Полный текст (344 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بني حَرامِ الصيِّدَ إن جئتَهُمْ ... بِالبصرة الفيحاءِ ذاتِ الرِّحابْ
أَبلغْ سلامي قاسماً إِنَّه ... دعا فؤادي شوقُهُ فاستجابْ
أَعني الحَرِيرِيَّ فوَجْدي به ... وَجْدُ الصَّدِي الظّامِي ببرد الشَّرابْ
قد حلَّ من قلبي على نَأْيهِ ... بينَ السُّوَيْداءِ وبينَ الحِجابْ
سمِعت بالبحر سَماعاً وقد ... يُقالُ فيما قيل عنه عُجَابْ
وقد رأيت الدُّرَّ لا قيمةٌ ... له وفي الدُّرّ الَّذي فيه عابْ
وابنُ الحَرِيرِيّ وألفاظُه ... بحرٌ ودُرٌّ ليس فيه مَعابْ
له المقاماتْ التّي لم تكن ... لابن قُرَيْبٍ لا ولا ابنِ الحُبابْ
стр. 142
وابنُ عَطا واصِلْ لو رامَها ... لَجاءَ بالرّاء مَجيءَ اجتلابْ
تشهَدُ بالنُّبْل له والحِجا ... شهادةَ الزَّهْرِ لوَدْقِ السَّحابْ
أُقسِمُ باللهِ لَقِدْماً أتت ... عن أدبٍ جَمٍّ وصدرٍ رُحابْ
وكم له من كلمات غدت ... في الشَّرق والمغربِ ذاتَ اغترابْ
لا يعمل المزْهَرُ إلا بها ... كأنّما تحدو الحُداةُ الرِّكابْ
стр. 143
وليس بالمنكرَ منه الحِجا ... والبحرُ لا يُنْكَرُ منه العُبابْ
وإِنْ غدا ينسُبُ آباءَه ... خوطاً وعَتّاباً معاً أو شِهابْ
أعطته قيسٌ بعدَها خِنْدِفٌ ... بيتَ العلى السّامي وعتِْقَ النِّصابْ
من معشر تَمَّتْ تَمِيمٌ بهم ... فالأَصلُ إِمّا طابَ فالفرعُ طابْ
هم المَصالِيتُ ليومِ الوَغَى ... وطاعنو الفُرسانِ تحتَ العُقابْ
وهم لَدَى طِخْفَةَ فَلُّوا الظُّبَى ... واسترعفوا الخَطِّيَّ يومَ الكُلابْ
стр. 144
وشيَّدوا المجدَ بأسيافهمُ ... في يوم ذِي قارِ ويومَيْ أَرابْ
وَأتْأقُوا كأسَ الرَّدَى فاحتسى ... منها وقد عافَ مُراراً ذُؤابْ
لمّا تغنَّى شيخُه معلنا ... بالشِّعر كان الثُّكْلُ فيما استطابْ
يا ابنَ عليٍّ أنت فخرُ الحِجا ... وصَفْوَةُ العِلمِ الَّتي لا تُشابْ
أنت ثِمالُ الأدبِ المُقْتَنى ... ومطلعُ العلمِ الَّذي كان غابْ
وعندَك الحُكمُ السَّرِيُّ الَّذي ... لا يُمتَرى فيه ولا يُستَرابْ
стр. 145
يَرضَى به الله وبعضُ الورى ... يكرَهُهُ والحكمُ شُهْدٌ وصاب
قد اكتسبَ العملَ المرتَضَى ... والعلمَ نِعْمَ الذُّخُرُ والاكتسابْ
وفُقْتَ أهلَ العصرِ بل مَنْ مضى ... في كُلِّ فنٍّ من فنونٍ وبابْ
يَفْدِيك يا قاسمُ من يدَّعي ... مَعْ جهلِه الحُكمَ وفصلَ الخطابْ
يَدْأَبُ كي يُحْسَبَ من أهله ... وَهْوَ إِذا فُتِّشَ شَرُّ الدَّوابْ
رغِبْتُ في وُدّك إِنّي امْرُؤٌ ... لا أرتضي إلا الصَّرِيحَ اللُبابْ
يَعي مقالَ الصّدقِ سمعي ولا ... يزالُ ذا وَقْرٍ لقولِ الكُذابْ
جاءتك بِكْرُ الشّعرِ مُختالةً ... في الكَرْمِ من حَلنيِ النُّهَى والسِّخابْ
أَصِخْ سَماعاً واجْعَلَنْ مَهْرَها ... جوابَ شعرٍ منك نِعْمَ الجوابْ
والقصيدة التي للحريري في جواب قصيدة أحمد بن أبي الفتوح ولزم فيها لزوم ما لا يلزم. هي:
стр. 146
عَرِّجْ لك الخيرُ صُدورَ الرِّكابْ ... على رُباً كُنَّ مَغاني الرَّبابْ
وقِفْ بها وِقفةَ مُسْتَعبِرٍ ... يَسِحُّ فيها الدَّمعَ سَحَّ الرَّبابْ
فسُنَّةُ العُشّاقِ أَنْ يُعْوِلُوا ... في منزل الحِبِّ إذا الحِبُّ غابْ
يا حَبَّذا تلك الرُّبا من رُباً ... ظِباؤُها أَفْتَكُ من أُسْد غابْ
يَعْجِزُ من يَسْرَحُ أَلحاظَه ... فيها ولو كانَ الذَّكيَّ النِّقابْ
من كلِّ هَيْفاءَ رَؤُودِ الخُطا ... واضحةِ الجِيدِ نَجُولِ النِّقابْ
وتَستبي اللُبَّ بدَلَ الصِبا ... ومَطْعَمُ الإِدلالِ حُلوٌ وصابْ
كأَن ذاك العهدَ من حسنه ... روضٌ هَمى المُزْنُ عليه وصابْ
стр. 147
أو خُلْقُ نجمٍ الدَّولةِ المقتني ... فضلاً شَأَى الشِّيبَ به والشَّبابْ
تاهَ به المجدُ ولا تِيهَ مَنْ ... يسحَبُ أَذيالَ الغِنى والشَّبابْ
طَلْقُ المُحَيّا مُسْتَهِلُّ الحَيا ... مهذَّبُ الأَخلاقِ من كلّ عابْ
ما عِيبَ للفضل اللُباب الَّذي ... حوى ولا من أدب النَّفْسِ عابْ
أَوْفَى على قُسٍّ بياناً وفي ... روايةِ الآدابِ فاقَ ابنَ دابْ
يَدِينُ بالصّدق وطُوبى لمَنْ ... أمسى وَأضحى وله الصَدقُ دابْ
ويومَ تُذْكَى الحربُ يَزرِي على ... عُتَيْبَةٍ بل حارثٍ بل شِهابْ
стр. 148
تخالُهُ والسَّيفُ في كفّه ... ملتمعاً بدراً تلاه شِهابْ
زانَ بني ليثٍ على أَنّه ... عندَ طِرادِ الخيلِ ليثٌ يُهابْ
كأنّه السَّهمُ انصلاتاً متى ... يُدْعَى به في مَأقطِ أو يُهابْ
من معشر لم تَرَ في دَوْحهم ... أصلاً وفَرعاً غيرَ طابِ ابْنِ طابْ
زَكَوْا عُروقاً وحَلَوْا مُجْتَنىً ... والمُجْتَنَى يحلو إذا الغرسُ طابْ
ذِمارُهم أمنعُ للملتجي ... إليهِمُ من شامخات العِقابْ
ونارُهم نارانِ نارٌ بها ... يُجتلَب الضَّيفُ ونارُ العِقابْ
стр. 149
فهذه يَشقَى بها من بَغَى ... وهذه يَحظَى بها من أَنابْ
كأنَّما نَشْرُ أحاديثهمْ ... نَشْرُ عبيرٍ فاغمٍ أو أَنابْ
فقُلْ لمن يَبْغي مُباراتَهم ... دُونَ الَّذي حاولتَ شيبُ الغُرابْ
فغُضَّ طَرْفاً عن مُباراتِهم ... فذِرْوَةَ الغارب يعلو الغُرابْ
شَتَان ما بينَكُمُ مثلَما ... شَتّانَ ما بينَ جوادٍ وجابْ
يا لَيْتَ شِعري هل مُؤَدٍّ إلى ... أحمدَ شكراً سارَ عنّي وجابْ
أهدى ليَ النَّظمَ البديعَ الَّذي ... يَنْسابُ في السَّمعِ انسيابَ الحُبابْ
أزرى بما نَقَّحَهُ جَرْوَلٌ ... وحاكَهُ والِبَةُ بن الحُبابْ
стр. 150
فلم أَزَلْ أرتَعُ في روضِه الْ ... حالي وأتلُوه كَأُمّ الكِتابْ
للهِ ما أهدى وكم مِنَّةٍ ... أسدى بتأهيلي لذاك الكِتابْ
أطربَني طِرْبَةَ خِدْنِ الصِّبا ... من بعدِ ما أَخْلَسَ فَوْدِي وشابْ
ونَمَّ عنه بوِدادٍ صفا ... وكم أَخٍ غَشَّ هواه وشابْ
فاستخلص الشكرَ ووُدّاً رَسا ... في القلب كالنَّصْل رَسا في النِّصابْ
واهاً له خِّلاً يُباهى به ... وما جِداً مَحْضاً كريمَ النِّصابْ
стр. 151
بلَّتْ يدي منه بما لم يكن ... يَخْطِرُ في الوَهْم ولا في الحسابْ
وفُزتُ بالصَّفْوةُ من وُدّه ... مَفازةَ العَطا العَطاءَ الحسابْ
فَلْيَهْنِني الحظُّ الَّذي حُزتُه ... منه بلا كَدٍّ ولا قَرْعِ بابْ
وَلْيَهْنِهِ منّي الثَّناءُ الَّذي ... حبَّرْتُ في تصنيفهِ ألفَ بابْ
خُذْها أبا العبّاسِ طَنّانةً ... ورُبَّ شِعرٍ طَنَّ منه الذُّبابْ
عارضتُ فيه بغِراري الصَّدِي ... غِرارَك العَضْبَ الصَّقيلَ الذُّبابْ
وقد أتَتْ نحوَك تَهْوِي إلى ... فِنائِك الرَّحْب هُوِيَّ العُقابْ
كأنَّها عُجباً بمقصودها ... أميرُ جيشٍ سارَ تحتَ العُقابْ
فأَوْلِها منك رِضىً ساتراً ... عُوّارَها فَهْوَا أَجَلُّ الثَّوابْ
стр. 152
وابْقَ مَرِيعَ الرَّبْعِ ما عَسَّلَتْ ... نحلٌ وما احْلَوْلى مَذاقُ الثَّوابْ
ولا تَلُمْني إِن تراخَتْ خُطا ... عن التَّلاقي أو تراخَى جوابْ
فكم لصَوْبِ السَّيْلِ من تَلْعَةٍ ... تعوقُ مَجْراهُ وكم من جَوابْ
وأنشدني له القاضي أبو القاسم عمر بن الباسيسي أبياتاً، كتبها إليه وقد أهدى أقلاماً واسطية:
يا أبا القاسمِ الَّذي حازَ في العل ... م فنوناً أَربت على الإِحصاءِ
تارةً في القضاء تُدْعى وتُدْعى ... تارةً في أفاضل البلغاءِ
وإِذا ما جريتَ في حَلْبَة الشّع ... رِ تقدَّمْتَ سابقَ الشَّعراءِ
ولك الحظُّ في التُّقَى الوافرِ القَس ... مِ إذا عُدَّ معشرُ الأتقياءِ
لو بنو وائلٍ لَقُوك بِسَحْبا ... نَ نَفَوْهُ من جملة الفصحاءِ
стр. 153
ومنها في صفة الأقلام الواسطية:
قد بعَثننا بها رِشاقاً دِقاقاًً ... كالقَنا في لُدونة واستواءِ
قُطِعتْ عندَما طلوعِ سُهَيْلٍ ... إذْ وجَدنا طِيباً لحُلو الهواءِ
لم تُغادَرْ حتَى تَجِفَّ ولكنْ ... قطَعُوها فيها بَقِيَّةُ ماءِ
من قِصار ومن طِوال تُضاهِي ... في تمامٍ أَصابعَ العَذْراءِ
تركتْ بعضَها كما خَلقَ الل ... هُ وبعضاً عَلَّتْهُ بالحِنّاءِ
فابْرِها ثُمَّتَ اسْقِها النِّفسَ واكتُبْ ... بسَوادٍ منه على بيضاءِ
لِترى في ابن مُقلَة المُقَلِ النَّقْ ... صَ وتُملي ثناكَ في الإِملاءِ
وأنشدني ابن الباسيسي له، من قصيدة سمعها منه في مدح المظفر بن حماد:
стр. 154
ما صَرَمت حبلَك النَّوارُ ... إلا وقد أَخلسَ العِذْارُ
وللغَواني عن كلّ شيبٍ ... تجانُفٌ ومنه وازْوِرارُ
كان لها بالشَّبابُ أنسٌ ... فلم يُشِبْني لها نِفارُ
وقد أراني لهنَّ قِدْماً ... طوعَ يدي العِقدُ والسِّوارُ
إِن زُرتُ أكرمنني وإِن لم ... أَزُرْ فمنهنّ لي ازديارُ
كان شبابي من العواري ... وطالما رُدَّ مستعارُ
ومنها في مدحه:
إذا أراد الإلهُ خيراً ... بمَعْشر إِذْ له الخِيارُ
وَلَّى عليهم أَميرَ صِدقٍ ... له التُّقَى والنُّهَى شِعارُ
مثلَ ابنِ حمّادَ ذي الأيادي ... ومَنْ به يُمْنَعُ الّذِمارُ
ومَنْ إليه في كلّ خَطْبٍ ... تُخافُ أَحداثهُ يُشارُ
إنْ خَفَّ في النّائبات قومٌ ... زيَّنَه الحِلمُ والوَقارُ
وأنشدني الموفق، بن الباسيسي قال: أنشدني الأمير أبو الفتوح لنفسه من قصيدة في مدح عفيف أولها:
أمِن جميلةَ رسمٌ غيرُ مسكونِ ... قفرُ المَعالمِ من أَترابِها العِين
стр. 155
ومنها يصف بعض الخارجين المتطرّقين إلى واسط وقد هزَمَه الممدوح، وعبَر في الماء وراءَه:
قادَ الجِيادَ من الزَّوٍْراء شازِبةً ... قُبَّ الأَياطِلِ جُرْدَاً كالسَّراحينِ
فالجيشُ كالسَّيْل أو كالليل منتجِعاً ... أرضَ العدوِّ على الطَّير المَيامينِ
فيه الأَسِنَّةُ من فوقِ الرِّماحِ كما ... رأيتَ ألْسِنَةَ الرُّقْشِ الثَّعابينِ
كالليث يتلو سِنانَ الرُّمحِ منصلتاً ... مسنونَ غَرْبٍ يُراعي أُمَّ مسنونِ
فبات جيشُ العِدا في واسِط وَجِلاً ... منه يحاذر بأساً غيرَ مأمونِ
فانصاع للجانب الشَّرْقيّ منهزماً ... من ليثِ غابٍ بثَدْيِ الحربِ مَلْبُونِ
تَصَوُّراً أَنَّ عَبْرَ النَّهْرِ يُعجِزُنا ... عنهم لظّنٍ بغيرِ الحّقِ مظنونِ
стр. 156
هناك قام عفيفٌ بالَّذي قعَدت ... عنه الرِّجالُ برأيٍ غيرِ موهونِ
رماهُمْ بالكُماة الغُلْبِ قد لبِست ... من كلّ زَغْفٍ دِلاصِ السَّرْدِ موضونِ
والخيلُ في العَبْرِ تتلوهم مبادِرةً ... في كلّ فُلْكٍ كُرْكنِ الطَّوْدِ مشحونِ
كأنَّما قيلَ يا ريحُ اسكُني بهِمُ ... ولا تَعَرَّضْ بهِمْ يا بردَ كانُونِ
فعندَها راحةُ المَلاّحِ ما حضرت ... والرِّيحُ لم تَثْنِ قصَد الفُلكِ للدِّينِ
لو أَنَّ جَيْحُونَ يومَ العبرِ عَنَّ لنا ... مكانَ دِجْلَةَ لم نَحْفِل بجَيْحُونِ
أعزَّ ذو العرشِ حزبَ الله وانسدلتْ ... على الطُّغاةِ ثيابُ الذُّلِّ والهُونِ
ترى أَسِنَّتَنا في النَّقْعِ تتبَعُهمْ ... مثلَ النُّجومِ رُجوماً للشياطينِ
تدبيرُ ألْوَى من الفِتيانِ مضطلعٍ ... بالحرب يمزُجُ خَشْنَ المَكْرِ باللينِ
стр. 157
لولا جُيوشُ بني العبّاس لا بَرِحَتْ ... عزيزةَ النَّصرِ في عزٍّ وتمكينِ
ما وَحَّدَ اللهَ فوقَ الأرض من أحد ... ولا سمِعنا لعَمْرِي صوتَ تأذينِ
ومنها:
ورُبَّ يومٍ من الهَيْجاء محتدِمٍ ... بالدَّم منسجمٍ بالنَّقْع مدجونِ
يَنْدَى حُسامُك فيه والسِّنانُ معاً ... في النَّقْع من دمِ مضروبٍ ومطعونِ
أَجَرْتَ واسِطَ من جور وقد مُنِيَتْ ... من الوُلاة بحَجّاج وطاعون
فاسلَمْ فإِنّك برهانُ الإمام إِذا ... تنافس النّاسُ في أعلى البراهين
стр. 158
أخوه الأمير مُضَرُ
بن أبي الفتوح بن أبي الجبر
قال جمال الإسلام ، بن الباسيسي: إنه كان أصغر من الأمير أحمد، وله شعر أيضاً.
وأنشدني له:
ما لي رِضيتُ الهُوَيْنَى واقتنعتُ بها ... كأنَّ سيفيَ مسلولٌ بغيرِ يدي
أُعْطَى القليلَ ولا آبى تقَبُّلَه ... كالصَّقْرِ قَنَّعَه القَنّاصُ بالصُّرّدِ
стр. 159
القاضي العدل أبو القاسم عمر بن الحسن بن أحمد بن الباسيسي
جمال الإسلام
من أهل الغَراف.
شيخ فاضل متميز، عاقل متعزز.
كان المظفر بن حماد يثق غليه ويعتمد في أشغاله عليه، إذ رآه ثقة وعدلاً، حوى أدباً وفضلاً. وكان في كنفه في البز يتعيش ويعيش، ويبري سهام رياشه ويريش.
هل ضَفا إلا رِداءٌ يُوّشِّي رِيٌّ ورُوَاءٌ ما يُنشِد ويُنشي.
في آخر عهد المقتفي لأمر الله نُكِب، وفاجأه أمر أمَرُّ صعب مر،
стр. 160
ما ظن ولا حسب، وأخذت منه خمس مئة دينار مصادرة، وكانت قصصه عن غصصه إلى العرض الأشرف واردة صادرة، حتى يئس وانحدر، وأقام بواسط يذم القاسط.
وبدأني بالمكاتبة نظماً ونثراً وعمل فيِّ شعراً، يبغي التعارف بيننا، فأجبت عن شعره بمثله، ثم حضر فحاورته، فكان غصن حواره حلو الجنى.
ومما أنشاه وحبره ووشاه، كلماتٌ منثورة، عكسها منظوم، وهي: (الأيام تنزع، ما فيها المرء يجمع. آثامٌ مجموعها، دارٌ الضر منفوعها. أصنامٌ أربابها، حتى عز ثوابها. إجرامٌ مكسوبها، لكن عم مسلوبها. إظلامٌ صباحها، دنيا قل فلاحها، أغتامٌ قوامها، لما نيل حطامها) .
ومقلوبها نظماً:
حُطامُها نِيلَ لَمّا ... قُوَامُها أَغتامُ
فلاحُها قَلَّ دنيا ... صَباحُها إِظلامُ
مسلوبُها عَمَّ لكنْ ... مكسوبُها إِجرامُ
ثوابُها عزًّ حتَى ... أَربابُها أَصنامُ
منفوعُها الضُّرُّ دارٌ ... مجموعُها آثامُ
يجمِّعُ المرءُ فيها ... ما تَنزِعُ الأَيّامُ
فعملت ارتجالاً في فنها، وما يكاد ينظم إلا تكلفاً، ويجد الخاطر فيه تعسفاً، وهي أيضاً تقرأ مقلوباً:
стр. 161
(بالأوطار لهيت، لكن نفسك ألهيت. النار فيها ألهبت، إذْ شهوتها طلبت. بالأعذار قدمت، لما ذنبك قدمت. الدار هذي عمرت، حتى عمرك هدمت. غدارٌ بالفتى الدهر، ويقصر العمر. مثتارٌ جناهما، مستعار كلاهما. إصدارٌ إيرادها، دنيا قل ودادها. إضرارٌ طِباعها، ضاريات سباعها. إنكار عرفانها، جائرات جيرانها. إبدار نقصانها، عندي الربح خسرانها. غرار غيريها، مستقل كثيرها. أطوارٌ أوطارها، دائرات أدوارها، أغمارٌ ناسها، فاعلم البأس لباسها. الأبصار والقلوب ذهل، البصائر غفل. الأسفار طالت، ومنها السفر توالت. للأنذار حذارِ، صعب فالأمر بدار العار أنفِ، والثراء أفن، والثناء أقن. الدينار أنفق، وأحسن ولهاك فرق. الأنصار ما لي، فما لي أكثر مالي؟ مختار لي الشكر، وخير عندي الذكر. الأقدار تنتج، ما عني الهم يفرج) .
ومقلوبها نظماً:
أَلْهَيْتَ نفسَك لكنْ ... لَهِيتَ بالأوطارْ
طلَبْت شهوتَها إِذْ ... أَلْهَبْتَ فيها النّارْ
قدَّمْت ذَنبَك لمّا ... قَدَّمْتَ بالأَعذارْ
هَدَمْتَ عمرَك حتّى ... عَمَرْتَ هذي الدّارْ
стр. 162
العمرُ يقصُرُ والدَّهْ ... رُ بالفتى غَدّارْ
كِلاهُما مستعارٌ ... جَناهُما مُشْتارْ
وِدادُها قَلَّ دنيا ... إيرادُها إصدارْ
سِباعُها ضارياتٌ ... طِباعُها إِضرارْ
جاراتُها جائراتٌ ... عِرفانُها إِنكارْ
خُسرانُها الرِّبْحُ عندي ... نُقصانُها إِبدارْ
كثيرُها مُسْتَقَلٌّ ... غَرِيرُها غَرّارْ
لِباسُها البأَسُ فاعلَمْ ... فناسُها أَغمارْ
غُفْلُ البصائرِ ذُهْلُ ال ... قلوبِ والأَبصارْ
توالتِ السَّفْرُ منها ... وطالتِ الأسفارْ
بَدارِ فالأمرُ صعبٌ ... حَذارِ للإنذارْ
اقْنِ الثَّناءَِ وَأفْنِ الثَّ ... راءَ وانْفِ العارْ
فَرِّقْ لُهاك وَأحسِنْ ... وَأنفِقِ الدِّينارْ
ما لي أُكثِّرُ ما لي ... وما ليَ الأنصارْ
الذِّكرُ عنديَ خيرٌ ... والشُّكْر لي مختارْ
يفرِّجُ الهمَّ عندي ... ما تُنْتِجُ الأَقدارْ
وكتب إليَّ ب "واسط"، وأنا مشرف كالنائب في أعمال الوزير (عون الدين، بن هبيرة) ، يستزيدني في معنى أدراره. فكتبت جوابه، وسمعت في تعجيل أدراره.
стр. 163
والذي كتب:
يدُلُّ على جودِ الفتى وسَدادِه ... محافظةُ الأَضْرابِ في القُرب والبُعدِ
فإِن هو أمسى والياً زاد وُدُّه ... ولا خيرَ في والٍ يَحِيدُ عن الوُدِّ
لعَمْرُك إِنَّ العلمَ والفضلَ نِسْبَةٌ ... مؤكَدةٌ توْفِي على نَسَب الجّدِ
يُميتُ الفتى الفعلُ القبيحُ وإِنْ غدا ... يجرِّرْ أذيالَ الحياةِ إلى الوُجْدِ
وما كنتُ أدري والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأَنَّ عماد الدِّينِ ذا الجودِ والمجدِ
يقصِّرُ في شيء أكونُ شفيعَه ... إليه فدَعْ حالاً أخَصُّ بها وحدي
وفي ذاك لو أعطى البَصيرةَ رَبُّها ... غَضاضةُ ذِكرٍ للمُنيل الَّذي يُسْدي
إذا ما أبى الإِنفاذَ نائبُ صاحبٍ ... لمرسومه استدعى المَذَمَّةَ للمجدِ
فجودُ الوزيرِ الأَرْيَحِيِّ إذا همى ... عدَلْتُ به فيضَ الفُراتِ إلى المْدِّ
стр. 164
مَليكٌ حوى علماً وحِلماً ونائلاً ... وتقوى وإحساناً يزيدُ على العَدِّ
له الشَّرَفُ المَحْضُ الَّذي طالَ سَمْكُه ... وسُؤدُدُه يُنبي عن الحسب العِدِّ
توالت أَيادي الجِسامُ برِفْدهِ ... إذا قصَّرَ الأقوامُ للبُخل عن رِفْدِ
حلا عِرضُهُ من كلّ ذامٍ وعائبٍ ... كما قد خلا من كلّ شِبْهٍ ومن نِدِّ
متى صلَدَتْ زَنْدٌ عن القَدْح في نَدى ... فما زندُه عن شَحَّة القَدْحِ بالصَّلْدِ
تفرَّدَ بالإحسانِ فَهْوَ وَحِيدُه ... ولم يُحرزِ الإِحمادَ غيرُ فتىً فَرْدِ
لقد ذلَّلَتْ مُستصعَبَ المالِ كفُّهُ ... لسائله فالمال في هيأة العبدِ
وما هو بالمُكْدِي على طالبِ اللُها ... إِذا سُئِل المعروفَ أَنْعَبَ بالكَدِّ
يرى أَنَّ فعلَ الخيرِ ضربةُ لازم ... عليه وما عن فعل ذلك من بُدِّ
стр. 165
ترحَّلْتُ عن بغدادَ أَشكُرُ فضلَه ... وإحسانَه شكراً يَزِيدُ على الحَدِّ
سأشكُره شكراً يفوحُ ثناؤه ... فتَلْحَظُه يُوفِي على المسك والنَّدِّ
تَلافَ عمادَ الدِّينِ إصلاحَ ما مضى ... ولاتَكُ ممّن لا يُعِيدُ ولا يُبْدي
فبيتُك معروفٌ وفعلُك صالحٌ ... وعِرضُك موفورٌ عن الذَّمّ بالحمدِ
فكتبت جوابها إليه ارتجالاً، فأنفذته إليه:
أُعيذُك يا ذا الفضلِ ممّا يَشِينُهُ ... وذا المجدِ ممَا لا يَليقُ بذي المجدِ
تُفَرِّدُنِي بالعتب دونَ عِصابةٍ ... تَفَرَّدُ عنّي بالإِجابةِ والرَّدِّ
ومن نائباتِ الدَّهرِ أَنِّيَ نائبٌ ... وما لي يدٌ في حَلِّ أمر ولا عَقْدِ
إذا لم يكن يوماً لَدَى البأسِ لي يَدٌ ... فلا حَمَلَتْ كَفّي لمَكْرُمةٍ زَنْدي
وإِن لم أكن أَقضي حقوقَ ذوي النُّهَى ... فمن ذا الَّذي يَقْضي حقوقَهُمُ بعدي
стр. 166
ولو أَنَّني أُعطِيتُ سُؤْلي من العلى ... لكنتُ لمِا أُخفيهِ من سرّها أُبدي
ولست بما فيه أنا اليومَ قانعاً ... ولكنْ من العلياء أغدو على وعدِ
بواسِطَ مُكْثي لانتظارِ مَواعدٍ ... لها ولِيومٍ يمكُثُ السَّيْفُ في الغِمدِ
سأَعْزِمُ عزمَ الماجدينَ برِحلة ... أُصَوِّبُ فيها نحوَ مَنْقَبَةٍ قصدي
وما فضَلَ الهِنْدِيُّ إِثراً وقيمةً ... حدودَ الظُّبى حتّى تناءت عن الهِندِ
وما أنصفَ العلياءَ مَنْ خَصَّ أهلهَا ... بذمّ وهم أهلُ الثَّنا وذَوُو الحمدِ
أولي الفضلِ باسِيسِيُّكُمْ خصَّ بأسه ... عتاباً بمن يرجوه في الوُدّ للرِّفْدِ
فأَهْدُوا له عنّي عِتاباً لَعلَّه ... على حادثات الدَّهرِ يُعْتِب أو يُعْدِي
أنارت مساعيهِ المنيرةُ فاغتدى ... لها كلُّ مَنْ يَبْغي السَّعادةَ يستهدي
أَمُستفرِغاً في عَتْب مثليَ جَهْدَه ... وفي شكره ما زِلتُ مُستفرِغاً جَهْدِي
стр. 167
تجرَّعْتُ كأسَ العتب مُرّاً وإِنّما ... لِوْدِّك عندي كان أحلى من الشُّهْدِ
وإِنّ اعتدادي بالوِداد لَصادقٌ ... لَدَيْك فلِمْ كذَّبْتَ آمالَ مُعْتَدِّ
أَفي العدل أَنَّ الوصلَ يَحْظَى به العِدا ... وبالعَذْل أَحْظَى والعلاقةُ بي وحدي
أيا عُمَرُ المعمورُ قلبي بوُدّه ... أتَهدِمُ بُنْياناً عَمَرْتُ من الوُدِّ
تأَمَّلْ حسابي ثمَّ عُدَّ فضائلي ... فمجموعُها يُنْبيك عن حَسَبي العِدِّ
لقد كسَدَتْ سُوقُ الفضائلِ كلِّها ... وللْهَزْلُ أحظى في الزَّمان من الجِدِّ
ولستُ أرى إلا كريماً يَفِرُّ من ... لئيمٍ وحُرّاً يشتكي الضَّيْمَ من عبدِ
وما لي سِوَى ظلِّ الوزيرِ ورأيِهِ ... مَلاذٌ ومأمولٌ على القرب والبُعدِ
قد ابْيَضَّ حظّي في ذَراهُ وإِنَّني ... مُسَوَّدُ مَجدٍ حظُّه غيرُ مُسْوَدِّ
وبي حَصَرٌ عن حَصْرِ أَنواءِ بِرِّه ... وما تدخُلُ الأَنواءُ في الحصر والعَدِّ
وإِنعامُه عندي عن الحدّ زائدٌ ... وشكري له شكرٌ يَزيدُ عن الحدِّ
стр. 168
وأنشدني لنفسه، بغدادَ سنة إحدى وخمسين وخمس مئة:
إنَّ دائي في رض بغدادَ مُذْ أَشْ ... فيتُ فيها لم أَلْقَ مَنْ يُشْفِيني
ولو أنّي يَمَّمْتُ عالِجَ أو يَبْ ... رِينَ وافى مُعالِجٌ يُبريني
وأنشدني لنفسه، في اللغز وهي الخِلالة:
ما ذاتُ رأسَيْنِ أُنثى ... بغيرِ فَرْجٍ صغيرَهْ
رَشيقةٌ قد بَراها ال ... باري فجاءت قصيرَهْ
تُلازِمُ الخِدْرَ إلا ... في وَجْبَةٍ للعشيرَهْ
فتنثني بعدَ أَسْرٍ ... على الثَّنايا مُغيرَهْ
ما لامستْ كفَّ فحلٍ ... إِلا ورُدَّت كَسِيرَهْ
فاكشِفْ غِطاها فليست ... على الذَّكْيّ عَسِيرَهْ
стр. 169
وأنشدني أيضاً لنفسه، في اللُغْز، وهو الرمح:
يا أخا الفضلِ والبلاغةِ والمُظْ ... هِر سِرَّ العلومِ بعدَ احتجابِ
أيُّ شيءٍ نشا من الخَطّ والعا ... مِلُ فيه مقصِّرٌ في الحساب
وَهْوَ في الكُتْب لا يزالُ ولا تَلْ ... حَظهُ مَعْ مُصَنَّفٍ وكِتابِ
نازحٌ عن مَواطنِ الوحشِ والثَّعْ ... لَبُ فيه مجاورٌ للعُقابِ
وَأصَمّ إِذا مدحت وهذي ... صفةٌ فاكشِفَنْه لي عن صوابِ
وبيانٌ أُرِيدُهُ لك فيه ... عَسَلٌ غيرُ نافعٍ مستطابِ
وتَراهُ مع الملوك وفي المَوْ ... صِلِ يبدو إِليك من كلّ بابِ
قال: إنما خصصت المَوْصِلَ تعميةً وإلا ففي كلّ بلد يكون وأيضاً فإنَّ الرِّماح مع العرب في الشَّرْق، ولا تخلو المَوْصِل منهم.
وأنشدني لنفسه أيضاً لُغْزاً في الجرادة وهو:
وطائرةٍ من الشَّجَرِ ... تُرَى في البَدْوِ والحَضَرِ
لها ذَكَرٌ وتفضُلُه ... وليس البِنتُ كالذَّكَر
إِذا ما رِجلُها انقطعت ... أتت رِجلٌ على الأَثَرِ
وإنْ وَرَدَتْ إلى بلد ... فما للوِرْدِ من صَدَرِ
стр. 170
وَأدَّى به التَّظَلُّم المُفْرِط، والتَّأَلُّم المُسْخِط، إلى أن تَجَنَّى عليه ابن البَلَدِيّ، فاختلق له جُرماً، واعتقله ظلماً، فمات في حبسه، وذلك في سنة اثنتين وستين وخمس مئة، أو ثلاث.
стр. 171
علماء البصرة وأفاضلها وأدباؤها وأماثلها
стр. 172
الحريري صاحب المقامات
أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، الحريري، من أهل البصرة.
стр. 173
سار فضله في الآفاق، بين المقيمين والرفاق، وطلعت ذكاء ذكائه في المغرب والمشرق، وامتلأت ببضائع فوائده ونواصع فرائده حقائب المشئم والمُعْرِق.
وشي بلاغة الحريري ذهبي الطِراز سَحْبانِيُّ الإِعجاز، قُسِّيُّ الإِسهاب والإِيجاز. ومتى قدَرَ قُسٌّ على ترصيع كَلِمهِ وتوشيع حِكمَهِ؟ حريريُّ الوَشْي، عِراقيّ الوَشْم، لُؤلُئِيّ النَّظْم. كلامه يتيمةُ
стр. 174
البحر، وتميمة النحر، ودرة الصدف، ودري السدف، وطراز الفضل، وعلم العلم.
قد أعجز الفصحاء بصناعته، وأبر على البلغاء ببراعته، وبلغ السَّماء ببلاغته، وأوجد حلي الزمان العاطل بجودة صياغته.
وقد اشتهرت له المقامات شرقاً وغرباً، وبعداً وقرباً فما نحتاج إلى إيراد شيء منها، ونستغني بغيرها من الغرر عنها.
ولم يزل الحريري صاحب الخبر بالبصرة، في ديوان الخليفة ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المقتفوي.
وله رسائل معجبة وأكلام غريب، كالضرب ما له من ضريب.
وقد لقيت بالبصرة، سنة ست وخمسين وخمس مئة، من بنيه: زين الإسلام، أبا العباس، محمداً، وسمعت عليه من المقامات الخمسين أربعين مقامة، وقطعني المرض عن إتمامها ولم أطق إقامة.
وكانت ولادته في سنة ست وأربعين وأربع مئة، ووفاته سنة ست عشرة وخمس مئة.
وكان مسكنه بالبصرة في محلة بني حرام، وبيت عمله المشان.
стр. 175
وسمعت المقامات على ابن الحكيم عن الحريري.
وسنورد من فقره ونعقد سلك درره، ونثبت ما لم يشتمل عليه مصنفه، ونبرز من جوهره ما لم يحوه صدفه.
وأورد أيضاً من المقامات نكتاً غريرة، وفقراً عجيبة.
فمن ذلك، قوله:
وقلتُ للائمي أَقصِرْ فإِنّي ... سأختارُ المَقامَ على المُقامِ
стр. 176
وأُنفِقْ ما جَمَعْتُ بأرض جَمْع ... وَأسْلُو بالحَطِيمِ عن الحُطامِ
وأنشدني الماندائي القاضي بواسط قول الحريري، في لزوم ما لا يلزم، وهو في المقامات، قال: أنشدنا لنفسه، وكان يروي عنه:
أَخْمِدْ بحِلمك ما يُذكيهِ ذو سَفَهٍ ... من نار غيظِك واصفَحْ إِنْ جَنَى جانِي
فالحِلمُ أفضلُ ما ازدانَ اللبيبُ به ... والأخذُ بالعفو أحلى ما جَنَى جانِي
وأنشدني أيضاً قوله:
بُنَيَّ استقِمْ فالعودُ تَنمي عروقُه ... قويماً ويغَشاهُ إذا ما الْتَوَى التَّوَى
ولا تُطِعِ الحِرصَ المُذِلَّ وكن فتى ... إِذا الْتَهَبَتْ أَحشاؤه بالطَّوى طَوَى
стр. 177
وعاصِ الهوى المُرْدِي فكم من محلِّق ... إِلى النّجم لمّا أَنْ أطاعَ الهَوى هَوَى
وَأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرَى ... على مَنْ إلى الحُرّ اللُباب انضوى ضَوَى
وحافِظْ على من لا يخونُ إِذا نَبا ... زمانٌ ومَنْ يَرْعى إذا ما النَّوى نَوَى
وإِن تقتدرْ فاصفَحْ فلا خيرَ في امرِئ ... ذا اعتلقت أظفارُه بالشَّوَى شَوَى
وإِيّاك والشَّكوى فلم يُرَ ذو نُهَى ... شكا بل أخو الجهلِ الَّذي ما ارعوى عَوَى
ومن شعر الحريريّ قوله في المقامات:
ولمّا تعامى الدَّهرُ وَهْوَ أبو الورى ... عن الرُّشد في إنحائه ومَقاصِدهْ
تعاميتُ حتّى قيل إِنّي أخو عمى ... ولا غُرْوَ أن يحذو الفتى حَذْوَ والِدهْ
وكتب إلى بغداد على يد بعض أولاده، إلى أنو شَرْوانَ الوزير، ابن خالد:
стр. 178
ألا ليتَ شِعري والتَّمنّي تَعِلَّةٌ ... وإن كان فيه راحةٌ لأَخي الكَرْبِ
أَتدرونَ أنّي مُذْ تناءت دِيارُكم ... وشَطَّ اقترابي من جَنابكم الرَّحْبِ
أُكابِدُ شوقاً ما يزالُ أُوارُه ... يقلّبُني بالليل جنباً على جنبِ
وأسكُبُ للبَيْن المُشِتِّ مدامعاً ... كأَنَّ عَزالِيها امْتَرَيْنَ من السُّحْبِ
وأذكُرُ أيّامَ التَّلاقي فأنثني ... لتَذْكارها بادِي الأَسَى طائرَ اللُبُّ
ولي حَنَّةٌ في كلّ وقتٍ إِليكمُ ... ولا حَنَّةَ الصَّادي إلى البارد العَذْبِ
فواللهِ إِنّي لو كتَمْت هواكمْ ... لمَا كان مكتوماً بشرقٍ ولا غربِ
وممّا شجا قلبي المُعَنَّى وشَفَّه ... رِضاكم بإِهمال الإِجابة عن كتبي
على أَنَني راضٍ بما ترتضونه ... وأفخَرُ بالإِعتاب منكم وبالعَتْبِ
стр. 179
ولمّا سرى الوفدُ العِراقِيُّ نحوَكم ... وَأعْوَزَني المَسْرَى إِليكم من الرَّكْبِ
جعلتُ كتابي نائباً عن ضَرورة ... ومَنْ لم يجِدْ ماءً تَيَّمَم بالتُّرْبِ
ونفَّذتُ أيضاً بَضْعةً من جوارحي ... لينبئكم عن شرح حالي ويَسْتَنْبِي
وقلتُ له عندَ الوَداعِ وقلبُه ... شَجٍٍ وأبوه الشّيخُ منكسرُ القلبِ
ألا ابشِرْ بما تَحْظَى به حين تجتلي ... مُحَيّا سديدِ الحضرةِ الأوحدِ النَّدْبِ
ولستُ أَرى إِذْكارَكم بعدَ خُبْرِكُم ... بمَكْرُمَة حَسْبي اهتزازُكُمُ حَسْبي
"وكان أنشدني (أبو طراد، عنان، بن أحمد، بن محمد) عن (أبي العباس) عن أبيه، ثم سمعنا من (أبي العباس) "، وأنشدنا (أبو العباس، محمد) ولده لوالده صاحب "المقامات":
ومخطف الخصر، للألباب مختطف ... تهفو الحلوم، لما فيه من الهيف
ما جال للطرف لمح من ملامحته ... إلا كسا من حلاه أملح الطرف
стр. 180
ولا رأى غُصنّه الميّاسَ ذو شَرَف ... إلا وظلَّ من البلوى على شَرَفِ
كم من أخي خَطَرٍ أمسى على خَطَر ... من حبّه وانطوى منه على دَنَفِ
أعتَدُّ عِرفانَه أَسنَى العَتادِ كما ... أرى حفاوَتَه بي أفضلَ التُّحَفِ
فلست أنسى تلاقينا بخَيْف مِنىً ... وقولَه لي بذاك الخَيْف لا تَخَفِ
وحِلفَه بالصَّفا إِنّ الضَّمير صفا ... وإِنّه لي إِلى حينِ الوفاة وَفِي
وقد توسَّمْت سِيما الصّدقِ فيه فإِنْ ... يُخْلِفْ ظُنوني فكم في النّاس من خَلَفِ
ونشدت له قصيدة في وصف سعد الملك وزير السلطان
следующие страницы →