Полный текст (352 стр.). Показаны 316–352 · переход к 321.
стр. 316
بْن مَرْزوق، قَالَ: " كنت جالسًا فِي المسجِد، فسمعت ضَوْضاء، ورأَيت الناس قد حفلوا، فنظرت، فإذا هارون بْن سَعِيد الأَيْليّ، وطَيْلَسانه تحت عضُده وعَمامته فِي رَقَبته، ومَطَر غُلام ابن أَبِي الليث يسوقه بعمَامته، وهارون ينادي بأعلى صوته: القرآن كذا وكذا.
ثم أَخْرَجَهُ من المسجِد يُطاف بِهِ الطُّرُق كذلك "
وأخبرني محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: أخبرنا. . . . . محمد بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، فأَخذ برِجله، فوثب محمد، فقام، فهمّ مَطَر أن يتناول قَلَنْسُوَته، فبادر محمد فأخذها، فجعلها فِي كُمَه، ثمَّ أقامه مَطَر، فأطافه ينادي بخلق القُرآن، فمضى بِهِ عَلَى حلَقة ابن صُبَيح رِفْقة المُعتزِلة، فقالوا لَهُ: الحمد لله الَّذِي هداك يا أَبَا عبد الله.
قَالَ الْحُسَيْن بْن عَبْد السلام الجَمَل لمحمد بْن أَبِي الليث:
وُلِّيتَ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ تَكُنْ … بَرِمَ اللِّقاء وَلَا بِفَظٍّ أَزْوَرِ
ولَقَدْ بَجَسْتَ الْعِلْمَ فِي طُلَّابِهِ … وَفَجَرْتَ مِنْهُ مَنَابِعًا لَمْ تُفْجَرِ
فَحَمَيْتَ قَوْلَ أَبِي حَنيفَةَ بِالهُدَى … وَمُحَمَّدٍ وَالْيُوسُفِي الْأَذْكَرِ
وَفَتَى أَبِي لَيْلَى وَقَوْلِ قَرِيعِهِمْ … زُفَرِ الْقِيَاسِ أَخِي الحَجَاجِ الْأَنْظَرِ
وَحَطَمْتَ قَوْلَ الشَّافِعِيّ وَصَحْبِهِ … وَمَقَالَةُ ابْنِ عُلَيَةٍ لَمْ تُصْحَرِ
أَلْزَقْتَ قَوْلَهُمُ الحَصِيرَ فَلَمْ يَجُز … عَرْضَ الْحَصِيرِ فَإِنْ بَدَا لَكَ فَاشْبُرِ
والْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرٍ شَائِع … أَخْمَلْتَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرِ
أَيْنَ ابْنُ هُرْمُزَ أَوْ رَبِيعَةُ لَا يَرَى … مَاذَا تَقَوَّلَ بِالْمَقَالِ الْأَجُوَرِ
كَسَّرْتَهُ فَهَوى بِرَأْيِكَ كَسْرَةً … لَبِثَتْ عَلَى قِدَم المدَى لَمْ تُجْبَرِ
أَعْطَتْكَ أَلْسِنَةٌ أَتَتْكَ ضَمِيرَهَا … وَأَتَتْكَ أَلْسِنَةٌ بِمَا لَمْ تُضْمِرِ
فَأَطَفْتَ بِالْأَيْلِيّ يَنْعَقُ صَائِحًا … فِي كُلِّ مَجْمَعِ مَشْهَدٍ أَوْ مَحْضَرِ
وَمُحَمَّدُ الْحَكَميُّ أَنْتَ أَطَفْتَهُ … وَأَخَاهُ يَنْعَقُ بِالصِّيَاحِ الْأَجْهَرِ
كُلٌّ يُنَادِي بِالْقُرْآنِ وَخَلْقِهِ … فَشَهَرْتَهُمْ بِمقَالَةٍ لَمْ تُشْهَرِ
لَمْ تَرْضَ أَنْ نَطَقَتْ بِهَا أَفْوَاهُهُمْ … حَتَّى المْسَاجِدُ خَلْقَهُ لَمْ تُنْكِرِ
стр. 317
لَمَّا أرَيْتَهُمُ الرَّدى مُتَصَوَّرًا … زَعَمُوا بِأَنَّ اللَّه غَيْرُ مُصَوَّرِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «فكان ممَّن هرب من محمد بْن أَبِي الليث يوسف بْن أَبِي طَيْبة، وأحمد بْن صالح هربا إلى اليَمَن، ومحمد بْن سالم القطَّان، وأبو يحيى الوَقار، فأمَّا يوسف فلزِم منزِله فلم يظهَرْ، وأمَّا ابن سالم فظُفِر بِهِ، فحُمِل إلى العِراق، وهرب ذو النُّون بْن إِبراهيم الإِخميميّ، ثمَّ رأَى أن يرجِع، فرجع إِلَيْهِ، فوقع فِي يده وأقرّ بالمِحنة»، قَالَ أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف: وأنشدنا إسماعيل بن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن تَميم للجَمَل يذكر هارون:
أَحْجَرْتَ يُوسُف فِي خِزَانَةِ بَيْتِهِ … فَطَوَتْهُ عَنْكَ وَطَالَ مَا يُحْجَرِ
أَخْلَيْتَ مِنْ عُمَرِ الزِّنَاءِ مَقَامَهُ … وَعَمَرْتَ مِنْهُ مَدَاخِلًا لَمْ تُعْمَرِ
وَكَفَرْنَكَ الْأَرَضُونَ حِينَ سَأَلْتَهَا … خَبَرَ ابْنِ صَالح الخَبِيثِ الْأَكْفَرِ
جَحَدتْهُ أَقْطَارُ الْبِلَادِ فَمَا عَلَى … حَرَكَاتِهِ وَسُكُونِهِ مِنْ مُظْهِرِ
وَثَوَى ابْنُ سَالِمَ خُفْيَةً فِي بَيْتِهِ … ثُمَّ امْتَطَى غَلَسَ الظَّلَامِ الأَسْتَرِ
فَأُتي بِهِ كَفُرَيْجَ أَوْ كَأَبِي النَّدَى … وَالنَّاسُ بَيْنَ مُهَلِّلٍ وَمُكَبِّرِ
وَكَذَاكَ داود بْنُ حَمَّادَ اخْتَفَى … بَعْدَ الْإِجَابَةِ بِالْخَبِيثِ الْأَغْدَرِ
أَسَفِي عَلَى شُمْطَانِهِ إِذْ أَفْلَتَتْ … مَنْ سَائِقٍ يَشْتَالُهَا أَوْ مُجْرِرِ
أَلَّا أَرَى مَطَرًا يَطُوفُ بِنِصْفِهَا … وَالنِّصْفُ عِنْدَ محَلَّقٍ وَمُقَصِّرِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، عَنْ أحمد بْن أَبِي المُغيرة بْن أخضر، قَالَ: " كَانَ أحمد بْن أَبِي أُميَّة من أهل طَبْلُوهَة أوصى إلى يُونُس بْن عَبْد الأعلى، وإلى إبراهيم بْن الغَمر الغَسَّانيّ، وإلى ابن الريَّان العاري، وإلى أشعث بْن زُهَير ورجُل آخر: فأخبرني ابن قُدَيد، أن الرجُل الآخر، يُقال لَهُ: ابن الفُرات وخلَّف ابنةً لم يُخلِّفْ غيرها، فحمل الأوصياء المال، فأسرع منهم ابن الغَمر وقضى عَنْ نفسه دُيونًا كانت عَلَيْهِ، وردّ الباقون ما كَانَ بأيدِيهم من المال إلى يُونُس بْن عَبْد الأعلى، فطولب بِهِ عند محمد بْن أَبِي الليث، وشُهِد عَلَيْهِ بِهِ، فسجنه فِيهِ، فأخبرني ابن قُدَيد، أن الشاهدَين اللذَين شهِدا
стр. 318
عَلَى يُونُس: رجُل من أهل الحَمراء ثمَّ من أصحاب الحديث، وعبَّاس بْن الوليد الغافقيّ الَّذِي يُعرَف بالنقيّ، فلم يزَلْ يُونس فِي سِجن ابن أَبِي الليث من سنة بِضع وعشرين إلى سنة خمس وثلاثين ومائتين، فقدِم قَوْصَرة من عند المتوكّل مكتشّفًا عَن ابن أَبِي الليث، فأُخبر أن يُونُس بْن عَبْد الأعلى يشهَد عَلَيْهِ وهو فِي سِجنه، فبعث إلى يُونُس، فاستخرجه من السِّجن وسأَله عَن ابن أَبِي الليث، فقال: ما علِمت إِلَّا خيرًا.
قَالَ: فإنه قد سجنك مُنذ كذي وكذي سنة.
قَالَ: لم يظلِمني هُوَ إِنَّما ظلمني من شهِد عليَّ.
فخلَّاه قَوْصَرة ".
وأخبرني أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: أقام يُونُس فِي سِجن ابن أَبِي الليث من سنة ثمان وعشرين إلى سنة خمس وثلاثين ثماني سنين
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: " قدِم يزيد التُّركيّ رسولًا من قِبَل المُتوكّل فِي استخراج أموال الجَرَويّ، فأخرج ابن أَبِي الليث من سِجنه وأمره بالحكومة عَلَى بني عَبْد الحكَم، فحكم عليهم، وحكَم ليُونُس أَنَّهُ بريء ممَّا كَانَ بيده من وصيَّه ابن أَبِي أُميَّة، وشكر لَهُ كلامه لقَوْصَرة.
قَالَ ابن عثمان: فرأَيت فِي القضيَّة التي كتبها ابن أَبِي الليث ليُونُس وهذه الثلاثمائة الدينار تتِمّه الثلاثة والثلاثين الألف الدينار التي حكم بها القاضي محمد بْن أَبِي الليث عَلَى يُونُس بشهادة شاهدين عدلين عنده.
قَالَ الجَمَل لابن أَبِي الليث:
وَدَعَوْتَ أَصْحَابَ الْوَصَايَا بِالَّذِي … قَعَدُوا عَلَيْهِ من التُّراثِ الأَوْفَرِ
فَأَتَاكَ مَنْ خَشِيَ الْعِقَابَ بِمَالِهِ … وَطَوَى الْوَصِيَّةَ كُلُّ عَوْدٍ مُجْسَرِ
فَجَعَلْتَ أَطْبَاقَ السُّجُونِ بُيُوتَهُمْ … لَا يَأْنَسَونَ بِمُقْبِلِ أَوْ مُدْبِرِ
وَثَنَيْتَ وَحْدَتَهُم بِيُونسَ مُؤْنِسًا … وَفَتَى أَبِي عَوْنِ الْخَئُونِ الْأَكْبَرِ
طَرَحُوا لَها الْأَمْوَالَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ … وَلَقُوا السُّجُونَ بِقِعْدَةٍ وَتَبَصُّرِ
أَرْضَى لَهمْ ضَنْكَ السُّجُونِ وَضِيقَهَا … وَلَجَاجَ رَأْيِكَ فِي الأَلَدِّ الْأَفْخَرِ
لَمْ يُشْبِعِ الثُّلُثَانِ جُوعَ بُطُونِهِمْ … حَتَّى غَشُوا ثُلُثَ الضَّعِيفِ الْأَفْقَرِ
стр. 319
فَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ حَشَوْتَ بِبَعْضِهِمْ … وَعْرَ السُّجُونِ وَكُلَّ حَبْسٍ أَقْدَرِ
"
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن الحارث بْن مِسكِين، قَالَ: حَدَّثَنِي نصر بْن مرزوق، " أن سَعِيد بْن زياد الملقَّب بابن القَطاس، كَانَ من أهل الديانة، والفضل، وقد شهِد عند لَهِيعة بْن عيسى، وإبراهيم بْن الجرَّاح، وابن المُنْكدِر، وهارون، وكانت لَهُ حلَقة فِي المسجِد، فلمَّا ولِيَ ابن أَبِي الليث كَانَ لا يزال يبلغه عَنْهُ قبيح الدِّكر لَهُ فِي خلَواته، ثمَّ صار القَطاس يتكلَّم فِي المسجِد مَعَ جُلَسائه بسبّ ابن أَبِي الليث، والدُّعاء عَلَيْهِ، ورَميه بالبِدعة، وتنقّل ذَلكَ إلى ابن أَبِي الليث، فأحضره، فقال لَهُ: ما هذا الَّذِي بلغني عنك.
فأنكر القَطاس ذَلكَ، ثمَّ عاد إلى ذِكره أيضًا، وأتى إلى ابن أَبِي الليث رجُل، فذكر لَهُ، أن القَطاس مملوكٌ لم يجرِ عَلَيْهِ عِتق، وأقام ابن أَبِي الليث شُهودًا، فشهِدوا بذلك عنده "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: " كَانَ القَطاس قد شهِد عند ابن أَبِي الليث، ثمَّ أوقفه بعد، وأقامه للناس، فأتى رجُل من الأزْد، يُقال لَهُ: ابن الأَبرش، فادّعى رقَبته، وأتى بالشهود يشهدون لَهُ عَلَى ذَلكَ، فحبسه القاضي خمسة أيَّام ثمَّ حكم بشهادتهم، وأمر بِهِ، فنُودي عَلَيْهِ، فبلغ دينارًا، فاشتراه محمد بْن أَبِي الليث، فأعتقه ".
قَالَ يحيى بْن عثمان: حضرت ذَلكَ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أحمد بْن محمد الطَّحاويّ، قَالَ: سَمِعْتُ محمد بْن الْعَبَّاس بْن الربيع، يَقُولُ: " ما علِمت أن أحدًا نزل بِهِ ما نزل بالقَطاس، قَالَ: فقلت لمحمد بْن الْعَبَّاس: أكان الشهود الذين شهِدوا عَلَيْهِ عندك ثقات؟ فقال: لا والله، ولكن ابن أَبِي الليث ردّ أمرهم إلى رجُلين أسماهما، فعدَّلا الشهود، فحكم عَلَيْهِ ابن أَبِي الليث بالرِّقّ ".
قَالَ أحمد بْن محمد بن سلامة أخبرني غير واحد من أهل الثِّقة، أن الشهادة كانت زُورًا
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: " أقبح ما أتى أهل المسجِد شهادتهم عَلَى القَطاس حتى باعوه، وعلى أَبِي عُلاثة حتى قتلوه.
قَالَ الجمَل لابن أَبِي الليث:
стр. 320
وَبَطَشْتَ بِالقَطّوسِ بَطْشَةَ قَائِمٍ … بِالحَقِّ غَيْرِ مُقَصِّرٍ وَمُبَذِّرِ
مَا زِلْتَ تَفْحَصُ عَنْ أُمُورِ شُهُودِه … فِي السِّرّ والْعَلَنِ الْمُبِين الْأَظْهَرِ
فَرَبَطتَّهُ فِي رِقّهِ وَمَنَعْتَهُ … يَطأَ الحَرَائِرَ وَهْوَ غَيْرُ مُحَرَّرِ
هذِي الْمُدَى وَهذِهِ أُذُنِي لَهُم … إِنْ جَاءَ فِيهِ بِغَيْرِ فَلْسٍ أَقْشَرِ
يُفْتِي وَيَنْظُرُ فِي الْمُكَاتِبِ دَائِبًا … والْعَبْدُ غَيْرُ مُكاتِبٍ وَمُدَبِّرِ
стр. 321
"
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، وابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، «أن يحيى بْن زكريَّاء مولى كِنْدة كَانَ مقبولًا عند ابن المُنْكَدِر، وهارون، وشهِد عند ابن أَبِي الليث زمانًا ثمَّ وافقه بعد».
وأخبرني أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: ضرب عَلَيْهِ محمد بْن أَبِي الليث وأمر بِهِ، وكان يجلِس فِي المسجِد ويجتمع الناس إِلَيْهِ، فيتحرّض بقول محمد بْن أَبِي الليث، ويقول: قد ورد الخبر البارحة بعزله والرسول فِي الطريق.
ونحو هذا من التشنيع، فبعث إِلَيْهِ ابن أَبِي الليث، فنهاه، فلم ينتهِ، فضربه وحبسه حينًا قَالَ الجَمَل لابن أَبِي الليث:
كَمْ يَعْزِلُونَكَ مِنْ يَوْمٍ وَيُكْذِبُهُمْ … حَملُ القْمَطْرِ فَمَا انْحَاشُوا وَمَا وَكَلُوا
سَيَعْلَمُونَ مَنِ الْمَعْزُولُ عِنْدَهُمُ … أَأَنتَ أَمْ هُمْ إِذَا فَاتَتْهُمُ الْأَكَلُ
هَيْهَاتَ مَنَّتْهُمُ الْآمَالُ بَاطِلَهَا … وَأَيَّ مُسْتَضْعِفٍ لَمْ يَخْدَعِ الْأَمَلُ
أَمَّا قَضَايَاكُمُ فِيهمْ فَمُعْمَلَةٌ … مَا إِنْ لِإِرْجَافِهِمْ مِنْ فَسْخِهَا عَمَلُ
يَا أَوْجُهًا لَهُمُ مَا كَانَ أَصْفَقَهَا … مِنْ أَوْجُهٍ كَيْفَ لَا يَثْنِهِمِ الْخَجَلُ
قَالُوا عُزِلْتَ وَمَا يَدْرُونَ أَنَّهُمُ … عَنِ الشَّهَادَاتِ وَالزُّورِ الَّذِي عزلوا
أخبرني أبو سلمة، وابن قديد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: " كَانَ زِيّ أهل مِصر وجَمال شيوخهم وأهل الفِقه والعَدالة منهم لِباس القلانس الطِّوال، كانوا يبالغون فيها، فأمرهم ابن أَبِي الليث بتركها، ومنعهم لِباسها، وأن يُشبهوا بِلباس القاضي وزِيّه، فلم ينتهوا.
قَالَ ابن عثمان: فجلس ابن أَبِي الليث فِي مجلِس حُكمه فِي المسجِد، واجتمع أُولئك الشيْوخ
стр. 322
عليهم القلانس، فأقبل عَبْد الغنيّ، ومَطَر جميعًا، فضربا رءُوس الشيوخ حتى ألقَوا قلانسهم "
قَالَ: وأخبرني محمد بْن أَبِي الحَديد، قَالَ: حدّثني عُتبة بْن بِسطام، قَالَ: «رأَيت قلانس الشيُوخ يومئذٍ فِي أَيدي الصِّبيان، والرَّعاع يلعبون بها، وكانوا بعد ذَلكَ لا يدخلون إلى ابن أَبِي الليث، ولا يحضرون مجلِسه فِي قَلَنْسُوَة»
وأنشدنا إسماعيل بْن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن تَميم للجمَل:
وَأَخَفْتَ أَيامَ الطِّوَالِ وَأَهْلَهَا … فَرَمَوْا بِكُلِّ طَوِيلَةٍ لَمْ تُقْصَرِ
مَا زِلْتَ تَأْخُذُهُمْ بِطَرْحِ طِوَالِهِمْ … وَالْمَشْيِ نَحْوَاكَ بِالرُّءُوسِ الْحُسَّرِ
حَتَّى تَرَكْتَهُمُ يَرَوْنَ لِبَاسَهَا … بَعْدَ الْجَمَالِ خَطِيَّةً لَمْ تُغْفَرِ
يَتَفَزَّعُونَ بِكُلِّ قِطْعَةٍ خَرْقَةٍ … يَجِدُونَهَا مِنْ أَعْيُنٍ وَمُخَبِّرِ
فَإِذَا خَلَا بِهِمُ الْمَكَانُ مَشَوْا بِهَا … وَتأَبَّطُوهَا فِي الْمَكَانِ الْأَعْمَرِ
فَلئِنْ ذَعَرْتَ طِوَالَهم فَلَطَالَ مَا … ذَعَرَتْ وَمَنْ بِرُوَائِهَا لَمْ يذْعُرِ
كَانُوا إِذَا دَلَفُوا بِهِنَّ لمفْضَلٍ … أَمْضَى عَليْهِ مِنَ الْوَشِيجِ الْأَسْمَرِ
كَمْ مُوسِرٍ أَفْقَرْتَهُ وَمُفَقَّرٍ … أَغْنَيْتَهُ مِنْ بَعْدِ جَهْدٍ مُفْقَرِ
مَا إِنْ عَلَيْك لَقِيتَ مِنْهُمْ وَاحِدًا … أَوْفَى الْعَجَاجَ مُدَجِجًا فِي مِغْفَرِ
لِبِسُوا الطِّوَالَ لِكُلِ يَوْمِ شَهَادَةٍ … وَلَقُوا الْقُضَاةَ بِمِشْيَةٍ وَتَبَخْتُرِ
مَالِي أَرَاهُمْ مُطْرِقِينَ كَأَنَّمَا … دُمِغَتْ رُءُوسُهُمُ بِحُمَّى خَيْبَرِ
أخبرنا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «لمَّا عُزل ابن أَبِي الليث ترك كثير من الشيوخ لِباس القلانس منهم أَبُو إبراهيم المُزَنيّ».
سَمِعْتُ كَهْمَس بْن مُعْمَر، يَقُولُ: لمَّا أمر ابن أَبِي الليث بطَرح القلانس لم يثبت عَلَى لِباسها إلَّا محمد بْن رُمح، فلم يُعارَض
أخبرني إسماعيل بْن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن تَميم، أن النيل كَانَ توقَّف، فاستسقى أهل مِصر وحضر ابن أَبِي الليث الاستسقاء، فوثب المصريّون بسبَب غَلاء القمح، وأخذوا قَلَنْسُوَته، فلعِبوا بها بعد ما فعل بقلانس أهل مِصر بثمانية أيَّام.
стр. 323
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، أن الحارث بْن مِسْكين أقام بالعِراق من سنة سبع عشرة ومائتين إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فقدِم إلى مِصر، وبها محمد بْن أَبِي الليث عَلَى القضاء، وتوفّي حمدون بْن عُمَر بْن إِياس فِي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وهو ابن أخت محمد بْن أَبِي الليث، فحضر الحارث بْن مِسْكين جنازته، وأطال الجلوس عَلَى باب داره، فشكر لَهُ ذَلكَ محمد بْن أَبِي الليث، واجتمع إلى محمد بْن أَبِي الليث أصحابه، فقالوا لا بدّ من امتحان الحارث.
فقال لهم: أَليس الحارث قدِم من العِراق.
قَالُوا: بلى.
قَالَ: فالسُّلطان هناك لم يمتحنه، أَفنمتحنه نَحْنُ اسكتوا عَنْ هذا.
أخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْن الفضل بْن فرحان، قَالَ: كَانَ ابن أَبِي داود يكتب إلى ابن أَبِي الليث يوصيه بالحارث بْن مِسْكين "
أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: " قدِم يعقوب بْن إبراهيم الَّذِي يقال لَهُ: قَوْصَرة، قدِم فِي ربيع الأوَّل سنة خمس وثلاثين واليًا عَلَى بريد مِصر، وأمر بالنظَر هُوَ، وحسن الخادم الذي، يقال له عرق، وابن أبي الليث في الأموال التي ذكرت عند بني عبد الحكم، وزكرياء بن يحيى الحرسي المعروف بكاتب العمري، وحمزة بن المغيرة، ويزيد بن سنان، ومحمد بن هلال، فحضر ابن أبي الليث المسجد الجامع ونودي في الناس من كانت عنده شهادة عليهم.
فحضر جمع كثير، فشهدوا أن مال عليّ بْن عَبْد العزيز بْن الجَرَويّ إبرا. . . . . . من المال، ومال نحوهم قَوْصَرة، وتحامل عليهم ابن أَبِي الليث، وكتب إلى العِراق يذكران قَوْصَرة مال نحوهم، فورد الكتاب بصرف قَوْصَرة عَن البَريد، وأمر بالخروج إلى الشام، فخرج من مِصر، فلمَّا صار ببعض الطريق أتاه كتاب يردّه إلى مِصر، فرجع إليها وأمر بالكشف عَن ابن أَبِي الليث، والنظَر فِي أمره "
حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حَفص اللَخْميّ الأنف، قَالَ: أخبرني أَبِي، قَالَ: لمَّا قام المُتوكِّل رُفع إِلَيْهِ فِي ابن أَبِي الليث، فبعث قَوْصَرة يحضر متكشّفًا عَنْهُ، فكتب قَوْصَرة بما صحّ عنده من أمره، فأتى كتاب المتوكِّل بحبسه، واستقصاء ماله "
стр. 324
حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: «فأَمر قَوْصَرة بحبس ابن أَبِي الليث، وولده، وأصحابه، وأعوانه، فاستُقصيت أموالهم كلهم، ووثب أهل مِصر عَلَى مجلِس ابن أَبِي الليث، فرمَوا بحُصُره، وغسلوا موضِعه بالماء وذلك يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من شعبان سنة خمس وثلاثين ومائتين وعُزل يومئذٍ، ثمَّ ورد كتاب المُتوكِّل يأمر بلعن ابن أَبِي الليث عَلَى المِنبر، فلعنه مكرم بْن حاجب الْإِمَام عَلَى المنبر، ولعنته العامَّة عَلَى أَثَر ذَلكَ يوم الجمعة لأربع بقِينَ من شعبان سنة خمس وثلاثين، فكانت وِلايته عليها تسع سنين، فأقام فِي السِّجن إلى يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين، فورد كتاب المتوكِّل، والمُنتصِر عَلَى خُوط عَبْد الواحد بن يحيى أمير مِصر بأَخذ بني عَبْد الحكَم، وزكريَّاء كاتب العُمَري، وحَمزة بْن المُغِيرة، ويزيد بْن سِنان فِي أموال الجَرَويّ، ثمَّ قدِم يزيد التُّركيّ ليلة الأربعاء لليلة بقِيَت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين فِي طلَب أموال الحَرَويّ وأخذها ممَّن هِيَ عنده، فقدِم معه عبد الله عليّ بْن عَبْد العزيز الجَرَويّ، فأمر يزيد بتخلية ابن أَبِي الليث من سجنه وذلك يوم الخميس لستّ خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع، وخلّى أصحابه، وأولاده، وأمره فِي الحكومة بأموال الجَرَويّ عَلَى ما ثبت عنده، فحكم عَلَى بني عَبْد الحكَم بألف دينار، وأربع مائة ألف دينار وأربعة آلاف وحكم عَلَى زكريّاء كاتب العُمَريّ بثمانية آلاف دينار وذلك فِي يوم السبت لثمان خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين، ودفع القضيَّة إلى يزيد التُّركيّ، فألزم بني عَبْد الحكَم، وزكريَّاء المال إلى أن ينظر فيما عند محمد بْن هلال، ويزيد بن سِنان، وحَمْزة بْن المُغِيرة، ونادى منادي خُوط، ويزيد التُّركيّ فِي أموال الجَرَويّ وكشفها، فمن كتمها ضُرب خمسمائة سوط وهُدمت داره، ونودي فِي أصحاب ابن أَبِي الليث بالأَمان لهم والعفو عَنْهُمْ، فأَقرَ عَبْد الحكَم بن عبد الله بن عَبْد الحكم بمال عنده، فبعث بِهِ إلى منزِله لم يُخرج شيئًا، ورُدّ إلى يزيد فعذّبه، فمات فِي عَذابه لأربع بقِينَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين، وقد كَانَ عَبْد الحكَم أقر قبل موته، أن قَوْصَرة صار إِلَيْهِ من هذا المال تسعة آلاف دينار، وأقرّ محمد بْن هلال، أن قَوْصَرة أخذ منه اثني عشر ألفًا مصانَعةً، وأن ابن أَبِي عَون صار إِلَيْهِ منه ستّة عشر ألفًا، وإلى عيسى بْن صَفْوان
стр. 325
النَّصرانيّ كاتب قَوْصَرة ستَّة آلاف دينار، ثمَّ أقرّ محمد بن هلال أيضًا، أن عنده نيّفًا وثلاثين ألفًا لبني عَبْد الحكَم، وأن جميع ما خرج من يده هُوَ ممَّا كَانَ لبني عَبْد الحكَم، وزكريَّاء، وابن هلال.
فاستُقصيت أموالهم، ونُهبت منازلهم، ومُلئت السجون من الناس، ثمَّ ورد كتاب المُتوكِل بردّ ابن أَبِي الليث وأصحابه إلى السُّجون، فرُدّوا وقُبضت أموالهم، ثمَّ ورد كتاب المتوكل بإِطلاق بني عَبْد الحكَم، وزكريَّاء، وابن هلال، ورُدَّت أموالهم إليهم، ثمَّ ورد كتاب المُتوكِل إلى خُوط بحلق رأس ابن أَبِي الليث ولْحِيته، وضربه بالسوط، وحمله عَلَى حِمار بإكاف وتطوافه الفُسطاط، ففعل ذَلكَ بِهِ خُوط يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائتين، فأقام محبوسًا هُوَ وأصحابه إلى يوم الجمعة ثاني يوم من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائتين، وأُخرج إلى العِراق يوم السبت لتسع خلونَ من ذي القعدة»
أخبرني أحمد بْن الحارث بْن مِسْكين، قَالَ: حَدَّثَنِي نصر بْن مرزوق، أن ابن أَبِي الليث لمَّا خُلّي من السِّجن ليحكم عَلَى بني عَبْد الحكَم وغيرهم وضع يده عَلَى المال الَّذِي كَانَ مجتمعًا فِي بيت المال، وهو نحو من مائة ألف وعشرين ألفًا، فبذّرها، ووهبها، ودفع إلى كل رجُل من أصحابه الذين حُبسوا معه العشرة آلاف والخمسة آلاف والثلاثة والألفين ونحو ذَلكَ ".
قَالَ نصر: فقال لي رجُل من جيراننا فقير: أَلا أُخبرك بعجَب.
قلت: وما هُوَ؟ قَالَ: جاءَني رسول القاضي البارحة بعد ليل، فمضيت إِلَيْهِ.
فقال: إنّك تُكثر الدُّعاء لنا والثناء علينا، فخُذ من ذَلكَ المال ما شئت.
قَالَ: فنظرت وإذا بأكياس كثيرة فِي جانب داره، فأخذت منها هذا المال.
قَالَ: فأراني مالًا كثيرًا.
قَالَ: والله ما استطعت أحمِل أكثر من هذا، وما التفت إليَّ حِين أمرني بأخذه
أخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: كَانَ أَبُو قُدَيسة. . . . . . . . لَهُ انقطاع إلى محمد بن أَبِي الليث، وكان ينادمه عَلَى النبيذ، فلمَّا أُخرج ابن أَبِي الليث من سِجنه، بعث إِلَيْهِ بثلاثة آلاف دينار من المال الَّذِي كَانَ فِي بيت المال، فأظهرها أَبُو قُدَيسة وتحدَّث بها، فبعث خُوط، فأخذها منه.
وأخبرني محمد بْن عليّ بْن حسن بْن أَبِي الحَديد، قَالَ: أخبرني عُتْبَة بن بِسطام،
стр. 326
قَالَ: سأَلت محمد بْن أَبِي الليث عَنْ مَذهبه فِي القَدَر، فأجابني بقول أهل السُّنَّة ".
قَالَ: وندِمت أَّلا أن أكون سأَلته عَنْ مذهبه فِي القرآن لأنّي كنت أظنّ فِعله ذَلكَ كَانَ لأمر السلطان، فلم أسأَله
أخبرني ابن أَبِي الحَديد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُتْبة، قَالَ: " شهِد لي شاهدان عند محمد بْن أَبِي الليث عَلَى رجُل، فقال المشهود عَلَيْهِ: أَيقبَل القاضي شهادتهما وهما لا يقولان فِي القُرآن بقوله.
قَالَ: فوالله ما امتحنتهما.
وأمضى الحُكم عَلَيْهِ "
وأخبرني محمد بْن محمد بْن عمرو بْن نافع أَبُو أحمد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: «رأَيت محمد بْن أَبِي الليث يشرَب جُلَّابًا فِي المسجِد الجامع فِي مجلِس حُكمه»
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي نُوح بْن عيسى بن المُنْكَدِر، قَالَ: «رأَيت محمد بْن أَبِي الليث فِي مجلِس الحُكم فِي مسجِد الجامع وهو مشجوج الوجه وفي يده مَنديل يستر بِهِ شِجاجه».
قَالَ: فتواتر الخَبر، أَنَّهُ عربد عَلَى شيخ كَانَ ينادمه، فشجّه ذَلكَ الشيخ.
قَالَ ابن عثمان: وأخبرني إبراهيم بْن عَبْد الصمَد الإِياديّ، قَالَ: دَعوْتُ ابن أَبِي الليث قبل أن يلي القضاء بأيَّام، فأتاني ومعه نفَر من إِخوانه المُعتزِلة، فأكل وشرِب النبيذ، فكان أجودنا شُربًا.
قَالَ ابن عثمان: لقِيتُ أَبَا قُدَيسة الميمس وبوجهه آثار مُنكَرة، فسأَلته عَنْهَا، فقال: دخلت البارحة إلى القاضي وعنده إِخوانه، فلمَّا رآني، قَالَ لهم: أطفُوا السِّراج.
فطُفِي، وقاموا لي يضرِبون وجهي ورأْسي، ومع ذَلكَ فلم أُقصِّر فيهم، فوالله لقد حقَّقت فيهم القاضي
الحارث بْن مِسكين
ثمَّ ولِيَ القضاء بها الحارث بْن مِسكين من قِبَل جَعْفَر المُتوكِل جلس فِي مجلِس
стр. 327
الحُكم فِي الجامع يوم الإثنين لعشر خلونَ من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين.
حَدَّثَنِي محمد بْن أَبِي الحَديد، قَالَ: كَانَ. . . . . يَقُولُ: أَنَا ولَّيت الحارث بْن مِسكين القضاء، فإذا سُئل عَنْ ذَلكَ، قَالَ: كنت عند المُتوكِل، فذكر رجُلًا يولِّيه قضاء مِصر، فقال: اكتبوا إلى عيسى بْن لَهِيعة.
فقلت: والله يا أمير المؤمنين فِي المُسلِمين أن عيسى بْن لَهِيعة مستهتَر بالشَّطرَنج.
قَالَ: فمن ترى.
قلت: بها رجُل يعرِفه أمير المؤمنين وهو الحارث بْن مِسكين.
فقال: صدقت، اكتبوا بوِلايته.
أخبرنا ابن قُدَيد، قَالَ: فأتاه كتاب القضاء وهو بالإِسكندريَّة، ففضّ الكتاب، فلمَّا قرأه امتنع من الوِلاية، فجبره عَلَى قبولها إِخوانه، وقالوا: نَحْنُ نقوم بين يديك، فقدِم الفُسطاط، وجلس للحُكم، واستكتب محمد بْن سلَمة المُراديّ، وولّى عَلَى أموال السبيل والغَيب عمرو بْن يوسف بن عمرو بْن يزيد الفارسيّ، ومحمد بْن سلَمة المُراديّ، وإبراهيم بْن أَبِي أيّوب، والفضل بْن إِدريس، وجعل عَلَى مسائله عمرو، ويزيد ابني يوسف بْن عمرو بْن يزيد، وجعل معهما بعد ذَلكَ أَبَا بُردة أحمد بْن سُلَيْمَان التُّجيبيّ.
قَالَ ابن قُدَيد وحمله أصحابه عَلَى كشف ابن أَبِي الليث والتقضِّي عَلَيْهِ بِمثل ما تقضَّى بِهِ عَلَى هارون بْن عبد الله من رفع حساب بيت المال وما كَانَ فِيهِ، فكان ابن أَبِي الليث يُوقَف كلّ يوم بين يدي الحارث فيُضرَب عشرينَ سوْطًا ليُخرج ممَّا وجب عَلَيْهِ من الأموال التي كانت تحت يده، أقام عَلَى ذَلكَ أيَّامًا، فكلّمه يزيد بْن يوسف، وأبو بُردة، وقالا لا يجب للقاضي أن يتولَّى مثل هذا.
فترك الحارث مُطالَبته وضرْبه.
قَالَ ابن قُدَيد وكان الحارث هذا مقعدا من رجليه، فكان يحمل في محفة في المسجد الجامع، وكان يركب حمارا متربعا، وطلب إليه في لباس السواد، فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان به، وقالوا يقال أنك من موالي بني أمية.
فأجابهم إلى لباس كساء أسود من صوف. . «وأمر الحارث بإخارج أصحاب أَبِي حنيفة من المسجِد وأصحاب الشافعيِّ، وأمر بنزع حُصرهم، ومنع عامَة المؤَذّنين من الأذان، ومنع قُريشًا والأنصار أن يُدفَع إليهم من طُعمة رمضان شيء، وأمر
стр. 328
بعمارة المسجِد الجامع، وحفر خليج الإسكندريَّة، ونهى عَنْ تفتيل المصايد.
فأبيحتِ الناس، ومنع من النِّداء عَلَى الجنائز وضرب فِيهِ، ومنع القُرَّاء الَّذِي فِي مسجِد محمود وغيره الذين يقرءون القُرآن بالألحان، وكشف أمر المصاحف التي بالمسجد الجامع، وولّى عليها أمينًا من قِبَله وهو أوَّل القُضاة فعل ذَلكَ وترك تلقِّي الوُلاة والسلام عليهم، ولاعن بين رجُل وامرأَته فِي الجامع، وضرب الحدّ فِي سبّ عَائِشَة أمّ المؤمنين ﵂، وتهدّد بالرَّجْم، وقتل نَصرانيًّا سبّ النَّبِيّ ﷺ بعد أن جلده الحدّ، وأمر بضرب عُنُق رجُلين نَصرانيّين شُهِد عنده أنهما ساحران».
أخبرني أَبُو سلَمة أُسامة، قَالَ: سَمِعْتُ أحمد بْن عمرو بْن سَرح، يَقُولُ: «ما دخل فِي وِلاية الحارث بْن مِسكين شيء من الخَلَل إلَّا فِي بيت المال وحده، فإن أمره لم يجر عَلَى استقامة».
فذكرت ذَلكَ لابن قُدَيد، قَالَ: أخبرني يحيى بْن عثمان بْن صالح، قَالَ: قَالَ لي هارون بْن سَعِيد بْن الهَيْثم: كنَّا نجلِس فنتشاكى أمر ابن أَبِي الليث، وأنه لينبغي أن نتشاكى أمر الحارث، فإِنّي أَشرت عَلَيْهِ أن لا يدفع مِفتاح بيت المال لغيره، فإن هارون بْن عبد الله إنَّما أُتي منه.
قَالَ: فلم أبرح حتى أخرج المفتاح من القِمَطْر، فدفعه لأخيه محمد بْن مِسْكين، ولإبراهيم بْن أَبِي أيّوب ليُخرجا شيئًا من بيت المال، وسمِعت عَبْد الكريم بْن إبراهيم بْن حبان المُراديّ، يَقُولُ: سرق إبراهيم بْن أَبِي أيّوب من بيت مال القُضاة ثلاثين ألف دينار.
قلت لَهُ: كيف علِمت هذا؟ قَالَ: والله لقد سمِعت يُونُس بن عبد الله يقوله غير مرَّة
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمْرُوسٍ، قَالَ: حَضَرْتُ جِنَازَةً لآلِ يُوسُفَ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ حَضَرَهَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، فَأَخَذَ يُونُسُ فِي كَلامِ الزُّهَّادِ، وَالْحِكَايَةِ عَنِ الصَّالِحِينَ، فَبَكَى بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ، وَضَاقَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ بِذَلِكَ،
стр. 329
فَالْتَفَتَ إِلَى يُونُسَ بِرِفْقٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: أَنْتَ تُحْسِنُ هَذَا كُلَّهُ، وَأَنْتَ تَصْنَعُ مَا تَصْنَعُ.
فَقَالَ لَهُ يُونُسُ: أَنْتَ قَاضٍ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ»
أخبرني الْحُسَيْن بْن محمد بْن هارون الفرضيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أيّوب العَلَّاف، " أن يُونُس بْن عَبْد الأَعلى شهِد عند الحارث بْن مِسْكين بشهادة، فلمَّا انصرف أُسقط فِي يديه، وعلِم أن أَبَا بُردة أحمد بْن سُلَيْمَان بن بُرد، وعمرًا، ويزيد ابني يوسف بْن عمرو سيجرحونه، فرجع إلى الحارث من وقته، فقال: أصلح اللَّه القاضي أني شهِدت اليوم بشهادة فِي قلبي منها شيء لست أحقّها.
فأوقف الحارث الشهادة، وبلغ أَبَا بُردة، وعمرًا، ويزيد الخبَر، فقالوا: أفلت يُونُس من أيدينا ".
أخبرني يحيى بْن محمد بْن عَمرُوس، قَالَ: كنت حاضرًا عند يُونُس والقارئ يقرأ عَلَيْهِ، فدخل رجُل، فقال: مات يزيد بْن يوسف.
فماج أهل المجلِس، فقال يُونُس: ما بالكم؟ قِيلَ: مات يزيد.
فأطرق مليًّا، ثمَّ رفع رأسه، فقال: حبَّذا موت الأعداء بين يديك وأنت تنظر.
ثمَّ خرج إلى جَنازته وهو راكب حِمارًا، فصلَّى عَلَيْهِ ولم ينزل من عَلَى الحمار
سَمِعْتُ محمد بْن الخَير، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أخي مَيمُون، قَالَ: " كنت عند الحارث بْن مِسْكين، فدخل إِلَيْهِ رجُل، فخاطبه بشيء.
فقال لَهُ الحارث: من يشهَد لك؟ قَالَ: محمد بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم.
فقال لَهُ الحارث قُلْ لَهُ إِن كَانَ رجُلًا فليأتِ، فليشهَد "
أخبرني محمد بْن سَعِيد بْن حفص الفارض، أن رجُلًا من أهل العِراق نظر إلى سُلَيم الخادم الأسود مولى إبراهيم بْن تَميم، فقال: ما أَعجَب أمركم يا أهل مِصر يكون سُلَيم الأسود مُعدَّلًا فيكم، ومحمد بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم مجروحٌ.
فسمِعه سُلَيم، فقال لَهُ: يا هذا إِنّي لم أَخُن أَمانتي، ولم أدّعِ ما لَيْسَ لي.
أخبرني أحمد بْن الحارث بْن مِسكين، قَالَ: بلغني أن أَبِي قبِل سُلَيمًا بغير شاهد شهِد لَهُ، وقال: أَنَا بِهِ عارف.
أخبرني عبد الله بْن مالك بْن سيف التُّجِيبيّ، قَالَ: كانت عجوز من أهلنا لها مورَث فِي دارٍ، فغُصبته، وكان أَبِي، ومحمد بْن عَبْد الحكَم يشهدان لها، فشهِد لها أَبِي عند الحارث، وأقامت المرأَة تختلف إِلَيْهِ زمانًا تسأَله أن يأْذَن لها بإحضار محمد بْن عَبْد الحكَم وحارث
стр. 330
ممتنِع من إحضاره، فلمَّا تيقّن الحارث أنها مظلومة ولم تتمّ لها الشهادة، بعث من قوم ذَلكَ المورَث من الدار، فقُوّم بخمسين دينارًا، فدفعها الحارث إلى المرأَة ولم يُحضِر ابن عَبْد الحكَم.
أخبرني محمد بْن زبَّان بْن حَبيب، أن الحارث بْن مِسْكين توقف عَن النظَر فِي حُبس فرَج بْن حَرْمَلة، قَالَ: لا أنظر فِيهِ ولا آمر ولا أنهى.
فكان ابن أَبِي أيّوب ينظر فِيهِ ويولّي عَلَيْهِ لأن عامّته من المعترِض عَنْ بني أُميَّة.
أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، «أن الحارث خُوصم إِلَيْهِ وكيل السيِّدة فِي دار من دُورها، فحكم عَلَى وكيلها بإخراج الدار من يده إلى خصمه، فرفع ذَلكَ إلى العِراق، فورد الكتاب إلى عُتبَة بْن إِسْحَاق.
وذكر الفضل بْن مَرْوان، أن الحارث بْن مِسكين لم يزَلْ معروفًا بالانحراف عَن السُّلطان، والمباعَدة لأسبابه فِي أيَّام المأمون، وأن أمير المؤمنين أيَّده اللَّه أمر أن يُكتَب إليك ما رفع الفَضْل بْن مَرْوان من ذَلكَ، وأن يُعلَم الحارث أن مقام وُكَلاء أمير المؤمنين فِي ضِياعها ودُورها ومُستَغلَّاتها بِمصر مقام من يحوطها، ويجبي أموالها، ويأمر بردّ الدار التي كانت قبل عرضه فيها، وترك النظَر فِي شيء ممَّا فِي أيدي وكلاء أمير المؤمنين من الضِّياع والدُّور، وغَلَّات مِصر، والاعتراض من حقوق أمير المؤمنين، وتُؤمَر بالتقدّم إلى الحارث فِي ترك النظَر فِي شيء من تِلْكَ الضِّياع، والتعرّض لما فِي أيدي الوكلاء منها، ومنعه من ذَلكَ أن حاوله وكُتِبَت بما أمر بِهِ أمير المؤمنين فِي ذَلكَ، وبمنع الحارث من تعدّيه وتجاوزه، واعمَلْ بما أمر بِهِ أمير المؤمنين وانْتَهِ إِلَيْهِ، وقِفْ عنده وتوقَّ مجاوزته، والتقصير فيما أُمرت بِهِ.
وكتب أحمد بْن الخَصِيب يوم الإثنين لخمسٍ خلونَ من ربيع الآخر سنة أربعين ومائتين».
قَالَ ابن عثمان ورُفع عَلَى الحارث، أن رجُلًا شهِد عنده وقد حلق شعر رأسه، فقال لَهُ: شاميّ أو عِراقيّ؟ فقال لَهُ الشاهِد: بل كُوفيّ.
فقال لَهُ الحارث: فاخبث وأكسر.
ورُفع عَلَيْهِ أَنَّهُ شهِد عنده شاهد، أن ابن أَبِي الليث أشهده،
стр. 331
فقال لَهُ: تذكر ابن أَبِي الليث فِي مجلِسي لا تعُدْ إليَّ فِي شهادة.
ورُفع عَلَيْهِ، أن قَالَ لسهل بْن سلَمة الأسوانيّ: قد عُدّلت عندي ولست أقبَل شهادتك لأنَّك عمِلت لابن أَبِي الليث.
ورُفِع عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ لسليمان بْن أَبِي نصر: لا أُجيز وصيَّة من أوصى إليك وقد صحّ عندي أنَّك كُنتَ تأتي ابن أَبِي الليث.
وأخرج الوصيّة من يده
أخبرني عمّي، قَالَ: شهِد رجُل عند الحارث، فقال لَهُ الحارث: ما اسمك؟ قَالَ: جِبْريل.
قَالَ لَهُ الحارث: لقد ضاقت عليك أسماء بني آدم حتى سُمّيتَ بأسماء الملائكة.
فقال لَهُ الرجُل: كما ضاقت عليك الأسماء حتّى سُمِّيت باسم الشيطان، فإنَّ اسمه حارث.
أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: " حكم فِي دار الفيل وهي دار أَبِي عثمان مولى مَسْلَمة بْن مُخلَّد الأنصاريّ جماعة من قُضاة مِصر، منهم: تَوَبة، والمُفضَّل، والعُمَريّ، وهارون، وحكم هارون بْن عبد الله فيها بإخراج بني البنات من العَقِب، فلمَّا ولِيَ محمد بْن أَبِي الليث، فسخ حُكم هارون، ودفع إلى بني السائح بِضعها، فلمَّا ولِيَ الحارث، فَسَخ حُكم ابن أَبِي الليث فيها وأَخرج بني السائح منها، فخرج إِسْحَاق بن إبراهيم بْن السائح إلى المُتوكِّل يرفع عَلَى الحارث بْن مِسكين ويتظلَّم منه، وأحضر قضيَّته إلى العِراق، وأمر المُتوكِّل بإحضار الفُقهاء، فنظروا فِي قضيَّته خطَّئُوه فيها، وتناولوه بأَلسِنتهم، وكان الفُقَهاء الذين نظروا فِي قضيَّته من الكُوفيّين، وإنَّما حكم الحارث عَلَى مذهب المَدَنيّين، وبلغ الحارث ما جرى هناك من ذِكره، فكتب يسأَل أن يُعفَى عَن القضاء.
فكتب إِلَيْهِ جَعْفَر بْن عَبْد الواحد الهاشميّ: أَنهيتُ إلى أمير المؤمنين أن كتابك وصل باستعفائك ممَّا تقلَّدته من أمر القضاء بِمصر، فأمر أيَّده اللَّه بإجابتك إلى ذَلكَ، وإعفاءك ممَّا تقلَّدت، إسعافًا لك بما سأَلت، وتفضلًا لما أدَّى إلى مُوافقتك فِيهِ، فرأْيك أبقاك اللَّه فِي معرِفة ذَلكَ والعمَل بحسبه.
وكان قد ورد الكتاب بذلك عَلَى الحارث فِي ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين، ثمَّ ورد كتاب المُتوكِّل عَلَى بكَّار بْن قُتَيبة يأْمره بالنظَر فِي ظُلامة ابن السائح، وأن يُرَدّ إلى يده ما كَانَ الحارث أَخْرَجَهُ عَنْهَا "
أخبرني أحمد بْن محمد بْن سلامة، أن بكارًا استعظم فسخ حُكم الحارث فيها، إذ كَانَ الحارث إنَّما كَانَ حكم فيها عَلَى مذهب أصحابه المَدَنيّين، قَالَ أحمد: فلم يزل يُونُس بْن عَبْد الأعلى يكلّم بكَّارًا ويجسّره حتى حكم فيها، وردّ إلى ابن السائح ما كَانَ بيده منها.
стр. 332
فولِيَها الحارث بْن مِسكين إلى أن صُرف عَنْهَا يوم الجمعة لسبع بقِينَ من ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين ولِيَها سبع سنين وأحد عشر شهرًا.
وورد كتاب المُتوكِل عَلَى دُحَيم عبد الرحمن بْن إبراهيم بْن سَعِيد بْن مَيمُون مولى يزيد بْن مُعاوية بْن أَبِي سُفيان وهو عَلَى قضاء فِلَسطين يأمره بالانصراف إلى مِصر لِيليها، فتُوفّي بفِلَسطين يوم الأحد لثلاث عشرة بقِيَت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائتين.
بكَّار بْن قُتَيْبة
ثمَّ ولِيَ القضاء بها بكَّار بْن قُتَيبة من قِبَل المُتوكِّل، قدِمها يوم الجمعة لثمان خلونَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين ومائتين، وتُوفّي فِي ذي الحجَّة سنة سبعين ومائتين.
стр. 333
أخبرنا أَبُو الْحَسَن، أخبرنا محمد بْن الربيع بْن سُلَيْمَان الجِيزيّ، قَالَ: «ولي بكَّار بْن قُتيبة مِصر من قِبَل المتوكِل، فدخل البلَد يوم الجمعة لثمان خلونَ من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين ومائتين، وكان عفيفًا عَنْ أموال الناس محمودًا فِي وِلايته، وكان يذهب إلى قول أَبِي حَنيفة، وتعلَّم الشروط بالبَصرة من هِلال بْن يحيى الرَّأْي».
وأخبرني من أهل البلد من لَهُ عِناية بإخباره، أن أحمد بْن طُولون كَانَ يُعظِّم بكَارًا ويرفع قدره إلى أن طالبه ابن طولون بلعن الموفّق، فتوقَّف بكَّار فِي ذَلكَ، فغضب عَلَيْهِ ابن طولون، فلمَّا تبيّن ذَلكَ بكَّار من ابن طولون وظهرت لَهُ مَوجِدته عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: أَلَا لَعْنَةُ اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ.
فقيل لأحمد بْن طولون: إنَّه إنَّما قصدك بهذا القول.
فطالبه بردّ الجوائز التي كَانَ أجازه بها.
فقال بكَّار هي بحالها، فوجّه ابن طولون، فوجدها كما هِيَ بخواتيمها، فأخذها، ثمَّ إنَّ ابن طولون سجنه عند درب ابن المعلى فِي الرحَبة المعروفة بدار الحرف، ودار مدع الأخشاديّ دارًا اكتُريت لَهُ، وكان فيها طاق يجلِس يتحدَّث فيها، ويُكتَب عَنْهُ وهو فِي السِّجن، فإذا كَانَ يوم الجمعة اغتسل غُسل الجمعة ولبِس ثيابه ثمَّ خرج إلى السجَّان، فيقول لَهُ السجَّان: إلى أَيْنَ تُريد؟ فيقول لَهُ بكَّار: أُريد صلاة الجُمعة.
فيقول لَهُ السجَّان: لا سبيل إلى ذَلكَ.
فيقول بكَّار: اللَّه المُستعان.
ويرجِع، وكان
стр. 334
سجنه فِي جمادى الآخرة سنة سبعين، فأقام فِي السِّجن إلى أن عرضت لأحمد بْن طولون عِلَّته التي تُوفّي فيها، فوجّه إِلَيْهِ يستحلّه، فقال للرسول قُل لَهُ أَنَا شيخ كبير وأنت عليل مُدنِف، والملتقى قريب والله الحاجز بيننا.
وتُوفّي أحمد بْن طولون، فعُرّف بكَّار بموته.
قَالَ: مات البائس.
قِيلَ لبكَّار: انصرفْ.
قَالَ: الدار بأُجْرة وقد انِستُ بها فما مضى فعلى غيرنا، وما كَانَ فِي المُستأْنَف فعليَّ.
فأقام بكَّار فِي الدار بعد موت ابن طولون أربعين يومًا ثمَّ مات، فأُخرج منها إلى المُصلَّى، فصلَّى عَلَيْهِ أَبُو حاتم بن أخيه وكانت وفاته يوم الخميس لستٍّ بقِينَ من ذي الحجَّة سنة سبعين ومائتين، فكانت وِلايته أربعة وعشرين سنة وستَّة أشهر وستَّة عشر يومًا
حَدَّثَنِي عليّ بْن أحمد بْن محمد بْن سلامة، عَنْ أبيه، قَالَ: «تُوفّي بكَّار بن قُتَيبة القاضي يوم الخميس لخمس خلونَ من ذي الحجَّة سنة سبعين ومائتين، وصلَّى عَلَيْهِ ابن أخيه محمد بْن الْحَسَن بْن قُتَيبة، وأهله يقولون أن سِنّة يوم تُوفّي سبع وثمانون سنة».
وحَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن شُعَيب، أَنَّهُ سأَله عَنْ مولِده، فقال لسليمان: سنة أربع وثمانين ومائة، فقال لَهُ: أنت من أصحابنا.
وسمعت عليّ بْن أحمد بْن سلامة، يَقُولُ: تُعرَف الإِجابة عند قبر بكَّار بْن قُتَيبة
محمد بْن عَبْدة بْن حَرْب
وأقامت مِصر بعد موت بكَّار بلا قاضٍ حتى ولَّى خُمارَوَيْه بْن أحمد بن طولون محمد بْن عَبْدة يُكنى أَبَا عُبَيْد اللَّه المظالم، ثمَّ ولَّاه القضاء فِي سنة سبع وسبعين ومائتين، فلم
стр. 335
يزل واليًا إلى سنة ثلاث وثمانين، فلمَّا قُتل خُمارَوَيْه بْن أحمد وكان قتله بدِمَشْق سنة اثنتين وثمانين ومائتين واستخلف ابنه حَبيْش، فكان أَبُو عُبَيْد اللَّه ينظر فِي الأحكام إلى أن خُلع جَيْش، وولِيَ هارون أخوه فِي جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فتغيّب ابن عَبْدة، فأقام لا يُعرف لَهُ موضِع، وبقِيَت مِصر بغير قاضٍ، ولم يُهَجْ أصحابه بشيء من الأَذى، ويقال: أنَّه استتر فِي داره التي ابتناها، فلم يُطلب ولم يُكشف عَنْهُ.
فكان مدَّة نظره فِي الحُكم إلى أن سجن نفسه ستّ سنين وسبعة أشهُر، فولِيَها إلى أن صُرف عَنْهَا يوم الأحد لسبع بقِينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وجُعل أمر المظالم إلى ابن طُغان.
أَبُو زُرعة محمد بْن عثمان.
أخبرنا محمد بْن الربيع، قَالَ: ثمَّ ولَّى هارون أَبَا زُرعة محمد بْن عثمان الدِّمَشْقيّ قضاء مِصر، وفِلَسطين، والأُرْدُنّ، ودِمَشْق، وغيرهما فأقام بِمصر وكانت وِلايته فِي سنة أربع وثمانين ومائتين، وكان عفيفًا عَنْ أموال الناس، فلم يزل واليًا حتى قُتل هارون بْن خُمارَوَيْه، ودخل مصر بْن سُلَيْمَان رسولًا من عند الخليفة فِي جموع كثيرة، فولِيَ مِصر وكان ذَلكَ يوم الخميس آخر يوم من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وركِب محمد بْن عَبْدة إِلَيْهِ يوم السبت، ثمَّ رجع من مُعسكره إلى داره وسلَّم عَلَيْهِ الناس وهنَّئُوه بالسلامة، وعزل أَبَا زُرعة يوم الخميس من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
محمد بْن عبْدة الثانية
ثمَّ خلع محمد بْن سُلَيْمَان عَلَى أَبِي عُبَيْد اللَّه محمد بْن عَبْدة يوم الخميس لأيَّام خلت من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وولَّاه القضاء والمظالم.
وجلس للناس يوم السبت لسبع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولم يزَلْ واليًا إلى يوم
стр. 336
الخميس تاسع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكان خروجه إلى العِراق يوم السبت لثلاث خلونَ من رجب سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
عليّ بْن الْحُسَيْن بْن حَرْب
أخبرنا ابن الربيع، قَالَ: قدِم أَبُو عُبَيْد عليّ بْن الْحُسَيْن بْن حرب من أهل بَغداد مِصر وكان دخوله إليها يوم السبت لأربع خلونَ من شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين، قَالَ لي ابن بُرد وُلد أَبُو عُبَيْد سنة سبع وثلاثين ومائتين، فلم يزَلْ واليًا إلى أن عُزل فِي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فخرج من مِصر فِي ذي الحجَّة من هذه السنة، وبلغنا وفاته ببغداد فِي سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
أَبُو الدِّكْر محمد بْن يحيى
ولمَّا صُرف أَبُو عُبَيْد، عَن القضاء بِمصر، ورد كتاب من أَبِي يحيى عبد الله بْن إبراهيم بْن محمد بْن مُكرَم إلى جماعة من شيوخ مِصر أن يختاروا رجُلًا يتسلَّم الأمر من أَبِي عُبيد، فوقع اختيارهم عَلَى أَبِي الدِّكْر، فتسلَّم منه، فلم يزَلْ ينظر بين الناس إلى يوم الخميس لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، فكانت وِلايته أشهُر
стр. 337
وأيَّامًا، ثمَّ قدِم الكُرَيزيّ خليفةً لابن مُكرَم، فتسلَّم من أَبِي الدِّكر.
إبراهيم بْن محمد الكُرَيزيّ
وكان قدوم الكُرَيزيّ يوم الخميس لتسع عشرة خلت من صفر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة خليفةً لابن مُكرَم، فلم يزَلْ واليًا إلى يوم الخميس لستّ خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث عشرة، ثمَّ صُرف وخرج يوم الثلاثاء لتسع عشرة خلت من ربيع الأوَّل سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
هارون بْن إبراهيم بْن حمَّاد
ثمَّ ولِيَ القضاء هارون بْن إبراهيم، فورد كتابه إلى عبد الرحمن بْن إِسْحَاق بْن محمد بْن مَعمَر الجَوْهَريّ، وإلى أحمد بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن شُعَيب المدائنيّ يُعرف بابن أَبِي الْحَسَن الصغير، فتسلَّما أمر الحُكم وذلك يوم الجمعة لتسع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وقرأَ عَلَى الناس كتاب العهد، ثمَّ أُفرد عبد الرحمن بْن إِسْحَاق بالنظر فِي الحُكم وذلك يوم الجمعة لتسع خلونَ من ربيع الأوَّل سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وقرأ عَلَى الناس كتاب العهد، ثمَّ أُفرد عبد الرحمن بْن إِسْحَاق بالنظَر فِي الحُكم وذلك فِي ذي الحجَّة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة إلى أن قدِم أحمد بن إبراهيم بْن حمَّاد خليفةً لأخيه هارون.
стр. 338
أحمد بْن إبراهيم بْن حمَّاد
قَالَ ابن الربيع: ووافى كتاب أَبِي عثمان أحمد بْن إبراهيم بْن حمَّاد من الرَّمْلة لأربع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثلاثمائة، ثمَّ وافى كتابه أيضًا من الورَّادة يوم الثلاثاء لعشر بقِينَ من ربيع الآخر، ودخل الفُسطاط يوم الجمعة، فصار إلى دار الأمير مُسلم وهو جَدّه لأمّه سنة ستّ عشرة وثلاثمائة، فكانت وِلايته سنتين وتسعة أشهُر.
عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر
ثمَّ ولِيَ عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر القضاء بِمصر من قِبَل المُقتدِر، فدخل البلَد يوم السبت فِي النصف من المحرَّم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فلم يزَلْ ينظر فِي الأحكام إلى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فكانت وِلايته هذه ستّة أشهُر وأيَّامًا.
أحمد بْن إبراهيم بْن حمَّاد الثانية
ثمَّ ولِيَ أَبُو عثمان بن حمَّاد مِصر من قِبَل أخيه هارون بْن إبراهيم يوم الجمعة لليلتين بقِيَتا من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فتسلَّم من ابن زَبْر ولم يزَلْ ينظر فِي الأحكام إلى يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من ربيع الآخر سنة عشرين وثلاثمائة، فكانت
стр. 339
وِلايته هذه الثانية سنتين وتسعة أشهُر.
عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر الثانية
ثمَّ ورد كتاب ابن زَبْر عَلَى عليّ بْن محمد بْن عليّ العسكريّ، فتسلَّم من ابن حمَّاد، فلم يزَلْ ينظر بين الناس إلى أن وافى ابن زَبْر يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقِيَت من ربيع الآخر سنة عشرين وثلاثمائة، فلم يزل ينظر فِي الأحكام إلى أن استأذن الأمير تَكين فِي الخروج من البلَد لمَّا عرضت للأمير العِلَّة، فخاف عَلَى نفسه، فأَذِن لَهُ، فخرج يوم الأحد لعشر خلونَ من صفر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وجعل ما كَانَ بيده من أمر الحُكم إلى أَبِي هاشم إسماعيل بْن عَبْد الواحد المَقدِسيّ الشافِعيّ.
إسماعيل بْن عَبْد الواحد المَقْدِسيّ
فتسلَّم الأمر أَبُو هاشم لعشر خلونَ من صفر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فنظر بين الخصوم وسمع من الشهود، فلم يزَلْ ينظر بين الناس إلى أن شغب الجُند عَلَى أَبِي بَكْر محمد بْن عليّ الماذرائيّ ورجعوا إلى دار أَبِي هاشم، فلم يزَلْ مُستترًا إلى أن خرج إلى الشام وذلك فِي ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فكان نظرَه فِي الحُكم نحو شهرين.
أحمد بْن عبد الله بْن قُتَيبة
ثمَّ ولِيَ القضاء بِمصر ابن قُتَيبة من قِبَل محمد بْن الْحَسَن بْن أَبِي الشوارب، فأنفذ الْحُسَيْن بْن محمد المطّلبيّ المعروف بالنبقي، فتسلَّم لَهُ، وكانت وِلاية ابن أَبِي الشوارب من
стр. 340
قِبَل القاهر، ووافى ابن قُتَيبة البلَد لاثنتي عشرة ليلة بقِيَت من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فنزل الجامع وقرأَ كتاب عهده ونظر بين الناس، واستخلف أَبَا الدِّكر محمد بْن يحيى التمَّار عَلَى الفرض، وجعل ابنه عَبْد الواحد يخلُفه فِي بعض الأمر، وحدَّث بكُتُب أبيه ثمَّ صُرف يوم الثلاثاء لسبع خلونَ من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فكانت وِلايته هذه ثلاثة أشهر، وتُوفّي بِمصر فِي ربيع الأوَّل سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
أحمد بْن إبراهيم بْن حمَّاد الثالثة
ثمَّ ولِيَ القضاء أحمد بْن إبراهيم الثالثة من قِبَل القاهر بالله لأربع خلونَ من رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فلم يزَلْ ينظر فِي الأحكام إلى يوم الأربعاء لستّ بقِينَ من صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فكانت وِلايته هذه أقل من ستَّة أشهُر، وتُوفّي بِمصر وهو مصروف عَن الحُكم فِي شهر رمضان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
محمد بْن مُوسَى السَّرخْسيّ
ثمَّ ولِيَ القضاء محمد بْن مُوسَى السَّرَخْسيّ، وورد كتابه عَلَى أَبِي الْحُسَيْن محمد بْن عليّ بْن أَبِي الحَدِيد وإلى أَبِي الْحَسَن عليّ بْن أحمد بْن إِسْحَاق البغداديّ ينظُران بين الناس، فتسلَّما من جمادى إلى أن وافى السَّرَخْسيّ يوم الأربعاء لخمس بقِينَ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، والأمير بِمصر يومئذٍ محمد بْن تكين، ثمَّ ورد صرفه، فتوقَّف عَن الحُكم، فركِب إِلَيْهِ محمد بْن عليّ الماذَرائيّ، فسأَله المُقام بالبلَد إلى أن يكتب فِي أمره إلى السُّلطان، فأَبى أن يفعل، فلم يزَلْ ينظر إلى يوم الخميس لخمس مضينَ من شوَّال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فكانت وِلايته سبعة أشهُر واثنتي عشر يومًا.
стр. 341
محمد بْن بَدْر الصَّيْرفيّ
ثمَّ ورد الكتاب إلى محمد بْن بَدْر الصَّيْرفيّ من قِبَل محمد بْن الْحَسَن ابن أَبِي الشوارب وكان الراضي ولّاه حُكم مِصر، فتسلَّم لَهُ أَبُو بَكْر بْن الحدَّاد من السَّرَخْسيّ وذلك يوم الخميس لخمس خلونَ من شوَّال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، فكانت وِلايته هذه سنتين.
عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر الثالثة
ثمَّ ولِيَ القضاء عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر من قِبَل ابن أَبِي الشوارب، فكتب إلى أَبِي الْحَسَن عليّ بْن أحمد بْن إِسْحَاق، وإلى أَبِي العبَّاس يحيى بْن الْحَسَن بْن الأشعث، فتسلَّما لَهُ ونظرا بين الناس لخمس بقِينَ من شوَّال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكان بِمصر أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بْن محمد بْن أَبِي زُرعة، فمضى إلى الأمير محمد بْن طُغْج بْن جُف فسأَله، وبذل لَهُ فوجّه إلى أَبِي الْحَسَن بْن إِسْحَاق، وإلى أَبِي العبَّاس بْن الأشعث، فمنعهما من النظَر فِي الحُكم وذلك المنصف من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وولِيَ الْحُسَيْن بْن أَبِي زُرعة على أن الناظر فِي الحُكم أَبُو بَكْر بْن الحدَّاد إلى أن يرِد الكتاب من بغداد بوِلاية ابن أَبِي زُرعة.
стр. 342
محمد بْن أحمد بْن الحدَّاد
فنظر أَبُو بَكْر بْن الحدَّاد فِي الحُكم للنصف من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فِي داره وفي الجامع، ووقّع فِي النِّكاحات، وأقام عَلَى ذَلكَ أشهُرًا إلى أن ورد الكتاب إلى ابن زُرعة فِي آخر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فكانت أيَّامه ستَّة أشهُر.
وأنشد بعض الشُّعراء بياتًا فِي أَبِي بَكْر بْن الحدَّاد:
قُولُوا لِحَدَّادِنَا الْفَقِيهِ … الْعَالِمِ النَّابِهِ الْوَجِيهِ
وَالْمِسْقَعِ الْمسْتَطِيلِ لَوْلَا … مَا فِيهِ مِنْ نَخْوَرة وَتِيه
حَكَمْتَ حُكْمًا بِغَيْرِ عقْدٍ … وَغيْرِ عَهْدٍ نَظَرْتَ فيهِ
أَحْلَلْتَ فَرْجًا لِمبْتَغِيهِ … وَوِزْرُهُ وِزْرُ مَنْ يَلِيهِ
الْحُسَيْن بْن أَبِي زُرعة
ثمَّ ورد الكتاب من العِراق من محمد بْن الْحَسَن بْن أَبِي الشوارب، إلى الْحُسَيْن بْن أَبِي زُرعة بالولاية، فركِب بالسواد إلى الجامع ونظر بين الخصوم، فلم يزَلْ ينظر فِي الحُكم بِمصر إلى أن تُوفي يوم الجمعة، وهو يوم النحر من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ودُفن فِي دار أَبِي زُنبُور التي فِي زُقاق الشوا، ثمَّ حُمل بعد ذَلكَ إلى الشام.
محمد بْن بَدْر الصَّيْرفيّ الثانية
ثمَّ ولِيَ الحُكم بِمصر أَبُو بَكْر محمد بْن بَدر الصَّيْرفيّ خليفةً لابن أَبِي الشوارب، وكان
стр. 343
الراضي ولَّاه، فنظر ابن بَدْر فِي الحُكم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجَّة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وركِب. . . . . . . . من تخلَّف عَنْهُ من الشهود، فلم يزَلْ واليًا إلى سلخ صفر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فكانت وِلايته هذه سنة واحدة وشهرين.
عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر الرابعة
ووافى عبد الله بْن أحمد بْن زَبْر خليفة لابن أَبِي الشوارب، فدخل البلد مستهلّ ربيع الأوَّل سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فنظر فِي الأحكام إلى ثلاث خلونَ من ربيع الآخر من هذه السنة، فكانت وِلايته هذه شهرًا واحدًا وأيَّامًا، ثمَّ اعتل عِلَّة موته، فتوفّي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وصُلِّي عَلَيْهِ فِي مُصلَّى عبسون بمِصر.
عبد الله بْن أحمد بْن شُعيب
ولمَّا توفّي ابن زَبْر سعى عبد الله بْن أحمد بْن شُعيب فِي أمر الحكم، فولِيَ الحُكم من قِبَل الْحُسَيْن بْن عيسى بْن هَارون، فلبِس السواد، وركِب إلى الجامع، فقرأَ عهد الراضي لابن هَرَوان، وقرأَ عهد ابن هَرَوان إِلَيْهِ ونظر فِي الأحكام، ثمَّ إنَّه صُرف فِي شوَّال سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فكانت وِلايته ستَّة أشهُر، ثمَّ إن أحمد بْن عبد الله الخرقيّ كتب إلى ابن هرَوان بأن يخلفه عَلَى الحُكم بمصر، فاستخلف محمد بْن بَدْر الصَّيْرَفيّ الثالثة.
محمد بْن بَدْر الصَّيْرَفيّ الثالثة
ثمَّ ورد الكتاب من الْحُسَيْن بْن هَرَوان إلى الأمير محمد بْن طُغج باستخلافه محمد بْن بَدْر الصَّيْرَفيّ، فتسلَّم الحكم فِي شوَّال سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فلم يزَلْ ينظر فِي الأحكام إلى أن عرضت لَهُ العِلَّلة، فتوفّي لثلاث بقِينَ من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة، فكانت وِلايته هذه أحد عشر شهرًا
стр. 344
أَبُو الدِّكْر محمد بْن يحيى الثانية
ولمَّا توفّي محمد بْن بَدْر الصَّيْرَفيّ جعل الأمير محمد بْن طُغْج النظَر فِي الحُكم إلى أَبِي الدِّكْر محمد بْن يحيى بْن مَهديّ، فنظر وحكم، وركِب لطلَب هِلال شهر رمضان، فأقام ينظر خمسة أيَّام، ثمَّ ردّ الأمر إلى الْحَسَن بن عبد الرحمن بْن إِسْحَاق بْن محمد بْن مَعْمَر الجَوْهَريّ.
الْحَسَن بْن عبد الرحمن الجَوْهَريّ
وتسلَّم الْحَسَن أمر الحكم خليفةً للحسين بْن عيسى بْن هَرَوان، فركِب إلى الجامع ولبِس السواد، ونظَر بين الخصوم وذلك لسبع خلونَ من شهر رمضان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وصُرف عَن الحُكم، وتوفّي بِمصر.
أحمد بْن عبد الله الكِشّيّ
سَمِعْتُ أَبَا عُمَر محمد بْن يوسف، يَقُولُ: قدم بكران بْن الصبَّاغ فِي صفر من الشام واليًا عَلَى الأحباس، ونَفَقه الأيتام، وقدِم معه أحمد بْن عبد الله الكِشّيّ من قِبَل الْحُسَيْن بْن هَرَوان، وقد جعل إِلَيْهِ النظَر فِي الأحكام وذلك فِي ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، ثمَّ إن الأمير قبض يدي الكِشّيّ عَن النظَر، ثمَّ رأَى أن يولّي عبد الله بْن أحمد بن شُعَيب، فولَّاه خليفةً لابن هَرَوان، فكانت وِلاية الكِشّيّ ثلاثة أشهُر.
عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب الثانية
ثمَّ ولَّى الإِخْشِيد محمد بْن طُغْج عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب القضاء خليفةً لابن هَرَوان فِي رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فلم يزَلْ عَلَى ذَلكَ إلى أن وافى ابن هَرَوان مِصر، فكان عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب ينظر فِي الأحكام بحضرته خليفةً لَهُ إلى أن بلغه أَنَّهُ يذكر، أن الوِلاية جائية من بغداد رئَاسةً من قِبَل المُستكفي، وصرفه فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن الجَوْهَريّ الثانية
واستخلف الْحَسَن بْن عبد الرحمن بْن إِسْحَاق، فأقام أيَّامًا ثمَّ مرِض، فصرفه، وردّ أمر الحُكم إلى ابن الحدَّاد باتّفاق الشهود عَلَى ذَلكَ، وخرج ابن هَرَوان وسلَّم الأمر إلى ابن الحدَّاد، وبشَّره، ووصله، وأكرمه.
стр. 345
محمد بْن أحمد بْن الحدَّاد الثانية
ثمَّ إن أَبَا بَكْر نظر بين الخصوم لابن هَرَوان فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، فركِب إلى المسجد الجامع، فنظر بين الخصوم إلى أن أظهر عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب كتاب المُستكفي إِلَيْهِ، فعاونه محمد بْن عليّ بْن مُقاتِل، وكان وزير الإِخْشِيد، فصرف ابن الحدَّاد عَن النظَر لسبع بقِين من المحرَّم سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فكانت مُدَّة مُقامه ونظَره تسعة أشهُر.
عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب الثالثة
ثمَّ ولِيَ ابن شُعَيب من قِبَل المُستكفيِ ورد عَلَيْهِ الكتاب من بغداد، فأخفاه خوفًا من ابن هَرَوان لأنه كَانَ خليفته، فلمَّا خرج ابن هَرَوان إلى الشام أظهر الكتاب، فقام بأمره ابن مُقاتِل وتسلَّم الحَكم وقرأَ كتابه فِي الجامع، فلم يزَلْ عَلَى ذَلكَ إلى أن ورد الخبَر بوفاة ابن هَرَوان، فصُرف فِي رجب سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة.
عُمَر بْن الْحَسَن الهاشميّ
ولمَّا ولِيَ المُطيع ولَّى محمد بْن الْحَسَن الهاشميّ، وصرف عبد الله بْن أحمد بْن شُعَيب، وكتب إلى عُمَر بْن الْحَسَن أخيه فِي رجب سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة بالوِلاية عَلَى مِصر، فنزل إلى الجامع وعليه السواد، وقرأَ كتاب العهد، ونظر بين الخصوم، فلم يزَلْ ينظر فِي الأحكام إلى النصف من ذي الحجَّة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فصُرف بابن أمّ شَيْبان، وكانت وِلاية عُمَر بْن الْحَسَن هذه ثلاث سنين ونصفًا.
عبد الله بْن محمد بْن الخَصِيب
ثمَّ تسلَّم ابن الخَصِيب القضاء خليفةً لمحمد بْن صالح بْن أُمّ شَيْبان الهاشميّ للنصف من ذي الحجَّة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فلم يزَلْ ينظر فِي الأحكام هُوَ وابنه إلى أن
стр. 346
عرضت لَهُ العِلَّة فِي ذي الحجَّة سنة سبع وأربعين، وتوفّي فِي المحرَّم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فكانت وِلايته إلى وفاته ثمان سنين وأربعة وعشرين يومًا.
محمد بْن عبد الله بْن محمد بْن الخصِيب
فلمَّا توفّي الخَصِيبيّ، نظر ابنه أَبُو عبد الله فِي الحُكم بعد موت أبيه بأمر كافوا خليفةً لابن أُمّ شَيْبان، فلبِس السواد، وركِب إلى الجامع، ونظر بين الخصوم شهرًا واحدًا وأربعة أيَّام، وعرضت لَهُ العِلَّة، فتُوفّي فِي ربيع الأوَّل سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وعاش بعد أبيه خمسة وأربعين يومًا.
أَبُو الطاهر الدُّهْليّ
ثمَّ جُعل الأمر إلى أَبِي الطاهر محمد بْن أحمد باتفاقٍ من أهل البلَد، ورضي منهم بِهِ، فأَثنَوا عَلَيْهِ عند كافور، فسلَّم الأمر إِلَيْهِ للنصف من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فلم يزَلْ ينظر فِي الحُكم إلى أن صرف يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر سنة ستّ وستّين وثلاثمائة، فلم يزَلْ فِي داره مصروفًا عَن الحكم على أن توفّي فِي ذي الحجَّة سنة سبع وستّين وثلاثمائة، وصُلّي عَلَيْهِ فِي الجامع، ورُدّ إلى داره. . . . . .، فدُفن فيها، ثمَّ أُخرج، فدُفن فِي الصحراء نحو الجبَل.
سمِعته، يَقُولُ: وُلدت سنة تسع وسبعين ومائتين.
стр. 347
أَبُو الْحَسَن عليَّ بْن النُّعْمان بْن محمد بْن حَيُّون
ردّ إِلَيْهِ العزيز بالله الحُكم الَّذِي عهِده يوم الجمعة، ولمَّا كَانَ يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر سنة ستّ وستّين وثلاثمائة قُرئ عهده عَلَى الناس، قرأه أخوه أَبُو عبد الله، فجلس يوم الأحد فِي الجامع، وحضر الشهود، ونظر بين الخصوم، ووقّع فِي النِّكاح إلى من رُسم بالسعادة، وامتنع أن يُوقّع إلى من كَانَ أَبُو الطاهر يوقّع إِلَيْهِ وما ضرّهم اللَّه بذلك.
стр. 348
أَبُو الطاهر الدُّهْليّ
وولي محمد بْن أحمد بْن نصر السَّدُوسيّ يُكنْى أَبَا الطاهر من قِبَل الأُستاذ كافور فِي شهر ربيع الأوَّل سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. . . . . . . .
عليّ بْن النُّعمان بْن حيّون
ثمَّ ولِيَ بعده أَبُو الْحَسَن عليَّ بْن النُّعمان بْن محمد بْن حَيُّون، ردّ إِلَيْهِ العزيز بالله الحُكم، وقُرئَ عهده عَلَى مِنصر جامع مِصر العتيق يوم الجمعة لتسع خلون من صفر سنة ستّ وستّين وثلاثمائة، ثمَّ اعتلّ، ونزل يوم الإثنين الجامع عَلَى الرسم وحكم بين الناس، ثمَّ نهض لوقته ومضى إلى داره، فأقام مُتخلِّفًا أربعة عشر يومًا، وتُوفّي لستّ خلونَ من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
محمد بْن النُّعمان بْن حُيُّون
ثمَّ ولِيَ أخوه محمد بْن النُّعمان القضاء ويُكنَى عبد اللَّه يوم الجمعة لسبع بقِينَ من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة فِي أيَّام العزيز بالله.
стр. 349
الْحُسَيْن بْن عليّ بْن النُّعمان بْن حَيُّون
ثمَّ ولِيَ حسين بْن عليّ بْن النُّعمان سنة تسعين وثلاثمائة، وعُزل فِي شوَّال سنة أربع وتسعين وثلاثمائة فِي أيَّام الحاكم بأمر اللَّه، وقُتل بعد وِلاية عَبْد العزيز.
عَبْد العزيز بْن محمد بْن النُّعمان بْن حَيُّون
ثمَّ ولِيَ عَبْد العزيز بْن محمد بْن النُّعمان وهو ابن عمّ حُسين فِي شوَّال سنة أربع وتسعين وثلاثمائة القضاء، وقُتل فِي نصف رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة فِي أيَّام الحاكم بأمر اللَّه.
مالك بْن سَعِيد الفارقيّ
ثمَّ ولِيَ مالك بْن سَعِيد بْن سَعِيد الفارقيّ فِي يوم الجمعة للنصف من رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، ونزل الجامع، وقُرئَ سِجِلّه بتقلّده القضاء قبل الصلاة والارتفاع فِي الخامس، فلم يزل عَلَى القضاء إلى أن قُتل فِي يوم السبت لأربع بِقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعمائة.
стр. 350
أحمد بْن محمد بْن عبد الله بْن محمد بْن أَبِي العوَّام
ثمَّ ولِيَ بعد أن أقام إقليم مِصر بغير حُكم أَبُو العبَّاس أحمد المعروف بابن أَبِي العَوَّام فِي رابع وعشرين شعبان سنة خمس وأربعمائة، وكان أَحْمَد هذا عَلَى الفرض فِي أيَّام مالك بْن سَعِيد كلّ ذَلكَ فِي أيَّام الحاكم، ثمَّ أقام عَلَى القضاء إلى أن انتقلت الخِلافة من الحاكم على ولده أَبِي الْحَسَن الظاهر لإِعزاز دين اللَّه، فقلّده أيضًا القضاء، وكان عَلَى ذَلكَ إلى سلخ شوَّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، لأنَّ فِي هذا اليوم غاب الحاكم بأمر اللَّه، وبقِيَ الأمر شُورَى إلى أن استقرّ الظاهر لإعزاز دين اللَّه بعد شهرين، ثمَّ مات أَبُو الْعَبَّاس أحمد بْن العوَّام يوم السبت للعشرين من ربيع الأوَّل سنة ثمان عشرة وأربعمائة، فكان بين وِلايته وموته اثنتا عشرة سنة وستّة أشهُر وخمسة وعشرين يومًا.
القاسم بْن عَبْد العزيز بْن محمد بْن عبد الله بْن النُّعمان
ثمَّ ولِيَ أَبُو محمد القاسم بْن عَبْد العزيز بْن محمد بْن عبد الله بْن النُّعمان فِي اليوم الرابع من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وأربعمائة، بعد أن أقام الحُكم شُورَى بعد موت ابن العوَّام ثلاثة وأربعين يومًا ولُقَّب بألقاب شتَّى، وهي قاضي القُضاة، وداعي الدُّعاة ثِقة الدولة أمين الأئمَّة شرَف الأَحكام جَلال الإِسلام، فأقام سنةً واحدةً وشهرين وثلاثة وعشرين يومًا، ثمَّ عُزل.
أَبُو الفتح عَبْد الحاكم بْن سَعِيد بْن سَعِيد الفارقيّ
وولِيَ من بعده أَبُو الفتح عَبْد الحاكم بْن سَعِيد بْن سَعِيد الفارقي فِي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة فِي أيَّام الظاهر، لإِعزاز دين اللَّه والوزير بِمصر أَبُو القاسم عليّ بْن أحمد الجَرْجَرائيّ، وكان لقَبه كما كُتِب بِهِ عَلَى الطَّراز، وكوتب بِهِ:
стр. 351
وزير أمير المؤمنين وخالصته أَبُو القاسم عليّ بْن أحمد، أمتع اللَّه بِهِ وأيّده وعضده.
وخليفته عَلَى الحُكم بدِمْياط القاضي أَبُو بَكْر أحمد بْن عُبَيْد اللَّه بْن محمد بن إِسْحَاق، وكان قد نُدب لكونه قاضي القُضاة بمصر، ثمَّ لم يتمّ ذَلكَ.
وفي جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة طلع القاضي ابن إِسْحَاق إلى مِصر بحسَب العادة ليقيم بها ثلاثة أشهر رجب، وشعبان، ورمضان، فدسّ عَلَيْهِ رجُل يُعرف بإبراهيم الأعرج من أهل دِمْياط، ادّعى عَلَيْهِ بسبعة عشر دينارًا، وحلّفه فِي مجلِس قاضي القُضاة أَبُو الفتح عَبْد الحاكم بْن سَعِيد بْن سَعِيد الفارقيّ.
وكان بتِنِيس قاضي شريف يُعرف بالعقيقيّ، مات فِي المحرّم سنة أربع وعشرين وأربعمائة. . . . .، وولي القاضي أَبُو بَكْر أحمد بْن عُبَيْد اللَّه بْن محمد بْن إِسْحَاق تِنِيس، وسار إليها يوم السبت سادس عشر صفر، ودخل إليها يوم الأحد، وقرئَ سجِلّه، وحكم بين أهلها، واستخلف ولده بدِمْياط، وحصل لَهُ القضاء بِتِنِيس ودْمياط، وسائر أعمالها.
ولمَّا كَانَ فِي آخر شهر ربيع الأوَّل ظهر كوكب الدُّؤَابة يسمَّى الرُّمح من أُفُق المشرِق فِي السَّحَر فِي بُرج الحُوت، وأقام أيَّامًا يطلع عَلَى حالته، وابن كَيسُون يذكره فِي الحُكم عَلَى ذَوات الذَّوائب بحكم واسع ممَّا جرت عَلَيْهِ تجارب العُلماء، ويقول فِي هذا الكوكب حُكم كثير، أحدها يذكره، أَنَّهُ إذا طلع عمل سُبَّةً فِي الدِّين، وفساد حال المُتديّنين ونحو ذَلكَ.
فلمَّا كَانَ فِي أول شهر ربيع الآخر اتّصل بنا، أن رجُلًا يُعرف بالربلعيّ كَانَ بِمصر خلَّف مالًا جزيلًا، وخلَّف بنتًا طِفلةً، وجاريةً أُمًّا لطفلة، فورثته ابنته ثمَّ ماتت، فانتقلت النعمة أُمها، فتطاولت إليها بالخِطبة، ثُمّ خطبها قاضي القُضاة عَبْد الحاكم بْن سَعِيد بْن سَعِيد الفارقيّ لبعض أسبابه، فلم تُجبه إلى ذَلكَ، فوجّه إلى أربعة من شُهوده، منهم: الشريف بن حسَّان، وابن الزَّلبانيّ، وابن مُوسَى بْن مالك، وابن التُّجِيبيّ، وكتب عليها محضرًا بأنّها سفيهة، ووضع يده عَلَى الترِكة، فهربَت منه إلى دار الوزير صفيّ أمير المؤمنين، وخالصته أَبِي القاسم عليّ بْن أحمد أمتع اللَّه بِهِ وأيّده وعضده، وبهذه الألقاب لقّبه أمير المؤمنين، وطرحت نفسها عَلَى جواريه، فأنهوا
стр. 352
حالها إِلَيْهِ، ثمَّ أُحضرت إِلَيْهِ، فعرفته عَلَى جواريه، فأمرها بوضع مَحضَر تزكية لها، وبأخذ فِيهِ خطوط من استولى لها من الشهود، ففعلت ذَلكَ، وشهِد لها فِيهِ أَبُو الْحُسَيْن. . . . . .، وأبو الْحُسَيْن بْن مالك بْن سَعِيد، وأتته بِهِ، فأمر بإحضار قاضي القُضاة، وأجرى عَلَيْهِ المكروه قولًا وفِعلًا عَلَى ما فعل ووكَّل بِهِ بمائة دينار فِي كلّ يوم، وأمر بحمل ما عنده من المال الَّذِي أخذه فِي أيَّام ولايته الحُكم، وهو يشتمل عَلَى جُملة كثيرة لأن كَانَ لَهُ على ما ذكر خمسون ألف دينار فِي السنة، وكان أقام مُنذ وِلايته إلى أن كانت هذه القِصَّة أربع سنين وثمانية أشهُر وأيَّامًا، ثمَّ قبض عَلَى الأربعة الشهود، فجرى عليهم المكروه، وطُرِحوا المُطبَق، ويُذكر أن الشريف منهم هرب وطُلب، ولم يصِحّ هرَبه بل هُوَ معهم معتقِل، وخلع عَلَى الشاهدَين للذَين شهِدا لها، وأفرج للمرأَة عَنْ مالها، وأطلق سبيلها، وأقام التوكيل عَلَى القاضي أيَّامًا يزِن فِي كل يوم مائة دينار وابنه يحكم عِوَضه، ثمَّ أطلق سبيله، ورجع إلى الحكم، وأسقط الشهود، وأن ابن الزَّلبانيّ الشاهد كَانَ المُصلّي للفرض فِي جامع الأسفل، فاستبدل بِهِ، وجرى لَهُ أيضًا.
وذكر أنّه ممَّا جرى أيضًا فِي هذه المدَّة عَلَى ما اتّصل بنا بعَقِيب هذه القضيَّة، أن الشريف فخر الدولة أَبَا يَعلى حَمزة بْن الْحَسَن بْن الْعَبَّاس بن أَبِي الجنّ الَّذِي كَانَ بدِمَشْق دخل إلى مِصر مُنذ مُدَّة، فقال للحضرة: إن أَذِنَت لي الحضرة بمسيري إلى الشام كفيتهم حال ما يُحمل إلى الشام من المال.
وكان مال الشام يقوم بِهِ ويوجّه إلى الأمير منتجب الدولة بدخل، فوعد أن ينظر فِي ذَلكَ، فحكى أن قاضي القُضاة كَانَ حاضرًا، فأجرى الحديث فِي داره، وكان لَهُ حاجب يُعرف بالترحوم، فكتب بالحال إلى صديق لَهُ بدِمَشق، فأَخذه، وأَوراه للأمير قائد الجُيوش الدِّزِبريّ، فأخذه وأنفذه فِي كتابه إلى الحضرة، فقُبض عَلَى كاتب الكُتَّاب حاجب القاضي، وضُرب بالسياط، وسُجن، ووثب القاضي أيضًا عَلَى ذَلكَ إذ سمِع شيئًا وأخرجه.