Полный текст (352 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير، قَالَ: «ثمَّ أتى عبد الرحمن بْن زِياد بكتاب محمد الأمين إلى العُمَريّ بالتسجيل لهم، فدعاهم العُمَريّ إلى إقامة البينة عنده عَلَى أنسابهم، فأَتَوا بأهل الحَوْف الشرقيّ، وأهل الشرقيَّة، وقدَّموا جماعةً من بادية الشام، فشهِدوا أنهم عرَب، فسجّل لهم العُمَريّ، ولم يردّ واحدًا شهِد لهم غير حُوَيّ بْن حُوَيّ بْن مُعاذ العُذْريّ، فإن أَشهب بْن عَبْد العزيز كانت بينه وبينه منازَعة، فردّ شهادته».
قَالَ يحيى الخَولاني:
يَا لَيْتَ أُمَّ حُوَيٍّ لَمْ تَلِدْ ذَكَرًا … أَوْ لَيْتَ أَنَّ حُوَيًا كَانَ ذَا خَرَسِ
كَسَا قُضَاعَةَ عَارًا فِي شَهَادَتِهِ … لله درُّ حُوَيّ شَاهِدِ الحَرَسِ
شَهَادَةٌ رَجَعَتْ لَوْ أَنَّهَا قُبِلَتْ … لَأَلْحَق الزُّورُ مِنْهَا الْعَيْرَ بِالفَرَسِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَن ابن بُكَير، وابن عُفَير، قالا: «لم يشهَد أحد من أهل مِصر لأهل الحرَس أنهم من العَرب، وإنَّما الشهود من بادية الشام، وحَوْف مِصر».
قَالَ يحيى:
وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ أَنَّ عِصَابَةً … مِنَ القِبْطِ فِينَا أَصْبَحُوا قَدْ تَعَرَّبُوا
وَقالُوا أَبُونَا حَوْتَكٌ وَأَبُوهُمُ … مِنَ القِبْطِ عِلْجٌ حَبْلُهُ مُتَذَبْذِبُ
وَجَاءُوا بِأَجْلَافٍ مِنَ الحَوْفِ فادَّعَوْا … بِأَنَّهُمُ مِنْهُمْ سِفَاهًا وَأَجْلَبُوا
أَلَا لَعَنَ الرَّحمنُ مَنْ كَانَ رَاضِيًا … بِهِمْ رَغمًا مَا دَامَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ
قَالَ ابن وزير: فأَسجل لهم سِجِلًّا بتثبيت أنسابهم إلى حَوْتَكة، فكان أهل الحرَس يُطيفون بالعُمَريّ مَعَ زَكَريَّاء بْن يحيى كاتبه، يغدون إذا غدا، ويروحون إذا راح.
قَالَ: وكان العُمَري يشدو بأطراف الغناء عَلَى مغاني أهل المدينة، ويُبرز كثيرًا فِي مجالسه، ولا يتحاشى أن يَقُولُ هذا غنَّى بِهِ ابن سُريج، وهذا بِهِ الدَّلال، وهذا من جيّد غناء الغَريض،
стр. 282
ولم يكن بِمصر مُسمِعه إلَّا ركِب إليها يسمع غِناءَها، وربّما قوَّم ما انكسر من غِنائها ويرى ذَلكَ من الدِّين.
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
مَرَّ بِنَا رَاكبٌ عَلَى فَرَسٍ … يَا مَنْ رَأَى هِرْبَذًا عَلَى فَرَسِ
قَدْ كَشَفَ الخُفَّ مِنْ ضَلَالَتِهِ … فِي عُصْبَةٍ مِنْ مَسَالمِ الحَرَسِ
يَقْدُمُهُ خَالِدٌ وَيَتْبَعُهُ لُوطٌ … قران الْكَلْبَيْنِ فِي مَرَسِ
فَقُلْتُ مَنْ ذَا اللَّعِين قِيلَ أَبُو … النَّدَى غَدَا مُسْرعًا إِلَى عُرُسِ
كيما يَرَى قَيْنَةً ذَكَرَتْ … تَشْدُو بِصَوْتٍ يحال كالْجَرَسِ
أَصْبَحَ فِي المُخْزِيَاتِ مُنْغَمِسًا … وَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِمُنْغَمِسِ
وقال أيضًا:
أَلَا قُمْ فَانْدُبِ الْعَرَبَا … وَبكِّ الدِّينَ وَالحَسَبَا
وَلَا تَنْفَكَّ تَنْعَى الْعَدْل … لَمَّا بَانَ فَاغْتَرَبَا
لَقَدْ أَحْدَثَ قَاضِي السُّوء … فِي فُسْطَاطِنَا عَجَبَا
يَظَلُّ نَهَارَهُ يَقْضِي … بِعَينِ العَدْلِ مُنْتَصِبَا
وَيَسْهَرُ لَيْلَهُ لِسَمَاعِهِ … القَيْنَاتِ والطَّرَبَا
وَيَشْرَبُهَا مُعَتَّقَةً … عُقَارًا تُشْبِهُ الذَّهبَا
وَيُعْجِبُهُ سَمَاعُ الْعُودِ … وَالْمِزْمَارِ يَا عَجَبَا
فَيَا لِلنَّاسِ مِنْ قاضِي … يُحِبُّ اللَّهْوَ وَالْلَعِبَا
وقال مُعلًّى بْن العلى الطائيّ: أنشدنيها أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حَفْص اللَخْميّ وتُروى لغير مُعلًّى:
كَمْ كَمْ تُطَوِّلُ فِي قِرَاتِكْ … وَالجَوْرُ يَضْحَكُ مِنْ صَلَاتِكْ
стр. 283
تَقْضِي نَهارَكَ بِالهَوَى … وَتَبِيتُ بَيْنَ مُغَنِّيَاتِكْ
لَيْت البلا من التي … تجرِي تَقُوم بمُسْمِعَاتِكْ
فَاشْرَبْ عَلَى صَرْفِ الزَّمَانِ … بِمَا ارْتَشَيْتَ مِنَ الحَوَاتِكْ
إِنْ كُنْتَ قَدْ أَلْحَقْتَهُمْ … عُرْبًا فزَوِّجْهُمْ بَنَاتِك
وَلْتَكْشِفَنَّ بِمَا أَتيْتَ … صُدُورُ قَوْمٍ مِنْ مَسَاتِكْ
وَكأَنَّني بِمَنِيَّةٍ … تَسْعَى إِلَيْكَ بِكَفِّ فَاتِكْ
أَفْقَرْتَهُ مِنْ مَالِهِ … بِقَضِيَّةٍ أَوْ لَمْ يُؤَاتِكْ
لَا تَعْجَلَنَّ أَبَا النَّدَى … حَتَّى تَصِيرَ إِلَى وَفَاتِكْ
إِنِ المْقَامِعَ تُطْلَقَنَّ … مِنَ الجَحِيمِ إِلَى مَمَاتِكْ
بَلْ لَوْ مَلَكْتُ لِسَانَ أَكْثَم … مَا وَصَلْتُ إِلَى صِفَاتِكْ
وكان أهل مِصر يسمُّونه أَبَا النَّدى شبَّهوه بأبي النَّدى اللِصّ مولى بَليّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: ثمَّ «إن العُمَريّ أسقط جمعًا من شهوده، وحطّ عليهم نحوًا من ثلاثن رجُلًا ممَّن أَلَب عَلَيْهِ من الفُرس»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المغيرة، عَن ابن أخضر، عَن ابن وَزير، قَالَ: «أخرجت مُراد فرَسًا لها يوم الرِّهان، وكانوا يفخَرون بِهِ يسمُّونه الزَّعْفَران، وأخرجت يَحْصُب فرَسًا لها يسمَّى الجَناح، وجعل كل فريق منهم لصاحبه أيّهم سبق كَانَ المسبوق لَهُ، وجعلا غايتها من جِنان قَيْس بْن حَبَشيّ إلى مُنْيَة المنُوبي، فخرجوا وخرج عامَّة مِصر معهم، فسبق فرَس مُراد فرَس يَحْصُب حتى كاد أن يدخل الغاية، فخرجت يَحْصُب، فضربت وجه الزَّعْفَراني حتى تحيَّر، وسعد الجَناح فرَس يَحْصُب، فدخل الغاية، فاقتتلوا، وانضمّ مَعَ كل فريق منهم طائفة من الناس، وركِب الأمير ليث بْن الفَضْل يحجز بينهم، وردّ الأمر إلى العُمَريّ لينظُر فِيهِ، فاتته يَحْصُب بأموال عظيمة، فحكم لهم بالفرَس، ودفع إليهم الزَّعْفَراني وقضى لهم بِهِ».
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
стр. 284
إِنْ كَانَ مُهْرُ أَخِي زَوْفٍ أَفَاتَ بِهِ … رَيْبُ الزَّمَانِ عَلَيْهِ جَوْرُ زِندِيقِ
فكَمْ يَدٍ لِبَني زَوْفٍ وَإِخْوَتِهِمْ … فِي آلِ فِهْرٍ تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالرِّيقِ
إِنْ حاكِمٌ عُمَريٌّ جَارَ فِي فَرَس … فَسَوْف يُرْجِعُهُ عَدْلُ ابْنِ صِدِيق
وقال عبد الله بْن يحربه بن فيره بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج ليحيى:
طَلَبْتَ فَلَمْ تَأْلُ حُسْنَ الطَّلَبْ … وَرُمْتَ عَظِيمًا وَلَمَّا تُصِبْ
وَعَوَّلْتَ مَوْتًا عَلَى رَمْيِهِمْ … بِقَوْسِ الضَّلَالِ وَنَبْلِ الكَذِبْ
فَإِنْ كَانَ فِي فَرَسٍ عَتْبُكُمْ … فَعِندِي لَكُمْ فَرَسٌ مِنْ قَصَبْ
وَإِلَّا فَمُهْرٌ كَرِيمُ النِّجَارِ … قَلِيلُ الْعِظَامِ كَثِيرُ الْعَصَبْ
وقال يحيى:
أَلَا أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُنْتَدِبْ … يُحَامِي عَنِ العُمَرِيِّ الْعَطَبْ
وَرَامِي مُرَادٍ وَخَوْلَانَهَا … بِنَيْلٍ مِنَ الجهلِ غَيْرِ الصيُّبْ
لَعَمْرُكَ مَا أَنْقَصَ العُمَرِي بِامْرِئٍ … مِنَ النَّاسِ إِلَّا كَرِيمَ الحَسَبْ
مَلَا الأَرْضَ جَوْرًا بِأَحكَامِهِ … وَأظْهَرَ فِيهَا جَمِيعَ الرِّيَبْ
فلمَّا قدِم البكَريّ، فسخ أقضية العُمَريّ فِي الفَرَس، وقال: لا يجوز إلَّا أن يكون بينهما مُحلِّل وهذان لا مُحلِّل بينهما، وردّ فرَس مُراد إليها
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أبيه، قَالَ: أتيت العُمَريّ بعد قيامه من مجلِس حُكمه، فاستأذنت عَلَيْهِ، فأذِن لي، فدخلت وهو مضطجِع، وقد ترجَّل، وصفَّر يديه، وكحل عينيه، واتَّشح بإزار معصفر، وادَّهن بمَلاب وهو يضرب بأصابع يديه بعضها عَلَى بعض، ويقول:
كَأَنِّي مِنْ أُمِ عَمْرو … سَرَتْ بِي قَرْقَفٌ مُدَامُ
"
стр. 285
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ياسين، عَنْ أبيه، أن العُمَريّ جعل أموال الأيتام إلى يحيى بْن عبد الله بن بُكَير، فكان بيده منها مال عظيم، فاشترى بِهِ الرِّباع والنخيل، وأقبل يستغلّها ويرفَع إلى الأيتام من تِلْكَ الغَلَّة ما يستنفقونه، ويحسُب عليهم بالذي يرفَعه إليهم من أصل المال، فلمَّا صارت إليهم رءُوس أموالهم، ادَّعى يحيى الأصول، وقال: هِيَ لي.
فخوصم عند العُمَريّ، فقال: لا أراه ظلمكم بشيء هِيَ أموالكم استهلكتموها.
فلمَّا قدِم البَكِريّ، خُوصم يحيى إِلَيْهِ، فأمر بِهِ، فرُبط عَلَى العَمود المُقابل لباب إسرائيل، ونُودي عَلَيْهِ: هذا جَزاء كل خائن.
فأقام أيَّامًا يُحَلّ رِباطه وقت كل صلاة، قَالَ: فوالله ما وصل منه إلى درهم واحد "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ كتاب يحيى بْن عثمان بخطّه، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عَبْد المؤمن العدَويّ، قَالَ: «ضمَّ العُمَريّ إلى يحيى بْن بُكَير أموال اليتامى، فاشترى النخيل والرِّباع، فكان يُعطي أرباب الأموال من الغَلَّة ويحسب عليهم، فلمَّا علِم أَنَّهُ قد صار إليهم قدر ما أودعوه، ادَّعى يحيى الأصول، وأنكر اليتامى ما أُودع، ثمَّ استقضى البَكْريّ، وأخذ ابن بُكَير بالحساب، فأنكر، فشده إلى عَمود من المسجد أيَّامًا، فلم يُقرّ بشيء، فخلّى عَنْهُ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، عَنْ إبراهيم بْن أَبِي أيُّوب، " أن العُمَريّ أوَّل من عمل تابُوت القُضاة الَّذِي كَانَ فِي بيت المال، قَالَ: انفق عَلَيْهِ أربعة دنانير "، وسُئل محمد بْن يوسف عَنْ هذا التابوت الَّذِي ذكر، فقال: كَانَ تُجمع فِيهِ أموال اليتامى، ومال مَن لا وارث لَهُ، وكان مُودَع القُضاة بِمصر
стр. 286
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أخبرنا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ موضِع مسجِد عبد الله يجلِس فِيهِ أهل المدينة يتحدَّثون فِيهِ، فمرَّ بهم عبد الله بْن عَبْد الملك بْن مَرْوان وهو أميرهم بِمصر، فسأَلوه أن يبني لهم فِيهِ مسجِدًا، وشكَوْا إِلَيْهِ ما يلقَون من الشمس.
فبناه لهم، فكانوا يجتمعون فِيهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: " لمَّا صار الأمر إلى بني هاشم، مرَّ صالح بْن عليّ فِي موكِبه عَلَى مسجِد عبد الله، فنظر إِلَيْهِ، فاستحسنه وأعجبه وسأَل عَنْهُ، فقيل بناه عبد الله بْن عَبْد الملك.
فقال: أَوَ بقِيَ لهم أَثَر حسَن مِثل هذا لا أرجِع من ركوبي. . . . . فأمر بهدمه، ثم رمَّمه بعض الجيران "
حَدَّثَنَا محمد، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن طاهر بْن أيُّوب، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا صُرف صالح بْن عليّ عَنْ مِصر، بناه بعض جِيرته بُنيانًا غير طائل حتى كَانَ العُمَريّ عَلَى قضاء مِصر، فهدمه وبناه هذا البِنَاء»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْن حسن بْن مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيد بْن الهَيثَم الأَيْليّ، قَالَ: «كنت جالسًا عند العُمَريّ وهو عَلَى القضاء، فدخل إِلَيْهِ رجُلان من جِيزة مسجِد عبد الله، فشهِدا عنده، أن مسجِد عبد الله لعبد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵄، أَنَّهُ قد رثّ واستُهدِم، فأمر العُمَرِيّ ببُنيانه».
قَالَ سَعِيد: فعجِبت من قطعهما الشهادة أَنَّهُ لعبد اللَّه بْن عُمر، وإنَّما هُوَ لعبد اللَّه بْن عَبْد الملك
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: فقال العُمَريّ: " خذوا ألف دينار من وصيّة أَبِي نَمِر عمّ محفوظ بْن سُلَيْمَان، وكان توفّي ذَلكَ الوقت، فبنوه بها، فبُني هذا
стр. 287
البِناء وجُعلت لَهُ حوانيت غَلَّةً لَهُ، وكتب قضيَّةً بذلك: بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم، هذا كتبا أمر بِهِ القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، وهو يومئذٍ يلي القضاء بين أهل مِصر فِي صفر سنة ثمان وثمانين ومائة بما يثبت عنده فِي المسجِد الَّذِي، يقال لَهُ: مسجِد عبد اللَّه الَّذِي بالظاهر، قِبْليه الطريق الأعظم إلى المسجِد الجامع، وبحريّه الطريق الَّذِي يُسلَك إلى سوق بَربَر، وشرقيّه السُّويقة التي، يقال لها: سُويقة مسجد عبد الله عَلَى طريق الموقِف، وغربيّه الطريق الَّذِي يُسلَك منه عَلَى الجُبّ الَّذِي، يُقال لَهُ: جُبّ عبد الله، حين رفع إلى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله نفَر من جِيرة هذا المسجِد، أن هذا المسجد قد رثّ وخيف عَلَيْهِ لانكسار خشَبه وسقفه، واحتاج إلى العِمارة والمرمَّة، وأنهم قد وجدوا من احتسب فِي إِصلاحه وبِنائه، وتصير حوانيت تحته فِي حقوقه لتكون غَلَّتها فِي مرمَّة ما استُهدم منه، وفي زيته وحُصُره، وأَجر مُؤَذِّنه وشأنه كلّه، فسأَلوا القاضي عبد الرحمن بن عبد الله، أن يأْذَن لهم فِي ذل.
فدعاهم بالبيّنة عَلَى ما ذكروا، فأقاموا بينهً عُدّلوا عنده، وقبِل شهادتهم، فشهِدوا عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله أن هذا المسجِد الموصوف فِي صدر هذا الكتاب خيف عَلَى سقفه من قِبَل خشَبه، واحتاج إلى العِمارة والمرمّة فِي جُدُره، وأن أجنحته التي حوله وما تحت هذا المسجِد لَيْسَ لأحدٍ فهي حقّ، وأن الَّذِي طُلب من عِمارته وبِنائه وإِصلاحه وتصيير حوانيت تحته فِي حقوقه، ومرمّة ما استَرَمّ منه، وفي زيته وحُصُره، وأَجر مؤذِّنه، وغير ذَلكَ من نوائبه منفعة للمسلمين ممَّن صلَّى فِيهِ، وأن ذَلكَ لَيْسَ بضرَر عَلَى أحد، وبعث القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله نفرًا ممَّن يثق بهم، فنظروا إلى المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب، فرفعوا إِلَيْهِ مثل الَّذِي شهِد بِهِ الشهود فِي هذا الكتاب.
فلمَّا ثبت عند القاضي ذَلكَ، رأَى أن يأْذَن فِي عِمارة هذا المسجِد الَّذِي وُصف فِي هذا الكتاب وبُنيانه وإِصلاحه، وتصيير الحوانيت التي أرادوها تحته فِي حقوقه لتكون غلّتها فِي مرمّته إن احتاج إليها، ولما يُصلحه فِي زيته وحُصُره، وأجر مُؤذّنه، وغير ذَلكَ من شأنه، ويكون فضلًا إن فضِل من غلَّتها فِي وجوه الخير.
ورُفع إلى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، أن هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب قد أُصلِح وفُرغ من بُنيانه وحوانيته، وأتوا بشهود، يُقال لهم: عَبْد الصمَد بْن سَعِيد، وعمرو بْن إسماعيل بْن عُمَر الأَيْليّ، ومحمد بْن سُلَيْمَان بْن محمد، فشهِدوا عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، أن هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب كَانَ يُخاف عَلَى سقفه من قِبَل خشَبه، واحتاج إلى العِمارة والمرّمة فِي جُدُره، وأن كل ما كَانَ تحت هذا المسجِد، وما فوقه، والثلاثة الأَجنحة التي حوله مُلصَقة بِهِ إنَّ ذَلكَ كله من حقّ المسجِد، وحدوده لَيْسَ لأحدٍ فِيهِ حقّ، ولا دعوى ولا طِلبة بوجهٍ من الوجوه، وأن المجالس التي كانت حول المسجِد خارجةً منه، كَانَ يؤدّي من يجلِس فيها الكِراء إلى من يقوم بأمر هذا المسجِد، أنها عَلَى حالها لم تدخُل فِي المسجِد ولا فِي حوانيته، وعدل الشهود عند القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله فقبِل شهادتهم، وسأَل القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله من حضره من جيرة هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب، أن يكتب لهم ما ثبت عنده فِي كُتُبًا يضَعها عند من يرى ليكون ذَلكَ حُجَّةً وقُوَّةً، وأن يولّي القيام بِهِ رجُلًا من أهل الثِّقة.
فولَّى القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله السَّكَن بْن أَبِي السَّكَن القُرَشيّ القِيام بأمر هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب، وإِكراء حوانيته، وأن يُنفق من كِرائها ما رأَى فِي زينه وحُصُره، وأجْر مُؤذِّنه ما يحتاج إِلَيْهِ فِي أمره كله، ويُنفق بقيّةً إن بقِيَت من كِرائه حيث رأَى من وجوه الخير، وجعله فِي ذَلكَ أمينًا، وأمره بتقوى اللَّه وطاعته، والعمَل فِي ذَلكَ بحقّ اللَّه عَلَيْهِ، وأنفذ القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، أن يُكْتَب هذا الكتاب نُسَخًا تكون وثيقةً فِي هذا المسجِد الموصوف فِي هذا الكتاب.
فكُتبت، ودفع منها كِتابًا إلى عبد الله بْن وَهب بْن مُسلم القُرَشيّ، وكتابًا إلى حجَّاج بْن سُلَيْمَان الحِمْيَريّ، وكتابًا إلى رَبيعة بْن الوَليد الحَضْرَميّ، وكتابًا إلى شُعيب بن الليث بْن سعد الفَهمِيّ، وكتابًا إلى أَبِي زُرارة الليث بْن عاصم القِتْبَانيّ، وكتابا إلى عَبْد الصمد بْن سَعِيد الأنصاريّ، وكتابًا إلى محمد بْن سُلَيْمَان بْن فُلَيح، وكتابًا إلى الأشقر عَبْد الملك بْن سالم، وكتابًا إلى السكَن بن أَبِي السكن المُقيم بهذا المسجد، وكتابًا إلى محمد بْن سُلَيْمَان بْن محمد بن عُبيد، وكتابًا فِي ديوان القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله، وأشهد القاضي عبد الرحمن بْن عبد الله الشهود المسمّين فِي هذا الكتاب، أَنَّهُ ثبت عنده ما فِي هذا الكتاب، وأمر بِهِ، وأنفذه عَلَى ما سُمّي، وفُسِّر فِيهِ وذلك فِي صفر سنة ثمان وثمانين ومائة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: " فلمَّا اشتدّ البلاء عَلَى أهل مِصر من وِلاية العُمَريّ، خرج نفر من القُرَّاء احتسبوا فِي خروجهم إلى هارون، فشكَوْا إِلَيْهِ ما يفعله العُمَريّ فيهم، فقَالَ هارون: نظروا فِي الديوان كم لي من والٍ من ولد عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁.
فكُشف الديوان، فلم يوجد غيره، فقال: انصرفوا لا عزلته أبدًا "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عبد الله. . . . . . . . . . . الصَّدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 288
أَبُو خَيثَمة عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، عَنْ أبيه، قَالَ: " لمَّا مات الرشيد وولِيَ محمد بْن هارون، عزل العُمَريّ عَنْ مِصر وكان الَّذِي قدم بعزله رجل من بني تميم.
فقال رجل من أهل مصر:
بنعمة الله ورأي الفضل
نحي عَنِ الحُكْمِ عَدُوُّ الْعَدْلِ
هذا سُوَارٌ لِرَسُولَ الْعَزَلِ
قَالَ عمرو بْن خَالِد: فرأَيت ذَلكَ الرجُل وقد تكاثف الناس عَلَيْهِ بالدُّعاء والثَّناء.
فولِيَها العُمَريّ إلى أن صُرف عَن القضاء بها فِي جمادى الأولى سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت وِلايته عليها تسع سنين وشهرين "
هاشم بْن أَبِي بَكْر البَكريّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها هاشم بْن أَبِي بَكْر البَكريّ من قِبَل محمد الأمين فِي جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين ومائة، وكان من أهل الكُوفة يذهب بمذهب أَبِي حنيفة.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُديد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «لمَّا ولِيَ البَكريّ القضاء، تتبع أصحاب العمري كلهم وسجنهم، وسجن العمري وقيده، وطالبه بما صار إليه من الأموال والأوقاف وغيرها، وأسقط كل من شهد لأهل الحرس، فلم يرجع أحد منهم عند أحد من القضاة، وأقام يحيى بن عبد الله بن بكير، فنادى عليه وشهره بخيانته»
стр. 289
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، وأبو سلَمة، قالا: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان بْن صالح، عَنْ أبيه، قَالَ: " أمر البَكريّ بحبس العُمَريّ بمشوَرة أَبِي رَجْب العَلاء بْن عاصم، فحُبس فِي طائفة من أصحابه، فكان عَبْد العزيز بْن مُطرَف القائم بأمر العُمَريّ عند عزله، وضمِن عَنْهُ مالًا عظيمًا للبَكْريّ.
قَالَ: وزعم أهل مِصر، أن العُمَريّ اكتسب مائة ألف، فطالبه البَكريّ بها وعرفه وجوهها، ثمَّ هرب العُمَريّ من السِّجن ليلًا فلم يُدرَك ".
قَالَ يحيى الخَوْلانيّ:
هَرَبَ الخَائِنُ لَيْلًا فَجَنَحْ … وَأَتَى أَمْرًا قَبِيحًا فَافْتَضَحْ
هَارِبٌ تَحْمِلُهُ نَاجِيَةٌ … يَصِلُ الْإِدْلَاجَ عَدْوًا بِالرَّوَحْ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عَنْ أبيه، قَالَ: «هرب العُمَري من السِّجن وكانت أمواله بِمَدْيَن، فمضى إلى مَدْيَن، فاحتملها وتبِعه جمع من البَوادِي يخفِرونه حتى بلغ فَيْد، فلقِيَه قوم من أَسد وطيّ، فأوقعوا بِهِ، وأخذوا جميع ما حواه، فما تخلّص منهم إلَّا بحشاشة نفسه».
قَالَ يحيى:
إِنْ يَكُنْ أَفْلَتَ مِنَّا سَالِمًا … يَوْمَ وَلَّى مُسْرِعًا حِينَ هَرَبْ
فَلَقَدْ وَافَى بِفَيْدٍ عُصْبَةً … يُسْعِرُونَ الْحَرْبَ حَتَّى تَلْتَهبْ
وقال طاهر القيسيّ لأبي رَحْب:
وَلَقَدْ كَسَوْتَ أَبَا النَّدَى بِفِعَالِهِ … حَرَبًا يَلُوحُ قِنَاعُهُ المُتَقَشِّبُ
وَزَحَمْتَهُ لَمَّا تَخَمَّطَ زَحْمَةً … ضَاقَتْ عَلَيْهِ بِهَا العِرَاقُ يَثْرِبُ
وَنَجَا لِخَوْفِكَ هَارِبًا بِخَزَايَةٍ … وَأَخُو الخَزَايَةِ وَالشَّرَارَةِ يُغْلَبُ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود بْن أَبِي صالح، عَنْ أحمد بْن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير بذلك.
وحدثنا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحدَّثنيه أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حَفص اللَخْميّ، عَنْ عليّ بْن عبد الرحمن بن المُغِيرة، عَن ابن بُكَير، «أن أَبَا رَحْب الخَولانيّ، وهاشم بْن حُدَيج وفَّدا من أهلِ مِصر إلى الأمين، فرفعوا عَلَى العُمَريّ، وذكروا ما فعل العُمَريّ فِي أهل الحرَس، وأنه ألحقهم بالعرب، ونسبهم إلى حَوَْكة بْن أسلم بن الحافِ بْن قُضاعة، فكتب محمد الأمين إلى البَكريّ بكتاب يذكر فِيهِ أَنَّهُ لا يمنح أحدًا من غير العرَب اللَحاق
стр. 290
بالعرَب، ويأَمره أن يردّهم إلى ما كانوا عَلَيْهِ من أنسابهم، فرجع الوفد بذلك»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن أحمد بْن يحيى السعديّ، قَالَ: قَالَ أحمد بْن يحيى بْن وَزير: " فدعا البَكريّ أهل الحرَس بقضيَّة العُمَريّ لهم، فأَتوه بها وتوهَّموا أَنَّهُ يزيدهم شهودًا، فأخرج البَكريّ مِقراضًا من تحت مُصلَّاه، فقطع قضيّة العُمَريّ، وقال لهم: العرَب لا تحتاج إلى كتاب من قاضٍ إن كنتم عَرَبًا فليس ينازعكم أحمد.
فقال مُعلًّى الطائيّ:
يابَنِي الْبَظْرَاءِ مُوتُوا كَمَدًا … وَاسْخَنُوا عَيْنًا بِتَخْرِيقِ السِّجِلْ
لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَجْعَلَكُمْ … مِنْ بَني الْعَبَّاسِ طُرًّا لَفَعلْ
لكِنِ الرَّحمنُ قَدْ صَيَّرَكُمْ … قِبْطَ مِصرٍ وَمِنَ الْقِبْطِ سِفَلْ
كَيْفَ يَا قِبْطُ تَكُونُوا عَرَبًا … وَمَرِيسٌ أَصْلُكُمْ شَرٌّ الْجِيَلْ
"
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أَبِي المُغِيرة، عَن ابن وزير، وحَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حدَّثنيه عمرو بْن حفص، عَن ابن قُدَيد، عَنْ عليّ عبد الرحمن، عَن ابن بُكَير، قالا: " فأَمر البَكريّ بإقامة البيّنة عنده، فحضر أهل مِصر، منهم: عبد الله بْن وَهَب، وسعيد بْن أَبِي مَرْيَم، وسعيد بْن عُفَير، وناس كثير من أهل القَنَاعة والعدالة، فشهِدوا عند البَكريّ، أن أهل الحرَس من القِبْط، وأن العُمَريّ قضى فيهم بجَور، فنقض البَكريّ قضيَّة العُمَريّ فيهم، وأشهد عَلَى قضائه بردّهم إلى أصلهم من القِبْط ".
قَالَ يحيى الخَولانيّ:
أُشْكُرُوا اللَّه عَلَى إِحْسَانِهِ … فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا والرُّغَبْ
رَجَع الْقِبْطُ إلى أَصْلِهِمِ … بَعْدَ خِزْيٍ طَوَّقُوهُ وَتَعَبْ
وَدَنَانِيرَ رَشَوْهَا قَاضِيًا … جَائِزًا قَدْ كَانَ فِينَا يَغْتَصِب
أَخَذَ الأَمْوَالَ مِنْهُمْ خُدْعَةً … وَتَوَلَّى عَنْهُمُ ثُمَّ هَرَبْ
أَبْلِغِ الْبَكْرِيَّ عَنِّي أَنَّهُ … عَادِلٌ فِي الحُكْمِ فَرَّاجُ الْكُرَبْ
قَدْ أَمَاتَ الْجَوْرَ فِينَا وَالرُّشَا … وَأَشَاعَ الْعَدْلَ فِينَا فَرَتَبْ
إِنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْضِي بِالْهَوَى … وَيبِيعُ الحُكْمَ جَوْرًا وَيهَبْ
وَإِذَا يَخْلُوا حَسَاهَا مُزَّةً … مِثْلَ عَيْنِ الدِّيكِ مِنْ مَاءِ الْعنَبْ
стр. 291
لَمْ يُعَنْ عَاصِرُهَا فِي كَرْمِهَا … بِسِوَى القَطْفِ وَغَمْزًا بِالرُّكَبْ
فَأَتَتْ كالشَّمْسِ إِلَّا أَنَّهَا … كُسِيَتْ فِي دَنِهَا لَوْنَ ذَهَبْ
مَا كَفَتْهُ رَشْوَةٌ ظَاهِرَةٌ … وَقَضَايَا جَوْرِكُمْ فِيهَا عَجَبْ
أَنْ أَتَى أَعْظَمَ مَا يَأْتِي بِهِ … أَحَدٌ أَنْ صَيَّرَا الْقِبْطَ عَرَبْ
وقال طاهر القَيسيّ لأبي رَحْب:
وَلَقَدْ قَمَعْتَ بني الْخَبَائِث عِنْدَمَا … رَامُوا الْعُلَى وَتَحَوْتَكُوا وَتَعَرَّبُوا
فَرَدَدَتَّهُمْ قِبْطًا إِلى آبَائِهِمْ … وَنَسِيبِ أَصْلِهِمُ الَّذِي قَدْ غَيَّبُوا
وَتَرَكْتَهُمْ مَثَلًا لِكُلِ مُلَصِّقٍ … نَسَبًا إِذَا الْتَقَتِ الْمَحَافِلُ يُضْرَبُ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «كتَّاب البَكريّ أحمد بْن هَتع الهَمْذانيّ كوفيّ، ومحمد بْن عُميرة النَّخَعيّ كوفيّ، وكان عمرو بْن خَالِد يلزَمه ويترسّل إِلَيْهِ، وكان أيضًا يكتب لَهُ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الوهَّاب بْن سعد، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «كَانَ هاشم بْن أَبِي بَكر لا يجلِس فِي القضاء حتى يتغدَّى ويشرَب ثلاثة أقداح نبيذًا».
قَالَ عمرو قَالَ لي البَكريّ وهو عَلَى القضاء، ومررنا تحت سقيفة فرَج: «يا أَبَا الْحَسَن لو استعدى عَلَى فرَج إنسانٌ إليَّ فِي هذه السقيفة لهدمتُها عَلَيْهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «لم يكن أحد أحبّ إلى البَكريّ من إِدريس الخَوْلانيّ، ومقارّة الكاتب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن محمد بْن سلامة الأَزْديّ، عَنْ يحيى بْن عثمان، أن البَكريّ، كَانَ يَقُولُ: " دخلت إلى مِصر وأنا مُقِلّ، فزرعت زرعًا، فانكسر عليَّ خَراجه بآفة لحِقتني فِيهِ، وطولبت بذلك الخَراج، وتشدّد عليَّ فِيهِ، وكان مقارّة الكاتب حاضرًا، فعرّب بي، فقال: سُبحان اللَّه، ابن صاحب نبيّكم والذي قام فِي مَقام بعده يُطالَب بِمثل هذه المطالَبة، ما كَانَ عَلَيْهِ فهو عليَّ، وهو لَهُ عليَّ فِي كُلّ سنة "
стр. 292
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ عُذرة بْن مُصعَب، قَالَ: " حضرتُ جَنازة البَكريّ، وخلفه نادبة تندُبه، وتقول قَالَ عُذرة، فرأَيت إدريس الخَوْلانيّ، قد تخلَّف حتَّى لحِقته.
فقَالَ لها: قد وجدتِ مقالًا، فقُولي.
فولِيَها هاشم البَكريّ إلى أن تُوُفّي بها، وهو عَلَى قضائها لمستهلّ المحرّم سنة ستّ وتسعين ومائة ولِيَها سنة ونصفًا "
إبراهيم بْن البكَّاء البَجَليّ
ثمَّ ولِي القضاء بها رجُل من أصحاب الأمير جَابِر بْن الأشعث، يقال لَهُ: إبراهيم بْن البكَّاء، جعله جَابِر ينظر بين الناس، ثم خُلع محمد بْن هارون بِمصر، ووثب الحُند بجابر، فخلعوه فِي رجب سنة ستّ وتسعين ومائة.
قَالَ محمد بن يوسف: فإن كَانَ جَابِر ولَّى إبراهيم عقيب موت البَكريّ، فقد ولِيَها ستَّة أشهُر.
وأمَّا ابن قُدَيد فأخبرني، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، «أن ابن البكَّاء هذا ولِيَها شهرًا واحدًا وخُلع جَابِر وثبت بِهِ الجُند»
لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها لَهِيعة بْن عيسى الحَضْرَميّ من قِبَل عبَّاد بْن محمد، وعبَّاد يومئذٍ يدعو للمأمون بِمصر، ولِيهَا مستهلّ شعبان سنة ستّ وتسعين ومائة، وذلك بعد أن اجتهد عبَّاد فِي ولاية عبد الله بْن وَهب بْن مُسلم، فاستتر ابن وَهب من عبَّاد.
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن عبد الرحمن، قَالَ: " لمَّا طلب عبَّاد عمّي ليولّيه القضاء تغيّب فِي منزِل يحيى بْن حَرْمَلة،
стр. 293
فهدم عبَّاد بعض دارنا، قَالَ العسلاني لعبَّاد: مَتَى طمع هذا الكيديّ هكذا فِي ولاية القضاء حتى يتغيّب.
فبلغ قوله ابن وَهب، فدعا اللَّه عليه، فعَمِي بعد جُمعة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إبراهيم القُرَشيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يحيى الوَقَار، قَالَ: لمَّا طُلب ابن وَهب للقضاء تغيّب، فسُمِع وهو يَقُولُ: «يارب يقدَم عليك إخواني غدًا عُلَماء حُلَماء فُقَهاء، وأقدَم عليك قاضيًا لا يارب ولو قُرضت بالمقاريض»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَال: حَدَّثَنِي حجَّاج بْن مَذكور المُؤذّنِ، قَالَ: " لما طُلب ابن وَهب للقضاء، جمع آخاءَه، وأهله، فشاورهم، فقالوا لَهُ: لعلّ أن يَحْيا الحقّ عَلَى يديك أو نحو هذا.
فقال لهم: أكلة فِي بطونكم أردتم أن تأكلوا ديني "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن محمد بْن الْعَبَّاس، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الربيع سُلَيْمَان ابْن أخي رِشْدين، قَالَ: حَدَّثَنِي حجَّاج بْن رِشْدِين، قَالَ: " أشرفت عَلَى ابن وَهب من غُرفتي، فسلَّمت عَلَيْهِ.
فقال لي: يا أَبَا الْحَسَن، بينا أَنَا أرجو أن أُحشَر فِي زُمرة العُلماء، أَأَرجو أن أُحشَر فِي زُمرة القُضاة، وكان تغيّب "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني عَبْد الحكَم بْن أحمد بْن سلام الصَّدَفيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْن عمرو الغافقيّ، قَالَ: «كانت مَواحيز مِصر يعمرها أهل الديوان وطائفة المطوِّعة، وكانت أحباس السبيل التي يتولَّاها القُضاة تُجمع فِي كل سنة، فإِذا كَانَ شهر أبيب من شُهُور القِبْط بعث القاضي لما اجتمع من أموال السبيل، ففُرّقت فِي مواحيز مِصر من العَرِيش إلى لُوبِيَة ومَراقِيَة، فتُفرَّق عَلَى المطوِعة، ومن كَانَ فقيرًا من أهل الديوان، فلمَّا هاجت الفِتنة أيَّام خلع محمد بْن هارون تشاغل السلطان عَنْ عطاء أهل الديوان، وتعطَّلت المَواحيز، وانقطع عَنْهَا المطوِّعة لِما كَانَ فِي الناس من الفِتنة، ثمَّ ولِيَ لَهِيعة بْن عيسى، فجمع أموال السبيل التي من الأحباس، ففرض فيها فروضًا من أهل مِصر، وجعل فيها المطوِّعة الذين كانوا يعمرون المواحيز، وأجرى عليهم العطاء من الأحباس،
стр. 294
فكان ذَلكَ أوّل ما فُرضت فروض القُضاة، فصارت سُنَّة بعد لَهِيعة، ولم يكن الناس يسمّونها إِلَّا فروض لَهِيعة حتى كَانَ ابن أَبِي الليث فسمَّاها فروض القاضي».
قَالَ إسماعيل: وقال فِراس المُراديّ:
لَعَمْرِي لَقَدْ سَارَتْ فُرُوضُ لَهِيعة … إِلَى بَلَدٍ قَدْ كَادَ يَهْلِكُ صَاحِبُهْ
إِلَى بَلَدِ تُقْرِي بِهِ الْبُومُ وَالصَّدَى … تُعَاوِرُهُ الرُّومُ الْعِظَامُ تُحَارِبُهْ
رَشِيدُ وَإِخْنَا وَالْبُرُلُّسُ كُلُّهَا … وَدِمْيَاطُ وَالأُشْتُومُ تَقْوًى يُغَالِبُهْ
لَهِيعَ لَقَدْ حُزْتَ الْمَكَارِمَ والثَّنَا … وَمِنْ عِنْدِ رَبِّي فَضْلُهُ وَمَوَاهِبُهْ
فَقَدْ عُمِّرَتْ تِلْكَ الثُّغُورُ بِسُنَّةٍ … تُعَدُّ إِذَا عُدَّتْ هُنَاكَ مَنَاقِبُهْ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، وسأَلته عَنْ لَهِيعة، عَنْ من أخذ القضاء، قَالَ: كَانَ سمِع من عمّه، «فأقام عَلَى قضائها حتى صُرف عبَّاد عَن الصلاة بِمصر فِي صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وقدِم المُطَّلِب بْن عبد الله الخُزَاعيّ أميرًا عَلَى مِصر، فعزل لَهِيعة عَن القضاء فِي شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين ومائة»
الفَضْل بْن غانم الخُزاعيّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها الفَضْل بْن غانم من قِبَل المطَّلِب بْن عبد الله الخُزاعيّ، ولِيَها فِي ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان ممَّن قدِم عَلَى المطَّلِب من العِراق.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه، قَالَ: «كَانَ الفضل بْن غانم كبير اللِحْية، جِدًا فكان يجعَل فِي لِحيته عوذةً خوفًا من عين لَهِيعة، كَانَ يفعل ذَلكَ يوم الجمعة إذا خطب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، " أن الفضل بْن غانم كَانَ متَّهمًا، فجاءَه سَعِيد بْن تَلِيد فِي السَّحر، فوجد عَلَى بابه غُلامًا أسود، فانصرف
стр. 295
ولم يدخل.
فقال لَهُ الفَضْل بعد ذَلكَ: أرسلت إليك فلم تأْتِ.
قَالَ: قد جئت بكذا والغُلام الأسود عَلَى الباب.
فسكت الفضل ولم يعُدْ إِلَيْهِ سَعِيد ".
قَالَ أَبُو الرَّقْراق: وكان مُطَّلِب أجرى عَلَى الفَضل بْن غانم مائة وثمانية وستّين دينارًا فِي كُلِّ شهر، وهو أوَّل قاضٍ أُجرِي عَلَيْهِ هذا
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبَيش بْن بُرْد، وأبو سلمة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «أقام الفَضْل عَلَى القضاء سنةً أو نحوها ثمَّ غضِب عَلَيْهِ المُطَّلِب، فعزله»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: «كَانَ سُلَيْمَان بْن يحيى بْن وزير التُّجِيبيّ أوّل أهل المسجِد، وثب عَلَى الفَضْل، ورفع عَلَيْهِ إلى مُطَّلِب حتى عزله»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن جَعْفَر بْن الْإِمَام، عَن الفَضْل، قلت لَهُ: " إنَّ هذا كَانَ عندنا عَلَى القضاء قبل المائتين.
فقال لي: إِنَّه عاش بعد رجوعه من عندكم زمانًا طويلًا.
فولِيَها الفَضْل إلى أن صُرف عَنْهَا فِي المحرَّم سنة تسع وتسعين ومائة لم يتمّ سنةً "
لَهِيعة بْن عيسى الثانية
ثمَّ ولِيَ القضاء بها لَهِيعة بْن عيسى من قِبَل المُطَّلِب وهو وِلايته الثانية، ولِيَها فِي المحرَّم سنة تسع وتسعين ومائة، واستكتب سَعِيد بْن تَلِيد، وأبا الأسود البَصْريّ، وجعل عَلَى مسائله سَعِيد بْن تَلِيد، وأمره أن يجدّد السؤَال عَن الشهود والموسومين بالشهادة فِي كل ستَّة أشهُر، فمن حدثت لَهُ جُراحة أوقفه.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي بذلك ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَنْ أبيه.
وحَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وحَدَّثَنِي أحمد بْن داود، عَن ابن أخضر، أن لَهِيعة أمر صاحب مسائله، أن يسأَل عَنْ شهوده فِي كل ستَّة أشهُر، واتّخذ شهودًا جعلهم بِطانته، منهم: سَعِيد بْن تَلِيد، ومُعاوية الأَسْوانيّ، وسليمان بْن بُرْد فِي نحو من ثلاثين رجُلًا ".
قَالَ ابن أخضر: فقلتُ لابن وزير: هَلْ علِمت أَنَّهُ أسقط أحدًا ممَّن كَانَ شهِد عنده ممَّن
стр. 296
جرح فِي السؤَال؟ فقال: نعم لَعمري قد أوقف غير واحد حِين بلغته جُرحته
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عليّ بْن عثمان، أن أَبَا الأَسْود البَصْريّ أتى عثمان بْن صالح، فسأَله عَنْ شيخ من أكابر أهل البَصْرة يُكنى أَبَا التمَّام، فذكر عثمان، أن التمَّام، حسن الجِوار، حسَن المعاملة، كثير الصوم والصلاة، باذل للمعروف، مُظهِر لزَكاة ماله إلَّا أن أَبَا التمَّام هذا قَدَريّ.
فأوقف شهادته لَهِيعة، فصار إِلَيْهِ وجوه أهل البصرة، منهم: عمَّار بْن نُوح، ومحمد بْن بَكْر الضَّبيّ، وسليمان بن بَكْر، وبِشر بْن المُعارك، وغيرهم، فذكروا من جَمال أَبِي التمَّام وفضله، وأكثروا من الثناء عَلَيْهِ، فأعلمهم لَهِيعة، أَنَّهُ قد رُفع إِلَيْهِ أكثر ممَّا قد ذكروا فِيهِ إلَّا أَنَّهُ يكرَه أن يراه اللَّه أجاز شهادة قَدَريّ، فنهضوا ولم يراجعوه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن سَعِيد، عَنْ أبيه، قَالَ: قَالَ أَبُو شَبيب أنيس بْن دارم مولى تُجِيب فِي صحابة لَهِيعة:
قَبَّحَ اللَّه زَمَانًا … رَاسَ فِيهِ ابْنُ تلِيدِ
بَعْدَ مِقْرَاضٍ وَخَيْطٍ … وَأُبَيْرَاتِ حَدِيدِ
وَأَبُو الزِّنْبَاعِ خَنَّاقُ … غَرَامِيل الْعَبِيدِ
بَعْدَ سَيْف خَشَبِيٍّ … وَسِهَام مِنْ حَدِيدِ
وابْنُ تَوْرَاقُ الْأَفَانِينُ … البَلِيدُ بْنُ البَلِيدِ
وَابْنُ بَكَّارِ كَرَاكِيرَ … وغَطَّاسِ الثَّرِيدِ
وَأَبُو الرُّوس الْمَرِيسيُّ … ابْنُ دَبَّاغِ الْجُلُودِ
وَاللَّقِيطُ ابْنُ بُكَيْر … نطْفَةُ الفَدْمِ الطَّرِيدِ
وابْنُ سَهْمٍ حَارِسُ … الجِيزَةِ حُلْوَانُ البَرِيدِ
عُصْبَةٌ مِنْ طِينَةِ النِّيلِ … مَنَاسِيُّ الجدُودِ
стр. 297
لَبِسُوا بَعْدَ التَّبَابِينِ … نَفِيسَاتِ الْبُرُودِ
لَازَمُوا الْمَسْجِدَ ضُلَّالا … مِنَ الأَمْرِ الرَّشِيدِ
لِحوَانِيتٍ بَنَوْهَا … بِفِنَا كُلِّ عَمُودِ
وَتَسَمَّوْا وَتَكَنَّوْا … بَعْدَ جَرْجَهْ وَشَنُودِ
وَأَلَاحُوا بِجِبَاهٍ … مِنْ نِطَاحِ الْحُصر سُودِ
تَحْتَ أَمْيَالٍ طِوَالٍ … كَبَرَاطِيلِ الْيَهُودِ
نَصَبُوهَا كالمْقَاعِيدِ … عَلَى رُءُوسِ الْقُرُودِ
وَتَرَاهُمْ لِلْوَصَايا … وَعَدَالَاتِ الشُّهُودِ
فِي مِراءٍ وَجِدَالٍ … وَقِيَامٍ وَقُعُودِ
وَخُشُوعٍ وَابْتِهَال … وَرُكُوعٍ وَسُجُودِ
وَعَلَى الْقِسْمَةِ أَضْرَى … مِنْ تَمَاسِيحِ الصَّعِيدِ
وَأَشَارُوا لِلْهَدَايَا … بِأَبي عَبْدِ الحَمِيدِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عَبْد الصَّمَد، عَنْ أَبِي خَيْثمة عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، عَنْ أبيه، قَالَ: " كَانَ من أحسن ما عمِله لَهِيعة فِي ولايته، أن قضى فِي أحباس مِصر كلّها، فلم يُبقِ منها حُبسًا حتى حكم فِيهِ، إِمَا ببينة ثبتت عنده، وإِمَّا بإِقرار أهل الحُبس.
قَالَ: فذكرتُ ذَلكَ لَهُ يومًا، وقلت لَهُ: لقد أحسن القاضي فيما فعل من ذَلكَ.
فقال لي: يا أَبَا الْحَسَن، كُنتُ أُحبّ ذَلكَ من زمان، وسأَلت اللَّه أن يُبلغني الحُكم فيها، فلم أترك شيئًا منها حتى حكمت فِيهِ، وجدَّدتُ الشَّهادة بِهِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مطروح، قَالَ: حَدَّثَنَا عيسى بْن لَهِيعة، أن أَبَاهُ «حكم فِي أحباس مِصر كلها، وجدّدها ما كَانَ فِي أيادي القُضاة منها، وما كَانَ فِي أيدي أهلها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح، قَالَ: سَمِعْتُ نصر بْن نصر، يَقُولُ: سَمِعْتُ لَهِيعة بْن عيسى القاضي، يَقُولُ: «أَنَا تاسع تسعة وَلُوا قضاء مِصر من حَضْرَ مَوت»
стр. 298
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مطروح، قَالَ: حَدَّثَنَا عيسى بْن لَهِيعة بْن عيسى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: «ولِيَ القضاء بِمصر تسعة رجال من حَضْرَ مَوت أَنَا آخرهم».
قَالَ عيسى: وهم: يُونُس بْن عَطيَّة، وأوس بن عبد الله، ويحيى بْن ميمون، وتَوْبة بْن نَمِر، وخَير بْن نُعيم، وغَوْث بْن سُلَيْمَان، ويزيد بْن عبد الله، وعبد اللَّه بْن لَهِيعة، ولَهِيعة بْن عيسى
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، قَالَ: حَدَّثَنِي خلَف بْن ربيعة، عَنْ أبيه، قَالَ: «ولِيَ قضاء مصر تسع رجال من حَضْرَ موت آخرهم لَهِيعة بْن عيسى، وولِيَ بَرْقَة جمع من حَضْرَ مَوت عَلَى قضائها».
قَالَ يحيى: آخرهم خَير بْن سَعِيد بْن خَير، وولِيَ عَلَى الأَنْدَلُس مُعاوية بْن صالح الحَضْرَميّ، وعلى فِلَسْطِين ضَمْضَم بْن عُقْبَة، وعبد السلام بن عبد الله، والنُّعمان بْن المُنذِر، وعلى حِمْص كثير بْن مُرّة، وجُبَير بْن نُفَير، وعلى دِمَشْق يحيى بْن حَمْزة.
قَالَ الشاعر:
مَا مِنْ بِلَادٍ من البُلْدَانِ نَعْلَمُهُ … إِلَّا وَفِيهِ مِنَ الأَشْيَاخِ وَالحَدَثِ
قُضَاةُ عَدْل لَهُمْ فَضْلٌ وَمَعْرِفَةٌ … مُبَرَّءُونَ مِنَ الْآفاتِ وَالرَّفَثِ
وقال آخر:
لَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِكُلِّ أَرْضٍ … مِنَ الغُرِّ الحَضَارِمَةِ الْكِرَامِ
رِجَالٌ لَيْسَ مِثْلَهُمُ رِجَالٌ … مِنَ الصِّيدِ الجَحَا جِحَةِ الضِّخَامِ
وقال يزيد بْن مِقْسَم الصَّدَفيّ:
يَا حَضْرَ مَوْتَ هَنِيئًا مَا خُصِصْتِ بِهِ … مِنَ الحُكُومةِ بَيْنَ العُجْمَ والعَرَبِ
فِي الجَاهِليَّةِ وَالإِسْلَامِ يَعْرِفُهُ … أَهْلُ الرِّوَايَةِ والتَّفْتِيشِ وَالطَّلَبِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَسْلَمَة بْنِ مُخلَّدٍ وَهُوَ عَلَى مِصْرَ: «لا تُوَلِّ عَمَلك إلَّا أَزْديًّا أَوْ حَضْرَميًّا، فإنَّهم أَهْلُ الأَمَانَةِ»،
стр. 299
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَضْرَمِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَاسِينُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَسْلَمَةَ مِثْلَهُ فَوَلِيَها لَهِيعَةُ بْنُ عِيسَى إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا وَهُوَ عَلَى قَضَائِهَا مُسْتَهَلَّ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنٍ، وَلِيَها خَمْسَ سِنِينَ
إبراهيم بْن إِسْحَاق القاريّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها إبراهيم بْن إِسْحَاق القاريّ من القارة حليف بني زهرة من قِبَل السريّ بْن الحكَم، وجُمع لَهُ القضاء والقَصَص، ولِيَها يوم الإثنين لعشر بقِينَ من ذي القعدة سنة أربع ومائتين.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: " كَانَ السَّريّ بْن الحكَم قد ولّى إبراهيم بْن إِسْحَاق القاريّ حليف بني زُهْرة القضاء بعد لَهِيعة، فأقام ستة أشهُر ثمَّ اختصم إِلَيْهِ رجُلان فِي شيء، فأمر بالكتاب عَلَى أحد الرجُلين بإنفاذ الحُكم، فشفع الرجُل بابن أَبِي عون إلى السَّريّ، فأمره السَّريّ، أن يتوقّف عَن الحُكم، فإن اصطلحا وإِلَّا حكم بينهما، فجلس إبراهيم فِي منزِله، فركِب إِلَيْهِ السَّريّ وسأَله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذَلكَ المجلِس أبدًا لَيْسَ فِي الحُكم شَفاعة.
فولَّى السَّريّ إبراهيم بْن الجَرَّاح، فولِيَها إبراهيم بْن إِسْحَاق إلى أن صُرف عَنْهَا فِي جمادى الأولى سنة خمس ومائتين، فولِيَها ستَّة أشهُر، ومات فِي جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين "
إبراهيم بْن الجرّاح
ثمَّ ولِيَ القضاء بها إبراهيم بْن الجرَّاح، من قِبَل السَّريّ بْن الحكَم ولِيَها مستهلّ جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين، وكان مذهبه مذهب أَبِي حنيفة، واستكتب عمرو بْن خَالِد، وجعل عَلَى مسائله مُعاوية بْن عبد الله الأسْوانيّ.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: أخبرني يحيى بْن عثمان، قَالَ:
стр. 300
حَدَّثَنِي أَمَنة بْن عيسى، أن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن الجرَّاح، أخذ من مُعاوية الأُسوانيّ ألف دينار عَلَى أن يولّيه أَبُوهُ مسائل الشهود، فقال إِسْحَاق لأبيه: أرى أن تولّي عَلَى مسائل المصريين رجُلًا منهم وتستريح منهم.
فولَّى مُعاوية مسائله "، قَالَ أَمَنة: فاختصمنا إِسْحَاق إلى ابن المُنْكَدِر فِي الَّذِي قبضه من مُعاوية، وأمر ابن المُنْكَدِر بسَجنه فِيهِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: «ولّى السَّري إبراهيم بْن الجرَّاح، فأمر بمُصلَّاه، فوضِع فِي المسجد الجامع، واجتمع المصريّون فألقوه فِي الطريق، فما تكلَّم فِيهِ السَّريّ بشيء، وجلس إبراهيم بْن الجرَّاح للحُكم فِي منزله، فلم يعُدْ إلى المسجد الجامع حتى صُرف»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبيش، وأبو سلمة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «لم يكن إبراهيم بْن الجرَّاح بالمذموم فِي أوَّل وِلايته حتى قدِم عَلَيْهِ ابنه من العِراق، فتغيَّرت حاله، وفسدت أحكامه»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّقْراق، قَالَ: " انحرف الناس عَنْ عمرو بْن خَالِد لمَّا كتب لإبراهيم بن الجرَّاح، فأمره إبراهيم باكتتاب قضيّة، ثمّ أرسل إِلَيْهِ إبراهيم يأمره أن يُوقفها حتى ينظر فيها، فبحث عمرو بْن خَالِد عَنْ ذَلكَ التوقّف من قِبَل ابنه، فقال عمرو: لله عليّ أن لا أعود إلى مجلِسه.
فعاد الناس إِلَيْهِ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الطاهر محمد بْن أحمد بْن عثمان المدينيّ، قَالَ: سَمِعْتُ حَرْمَلة بْن يحيى، يَقُولُ: " مرِض إبراهيم بْن الجرَّاح وهو على قضاء مِصر، وأوصى بوصيَّة، وأمر بإحضار الشهود ليشهَدوا عَلَى وصيَّته، فقُرئت الوصيّة عَلَيْهِ، فكان فيها: وإن الدين كما شرع، والقُرآن كما خلق "، قَالَ حَرْمَلة: فقلت أيّها القاضي، أَأَشهَد عليك بهذا؟ قَالَ: نعَم
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن الحارث بْن مِسْكين، قَالَ: سَمِعْتُ نصر بْن مرزوق، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّ بْن مَعبد بْن
стр. 301
شدَّاد، قَالَ: سَمِعْتُ نصر مرزوق، قَالَ: " سَمِعْتُ بْن الجراح فأتاني صاحب مسائله يسأَلني عَنْهُ، فقلت: ما أعرف شيئًا أعيبه بِهِ إلَّا شهادته عند إبراهيم بْن الجرَّاح "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْن أَبِي مُعاوية، عَنْ خلَف بن ربيعة، " أن عبد الله بْن طاهر لمَّا سار إلى مِصر لمحاربة عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ، فحاربه، ثمَّ اتَّفقا عَلَى الصُّلح، فاشترط عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ شروطًا أجابه إليها ابن طاهر، وبعث ابن طاهر إلى عُبَيْد اللَّه بنُسخة كتاب كتبه أشهد عَلَى نفسه فِيهِ، فنظر فِيهِ إبراهيم بْن الجرَّاح قاضي عُبَيْد اللَّه، فقال: ليست هذه الشروط بشيء، ولكنَّ يجِب أن نشترط كذا وكذا.
فقال عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ لإبراهيم بْن الجرَّاح: لي كتابًا.
فكتبه إبراهيم بخطِّه، وبعث بِهِ إلى عبد الله بْن طاهر، فنسخه عبد الله بيده، واضطغنها ابن طاهر عَلَى إبراهيم بْن الجرَّاح، فعزله عَنْ قضاء مِصر، وأسقط مَرْتَبته، وأمر بكشفه ومُحاسَبته "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: أخبرني عاصم بن رازح، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُس بْن عَبْد الأعلى، وذكر إبراهيم بْن الجرَّاح، فقال: «كَانَ من أدهى الناس، وكان الَّذِي كتب الشروط لعبيد بْن السَّريّ عَلَى عبد الله بْن طاهر حتى آمنه وآمن جميع جُنده، ولم يأخذ لنفسه أَمانًا، ففعل بِهِ ابن طاهر الأفاعيل»
стр. 302
أخبرنا أَبُو محمد عبد الرحمن بْن عُمَر بْن محمد بْن سَعِيد البزَّار المعروف بابن النحَّاس قِراءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف بْن يعقوب الكِنديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن الرَّقْراق، قَالَ: حَدَّثَنِي سعد يعني ابن عَبْد الحكَم، قَالَ: انصرف أَبِي يومًا من عند أَبِي طاهر فأخبرنا، " أن ابن طاهر ألقى إِلَيْهِ كتابًا من عُبَيْد بْن السَّريْ فِيهِ إيمان بالطَّلاق والعَتاق، فقال: أَمثلي يُستخلف بهذه الأيمان.
فقلت لَهُ لأسكّن غضَبه: أصلح اللَّه الأمير أن الَّذِي يُجري اللَّه عَلَى يدَي الأمير من حقن الدِّماء وصلاح ذات البين يسهِّل مِثل هذا عَلَيْهِ.
قَالَ: أشهدْ عليَّ بما فِيهِ "، وكان المتولّي الكتاب إبراهيم بْن الجرَّاح
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، أن عُبَيْد بْن السَّريّ، قَالَ لابن عَبْد الحكَم: «اكتب لي كتابًا فِيهِ إيمان فِي أمر ابن طاهر».
فقال: أصلح اللَّه الأمير، لسنا أصحاب وثائق وقاضي الأمير لَهُ عِلم بذلك، يعني: ابن الجرَّاح.
فأمره عُبَيْد، فكتب لَهُ ذَلكَ الكتاب، وكان سبَب سقوطه عند ابن طاهر
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: " ما صحِبت أحدًا من القُضاة كإبراهيم بْن الجرَّاح، كُنت إذا علِمت لَهُ المحضر وقرأته عَلَيْهِ، أقام عنده ما شاء اللَّه أن يُقيم حتى ينظر فِيهِ، ويرى فِيهِ رأْيه، فإذا أراد أن يقضي بِهِ دفعه لي لأُنشئ منه سِجِلًّا، فأجِد فِي ظهره.
قَالَ أَبُو حنيفة كذي، وفي سطر، قَالَ ابن أَبِي لَيْلَى كذا، وفي سطر آخر كذا، وقال أَبُو يوسف كذا، وقال مالك: كذا، ثمَّ أَجِد عَلَى سطر منها عَلامةً لَهُ كالخِطَّة، فأعلم أن اختياره وقع عَلَى ذَلكَ القول، فأُنشئ السِّجِلّ عَلَيْهِ "
стр. 303
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن أحمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: " كَانَ إبراهيم بْن الجرَّاح راكبًا فِي موكِب لَهُ فِيهِ جمع من الناس حتى بلغهم أَنَّهُ عُزل، فتفرَّقوا عَنْهُ فِي كل ناحية، فلم يبقَ منهم أحد.
فقال لغُلامه: ما بال الناس تفرّقوا؟ قَالَ: إنهم أُخبروا أن القاضي عُزل.
فقال: سُبحان اللَّه، ما كنت إلَّا فِي موكِب من ريح.
فولِيَها إبراهيم إلى أن أمره عبد الله بْن طاهر بالتوقّف عَن الحكم فِي ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، ولِيَها خمس سنين وعشرة أشهُر، وجعل عبد الله بْن طاهر عَلَى المظالم عَطَّاف بْن غَزْوان، ثمَّ مات إبراهيم بالرَّمْلة سنة سبع عشرة ومائتين "
عيسى بْن المُنْكَدِر
ثمَّ ولِيَ القضاء بها عيسى بْن المُنْكَدِر من قِبَل عبد الله بْن طاهر، ولِيَها يوم الإثنين لعشر خلونَ من رجب سنة ثنتي عشرة ومائتين، وصرف عَطَّاف بْن غَزْوان عَن المظالم.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن عثمان، قَالَ: سأَلت أَبَا يعقوب يوسف بْن يحيى البُويطيّ عَنْ سبب وِلاية ابن المُنْكَدِر القضاء، فقال: " أمر ابن طاهر بإِحضار أهل مِصر، فحضر الناس وكنت فيمن حضر، فدخلنا عَلَى ابن طاهر وعنده عبد الله بن عَبْد الحكَم.
فقال: إن جمعي لكم لِترتادوا لأنفُسكم قاضيًا.
فقال البُوَيطي: كَانَ أوّل من تكلَّم يحيى بْن عبد الله بْن بُكَير.
فقال: أيّها الأمير، ولِّ قضاءنا من رأَيت وجنبنا رجُليين تولِّ قضاءنا غريبًا ولا زرَّاعًا يعني بالغريب: إبراهيم بْن الجرَّاح "، قَالَ ابن عثمان: فأخبرني محمد بْن حمَّاد المدائنيّ.
قَالَ: فنهض إبراهيم بْن الجرّاح، وكان حاضرًا، فقال: أصلح اللَّه الأمير رجُل من أبناء الدولة الحُرمة.
فلم يستمع ابن طاهر إلى كلامه.
قَالَ البُوَيطيّ: ثمَّ تكلَّم أَبُو ضَمْرة الزُّهريّ، فقال: أصلح الأمير أصبغ بْن الفرَج الفقيه العالم.
وأصبغ حاضر المجلِس،
стр. 304
فعارض أَبَا ضَمْرة سَعِيد بْن كثير بْن عُفَير، فقال: أصلح اللَّه الأمير ما بال أبناء الصبَّاغين والمقامصة يُذكرون فِي المواضع التي لم يجعلهم اللَّه لها أهلًا.
قَالَ البُويطيّ: فقام أصبغ، فأخذ بمجامع ثوب سَعِيد بْن عُفير، وقال لَهُ: أنت شيطان، ومن أَيْنَ علمت أني من أبناء الصباغين.
وارتفع الأمر بينهما حتى كادت أن تكون فِتنة.
فذكر عبد الله بْن عَبْد الحكَم عيسى بْن المُنْكَدِر، فأثنى عَلَيْهِ بخير، فقلَّده ابن طاهر
حدثنا محمد بن يوسف، قَالَ: أخبرني عليّ بْن أحمد بْن محمد بْن سلامة بْن أبيه، عَنْ يحيى بْن عثمان، عَن البُويطيّ، قَالَ: قَالَ سَعِيد بْن عُفَير، لعبد الله بْن عَبْد الحكَم فِي أصبغ: " لَيْسَ هذا الرجُل كما وصفت، هذا رجُل بَذيّ طويل اللسان.
وسجع سَعِيد بْن عُفَير فِي وصفه، فقام أَصبغ، فقال: إن الأمير أمر أن يحضر فِي مجلِسه الفُقَهاء وأهل العِلم لا الشُّعَراء ولا الكهَنة ".
فقال البويطي: أَنَا أذكر للأمير ستَّةً يجعل هذا الأمر فيمن رآه منهم.
قَالَ: من هُمْ؟ قلت: عبد الله بْن عَبْد الحكَم.
قَالَ: ومن؟ قلت: سَعِيد بْن هاشم.
قَالَ: ومن؟ قلت: عيسى بْن المُنْكَدِر، قَالَ: ومن؟ قلت: ابنا مَعْبَد.
قَالَ: ومن؟ قلت: جَعْفَر بْن هارون الكُوفيّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: قَالَ لي عمرو بْن سَوَّاد: قَالَ لي عبد الله بْن عَبْد الحكَم حِين تكلَّم أَبُو ضَمْرة فِي أَصبغ وقال: هُوَ الفقيه.
قَالَ لي: «ما منعك أن تكلّم أَبَا ضَمْرة وتردّ عَلَيْهِ، فما أنت بدُونه.
ولم يكن لابن عَبْد الحكَم فِي أَصبغ رأي، فولَّى عيسى بْن المُنْكَدِر، قَالَ ابن عَبْد الحكَم لابن طاهر أَنَّهُ مُقِلّ.
فأجرى عَلَيْهِ سبعة دنانير كل يوم، فجرت فِي القضاء إلى اليوم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أَبُو سلَمة، والقاسم بْن حُبيش، وابن قُدَيد، عَنْ عبد الرحمن بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «وأجرى عبد الله بْن طاهر عَلَى عيسى بْن المُنْكَدِر أربعة
стр. 305
آلاف درهم فِي الشهر، وهو أوَّل قاضٍ أُجري عَلَيْهِ ذَلكَ، وأجازه بألف دينار»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، " أن عبد الله بْن عَبْد الحكَم سأَل ابن طاهر فِي ابن المُنْكَدِر، فأجازه بألف دينار، وأجرى عَلَيْهِ ما كَانَ مُطَّلِب، الخُزاعيّ أجراه عَلَى الفَضْل بْن غانم مائة وثلاثة وستّين دينارًا فِي كل شهر.
قَالَ: فكان أوَّل من كتب لَهُ إبراهيم بْن أَبِي أيُّوب، ثمَّ استكتب أَبَا الأَسْوَد النَّضْر بْن عَبْد الجبَّار المُراديّ، وداود بْن أَبِي طَيْبة.
قَالَ أَبُو الأَسْوَد: لا أكتب أو تنحّى عنك داود.
فلم ينجِّه وكان محتاجًا إِلَيْهِ، فانصرف أَبُو الأَسْوَد وثبت داود، وكان القائم بأمره كلّه سُلَيْمَان بْن بُرْد "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن أحمد بْن سلامة، قَالَ: أخبرني مِقْدام، قَالَ: «ما رأَيتُ أحدًا كَانَ أعلم بالقضاء وآلته من سُلَيْمَان بْن بُرْد ولم يضطرب حال ابن المُنْكَدِر حتى مات سُلَيْمَان سلخ سنة اثنتي عشرة ومائتين»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن مطروح، عَنْ عيسى بْن لَهِيعة، قَالَ: «كَانَ سَعِيد بْن تلِيد عَلَى مسائل ابن المُنْكَدِر، ثمَّ ضمّ إِلَيْهِ عبد الله بن عَبْد الحكَم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، «أن عيسى المُنْكَدِر جعل عبد الله بْن عَبْد الحكَم عَلَى مسائله، فأدخل فِي العَدالة من لا قدر لَهُ، ولا بيت فُلان الحائك، وفُلان البيَّاع، وفُلان المُسلِمانيّ برُمّته».
قَالَ ابن عُفَير: فأُخبرتُ، أن أَبَا خليفة حُميد بْن هاشم الرُّعَيني لقِيَه، فقال لَهُ: با ابن عَبْد الحكَم، قد كَانَ هذا الأمر مستورًا، فهتكته وأدخلت فِي الشَّهادة مَن لَيْسَ لها أهلًا.
فقال لَهُ ابن عَبْد الحكَم: إن هذا الأمر دِين، وإِنَّما فعلت ما يجِب عليَّ.
فقال لَهُ أَبُو خليفة: أسأَلُ اللَّه أن لا يرفعك بالشَّهادة أنت ولا أحدًا من ولدك ".
قَالَ ابن قُدَيد: فكان الأمر عَلَى ذَلكَ لقد بلغ هُوَ وولَده بالبلَد ما لم يبلغه أحد ما قُبلت لأحد منهم شَهادة قطّ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن محمد بْن الأشعَث، قَالَ: ذُكر عيسى بْن المُنْكَدِر، عند أَبِي شَرِيك المراديّ، وأنا حاضر، فقال: كَانَ رجُلًا صالحًا وكانت فِيهِ خَصلة
стр. 306
حسنة جميلة نافعة للمسلمين، لمَّا ولِيَ القضاء صيّر صاحب مسائل يسأَل لَهُ عَن الشهود، ثمَّ كَانَ يتنكَّر بالليل يغطِّي رأْسه، ويمشي فِي السِّكَك يسأَل عَن الشهود "، وقد رآه غير واحد من الثِّقات، وتحدَّثوا بذلك عَنْهُ
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، أن قِمَطْر عيسى بْن المُنْكَدِر: «كَانَ يُرفع فِي حانوت فِي دار عمرو بْن خَالِد، ففسدت قضيَّة منها، فأَبى عمرو بْن خَالِد أن يُدخلها داره، فاكترى لها مَنزِلًا فِي دار عمرو بْن العاص إذا انصرف عيسى جُعلت فِيهِ وخُتم الباب»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عمّي، وابن قُدَيد، قالا: أخبرنا أَبُو الرَّقْراق، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عيسى بْن فُليح، قَالَ: " اختَصم رجُلان إلى عيسى بْن المُنْكَدِر وكان ربَّما جاءت منه خِفَّة فِي الحُكم، فقضى لأحدهما عَلَى صاحبه، فقال للمحكوم لَهُ: أَضجعْ خَصمك.
فأَضجعَه، فقلت فِي نفسي: تُرى يُريد ذبحه.
ثمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ فاجعل رِجلك عَلَى خدّه تُذلّه بالحقّ.
قَالَ: فلمَّا خرجا، قلت لَهُ: أصلح اللَّه القاضي، خالفت الناس كلّهم فيما فعلت.
قَالَ: فلا أعود إِذَنْ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَسْعُود عمرو بْن حفص، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: " خاصمت إلى عيسى بْن المُنْكَدِر فصال عَلَى خصمي ثمَّ قَالَ لي: ابصقْ فِي وجهه، فتوقفت، فقال والله لا حكمت لك أو تبصق فِي وجهه، قَالَ: ففعلت، فقال لَهُ: أذلّك الحقّ، قمّ فادفعْ إِلَيْهِ حقّه "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الحكَم بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، أن أَبَاهُ " أرسله إلى ابن المُنْكَدِر برِسالة فِي شيء، فقال: لا والله لا فعلتُ.
فلمَّا خرج عَبْد الحكَم، قَالَ ابن المُنْكَدِر: وإنَّ أَبَاهُ يذلّ عليَّ كأَنَّه ألحقني بالمُنْكَدِر "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سلَمة أُسامة، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن عبد الرحمن بْن وَهب، قَالَ: سَمِعْتُ الشافعيّ، يَقُولُ لعيسى بْن المُنْكَدِر: «اشكر اللَّه وعائشة، فهي جعَلَتْ لكم قُرْطَيْن من ذهَب»
стр. 307
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، «أن عيسى بْن المُنْكَدِر كَانَ دخلوه إلى مِصر قديمًا».
قَالَ يحيى: فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن بْن وَهب، قَالَ: سَمِعْتُ ابن المُنْكَدِر يصيح بالشافعيّ، والشافعيّ يسمَع: يا كذا دخلت هذه البلدة، وأمرنا واحد، ورأَينا واحد، ففرَّقتَ بيننا، وألقيت بيننا الشرّ، فرّق اللَّه بين رُوحك وجسمك
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، أَنَّهُ انتسخ من رِقاع يحيى بْن عثمان، قَالَ: سمِع عيسى بْن المُنْكَدِر رجُلًا عَلَى بابه وهو عَلَى القضاء يومئذٍ يُنشد شِعر الصبيحيّ:
لَقَدْ عَجِبْتُ وَرَيْبُ الدَّهْرِ ذُو عَجَبٍ … أَنَّ الْهَديْريَّ وَسْطَ السُّوق يَنْتَسِبُ
وَمَا لَهُ نَسَبٌ فِي النَّاسِ نَعْلَمُهُ … إِلَّا الْحِمَارُ وَهَلْ لِلْعَيْرِ يُنْتَسَبُ
إِنِّي لَأَخْشَى إِلَى تَيْمٍ مَعَرَّتَهُمْ … كَمَا يُخَافُ عَلَى ذِي الصِّحَّةِ الْجَربُ
فقال عيسى بْن المُنْكَدِر: «لو سمِعتك عَائِشَة أمّ المؤمنين ﵂ لأَحسنَتْ أَدَبك»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ كتاب يحيى بْن عثمان بخطّه، قَالَ: " خاصم محمد بْن أَبِي المَضاء إلى ابن المُنْكَدِر، فحكم عَلَيْهِ، فعرض لابن المُنْكَدِر شيء قبيح، فأمر بِهِ، فسُجن، فلم يخرج من السجن إلى أن عُزِل ابن المُنْكَدِر، وكان ابن المُنْكَدِر يُنفق عَلَى عِيال ابن أَبِي المَضاء طول حبسه، فتُظلّم إلى ابن المُنْكَدِر فِي ابن عَبْد ربّه، فلم يحضر، فأمر ابن المُنْكَدِر بإحضار ابن عَبْد ربّه وضربه فِي المسجِد عشرينَ سَوطًا.
قَالَ: وكان يجلِس غُدوةً فِي المسجِد، ثمَّ يروح فيجلس للقضاء أيضًا.
وخاصم إِلَيْهِ ابن يحيى بْن حسَّان فتبسَّم، فأمر بلطمه، فلُطم "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة الغافقيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُرّة الرُّعينيّ، قَالَ: " كَانَ عيسى بْن المُنْكَدِر يتقرأ وكانت لَهُ طائفة قد أحاطت بِهِ
стр. 308
يأمرون بالمعروف وينهَون عَن المُنكَر، فلمَّا ولِيَ القضاء، كَانَ تأتيه وهو فِي مجلس حُكمه، فتقول: أيها القاضي، ذهب الْإِسْلَام فُعل كيت وكيت.
فيترك مجلِس الحُكم ويمضي معهم، فكلَّمه إخوانه مِثل ابن عبد الله الحكَم، وغيره، فقال: «لا بُدّ من القيام لله بحقوقه».
ثمَّ أَتَتْ تِلْكَ الطائفة، فقالوا: إنّ أمير المؤمنين المأمون قد ولَّى أَبَا إِسْحَاق بْن الرشيد مِصر، وإنا نخافه، ونخشى أن يشدّ عَلَى يد أهل العُدوان، فاكتبْ لنا كتابًا إلى المأمون بأنك لا ترضى بوِلايته.
ففعل ذَلكَ ابن المُنْكَدِر، وبلغ الكتاب المأمون، فأحضر أَبَا إِسْحَاق، فقال: ما الَّذِي فعلت فِي أهل مِصر؟ فقال: ما فعلت فيهم شيئًا.
فقال: هذا كتاب قاضيهم يزعم أَنَّهُ لا يرضى بوِلايتك عليهم.
فقال: ما أسأْت إلى واحد منهم ولَأَفعلنَّ بابن المُنْكَدِر وأفعلنَّ، فعزله أَبُو إِسْحَاق "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ أَبِي الرَّقْراق، قَالَ: " كَانَ سبب موجِدة المُعتصِم عَلَى ابن المُنْكَدِر، أن أصحابه الصُّوفيَّة كلَّموه لمَّ علِموا أن ابن طاهر قد صُرف عَنْ مِصر، وصار الأمر إلى أبي إسحاق، قَالُوا: ماذا نلقى من الفضل بْن مسروق وشِدَّته.
فسأَلوه الكتاب إلى المأْمون بكَراهية ولاية أَبِي إِسْحَاق، فقال لَهُ ابن عَبْد الحكم لا تفعل.
فأَبى، وكتب إلى المأمون، فدفع المأمون كتابه إلى أَبِي إِسْحَاق، فقال: والله ما سرت فيهم بسيرة أنكروها.
فلمَّا قدِم أَبُو إِسْحَاق مِصر، عزله وحبسه، وحبس عبد الله بْن عَبْد الحكَم تُهمةً لَهُ، فأقام أيَّامًا ثمَّ مِرض، فمات، وأمر بابن المُنْكَدِر، فأقامه للناس، فخاصموه وادّعوا عَلَيْهِ دعاوي، فأمر بحبسه، فلم يزل محبوسًا حتى خرج أَبُو إِسْحَاق، فولِيَها عيسى بْن المُنْكَدِر إلى أن صرفه أَبُو إِسْحَاق عَنْهَا فِي شهر رمضان سنة أربع عشرة ومائتين، ولِيَها سنتين وشهرًا، وورد الكتاب من قِبَل أَبِي إِسْحَاق بإِخراجه إلى العِراق لعشر خلونَ من ذي القعدة سنة خمس عشرة ومائتين، فسجنه هنالك، وتوُفّي هُناك، وبقِيَت مِصر بلا قاضٍ "
стр. 309
الفَتْرة بين ابن المُنْكَدر وهارون بْن عبد الله
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الرَّقْراق، قَالَ: «كَانَ كَيْدُر أمير مِصر، فأقام محمد بْن عبَّاد بْن مُكْنِف للمظالم يحكم بين الناس فِي الفَتْرة التي كانت بين ابن المُنْكَدِر، وهارون، وكان ينزل عند دار أَبِي عَون، وكان كُوفيًّا، فيحضر الوُكلاء عنده، وله صاحب مسائل يسأَل عَن الشهود، فلمَّا ولِيَ هارون، فسخ لَهُ أحكامًا كثيرةً»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «أقامت مِصر بلا قاضٍ سنة خمس عشرة وستّ عشرة، فلمَّا قدِم المأمون مِصر فِي أوَّل سنة سبع عشرة طلب قاضيًا يقضي بين الناس، فصلَّى وأمر يحيى بْن أَكْثَم بالجلوس فِي المسجِد للقضاء، فجلس يحيى بْن أَكْثَم يوم السبت لإحدى عشرة خلت من المحرَّم سنة سبع عشرة، فقضى بين الناس، وتشاغل المأمون بحربه، وذُكر لَهُ غير واحد من أهلها، فلم يتِمّ، فخرج ولم يُولّ عليها أحدًا غير أَنَّهُ طلب عليّ بْن مَعْبَد بْن شدّاد العبديّ، فامتنع عَلَيْهِ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: سَمِعْتُ يُوُنس، يَقُولُ: سَمِعْتُ عليّ بْن مَعْبَد، يَقُولُ: " انصرفت من عند المأْمون وقد أبيت عَلَيْهِ الدُّخول فيما عرضه عليَّ من تولّي القضاء بِمصر، وفرشت حصيرًا وقعدت عَلَى بابي، وقلت: أَقربُ ممَّن عسى أن يأتيني يُعزّيني عَلَى ما نالني، فبينا أَنَا كذلك، إذ مرّ رجُلان، فسمِعت أحدهما، يَقُولُ لصاحبه: والله ما صحّ لَهُ إلى الآن شيء وقد فتح بابه وفرش حصيره.
فقلت لمن كَانَ عندي: حدث حادث انصرفوا.
فانصرفوا ودخلتُ، ورددت الباب وقعدت من ورائه، وقلت: أقربُ عَلَى مَنْ عسى أن يجيء من إِخواني، فمرّ رجلان، فسمعت أحدهما، يَقُولُ لصاحبه: والله ما صحّ لَهُ من الإخوان شيء، فقد أغلق بابه، فكيف لو صح لَهُ شيء.
فقلت: يا نفس، أَلا كنت لا تسلَمين بفتح بابك ولا تسلَمين بغلقه، فهل بينهما واسطة "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن شُعيب الكَيسانيّ، قَالَ: سَمِعْتُ عليّ بْن مَعْبَد بْن شدّاد، يَقُولُ: " كَانَ بيني وبين المأْمون، أن
стр. 310
قَالَ لي: قد قِيلَ لي أن لك أخًا صالحًا، فلو استعنت بِهِ فِي هذا الأمر كما أستعين أَنَا بأخي هذا فيما أَنَا فِيهِ.
فرفع رأسه إلى رجُل قائم، وإذا هُوَ المُعتصِم، فقلت لَهُ: إنَّه أضعف ممَّا يظنّ أمير المؤمنين.
ثمَّ قلت لَهُ مُستعطِفًا لَهُ: إنَّ لي يا أمير المؤمنين حُرمةً.
قَالَ: وأيّ حُرمة لَهُ؟ قلتُ: سمَاعي معه العِلم من أَبِي بَكْر بْن عيَّاش، وعيسى بْن يُونُس، ومحمد بْن الْحَسَن.
فقال: وأين كنت تسمع؟ قلت: فِي دار الرشيد.
قَالَ: وكيف كنت أنت تدخل دار الرشيد؟ قلت: بأبي.
قَالَ: ومن أبوك؟ قلت: مَعْبَد بْن شدّاد.
فأطرق مليًّا، ثمَّ رفع رأسه، فقال: إن مَعْبَدًا كَانَ من طاعتنا عَلَى غاية فَلِمَ لا تكون مِثله "
هارون بْن عبد الله
ثمَّ ولِيَ القضاء بها هارون بْن عبد الله من قِبَل المأمون، قدِم مِصر يوم الأحد لأربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة سبع عشرة ومائتين، وجلس فِي المسجِد الجامع يوم السبت لعشر بقينَ من شهر رمضان.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ كتاب يحيى بْن عثمان، قَالَ: «قدِم هارون بْن عبد الله سنة سبع عشرة، فجعل مجلسه فِي الشِّتاء فِي مُقدَّم المسجِد واستدبر القبلة وأسند ظهره بجِدار المسجِد، ومنع المُصلّين أن يقربوا منه، وباعد كُتَّابه عَنْهُ، وباعد الخُصوم. . . . . . . . .، وكان أوّل من فعل ذَلكَ، واتّخذ مجلِسًا للصيف فِي صحن المسجِد، وأسند ظهره للحائط الغربيّ»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سلَمة، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: " لمَّا قدِم هارون بْن عبد الله إلى مِصر لم يُبق شيئًا من أمور القضاء حتى شاهده بنفسه وحضره مَعَ أهل مِصر، فمنها أَنَّهُ لم يتخلَّف عَنْ حُبس بِمصر يتولَّاه القُضاة حتَّى وقف عَلَى غَلّته
стр. 311
ووجوهه، ومنها: الأَيتام شاهد أموالهم بنفسه، وحاسب عليها، وضرب رجُلًا كَانَ فِي حَجره يتيم، فرأَى فِي أمر اليتيم بعض الخلَل، فضرب الوليّ وطاف بِهِ وأورد أموال الغُيَّب، ومن لا وارث لَهُ بيت المال، وسجَّل جميعها "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، «أن هارون بن عبد الله توقف عَن النظَر فِي حُبس السريّ بْن الحكَم حتى ورد عَلَيْهِ كتاب من العِراق يأمر بالنظر فِيهِ»
أخبرنا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَن ابن الرَّقْراق، أن هارون بْن عبد الله لمَّا قدم جلس معه رجُل فِي مجلِسه، فقال: " ما حاجتك؟ فقال: إن صاحب البريد زكريَّاء بْن سعد أمرني بالجُلُوس معك.
فقال: هذا مجلِس أمير المؤمنين، لَيْسَ يجلِس فِيهِ أحد إلَّا بأمره.
فركِب زكريَّاء إلى كَيْدُر وعنده إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن تميم، وأحمد بْن محمد بْن أَسْباط، وحضر هارون بْن عبد الله، فقال زكريَّاء: أيّها الأمير، إنّي بعثت رجُلًا يجلِس مَعَ أَبِي يحيى فمنعه.
قَالَ أحمد بْن محمد بْن أَسباط لهارون: نشهَد عليك بهذا.
فالتفت هارون، فقال: من هذا الغُلام؟ فقال لَهُ كاتبه ابن الماجشون: هذا أحمد بْن محمد بْن أَسباط.
قَالَ لَهُ هارون: لعلَّك يا كلب تتكلَّم، والله لقد هممت أن لا أقوم من مجلِسي هذا حتى يُضْرَب ظهرك لِما صحّ عندي من أحوالك، وسُوء سيرتك.
فأمر كَيْدُر بانصراف أحمد بن أَسباط، وخشِيَ عَلَيْهِ من هارون، وكتب إلى المأمون فِي ذَلكَ، فورد الجواب: إن أحبّ هارون أن يجلِس معه وإلَّا فلا.
فقال هارون: إمَّا إذا ردّ أمير المؤمنين الأمر إلينا فيجلس من شاء "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بْن عمرو بْن أَبِي الطاهر بن السَّرْح، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بْن أَبِي الْخَطَّاب، قَالَ: «كتب المأمون إلى الآفاق بأن يؤخذ الناس بالمِحنة فِي سنة ثمان عشرة ومائتين»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن عَبْد الصمَد، عَنْ أَبِي خَيْثمة عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: كتب أَبُو إِسْحَاق بْن هارون إلى كَيْدُر وهو والٍ عَلَى مِصر: بسم
стр. 312
اللَّه الرَّحْمَن الرحيم، من أَبِي إِسْحَاق بن أمير المؤمنين الرشيد أخي أمير المؤمنين إلى نصر بْن عبد الله كَيْدُر مولى أمير المؤمنين سلام عليك.
فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلَّا هُوَ، وأسأَله أن يصلّي عَلَى محمد عَبْده ورسوله صلَّى اللَّه عَلَيْهِ، أَمَّا بعد، فإنَّ أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءَه كتب إليَّ فيما أمرني بِهِ من الكتاب إلى قُضاة عملي فِي امتحان من حضرهم للشهادات، فمن أقرّ منهم بأن القُرآن مخلوق وكان عدلًا قبِلوا شهادته، ومن دفع ذَلكَ أسقطوا شهادته، ولم يرفعوا حُكمًا بقوله، وامتحان أُولئك القُضاة بهذه المِحنة، فمن نفى منهم التشبيه، وقال: إن القرآن مخلوق أقرّه بموضِعه، ومن دفع أن يكون القُرآن مخلوقًا أمرته باعتزال الحُكم، وأن لا يُعان بِمثل ذَلكَ فِي جميع أهل الحديث هنالك، ومن يُسمَع منه أو يُختلَف إِلَيْهِ بسبب الفِقه، وترك الإذن لأحدٍ منهم فِي حديث أو فَتْوًا إِلَّا على انتحال هذه النِّحلة والقول بِمثل هذه المقالة، والبلوغ من يعتقد ذَلكَ ومُراعاته مبلغ المحتسب للخير، والكتاب إِلَيْهِ أكرمه اللَّه بما يكون منك، وقد رأَيت أن تمتحن القاضي هاك بالمِحنة التي كتب بها أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه ليُعرَف مذهبه، وما عنده بأن القُرآن مخلوق، وتَرْكِ التشبيه، والشكّ فِيهِ، فقدّمتَ إليه فِي امتحان من يحضره للشهادات بهذه المِنحة، ومن أقرّ منهم، وكان عدلًا قُبلتْ شهادته، ومن دفع ذَلكَ وامتنع منه أُسقطتْ شهادته، وإن أنكر القاضي أن يكون القُرآن مخلوقًا أمرته باعتزال الحكومة، وأوعزتَ بمثل ذَلكَ إلى أهل الحديث، ومن يسمَع منه أو يُختلَف إِلَيْهِ بسبَب الفِقه، وكتبتُ إلى القاضي قِبَلك بِمثل الَّذِي كتبتُ إليك، فأعلمْ ذَلكَ وأعمَلْ بما مثَّل بِهِ أمير المؤمنين منه، وانْتَهِ إِلَيْهِ وأبلْغ من القيام بِهِ عَلَى حسَب ما يلزَمك، ويجب عليك، وأَحضرْ ما تعمل بِهِ عنده من وجوه أهل عمَلك وصُلَحائهم، واكتب إليَّ بما يكون من القاضي فِي ذَلكَ ومنك على حقّه، وصدقه لأْنهيه إلى أمير المؤمنين إن شاء اللَّه، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
وكتب الفَضل بْن مَرْوان لعشر ليال بقينَ من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة ومائتين ".
قَالَ أَبُو خَيْثَمة: فورد الكتاب عَلَى كَيْدُر، وكان القاضي بِمصر هارون بْن عبد الله، فأحضره كَيْدُر ودعاه إلى هذا، فأجابه إِلَيْهِ ووافقه عَلَى ذَلكَ عامّة الشهود، ومن يُعرف بالعدالة، وأكثر الفُقهاء إِلَّا من هرب منهم
стр. 313
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بْن محمد بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن أَبِي الحديد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُتبة بْن بَسْطام، قَالَ: «كَانَ هارون بْن عبد الله إذا شهِد عنده شاهدان سأَلهما عَن القُرآن، فإن أقرَّا أَنَّهُ مخلوق قبلهما وإِلَّا أوقف شهادتهما، فكانت هذه المِحنة من سنة ثماني عشرة إلى أن قام المُتوَكِل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن قُدَيد، قَالَ: «ورد كتاب المُعتصِم عَلَى هارون بحمل الفُقهاء فِي المِحنة، فاستعفى هارون من ذَلكَ، فكتب ابن أَبِي داوود إلى محمد بْن أَبِي الليث يأمره بالقيام فِي المِحنة وذلك قبل وِلايته القضاء، وكان رأْسًا فِي القِيام بذلك، فحمل نُعَيم بْن حمَّاد، والبُوَيطيّ، وخُشنام المحدِّث فِي جمع كثير سِواهم»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني محمد بْن رَبيع الجِيزيّ، عَنْ أبيه، قَالَ: سَمِعْتُ هارون بْن عبد الله، يَقُولُ: " اللهمَّ لك الحمد عَلَى معافاتي ممَّا بليت بِهِ غيري.
قَالَ: فرُفع ذَلكَ إلى ابن أَبِي دُوَاد، فأمر هارون بالتوقّف عَن الحُكم، ثمَّ ولَّى ابن أَبِي الليث "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا عاصم بْن رازح، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُس، يَقُولُ: «ما رأَيت قاضيًا مِثل هارون بْن عبد الله ما استفاد عندنا إلا دارًا، فلمَّا انصرف باعها وتحمّل بثمَنها»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمة بْن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمر بْن عبد الله الزُّهْريّ، قَالَ هارون: أنشدت عَبْد الملك بن عَبْد العزيز الماجِشون:
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْبَيْنَ مِنْهَا فُجَاءَةً … وَأَهْوَنَ لِلْمَكْرُوهِ أَنْ يَتَوَقَّفَا
وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تُوَدِّعَ ظَاعِنٌ … مُقِيمًا وَيَذْرِي عَبْرَةً أَنْ تُوَدِّعَا
نَظَرْتُ إِلَيْهَا نَظْرةً فَرأَيْتُهَا … وَقَدْ أَبْرَزَتْ مِنْ جَانِبِ الخِدْرِ إِصْبَعَا
فقلت لَهُ: قالها رجُل من قُرَيش.
قَالَ: أحسن والله.
قلت: أَنَا والله قلتها فِي طريق سرتها إليك.
قَالَ: قد والله عرفت الضُّعف فيها حِين أُنشِدتني
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا القاسم بْن حُبَيش، وأبو سلَمة، عَنْ عبد الرحمن
стр. 314
بْن عَبْد الحكَم، قَالَ: «لم يزَل هارون عَلَى القضاء إلى شهر ربيع الأوَّل سنة ستّ وعشرين ومائتين، وكُتب إِلَيْهِ، أن يُمسك عَن الحُكم، وكان قد ثقُل مكانه عَلَى ابن أَبِي داود، فولِيَها هارون بْن عبد الله إلى أن ورد عَلَيْهِ كتاب المُعتصِم يأمره بالتوقّف عَن الحُكم لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ستّ وعشرين ومائتين، فكانت ولايته عليها ثمان سنين وستَّة أشهُر»
محمد بْن أَبِي الليث الخُوارَزْميّ
ثمَّ ولِيَ القضاء بها محمد بْن أَبِي الليث الأصمّ من قِبَل أَبِي إِسْحَاق المُعتصِم، قدِم بوِلايته أَبُو الوزير صاحب الخراج يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين ومائتين.
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، «أن دخول محمد بْن أَبِي اللَيث مِصر كَانَ فِي سنة خمس ومائتين، وكان مُقيمًا بها إلى أن ولِيَ، وكان قبل دخوليه مِصر ورَّاقًا عَلَى باب الواقديّ، وكان فقيهًا بمذهب الكوفيّين».
قَالَ محمد بْن يوسف: سأَلت ابن قُدَيد لِمَ كنى محمد بْن أَبِي الليث أَبَاهُ، ولم يقُل محمد بْن الحارث، فقال: كَانَ محمد بْن الحارث بْن النُّعمان الإِياديّ عَلَى قضاء فِلسطين، ومحمد بْن أَبِي الليث عَلَى قضاء مِصر، وكان الكتاب إذا ورد من العِراق، قَالَ كُلّ واحد منهما: لي.
فانفرد محمد بْن أَبِي الليث بكُنْية أبيه لينفصل عَن الإِياديّ
حَدَّثَنِي محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: لمَّا ولِيَ محمد بْن أَبِي الليث، نادى مُناديه: «بُرِئت الدِّمّة من رجُل كَانَ فِي يديه شيء من مال يتيم وغائب إِلَّا أحضره، فتسرّع الناس إلى إخراج ما فِي أَيديهم من ذَلكَ، وحملوه إلى بيت المال خوفًا من سَطوته بهم».
قَالَ: وكان حَمْدُون بْن عُمَر بْن إياس وهو ابن أُخت محمد بْن أَبِي الليث يقبِض ذَلكَ من الناس.
قَالَ: وشاهد محمد بْن أَبِي الليث الأحباس بنفسه، ودوّنها بخطّه وقضى فِي كثير منها
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني محمد بْن سَعِيد بْن حَفص الفارض، عَنْ أبيه، قَالَ:
стр. 315
سَمِعْتُ محمد بْن أَبِي الليث، يَقُولُ: «لقد هممت أن أضع يدي عَلَى كُلِّ حُبس بِمصر يتولَّاه أهله ممَّا لَيْسَ لَهُ ثبَت فِي ديوان القُضاة احتياطًا لَهُ».
قَالَ سَعِيد: فلمّا ولِيَ الحارث، وددت أن ابن أَبِي الليث فعل ما عزم عَلَيْهِ من ذَلكَ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي قيس بْن حَمَلة، عَنْ أَبِي قُرَّة الرُّعَينيّ، «أن محمد بْن أَبِي الليث أقام رجُلًا يرفَع عَلَى هارون بْن عبد الله، أَنَّهُ استهلك مالًا من بيت المال، فأمر ابن أَبِي الليث بإحضار هارون إلى مجلِسه، وناظره مرةً بعد أُخرى، وامتهنه، وثبت عَلَى هارون ما رُفع إِلَيْهِ، وذلك أَنَّهُ كَانَ يدفع مِفتاح التابُوت إلى غير ثِقة، فاستهلك منه شيئًا كثيرًا»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بْن مُعْمَر، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الزِّنباع رَوْح بْن الفَرَج، يَقُولُ: «رأَيت هارون بْن عبد الله جالسًا فِي الخصوم بين يدي محمد بْن أَبِي الليث»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني محمد بْن محمد بْن سلامة، أن محمد بْن أَبِي الليث حاسب هارون بْن عبد الله عَلَى ما كَانَ فِي بيت المال، وأمر بحبسه وكشفه، فورد الكتاب برفع ذَلكَ عَنْهُ "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، «أن أمر المِحنة كَانَ سهلًا فِي وِلاية المُعتصِم لم يكن الناس يُؤخَذون بها شاءُوا أو أبَوا، حتى مات المُعتصم وقام الواثق سنة سبع وعشرين ومائتين، فأمر أن يؤخذ الناس بها، وورد كتابه عَلَى محمد بْن أَبِي الليث بذلك، وكأنها نار أُضرمت»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني محمد بْن عَبْد الصمَد، عَنْ أَبِي خَيْثَمة عليّ بْن عمرو بْن خَالِد، قَالَ: «لمَّا استخلف الواثق ورد كتابه عَلَى محمد بْن أَبِي الليث بامتحان الناس أجمع، فلم يبقَ أحد من فقيه، ولا مُحدِّث، ولا مُؤَذِّن، ولا مُعلِّم حتى أُخذ بالمِحنة، فهرب كثير من الناس، ومُلئت السجون ممَّن أنكر المحنة، وأمر ابن أَبِي الليث بالاكتتاب عَلَى المساجد لا إله إلا اللَّه ربّ القرآن المخلوق.
فكُتب ذَلكَ عَلَى المساجد بفُسطاط مِصر، ومنع الفُقهاء من أصحاب مالك، والشافعيّ من الجلوس فِي المسجِد، وأمرهم أن لا يقرَبوه»
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنِي أحمد بْن الحارث بْن مِسْكين، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر
стр. 316
بْن مَرْزوق، قَالَ: " كنت جالسًا فِي المسجِد، فسمعت ضَوْضاء، ورأَيت الناس قد حفلوا، فنظرت، فإذا هارون بْن سَعِيد الأَيْليّ، وطَيْلَسانه تحت عضُده وعَمامته فِي رَقَبته، ومَطَر غُلام ابن أَبِي الليث يسوقه بعمَامته، وهارون ينادي بأعلى صوته: القرآن كذا وكذا.
ثم أَخْرَجَهُ من المسجِد يُطاف بِهِ الطُّرُق كذلك "
وأخبرني محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: أخبرنا. . . . . محمد بْن عبد الله بْن عَبْد الحكَم، فأَخذ برِجله، فوثب محمد، فقام، فهمّ مَطَر أن يتناول قَلَنْسُوَته، فبادر محمد فأخذها، فجعلها فِي كُمَه، ثمَّ أقامه مَطَر، فأطافه ينادي بخلق القُرآن، فمضى بِهِ عَلَى حلَقة ابن صُبَيح رِفْقة المُعتزِلة، فقالوا لَهُ: الحمد لله الَّذِي هداك يا أَبَا عبد الله.
قَالَ الْحُسَيْن بْن عَبْد السلام الجَمَل لمحمد بْن أَبِي الليث:
وُلِّيتَ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ تَكُنْ … بَرِمَ اللِّقاء وَلَا بِفَظٍّ أَزْوَرِ
ولَقَدْ بَجَسْتَ الْعِلْمَ فِي طُلَّابِهِ … وَفَجَرْتَ مِنْهُ مَنَابِعًا لَمْ تُفْجَرِ
فَحَمَيْتَ قَوْلَ أَبِي حَنيفَةَ بِالهُدَى … وَمُحَمَّدٍ وَالْيُوسُفِي الْأَذْكَرِ
وَفَتَى أَبِي لَيْلَى وَقَوْلِ قَرِيعِهِمْ … زُفَرِ الْقِيَاسِ أَخِي الحَجَاجِ الْأَنْظَرِ
وَحَطَمْتَ قَوْلَ الشَّافِعِيّ وَصَحْبِهِ … وَمَقَالَةُ ابْنِ عُلَيَةٍ لَمْ تُصْحَرِ
أَلْزَقْتَ قَوْلَهُمُ الحَصِيرَ فَلَمْ يَجُز … عَرْضَ الْحَصِيرِ فَإِنْ بَدَا لَكَ فَاشْبُرِ
والْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرٍ شَائِع … أَخْمَلْتَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرِ
أَيْنَ ابْنُ هُرْمُزَ أَوْ رَبِيعَةُ لَا يَرَى … مَاذَا تَقَوَّلَ بِالْمَقَالِ الْأَجُوَرِ
كَسَّرْتَهُ فَهَوى بِرَأْيِكَ كَسْرَةً … لَبِثَتْ عَلَى قِدَم المدَى لَمْ تُجْبَرِ
أَعْطَتْكَ أَلْسِنَةٌ أَتَتْكَ ضَمِيرَهَا … وَأَتَتْكَ أَلْسِنَةٌ بِمَا لَمْ تُضْمِرِ
فَأَطَفْتَ بِالْأَيْلِيّ يَنْعَقُ صَائِحًا … فِي كُلِّ مَجْمَعِ مَشْهَدٍ أَوْ مَحْضَرِ
وَمُحَمَّدُ الْحَكَميُّ أَنْتَ أَطَفْتَهُ … وَأَخَاهُ يَنْعَقُ بِالصِّيَاحِ الْأَجْهَرِ
كُلٌّ يُنَادِي بِالْقُرْآنِ وَخَلْقِهِ … فَشَهَرْتَهُمْ بِمقَالَةٍ لَمْ تُشْهَرِ
لَمْ تَرْضَ أَنْ نَطَقَتْ بِهَا أَفْوَاهُهُمْ … حَتَّى المْسَاجِدُ خَلْقَهُ لَمْ تُنْكِرِ
стр. 317
لَمَّا أرَيْتَهُمُ الرَّدى مُتَصَوَّرًا … زَعَمُوا بِأَنَّ اللَّه غَيْرُ مُصَوَّرِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عثمان، قَالَ: «فكان ممَّن هرب من محمد بْن أَبِي الليث يوسف بْن أَبِي طَيْبة، وأحمد بْن صالح هربا إلى اليَمَن، ومحمد بْن سالم القطَّان، وأبو يحيى الوَقار، فأمَّا يوسف فلزِم منزِله فلم يظهَرْ، وأمَّا ابن سالم فظُفِر بِهِ، فحُمِل إلى العِراق، وهرب ذو النُّون بْن إِبراهيم الإِخميميّ، ثمَّ رأَى أن يرجِع، فرجع إِلَيْهِ، فوقع فِي يده وأقرّ بالمِحنة»، قَالَ أَبُو عُمَر محمد بْن يوسف: وأنشدنا إسماعيل بن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن تَميم للجَمَل يذكر هارون:
أَحْجَرْتَ يُوسُف فِي خِزَانَةِ بَيْتِهِ … فَطَوَتْهُ عَنْكَ وَطَالَ مَا يُحْجَرِ
أَخْلَيْتَ مِنْ عُمَرِ الزِّنَاءِ مَقَامَهُ … وَعَمَرْتَ مِنْهُ مَدَاخِلًا لَمْ تُعْمَرِ
وَكَفَرْنَكَ الْأَرَضُونَ حِينَ سَأَلْتَهَا … خَبَرَ ابْنِ صَالح الخَبِيثِ الْأَكْفَرِ
جَحَدتْهُ أَقْطَارُ الْبِلَادِ فَمَا عَلَى … حَرَكَاتِهِ وَسُكُونِهِ مِنْ مُظْهِرِ
وَثَوَى ابْنُ سَالِمَ خُفْيَةً فِي بَيْتِهِ … ثُمَّ امْتَطَى غَلَسَ الظَّلَامِ الأَسْتَرِ
فَأُتي بِهِ كَفُرَيْجَ أَوْ كَأَبِي النَّدَى … وَالنَّاسُ بَيْنَ مُهَلِّلٍ وَمُكَبِّرِ
وَكَذَاكَ داود بْنُ حَمَّادَ اخْتَفَى … بَعْدَ الْإِجَابَةِ بِالْخَبِيثِ الْأَغْدَرِ
أَسَفِي عَلَى شُمْطَانِهِ إِذْ أَفْلَتَتْ … مَنْ سَائِقٍ يَشْتَالُهَا أَوْ مُجْرِرِ
أَلَّا أَرَى مَطَرًا يَطُوفُ بِنِصْفِهَا … وَالنِّصْفُ عِنْدَ محَلَّقٍ وَمُقَصِّرِ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن داود، عَنْ أحمد بْن أَبِي المُغيرة بْن أخضر، قَالَ: " كَانَ أحمد بْن أَبِي أُميَّة من أهل طَبْلُوهَة أوصى إلى يُونُس بْن عَبْد الأعلى، وإلى إبراهيم بْن الغَمر الغَسَّانيّ، وإلى ابن الريَّان العاري، وإلى أشعث بْن زُهَير ورجُل آخر: فأخبرني ابن قُدَيد، أن الرجُل الآخر، يُقال لَهُ: ابن الفُرات وخلَّف ابنةً لم يُخلِّفْ غيرها، فحمل الأوصياء المال، فأسرع منهم ابن الغَمر وقضى عَنْ نفسه دُيونًا كانت عَلَيْهِ، وردّ الباقون ما كَانَ بأيدِيهم من المال إلى يُونُس بْن عَبْد الأعلى، فطولب بِهِ عند محمد بْن أَبِي الليث، وشُهِد عَلَيْهِ بِهِ، فسجنه فِيهِ، فأخبرني ابن قُدَيد، أن الشاهدَين اللذَين شهِدا
стр. 318
عَلَى يُونُس: رجُل من أهل الحَمراء ثمَّ من أصحاب الحديث، وعبَّاس بْن الوليد الغافقيّ الَّذِي يُعرَف بالنقيّ، فلم يزَلْ يُونس فِي سِجن ابن أَبِي الليث من سنة بِضع وعشرين إلى سنة خمس وثلاثين ومائتين، فقدِم قَوْصَرة من عند المتوكّل مكتشّفًا عَن ابن أَبِي الليث، فأُخبر أن يُونُس بْن عَبْد الأعلى يشهَد عَلَيْهِ وهو فِي سِجنه، فبعث إلى يُونُس، فاستخرجه من السِّجن وسأَله عَن ابن أَبِي الليث، فقال: ما علِمت إِلَّا خيرًا.
قَالَ: فإنه قد سجنك مُنذ كذي وكذي سنة.
قَالَ: لم يظلِمني هُوَ إِنَّما ظلمني من شهِد عليَّ.
فخلَّاه قَوْصَرة ".
وأخبرني أحمد بْن محمد بْن سلامة، قَالَ: أقام يُونُس فِي سِجن ابن أَبِي الليث من سنة ثمان وعشرين إلى سنة خمس وثلاثين ثماني سنين
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: وأخبرني ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: " قدِم يزيد التُّركيّ رسولًا من قِبَل المُتوكّل فِي استخراج أموال الجَرَويّ، فأخرج ابن أَبِي الليث من سِجنه وأمره بالحكومة عَلَى بني عَبْد الحكَم، فحكم عليهم، وحكَم ليُونُس أَنَّهُ بريء ممَّا كَانَ بيده من وصيَّه ابن أَبِي أُميَّة، وشكر لَهُ كلامه لقَوْصَرة.
قَالَ ابن عثمان: فرأَيت فِي القضيَّة التي كتبها ابن أَبِي الليث ليُونُس وهذه الثلاثمائة الدينار تتِمّه الثلاثة والثلاثين الألف الدينار التي حكم بها القاضي محمد بْن أَبِي الليث عَلَى يُونُس بشهادة شاهدين عدلين عنده.
قَالَ الجَمَل لابن أَبِي الليث:
وَدَعَوْتَ أَصْحَابَ الْوَصَايَا بِالَّذِي … قَعَدُوا عَلَيْهِ من التُّراثِ الأَوْفَرِ
فَأَتَاكَ مَنْ خَشِيَ الْعِقَابَ بِمَالِهِ … وَطَوَى الْوَصِيَّةَ كُلُّ عَوْدٍ مُجْسَرِ
فَجَعَلْتَ أَطْبَاقَ السُّجُونِ بُيُوتَهُمْ … لَا يَأْنَسَونَ بِمُقْبِلِ أَوْ مُدْبِرِ
وَثَنَيْتَ وَحْدَتَهُم بِيُونسَ مُؤْنِسًا … وَفَتَى أَبِي عَوْنِ الْخَئُونِ الْأَكْبَرِ
طَرَحُوا لَها الْأَمْوَالَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ … وَلَقُوا السُّجُونَ بِقِعْدَةٍ وَتَبَصُّرِ
أَرْضَى لَهمْ ضَنْكَ السُّجُونِ وَضِيقَهَا … وَلَجَاجَ رَأْيِكَ فِي الأَلَدِّ الْأَفْخَرِ
لَمْ يُشْبِعِ الثُّلُثَانِ جُوعَ بُطُونِهِمْ … حَتَّى غَشُوا ثُلُثَ الضَّعِيفِ الْأَفْقَرِ
стр. 319
فَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ حَشَوْتَ بِبَعْضِهِمْ … وَعْرَ السُّجُونِ وَكُلَّ حَبْسٍ أَقْدَرِ
"
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بْن الحارث بْن مِسكِين، قَالَ: حَدَّثَنِي نصر بْن مرزوق، " أن سَعِيد بْن زياد الملقَّب بابن القَطاس، كَانَ من أهل الديانة، والفضل، وقد شهِد عند لَهِيعة بْن عيسى، وإبراهيم بْن الجرَّاح، وابن المُنْكدِر، وهارون، وكانت لَهُ حلَقة فِي المسجِد، فلمَّا ولِيَ ابن أَبِي الليث كَانَ لا يزال يبلغه عَنْهُ قبيح الدِّكر لَهُ فِي خلَواته، ثمَّ صار القَطاس يتكلَّم فِي المسجِد مَعَ جُلَسائه بسبّ ابن أَبِي الليث، والدُّعاء عَلَيْهِ، ورَميه بالبِدعة، وتنقّل ذَلكَ إلى ابن أَبِي الليث، فأحضره، فقال لَهُ: ما هذا الَّذِي بلغني عنك.
فأنكر القَطاس ذَلكَ، ثمَّ عاد إلى ذِكره أيضًا، وأتى إلى ابن أَبِي الليث رجُل، فذكر لَهُ، أن القَطاس مملوكٌ لم يجرِ عَلَيْهِ عِتق، وأقام ابن أَبِي الليث شُهودًا، فشهِدوا بذلك عنده "
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن قُدَيد، عَن ابن عثمان، قَالَ: " كَانَ القَطاس قد شهِد عند ابن أَبِي الليث، ثمَّ أوقفه بعد، وأقامه للناس، فأتى رجُل من الأزْد، يُقال لَهُ: ابن الأَبرش، فادّعى رقَبته، وأتى بالشهود يشهدون لَهُ عَلَى ذَلكَ، فحبسه القاضي خمسة أيَّام ثمَّ حكم بشهادتهم، وأمر بِهِ، فنُودي عَلَيْهِ، فبلغ دينارًا، فاشتراه محمد بْن أَبِي الليث، فأعتقه ".
قَالَ يحيى بْن عثمان: حضرت ذَلكَ
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني أحمد بْن محمد الطَّحاويّ، قَالَ: سَمِعْتُ محمد بْن الْعَبَّاس بْن الربيع، يَقُولُ: " ما علِمت أن أحدًا نزل بِهِ ما نزل بالقَطاس، قَالَ: فقلت لمحمد بْن الْعَبَّاس: أكان الشهود الذين شهِدوا عَلَيْهِ عندك ثقات؟ فقال: لا والله، ولكن ابن أَبِي الليث ردّ أمرهم إلى رجُلين أسماهما، فعدَّلا الشهود، فحكم عَلَيْهِ ابن أَبِي الليث بالرِّقّ ".
قَالَ أحمد بْن محمد بن سلامة أخبرني غير واحد من أهل الثِّقة، أن الشهادة كانت زُورًا
حَدَّثَنَا محمد بْن يوسف، قَالَ: أخبرني ابن قُدَيد، قَالَ: " أقبح ما أتى أهل المسجِد شهادتهم عَلَى القَطاس حتى باعوه، وعلى أَبِي عُلاثة حتى قتلوه.
قَالَ الجمَل لابن أَبِي الليث:
стр. 320
وَبَطَشْتَ بِالقَطّوسِ بَطْشَةَ قَائِمٍ … بِالحَقِّ غَيْرِ مُقَصِّرٍ وَمُبَذِّرِ
مَا زِلْتَ تَفْحَصُ عَنْ أُمُورِ شُهُودِه … فِي السِّرّ والْعَلَنِ الْمُبِين الْأَظْهَرِ
فَرَبَطتَّهُ فِي رِقّهِ وَمَنَعْتَهُ … يَطأَ الحَرَائِرَ وَهْوَ غَيْرُ مُحَرَّرِ
هذِي الْمُدَى وَهذِهِ أُذُنِي لَهُم … إِنْ جَاءَ فِيهِ بِغَيْرِ فَلْسٍ أَقْشَرِ
يُفْتِي وَيَنْظُرُ فِي الْمُكَاتِبِ دَائِبًا … والْعَبْدُ غَيْرُ مُكاتِبٍ وَمُدَبِّرِ
следующие страницы →