وشريعته بين غيرها بأنها هي هذا الصراط السوي إذ يقول سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام، الآية:١٥٣) ، بل وصف نفسه - جل شأنه - بأنه على صراط مستقيم، إذ يقول سبحانه: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سورة هود، من الآية: ٥٦) .

стр. 9

وفي كل ما تحدث عنه القرآن الكريم نجد الوسطية التي في معنى الكمال ظاهرة ظهوراً بيناً في الحديث عن الدنيا والآخرة - النعيم والعذاب - النفس والروح والجسد - السماوات والأرض الليل والنهار - والخوف والرجاء - والفكر والعمل - والحسنة والسيئة - والعدل والفضل - هذا في القرآن كله -.

стр. 10

وفي آيات بعينها نجد تلك الوسطية في العقيدة: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (سورة النساء، الآية:١٧١) . والمراد عدم مجاوزة الحد في الدين ومن ذلك أمر عيسى ﵇، فنهى سبحانه عن حطه عن منزلته أو رفعه فوق قدره.

стр. 11

ونجدها في التشريع: قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النحل، آية:١٢٦) . وهكذا تسير وسطية الكمال في النسق القرآني كله من أوله لآخره وفي أغراضه كلها حتى في صياغة نفس الإنسان المؤمن، فهو لا يركن إلى الأمن مطلقاً أو إلى الخوف بإطلاق، وقد نهى الله المسلم عن الفرح بالدنيا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (سورة القصص من الآية: ٧٦) ، ونهاه أن يركن إلى اليأس أو القنوط في دنياه، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة يوسف من الآية: ٨٧) .

стр. 12

وهكذا كانت شعائر الإسلام وعباداته فهي تتوسط التكليف بمعناه العام فلا مشقة فيه ولا هوان في أمره، إن العبادات الإسلامية كلها من الصلاة والصوم والزكاة والحج تبدو للمكلف واجباً دينياً له أعظم الأهمية في دنياه وآخرته. وتبدو في أدائها إزاء هذا القدر العظيم من الأهمية قليلة المشقة والكلفة على النفس والجسد فتجتمع في العبادات عظمة التكليف في قيمته ويسره في أدائه. وقد كانت حياة النبي ﷺ وسيرته مثالاً في التطبيق القرآني الكامل، لقد نهى النبي ﷺ أصحابه عن الغلو في العبادة حتى لا تصل إلى المشقة البالغة، وقال لأصحابه الذين أرادوا حرمان أنفسهم من طيبات الدنيا ظناً منهم أن ذلك يقربهم إلى الله: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

стр. 13

وهكذا بين لهم منهج القرآن الكريم في العبادة القائم على كمال الوسطية، وقد ورد في السنة النبوية أن الرسول ﷺ رد صدقة رجل دفع بكل ماله إليه، وقال الرسول ﷺ «ينطلق أحدكم فيخلع من ماله ثم يصير عيالاً على الناس» ، وعندما أراد سعد ﵁ أن يوصي بماله كله أو نصفه فأجاز له ﷺ أن يوصي بثلث ماله، وقال له: «الثلث والثلث كثير» . وحين تزيد المشقة في العبادة كالصوم في وقت حر وحال حرب يبيح الرسول ﷺ للمقاتل أن يفطر حتى لا تزداد مشقة التكليف؛ لأن في الإلزام به مشقة، ومن القواعد المقررة لدى الفقهاء قاعدة: المشقة تجلب التيسير، وأمثلتها ظاهرة في كثير من التكاليف والأحكام، ومن ذلك قصر الصلاة وجمعها للمسافر.

стр. 14

عن «ابن عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ هَاتِ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: " بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (١) . وحين تتوب امرأة أجرمت ذنباً ويقام عليها الحد، يمنع الرسول ﵊ إيذاءها حتى باللسان ويقول لأصحابه كما في صحيح مسلم: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدَتْ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى» ، فالذنب ولو كان عقابه القتل، لا يحجب مشاعر الرحمة.

стр. 15

فوسطية الإسلام تظهر في كل تكاليفه ومنها العبادات فهي لم تشرع مشقة للناس أو تعذيباً لهم، بل هي تزكية للنفس وطهرة لها وشكراً لله وطاعة للخالق وصلة بين العبد وربه، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (سورة النساء، الآية:١٤٧) ، قال الخازن في تفسيره (٢ / ١٨٤) : " هذا استفهام تقرير معناه أنه - تعالى - لا يعذب الشاكر المؤمن فإن تعذيبه لا يزيد في ملكه وتركه عقوبته لا ينقص من سلطانه لأنه الغني الذي لا يحتاج إلى شيء من ذلك، فإن عاقب أحداً فإنما يعاقبه لأمر أوجبه العدل والحكمة، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أنقذتم أنفسكم من عذابه".

стр. 16

وتأتي أهمية موضوع وسطية الإسلام وسماحته في زمن يتعرض فيه الإسلام إلى هجمة منظمة وشرسة من قبل أعداء الإسلام، ومما زاد الطين بلة أن المسلمين أنفسهم مع الأسف في صراعات وخلافات مذهبية، فكل باسط ذراعيه يدعي أنه هو صاحب الحق، وكلً يرى نفسه الفاهم المدرك ومن عداه تائهاً. في هذا الجو المشحون بالعداء والاعتداء، وفي هذا الخضم المتلاطم من النزاعات، ما أحوجنا إلى فهم ديننا كما أمرنا الله ورسوله ﷺ ، فبالعلم وحده المؤسس على كتاب الله وسنة رسوله ﵊ ومجالسة العلماء بالإضافة إلى تضافر مؤسسات التربية والتعليم والمؤسسات الدعوية والإعلامية، نستطيع أن نتجاوز المحن، وأن نتخلص من هذه الظواهر. وما أحوجنا أيضاً إلى فهم ديننا كما أمرنا الله ورسوله ﷺ ، وما أحوجنا أيضاً إلى احتواء آراء بعضنا البعض، وشد أزر بعضنا بعضاً، لنكون جبهة واحدة أمام الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام اليوم وأهله.

стр. 17

لقد بذل الأعداء جهدهم في بث إشاعات ينشرونها وأباطيل يروجونها من خلال بعض النصوص التي منها قوله ﷺ : «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (١) . فهم يقولون: إن النبي ﷺ ينشر دينه بالإرهاب، والاعتراف سيد الأدلة.

стр. 18

وحق لنا أن نبذل جهدنا في إحقاق الحق وإزهاق الباطل ونفند حجج المبطلين، ونرد كيدهم إلى نحورهم، فهذه الكلمة منه ﷺ أتت في سياق الحديث عن حرب دفاعية عن الحق، هجومية على الباطل لا عدوان فيها ولا إرهاب بعد هزيمة المسلمين في غزوة أحد التي استشهد فيها ٧٠ صحابياً كان في القمة منهم أسد الإسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁، نزلت هذه الآية: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية:١٥١) ، وهزيمة أحد كانت في أعقاب خروج المشركين من مكة وشنهم الهجوم على الإسلام وأمته في المدينة، وقد استطاع المشركون إيقاع خسائر جسيمة بالمدافعين عن الدين، وموطنه الجديد مما ترك آثاراً سيئة في النفوس، فأراد الله أن يواسي جراحهم، ويجبر كسرهم ويراب الصدع الذي ألم بنفوسهم وأن يشعرهم أن الجولة القادمة ستكون لمصلحتهم وأنه سيقذف الرعب في قلوب المعتدين عندما يكررون هجومهم فماذا في ذلك من عيب؟ وجاءت كلمة الرعب مرة أخرى عندما غدر يهود بني النضير،

стр. 19

ونقضوا عهدهم وتآمروا على قتل النبي ﷺ فجرد حملة ليؤدبهم ولكن القوم دون قتال حل بهم الفزع وقرروا الجلاء عن المدينة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (سورة الحشر، الآية:٢) ، وآخر ذكر هذه الكلمة عندما التقى يهود بني قريضة مع الأحزاب التي أحاطت بالمدينة تبتغي دكها على من فيها وأعلنت حصارا ً رهيباً عليها وكان بنو قريظة قد أعطوا العهد من قبل على أن يعيشوا مع المسلمين في سلام شريف واعترف رئيسهم بأنه لم يجد من النبي ﷺ إلا وفاء خيراً ومع ذلك فقد انتهز الفرصة التي سنحت وأعلن حرباً غادرة على النبي وصحبه وظن أنه سيقاسم المشركين الغنائم بعد الإجهاز على محمد وحزبه ولكن أمر الله كان أغلب حيث ألقى الرعب في قلوب

стр. 20

الأعداء فزلزل كيانهم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية:٢٦) . وإذن فإذا وقعت حرب الآن بيننا وبين اليهود المعتدين في فلسطين حرب جادة يعلن فيها الإسلام وتتحد الكلمة ويتقدم جيوش محمد ﷺ يطلبون إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة وفزع اليهود لهذا الزحف الجديد الواثق العنيد إذا حدث ذلك، وسرى الرعب في قلوب أعدائنا قيل إننا إرهابيون. إن تحريف الكلام عن مواضعه شيء مألوف عن أعداء الإسلام لقد نصر الله نبيه محمداً ﷺ بالرعب كما قال، فهلا قيل نصره في أي قتال، إن أشرف قتال وقع على ظهر الأرض هو القتال الذي خاضه محمد ﷺ وأوصى به أصحابه ﵃. وما يصدر عن الأعداء من الافتراء ووصم المسلمين بالإرهاب والعدوان إنما هو قول زائف لا يقوم على حجة ولا يسنده برهان.

стр. 21

فالإسلام دين الحق ودين العدل ودين الإنصاف والمساواة وقد كتب الإحسان على كل شيء لأنه دين وسط لا إفراط ولا تفريط، قال تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة من الآية: ١٤٣) . وإذا استعرضنا جانباً من حياة الرسول ﷺ حول مفهوم الوسطية في عقيدتنا السمحة نجد أن أقوال النبي ﷺ وأفعاله توضح بجلاء اهتمام النبي ﷺ بشؤون الحياة، وفي الوقت نفسه اهتمامه بشؤون الدين الحنيف لأن أحكامه ومناهجه ومثله هي مقاييس العدل، وموازين الحق، ومعايير الفضيلة، وأنها في الوقت نفسه سبيل السعادة والاستقامة والأمن والرضا.

стр. 22

ومن معاني الوسطية التي يجب الاهتمام بها: الوسطية في الدعوة والتي تتجسد في التيسير في الفتوى دون الخروج عن الدليل الشرعي أو مجاوزته، بل مراعاة حال السائل والمستفتي كما كان هديه ﷺ ، والتيسير في الدعوة إلى الله وهذا كله جزء من الرحمة التي شملت الإنسان والحيوان والنبات والجماد. إن هذه الوسطية التي جعل الله المسلمين عليها حين تنزلت عليهم رحمته بهذا الدين هي التي جعلت المسلمين: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ كما جاء في الآية، أي أن هذه الشريعة بما فيها من أحكام معتدلة وبما فيها من مبادئ قيمة ومثل عالية تتلاءم مع طبيعة الإنسان وما يجب أن يتحلى به ويسمو إليه، من شأنها أن تكون أمة خيرة متوسطة مستقيمة على الجادة لا انحراف لها في شيء من الأشياء على طرف، ولا التواء لها في أمر من الأمور عن الصراط السوي، فهي أمة لها طابع الاعتدال وقد مرنت عليه حتى أصبح ميزة من مزاياها، وأصبحت مؤهلة لأن تكون أمة القيادة للبشرية، وأن تكون أحكامها هي الفيصل حين يختلف الناس على الأحكام، ومبادئها ومثلها هي المبادئ والمثل التي يرجع لها حين يختلف الناس في المبادئ والمثل.

стр. 23

لقد ندبنا في هذا العالم لرسالة سامية شريفة، نحن فيها الموجهون والقادة والدعاة إلى المثل العليا والحماة لها. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية:١٠٤) . وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة، الآية:٧١) . فالآية تذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الصفات الثابتة للمؤمنين جميعاً، لا لفريق منهم دون فريق، فهم جميعاً متناصرون ومتضامنون في توطيد المعروف والخير، ومتعاونون على دفع المنكر والشر، وهم مقيمون للصلاة مؤتون للزكاة مطيعون لله ورسوله، لذا فهم جميعاً مستحقون لرحمة الله.

стр. 24

والإسلام ينظر إلى المؤمنين بوصفهم أمة متضامنة بجميع أفرادها على نصرة الحق، وجلب الخير، ودفع الشر، والوقوف صفاً في سبيل الإصلاح والإحسان. وإن من واجب كل إنسان مسلم الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف في الصف الذي ينادي بإصلاح الناس فكراً وعملاً وسلوكاً. إن وسطية هذه الأمة مستمدة من وسطية منهجها ونظامها، فهو منهج وسط لأمة وسط، منهج الاعتدال والتوازن، فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير. والوسطية سمة بارزة لهذه الأمة في الزمان والمكان، في الاعتقاد والتشريع، والتكليف والعبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الأخلاق والمعاملة، في كسب المال وإنفاقه، في مطالب النفس وشهواتها. أمة وسط في الزمان ليكون كتابها مصدقاً ومهيمناً لما جاءت به الرسالات السماوية السالفة. واختار الله - تعالى - مكان الرسالة وموقع قبلة الصلاة في المكان الوسط الذي يتسق مع وسطية الدعوة ويتناسب مع الرسالة العالمية الخالدة، وليشع النور من المركز إلى أرجاء المعمورة.

стр. 25

والإسلام وسط بين أقوام أسرفوا في الاعتقاد فصدقوا كل شيء، وآمنوا بغير برهان واستسلموا للخرافة، وأقوام ماديين ينكرون كل ما وراء الحس دون إنصات لصوت الفطرة ونداء العقل، فدعا الإسلام إلى الاعتقاد والإيمان بما قام عليه دليل قطعي وبرهان يقيني وما عدا ذلك فهي أوهام.

стр. 26

أهل السنة وسط في باب صفات الله بين المعطلة والمشبهة فأهل السنة يصفون ربهم بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ وينفون عنه مماثلة المخلوقين وينزهونه عن أي نقص، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الشورى، من الآية: ١١) . والمسلمون وسط في عقيدتهم في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم لا يقولون في المسيح إنه الله أو ابن الله ولا ثالث ثلاثة ولا هم يكفرون به، بل يقولون عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ﵇. أما الصحابة فقد كان منهج أهل السنة فيهم وسطا فلم يكفروا أحدًا منهم أو يفسقوه، ولم يغلوا في أحد منهم، ولم يروا العصمة لأحد منهم، بل هم بشر، يحبون الجميع ويوالون الجميع ويترضون عنهم ويكفون عما شجر بينهم.

стр. 27

أهل السنة وسط في مبحث الإيمان ومرتكب الكبيرة، فلم يقولوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، ولم يقولوا: إنه كافر مخلد في النار، ولم يقولوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، بل توسط أهل السنة في ذلك فقالوا: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته وهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ولا يخلد في النار، بل يدخل الجنة.

стр. 28

الإسلام وسط في النظرة إلى الحياة وسط بين قوم غرقوا في الشهوات وعبّدوا أنفسهم للماديات وهذا شأن الماديين، وبين قوم رفضوا الحياة ورأوها شراً تجب مقاومته والفرار منه فحرموا أنفسهم وفرضوا عليها العزلة.

стр. 29

فاهتم الإسلام بالحياتين وجمع بين الحسنيين وجعل الدنيا مزرعة الآخرة وأنكر على الغلاة تحريم الزينة والطيبات، وأنكر على الآخرين انهماكهم في الترف والشهوات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (سورة محمد من الآية:١٢) ، وقال جل شأنه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآيات:٣١-٣٢) ، وقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص، الآية:٧٧) .

стр. 30

ويظهر موقف المسلم في هذا الدعاء النبوي الذي يجمع الدين والدنيا والآخرة، فلا غنى له عن واحد منها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (١) . فالعبادة وسط قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (سورة البقرة من الآية:٢٨٦) ، ويقول عز من قائل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (سورة التغابن من الآية:١٦) .

стр. 31

فالصلاة عمل جليل يشغل وقتاً يسيراً، والصوم شهر في السنة، والزكاة تمثل عشر المال وهي تزكية للنفس وتطهير للمال وللإنسان من الغل والحقد والحسد، والحج على المستطيع مرة واحدة في العمر، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران من الآية: ٩٧) . وتتجلى وسطية الإسلام حيث حرم الخبائث، وأباح الطيبات، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (سورة الأعراف من الآية:١٥٧) . وفي مجال علاج قضايا الأسرة وطرق الإصلاح والقضاء على الخصام، يتمثل في الوعظ والهجر في الكلام وفي المضجع وفي التأديب اليسير وفي التحكيم، فإذا استقامت الأحوال وجب الإمساك بالمعروف وصار الطلاق محظوراً، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (سورة النساء من الآية:٣٤) .

стр. 32

وتتمثل الوسطية في الموازنة الدقيقة بين حقوق الله وحقوق العباد، موازنة بين التكليف وبين الاستطاعة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات. وأما فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي في الإسلام فهو نظام يجمع بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع, فاحترم ملكية الفرد وضبطها بأحكام حفاظاً على مصلحة المجتمع, حيث حرم الإسلام الاحتكار والربا والغش, ويسر سبل الاكتساب المشروع, وضيق سبل اكتساب المال غير المشروع, وفرض على الأغنياء أداء الزكاة حقاً للسائل والمحروم, ودعا إلى النفقة والصدقة ومساعدة المحتاجين, فكان نظاماً وسطاً عدلاً، فلم يلتفت لطرف دون طرف بل عدل وأعطى كل ذي حق حقه. للإسلام عقيدة وقيم وأخلاق، لا تتغير مع تغير الأزمان، ولا تتبدل مع تبدل الأحوال، ثبات في الأصول وسمو في الأهداف، وهذا المنهج الرشيد يستجيب لدواعي التطور وحاجات الأمة، فقد وضع الإسلام مبادئ كلية وأصولاً عامة تُنزل عليها الفروع والوسائل فكلما جد أمر كان للإسلام فيه أمر أو نهي، تراعى فيه القواعد المقررة عند الفقهاء، ثبات ومرونة مع كل تقدم وتطور.

стр. 33

ومنهاج الدعوة إلى وسط لا إكراه فيه ولا تشديد، ولا تهاون ولا تفريط دعوة تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، مع لين في القول وتدرج، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (سورة النحل من الآية:١٢٥) . وقد مدح الله تعالى المؤمنين على التوسط في الإنفاق في كتابه الكريم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (سورة الفرقان، الآية:٦٧) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (سورة الإسراء، الآية:٢٩) ، أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم، فلا يكفونهم، بل هم عدل خيار، وخير الأمور أوسطها. وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال.

стр. 34

والمسلم - مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة- ليس حراً في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان. إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير، فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالاً في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب. ذلك فوق فساد، القلوب والأخلاق. والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ . والوسط في الطعام والشراب فالمبالغة في الإكثار تسبب كثيراً من الأمراض والمبالغة في الإقلال تلحق بصاحبها الضعف والهزال قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الأعراف من الآية:٣١) ، فالإسراف يكون بتجاوز الحد.

стр. 35

وأما في جانب الفكر فإن الوسطية فيه من خصائص الإسلام، لأننا نعلم أن الشريعة اليهودية كان فيها طابع مادي، والشريعة النصرانية فيها طابع روحي، وجاء الإسلام وسطاً يأخذ من جانب المادة ويأخذ من جانب الروح ويوازن بينهما، ومن هنا كانت هذه الوسطية التي ضاعفت علاقة الدين بالدنيا، والدنيا بالآخرة والروح بالمادة، والذات بالموضوع، فصاغ هذه المنظومة الإسلامية التي هي الوسطية، فيفهم من الوسطية أن الإسلام جمع بين الحسنيين، لأنه ليس شريعة روحية يقيمها الإنسان منعزلاً عن الدنيا مثل الرهبنة فالراهب النصراني يستطيع أن يقيم المسيحية بعيداً عن العالم، بلا دولة بلا مجتمع بلا مدينة وبلا حضارة بينما الإسلام دين الجماعة لا يقام ولا يكتمل إلا في أمة ووطن فيه حضارة وفيه مدنية وفيه مجتمع، لذلك نجد في الإسلام تفرداً بأنه يجمع بين التكاليف الفردية التي يخاطب بها الفرد وتجب عليه، ويجمع التكاليف الجماعية أيضاً التي توجه الخطاب فيها إلى الأمة، ولا تقام إلا بوساطة الأمة، والتكاليف الفرضية مثل الصلاة فالأصل فيها أن تقام جماعة ويضاعف أجرها عندما تكون في جماعة، إذن الإسلام دين يقام في مجتمع وجماعة وهذا هو

стр. 36

الرباط بين الفرد والمجموع، لذلك وجدت تكاليف حكمها أنها فرض كفاية. وفي جانب العلاقات الدولية فالإسلام لا يمنع من إقامتها حتى مع غير المسلمين على أسس من العدل والمعاملة بالمثل. فالتوازن هو السنة التي دونها يستحيل أن يكون هناك وجود حقيقي على مستوى الفرد، فالإنسان إذا اختلت التوازنات في ذاته وفي جسمه يشعر بمرض كذلك الطبيعة والطقس والجو إذا اختلت فيها التوازنات يحدث الخلل، وإذا اختل التوازن في العلاقة بين الطبقات في المجتمع، يحدث الصراع والدمار، وإذا اختل التوازن بين العلاقات الدولية تحدث الحروب والصراعات إذن فكرة الوسطية فكرة عميقة وشاملة كما حددها الإسلام والرؤية الإسلامية.

стр. 37

الدعوة الإسلامية واستخدام الحوار وفي مجال الدعوة إلى الله نجد أن الإسلام ينبذ العنف لأن الدعوة الإسلامية تستهدف البدء بتغيير النفس وإعادة صياغة الإنسان قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (سورة الرعد من الآية:١١) . وتغيير ما بأنفسهم وما بداخلهم لا يتأتى بالإكراه أو العنف، لأن العنف يؤدي إلى النفاق، فإذا استعملت العنف في الدعوة أكرهت الآخرين، فأنت تكسب بذلك منافقاً لا مؤمناً، لأنك تكسب الظاهر، أما الداخل أو الباطن فلا يظهر، ومن هنا كانت وما زالت الحكمة والموعظة الحسنة، والحوار والجدال بالتي هي أحسن سبيل الدعوة. فالذين يلجؤون إلى العنف في الدعوة اليوم أو في فرض آرائهم هؤلاء مخالفون تمام المخالفة لمناهج الإسلام في الدعوة، هذا المنهاج الذي هو منهاج القرآن.

стр. 38

إذن النقطة الأساسية في بداية الدعوة الإسلامية هي تغيير ما في النفس، وهذا لا يتأتى بالإكراه أو العنف، فالعنف عادة يكون رد فعل لعنف آخر أو رد فعل لقيود عنيفة تمارس على حريات الإنسان، فيرفضها رفضاً عنيفاً. إن استخدام القوة لا يجوز إلا دفاعاً عن النفس وحماية للأرض والعرض، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (سورة الفتح من الآية:٢٩) ، وقال : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النحل، الآية:١٢٦) ، وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة من الآية:١٩٤) . فلا بد أن نكون رحماء فيما بيننا لنحقق المنهج الإسلامي في الوسطية والبعد عن الإفراط والتفريط.

стр. 39

فالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن هي من أبرز وسائل الدعوة إلى الله وهي علامة على وسطية الأمة واعتدالها في التعامل مع وجهات النظر بل مع المخالف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سورة سبأ من الآية:٢٤) ، وقد كان رسول الله ﷺ يحاور الناس ويبحث عمن يقبل دعوته، واستخدم رسولنا ﷺ الوسائل المتعددة لتبليغ الرسالة ومنها الحوار. وقد سمى الله صلح الحديبية الذي عارضه أغلب الصحابة ﵃ وعدوه ضيماً سماه فتحاً، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (سورة الفتح، الآية:١) ؛ وذلك لما ترتب عليه من ثمرات وفتوح كان من أعظمها الحوار بين المسلمين والمشركين وعرض المسلمين لدينهم الأمر الذي كان ممنوعاً وغير مقبول قبل هذا الصلح فدخل الناس بعده في دين الله أفواجاً. فالواجب على المسلمين الاعتدال في الدعوة إلى الله فلا غلظة ولا شدة، بل قول لين وموعظة حسنة ورفق بالمدعوين، وإرشاد بالحسنى للضالين عن الصراط المستقيم، وستر على المسلمين، ومجادلة وحوار مع الجميع بالتي هي أحسن.

стр. 40

وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف، الآية:١٠٨) ، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل، الآية:١٢٥) ، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب. وقال الرسول المصطفى ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» (١) إن وسطية هذا الدين وسماحته لو ظهرت للناس على حقيقتها لوجد التائهون فيه ضالتهم المنشودة وسعادتهم وغبطتهم، ولتحقق لهم النصر العظيم والفوز المبين. ولو أعطى المسلمون بسلوكهم المنهج الوسط لكان للإسلام شأن أعظم وأرض أرحب.
следующие страницы →