Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وأُنفِقْ ما جَمَعْتُ بأرض جَمْع ... وَأسْلُو بالحَطِيمِ عن الحُطامِ
وأنشدني الماندائي القاضي بواسط قول الحريري، في لزوم ما لا يلزم، وهو في المقامات، قال: أنشدنا لنفسه، وكان يروي عنه:
أَخْمِدْ بحِلمك ما يُذكيهِ ذو سَفَهٍ ... من نار غيظِك واصفَحْ إِنْ جَنَى جانِي
فالحِلمُ أفضلُ ما ازدانَ اللبيبُ به ... والأخذُ بالعفو أحلى ما جَنَى جانِي
وأنشدني أيضاً قوله:
بُنَيَّ استقِمْ فالعودُ تَنمي عروقُه ... قويماً ويغَشاهُ إذا ما الْتَوَى التَّوَى
ولا تُطِعِ الحِرصَ المُذِلَّ وكن فتى ... إِذا الْتَهَبَتْ أَحشاؤه بالطَّوى طَوَى
стр. 177
وعاصِ الهوى المُرْدِي فكم من محلِّق ... إِلى النّجم لمّا أَنْ أطاعَ الهَوى هَوَى
وَأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرَى ... على مَنْ إلى الحُرّ اللُباب انضوى ضَوَى
وحافِظْ على من لا يخونُ إِذا نَبا ... زمانٌ ومَنْ يَرْعى إذا ما النَّوى نَوَى
وإِن تقتدرْ فاصفَحْ فلا خيرَ في امرِئ ... ذا اعتلقت أظفارُه بالشَّوَى شَوَى
وإِيّاك والشَّكوى فلم يُرَ ذو نُهَى ... شكا بل أخو الجهلِ الَّذي ما ارعوى عَوَى
ومن شعر الحريريّ قوله في المقامات:
ولمّا تعامى الدَّهرُ وَهْوَ أبو الورى ... عن الرُّشد في إنحائه ومَقاصِدهْ
تعاميتُ حتّى قيل إِنّي أخو عمى ... ولا غُرْوَ أن يحذو الفتى حَذْوَ والِدهْ
وكتب إلى بغداد على يد بعض أولاده، إلى أنو شَرْوانَ الوزير، ابن خالد:
стр. 178
ألا ليتَ شِعري والتَّمنّي تَعِلَّةٌ ... وإن كان فيه راحةٌ لأَخي الكَرْبِ
أَتدرونَ أنّي مُذْ تناءت دِيارُكم ... وشَطَّ اقترابي من جَنابكم الرَّحْبِ
أُكابِدُ شوقاً ما يزالُ أُوارُه ... يقلّبُني بالليل جنباً على جنبِ
وأسكُبُ للبَيْن المُشِتِّ مدامعاً ... كأَنَّ عَزالِيها امْتَرَيْنَ من السُّحْبِ
وأذكُرُ أيّامَ التَّلاقي فأنثني ... لتَذْكارها بادِي الأَسَى طائرَ اللُبُّ
ولي حَنَّةٌ في كلّ وقتٍ إِليكمُ ... ولا حَنَّةَ الصَّادي إلى البارد العَذْبِ
فواللهِ إِنّي لو كتَمْت هواكمْ ... لمَا كان مكتوماً بشرقٍ ولا غربِ
وممّا شجا قلبي المُعَنَّى وشَفَّه ... رِضاكم بإِهمال الإِجابة عن كتبي
على أَنَني راضٍ بما ترتضونه ... وأفخَرُ بالإِعتاب منكم وبالعَتْبِ
стр. 179
ولمّا سرى الوفدُ العِراقِيُّ نحوَكم ... وَأعْوَزَني المَسْرَى إِليكم من الرَّكْبِ
جعلتُ كتابي نائباً عن ضَرورة ... ومَنْ لم يجِدْ ماءً تَيَّمَم بالتُّرْبِ
ونفَّذتُ أيضاً بَضْعةً من جوارحي ... لينبئكم عن شرح حالي ويَسْتَنْبِي
وقلتُ له عندَ الوَداعِ وقلبُه ... شَجٍٍ وأبوه الشّيخُ منكسرُ القلبِ
ألا ابشِرْ بما تَحْظَى به حين تجتلي ... مُحَيّا سديدِ الحضرةِ الأوحدِ النَّدْبِ
ولستُ أَرى إِذْكارَكم بعدَ خُبْرِكُم ... بمَكْرُمَة حَسْبي اهتزازُكُمُ حَسْبي
"وكان أنشدني (أبو طراد، عنان، بن أحمد، بن محمد) عن (أبي العباس) عن أبيه، ثم سمعنا من (أبي العباس) "، وأنشدنا (أبو العباس، محمد) ولده لوالده صاحب "المقامات":
ومخطف الخصر، للألباب مختطف ... تهفو الحلوم، لما فيه من الهيف
ما جال للطرف لمح من ملامحته ... إلا كسا من حلاه أملح الطرف
стр. 180
ولا رأى غُصنّه الميّاسَ ذو شَرَف ... إلا وظلَّ من البلوى على شَرَفِ
كم من أخي خَطَرٍ أمسى على خَطَر ... من حبّه وانطوى منه على دَنَفِ
أعتَدُّ عِرفانَه أَسنَى العَتادِ كما ... أرى حفاوَتَه بي أفضلَ التُّحَفِ
فلست أنسى تلاقينا بخَيْف مِنىً ... وقولَه لي بذاك الخَيْف لا تَخَفِ
وحِلفَه بالصَّفا إِنّ الضَّمير صفا ... وإِنّه لي إِلى حينِ الوفاة وَفِي
وقد توسَّمْت سِيما الصّدقِ فيه فإِنْ ... يُخْلِفْ ظُنوني فكم في النّاس من خَلَفِ
ونشدت له قصيدة في وصف سعد الملك وزير السلطان
стр. 181
محمد بن ملك شاه، رحمهم الله تعالى وهي ذات تجنيس.
طَيْف أَلَمَّ به وَهنْأ فأحياهُ ... لمَا حَباه برَؤياه ورَيّاهُ
سرى إليه يُسَرِّي الهَمَّ عنه فما ... أَسَرَّهُ عندَ مَسْراه وأسراهُ
أَعَجِبْ به كيف وافَى غيرَ محتشِمٍ ... ومَنْ هداه وَأهداه وهدّاهُ
من بعدِ ما كان عَنَّى المُسْتَهامَ به ... حتّى استهلَّتْ لمِا عاناه عيناهُ
ظبيٌّ له مُرُّ إِدلالٍ يقبِّحْهُ ... وإِنّما الحسنُ جَلاه وحَلاهُ
أزورُه وَهْوَ مُزوَرٌّ وأَنصَحُه ... ويستريبُ وأغشاهُ وأخشاهُ
في كلّ يومٍ له إِضرامُ مَلْحَمة ... يَصْلَى بها مَنْ تولاه ومالاهُ
стр. 182
حُسامُه حين يسطو لَحْظُ مُقْلَتِهِ ... لكنّ صارِمَه جَفْناه جَفْناهُ
وزُجُّه يومَ يبدو الطَّعن مُسْتَعِراً ... أَزَجُّهُ وقَناه فيه أَقناهُ
يرعى القلوبَ ولا يرعى لِعاشقه ... ولو أَلَبَّ بمغَنْاه وَأغناهُ
وقَلَّما لاحظَ المعشوق عهد هَوىً ... وإِنْ أخو الوجدِ واتاه وآتاهُ
وعُذَّلٍ فيه لي لو أَنَّهُم نظَرُوا ... وكيف زانَ اللَمى فيه لمَا فاهوا
فقلت لا تَعْذُ لوا فيمن تغضُّبُه ... يُردي المحبَّ ولو حَيّاهْ أَحيْاهُ
لو حاوَرَ الفَطِنَ النِّحْريرَ حارَ له ... ولاحَ للصّخر خَدّاه لَخَدّاهُ
стр. 183
وعيشِه وَهْوَ في شرع الهوى قَسَم ... إِنّي على بُعد مَهْواهُ لأَهْوَاهُ
ويزدهيني تَزاهي وَرْدِ وَجْنَتِه ... وإِنْ حمانيَ مَجْناه ومَجْلاهُ
وكم تعرَّضَ للقلب المعذَّب من ... مستعذَب الدَّلّ لَوْلاهُ لَوَالاهُ
يا صاحِبَيَّ انْهَدا بي نحوَ معهدِه ... فالقلبُ صَبٌّ بمَرْآهُ ومَرْعاهُ
واستخبِراهُ بلطف مَنْ أَباح له ... نقضَ العهودِ وأقساهُ وأقصاهُ
واستعطِفاهُ لِمَتْبُولِ الفؤادِ لَقىً ... عساه يُنعِش مُلْقاه بمَلْقاهُ
فإِنْ سختْ لي يداه فاشكُرا يدَهُ ... وإِنْ سَطَتْ بيَ كَفّاه فكُفّاهُ
واستصرِخا بنصيرِ الدّين تعتلقا ... من الذِّمام بأَوْفاهُ وَأوْفاهُ
هو المُجيبُ دْعَا الدّاعي فكم أَمَلٍ ... نادى نَداهُ فأنضاهُ وأمضاهُ
وكم إليه لَجا من دهره وَجِلٌ ... فعَمَّهُ الأَمْنُ إِذْ أَلْجاه والْجاهُ
стр. 184
طَوْدٌ أَشَمُّ فأَمّا حِينَ تسألُه ... فما أَرَقَّ مُحَيّاهُ وَأحيْاهُ
يُعطيك عفواً هنيئاً إِنْ هفوتَ وإنْ ... جشَّمَتَهُ الصَّعبَ سَنَّاهُ وَأسْناهُ
لا بالضَّجُورِ إذا طافَ الوفودُ به ... ولا الضَّنِينِ بجَدْواهُ وعَدْواهُ
قد جَرَّبَتْ يُمْنَ يُمْناه العُفاةُ كما ... تعوَّدت يُسْرَ يُسْراهُ أَساراهُ
وسائلٍ ليَ عن مَغْناه قلتُ له ... قولاً يحِقّقُ عن مَغناه مَعْناهُ
هو النُّضَارُ المُصَفَّى سِرُّ جوهرِه ... والنّاسُ من بعدُ أَشباهٌ وأَشباهُ
قَيْلٌ علا قُلَّةَ العلياء منفرداً ... من الفخار بأَسْماهُ وسِيماهُ
لو عاش يحيى أو الفضلُ ابنهُ وبَغَى ... محلَّه لَتَخطّاهُ وخَطّاهُ
стр. 185
مؤيَّدُ الرَّأيِ والرّاياتِ معتضِدٌ ... باليُمْن والنَّجْحُ مغْزاه ومَغْزاهُ
مُغْرىً بنُصرة دينِ اللهِ منتدبٌ ... لِوَقْمِ مَنْ كان ناواهُ وقاواهُ
توطَّدَ الملكُ إِذْ وُلِيّ إِيالتَهُ ... واستبشرت حينَ راعاه رَعاياهُ
وقامَ بالأمر مُذْ نِيطت عُراه به ... قيامَ مضطلعٍ قَوّاهُ تقواهُ
وأذعنَ العدلُ حتّى أَمَّ مذهبَه ... مَنْ كان قِدماً تعدّاه وعاداهُ
стр. 186
وجدَّدَ الجودَ حتَى لاحَ مَعْلَمُهُ ... للمُجْتَدِينَ وطَرّاه وَأطْراهُ
فالدِّينُ والملكُ والأَقوامُ قاطبةً ... راضونَ عن سعيه واللهِ واللهُ
سعدَ الملوكِ استمعْ مدحاً أُتِيتَ به ... من خادمِ لك أنشاه ووَشّاهُ
يُثني عليك وقد حَفَّتْ لُهاكَ به ... ثناءَ راضٍ بما أولاه مولاهُ
ولو خلا فكرُه ممّا تَوَزَّعَهُ ... أهدى من الشِّعر أَعلاه وأَغلاهُ
لكِنّ خاطرّهُ المشدوهَ بَلْبَلَهُ ... صَرْفُ الزَّمانِ وَأَصْداه وَأصْداهُ
وأنت أنت فغَفْراً إِن عثَرتَ على ... عيب فذو الفضل ما استَوْراه واراهُ
ورُبَّ نُعماك عندي فالكريم إِذا ... ما أُودِعَ العُرْفَ والاهُ ووالاهُ
стр. 187
واشدُدْ يداً بِسديدِ الحضرة اليَقُظِ الْ ... أَمين فيما تولاه وولاهُ
فاقَ الرّجالَ بأخلاق مهذَّبة ... وفاتَ مَنْ كانَ جاراه وباراه
ودانَ بالنُّصح حتّى لا خَفاءَ بما ... أخفاه منه وأبداهُ وَأدّاهُ
وكافِهِ منك بالحُسْنَى فمَنْ خَبَرَ الْ ... كافي المُناصِحَ واستَكْفاه كافاه
ودُمْ مَنيعَ الحِمى مستمتعاً أبداً ... من النَّعيم بأَصْفاهُ وَأضْفاهُ
ما أَمَّ وجِهةَ بيتِ الله معتمِرٌ ... يمحو بخَطْوِ مَطاياه خَطاياهُ
وله:
كم ظِباءٍ بحاجِرِ ... فتَنَت بالمَحاجِرِ
ونفوسٍ نفائِسٍ ... جُذِرتْ لِلْجَآذِرِ
وشُجونٍ تظافرتْ ... عندَ كشفِ الظَّفائرِ
وتَثَنٍّ لخاطرٍ ... هاجَ وَجْداً بخاطري
стр. 188
وعِذارٍ لأَجله ... عاذِلي صارَ عاذِري
وشَطاطٍ لأجله ... شَطَّ إِدلالُ هاجِري
وقوله:
رِئمٌ برامَةَ قد أقام قيامتي ... بقَوامه واقتادَني بِزمامِهِ
لولا احْوِرارُ جُفونِه ما حارَ لي ... لُبٌّ ولا بَلْبَلْتُهُ بمَرامهِ
يَزْوَرُّ خوفَ رقيبهِ وقريبهِ ... من أَنْ يُحَيِّيَ مُسْلِماً بسلامهِ
ولو أنَّه حَيّا لأَحَيْا مُهْجَتي ... وَأسا كُلومَ حُشاشَتِي بكلامهِ
فبليَّتي من عينِه وعيوينه ... وشِكايتي من قومه وقَوامهِ
وله:
أودعَ القلبَ بَلابِلْ ... رَشَأٌ من أرض بابِلْ
عدَلَ الحسنُ عليه ... وَهْوَ عن عدليّ عادِلْ
стр. 189
غادرٌ غادَرَ دمعي ... مُهْمَلاً في الخدّ هامِلْ
طال فيه اللَوْمُ والسُّؤْ ... مُ ولم أَحْظَ بطائلْ
كلَّ يومٍ هو صائلْ ... بالغَدايا والأَصائلْ
ومُدِلٌّ بتَجَنّ ... مالَه فيه دلائلْ
فاسْلُ عمّن هو سائِلْ ... عن غِيلاً للغَوائلْ
أيُّ نفعٍ بوِصالٍ ... من جميلٍ لا يُجامِلْ
وللحريري رسالتان: سينية وشينية نظماً ونثراً، أحب إثباتهما: فأما السينية، فإنه كتبها على لسان بعض أصدقائه، يعاتب صديقاً له، أخل به في دعوة دعا غيره إليها، وكتب عليها: القاسم سليل أبي الحسن:
(بسم السميع القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح. سيرة
стр. 190
سيدنا الاسْفِهْسَلاَر السيد النفيس، سيد الرؤساء، سيف السلطان - حرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه، واتسق أنه - استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومؤاساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب. والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس تدارس الألسن سلاسة خندريسه وسلسال كؤوسه، ومحاسن مجلس مسرته، وإحسان مسمع سيارته، فاستسلفت السراء، وتوسمت الاستدعاء، وسوفت نفسي بالاحتساء، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل، وأستشرف الرسل، وأستطرف تناسي رسمي، وأسامر الوسواس لاستحالة اسمي.
стр. 191
وسيفُ السَّلاطينِ مُسْتأثِرٌ ... بأُنسِ السَّماعِ وحَسْوِ الكؤوسِ
سَلانِي وليس لباسُ السُّلُوِّ ... يناسبُ حُسنَ سِماتِ النَّفِيسِ
وسَنَّ تناسيَ جُلاّسِه ... وَأَسْوَا السَّجايا تَناسِي الجليسِ
وسَرَّ حسودي بطمس الرُّسُوم ... وطمسُ الرُّسُومِ كرَمْسِ النُّفوسِ
وَأسكرني حسرةً واستعاضَ ... لِقوته سَكرةَ الخَنْدَرِيسِ
وساقى الحُسامَ بكأس السُّلافِ ... وَأسْهَمَني بعُبوسٍ وبُوسِ
سأكسوهُ لِبْسَةَ مُسْتَعْتَبٍ ... وَألبَسُ سِربالَ سالٍ يَؤوُسِ
وَأسطُرُ سِيناتِه سِيرةً ... تَسيرُ أساطيرُها كالبَسُوسِ
وحسبُا السلام وسلامه على رسول الإسلام) .
стр. 192
والشينية: كتبها إلى أبي محمد طلحة بن النعماني الشاعر، لما قصد البصرة يمدحه ويشكره ويتأسى على فراقه. وهي: (بإرشاد المنشيء أنشيء. شغفي بالشيخ شمس الشعراء) ريش معاشه وفشا رياشه، وأشرق شهابه، واعشوشبت شعابه - شغف المنتشي بالنشوة، والمرتشي بالرشوة، والشادن بشرخ الشباب، والعطشان بشبم الشراب. وشكري لتجشمه ومشقته وشواهد شفقته، يشاكه شكر الناشد للمنشد، والمسترشد للمرشد، والمستشعر للمبشر، والمستجيش للجيش المشمر. وشعاري إنشاد شعره، وإشجاء المكاشر
стр. 193
والمكاشح بنشره. شغلي إشاعة وشائعه، وتشييد شوافعه، والإشادة بشذوره وشنوفه، والمشورة بتشفيعه وتشريفه. وأشهد شهادة المشنع المكاشف، المقشر الكاشف، لإنشاؤه يدهش الشائب والناشي، ويلاشي شعر الناشي ولمشافهته تباشير الرشد،
стр. 194
واشتيار الشهد، ولمشاحنته تشقي المشاحن، وتشين المشاين، ولمشاغبته تشظي الأشطان، وتشيط الشيطان، فشرفاً للشيخ شرفاً، وشغفاً بشنشنته شغفاً.
فأشعارُه مشهورةٌ ومَشاعِرُهْ ... وعِشرتُه مشكورةٌ وعشائرُهْ
شَأَى الشُّعَراءَ المُشْمَعِلَينَ شعرُهُ ... فشانيهِ مَشْجُوُّ الحَشا ومُشاعِرُهُ
وشوَّهَ ترقيشَ المُرَقَشِ شعرهُ ... فأشياعُه يشكونَهُ ومَعاشِرْهُ
стр. 195
وشاقَ الشَّبابَ الشُّمَّ والشِّيبَ وَشْيَهُ ... فمنشورُهُ بُشرى المَشُوقِ وناشرُهُ
شَمائلُه معشوقةٌ كشَمْولهِ ... وشِرّيبُهُ مستبشرٌ ومُعاشرُهْ
شَكُورٌ ومشكورٌ وحَشْوُ مُشَاشِهِ ... شهامةُ شِمِّيرٍ يَطيشُ مُشاجِرُهْ
شَقاشِقُه مَخْشِيَّةٌ وشَباتُه ... شَبا مَشْرَفيٍّ جاشَ للشَّرّ شاهرُهُ
شفَى بالأَناشيد النَّشاوَى وشَفَّهم ... فمُشفِيه مستشفٍ وشاكيهِ شاكرُهْ
ويشدو فيهتشُّ الشَّحيحُ لشَدْوِه ... ويَشْغَفُهُ إِنشاده فيُشاطرُهْ
стр. 196
تجشَّمَ غِشيْاني فشرَّدَ وحشتي ... وبشَّرَ مَمْشاهُ ببِشرٍ أُباشرُهْ
سأُنشِدِه شعراً تشرّقُ شمسُهُ ... وأشكُرُه شكراً تَشِيعُ بشائرُهْ
وأشهد شهادَةَ شاهدِ الأشياء، ومُشبِع الأحشاء ليُشْعِلَنَّ شواظ اشتياقي شحطه، وليشعشن شمل نشاطي نشطه. فناشدت الشيخ أيشعر باستيحاشي لشسوعه، وإجهاشي لتشييعه، ووشايتي بنشيده الموشين وتشكلي شخصه بالإشراق والعشي؟ حاشاه، تعتشيه شبهة وتغشاه، فليستشف شرح شجوي لشطونه، وليرشحني لمشاركة
стр. 197
شجونه، وليشغلني بتمشية شؤونه، ليشد جاشي، ويشارف انكماشي. عاش منتعش الحشاشة، مستبشر البشاشة، مشحوذ الشفار، منتشر الشرار، شتاماً للأشرار، شحاذاً بالأشعار، يشرخ ويحوش، فينتقش المنقوش، بمشيئة الشديد البطش، الشامخ العرش، وتشريفه لبشير البشر، وشفيع المحشر) .
وله مما ذكره في المقامات، هذه الأبيات المشتملة على التجنيس:
وأحوى حَوَى رِقَي برِقَّةِ لفظهِ ... وغادَرَني إِلْفَ السُّهادِ بغَدْرِهِ
стр. 198
تصدًَّى لِقتلي بالصُّدودِ وإِنَّني ... لَفي أسْرِه مُذْ حازَ قلبي بأَسْرهِ
أُصدّقُ منه الزُّورَ خوفَ ازْوِرارِه ... وَأَرضَى استماعَ الهُجْرِ خِيفةَ هَجْرهِ
وأستعذبُ التّعذيبَ منه وكُلَّما ... أَجَدَّ عذابي جَدَّ بي حُبُّ بِرّهِ
تناسى ذِمامي والتَّناسي مَذَمَّةٌ ... وَأحْفَظَ قلبي وهو حافظُ سِرّهِ
له منّيَ المدحُ الّذي طابَ نَشْرُهْ ... ولي منه طَيُّ الُودِّ من بعدِ نَشرهِ
ولولا تَثنّيهِ ثَنَيْتُ أَعِنَّتي ... بِداراً إلى مَنْ أجتلي نورَ بدرهِ
وإِنّي على تصريف أمري وأمره ... أَرى المُرَّ حُلْواً في انقيادي لأمرِهِ
стр. 199
ومن رسائله، وقد اختصرناها: (إذا كانت المودات أنفس المرام المخطوب، وأنفع ما اقتني لدفع الخطوب، فلا لوم على من استعفى قدمه لطلبها، واستنطق قلمه لخطبها، لا سيما إذا كان مما يعجب المتأمل، ويسعف المؤمل، كمودته التي تضرب بها الأمثال، وتسجل على أن ليس لها مثال. هذا، وأنا على المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصفات في المصافاة، أشفق من اشتباه لتراخي خدمتي، وأعترف بوجوب معاتبتي، وأعتذر من معظم هفوتي، لتمادي جفوني. ولولا أن لمفتاح حضرته وقفة المتهيب، وخجلة القطر الصيب، لما استهدف قلمي لمرامي الكلام، ولاستنكف أن يكون سكيتاً في حلبة الأقدام. وها هو الوقاح، وتعرض وعرض للافتضاح، وللرأي الشريف بالإيعاز، بتأمل هذا الإيجاز، بما يبين عن كرم الاهتزاز، مزيد الاعتزاز، إن شاء الله تعالى.
واهاً لفضلك يا مَنْ شادَ مِقْوَلُهُ ... مجداً كما شادتِ العليا مَقاوِلُهُ
فافخَرْ ببيتيك بيتٍ أنت وارثُهُ ... عن القَبُول وبيتٍ أنت قائلُهُ
أَبِيتُ أرعى نُجومَ الليلِ من قلق ... عليك لا من هَوىً تنزو بَلابِلُهُ
وأشتكي منك ما تشكو ولا عجبٌ ... إذا اشتكى الرّأسُ أن تشكو قبائلهُ
وما صديقُك إلا مَنْ تجنَّبَ ما ... جانبتَهُ وأتى ما أنت فاعلُهُ
стр. 200
ما إِنْ ترى غيرَ ذي وجهينِ ظاهرُه ... رَوْحٌ وباطنُه تَغْلِي مَراجِلُهُ
يَغْشى أخاه إذا طابت منازلُهُ ... وينزوي عنه إن نابت نَوازِلُهُ
وصل الجواب الفُلاني دام ممليه، متلألئةً لآليه، حالية معاليه، مهتزة عواليه، معتزة مواليه، وخلته كتاب الأمان من الزمان، فتلقيته كما تتلقى يد الإنسان صحف الإحسان، وصكاك العطايا الحسان. لا، بل كما تتلقى أنامل الراح كاسات الراح، من أيدي الصباح في نسمات الصباح. وما زلت أتمتع بحلي ودرر، ووشي وحبر، ومُلَح وزهر، ونكت وفقر، ومثل وخبر، وأبياتٍ غرر، ودعاءٍ مستطر، إلى ما فيه من إقالة عثار، وتزيين آثار، وتجميلِ معار، وتغطية عوار وعار. فلله ما جمع فيه من أنوار ونوار، ونضيرٍ ونضار، وتحسين وإحسان، ومعين ومعان، ومثله
стр. 201
بسعادته، وإن كان الفذ الفرد في سيادته، من يعرف ويعترف، ويدري كيف يغترف، ويهتدي إلى حيث يحترف، ويعلم من أين تؤكل الكتف) .
وله:
(النصحاء رجلان: فأحدهما موثوق بمودته، مسكون إلى عقيدته فهو مشكور على التبرع بالنصح، ومحمود ولو أصلد في اقتداح النجح. والآخر مذبذب بين الباب والدار، مردد بين الإيراد والإصدار، فنصح هذا منظوم في سلك الفضول، محجوب عن خلوة القبول. فإن وزن سيدنا نصحي بمثقاله، ونزهه عن استثقاله، فقد لمحه بعين الإصابة، وآمنني روعة الاسترابة. وإن حال دون اشتباه أو اعتراض، فقد أديت في شرعه المودة المفترض، وإن لم يطابق الغرض) .
وله من أخرى: (وصل من فلان - حرس الله مجده، وأسعف جده، وأرهف حده، وأرغم عدوه وضده - كتاب، تجلى لناظر العين، كتجلي نضار العين، وأجلت الطرف منه في روض أضحكه الوابل، وعدم فيه الذابل. لا، بل في عقدٍ أودع الفرائد، وأعجز الرائد، وقلت: لله
стр. 202
القلم السديدي، فما أبدع توشيته! وأحسن نشأته! وأمضى في البراعة والبلاغة مشيتهّ! واعترف بما أولانيه، شيد الله معاليه، من إطراء عطر تغلى بغواليه، وحلى عطلي بلآليه، ولولا أن الإغراق في هذا الفن، معرض لإساءة الظن، لاستوعبت فيه البيان، ولأتعبت الأقلام والبنان. وهذا شوط، إن أجري القلم فيه لم يردعه سوط. وليس من سنة الأدب، ولا في شرعة القرب، أن يشتغل عن الجليل بالجلل، وباستعراض الشمل عن الحلل. وإذا أهلني لتكرمةٍ مؤثلةٍ، وخدمةٍ مؤملةٍ، سعيت وباهيت، وفي الشكر تناهيت) .
وله من أخرى: (من حل محل المجلس - أسعد الله جدوده، وأجد سعوده، وشيد علياءه، وأيد أولياءه، ونصر راياته وآراءه: من المجد الذي رست أعلامه، وانتشرت أعلامه، والحسب الذي سرت أنباؤه،
стр. 203
وسروت آباؤه وأبناؤه، والفخر الذي عزت مساماته، واعتزت به سماته - باهت الوسائد بسيادة مكانه، وتاهت المساند إذا أسندت إلى أركانه.
والخادم - على تنائي خطته، وتقاصي خطوته - ممن يخلص في الولاء، مذ حظي بتلك الخدمة العلياء ويثق بلطائف الإرعاء، كما يعتكف على إقامة وظائف الدعاء) .
وله من تعزية بموت الإمام المستظهر، وتهنئة بخلافة المسترشد: (للدهر - أعز الله أنصار الديوان العزيز، وأدام له مساعفة الأقدار، ومضاعفة الاقتدار، وإيلاء صنائع المبار، والاستيلاء على جوامع المسار - خطوب متفاضلة القيم، كتفاضل ما ينشئه من الغمم، وضروب متفاوتة الدرج، بحسب ما تفنيه من المهج. فأعظمها إيلاماً للقلوب، وإضراماً للكروب، واستجلاباً للواعج الغموم، وإيجاباً للوازم الحزن على العموم - رزء تساهم فيه الأنام، وأظلمت ليومه الأيام، وكان في معاهد
стр. 204
الخلافة ناجماً، وعلى سدة الإمامة المقدسة هاجماً، كالفجيعة بطود الدين الشامخ، ودوحة المجد الباذج، وبحر الكرم الزاخر، وقبلة المآثر والمفاخر، واهاً له خطباً كاد يشيب منه الأطفال، وتنشق الأرض وتخر الجبال.
غير أن الله نظر لأصناف عبيده، ومن على أهل توحيده، باستخلاف المسترشد بالله. ولولا هذه المنحة التي انتاشت الدين، وجبرت مصاب المسلمين، لفسدت الأرض (ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين) . نشر الله في الخافقين أعلام دعوته، وحلى تواريخ السير بمناقب سيرته، وحقق آمال المستسعفين والمستضعفين في إسعافه ونصرته.
وقد التزم الخادم من شرائط هذين الأمرين المقدورين، والمقامين المشهورين، ما يلتزمه المباهي بإخلاص الطاعة، المتناهي في الخدمة المستطاعة) .
ومن أخرى: (ولما أهل للتشريف الذي عقد حبا التجميل نيله، وجاوز ربا التأميل سيله، أعظم وقع ما خص به من التنويه، وهن نفسه بمفخرة النبيه. وإذا بهر مطلع النعمة للمتأمل، ورجح وزنها على ظن المؤمل، حار عند تبلج نورها الفطن، وحصر عن درس صحف شكرها
стр. 205
اللسن. ومن الله تعالى نستمد التوفيق لإمراء أخلاف الإحسان، ومقابلة صنوف الإنعام بشكر المساعي لا اللسان) .
ومن أخرى: (قد أوضح الخادم من مواقع اجتهاده مالا يأمن أن يشتبه معرضه، أو يستسر فيه غرضه، وهو يعتذر عنه بما اعتذر المعتصم إلى المأمون في تصدير كتاب إليه، في فتح كان عول فيه عليه: كتبت كتاب منه لخبر، لا معتد بأثر) .
стр. 206
ومن أخرى: (الخادم معترف بالصنيعة التي هو بها مغبوط ومغتبط، وفي سلك نشرها وشكرها مخترط. غير أنه مع اختصاصه بمزية الإرعاء، واستخلاصه للخدمة والدعاء، لو اتضح ضيق مخنقه، وتنوع التقصد لعلقه، وعز في حقه بما يؤذن بصفاء رنقه، وإقامة رونقه، وفك ما نطوق من الدين بعنقه) .
أخرى من مطالعة:
(أعز الله أنصار المجلس الفلاني، وظاهر مزيد علائه، وأسبغ ظلال آلائه، وقرن بالنصر معاقد آرائه، وأرغم بالقهر معاطس أعدائه. عرف تصدي جماعة لخطبة النظر، وبذلهم إظهار حسن الأثر، فإن ندب له من يجمع بين الشهامة والنزاهة انحسمت مواد الضرر. ومن سوء الاتفاق استخدامه في الوقت النكد، وحيث يشتبه اجتهاد المجتهد. وإن لم ينعم بالتفحص عن مقام كل ممن الجماعة في لوازم استخدامه، وما عذق باهتمامه، لم يتميز المتيقظ من الناعس ولا المجتهد
стр. 207
من المتشاكس. فإن اشتبه اجتهاده للشوائب المتوالية، والمقادير التي ليست بمتوانية، فما تخفى على الله خافية. ولا غنى عن التوقيع إلى فلان بما يضمن التحذير والتبصير، ويحض على التشمير لا التقصير، ليتجرد في المعاملة على حفظ الفتيل والنقير. على أن الخادم لم يفسح في مد اليد، إلى الدرهم الفرد، من الارتفاع المستجد. هاهنا شواظٌ قد التهب، وحنق برز بعدما احتجب. وقد كانت هذه البقعة بمثابة روضة غناء، وعروس حسناء، فاستحالت هذه الحال، واعترض شجاً منع من المقال. وفي جملة أدوية هذا الداء العضال أن يوعز عند حسم مادته، وقطع عاديته، بإنشاء ما يقرأ على المنبر من إدحاض التأويلات، وإلجام ما فغر من أفواه الرعاة. وإلا انبسط العدوان، وخربت المشان، ولم يبق من ذوي المسكة بها إنسان، والله المستعان) .
стр. 208
ومن أخرى: (لما أهل الخادم للتشريف الذي بيض صحيفة الظن، وجبر مكاسر الوهن، قدر الإنعام حق قدره، وتناهى في التباهي بفخره، ولئن كان بده ممن لا شبهة في عاره وعره، بما أنساه من شوائب دهره، فلقد سبب له من التجمل ما نوه بذكره. فالله تعالى يوفقه لكل ما يؤذن بظهور قربه، ويقتني به الذخر لعقباه وعقبه) .
ومن أخرى: (ما يزال يعاني من مداراة الأهواء المتقلبة، والأطماع المتشعبة، ما هو منه في مكايدة متعبة، ومناظرات ملتهبة. وتوخي الإمساك يؤثم، والانصباب على الخصام يؤلم، والمواصلة بإنهاء مثل ذلك تسئم، وستنضح الحقائق، ويتبين الماخض والماذق) .
ومن أخرى: (جعل الله الدولة مشرقة الأزمنة، حالية بالمناقب البينة، متلوة المآثر بجميع الألسنة، مبثوثة الممادح بكل الأمكنة) .
ومن أخرى: (أحوال الأعمال، منقلبة إلى الاختلال، والضامن كل يوم في كروب،
стр. 209
والرعية بين مرعوب ومنكوب، والمطامع في ذلك متسعة، والقدرة على حسم هذه المواد ممتنعة) .
ومن أخرى: (ولعمر الله إن المشار إليه ما ينزع عن ضلالته، ولا يتقي غائله غوايته) .
ومن أخرى: (وحاش لله أن يكون بهذه الصفة، أو يضع مثقاله في هذه الكفة) .
ومن أخرى: (وفي جملة هذه النواحي من لا يرتدع بالوعيد، ولا يوهن حتى يرى العذاب الشديد، واستبان ما عليه فلان من الإصرار على الإضرار، والاجتهاد في العناد والإفساد) .
ومن أخرى: (ولم يزل يسرج من المشورة ويلجم، ويبرهن عن وجه الرأي ويترجم، إلى ن تمثلا الصلح، واستصوبا النصح. وكان في حسبان
стр. 210
كل أحد أن حبل الالتئام قد انعقد، وشرر الخصام قد خم، فتولد ما أوغر الصدور، وجدد النفور) .
ومن أخرى كتبها إلى سعد الملك مع القصيدة التي تقدمت: (دعاء العبد للمجلس الفلاني - دامت جدوده سعيدة، وسعوده جديدة، وعلياؤه محسودة، وأعداؤه محصودة - دعاء من يتقرب بإصداره، على بعد داره، ويقصر عليه ساعاته، مع قصور مسعاته. وشكره للإنعام الذي أوصله إلى التجميل والتأميل، وجمع له بين التنويه والتنويل، شكر من أطلق من أسره، وأذيق طعم اليسر بعد عسره. ولو نهضت به القدمان، وأسعده عون الزمان، لقدم اعتماد الباب المعمور، وأسرع لغيه إسراع العبد المأمور، ليؤدي بعض حقوق الإحسان، ويتلو صحف الشكر باللسان. لكن أنى ينهض المقعد؟ ومن له بأن يصعد فيسعد؟ ولما قصرت خطوة العبد، وحرم حظوة القصد، ولزمه مع وضوح العذر، ن يفصح عن الشكر - خدم بما ينبئ عن فكره المريض، ويشهد بطبع طبعه في القريض. ولولا أن الهدية على حسب مهديها، وبه تعلق مساويها، لما قدر أن يهدي الورق إلى الشجر، ويبيض شعراً كبياض الشعر. هذا، على أن ذنب المعترف مغفور، والمجتهد وإن أخطأ معذور. وهو يرجو أن يلحق بمن نيته خير من عمله، ليبلغ قاصية أمله. وللآراء
стр. 211
العلية في تشريف مدحته بالاستعراض، وصون خدمته للأعراض، وتأهيله من مزايا الإيجاب، والجواب بما يميزه عن الأضراب، مزيد العدو) .
وله من أخرى:
(لم يزل لله تعالى في اقتبال كل زمان، وإقبال كل سلطان، نظرة تفرج الغمم، وتبهج الأمم، وتنير الظلم، وتديل المظلوم ممن ظلم. وقد أعاذ الله تعالى هذه الدولة القاهرة، والأيام الزاهرة، أن يغضى فيها عن ولاة الجور، ويرضى فيها للعبد بالحور بعد الكور، (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) . وللرأي العالي بالمغوثة، الجالبة للمثوبة وحسن الأحدوثة، مزيد الشرف) .
أخرى: (ولم تتأخر مطالعته عند تبلج بدرها، وتأرج نشرها، غلا لتهيب الاقتصار على خدمة القلم، مع وضوح العذر في قصور التمكن عن السعي بالقدم، نائباً عن تلاوة صحائف التهنية، وإقامة وظائف الأدعية) .
ومن أخرى: (وإن قصرت خدماته بالقدم والقلم، وحرم لسوء الحظ اعتمار حرم
стр. 212
الكرم، فهو ممن يرى طاعة الدار العزيزة نسكاً يؤذن بتزكية الأعمال، وغرساً يثمر سعادة لأولي الآمال. ولولا ما يصدفه من تهيب الإنهاء، والأخذ بأدب من يقتصر على الخدمة والدعاء، لما اقتنع لنفسه بحرمة التنويه، والاعتماد على الاستشهاد فيما ينويه) .
ومن أخرى لما قتل سعد الملك الوزير: (ثم إنه صدع بهذا الخطب الحادث، والخبر الكارث، وهو في سورة وجوم، ومساورة غموم، فذهل عن رزئهم الطري، وجرى الوادي فطم على القري، فلما انجلت الغمة، وتجلت النعمة، انسرى كربهم الذي بطن، وكمدهم الذي كان علن، (وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)) .
ومن أخرى في تعزية: (ووصل ما شرف به مبشر الأنباء المبهجة، والسعادة المتبلجة، ثم أخذ في استخبار القاصد عما خبر ونظر، واستمع واطلع، وكأنه استثار به
стр. 213
الزفرات، والحنين إلى أوقات الملاقاة، ولم يزل الخادم يستوضحه ويستشرحه، وينافثه ويباحثه. وكلما هم بالقيام، وقطع الكلام، لزم أذياله، وأنشده البيت الذي كان قاله، من ضاهت حاله حاله:
وحَدَّثتَني يا سَعْدُ عنهم فزِدْتَنِي ... جُنوناً فِزدْني من حديثك يا سَعْدُ
وعرف في ضمن مناجاته، واستشراح روزنامجاته، ما اعترض من الشائبة الممضة، والفجيعة بتلك الريحانة الغضة، فوجد مس هذا الرزء، وأخذ منه بأوفى جزء. على أن ما يشوب صفو المنح، ويقذي كاس الفرح، يحل محل التميمة، للنعم الجسيمة، ويسلي أولي البصيرة السليمة، إذا ما أحمد قط دوام الصفو، كما لا يحب استمرار الصحو. وفي سلامة النفس الشريفة مسلاة للقلوب، ومسراة للكروب، تصغر نازلة الخطوب، وتصفح للأيام عن الذنوب) .
ومن أخرى: (وعنده من تباريح الاشتياق إلى الخدمة ما يصدع الأطواد، فكيف
стр. 214
الفؤاد؟ ويوهي الجبال، فكيف البال؟ إلا أنه يستدفع الخوف بسوف ويرد الأسى، بعسى، (وهو على جمعهم إذ يشاء قدير) كتاباً قرنه بفضل نفث فيه قلمه، وتشكى ما يؤلمه، وظن أن الرعاية الشريفة، لا زال مولانا يبلي السنين ويستجدها، ويمتري التهانيء ويستمدها، وكقميص يوسف في عين يعقوب، رفع ناظره المغضوض، وبسط باعه المقبوض) .
ومن أخرى: (لو اطلع مولانا على ما فاجأ البصرة، من الفتك والقهر، والنهب والأسر، إلى ما منوا به من الشتات، وافتضاح الخفرات، وإحراق المساكن والخانات، وانتشار الفساد، إلى قرى
стр. 215
السواد، لرأى منظراً يحرق الأكباد، ويبكي العين الجماد. وقد أشرفت البصرة على العفاء، واللحاق بالصحراء؛ وأن يؤرخ اندراسها في هذه الدولة الغراء، إذْ كان توالي عليها من الأحداث، في هذه السنين، ما يدمر أعمر البلدان، ولم يعهد مثله في سالف الزمان. فإن نعم وعجل النظر للرعية، بترتيب النجدة القوية، وإسقاط معاملة الذرب، في الهرب من العرب، فلا خفاء بما في تنفيس الكرب، من القرب) .
ومن أخرى:
(من حل محل المجلس، في المجد الذي بهرت أضواؤه، والفضل الذي انتشرت أنباؤه، والفخر الذي صدعت آياته، والشرف الذي ارتفعت راياته، جل أن يهنأ برتبة وإن علت، وترخص عنده قيمه كل حظوة وإن غلت. فلا زال أبداً يستجد المراتب، ويستمد المواهب، ويرتقي المراقب، ويقتني المناقب، وأمتعه الله بما أولاه، وطرف عين الكمال عن علاه، وجمل جيد الزمان بحلاه. ولولا أن خادمه يرى سنة الإغباب، أعلق بأدب ذوي الآداب، لتابع خدمه متابعة السحب، وأعرب عن ولائه عما هو أنور من الشهب. لكنه يشفق من مغبة
следующие страницы →