Полный текст (352 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه العون والعصمة
قَالَ أَبُو عُمَر: هذا كتاب تسمية وُلاة مِصر، ومَن ولِيَ الصلاة، ومَن ولِيَ الحرب والشُّرطة منذ فُتحت إلى زماننا هذا، ومَن جُمِع لَهُ الصلاة والخَراج عَلَى اسم اللَّه وعونه وصلَّى اللَّه عَلَى محمد وآله
أَبُو عبد الله عمرو بْن العاصِ بْن وائل بْن هِشام بْن سَعِيد بن سَهم بْن عمرو بْن هُصيص بْن كعب بْن لُؤَيّ بْن غالب بْن فِهْر بْن مالك، وأُمّه النابغة بِنْت خُزَيم من عَنَزَة
حَدَّثَنِي السَّكَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ الْمَهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ يُونُسَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ حَدَّثَاهُ، عَمَّنْ أَدْرَكَا مِنْ مَشَايِخِهِمَا، وَرُبَّما قَالَ
стр. 2
خَالِدٌ: كَانَ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ تَاجِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ بِتِجَارَتِهِ إِلَى مِصْرَ وَهِيَ: الأَدَمُ وَالْعِطْرُ، فَقَدِمَ مَرَّةً مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَى الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَوَافَقَ عِيدًا لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَيَلْعَبُونَ، فَإِذَا هَمُّوا بِالانْصِرَافِ، اجْتَمَعَ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَأَحْضَرُوا كُرَةً لَهُمْ مِمَّا عَمِلَهَا حُكَمَاؤُهُمْ، فَتَرَامَوْا بِهَا بَيْنَهُمْ وَكَانَ مِنْ شَأْنِهَا الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ مَنْ وَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ مَلِكَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، أَوْ قَالُوا: مَلِكَ مِصْرَ، فَجَعَلُوا يَتَرَامَوْنَ بِهَا، وَعَمْرٌو فِي النَّظَّارَةِ، فَسَقَطَتِ الْكُرَةُ فِي حِجْرِهِ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَذَّبَتْنَا هَذِهِ الْكُرَةُ قَطُّ إِلَّا هَذِهِ الْمَرَّةَ وَأَنَّى لِهَذَا الأَعْرَابِيِّ يَمْلِكُ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ هَذَا وَاللَّهِ لا يَكُونُ.
ثُمَّ ضَرَبَ الدَّهْرُ حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمَونَ الشَّامَ، فَخَلا عَمْرٌو بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمُضِيِّ إِلَى مِصْرَ، وَقَالَ: إِنِّي عَالِمٌ بِهَا وَبِطُرُقِهَا وَهِيَ أَقَلُّ شَيْءٍ مَنْعَةً وَأَكْثَرُ أَمْوَالا.
فَكَرِهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الإِقْدَامَ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ جُمُوعِ الرُّومِ، وَجَعَلَ عَمْرٌو يُهَوِّنُ أَمْرَهَا، وَقَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَسَلَّلُوا بِاللَّيْلِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: كُنْ قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى أَسْتَخِيرَ اللَّهَ.
وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ
وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أُسَامَةُ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ بِذَلِكَ.
وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَلَفِ بْنِ قُدَيْدٍ الأَزْدِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ بِفَلَسْطِينَ عَلَى رَبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِهَا، فَتَقَدَّمَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى مِصْرَ، فَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ فِيهِ وَكَانَ سَارَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِكِتَابٍ أَتَاهُ وَهُوَ أَمَامَ الْعَرِيشِ، فَحَبَسَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَقْرَأْهُ حَتَّى بَلَغَ الْعَرِيشَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى الْعَاصِ بْنِ الْعَاصِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ سِرْتَ وَمَنْ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ وَبِهَا جُمُوعُ الرُّومِ، وَإِنَّمَا مَعَكَ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَ ثُكْلَ أُمِّكِ مَا تَقَدَّمْتَ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَلَغْتَ مِصْرَ فَارْجِعْ.
فَقَالَ عَمْرٌو: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَيَّةُ أَرْضٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: مِنْ مِصْرَ.
فَتَقَدَّمَ إِلَى الْفَرَمَا وَبِهَا جُمُوعُ الرُّومِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ عُفَيْرٍ أَنَّ عَمْرًا سَارَ مِنَ الْفَرَمَا فَلَقِيَهُ الرُّومُ بِبُلْبَيْسَ،
стр. 3
فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ وَمَضَى حَتَّى بَلَغَ أُمَّ دُنَيْنَ، فَقَاتَلُوهُ بِهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْتَمِدُّهُ، ثُمَّ أَتَى إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ فَحَاصَرَهُ، وَأَمِيرُ الْحِصْنِ يَوْمَئِذٍ الْمَنْدَقُورُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الأَعْرَجُ. . . . . . عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْمُقَوْقِسِ بْنِ قَرقبَ الْيُونَانِيِّ، وَالْمُقَوْقِسُ إِذْ ذَاكَ فِي طَاعَةِ هِرَقْلَ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الْمَدَدِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَبَّانَ بْنِ حَبِيبٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدِمَ مِصْرَ بِثَلاثَةِ آلافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ثُلُثُهُمْ غَافِقٌ، ثُمَّ مُدَّ بِالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُحَاصِرُ الْحِصْنِ إِلَى أَنْ فَتَحَهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ رَبِيعَةَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: فُتِحَتْ مِصْرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عِشْرِينَ
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ قُدَيْدٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: كَانَ عِدَّةُ الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ عَمْرٍو الَّذِينَ افْتَتَحُوا مِصْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مِقْلاصٍ كَانَ الَّذِينَ جَرَتْ سِهَامُهُمْ فِي الْحِصْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَثَلاثَ مِائَةٍ بَعْدَ مَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ فِي الْحِصَارِ بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ أَشْيَاخِهِ لَمَّا حَازَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ بِمَا فِيهِ: أَجْمَعَ عَمْرٌو عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ عِشْرِينَ، وأمر بِفُسْطَاطِهِ أن يُقَوَّضَ، فَإِذَا بِيَمَامَةٍ قَدْ بَاضَتْ فِي أَعْلاهُ، فَقَالَ: لَقَدْ تَحَرَّمَتْ بِجِوَارِنَا أَقِرُّوا الْفُسْطَاطَ حَتَّى تَنْقُفَ وَتَطِيرَ فِرَاخُهَا، فَأَقَرُّوا الْفُسْطَاطَ، وَوَكَّلَ بِهِ أن لا يُهَاجَ حَتَّى تَسْتَقِلَّ فِرَاخُهَا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفُسْطَاطُ فُسْطَاطًا.
وَحَاصَرَ عَمْرٌو الإِسْكَنْدَرِيَّةَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ فَتَحَهَا عَنْوَةً وَهُوَ الْفَتْحُ الأَوَّلُ، وَيُقَالُ: بَلْ
стр. 4
فَتَحَهَا مُسْتَهَلَّ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، ثُمَّ سَارَ عَمْرٌو إِلَى أَنْطَابُلُسَ وَهِيَ بَرْقَةُ، فَافْتَتَحَهَا فِي آخِرَ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، ثُمَّ مَضَى مِنْهَا إِلَى أَطْرَابُلُسَ، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي تَارِيخِهِ: فَتَحَهَا سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ.
قَالَ: وَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَدْمَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عُفَيْرٍ: اسْتَخْلَفَ فِي إِحْدَاهُمَا زَكَرِيَّاءَ بْنَ جَهْمٍ الْعَبْدَرِيَّ، وَفِي الْقَدْمَةِ الثَّانِيَةِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وَتُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، وَبَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، فَوَفَدَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَسَأَلَهُ عَزْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ صَعِيدِ مِصْرَ، وَكَانَ عُمَرُ وَلَّاهُ الصَّعِيدَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَامْتَنَعَ عُثْمَانُ مِنْ ذَلِكَ وَعَقَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَلَى مِصْرَ كُلِّهَا، فَكَانَتْ وِلايَةُ عَمْرٍو عَلَى مِصْرَ صَلاتُهَا وَخَرَاجُهَا مُنْذُ افْتَتَحَهَا إِلَى أن صُرِفَ عَنْهَا أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، فَكَانَ عَلَى شُرَطَهِ فِي وِلايَتِهِ هَذِهِ كُلِّهَا خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ الأَشْيَاخِ، إِلَّا أن سَعِيدَ بْنَ عُفَيْرٍ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرٌو مِصْرَ وَعَلَى شُرْطَتِهِ زَكَرِيَّاءُ بْنُ جَهْمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
قَالَ: ثُمَّ عَزَلَهُ وَجَعَلَ مَكَانَهُ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ.
стр. 5
ولاية عبد الله بْن سعد بْن أَبي سَرْح الحُسام بْن الحارث بْن حُبيب بْن جَذِيمة بْن نصر بْن مالك بْن حِسْل بْن عامر بْن لُؤَيّ بْن غالب، وأمّه مهانة بِنْت جَابِر من الأشعريّين
ثمّ وليَها عبد الله بْن سعد من قِبَل أَمير المؤمنين عُثمان.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن محمد المدينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكير، عَن الليث بْن سعد: " أَنَّ عُثمان لما وليَ أمر هذه الأمة وعمرو بْن العاصِ عَلَى مِصر كلَّها إِلَّا الصعيد، فإن عُمَر بْن الْخَطَّاب ولّى الصعيد عبد الله بْن سعد فطمِع. . . . . . . عمرو. . . . لِمَا رأَى من لِين عثمان أن يرُدّ عمرو بْن العاص لُمحارَبة منويل، ومعرفته بحربهم، وطول ممارسته لهُ، فردّهُ واليًا عَلَى الإسكندريَّة، فحارب الرُّوم حتى افتتحها، وعبد اللَّه بْن سعد مُقيم بالفُسطاط عَلَى ولايته حتى فُتحت الإسكندريَّة الفتح الثاني عَنوةً سنة خمس وعشرين، ثمّ جُمع لعبد اللَّه بن سعد أمر مِصر كله صلاتها وخراجها، فجعل عَلَى شُرْطته هِشام بن كِنانة بْن عُمَر بْن الحُصين بْن ربيعة بْن الحارث بْن حُبَيب بْن جَذيمة بن نصر بْن مالك بْن حِسل بْن عامر بْن لُؤَيّ، ومكث عبد الله بْن سعد عليها أميرًا وِلاية عثمان كلها، محمودًا فِي وِلايته، وغزا ثلاث غزوات كلها لها شأن وذِكر، فغزا إِفريقيَّة سنة سبع وعشرين وقتل ملكهم جُرجير، فيقال: أنَّ الَّذِي قتله مُعاوية بْن حُدَيج، وصار سلَبه إِلَيْهِ "
стр. 6
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عبد الله بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسود، عَنْ أَبِي أُوَيس مولاهم، قَالَ: " غزونا مَعَ عبد الله بن سعد إِفريقيَّة فِي خلافة عثمان سنة سبع وعشرين، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار.
وغزا عبد الله بْن سعد غزوة الأساود حتى بلغ دُمقُلة وذلك فِي سنة إحدى وثلاثين، فقاتلهم قتالًا شديدًا وأُصيب يومئذٍ عين مُعاوية بْن حُدَيج، وعين أَبِي سهم بْن أَبْرَهَة بْن الصبَّاح، وعين حُيويل بْن ناشرة، فهادنهم عبد الله بن سعد، فقال شاعرهم:
لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَ يَوْمِ دُمْقُلَهْ … وَالْخَيْلُ تَعْدُو بِالدُّرُوعِ مُثْقَلَهْ
"
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عبيد الله بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، أنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بين أهل مِصر والأَساود عهد، إِنَّما كانت هُدنة أَمان بعضنا من بعض، نُعطيهم شيئًا من قمح وعدَس ويعطونا رقيقًا
قَالَ ابن لَهِيعة: لا بأْس بما يُشترى من رقيقهم منهم ومن غيرهم.
قَالَ ابن لَهِيعة: وسمعتُ يزيد بْن أَبِي حَبيب، يَقُولُ: كَانَ أَبِي من سَيْ دُمْقُلة، وغزا عبد الله بْن سعد أيضًا ذا الصواري فِي سنة أربع وثلاثين، فلقِيَهم قُسْطَنْطين بْن هِرقُل فِي أَلف مركب، ويقال: فِي سبع مائة، والمُسلِمون فِي مائتي مركب أَو نحوها، فهزم اللَّه الرُّوم، وإنما سُمّيت غزوة ذي الصواري لكَثرة صواري المراكب واجتماعها.
وأمر عبد الله بْن سعد فِي إمرته بتحويل مُصلَّى عمرو بْن العاصِ، كَانَ يقابل اليحموم، فحوَّله إلى موضِعه اليوم المعروف بالمصلَّى القديم.
حَدَّثَنَا ابْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ سَقِيٍّ،
стр. 7
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مِصْرَ، وَأَهْلُ مِصْرَ قَدِ اتَّخَذُوا مُصَلًّى بِحِذَاءِ سَاقِيَةِ أَبِي عَوْنٍ الَّتِي عِنْدَ الْمُعَسْكَرِ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ وَضَعُوا مُصَلَّاهُمْ فِي الْجَبَلِ الْمَقْرُوفِ الْمَلْعُونِ وَتَرَكُوا الْجَبَلَ الْمُقَدَّسِ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ: فَقَدَّمُوا مُصَلَّاهُمْ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ الْيَوْمَ
ووفد عبد الله بْن سعد إلى أمير المؤمنين عثمان حِين تكلم الناس بالطعن عَلَى عثمان، واستخلف عَلَى مِصر عُقبة بْن عامر الجُهَنيّ في قول الليث، وغيره، وقال يزيد بْن أَبِي حبيب: استخلف عليها السائب بْن هِشام بْن كِنانة العامريّ، وجعل عَلَى خراجها سُلَيْمَان بْن عُمَر التُّجيبيّ، وكانت وفادته فِي وجوه الجُند فِي رجب سنة خمس وثلاثين.
انتزاء محمد بْن أَبِي حُذيفة بْن عُتْبة بْن ربيعة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد منَاف
ثمَّ انتزى محمد بْن أَبِي حُذيفة فِي شوَّال سنة خمس وثلاثين عَلَى عُقبة بْن عامر خليفة عبد الله بْن سعد، فأَخرجه من الفُسطاط، ودعا إلى خلع عثمان، وحرّض عَلَيْهِ بكلّ شيء يقدِر عَلَيْهِ، وأَسعر البلاد.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيِّ، أَنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ يَكْتُبُ الْكُتُبَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الرَّوَاحِلَ فَيُضَمِّرُهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ لِذَلِكَ مَعَهُمْ فَيَجْعَلُهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ، فَيَسْتَقْبِلُونَ بِوُجُوهِهِمُ الشَّمْسَ لِتُلَوِّحَهُمْ تَلْوِيحَ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِمِصْرَ، ثُمَّ يُرْسِلُونَ رُسُلًا يُخْبِرُونَ بِهِمُ
стр. 8
النَّاسَ لِيَلْقَوْهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ إِذَا لَقِيَهُمُ النَّاسُ، أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا خَبَرٌ، الْخَبَرُ فِي الْكُتُبِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَالنَّاسُ كَأَنَّهُ يَتَلَقَّى رُسُلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵇، فَإِذَا لَقُوهُمْ، قَالُوا: لا خَبَرَ عِنْدَنَا عَلَيْكُمْ بِالْمَسْجِدِ.
فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كُتُبَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ اجْتِمَاعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْصِيرٌ، ثُمَّ يَقُومُ الْقَارِئُ بِالْكِتَابِ، فَيَقُولُ: إِنَّا لَنَشْكُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ مَا عُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا صُنِعَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَقُومُ أُولَئِكَ الشُّيُوخُ مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ، ثُمَّ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَيَنْفُرُ النَّاسُ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ شِيعَةُ عُثْمَانَ اعْتَزَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَبَارَزُوهُ، وَهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ قَحْزَمٍ الْخَوْلانِيُّ، وَمُقَسِّمُ بْنُ بُجْرَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الأَزْدِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ ثَابِتٍ الْفَهْمِيُّ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَيْسَ لَهْمُ مِنَ الذِّكْرِ مَا لِهَؤُلاءِ، وَبَعَثُوا سَلَمَةَ بْنَ مَخْزَمَةَ التُّجِيبِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زُمَيْلَةَ إِلَى عُثْمَانَ لِيُخْبِرَهُ بِأَمْرِهِمْ وَبِصَنِيعِ ابْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ "
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ مَخْزَمَةَ، قَالَ: " لَمَّا انْتَزَى ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بِمِصْرَ بِخَلْعِ عُثْمَانَ دَعَا النَّاسَ إِلَى أُعْطِيَاتِهِمْ، قَالَ: فَأَبَيْتُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ.
فَقُدِّرَ لِي أَنِّي رَكِبْتُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ إِمَامُ ضَلالَةٍ كَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَأَنَّهُ انْتَزَى عَلَيْهِ بِمِصْرَ فَدَعَانَا إِلَى أُعْطِيَاتِنَا، فَأَبَيْتُ
стр. 9
أَنْ آخُذَ مِنْهُ.
قَالَ: قَدْ عَجَزْتَ إِنَّمَا هُوَ حَقُّكَ.
وَبَعَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَيْهِمْ لِيُصْلِحَ أَمْرَهُمْ "
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَاسِينُ بْنُ عَبْدِ الأَحَدِ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، " أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ لَمَّا انْتَزَى عَلَى عُثْمَانَ، بَعَثَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ يُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ فَخَطَبَهُمْ، ثُمّ قَالَ: أَلا إِنَّ الْكَذَّابِ كَذَا وَكَذَا قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ لِيُقِلَّ جَمَاعَتَكُمْ، وَيُشَتِّتَ كَلِمَتَكُمْ، وَيُوقِعَ التَّخَاذُلَ فِيكُمْ، فَانْفِرُوا إِلَيْهِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَلَقُوهُ بِمَرْحَلَةِ بَنِي سَعْدٍ وَقَدْ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَقَلَبُوا عَلَيْهِ فُسْطَاطَهُ وَشَجُّوْهُ وَسَبُّوهُ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَعَادَ رَاحِلًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَقَالَ لَهُمْ: ضَرَبَكُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ وَالْفُرْقَةِ وَشَتَّتَ أَمْرَكُمْ بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ وَلا أَرْضَاكُمْ بِأَمِيرٍ أَرْضَاهُ عَنْكُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَيْرَةَ الْجُذَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " انْتَزَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَى الإِمَارَةَ، فَأَمَّرَ عَلَى مِصْرَ وَتَابَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ طُرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِصَابَةً، مِنْهُمْ: مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ "
وحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن حَبيب، قَالَ: " وأَقبل عبد الله بْن سعد، حتى إذا بلغ جِسر القُلْزُم وجد بِهِ خيلًا لابن أَبِي حُذَيفة، فمنعوه أن يدخل، فقال: ويلكم، دَعُوني أدخل عَلَى جُندي فأُعلمهم بما جئت بِهِ، فإنّي قد جئتهم بخير.
فأَبَوا أن يدعوه، فقال: والله لَوددتُ أَنّي دخلت عليهم فأَعلمتهم بما جئتُ بِهِ ثمَّ مِتُّ.
فانصرف إلى عَسقَلان وكرِه أن يرجع إلى عثمان، فقُتل عثمان وهو بعسقلان ثمَّ مات بها، وأجمع محمد بْن أَبِي حُذيفة عَلَى بعث جيش إلى عثمان "
فحَدَّثَنِي محمد بْن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُميرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، " أنَّ محمد بْن أَبِي حُذَيفة، قَالَ: من يشترط فِي هذا
стр. 10
البعث؟ فكثُر عَلَيْهِ من يشترط، فقال: إِنَّما يكفينا منكم ستمائة رجُل.
فاشترط من أهل مِصر ستمائة رجُل عَلَى كل مائة منهم رئيس، وعلى جماعتهم عبد الرحمن بْن عُدَيس البَلَويّ، وهم: كِنانة بْن بِشر بْن سَلَمان التُّجِيبيّ، وعُروة بْن شُتيم الليثي، وأبو عمرو بْن بُذيل بْن ورقاء الخُزاعي، وسودان بْن أَبِي رُومان الأَصبحيّ، ودِرع بْن يشكُر اليافعيّ، قَالَ يزيد بْن أَبِي حَبيب: وسُجن رجال من أهل مِصر فِي دورهم، منهم: بُسر بْن أَبِي أَرطاة، ومُعاوية بْن حُديج، فبعث ابن أَبِي حُذيفة إلى مُعاوية بْن حُدَيج وهو أَرمل ليكُرهه عَلَى البيعة، فلمَّا رأَى ذَلكَ كِنانة بْن بِشر وكان رأس الشيعة الأُولى، دفع عَنْ مُعاوية بْن حُديج ما كِره، ثمَّ قُتل عثمان ﵀، وكان قتله فِي ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ثمَّ أنّ الركب انصرفوا إلى مِصر، فلمَّا دخلوا الفُسطاط ارتجز مرتجزهم:
حُذْهَا إِلَيْكَ وَاحْذَرَن أَبَا حَسَنْ
إنَّا نُمِر الحَرْبَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ
بِالسَّيْفِ كَيْ نُخْمِدَ نِيرَانَ الفِتَنْ
قَالَ يزيد بْن أَبِي حَبيب: فلمَّا دخلوا المسجد صاحوا: إِنَّا لسنا قتَلة عثمان ولكن اللَّه قتله.
فلمَّا رأَى ذَلكَ شيعة عثمان، قاموا وعقدوا لُمعاوية بْن حُديج عليهم وبايعوه، فكان أوَّل من بايع عَلَى الطلب بدم عثمان وفيهم يحيى بْن يَعمَر الرُّعينيّ، ثمَّ العبليّ، فسار بهم مُعاوية بْن حُديج إلى الصعيد، فبعث إليهم بْن أَبِي حُذيفة خيلًا، فالتقوا بدِقناش من كُورة البَهْنَسي، فهزم أصحاب ابن أَبِي حُذيفة، ومضى مُعاوية بْن حُديج حتى بلغ
стр. 11
بَرقة، ثمّ رجع إلى الإسكندريَّة، ثمّ إن ابن أَبِي حُذيفة أمر بجيش آخر عليهم قيس بْن حَرْمَل اللَخْميّ وفيهم ابن الجُثما البَلَويّ، فاقتتلوا بخَرِبتا أوَّل يوم من شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين، فقُتل قيس بْن حَرمَل، وابن جُثما وأصحابهما، وسار مُعاوية بن أَبِي سُفيان إلى مصر، فنزل سَلْمَنت من كُورة عين شمس فِي شوَّال سنة ست وثلاثين، فخرج إِلَيْهِ ابن أَبِي حُذيفة، وأهل مِصر ليمنعوا مُعاوية وأصحابه أن يدخلوها، فبعث إِلَيْهِ مُعاوية: إِنَّا لا نُريد قتال أحد إنَّما جئنا نسأَل القوَد بدم عثمان، ادفعوا إلينا قاتليه عبد الرحمن بن عُدَيس، وكِنانة بْن بِشر، وهما رأسا القوم.
فامتنع ابن أَبِي حُذيفة، وقال: لو طلبت منَّا جديًا رطب السُّرّة بعثمان ما دفعناه إليك.
فقال مُعاوية بْن أَبِي سُفيان لابن أَبِي حُذيفة: اجعل بيننا وبينكم رَهنًا فلا يكون بيننا وبينكم حرب.
فقال ابن أَبِي حُذيفة: فإني أرضى بذلك.
فاستخلف ابن أَبِي حُذيفة عَلَى مِصر الحكم بْن الصَّلت بْن مَخزَمة بْن المطّلب بْن عَبْد مَناف، وخرج فِي الرهن هُوَ، وابن عُدَيس، وكِنانة بْن بِشر، وأبو شمس بْن أَبَرهة الصبَّاح، وغيرهم من قتَلة عثمان، فلمَّا بلغوا لُدّ سجنهم مُعاوية بها وسار إلى دِمَشق فهربوا من السِّجن، إلَّا أَبُو شمس بْن أَبَرهة، فقال: لا أدخله أسيرًا وأخرج منهُ آبقًا.
وتبِعهم صاحب فِلَسطين فقتلهم، فأَتبع عبد الرحمن بْن عُديس رجُل من الفُرس، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِي فَإِنِّي بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
فَقَالَ لَهُ: الشَّجَرُ فِي الصَّحَرَاءِ كَثِيرٌ.
وَقَتَلَهُ "
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَن ابن عُفير، عَن الليث، قَالَ: قَالَ محمد بْن أَبِي حُذيفة فِي الليلة التي قُتل فِي صباحها: هذه الليلة التي قُتل فِي صباحها عثمان، فإن يكن القِصاص لعثمان، فسنُقتَل فِي غد ".
فقُتل فِي الغد، وكان قتل: ابن أَبِي حُذيفة، وابن عُديس، وكِنانة بْن بِشر، ومن كَانَ معهم فِي الرهن فِي ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين
стр. 12
ولاية قيس بْن سعد بْن عُبادة بْن دُليم بْن حارثة بْن أَبِي حَزِيمة بن ثَعلبة بْن طرَيف بْن الخَزْرَج بْن ساعده بْن كَعب بْن الخَزْرَج
ثمَّ ولِيَها قيس بْن سعد بْن عُبادة الأنصاريُّ من قِبَل أمير المؤمنين عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ لمَّا بلغه مُصاب ابن أَبِي حُذيفة بعثه عليها وجمع لَهُ الصلوة والخراج، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوَّل سنة سبع وثلاثين، فجعل عَلَى شُرطته السائب بْن هِشام بْن كِنانة، فاستمال قيس بْن سعد الخارجية بخَرِبْتا، وبعث إليهم أعطياتهم، ووفد عَلَيْهِ وفدهم، فأكرمهم وأَحسن إليهم.
فحَدَّثَنِي محمد مُوسَى الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُميرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ يونُس بْن يزيد، عَن ابن شِهاب، قَالَ: " كانت مِصر من جيش عليّ فأمَّر عليها قيس بْن سعد، وكان من ذوي الرأي والبأس إلَّا ما غلب عَلَيْهِ من أمر الفِتنة، فكان مُعاوية، وعمرو جاهدين أن يُخرجاه من مِصر، فتغلَّب عَلَى أمرها وكان قد امتنع منهما بالدَّهاء والمكايدة، فلم يقدِرا عَلَى أن يلِجا مِصر حتَّى كاد مُعاوية قيسًا من قِبَل عليّ، فكان مُعاوية يحدّث رِجالًا من ذوي الرأي من قُريش، فيقول: ما ابتدعتُ من مكايدة قطّ أعجب إليَّ من مكايدةٍ كدت بها قيس بْن سعد حِين امتنع مني قيس، قلتُ لأهل الشام لا تسبُّوا قيسًا ولا تدعوا إلى غزوه، فإنَّ قيسًا لنا شيعة تأْتينا كُتُبه ونصيحته، أَلا ترون ماذا يفعل بإخوانكم النازلين عنده بخَرِبْتا، يُجري
стр. 13
عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سربهم، ويُحسن إلى كل راكبٍ يأْتيه منهم.
قَالَ مُعاوية: وطفِقت اكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق.
فسمع بذلك جواسيس علي بالعراق، فانهاه إِلَيْهِ محمد بْن أَبِي بَكْر الصدّيق، وعبد اللَّه بْن جَعْفَر، فأَتهم قيسًا، فبعث إِلَيْهِ يأمره بقتال أهل خَرِبتا وبخَرِبْتا يومئذٍ عشرة آلاف، فأَبى قيس أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ: أنَّهم وجوه أهل مِصر وأشرافهم وأهل الحِفاظ، وقد رضوا بأن أُوّمن سَربهم وأُجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، وقد علِمتُ أن هواهم مَعَ مُعاوية، فلستُ مكايدهم بأمر أهون من الَّذِي أفعل بهم وهم أُسود العرَب، منهم: بُسر بْن أَبِي أَرطاة، ومَسلَمة بْن مُخلّد، ومُعاوية بْن حُديج، فأَبى عَلَيْهِ إِلّا قتالهم، فأَبى قيس أن يقاتلهم وكتب إلى عليّ: إن كنت تُتهمني، فاعزِلني وابعث غيري.
فبعث الأشتر "
حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ مَكَانُ قَيْسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ بِالْمَدِينَةِ: " أَنْ جَزَى اللَّهُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ خَيْرًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَفّ عَنْ إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي دَمِ عُثْمَانَ وَاكْتُمُوا ذَلِكَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَلِيٌّ إِنْ بَلَغَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شِيعَتِنَا.
حتَّى بَلَغَ عَلَيًّا، فَقَالَ مَنْ مَعَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ: بَدَّلَ قَيْسٌ وَتَحَوَّلَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: وَيْحَكُمْ إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَدَعُونِي.
قَالُوا: لَتَعْزِلَنَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ بَدَّلَ.
فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ، حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى قُرْبِكَ، فَاسْتَخْلِفْ عَلَى عَمَلِكَ وَاقْدم.
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ، قَالَ: هَذَا مِنْ مَكْرِ مُعَاوِيَةَ، وَلَوْلا الْكَذِبُ لَكدتُّ بمُعَاوِيَةَ مَكْرًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ "
حَدَّثَنَا أَبُو الْعُلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ».
لَكُنْتُ مِنْ أَمْكَرِ النَّاسِ.
فَوَلِيَهَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنْ عُزِلَ عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ صُرِفَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ
стр. 14
الأشتَر مالك بْن الحارث بْن عَبْد يغُوث بْن مَسلَمة بْن ربيعة بْن الحارث بْن جَذيِمة بْن سعيد بْن مالك بْن النَّخَع بْن عمرو بْن عُلَة بْن جَلد بْن مَذْحِج
ثمَّ ولِيَها الأشتر مالك بْن الحارث النَّخَعيّ من قِبَل أمير المؤمنين عليّ، فسار إليها حتى نزل القُلزُم مستهلّ رجب سنة سبع وثلاثين
فحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَن بْن قُديد، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْنُ نِزَارٍ، عَنْ سُفيان بْن عُيينة، عَنْ مُجالِد، عَن الشَّعبيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: كُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ لا يَمْنَعَنِي عَلِيٌّ شَيْئًا، قُلْتُ: بِحَقِّ جَعْفَرٍ.
فَقُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ جَعْفَرٍ أَلَّا بَعَثْتَ الأَشْتَرَ إِلَى مِصْرَ، فَإِنْ ظَفَرْتَ فَهُوَ الَّذِي تُحِبُّ وَإِلَّا اسْتَرَحْتَ مِنْهُ.
قَالَ سُفيانُ: وَكَانَ قَدْ ثَقُلَ عَلَيْهِ وَأَبْغَضَهُ وَقَلاهُ.
قَالَ: فَوَلَّاهُ وَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ طَيْرَيْنِ لِي مِنَ الْعَرَبِ، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْزُمَ مِصْرَ لُقِيَ بِهَا بِمَا يُلْقَى بِهِ الْعُمَّالُ هُنَالِكَ، فَشَرِبَ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمَ طَيْرَايَ أَخْبَرَنِي.
فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ.
قَالَ سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُهُ: «إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنَ الْعَسَلِ»
حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: وَبَعَثَ عَلِيٌّ مَالِكًا الأَشْتَرَ عَلَى مِصْرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْقَلْزُمَ، شَرِبَ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ، فَمَاتَ.
فَبَلَغَ ذَلكَ مُعَاوِيَةَ، وَعَمْرًا، فَقَالَ عَمْرٌو «إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنْ عَسَلٍ»
стр. 15
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْن عُميرة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَن ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ مَالِكَ الأَشْتَرِ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، فَسَارَ يُرِيدُ مِصْرَ حَتَّى نَزَلَ جِسْرَ القَلْزُمِ، فَصَلَّى حِينَ نَزَلَ مِنْ رَاحِلَتِهِ وَدَعَا اللَّهَ إِنْ كَانَ فِِي دُخُولِهِ مِِْصَر خَيْرًا أَنْ يُدْخِلَهُ إيَّاهَا وَإلَّا لَمْ يَقْضِ لَهُ بِدُخُولِهَا.
فَشَرِبَ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مَوْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنَ الْعَسَلِ»
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَاِلمُ بْنُ جُنَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مُجَالِدٍ، عَن الشَّعبيّ، قَالَ: لمَّا بَلَغَ عَلِيًّا ﵁ مَوْتُ الأَشْتَرِ، قَالَ: «لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ»
حَدَّثَنَا مُوسَى بْن حَسَنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ حُديجٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلَقَمة بْن قَيْسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فِي نَفَرٍ مِنَ النَّخَعِ حِينَ هَلَكَ الأَشْتَرُ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: «لِلَّهِ مَالِكٌ، لَوْ كَانَ جَبَلًا لَكَانَ مِنْ جَبَلِ فِندًا، وَلَوْ كَانَ مِنْ حَجَرٍ لَكَانَ صَلْدًا مِثْلَ مَالِكٍ، فَلْتَبْكِ الْبَوَاكِي، فَهَلْ مَوْجُودٌ كَمَالِكٍ.
فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مُتَلَهِّفًا عَلَيْهِ وَمُتَأَسِّفًا حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ الْمُصب دُونَنَا».
وَقَالَتْ سَلْمَى أُمُّ الأَسوَدِ بْنِ الأَسْوَدِ النَّخَعِيِّ تُرْثِي مَالِكًا:
نَبَا بِي مَضْجَعي وَنَبَا وِسَادِي … وَعَيْني مَا تَهُمُّ إِلّي رُقَادِي
كَأَنَّ اللَّيْلَ أَوثِقَ جَانِبَاهُ … وَأَوْسَطُهُ بِأَمْرَاسٍ شدَادِ
أَبَعْدَ الأَشتَرِ النَّخَعيِّ تَرْجُو … مُكَاثَرَةً وَيَقْطَعُ بَطْنَ وَادِ
أكَرُّ إِذَا الْفَوَرِسُ مُحْجِمَاتٍ … وَأَضَربُ حِينَ تَخْتَلِفُ الْهَوادِي
فَقَالَ الْمُثَنَّى يُرْثِيهِ:
أَلَا مَا لِضَوْءِ الصُّبْحِ أَسْوَدُ حَالِكُ … وَمَا لِلرَّوَاسِي زَعْزَعَتْهَا الدكَّادِكُ
وَمَا لِهمُومِ النَّفْسِ شَتَّى شُئُونُهَا … تَظَلُّ تُنَاجِيهَا النُّجُومُ الشَّوَابِكُ
عَلَى مَالِكٍ فَلْيَبْكِ ذُو اللَّيْثِ مُعْوِلًا … إِذَا ذُكِرَتْ فِي الْفَيْلَقَيْنِ الْمعَارِكُ
إِذَا ابْتَدَرَ الْخُطَى وَانْتَدَبْ الْمَلا … وَكَانَ غَيَّاثَ الْقَوْمِ نَصْرُ مواشِكُ
стр. 16
إِذَا ابتَدَرَتْ يَوْمًا قَبَائِلُ مَذْحِجٍ … وَنُودِي بِهَا أَيْنَ الْمُظَفَّرُ مَالِكُ
فَلَهْفَي عَلَيْهِ حِينَ تَخْتَلِفُ الْقَنَا … وَيَرْعَشُ لِلْمَوْتِ الرِّجَالُ الصَّعَالِكُ
وَلَهْفَي عَلَى يَوْمَ دَبَّ لَهُ الرَّدَى … وَذِيفَ لَهُ سُمٌّ مِنَ المْوتِ حَانِكُ
فَلَوْ بَارَزُوهُ يَوْمَ يَبْغُونَ هُلْكَهُ … لَكَانُوا بِإِذْنِ اللهِ مَيْتٌ وَهَالِكُ
وَلَو مَارَسُوهُ مَارَسُوا لَيْثَ غَابَةٍ … لَهُ كَالَّتِي لا تَرْقُدُ اللَّيْلَ فَاتِكُ
فَقُلْ لابْنِ هِنْدٍ لَوْ مَنَيت بِمَالِكٍ … وَفِي كَفِّهِ مَاضِي الضَّرِيبَةِ بَاتِكُ
لَأَلْفَيْتَ هِنْدًا تَشْتَكي عَلَنَ الرَّدَى … تَنُوحُ وَتَحْبُوهَا النِّسَاءُ الْعَوَاتِكُ.
وَاسْتَخْلَفَ الأَشْتَرُ عَلَى مِصْرَ حَمامَ بْنَ عَامِرٍ اللَّخْمِيَّ أَبَا الأَكْدَرِ بْنَ حَمامٍ، وَكَانَ الأَكْدَرُ، وَأَبُوهُ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ، وَحَضر الدَّار جَمِيعًا
محمد بْن أَبِي بَكْر الصدّيق بنُ عبد الله بْن عثمان بْن عامر بْن عمرو بْن كَعْب بْن سعد بْن تَيْم بْن مُرَّة بْن كَعْب بْن لُؤَيّ بْن غالب
ثمَّ ولِيَها محمد بْن أَبِي بَكْر الصِّدّيق من قِبَل أمير المؤمنين عليّ، وجمع لَهُ صلاتها وخَراجها، فدخلها للنصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فجعل عَلَى شُرطته عبد الله بْن أَبِي حَرْمَلة البَلَويّ، فذكر بعض أشياخ مصر: أن قيسًا لقِيَ محمد بْن أَبِي بَكْر، فقال لَهُ: إِنهُ لا يمنعني نُصحي لك، ولأَمير المؤمنين عزله إياي، ولقد عزلني من غير وهن
стр. 17
ولا عجز، فاحفَظ عني ما أوصيك بِهِ يدُمْ صَلاح حالك: دع مُعاوية بْن حُديج، ومَسْلَمة بْن مُخلَّد، وبُسر بْن أَبِي أرطاة، ومن ضوى إليهم عَلَى ما هُمْ عَلَيْهِ تكشِفهم عَنْ رأيهم، فإِن أتَوك ولم يفعلوا، فاقبَلهم، وإن تخلَّفوا عليك، فلا تطلبهم، وانظر هذا الحيّ من مَضَر، فأنت أولى بهم منّي، فأَلِنْ لهم جَناحك، وقرّب عليهم مكانك، وارفع عَنْهُمْ حِجابك، وانظر هذا الحيّ من مُدْلِج، فدَعهم وما غلبوا عَلَيْهِ يكْفوا عنك شأْنهم، وأَنزل الناس من بعد عَلَى قدر منازلهم، وإن استطعت أن تعود المرضَى وتشهَد الجنائز فافعل، فإِنَّ هذه لا ينقصك ولن تفعل إِنَّك والله ما علِمت لتظهِر الخُيَلاء، وتَحِبُّ الرّياسة، وتُسارع إلى ما هُوَ ساقطٌ عنك والله مُوّفقك.
فعمِل محمد بِخلاف ما أوصاه قيس، فكتب إلى ابن حُدَيج، والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته، فلم يُحيوه، فبعث بأبي عمرو بْن بُذَيل بْن ورقاء الخُزَاعيّ إلى دور الخارجة، فهدمها، ونهب أموالهم، وسجن ذراريهم، فبلغهم ذَلكَ، فنصبوا لَهُ الحرب وهمّوا بالنهوض إِلَيْهِ، فلمَّا علِم أنّه لا قوّة لَهُ بهم أمسك عَنْهُمْ.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن محمد المَدِينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكير، عَن الليث، عَنْ عَبْد الكريم بْن الحارث، قَالَ: «فصالحهم محمد عَلَى أن يُسيّرهم إلى مُعاوية، وأن ينصب لهم جِسرًا بنَقْيُوس يجوزون عَلَيْهِ ولا يدخلوا الفُسطاط، ففعلوا ولِحقوا بِمُعاوية»
وحَدَّثَنِي محمد بْن مُوسَى الحضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن يحيى بْن عُمَيرة، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبِي حَبيب، قَالَ: «فبعث إلى ابن حُدَيج حُجْر بْن عَدي الكِنديّ بأَمانة، وبعث محمد بْن أَبِي بَكْر قيس بْن سَلامة التُّجيبيّ من بني فَهم بْن أداة، فصنع لهم جِسرًا بنَقْيُوس، فجاز منه ابن حَدَيج وأَصحابه، فلحِقوا بمُعاوية»
وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْمَدِينيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَبْد الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: " ولمَّا أَجْمَعَ عَلِيٌّ، وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْحكَمَيْنِ، أَغْفَلَ عَلِيٌّ أَنْ يَشْتَرِطَ
стр. 18
عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لا يُقَاتِلَ أَهْلَ مِصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي جُيُوشٍ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَالَ عَمْرٌو: وَشَهِدْتُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ زَحْفًا بُرَاكَاءً فَلَمْ أَرَ يَوْمًا مِثْلَ الْمُسَنَّاةِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَهْلُ مِصْرَ، فَدَخَلَ عَمْرٌو بِأَهْلِ الشَّامِ الْفُسْطَاطَ وَتَغَيَّبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي غَافِقٍ، فَأَوَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيجٍ فِي رَهْطٍ مِمَّن يُعِينُهُ عَلَى مَنْ كَانَ مَشَى فِي عُثْمَانَ، فَطَلَبَ ابْن أَبِي بَكْرٍ، فَوَجَدْتُ أُخْتَ الرَّجُلِ الْغَافِقِيِّ الَّذِي كَانَ أَوَاهُ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الْعَقْلِ، فَقَالَتْ: أَيُّ شَيْءٍ تَلْتَمِسُونَ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ وَلا تَقْتُلُونَ أَخِي.
فَدَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: احْفَظُونِي فِي أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ: قَتَلْتَ مِنْ قَوْمِي ثَمَانِينَ رَجُلًا فِي عُثْمَانَ وَأَتْرُكَكَ وَأَنْتَ صَاحِبُهُ.
فَقَتَلَهُ ثمَّ جَعَلَهُ فِي جِيْفَةِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ مُوسَى الْحَضْرَميُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَيْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَن ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ إِلَى مِصْرَ وَمَعَهُ أَهلُ دِمَشْقَ، عَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَسَد البَجَليُّ، وَعَلَى أَهْلِ فِلَسْطِينَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَأَبُو الأَعَورِ السُّلَميُّ عَلَى أَهْلِ الأُرْدُنِّ، فَسَارُوا حَتَّى قَدِمُوا مِصْرَ، فَاقْتَتَلُوا بِالْمُسنَّاةِ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَهُزِمَ أَهْلُ مِصْرَ بَعْدَ قَتْلٍ شَدِيدٍ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، قَالَ عَمْرٌو: وَشَهِدْتُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ زَحْفًا فَلَمْ أَرَ يَوْمًا كَيَوْمِ المُسَنَّاةِ وَلَمْ أَرَ الأَبْطَالَ إلَّا يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا هُزِمَ أَهْلُ مِصْرَ تَغَيَّبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأُخبِرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيجٍ بِمَكَانِهِ، فَمَشَى إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: يُقْتَلُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، وَيُتْرَكُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْر، وَإِنَّمَا أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ.
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيجٍ فَجُرَّ، فَمُرَّ بِهِ عَلَى دَارِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ بِجَادٌ التُّجِيبِيُّ، فَأَحْرَقَهُ فِي جَيْفَةِ حِمَارٍ "
وحَدَّثَنَا ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " كَانَ صَاحِبَ أَمْرِ النَّاسِ يَوْمَ المُسنَّاة قَيْسُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ خَيْمَةَ اللَّخْميّ مِنْ رَاشِدَةَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ مِصْرَ عَادُوا بِالْحِصْنِ، فَدَخَلُوا فِيهِ وَجَعَلُوا أَمْرَهُمْ إِلَى قَيْسٍ وَأَغْلَقُوا الْحِصْنَ، فَقِيلَ لَهْمُ: إِنَّ هَؤُلاءِ قَدِ اسْتَقْتَلُوا وَلَنْ تَصِلَ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَنْكُوا مَنْ مَعَكَ، فَأَعْطَاهُمْ عَمْرٌو مَا أَحَبُّوا، فَخَرَجُوا عَلَى صُلحٍ "
стр. 19
حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة أُسامة التُّجِيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ وَزِيرٍ، عَنْ إِسْحَاق بْن الفُرات، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: " بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ بِسُلَيْمٍ مَوْلاه إِلَى الْمَدِينَةِ بَشِيرًا بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ قَمِيصُ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ بِهِ دَارَ عُثْمَانَ، وَاجْتَمَعَ آلُ عُثْمَانَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَأَظْهَرُوا السُّرُورَ بِقَتْلِهِ وَأَمَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِكَبْشٍ، فَشُوِيَ وَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: هَكَذَا شُوِيَ أَخُوكَ.
قَالَ «فَلَمْ تَأْكُلْ عَائِشَةُ شِوَاءً حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حَسَنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بْنُ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مَا أَكَلَتْ عَائِشَةُ شِوَاءً بَعْدَ مُحَمَّدٍ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حسن، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلة بْن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ رِشدين، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيد بْن يزيد القِتْبانيّ، عَن الحارث بْن يزيد الحضرَميّ، قَالَ: حدَّثتني أُمّي هِند بِنْت شمس الحضرميَّة: «أَنها رأَت نائلة امرأةَ عثمان تقبّل رِجل مُعاوية بْن حُدَيج، وتقول» بك أدركتُ ثأري من ابن الخثعَميَّة ".
تعني: محمد بْن أَبِي بَكْر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشيم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، «أَنَّ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ لمَّا جَاءَهَا خَبَرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قُتِلَ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ فِي جَيْفَةِ حِمَارٍ، قَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَكَظَمَتِ الْغَيْظَ حَتَّى نَشَحَتْ ثَدْيَهَا دَمًا».
وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْمُسَنَّاةِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ، فَكَانَتْ وِلايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ بِهَا لأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ
ولاية عمرو بْن العاصِ الثانية
ثمَّ ولِيَها عمرو بْن العاص ولايته الثانية
عليها من قِبَل مُعاوية استقبل بِولايته شهر ربيع الأوَّل سنة ثمان وثلاثين، وجعل إِلَيْهِ الصلاة والخراج جميعًا، وكانت مِصر جُعلَت لَهُ طُعمةً بعد عطاء جندها النَّفَقة عَلَى مصلحتها، فجعل عمرو عَلَى شُرطته خارجة بْن حُذافة بْن غانم العَدَويّ، ثمَّ خرج عمرو للحكومة واستخلف عَلَى مِصر ابنه عبد الله بْن
стр. 20
عمرو، ويقال: استخلف خارجة بن حُذَافة، ورجع عمرو إلى مِصر فأقام بها وتعاقد بنو مُلْجَم عبد الرحمن، وقيس ويزيد عَلَى قتل علي، ومُعاوية، وعمرو، وتواعدوا لليلة من شهر رمضان سنة أربعين، فمضى كلّ واحد منهم إلى صاحبه، وكان يزيد هُوَ صاحب عمرو وعرضت لعمرو تِلْكَ الليلة عِلَّة منعته من حضور المسجد فصلَّى خارجة بالناس، فشدّ عَلَيْهِ يزيد فضربه حتى قتله، فدُخِل بِهِ عَلَى عمرو، فقال لَهُ: أَنا والله ما أردتُّ غيرك يا عمرو.
قَالَ عمرو: ولكن اللَّه أراد خارجة.
فجعل عمرو عَلَى شُرطته بعد مقتل خارجة زكريَّا بْن جَهم بْن قيس العَبْدَريّ، وعقد عمرو بْن العاصِ لشَرِيك بْن سُمَيّ الغُطَيفيّ عَلَى غزو لَواتة من البَرْبَر، فغزاهم شَريك فِي سنة أربعين، فصالحهم ثمَّ انتقضوا بعد ذَلكَ عَلَى عمرو بْن العاصِ، فبعث إليهم عُقْبة بْن نافع بْن عَبْد القيس الفِهريّ فِي سنة إحدى وأربعين، فغزاهم.
فحَدَّثَنِي عليّ بْن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَن ابن لَهِيعة، عَنْ هُبيرة، قَالَ: " كانت لَواتة قد صولحوا، فكانوا عَلَى صُولحوا حتى نقضوا زمَن مُعاوية، فغزاهم عُقبة بْن نافع، فتنحّوا ناحية أَطْرابُلُس، فقاتلهم عُقْبة حتى هزمهم، فسألوه أن يصالحهم ويعاهدهم، فأَبى عليهم، وقال: " إنه لَيْسَ لمشركٍ عهد عندنا، إنَّ اللَّه يقول فِي كتابه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧]، ولكن أُبايعكم عَلَى أنكَّم توفوني وذابتي إن شئنا أقررنا وإن شئنا بعناكم «.
وعقد عمرو لعُقْبة بْن نافع عَلَى غزو هَوّارة، ولشَريك بْن سُمَي عَلَى غزو لِبْدة، فغَزَواهما فِي سنة ثلاث وأربعين، فقفلا، وعمرو شديد الدَّنَف فِي مرَض موته»
حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شَمَاسَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ
стр. 21
الْوُفَاةُ بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: " لِمَ تَبْكِي، أَجَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ؟ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ مِمَّا بَعْدَهُ.
فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلَى خَيْرٍ.
فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفُتُوحَهُ الشَّامَ، فَقَالَ عَمْرٌو: تَرَكْتَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ "
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُس، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: " أَي بُنَيَّ، إِذَا مُتُّ فَكَفِّنِّي فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ أَزِّرْنِي فِي أَحَدِهِمْ، ثُمَّ شُقُّوا لِي الأَرْضَ شَقًّا، وَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، فَإِنّي مُخَاصَم، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ بِأُمُورٍ وَنَهَيْتَ عَنْ أُمُورٍ، فَتَرَكْنَا كَثِيرًا مِمَّا أَمَرْتَ بِهِ، وَوَقَعْنَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا نَهَيْتَ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ ".
فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى قُضِيَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَعْنَب بْن الْمُحَرزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهب بْن جَرير، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوفَل، عَنْ أَبِي عَقرب، قَالَ: لمَّا جُدَّ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَضَعَ يَدَهُ مَوْضِعَ الأَغْلالِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَرَكِبْنَا، وَلا يَسَعُنَا إِلَّا مَغْفِرَتُكَ».
فَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَعِيدٍ الْهَمَذَانِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَرْمَلةُ بْنُ عِمْرَانَ، أَنَّ أَبَا فِرَاسٍ حَدَّثَهُ: «أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِِ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَغَسَّلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ثمَّ أَخْرَجَهُ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ فَوَضَعَهُ بِالْمُصَلَّى ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى إِذَا رَأَى النَّاسَ قَدِ انْقَطَعُوا مِنَ الطُّرُقِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ قَامَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ شَهِدَ الْعِيدَ إِلَّا صلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ صلَّى الْعِيدَ بِالنَّاسِ، وَكَانَ أَبُوهُ اسْتَخْلَفَهُ»
حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيم بن حَمَّاد، عَن ابن المبارَك، عَنْ حَرمَلة بْن عِمران، عَنْ أَبِي فِراس، قَالَ: «مات عمرو بْن العاص، ولم يترك إلَّا سبعة دنانير، وكانت وفاة عمرو ليلة الفِطر سنة ثلاث وأربعين واستخلف ابنه عبد الله عَلَى صلاتها وخراجها»
стр. 22
عُتْبَة بْن أَبِي سُفيان بْن حَرْب بْن أُمَيَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف بْن قُصَيّ بْن كِلاب بْن مُرَّة بْن كَعب بن لُؤَيّ بْن غالب
ثمَّ ولِيَها عُتبة بْن أَبي سُفيان من قِبَل أخيه مُعاوية عَلَى صلاتها، فقدِمها فِي ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وجعل عَلَى شُرطَته زكريَّا بْن جهم وأقام بها أَشهُرًا، ثمَّ وفد عَلَى أخيه بوفد من أشراف أَهل مِصر، واستخلف عَلَى مِصر عبد الله بْن قيس بْن الحارث بْن عَيَّاش بْن ضُبيع التُّجِيبيّ أحد بني زُمَيلة، وكانت أُمُّه أخت أَبي الأَعور السُّلَميّ، وكانت فِيهِ شِدَّة عَلَى بعض أهل مِصر، فكرِهوا وِلايته عليهم وامتنعوا منها، فبلغ ذَلكَ عُتبة، فرجع إلى مِصر، فحدثنا بموت بْن المزرع.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعُتْبِيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ابْنَ أُخْتٍ لأَبِي الأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَكَانَتْ لَهُ شِدَّةٌ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ مِصْرَ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى عُتْبَةَ فَقَدِمَهَا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ مِصْرَ، قَدْ كُنْتُم تَعْذِرُونَ بِبَعْضِ الْمَنْعِ مِنْكُمْ لِبَعْضِ الْجَوْرِ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَلِيَكُمْ مَنْ إِنْ قَالَ فَعَلْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ دَرَأَكُمْ بِيَدِهِ، فَإِنْ أَبْيَتْمُ دَرَأَكُمْ بِسَيْفِهِ، ثُمَّ جَاءَ فِي الآخِرِ مَا أُدْرِكَ فِي الأَوَّلِ: إِنَّ الْبَيْعَةَ شَائِعَةٌ لَنَا، عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَدْلُ، وَأَيُّنَا غَدَرَ فَلا ذِمَّةَ لَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَنَادَاهُ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ جَنَبَاتِ الْمَسْجِدِ: سَمْعًا سَمْعًا.
فَنَادَاهُمْ: عَدْلًا عَدْلًا.
ثُمَّ نَزَلَ "
حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ يَعْقُوبَ التُّجِيبيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ وَزِيرٍ، قَالَ:
стр. 23
حَدَّثَنِي عَبْد الْعَزِيزِ بْنُ أَبي مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبيه، قَالَ: " لمَّا وَفَدَ عُتْبَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي وُجُوهِ الْجُنْدِ، اسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ مِنْ بَنِي زُمَيْلَةَ عَلَى الْجُنْدِ، وَقَدِمَ عُتْبَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَ عَنْهُ الْوَفْدَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي أَمِيرِكُمْ؟ فَقَالَ أَبُو عُبَادَةَ صل بْن عَوفٍ المَعَافِرِيّ أَحَد بَنِي خُلَيْفٍ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حُوتُ بَحْرٍ وَوغْلُ بَرٍّ وَلَّيْتَنِي الصَّلاةَ وَزَوَيْتَ عَنِّي الْخَرَاجَ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَظْهَرَ لَهُمْ فَيَسْأَلُونِي عَلَيْهَا» وَعَقَدَ عُتْبَةُ لِعَلْقَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْغُطَيْفِيّ عَلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي اثَنْيِ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ يَكُونُونَ بِهَا رَابِطَةً، فَكَتَبَ عَلْقَمَةُ يَشْكِي قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عُتْبَةُ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مُرَابِطًا فِي ذِي الْحِجَّة سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَابْتَنَى دَارَ الإِمَارَةِ الَّتِي فِي الْحِصْنِ الْقَدِيمِ، وَتُوُفِّيَ بِهَا، وَدُفِنَ بِمنيَة الزُّجَاجِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مِصْرَ عُقْبةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ، فَكَانَتْ وِلايَتُهُ عَلَيْهَا سَنَةً وَشَهْرًا "
عُقْبة بْن عامر بْن عَبس بْن غنم بْن عديّ بْن عمرو بْن رَفاعة بْن مودوعة بْن عديّ بْن غَنْم بْن الربعة بْن رَشْدان بْن قيس بْن جُهينة، يُكنَى: أَبا عَبس، وأَبا خفاف
ثمَّ وليها عُقبة بْن عامر من قِبَل مُعاوية وجمع لَهُ صلاتها وخراجها، فجعل عَلَى
стр. 24
شُرطته، وكان عُقبة قارئًا فقيهًا مُفرِضًا شاعرًا لَهُ الهِجرة والصُّحبة والسابقة.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مُرْثَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَكَانَ صَاحِبَ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّهْبَاءِ الَّتِي يَقُودُهَا فِي الأَسْفَارِ، وَقَالَ: قُدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ رَتْوَةً مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَنِخْ.
فَأَنَخْتُ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ يَا عُقْبَةُ.
فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَعَلَى مَرْكَبِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى رَاحِلَتِكَ فَأَمَرَنِي، فَقَالَ: ارْكَبْ.
فَقُلْتُ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَدَدْتُ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى خِفْتُ أَنْ أَعْصِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتَهُ وَرَحْلَهُ، ثُمَّ زَجَرَ النَّاقَةَ فَقَامَتْ، ثُمَّ قَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَفَدَ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ الأَنْصَارِيَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَوَلَّاهُ مِصْرَ وَأَمَرُه أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ عَلَى عُقْبَةَ "
فحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِشدِين، عَن الحجَّاج بْن شدَّاد، عَنْ أَبي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ: " أَنَّ مُعِاوَيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّرَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ عَلَى مِصْرَ وَنَزَعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَقَالَ لَمَسْلَمَةَ: لا تُعْلِمْ بِهَذَا أَحَدًا.
وَأَرْسَلَ إِلَى عُقْبَةَ فَجَعَلَهُ عَلَى الْبَحْرِ، أَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى رُودِسَ، فَقَدِمَ مَسْلَمَةُ وَلَمْ يُعْلِمْ بِإِمْرَتِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ سَائِرًا اسْتَوَى مَسْلَمَةُ عَلَى سَرِيرِ إِمْرَتِهِ، فَبَلَغَ ذَلكَ عُقْبَةَ، فَقَالَ: أَخُلْعَانًا وَغُرْبَةً، وَكَانَ صَرَفَ عُقْبَة عَنْهَا لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَكَانَتْ وِلايَتُهُ عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ وَثَلاثَةَ أَشْهُرٍ "
стр. 25
مَسْلَمة بْن مُخلَّد بْن صامت بْن نِيار بْن لَوذان بْن عَبْد وُدّ بْن زَبد بْن ثَعْلَبَة بْن الخَزْرَج بْن ساعدة بْن كعْب بْن الخْزرَج بْن حارثة
ثمَّ ولِيها مَسْلَمة بْن مُخلَّد الأَنصاريّ من قِبَل مُعاوية وجمع لَهُ الصلاة والخراج والمَغرِب، فجعل عَلَى شُرطته السائب بْن هِشام بْن كِنانة العامريّ إلى سنة تسع وأربعين، ثمَّ صرفه وجعل مكانه عابس بْن سَعِيد المُراديّ، ثمَّ الغُطَيفيّ، وانتصبت وَلاؤه وغزواته فِي البرّ والبحر، وفي إمرته نزلت الرُّوم البُرُّلس فِي سنة ثلاث وخمسين، واستُشهد يومئذٍ وَرْدان مولى عمرو بْن العاصِ، وعايذ بْن ثعلبة البَلَويّ، وأَبو رُقَّية عمرو بْن قيس اللَخْميّ فِي جمعٍ من الناس كثير.
وأَمر مَسْلَمة بالزيادة فِي المسجد الجامع، فهدم ما كَانَ عمرو بناد فِي سنة ثلاث وخمسين.
وفيها أَمر مَسلمة بابتناء منار المساجد كلّها ودفع ذَلكَ عَنْ خَولان، وتُجِيب، وأَمر المؤَذّنين أن يكون أَذانهم فِي الليل فِي وقت واحد، فكان مؤَذّنو المسجد الجامع يؤذنون للفجر، فإذا فرغوا من أَذانهم أَذَّن كل مؤَذّن فِي الفُسطاط فِي وقت واحد، الأَمر عَلَى ذَلكَ إلى دخول المُسوِّدة.
ثمَّ صرف مَسْلَمة عابسَ بْن سَعِيد عَن الشُّرَط وولَّاه البحر، فغزا أسطادنه وردّ السائب بْن هِشام عَلَى شُرَطه، فكان عَلَى الشُّرَط إلى سنة سبع وخمسين، فعزل السائب
стр. 26
وردّ عابسًا، وخرج مَسْلَمة إلى الإسكندرية سنة ستّين، واستخلف عابس بْن سَعِيد عَلَى الفُسطاط، وتُوفي مُعاوية فِي رجب سنة ستّين، واستخلف يزيد بْن مُعاوية، فأقرَّ مسْلَمة بْن مُخلَّد عَلَى مِصر صلاتها وخَراجها ومسلمة يومئذ بالإسكندريَّة، فكتب إلى عابس بأخذ البيعة ليزيد، فبايعه الجُند إِلَّا عبد الله بْن عمرو بْن العاصِ، فدعا عابس بالنار ليُحرق عَلَيْهِ، فلمَّا رَأَى ذَلكَ عبد الله بْن عمرو بايع ليزيد، وقدم مَسْلَمة من الإسكندريَّة، فجمع لعابس مَعَ الشُّرَط القضاء وذلك فِي أوَّل سنة إحدى وستّين.
حَدَّثَنَا عليّ بْن سَعِيد، قَالَ: يا ابْن أَبِي عُمَر، قَالَ: أخبرنا سُفيان بْن عُيَينة، عَنْ إبراهيم بْن مَيْسَرَة، قَالَ: سَمِعْتُ مجاهِدًا، يَقُولُ: «صلَّيت خلف مَسْلَمة بْن مُخلَّد، فقرأَ بسُورة البقرة، فما ترك أَلفًا ولا واوًا»
حَدَّثَنِي ابْنُ قُدَيْدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَن الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «كَانَ مَسْلَمة بْن مُخلَّد يُصَلِّي بِنَا فَيَقُومُ فِي الظُّهْرِ فَرُبَّمَا قَرَأَ الرَّجُلُ الْبَقَرَةَ».
وتُوُفِّيَ مَسْلَمةُ بْنُ مُخلَّد وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، كَانَتْ وِلايَتُهُ عَلَيْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَاسْتُخْلِفَ عَابِسُ بْنُ سَعِيد عَلَيْهَا
سَعِيد بْن يزيد بْن عَلْقَمة بْن يزيد بْن عَوف الأَزْدي، ثمَّ الفِهْريّ من أهل فِلَسطين
ثمَّ ولِيها سَعِيد بْن يزيد الأَزْديّ عَلَى صلاتها، فقدِمها لمستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستّين، فأقرّ عابسًا عَلَى الشُّرَط
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَن الليث، قَالَ: لما قدِم سَعِيد بْن يزيد واليًا عَلَى جُند مِصر تلقَّاه عمرو بْن قَحْزَم الخَوْلانيّ، فقال: «يغفِر اللَّه لأمير المؤمنين، أَما كَانَ فينا مائة شاب كلّهم مِثلك يولي علينا أحدهم»
стр. 27
ولم تزل أَهل مِصر عَلَى الشَّنْآن لَهُ والإِعراض عَنْهُ والتكبّر عَلَيْهِ حتَّى تُوفي يزيد بْن مُعاوية سنة أربع وستين، ودعا ابن الزُّبير إلى نفسه، فقامت الخوارج الذين بمصر فِي أمره وأظهروا دعوته، وكانوا يحسبونه عَلَى مذهبهم، ووفدوا منم وفدًا إِلَيْهِ، وسأَلوه أَن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويؤَازرونه، فكان كُرَيب بْن أبرَهَة بْن الصبّاح، وغيره من أشراف أهل مصر، يقولون: ماذا نرى من العَجَب أنْ هذه طائفة مكُتتمة تأمر فينا وتنهى ونحن لا نستطيع أن نردّ أمرهم، ولحِق بابن الزُّبير ناس من أهل مِصر، منهم: أَبُو عُبيدة، وعِياض ابنا عُقْبَة بْن نافع بْن عَبْد قيس الفِهْريّ، وأبو بَكْر بْن القاسم بْن قيس العُذري، وحيَّان بْن الأَعين الحَضْرَميّ، وحجوة بْن الأسود الصَّدَقيّ، وبعث ابن الزُّبَير إليها بعبد الرَّحْمَن بْن جَحْدَم الفِهْريّ فقدِمها فِي طائفة من الخواج، فوثبوا عَلَى سَعِيد بْن يزيد، فاعتزلهم، فكانت ولاية سَعِيد عليها سنتين إلَّا شهرًا
عبد الرحمن بْن عُتْبة بْن إِياس بْن الحارث بْن عَبْد أَسَد بْن جَحْدَم بْن عمرو بْن عائش بْن ضرب بْن الحارث بْن فِهْر
ثمَّ وليها عبد الرحمن بْن عُتْبة بْن جَحدَم من قِبَل عبد الله بْن الزُّبَير دخلها فِي شعبان سنة أربع وستّين، فأقرّ عابس بْن سَعِيد عَلَى الشُّرَط والقضاء، وقدِم ابن جَحدَم يجمع كثير من الخوارج الذين كانوا مَعَ ابن الزُّبَير بمكَّة من أهل مِصر وغيرهم، فيهم: حَوْشَب بْن يزيد، وأَبو الورد حُجر بن عمرو، وغيرهم، فأَظهروا التحكيم ودعوا إِلَيْهِ، فاستعظم الجُند ذَلكَ، وبايعه الناس عَلَى غِلّ فِي قلوب ناس من شيعة بْن أُميَّة، منهم: كُرَيب بْن أَبْرَهة الأَصبَحيّ، ومُقسم بْن بَجَرة التُّجيبيّ، وزِياد بْن حناطة التُّجيبي، وعابس بْن سَعِيد، وغيرهم، وكانت شيعته من أهل مِصر دعوه إليها وهم فِي العَلانية مَعَ ابن جَحْدَم، وسار مَرْوان إلى مِصر ومعه: خَالِد بْن يزيد بْن مُعاوية، وعمرو بْن سَعِيد، وعبد الرَّحْمَن بْن الحكَم، وزُفَر بْن
стр. 28
الحارث، وحسَّان بْن بَحْدَل، ومالك بْن هُبَيرة السَّكونيّ فِي أشراف كثير، وبعث ابنه عَبْد العزيز فِي جيش إلى أيلة ورجا ان يدخل مصر من تلك الناحية وأجمع ابن جَحْدَم عَلَى حربه ومنعه، فأشار عَلَيْهِ الجُند بحفر خَنْدَق يخندق بِهِ عَلَى الفُسطاط، فأَمر بحفره، فحُفر فِي شهر واحد.
قَالَ ابن أَبي زَمزَمة الحشنيّ:
وما الجِدُّ إِلَّا مِثْلُ جِدِّ ابْنِ جَحْدَمٍ … وَمَا العَزْمُ إِلَّا عَزْمُهُ يَوْمَ خَنْدَقِ
ثَلَاثُونَ أَلْفًا هُمْ أثَارُوا تُرَابَهُ … وَخَدُّوهُ فِي شَهْرٍ حَدِيثُ مُصَدَّقِ
وهو الخَندق الَّذِي فِي مقْبُرة الفُسطاط اليوم.
وبعث ابن جَحْدَم بمراكب فِي البحر ليخالف إلى عِيال أهل الشام عليها إلا كدر بْن حَمام اللَخْميّ، وقطع بعثًا فِي البر استعمل عليهم السائب ابن هِشام بْن كِنانة العامريّ، وبعث بجيش آخر عليهم زُهَير بْن قَيس البَلَويّ إلى أَيْلة ليمنع عَبْد العزيز من المسير إليها، فأَمَّا جيش السائب بْن هِشام فإِنَّ رَوْح بْن زِنْباع أخبر مَروان أَنَّ السائب لَهُ ابن مُسترضِع بِفلَسطين، فأخذه مَرْوان، فلمَّا التقوا ابرز إِلَيْهِ الصبيّ، فقال: أَتعرِف هذا يا سائب؟ قَالَ: هذا ابني.
قَالَ: نعم فوالله لئن لم ترجع عَودك عَلَى بَدْئك لَأَرْمِيَنَّك برأسه فرجع السائب بجيشه ذَلكَ ولم يُقاتل، فسُمّي جيشه جيش الكرَّارين، وأَمَّا المراكب فنزل عليها عاصف، فغرَّقها وغرِق بعضها، ونجا أميرها إلا كدر، وعاد إلى الفُسطاط.
وأمَّا زُهَير بْن قيس فلقي عَبْد العزيز بْن مَرْوَان ببُصاق وهي سطح عقَبة أَيْلة، فقاتله فانهزم زُهَير ومن معه، قَالَ زُهَير لعبد العزيز:
مَنَعْتَ بُصَاقًا والبِطَاحَ فَلَمْ تُرَمْ … بِطَاحُكَ لَمَّا أَنْ حَميتَ ذِمَارَكا
قَسَرتَ الأُلَى وَلَّوا عَن الأَمرِ بَعْدَما … أرادوا عَلَيْهِ فَاعْلَمَنَّ اقْتِسَارَكَ
стр. 29
وسار مروان حتى نزل عين شمس، فخرج ابن جَحْدَم فِي أهل مِصر، فتحاربوا يومًا أو يومين، ثمَّ رجعوا إلى خَندَقهم فصُفُّوا عَلَيْهِ، فكانت تِلْكَ الأيَّام تُسمَّى أيَّام الخَنْدَق والتراويح لأن أهل مِصر كانوا يُقاتلون نُوَبًا يخرج هَؤُلّاءِ، ثمَّ يرجِعون ثمَّ يخرج غيرهم، واستحرّ القتل فِي المعَافر فقُتِل جمع منهم وقُتل كثير من أهل القبائل من أهل مصر، وقُتِل من أهل الشام أيضًا جمع كثير، قَالَ عبد الرحمن بْن الحَكَم:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا عَلَى نَأْيِهَا … نِبَاءُ التَّرَاوِيحِ وَالْخَنْدَقِ
بَلَغْنَا بِفَيْلَق يَغْشَى الظِّرَابَ … بَعِيدَ السُّمُوّ لِمَنْ يَرْتَقي
وَجَاشَتْ لنا الأرضُ منْ نحْوِهِمْ … بِحَي تُجِيبَ وَمِنْ غَافِقِ
وأَحْيَاءِ مَذْحِجَ والأَشْعَريِنَ … وَحميَرَ كاللهب المحْرِقِ
وسَدَّت مَعَافِرُ أفْقَ البِلَادِ … بِمرْعِدِ جَيْشٍ لها مُبْرِقِ
وَنَادَى الكُفاةُ أَلا فَابْرِزُوا … فَحَتَّامَ حَتَّى وَلا نَلْتَقي
فَلَوْ كُنْتِ رَمْلَةُ شَاهَدْتِهِ … تَمنَّيْتِ أَنَّكِ لَمْ تُخْلَقي
ثمَّ إنَّ كُرَيب بْن أَبْرَهة، وعابِس بْن سَعِيد، وزِياد بْن حناطة، وعبد الرَّحْمَن بْن موهَب المعَافري قاموا فِي الصُّلْح بين أهل مِصر وبين مَرْوان عَلَى أن لا يكشفِ ابن جحْدَم عَلَى أمر جرى عَلَى يديه ويدفع إِلَيْهِ مالًا وكِسوةً، فأجاب مَروان إلى ذَلكَ، وكتب لهم بيده كتابًا يُؤمّنهم عَلَى جميع ما أَحدثوه، ودخلها مَروان لغرَّة جمادى الأولى سنة خمس وستّين، فكانت مُدَّة مُقام ابن جَحْدَم واليًا عليها من يوم دخلها إلى دخول مَرْوان تسعة أَشهر، ونزل مَروان دار الفُلْفُل التي فِي قِبلة مسجد الجامع اليوم، وقال: إنَّه لا ينبغي لخليفة أن يكون ببلَد لَيْسَ لَهُ فيها دار.
فأَمر بالدار البيضاء، فبُنيت لَهُ ووضع العطاء، فبايعه الناس إِلَّا نفَر من المَعافر، قَالُوا: لا نخلع بيعة ابن الزُّبير.
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو صالح، عَن الليث بْن
стр. 30
سعد، قَالَ: " قَتل مروان ثمانين رجُلًا من المَعافر دعاهم إلى أن يبايعوا، فأَبَوا، وقالوا: إِنَّا قد بايعنا ابن الزُّبَير طائعين فلم نكن لَننكُث بيعته.
فقدَّمهم رجُلًا رجُلًا، فضرب أعناقهم وضرب عُنُق الأَكدر بْن حَمام بن عامر بْن صَعْب، وكان سيّد لَخْم وشيخها، وحضر فتح مِصر هُوَ وأَبوه، وكانا ممَّن سار إلى عثمان "
فحَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية التُّجيبيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَلَف بْن ربيعة الحَضْرَميّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي ربيعةُ بْن الوليد، عَنْ مُوسَى بْن عَلِيّ بْن ربَاح، عَنْ أبيه، قَالَ: " كنت واقفًا بباب مَرْوان حِين أُتِيَ بالأَكدر لَيْسَ معه أحدٌ من قومه، فأُدخل عَلَى مَروان فلم يكنْ شيء أَسرع من قتله وتنادى الجُند: قتل الأكدر فلم يبقَ أحد حتى لبِس سِلاحه، فحضر باب مَروان منهم زيادة عَلَى ثلاثين ألفًا، وخشيّ مَروان وأغلق بابه، ومضت طائفة منهم إلى كُريب بْن أَبْرَهة، فلقُوه وقد توفيّت امرأَته بَسيسة بِنْت حَمْزَة بْن يشرح بن عَبْد كُلال فهو مشغول بجنازتها، فقالوا: يا أبا رِشْدين، أَيُقتَل الأكدر اركَب معنا إلى قَالَ: انتظروني حتّى أغيّب هذه الجنازة.
فغيَّبها ثُمَّ أَقبل معهم، فدخل عَلَى مَروان، فقال: إليَّ يا أَبَا رشدِين.
فقال: بل إليَّ يا أمير المؤمنين.
فأتاه مروان، فألقى عَلَيْهِ كُرَيب رِداءَه، وقال للجُنيد: انصرفوا أَنَا لَهُ جار.
فوالله ما عطف أحد منهم وانصرفوا إلى منازلهم وكان قتل الأكدر للنصف من جمادى الآخرة سنة خمس وستّين، ويومئذٍ توفّي عبد الله بْن عمرو بْن العاصِ فلم يُستطع أن يُخرَج بجنازته إلى المقبرة لتشغُّب الجُند عَلَى مَروان، فدُفن فِي داره ".
قَالَ زياد بْن قائد اللَخْمي:
كَمَا لَقِيَتْ لَخْمُ مَا سَاءَهَا … بأكْدَرَ لَا يَبْعَدَنْ أَكْدَرُ
هُوَ السَّيْف أَجْرَدَ مِنْ غِمْدِهِ … فَلَاقى المنَايَا وَمَا يَشْعُرُ
فَلَهْفَي عَلَيْكَ غَدَاةَ الرَّدَى … وقَدْ ضَاقَ ورْدُكَ والمَصْدَرُ
وَأَنْتَ الأَسِيرُ بِلَا مَنْعَةٍ … وَمَا كانَ مِثلُك يُسْتَأْسَرُ
وجعل مَرْوان صلاة مِصر وخَراجها إلى ابنه عَبْد العزيز بْن مَرْوان
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، قَالَ: أَخبرني المُغِيرة بْن الْحَسَن بْن راشد، عَنْ حَرْمَلة بْن عِمران التُّجِيبيّ، قَالَ: " أقامَ مَرْوان بمصر شهرين ثمّ جعل وِلاية مِصر إلى ابنه عَبْد العزيز جعل إِلَيْهِ صلاتها وخَراجها، فقال عَبْد العزيز: يا أمير المؤمنين، كيف المُقام ببلَدٍ
стр. 31
لَيْسَ بِهِ أحد من بني أَبي؟ فقال لَهُ مَروان: يا بُنَي عُمُّهم بإِحسانك يكونوا كلّهم بني أبيك، واجعل وجهك طَلْقًا تَصْفُ لك مَوَدَّتُهم، وأَوقع إلى كل رئيس منهم أَنَّهُ خاصّتك دون غيره يكن عينًا لك عَلَى غيره، وينقاد قومه إليك وقد جعلت معك أخاك بِشْرًا مؤْنسًا، وجعلت لك مُوسَى بْن نُصَير وزيرًا ومُشيرًا وما عليك يا بُني أن تكون أميرًا بأَقصى الأرض، أَليس ذَلكَ أحسن من إِغلاق بابك وخمولك فِي منزِلك ".
وقال أَيْمِن بْن خُرَيم بْن فاتك الأَسَديّ:
إِذَا مَا استَبدَلُوا أَرْضًا بِأَرْضٍ … لِذِي الْعَقِبِ التَّدَاولُ والطَّوَاءُ
فبِالأَرضِ التي نَزَلُوا مُنَاهُمْ … وبالأرضِ التي تَرَكُوا اللقاءُ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ، أن عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ، قَالَ: أَوْصَانِي مَرْوَانُ حِينَ وَدَّعْتُهُ عِنْدَ مَخْرَجِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ.
فَقَالَ: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلانِيَتِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأُوصِيكَ أَنْ لا تَجْعَلَ لِدَاعِيَ اللَّهِ عَلَيْكَ سَبِيلًا، فَإِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَدْعُونَ إِلَى فَرِيضَةٍ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وَأُوصِيكَ أَنْ لا تَعِدَ النَّاسَ مَوْعِدًا إِلَّا أَنْفِذْهُ وَإِنْ حُمِلْتَ عَلَى الأَسِنَّةِ، وَأُوصِيكَ أَنْ لا تَعْجَلَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُكْمِ حَتَّى تَسْتَشِيرَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ أَغْنَى أَحَدًا عَنْ ذَلِكَ لأَغْنَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] "
وخرج مَرْوان من مِصر لهلال رجب سنة خمس وستّين، فكان مُقامه بِمصر من يوم دخلها إلى خروجه عَنْهَا شهرين، وكان عَلَى شُرَطه فِي مُقامه بها عمرو بْن سَعِيد بْن العاصِ.
стр. 32
عَبْد العزيز بْن مَرْوان بْن الحكَم بْن أَبِي العاص بْن أُميَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف يكنى: أَبَا الأصبَغ
ثمَّ ولِيَها عَبْد العزيز بْن مَرْوان لهلال رجب سنة خمس وستين عَلَى صلاتها وخراجها، فجعل عَلَى شُرطته عابس بْن سَعِيد المراديّ، وتُوفّي مَرْوان لهلال رمضان سنة خمس وستين، وبويع عَبْد الملك بْن مَرْوان فأَقر أخاه عَبْد العزيز عليها، فأمر عَبْد العزيز ببُنيان الدار المذهَّبة فِي سنة سبع وستين، وهي التي تُدْعَى المَدِينة بسُوق الحمَّام، وهي غربيّ المسجِد الجامع، ووفد عَبْد العزيز عَلَى أخيه عَبْد الملك فِي سنة سبع وستّين وحضر مقتل عمرو بْن سَعِيد، ففرض عابس فروضًا وزاد فِي أَعطِيات الناس من الحُند، فلقيَ عَبْد العزيز بعد قدومه، فقال لَهُ: ما حملك عَلَى ذَلكَ؟ قَالَ: أردتّ أن أُثبت وطْأَتك ووطأَة أخيك، فإن أردتّ أن تنقضه فانقضه.
فقال عَبْد العزيز: ما كنَّا لنردّ عليك شيئًا فعلتَه.
ثم تُوفّي عابس بْن سَعِيد فِي سنة ثمان وسبعين، فجعل مكانه عَلَى الشُّرطة زياد بْن حناطة بْن سيف بْن حَلاوة التُّجيبيّ، وجعل عَلَى الحَرس والأَعوان والخيل جَناب بْن مُرثد بْن هانئ الرُّعينيّ.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «ولم يُشرِك بينهما عَبْد العزيز حتى ولَّي جَناب بْن مُرثد بْن زيد بْن هانئ الرُّعَينيّ حرسَه وضمّ إِلَيْهِ ثلاثمائة من الأَمداد، فكان الرجُل إذا أغلظ لعبد العزيز وخرج تناوله جَناب ومن معه، فضربوه وحبسوه.
ووقع الطاعون بمصر فِي سنة سبعين، فخرج عَبْد العزيز منها إلى الشرقيّة مُتبدِّيًا، فنزل حُلْوان فأعجبته، فاتَّخذها وسكنها وجعل بها الحرَس والأعوان والشُّرَط، فكان عليهم
стр. 33
جَناب بْن مُرثد بحُلْوان، وبنى عَبْد العزيز بحُلْوَان الدور والمساجد وغيرها أحسن عِمارة وأحكمها وغرس كَرْمها ونخلها».
قَالَ ابن قَيس الرُّقيَّات:
سَقْيًا لحلْوَانَ ذِي الكُرُومِ … وَمَا صَنَّفَ منْ تِينهِ وَمِن عِنَبِهْ
نَخْلٌ مَوَاقِيرُ بِالقَنَاء مِن … البَرْنيِّ يهتزُ ثم فِي سُرَبِهْ
أَسْودُ سُكَّانُهُ الحَمَامُ فمَا … يَنْفَكُّ غِربَانُهُ عَلَى رُطَبِهْ
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَسد بْن ربيعة، عَنْ أبيه: " أن عَبْد العزيز لما غرس نخل حُلْوان وأَطعم دخله والجند معه، فجعل يطوف فِيهِ ووقف عَلَى غروسه ومساقيه، فقال لَهُ يزيد بن عُروة الحمليّ: أَلا قُلْتَ أيُّها الأمير كما قَالَ العبد الصالح: ما شاء اللَّه لا قوَّة إلا بالله؟ قَالَ: ذكرتني شُكرًا، يا غُلام قُلْ لأشناس يزبد فِي عطائه عشرة دنانير ".
وعَرَّف عَبْد العزيز بْن مَرْوان بمصر وهو أوَّل من عَرَّف بها فِي سنة إحدى وسبعين
حَدَّثَنَا حسن المَدِينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن لَهِيعة، عَنْ يزيد بْن أَبي حَبيب، «أن أوَّل من أَحدث القعود يوم عرفة فِي المسجد بعد العصر عَبْد العزيز بْن مَرْوان»
وفي سنة اثنتين وسبعينُ صرف بعث البحر إلى مَكّة لِقتال ابن الزُّبَير، وجعل عليهم مالك بْن شراحِيل الخَولانيّ، وهم ثلاثة آلاف رجُل فيهم عبد الرحمن بْن بجنس
стр. 34
مولى بني اندى بْن عديّ من تُجيب فهو الَّذِي قتل ابن الزُّبَير، ففُرِض لَهُ فِي الشرَف وعُرِّف عَلَى موالي تُجيب، وكان قتل ابن الزُّبَير فِي جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين.
وخرج عَبْد العزيز إلى الإسكندريَّة وَاستخلف عليها ابنه الأَصْبَغ بن عَبْد العزيز وذلك فِي سنة أربع وسبعين، ونُقل منها واستخلف عليها جَناب بْن مُرثد ولم يعزِله عَن الحرَس والأعوان لكنه استخلف عليها، وخرج عَبْد العزيز إلى الشام وافدًا عَلَى عَبْد الملك فِي سنة خمس وسبعين واستخلف عَلَى مِصر زياد بْن حناطة بن سيف التُّجيبيّ، فتُوفي زياد بْن حناطة فِي شوَّال سنة خمس وسبعين، فاستخلف عَلَى مِصر الأصبَغ ابنه ثمَّ قدِم عَبْد العزيز إلى الفُسطاط أوَّل سنة ستّ وسبعين، فجعل عَلَى الشُّرَط عبد الرحمن بْن حسَّان بْن عَتَاهِيَة بْن حَزن التُّجيبيّ أحد بني سعد، وأَمر عَبْد العزيز بالزيادة فِي المسجد الجامع بِمصر، فهُدم كلّه وزاد فِيهِ من جوانبه كلّها وذلك فِي سنة سبع وسبعين.
قَالَ ابن عُفَير: كَانَ لعبد العزيز ألف جَفنة كلّ يوم تُنصَب حول داره، وكانت لَهُ مائة جَفنة يُطاف بها عَلَى القبائل تُحمل عَلَى العَجَل إلى قبائل مِصر.
قَالَ الشاعر:
كُلُّ يَوْمٍ كَأَنَّهُ يَوْمُ أَضْحَى … عِنْدَ عَبْد العَزِيز أَوْ يَوْمُ فِطْرِ
وَلَهُ أَلْفُ جَفْنَةٍ مُتْرَعَاتٍ … كُلَّ يَوْمٍ تُمدُّهَا أَلْفُ قِدْرِ
وقال عُبَيْد اللَّه بْن قيس الرُّقَّيات:
أَعْنِي ابْنَ لَيْلَى عَبْدَ العَزِيزِ بِبَابِ … اليُونَ تَغْدُو جِفَانُهُ رُذُمَا
وقال أَيمن بْن خُرَيم بْن فاتك:
لَا يَرْهَبُ النَّاسُ أَنْ يَعْدِلُوا … بِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ لَيْلَى أَمِيرَا
تَرَى قِدْرَهُ مُعْلنًا بِالفِنَاءِ … يَلْقَمُ بَعْدَ الجَزُورَ الحَزُورا
стр. 35
وقال ابن قيس:
تكُونُ جِفَانُهُ رُذُمًا … فَمَصبُوحٌ وَمُغْتَبَقُ
إِذَا مَا أَزْحَفَتْ رُفَقٌ … جَنَتْ مِنْ دُونِهِم رُفَقُ.
وقدِم حسَّان بْن النُّعْمان الغسَّاني من الشام إلى مِصر يعهد إلى المَغرِب فِي سنة ثمان وسبعين، فسأله عَبْد العزيز أن لا يعرِض لأطرابُلُس فأَبى حسَّان ذَلكَ، فعزله عَبْد العزيز وولَّى مُوسَى بْن نُصير مولى لخم أمْر المغرب كلّه، فسار مُوسى، ففتح اللَّه عَلَيْهِ الفتوح بها وخرج عَبْد العزيز إلى الإسكندريَّة خَرْجته الثالثة سنة إحدى وثمانين، وخرج معه إليها وجوه الناس من الأشراف والشُّعَراء، فقال ابن قيس الرُّقيَّات:
غَدَوا مِنْ دَوْرَجِ الْكِرْيَوْنِ … حَيْثُ سَفِينُهُمْ حُزُقُ
فَلَمَّا أَنْ عَلَوْنَ النّيلَ … والراياتُ تختَفقُ
رأيْتُ الجوْهَرَ الحكَميَّ … وَالدِّيبَاجَ يَأْتَلِقُ
سَفَائِنُ غَيْرُ مُقْرِفَةٍ … إلى حُلْوَانَ تَسْتَبِقُ
مَحَلٌّ مَنْ يَحِلُّ بِهِ … لَذِيذٌ عَيْشُهُ غَدَقُ
يَحِلُّ بِهِ ابْنُ لَيْلَى … والنَّدَى والحِلمُ والصُّدُقُ.
وخرج عَبْد العزيز إلى الإسكندرية أيضًا خَرْجته الرابعة سنة ثلاث وثمانين، وفيها: توفي جناب بْن مُرثد فجعل مكانه عَلَى الحَرس والأعوان والخيل عمرو بْن كُرَيب بْن صالح بْن ثُمامة الرُّعَينيّ، فتُوُفي عمرو بعد أربعين ليلة فجعل مكانه سَعِيد بْن يعقوب المَعافريّ ثمَّ الشَّعْبانيّ، وتُوّفي عبد الرحمن بْن حسَّان بْن عتاهية التُّجيبيّ فِي جمادى الأولى سنة أربع وثمانين فجعل عَن الشُّرَط يونُس بْن عَطِيَّة بْن أَوس بْن أوفح بْن. . . . . . . . . . الحَضْرَميّ من الأشبا، ثُمَّ صرف يونس لمستهلّ سنة ستّ وثمانين، فجعل عَلَى الشُّرَط عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج التُّجِيبيّ.
стр. 36
وكتب عَبْد الملك إلى أخيه يسأله: أَن يرفع لَهُ عَنْ ولاية العهد ليعهد إلى الوليد، وسليمان، فأَبى عَبْد العزيز ذَلكَ.
فحَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد بْن عُفَير، عَنْ أبيه، عَن القاسم بْن الْحَسَن بْن راشد، قَالَ: فكتب إِلَيْهِ عَبْد العزيز: " إن يكن لك ولد فلنا أولاد، ويقضي اللَّه بما يشاء.
فغضِب عَبْد الملك، فبعث إِلَيْهِ عَبْد العزيز بعليَ بْن رَباح اللَخْميّ يترَّضاه، فلمَّا قدِم عَلَى عَبْد الملك استعطفه عَلَى أخيه، فشكاه عَبْد الملك، وقال: فرَّق اللَّه بيني وبينه.
فلم يَزل بِهِ حتى رضِيَ، فقدِم عَلَى عَبْد العزيز فجعل يُخبره عَنْ عَبْد الملك وحاله، ثمَّ أَخبره بدعوة عَبْد الملك، فقال: أَنَا والله مُفارقه، والله ما دعا دعوةً قطّ إلَّا أُجيبت ".
قَالَ سَعِيد: وكان فِي كتاب عَبْد العزيز إلى عَبْد الملك: إنَّك لو رأَيت الأصبغ لَسرّك ولم تقدّم عليه أحدًا.
وقال عَبْد العزيز بْن مَرْوان: قدِمت مِصر فِي إمرة مَسْلَمة بْن مُخلَّد فتمنَّيت بها أمانيَّ فأَدركتها: تمنَّيت ولاية مِصر، وأَن أجمع بين امرأَتيْ مَسْلَمة، ويحجبني قيس بْن كليب حاجبه.
فتُوُفّي مَسْلَمة، فقدِم مِصر فولِيها، فحجبه قيس وتزوَّج امرأَتي مَسْلَمة، وهما أُمّ كُلثوم الساعديَّة، وأَرْوى بِنْت راشد الخَوْلانيّ.
وتُوُفّي الأصبغ بْن عَبْد العزيز يوم الخميس لتسع بقينَ من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين، مرِض عَبْد العزيز بعد وفاة الأصبغ، ثمَّ تُوُفّي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين، فحُمل فِي الليل من حُلْوَان إلى الفُسطاط، فدُفن بها
حَدَّثَنَا عليّ بْن سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يحيى الأُمَويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن حُدَيج، عَن ابن أَبِي مُلَيكة، قَالَ: رأَيت عَبْد العزيز مَرْوان حِين حضره الموت، يَقُولُ: «أَلا ليتني لم أكُ شيئًا مذكورًا، أَلا ليتني كُناسة من الأرض أو كراعي إِبِله فِي طرَف الحِجاز من بني نصر بْن مُعاوية، أو بني سعد بْن بَكْر.
فاستخلف عَبْد العزيز عَلَى مِصر أخاه محمد بْن مَرْوان عَلَى الجُند، وجعل مالك بْن شَراحيل الخولانيّ يصلّي بالناس».
قَالَ ابن عُفَير: وليَ عَبْد العزيز مِصر فكان خَراجها وجِبايتها إِلَيْهِ، فلم يُوجد لَهُ نَض إِلَّا سبعة آلاف دينار
стр. 37
وحَدَّثَنَا أُسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صالح، قَالَ: حَدَّثَنِي الليث: «أن عَبْد العزيز مات حين مات، وإِنَّما ترك حُلْوَان والقيساريَّة وثِياب كَانَ بعضها مرقوعًا وخيلًا ورَقيقًا، وكانت وِلاية عَبْد العزيز عليها عشرين سنة وعشرة أَشهُر وثلاثة عشر يومًا، ولم يَلهِا مُنذ الْإِسْلَام إلى يومنا هذا أَطول ولايةً منه».
وقال ذو الشامة محمد بْن عمرو بْن الوليد بْن عُقْبة بْن أَبي مُعَيط يرثي عَبْد العزيز وابنه الأصبغ:
نَقُولُ غَدَاةَ قَطَعْنَا الجْفَارَ … وَالعَيْنُ بِالدَّمْعِ مُغْرَوْرِقَهْ
مَقَالَ امْرِئ كَارِهٍ للِفِراقِ … تَاعَ البِلَادَ وبَاعَ الرِّقَهْ
وَفَارَقَ إِخْوانَهُ كَارِهًا … وَأَهْلُ الصَّفَاء وَأَهْلَ الثّقَهْ
أَبَعْدَ الخَلِيفَةِ عَبْدِ العَزِيزِ … وَبَعْدَ الأَمِيرِ كَذا وَابِقَهْ
فَمَا مِصرُ لِي بَعْدَ عَبْد العَزِيزِ … والأَصْبَغِ الخْيرِ بِالمُؤْنقَهْ
إِمَامَي هَدًى وَهَديَّيْ تُقى … وأَهْلِ الوَفَاء وَأَهْلِ الثِّقَهْ
سَقَى اللَّه قَبْرَيهِمَا وَالصَّدَى … وَمَا جاورا دِيمةً مُغْدِقهْ
فَإِنْ تَكُ مِصرًا أَشَارَتْ بِهَا … إِلَى الشَّرّ يَوْمًا يدٌ مُوبِقَهْ
فَقدْمًا تَقِرُّ بِمِصرَ العُيُونُ … فِي لَذَّةِ العَيْشِ مُحْدَوْدِقَهْ
وقال سُلَيْمَان بْن أَبان بْن أَبي حدير الأَنصاري يرثي عَبْد العزيز، والأصبغ:
أَبَعْدَكَ يَا عَبْدَ العَزِيزِ لَحَادِثٌ … وَبَعْدَ أَبي زَبَّانَ يَنْشَعِبُ الدَّهْرُ
وَلَا زَالَ مَجْرَاهُ مِنَ الأَرْض يَابِسًا … يَموتُ بِهِ العُصْفُورُ وانْجَدَبَ القَطْرُ
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْني المكَارِمَ والعُلَى … وَمَنْ ذا الَّذِي يَهْدِي لَهُ بَعْدَكَ السَّفْرُ
فكُنْتَ حَلِيفَ العُرْفِ والخيرِ والنَّدَى … فمِتْنَ جَميعًا حِينَ غَيَّبَكَ القَبْرُ
فَبَعْدَكَ لَا يُرْجَى وَلِيدٌ لِنَفْعَةٍ … وَبَعْدَكَ لَا يُرجى عَوَانٌ وَلَا بِكْرُ.
стр. 38
وقال نُصَيب يرثي عَبْد العزيز، والأَصْبَغ ابنه:
بَكَيْتُ ابْنَ لَيْلَى وابْنَهُ ورأَيتُني … أَحَقَّ الأُلَى أَمْسَوا نَعى بِبُكاهُمَا
هُمَا أَخَوَايَ الصَّالِحَانِ تَوَالَيَا … بِحَمْدٍ فَهَذَّا للِفْرَاقِ إِخاهُمَا
فَإِنْ نُزِعَا مِصرًا فَبِالجدِّ فارَقا … أحل وخلا فسطها وقراهُما
بِحُسْنِ الثَّنَا وَالحَمْدِ فِي النَّاسِ فَارقا … أَلَا بِأَبِي حقًّا وَأُمِي ثَنَاهُمَا
فَمَا طَائِعًا إِنْ فَارَقَا العَيْشَ فَارَقَا … نُصَيْبًا وَلَا والله مَا إِنْ قَلاهُمَا
جَزَى خَيْرُ مولًى مَوْلَيَيَّ وَلَا جَزَى … مِنَ النَّاسِ خَيْرًا مَنْ أَحَبَّ رَدَاهُمَا
عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مروان بْن الحكم بْن أَبِي العاص بْن أُميَّة بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مَناف، يُكْنَى: أَبَا عُمَر
ثُمَّ ولِيَها عبد الله بْن عَبْد الملك من قِبَل أبيه عَلَى صلاتها وخراجَها، فدخلها يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلةٍ خلت من جمادى الآخرة سنة ستّ وثمانين، وهو يومئذٍ ابن سبع وعشرين سنة، وقد تقدَّم إِلَيْهِ أَبُوهُ أن يُعفّي آثار عمّه عَبْد العزيز لمكانه من ولاية العهد، واستبدل بالعُمَّال عُمَّالًا، وبالأصحاب أصحابًا، وأراد عبد الله بْن عَبْد الملك عزل عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج عَن الشُّرَط فلم يجد عَلَيْهِ مقالًا ولا متعلِّقًا، فولَّاه مُرابَطة الإسكندرية، وجعل عَلَى الشُّرَط عِمران بْن عبد الرحمن بْن شُرَحْبِيل بْن حسَنة حليف بني
стр. 39
زُهرة، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط، وتُوُفي أمير المؤمنين عَبْد الملك بْن مَرْوان يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شوَّال سنة ستّ وثمانين.
وبويع الوَليد بْن عَبْد الملك، فخرج عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج وأخذ لَهُ بيعة أهل مِصر، فأقرّ الوليد أخاه عبد الله عَلَى صلاة مِصر وخَراجها، وأمر عبد الله بْن عَبْد الملك بالدواوين، فنُسِخت بالعربيَّة وكانت قبل ذَلكَ تَكتَب بالقِبْطيَّة، وصرف عبد الله أشناس عَن الديوان وجعل عَلَيْهِ ابن يربوع الفَزَاريّ من أهل حَمص، ومنع عبد اللَّه من لِباس البرانس وذلك فِي سنة سبع وثمانين، وابتنى عبد الله المسجد المعروف اليوم بمسجد عبد الله.
وفي ولايته غلت الأسعار بِمصر وتَرعت، فتشاءَم بِهِ المصريّون، وهي أوَّل شِدَّة رأَوها وزعموا أنَّه ارتشى، وكثُروا عَلَيْهِ وسمّوه مكيسًا، ثمَّ قدِم عبد الله إلى أخيه الوليد فِي صفر سنة ثمان وثمانين واستخلف عليها عبد الرحمن بْن عمرو بْن قَحْزَم الخَولانيّ، وأهل مِصر إذ ذاك فِي شِدَّة عظيمة، فقال زُرْعة بْن سعد اللَّه بْن أَبِي زَمْزَمة الحشنيّ:
إذا سَارَ عَبْد اللَّه مِنْ مِصرَ خَارِجًا … فَلَا رَجَعَتْ تِلْكَ البِغَالُ الخَوَارِجُ
أَتى مِصرَ والمِكْيَالُ وَافٍ مُغَرْبَلٌ … فَمَا سَارَ حَتَّى سَارَ والمُدُّ فَالِجُ.
فأهدر عبد الله بْن عَبْد الملك دمه، فهرب إلى المغرب وكتب إلى الوليد بْن عَبْد الملك: أَلَا لَا تَنْهَ عَبْدَ اللهِ عَنِّي كَمَا قَدْ قَالَ يَجْعَلْنِي نَكَالًا
وَلَمْ أَشْتُمْ لِعَبْدِ اللهِ عِرْضًا … وَلَمْ آكُلْ لِعَبْدِ اللهِ مَالَا
وسخِط عبد الله بْن عَبْد الملك عَلَى عِمْران بْن عبد الرحمن بْن شُرَحِبِيل بن حسَنةَ، فصرفه عَن الشُّرَط والقضاء وسجنه وذلك فِي صفر سنة تسع وثمانين، وجعل مكانه عَلَى الشُّرَط عَبْد الأَعلى بْن خَالِد بْن ثابت بْن ظاعن الفَهْميّ، وعلى القضاء عَبْد الواحد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج، وأمر عبد الله بسقف المسجد الجامع أن يُرفَع سمكه، وكان سفقه مطأطئًا وذلك فِي سنة تسع وثمانين.
стр. 40
حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح بْن رجَب الخَولانيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن حُمَيد بن هشام الرُّعَينيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن مُعاوية النُّصيريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي ليلى التُّجيبيّ، عَنْ عَبْد الحَميد بْن حُميد الكاتب مولى خُزاعة، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ مُوسَى بْن نُصَير يكاتب عَبْد العزيز بن مَرْوان، فلمَّا هلك عَبْد العزيز ولَّى عَبْدُ الملك عبد اللَّه بْن عَبْد الملك، فلم يكاتبه مُوسَى وكاتب عَبْد الملك، فكتب إِلَيْهِ عبد الله بْن عَبْد الملك: أمَّا بعد، فإنَّك كنت من عَبْد العزيز وبِشر بين مِهَادَيْن تعلو عَن الحضيض مهودهما، ويُدْفِئك دِثارهما حتى عَفا مَخبَرك، وسمتْ بك نفسك فلا تحسبني كمَن كنتَ تخلبه وأعداء بيته، وتقول اكفِياني أكفكما، ولا كأضبع كنت تمينه بكهانتك، وأَيم اللَّه لأَضعنَّ منك ما رفعا، ولَأُقلّن منك ما كثَّرا، فَضَحِّ رُوَيدًا، فكأَن قد أصبحت سادمًا تَعضّ أناملك نادمًا والسلام.
فكتب إِلَيْهِ مُوسَى بْن نُصَير: أمَّا بعد، فقد قرأت كتابك، وفهِمت ما وصفت فِيهِ من إِركاني إلى أَبَويك وعمّك، ولَعَمري إن كنت لذلك أهلًا، ولو خبرتَ منّي ما خبَرا لَما صغّرت منّي ما عظَّما، ولا جهِلت من أمرنا ما علِما، فكيف أتاه اللَّه لك، فأمَّا انتقاصك لهما فهما لك، وأنت منهما ولهما منك ناصر لو قَالَ وجد عليك مقالًا، وكفاك جَزاء العاقّ، فأمَّا ما نِلتَ من عِرْضي فذلك، موهوب لحقّ أمير المؤمنين لا لك، وأمَّا تهدُّدك إيَّاي بأنَّك واضع مني ما رفعا فليس ذَلكَ بيدك، فأرعُد وأَبرُق لغيري، وأمَّا ما ذكرت ممَّا كنتُ آتي بِهِ عمَّك عَبْد العزيز فَلَعمري إِني ممَّا نسبتني إِلَيْهِ من الكهانة لبعيد، وإنّي من غيرها من العِلم لقريب، فعلى رِسلك، فكأنَّك قد أظلَّك البدر الطالع، والسيف القاطع، والشِّهاب الساطع، فقد تمَّ لها وتَّمت لَهُ، ثمَّ بعث إليك الأعرابيّ الحِلف الجافي فلم تشعُر بِهِ حتَّى يحلّ بعقْوتك فيسلبك سُلطانك، فلا يعود إليك ولا تعود إِلَيْهِ فيومئذٍ تعلَم أكاهن أمْ عالمٌ، وتُوقن أيّنا النادم السادم، والسلام.
فلمَّا قرأَ عبد الله الكتاب كتب إلى عَبْد الملك كتابًا، وأدرج كتاب مُوسَى فِيهِ، فلم
следующие страницы →