← Прочие науки

Прочие науки · id 12834

رسائل فلسفية للرازي

محمد بن زكريا الرازي

Полный текст (119 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب الطب الروحاني بسم الله الرحمن الرحيم قال محمد بن زكريا الرازي: أكمل الله للأمير السعادة وأتم علية النعمة. جرى بحضرة الأمير - أطال الله بقاءه - ذكر مقالة عملتُها في إصلاح الأخلاق سألنها بعض اخوتي بمدينة السلام أيام مُقامي بها، فأمر سيدي الأمير - أيده الله - بإنشاء كتاب يحتوي على جُمَل هذا المعنى بغاية الاختصار والإيجاز وأن أسمه بالطب الروحاني، فيكون قريناً للكتاب المنصوري الذي غرضه في الطب الجسماني وعديلاً له، لِما قدر-أدام إليه من عموم النفع وشموله للنفس والجسد. فانتهيتُ إلى ذلك وقدمته على سائر شغلي، والله أسأل التوفيق لِما يُرضي سيدي الأمير ويقرب إليه ويُدني منه.

стр. 2

وقد فصلت هذا الكتاب عشرين فصلاً: الأول في فضل العقل ومدحه الثاني في قمع الهوى وردعه وجملة من رأي أفلاطون الحكيم الثالث جملة قُدمت قبل ذكر عوارض النفس الرديئة على انفرادها الرابع في تعرف الرجل عيوب نفسة الخامس في دفع العشق والألف وجملة من الكلام في اللذة السادس في دفع العُجب السابع في دفع الحسد الثامن في دفع المفرط الضار من الغضب

стр. 3

التاسع في اطراح الكذب العاشر في اطراح البخل الحادي عشر في دفع الفضل الضار من الفكر والهم الثاني عشر في صرف الغم الثالث عشر في دفع الشَرَه الرابع عشر في دفع الانهماك في الشراب الخامس عشر في دفع الاستهتار بالجماع السادس عشر في دفع الولع والعبث والمذهب السابع عشر في مقدار الاكتساب والاقتناء والإنفاق الثامن عشر في المجاهدة والمكادحة على طلب الرُتَب والمنازل الدنيائية والفرق بين ما يُرى الهوى وبين ما يُرى العقل التاسع عشر في السيرة الفاضلة العشرون في الخوف من الموت الفصل الأول في فضل العقل ومدحه أقول: إن البارئ عز اسمه إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهرِ مِثلنا نيلُه وبلوغه، وإنه أعظم نِعَم الله

стр. 4

عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجدها علينا. فبالعقل فُضلنا على الحيوان غير الناطق حتى ملكناها وسُسناها وذللناها وصرفناها في الوجوه العائدةِ منافعُها علينا، وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا ويُحسن ويطيب به عيشنا ونصل إلى بغيتنا ومرادنا. فأنا بالعقل أدركنا صناعة السُفُن واستعمالها حتى وصلنا بها إلى ما قطع وحال البحر دوننا ودونه، وبه نلنا الطب الذي فيه الكثير من مصالح أجسادنا وسائر الصناعات العائدة علينا النافعة لنا، وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا الخفية المستورة عنا، وبه عرفنا شكل الأرض والفلك وعظم الشمس والقمر وسائر الكواكب وأبعادها وحركتها، وبه وصلنا إلى معرفة البارئ الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أصبنا. وبالجملة فإنه الشيء الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين، والذي به نتصور أفعالنا العقلية قبل ظهورها للحس فنراها كأن قد أحسسناها ثم نتمثل بأفعالنا الحسية صورها فتظهر مطابقة لِما تمثلناه وتخيلناه منها. وإذا كان هذا مقداره ومحله وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحطّه عن رتبته ولا ننّزله عن درجته، ولا نجعله وهو الحاكم محكوماً عليه، ولا وهو الزمام مزموماً، ولا وهو المتبوع تابعاً، بل نرجع الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنُمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه، ولا نسّلط عليه الهوى الذي هو آفتهُ ومكدِّره

стр. 5

والحائد به عن سنَنَه ومحجّته وقصده واستقامته، والمانع من أن يصيب به العاقل رشده وما فيه عواقب أمره، بل نروضه ونذللهُ ونحمِله ونجبره على الوقوف عند أمره ونهيه. فإنّا إذا فعلنا ذلك صفا لنا غايةَ صفائه وأضاء لنا غايةَ إضاءته وبلغ بنا نهايةَ قَصْدِ بلوغنا به. وكنا سعداء بما وهب الله لنا منه ومنّ علينا به.

стр. 6

الفصل الثاني في قمع الهوى وردعه وجملة من رأي أفلاطون الحكيم أما على أثر ذلك فإنّا قائلون في الطب الروحاني الذي غايته إصلاح أخلاق النفس وموجزون غاية الإيجاز. والقصد والمبادرة إلى التعلق بالنكت والعيون والمعاني التي هي أصول جملة هذا الغرض كله. فنقول: إنا قد صدرنا وقدمنا من العقل والهوى ما رأينا أنه لجملة هذا الغرض كله بمنزلة المبدأ، ونحن متْبعوه من أصول هذا الشأن بأجْلها وأشرافها فنقول: إنّ أشرف الأصول وأجلها وأعونها على بلوغ غرض كتابنا هذا قمع الهوى ومخالفة ما يدعو إليه الطباع في أكثر الأحوال وتمرين النفس على ذلك وتدريجها إليه، فإن أول فضل الناس على البهائم هو هذا، أعنى ملكة الإرادة وإطلاق الفعل بعد الروية. وذلك أن البهائم غير المؤدبة واقفة عند ما يدعوها إليه الطباع عاملة به غير ممتنعة منه ولا مروَّية فيه. فإنك لا تجد بهيمةً غير مؤدبة تمسك عن أن تروث أو تتناول ما تتغذى به مع حضوره وحاجتها إليه، كما تجد الإنسان يترك ذلك ويقهر طباعه عليه لمعانٍ عقلية تدعوه إلى ذلك، بل تأتي منها ما يبعثها عليه الطباع غير ممتنعة منه ولا مختارة عليه. وهذا المقدار ونحوه من الفضل على البهيمة في زمّ الطبع هو لأكثر الناس وإن كان ذلك تأديبا وتعليما،

стр. 7

إلا أنه عام وشامل وقريب واضح يعتاده الطفل وينشأُ عليه، ولا يحتاج إلى الكلام فيه، على أن في ذلك بين الأمم تفاضُلاً كثيراً وبوناً بعيداً. وأمّا البلوغ من هذه الفضيلة أقصى ما يتهيأ في طباع الإنسان فلا يكاد يكمله إلاّ الرجل الفيلسوف الفاضل. وبمقدار فضل العوامّ من الناس على البهائم في زمّ الطبع والملكة للهوى ينبغي أن يكون فضل هذا الرجل على العوامّ. ومن هاهنا نعلم أنّ مَن أراد أن يزين نفسة بهذه الزينة ويكمل لها هذه الفضيلة فقد رام أمراً صعباً شديداً ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة الهوى ومجادلته ومخالفته. ولأن بين الناس في طباعهم اختلافاً كثيراً وبوناً بعيداً صار يسهل أو يعسر على البعض دون البعض منهم اكتسابُ بعض الفضائل دون بعض واطراح بعض الرذائل دون بعض. وأنا مبتدئ بذكر كيفية اكتساب هذه الفضيلة - أعني قمع الهوى ومخالفته - إذ كانت أجلّ هذه الفضائل وأشرفها وكان محّلها من جملة هذا الغرض كلّه محلّ الاسطقس التالي للمبدأ. فأقول: إنّ الهوى والطباع يدعوان أبداً إلى إتّباع اللذّات الحاضرة وإيثارها من غير فكر ولا رويّة في عاقبة ويحثّان عليه ويُعجلان إليه، وإن كان جالباً

стр. 8

للألم من بعد ومانعاً من اللذّة ما هو أضعافٌ لِما تقدّم منها. وذلك أنهما لا يريان إلا حالتهما في الذي هما فيه لا غير، وليس بهما إلاّ إطّراح الألم المؤذي عنهما وقتَهما ذلك، كإثار الطفل الرَمِد حكَّ عينيه وأكلَ التمر واللعبَ في الشمس. ومن اجل ذلك يحقّ على العاقل أن يردعهما ويقمعهما ولا يُطلقهما إلاّ بعد التثبُّت والنظر فيما يُعقبانه ويمثّلَ ذلك ويزنَه ثم يتبعَ الأَرجح لئلاّ يألم من حيث ظنّ أنه يلّتذّ ويحسر من حيث ظنّ أنه يربح. فإن دخلت عليه من هذا التمثيل والموازنة شبهة لم يُطلق الشهوة لكن يقيم على ردعها ومنعها. وذلك أنه لا يأمن أن يكون في لإطلاقها من سوء العاقبة ما يكون إيلامه واحتمال مؤو نته أكثر من احتمال مؤونة الصبر على قمعها أضعافاً مضاعَفةً، فالحزم إذاً في منعها. وإن تكافأت عنده المؤونتان أقام أيضاً على ردعها، وذلك أنّ المرارة المتجرِّعة أهون وأيسر من المنتظَرة التي لابدّ من تجرُّعها على الأمر الأكثر. وليس يكتفي بهذا فقط بل ينبغي أن يقمع هواه في كثير من الأحوال - وإن لم ير لذلك عاقبةً مكروهةً - ليمرّن نفسه ويروضها على احتمال ذلك واعتياده فيكون ذلك عليها عند العواقب الرديئة أسهل، ولئلا تتمكن الشهوات منه وتتسلّط عليه. فإن لها من التمكّن في نفس الطبيعة والجبّلة ما لا يحتاج أن يُزاد فضل تمكّن فضل تمكنٍ بالعادة أيضاً فيصيرَ بحالٍ لا يمكن مقاومتُها بتّةً. وينبغي أن تعلم أن المؤثرين للشهوات المدمنين لها المنهمكين فيها يصيرون منها إلى حالة لا يلتذّونها ولا يستطيعون مع ذلك

стр. 9

تركها فإنّ المدمنين لغشيان النساء وشرب الخمور والسماع - على أنها من أقوى الشهوات وأوكدها غرزاً في الطباع - لا يلتذونها التذاذَ غير المدمنين لها لأنها تصير عندهم بمنزلة حالةٍ عنده، أعني المألوفة المعتادة، ولا يتهيّأ لهم الإقلاع عنها لأنها قد صارَت عندهم بمنزلة الشيء الاضطراري في العيش لا بمنزلة ما هو فضل وتترُّفٌ. ويدخل عليهم من أجلها التقصير في دينهم ودنياهم حتى يُضطرّوا إلى استعمال صنوف الحِيَل واكتساب الأموال بالتغرير بالنفس وطرحها في المهالك، فإذا هم شقوا من حيث قدّروا السعادة واغتنّموا من حيث قدّروا الفرح وألموا من حيث قدروا اللذّة. وما أشبههم في هذا الموضع بالحاطب على نفسه الساعي في هلاكها، كالحيوان المخدوعة بما يُنصب لها في مصايدها، حتى إذا حصلت في المصيدة لم تنل ما خُدعت به ولا أطاقت التخلُّص ممّا وقعت فيه. وهذا المقدار من الشهوات مُقنع، وهو أن يُطلَق

стр. 10

منها ما عُلم أنّ عاقبتة لا تجلب ألَماً ولا ضَرَراً دنيائيٍّا موازياً للذّة المُصابة منها فضلاً عمّا تجلب ممّا يُوفى ويرجح على اللّذة التي أُصيبت في صدرها. وهذا يراه ويقول به ويوجب حمل النفس عليه مَن كان من الفلاسفة ل يرى أنّ للنفس وجوداً بذاتها، ويرى أنها تفسد بفساد الجسم الذي هي فيه. فأمّا مَن يرى أنّ للنفس أنيّةً وذاتاً مّا قائمة بنفسها وأنها تستعمل الجسم الذي لها بمنزلة الأداة والآلة وأنها لا تفسد بفساده فيرتقون من زمّ الطباع ومجاهدة الهوى ومخالفته إلى ما هو أكثر من هذا كثيراً جداً، ويرذلون ويستنقصون المنقادين له والمائلين معه تنقُّصاً شديداً ويحلّونهم محلّ البهائم، ويرون أنّ لهم - في اتّباع الهوى وإيثاره والميل مع اللذّات والحبّ لها والأسف على ما فات منها وإيلام الحيوان لبلوغها ونيلها - عواقبَ سوءٍ بعد مفارقة النفس للجسد يكثر ويطول لها ألمها وأسفها وحسرتها. وقد يستدل هؤلاء من نفس هيئة الإنسان على أنه لم يتهيّأ للشغل باللذّات والشهوات بل لاستعمال الفكر والرويّة من تقصيرة في ذلك عن الحيوان غير الناطق. وذلك أنّ البهيمة الواحدة تُصيب من لذّة المأكل والمنكح ما لا يصيبه ولا يقدر عليه عدد كثير من الناس. فأمّا حالها في سقوط الهّم والفكر عنها وهناءة عيشها وطيبها بذلك فحالة لا يصيب الإنسان ولا يقدر على مثالها بتّةً، وذلك أنها من هذا المعنى في الغاية والنهاية. فإنّا نرى البهيمة

стр. 11

قد حضر وقت ذبحها وهي منهمكة مقبلة على مأكلها ومشربها. قالوا: فلو كانت إصابة الشهوات والميل مع دواعي الطباع هو الأفضل لم يكن يُبخسُه الإنسان ويُعطاه ما هو أخس منه من الحيوان. وفي بخس الإنسان وهو أفضل الحيوان المائت حظَّه من هذه الأشياء وتوفر الحظ له من الروية والفكر ما يُعلم منه أن الأفضل له استعمال النطق وتزكيته لا الاستعباد والانقياد لدواعي الطباع قالوا: ولئن كان الفضل في إصابة اللذات والشهوات ليكونون من له الطباع المتهئ لذلك أفضل ممن ليس له ذلك، فإن كان كذلك فالثيران والحمير أفضل من الناس لا بل ومن الحيوان غير المائت كله ومن البارئ إذ ليس بذى لذّة ولا شهوة قالوا: ولعل بعض الناس ممن لا رياضة له ولا يروِّى ولا يفكر في أمثال هذه المعاني لا يُسلِّم لنا أن البهائم تصيب من اللذّة أكثر مما يصيبه الناس. ويحتجّ علينا بمَلِكٍ ما ظفر بعدو منازع ثم جلس من وقته ذلك للهو واحتشد في إظهار جميع زينته وهيئته حتى بلغ من ذلك غاية ما يمكن الناس بلوغهُ، فيقول أين التذاذ البهيمة من التذاذ هذا وهل له عنده مقدار وله إليه نسبة؟ فليعلم قائل هذا أنّ كمال اللذّة ونقصانها ليس يكون بالإضافة من بعضها إلى بعض بل بالإضافة إلى مقدار الحاجة إليها. فإنّ مَن لا يُصلِح حاله إلاّ ألفُ دينار إن أُعطِيَ منها تسع مائة وتسعة وتسعين ديناراً لم يتم له صلاح حاله تلك. ومَن كان يُصلح حالَه الدينارُ الواحد يتم له صلاحُ حالته بإصابة ذلك الدينار الواحد، على أنّ الأوّل قد أُعطِيَ أضعاف هذا فلم يكمل له صلاح حالته. والبهيمة إذا تَوَفَّر عليها ما يدعوها إليه الطباع كمل وتمّ التذاذها بذلك، ولا يضرها ولا يؤلمها فوت ما وراء ذلك إذ كان لا يخطر لها ببال بتّةً. على أنّ للبهيمة فضل اللذّة أبداً على كل حال. وذلك أنه ليس أحد من الناس يقدر أن يبلغ كل أمانيه وشهواته، لأنّ نفسه لمّا كانت نفساً مفكرةً مروِّيةً متصوِّرةً للغائب عنه وكان في طباعها أن لا تكون لذي حال حالة إلاّ وتكون حالتها هي الأفضل، لا تخلو في حالة من الأحوال من التشوُّق والتطلُّع إلى ما لم تَحْوِه والخوف والإشفاق على ما قد حوته، فلا تزال لذلك في نقص من لذّتها وشهوتها. فإنّ إنساناً لو ملك نصف الأرض لنازعته نفسه إلى ما بقى منها وأشفقت وخافت من تفلُّت ما حصل له منها، ولو ملك الأرض بأسرها لتمنَّى دوام الصحة والخلود وتطلّعت نفسه إلى علم خبر جميع ما في السماوات والأرضين. ولقد بلغني عن بعض الملوك الكبار الأنفس أنه ذُكِرَ عنده ذات يوم الجنة وعظيم ما فيها من النعيم مع الخلود، فقال أمّا أنا فإنِّي أتنغص هذا النعيم وأستمره إذا فكرت بأنِّي منزَّل فيها منزلة المُفضَّل عليه المُحَسن إليه. فمتى يتم التذاذ هذا واغتباطه بما هو فيه، وهل المغتبط عند نفسه إلاّ البهائم ومن جرى مجراها؟ كما قال الشاعر: هو الأفضل لم يكن يُبخسُه الإنسان ويُعطاه ما هو أخس منه من الحيوان. وفي بخس الإنسان وهو أفضل الحيوان المائت حظَّه من هذه الأشياء وتوفر الحظ له من الروية والفكر ما يُعلم منه أن الأفضل له استعمال النطق وتزكيته لا الاستعباد والانقياد لدواعي الطباع قالوا: ولئن كان الفضل في إصابة اللذات والشهوات ليكونون من له الطباع المتهئ لذلك أفضل ممن ليس له ذلك، فإن كان كذلك فالثيران والحمير أفضل من الناس لا بل ومن الحيوان غير المائت كله ومن البارئ إذ ليس بذى لذّة ولا شهوة قالوا: ولعل بعض الناس ممن لا رياضة له ولا يروِّى ولا يفكر في أمثال هذه المعاني لا يُسلِّم لنا أن البهائم تصيب من اللذّة أكثر مما يصيبه الناس. ويحتجّ علينا بمَلِكٍ ما ظفر بعدو منازع ثم جلس من وقته ذلك للهو واحتشد في إظهار جميع زينته وهيئته حتى بلغ من ذلك غاية ما يمكن الناس بلوغهُ، فيقول أين التذاذ البهيمة من التذاذ هذا وهل له عنده مقدار وله إليه نسبة؟ فليعلم قائل هذا أنّ كمال اللذّة ونقصانها ليس يكون بالإضافة من بعضها إلى بعض بل بالإضافة إلى مقدار الحاجة إليها. فإنّ مَن لا يُصلِح حاله إلاّ ألفُ دينار إن أُعطِيَ منها تسع مائة وتسعة وتسعين ديناراً لم يتم له صلاح حاله تلك. ومَن كان يُصلح حالَه الدينارُ الواحد يتم له صلاحُ حالته بإصابة ذلك

стр. 12

الدينار الواحد، على أنّ الأوّل قد أُعطِيَ أضعاف هذا فلم يكمل له صلاح حالته. والبهيمة إذا تَوَفَّر عليها ما يدعوها إليه الطباع كمل وتمّ التذاذها بذلك، ولا يضرها ولا يؤلمها فوت ما وراء ذلك إذ كان لا يخطر لها ببال بتّةً. على أنّ للبهيمة فضل اللذّة أبداً على كل حال. وذلك أنه ليس أحد من الناس يقدر أن يبلغ كل أمانيه وشهواته، لأنّ نفسه لمّا كانت نفساً مفكرةً مروِّيةً متصوِّرةً للغائب عنه وكان في طباعها أن لا تكون لذي حال حالة إلاّ وتكون حالتها هي الأفضل، لا تخلو في حالة من الأحوال من التشوُّق والتطلُّع إلى ما لم تَحْوِه والخوف والإشفاق على ما قد حوته، فلا تزال لذلك في نقص من لذّتها وشهوتها. فإنّ إنساناً لو ملك نصف الأرض لنازعته نفسه إلى ما بقى منها وأشفقت وخافت من تفلُّت ما حصل له منها، ولو ملك الأرض بأسرها لتمنَّى دوام الصحة والخلود وتطلّعت نفسه إلى علم خبر جميع ما في السماوات والأرضين. ولقد بلغني عن بعض الملوك الكبار الأنفس أنه ذُكِرَ عنده ذات يوم الجنة وعظيم ما فيها من النعيم مع الخلود، فقال أمّا أنا فإنِّي أتنغص هذا النعيم وأستمره إذا فكرت بأنِّي منزَّل فيها منزلة المُفضَّل عليه المُحَسن إليه. فمتى يتم التذاذ هذا واغتباطه بما هو فيه، وهل المغتبط عند نفسه إلاّ البهائم ومن جرى مجراها؟ كما قال الشاعر: وهل يَنْعَمَنْ إلاّ سعيد مخَّلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال وهذه العصابة من المتفلسفة تترقَّى من زمّ الهوى ومخالفته بل من إهانته

стр. 13

وإماتته إلى أمر عظيم جداً، حتى إنها لا تنال من المأكل والمشرب إلاّ قوتاً وبُلغةً ولا تقتني مالاً ولا عقاراً ولا داراً. وربما أقدم الموغلِ منهم في هذا الرأي على اعتزال الناس والتخلَّي منهم ولزوم المواضع الغامرة. وبهذا ونحوه يحتجوّن لصحّة رأيهم من الأشياء الحاضرة المشاهدة. فأمّا ما يحتجون به له من أحوال النفس بعد مفارقتها للبدن فإنّ الكلام فيه يجاوز مقدار هذا الكتاب في شرفه وفي طوله وفي عرضه. أمّا في شرفه فإنه يُبحث فيه عن النفس ما هي ولِمَ هي مع الجسم ولِمَ تفارقه وما تكون حالها بعد مفارقته، وأما طوله فلأنّ كل واحد من هذه البحوث يحتاج في تعبيره وحكايته إلى أضعاف أضعاف ما في هذا الكتاب من الكلام، وأما في عرضه فلأنّ قصد هذه المباحث هو إلى صلاح حال النفس بعد مفارقتها للجسد وإن كان قد يعرض فيه باشتراك الكلام أكثر إصلاح الأخلاق. ولا بأس أن نحكي منه جملة وجيزة من غير أن نتلبس فيه باحتجاج لهم أو عليهم، ونقصد منه خاصةً للمعاني التي نظنّ أنها تُعين على بلوغ غرض كتابنا هذا وتقوِّى عليه. فنقول: إنّ فلاطن شيخ الفلاسفة وعظيمها يرى أنّ الإنسان ثلاث أنفس يسمِّى إحداها النفس الناطقة والإلهّية والأخرى يسميّها النفس الغضّبية والحيوانية والأخرى النفس النباتية والنامية والشهوانية. ويرى أنّ النفسين الحيوانية والنباتية إنما كوّنتا من أجل

стр. 14

النفس الناطقة. أما النباتية فلتغدو الجسم الذي هو للنفس الناطقة بمنزلة آلة وأداة إذ ليس هو من جوهر باقٍ غير متحلِّل بل من جوهر سيّال متحلّل، وكان كل متحلّل لا يبقى إلاّ بأن يخلف فيه بدلاً ممّا تحلل منه. فأما الغضبية فلتستعين بها النفس الناطقة على قمع النفس الشهوانية ومنعها من أن تشغل النفس الناطقة بكثرة شهواتها عن استعمال نطقها الذي إذا استعملته كَمَلاً كان في ذلك تخلُّصها من الجسم المشتبكة به. وليس لهاتين النفسين - أعني النباتية والغضبيّة - عنده جوهر خاص يبقى بعد فساد الجسم كجوهر النفس الناطقة، بل إحداها وهي الغضبيّة هي جملة مزاج القلب والأخرى وهي الشهوانية هي جملة مزاج الكبد. وأما جملة مزاج الدماغ فإنها عنده أول آلة وأداة تستعملها النفس الناطقة. والأغتذاء والنمو والنشوء للإنسان من الكبد، والحرارة وحركة النبض من القلب. وأما الحس والحركة الإرادية والتخُّيل والفكر والذكر فمن الدماغ، لا على أنّ ذلك من خاصيّتّه ومزاجه بل من الجوهر الحال فيه المستعمل

стр. 15

له على استعمال آلة وأداة، إلا أنه أقرب الآلات والأدوات إلى هذا الفاعل. ويرى أن يجتهد الإنسان بالطب الجسداني وهو الطب المعروف، والطبِّ الروحاني وهو الإقناع بالحجج والبراهين في تعديل أفعال هذه النفوس لئلا تقصِّر عمّا أُريد بها ولئلا تجاوزه. والتقصير في فعل النفس النباتية أن تغدو ولا تُنمى ولا تُنشئ بالكمية والكيفية المحتاجة إليها جملةُ الجسد. وإفراطها أن تتعدى ذلك وتجاوزه حتى يخصب الجسد فوق ما يحتاج إليه ويغرق في اللذّات والشهوات. وتقصير فعل النفس الغضبية أن لا يكون عندها من الحمية والأنفة والنجدة ما يمكِّنها أن تزمَّ وتقهر النفس الشهوانية في حال اشتهائها حتى تحول دونها ودون شهواتها، وإفراطه أن يكثر فيها الكِبر وحُبّ الغلبة حتى تروم قهر الناس وسائر الحيوان ولا يكون لها همّ إلا الاستعلاء والغلبة كالحالة التي كان عليها الاسكندر الملك. وتقصير فعل النفس الناطقة أن لا يخطر ببالها استغراب هذا العالم واستكباره والفكر فيه والتعجُّب منه والتطلُّع والتشّوُق إلى معرفة جميع ما فيه وخاصةً علم جسدها الذي هي فيه وهيئته وعاقبته بعد موته، فإنّ مَن لم يستكبر ويستغرب هذا العالم ولم يتعجب من هيئته ولم تتطّلع نفسه إلى معرفة جميع ما فيه ولم يهتمّ ويُعْنَ بتعرُّف ما تؤول إليه الحال بعد الموت فنصيبه من النطق نصيب البهائم لا بل الخُفاش والحيتان والخُشار التي لا تتفكّر ولا تتذكر البتة. وإفراطه أن يميل به ويستحوذ عليه الفكرُ في هذه الأشياء ونحوها حتى لا يمكن النفس الشهوانية أن تنال من الغذاء وما به يصلح الجسم من النوم

стр. 16

وغيره مقدارَ ما تحتاج إليه في بقاء مزاج الدماغ على حالة الصحّة، لكن يبحث ويتطلع ويجتهد غاية الجهد ويقدِّر بلوغ هذه المعاني والوصول إليها في زمان أقصر من الزمان الذي لا يمكن بلوغها إلاّ فيه، فيفسد حينئذ مزاج جملة الجسد حتى يقع في الوسواس السوداوي والملنخوليا ويفوته ما طلب من حيث قدّر سرعة الظفر به. ويرى أنّ المدّة التي جُعلت لبقاء هذا الجسد المتحلل الفاسد بالحال التي يمكن النفس الناطقة استعمالها فيما تحتاج إليه لصلاح أمرها بعد مفارقته - وهي المدّة التي منذ حين يولد الإنسان إلى أن يهرم ويذبل - مدةٌ يفي فيها كل أحد، ولو كان أبلد الناس بعد أن لا يضرب عن الفكر والنظر البتّة، بالتطلُّع على المعاني التي ذكرنا أنها تخصّ النفس الناطقة وبأن يرذل هذا الجسدَ والعالم الجسدانيّ البتّة ويشنأه ويبغضه، ويعلَمَ أنّ النفس الحسّاسة ما دامت متعلقة بشيء منه لم تزل في أحوال مؤذية مؤلمة من أجل تداول الكون والفساد إياه، ولا يكرهَ بل يشتاق إلى مفارقته والتخلُّص منه. ويرى أنه متى كانت مفارقة النفس الحساسة للجسد الذي هي فيه وقد اكتسبت هذه المعاني واعتقدتها صارت في عالمها ولم تشتق إلى التعلُّق بشيء من الجسم بعد ذلك البتّة، وبقيت بذاتها حيةً ناطقةً غير مائتة ولا آلمة مغتبطةَ بموضعها ومكانها. أمّا الحيوية والنطق فلها من ذاتها، وأما بُعدها عن الألم فلبُعدها عن الكون والفساد، وأما اغتباطها بمكانها وعالمها فلتخلُّصها من مخالطة الجسم والكونِ في العالم الجسداني. وأنه متى كانت مفارقتها للجسد وهي لم تكتسب هذه المعاني ولم تعرف العالم الجسداني حقَّ معرفته بل كانت تشتاق

стр. 17

إليه وتحرص على الكون فيه لم تبرح مكانها ولم تزل متعلقة بشيء منه، ولم تزل - لتداول الكون والفساد للجسد الذي هي فيه - في آلام متصلة مترادفة وهموم جمّة مؤذية. فهذه جملةٌ من رأي فلاطن ومِن قبله سقراط المتخِّلي المتألِّه. وبعدُ فما من رأيٍ دنيائي قطُّ إلاّ ويُوجب شيئاً من زمّ الهوى والشهوات ولا يُطلق إهمالها وإمراجها، فزمُّ الهوى وردعه واجب في كل رأي وعند كل عاقل وفي كل دين. فليلاحظ العاقل هذه المعاني بعين عقله ويجعلها من همّه وباله. وإن هو لم يكتسب من هذا الكتاب أعلى الرُتَب والمنازل في هذا الباب فلا أقل من أن يتعلق ولو بأخس المنازل منه، وهو رأيُ مَن رأي زمَّ الهوى بمقدار ما لا يجلب

стр. 18

ضرراً عاجلاً دنيائيّاً. فإنه وإن تجرع في صدور أموره من زمّ الهوى وقمعه مرارةً وبشاعةً فستُعقبه أردافها حلاوةً ولذاذةً يغتبط بها ويعظم بها سروره وارتياحه عندها، مع أنّ المؤونة في احتمال مغالبة الهوى وقمع الشهوات ستخف عليه بالاعتياد ولا سيّما إذا كان ذلك على تدريج بأن يعّود نفسه ويأخذها أولاً بمنع اليسير من الشهوات وتركِ بعض ما تهوى لِما يوجبه العقل والرأي، ثم يروم من ذلك ما هو أكثر حتى يصير ذلك فيه مقارناً للخُلق والعادة وتذلّ نفسه الشهوانية وتعتاد الانقياد للنفس الناطقة. ثم يزداد ذلك ويتأكد عند سروره بالعواقب العائدة عليه من زمّ هواه وانتفاعه برأيه وعقله وسياسة أموره بهما ومدح الناس له على ذلك واشتياقهم إلى مثل حاله. يوية والنطق فلها من ذاتها، وأما بُعدها عن الألم فلبُعدها عن الكون والفساد، وأما اغتباطها بمكانها وعالمها فلتخلُّصها من مخالطة الجسم والكونِ في العالم الجسداني. وأنه متى كانت مفارقتها للجسد وهي لم تكتسب هذه المعاني ولم تعرف العالم الجسداني حقَّ معرفته بل كانت تشتاق إليه وتحرص على الكون فيه لم تبرح مكانها ولم تزل متعلقة بشيء منه، ولم تزل - لتداول الكون والفساد للجسد الذي هي فيه - في آلام متصلة مترادفة وهموم جمّة مؤذية. فهذه جملةٌ من رأي فلاطن ومِن قبله سقراط المتخِّلي المتألِّه. وبعدُ فما من رأيٍ دنيائي قطُّ إلاّ ويُوجب شيئاً من زمّ الهوى والشهوات ولا يُطلق إهمالها وإمراجها، فزمُّ الهوى وردعه واجب في كل رأي وعند كل عاقل وفي كل دين. فليلاحظ العاقل هذه المعاني بعين عقله ويجعلها من همّه وباله. وإن هو لم يكتسب من هذا الكتاب أعلى الرُتَب والمنازل في هذا الباب فلا أقل من أن يتعلق ولو بأخس المنازل منه، وهو رأيُ مَن رأي زمَّ الهوى بمقدار ما لا يجلب ضرراً عاجلاً دنيائيّاً. فإنه وإن تجرع في صدور أموره من زمّ الهوى وقمعه مرارةً وبشاعةً فستُعقبه أردافها حلاوةً ولذاذةً يغتبط بها ويعظم بها سروره وارتياحه عندها، مع أنّ المؤونة في احتمال مغالبة الهوى وقمع الشهوات ستخف عليه بالاعتياد ولا سيّما إذا كان ذلك على تدريج بأن يعّود نفسه ويأخذها أولاً بمنع اليسير من الشهوات وتركِ بعض ما تهوى لِما يوجبه العقل والرأي، ثم يروم من ذلك ما هو أكثر حتى يصير ذلك فيه مقارناً للخُلق والعادة وتذلّ نفسه الشهوانية وتعتاد الانقياد للنفس الناطقة. ثم يزداد ذلك ويتأكد عند سروره بالعواقب العائدة عليه من زمّ هواه وانتفاعه برأيه وعقله وسياسة أموره بهما ومدح الناس له على ذلك واشتياقهم إلى مثل حاله. الفصل الثالث جملةٌ قُدّمت قبل ذكر عوارض النفس الرديئة على انفرادها أما وقد وطأنا لما يأتي بعدُ من كلامنا أُسَّه وذكرنا أعظم الأصول في ذلك مما فيه غنىً وعليه معونةٌ فإنا ذاكرون من عوارض النفس الرديّة والتلُّطف لإصلاحها ما يكون قياساً ومثالاً لِما لم نذكره منها. ونتحرى الإيجاز والاختصار

стр. 19

ما أمكن في الكلام فيها، إذ قدّمنا السبب الأعظم والعلة الكبرى التي منها نستقي وعليها نبني جميع وجوه التلطُّف لإصلاح خُلق ما ردى. حتى أنه لو لم يُفَرد ولا واحدٌ منها بكلام يخصه بل أُغفِلَ ولم يُذكر بتّةً لكان في التحفُّظ والتمسُّك بالأصل الأول غني وكفاية لإصلاحها، وذلك أنّ جُلها مما يدعو إليه الهوى وتحمل عليه الشهوات، وفي زمّ هذين وحفظهما ما يمنع التمسُّك والتخلُّق بهما. إلاّ أنّا على كل حال ذاكرون من ذلك ما نرى أنّ ذكره أوجب وألزم وأعون على بلوغ غرض كتابنا هذا، وبالله نستعين. الفصل الرابع في تعرُّف الرجل عيوب نفسه من أجل أنّ كل واحد منّا لا يمكنه منع الهوى محبةً منه لنفسه واستصواباً واستحساناً لأفعاله، وأن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته -لا يكاد يستبين ما فيه من المعايب والضرائب الذميمة، ومتى لم يستبين ذلك فيعرفه لم يُقلِع عنه إذ ليس يَشعُر به فضلاً عن أن يستقبحه ويعمل في الإقلاع

стр. 20

عنه - فينبغي أن يُسند الرجل أمره في هذا إلى رجل عاقل كثير اللزوم له والكون معه، ويسأله ويضرع إليه ويؤكِّد عليه أن يُخبره بكل ما يعرفه فيه من المعايب، ويُعلمه أن ذلك أحبُ الأشياء إليه وأوقعها عنده، وأنّ المنّة عليه منه تعظم في ذلك والشكر يكثر، ويسأله أن لا يستحييه في ذلك ولا يجامله، ويعلمه أنه متى تساهل وضجع في شيء منه فقد أساء إليه وغشه واستوجب عليه اللائمة عليه. فإذا أخذ الرجل المشرف يُخبره ويُعلمه ما فيه وما ظهر وبان له منه لم يُظهر له اغتماماً ولا استخزاءً، بل اظهر له سروراً بما يستمع وتشوُّقاً إلى ما لم يستمع منه. فإن رآه في حالٍ ما قد كتمه شيئاً استحياءً منه أو قصّر في العبارة عن تقبيح ذلك أو حسنها لامه على ذلك وأظهر له اغتماماً به، وأعلمه أنه لا يحب ذلك منه ولا يريد إلاّ التصريح وإعلامه ما يراه على وجهه. فإن وجده في حال أخرى قد

стр. 21

زاد وأسرف في تقبيح شيء رآه منه وتهجينه لم يغضبه ذلك بل حمده عليه وأظهر له بِشراً وسروراً بما رآه منه. وينبغي أن يجِّدد سؤال هذا المشرف عليه حالاً بعد حال. فإن الأخلاق والضرائب الرديّة قد تحدث بعد أن لم تكن. وينبغي أن يستخبر ويتحسس ما يقول فيه جيرانه ومعاملوه وإخوانه وبماذا يمدحونه وبماذا يعيبونه، فإن الرجل إذا سلك في هذا المعنى هذا المسلك لم يكد يخفى عليه شئ من عيوبه وإن قلّ وخفى. فإن اتّفق له ووقع عدوٌّ ومنازع مُحب لإظهار مساويه ومعايبه لم يستدرك من قَبله معرفة عيوبه، بل إظطُرَّ واُلجِئ إلى الإقلاع عنها، إن كان ممّن لنفسه مقدار وممّن يحب أن يكون خيراً فاضلاً. وقد كتب في هذا المعنى جالينوس كتاباً جعل رسمة "في الأخيار ينتفعون بأعدائهم"، فذكر فيه منافع صارت أليه من أجل عدوّ كان له. وكتب أيضاً "في تعرف الرجل عيوب نفسه" مقالةً قد ذكرنا نحن جوامعها وجملتها هنا. وفيما ذكرنا من هذا الباب كفاية وبلاغ، ومَن استعمله لم يزل كالقِدح مقوَّماً مثقَّفاً الفصل الخامس في العشق والإلف وجملة الكلام في اللذّة أمّا الرجال المذكورون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من هذه البليّة من نفس طبائعهم وغرائزهم. وذلك أنه لا شئ أشدّ على أمثال هؤلاء من

стр. 22

التذلُّل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجني والاستطالة. فهم إذا فكروا يلزم العُشاق من هذه المعاني نفروا منه وتصابروا وأزالوا الهوى عنه وإن بُلوا به، وكذلك الذين تلزمهم أشغال وهموم بليغة اضطرارية دنيائية أو دينية. فأما الخَنِثون من الرجال والغَزِلون والفُرّاغ والمُترفون والمؤثِرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلاّ إصابتها، ويرون فَوتها فَوتاً وأسفاً، وما لم يقدروا عليه منها حسرةً وشقاءً، فلا يكادون يتخلصون من هذه البلية لا سيما إن أكثروا النظر في قصص العُشاق ورواية الرقيق الغزِل من الشعر وسماع الشجي من الألحان والغناء. فلنقل الآن في الاحتراس من هذا العارض والتنبيه على مَخاتله ومكامنه بقدر ما يليق بغرض كتابنا هذا. ونقدِّم قبل ذلك كلاماً نافعاً مُعيناً على بلوغ غرض ما مرّ من هذا الكتاب وما يأتي بعده، وهو الكلام في اللذّة. فنقول: إن اللذة ليست بشيء سوى إعادة ما أخرجه المؤذي عن حالته إلى حالته التي كان عليها. كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفية حتى مسّه الحر ثم عاد إلى مكانه ذلك، فإنه لا يزال يستلذ

стр. 23

ذلك المكان حتى يعود بدنهُ إلى حالته الأولى، ثم يفقد ذلك الاستلذاذ مع عَود بدنه إلى الحالة الأولى، وتكون شدّة التذاذه بهذا المكان بمقدار شدّة إبلاغ الحرّ إليه وسرعة هذا المكان في تبريده. وبهذا المعنى حدّ الفلاسفة الطبيعيون اللذّة، فإنّ حدّ اللّذة عندهم هو رجوع إلى الطبيعة. ولأن الأذى والخروج عن الطبيعة ربما حدث قليلاً في زمان طويل، ثم حدث بعقبه رجوع إلى الطبيعة دفعةً في زمان قصير صار في مثل هذه الحال يفوتنا الحسُّ بالمؤذي ويتضاعف بيان الإحساس بالرجوع إلى الطبيعة، فنسمي هذه الحال لذةً. ويظّن بها مَن لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدمها، ويتصورها مفردةً خالصةً بريةً من الأذى. وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذّة بتّةً إلا بمقدار ما تقدمها من أذى الخروج عن الطبيعة. فإنه بمقدار أذى الجوع

стр. 24

والعطش يكون بالالتذاذ بالطعام والشراب، حتى إذا عاد الجائع والعطشان إلى حالته الأولى لم يكن شئ أبلغ من عذابه من إكراهه على تناولهما بعد أن كانا ألذّ الأشياء عنده وأحبها إليه. وكذلك الحال في سائر الملاذّ فإن هذا الحد بالجملة لازمٌ لها ومحتوٍ عليها، إلا أن منها ما نحتاج في تبيين ذلك منه إلى كلام أدقّ وألطف وأطول من هذا. وقد شرحنا هذا في مقالة كتبناها "في مائية اللذة"، وفي هذا المقدار الذي ذكرناه هاهنا كفاية لما نحتاج إليه. وأكثر المائلين مع اللذّة المنقادين لها هم الذين لم يعرفوها على الحقيقة ولم يتصوروا منها إلا الحالة الثانية، أعني التي من مبدأ انقضاء فعل المؤذي إلى استكمال الرجوع إلى الحالة الأولى. ومن أجل ذلك أحبوها وتمَّنوا أن لا يخلوا في حال منها، ولم يعلموا أنّ ذلك غير ممكن لأنها حالة لا تكون ولا تُعرَف إلا بعد تقدُّم الأولى لها. وأقول أنّ اللذّة التي يتصوروها العُشاق وسائرُ مَن كلِفَ بشيء وأُغرمَ به - كالعُشاق للترؤُّس والتملُّك وسائرِ الأمور التي يفرط ويتمكن حبها من نفوس بعض الناس حتى لا يتمنوا إلا إصابتها ولا يروا العيش إلاّ مع نيلها - عند تصوُّرهم نيل مرادهم عظيمةٌ مجاوزة للمقدار جداً. وذلك أنهم إنما يتصورون إصابة المطلوب ونيله مع عظم ذلك في أنفسهم من غير أن يخطر ببالهم الحالةُ الأولى التي هي كالطريق والمسلك إلى نيل مطلوبهم. ولو فكروا ونظروا في وعورة هذا الطريق وخشونته وصعوبته ومخاطره ومهاويه ومهالكه لمرّ عليهم ما حلا وعظُم

стр. 25

ما صغر عندهم في جنب ما يحتاجون إلى مقاساته ومكادحته. وإذ قد ذكرنا جملة مائية اللذّة وأوضحنا من أين غلط مَن تصُرها محضةً بريةً من الألم والأذى فإنا عائدون إلى كلامنا ومنبِّهون على مساوئ هذا العارض أعني العشق وخساسته. فنقول: إن العُشّاق يجاوزون حدّ البهائم في عدم ملكة النفس وزمّ الهوى وفي الانقياد للشهوات. وذلك أنهم لم يرضوا أن يصيبوا هذه الشهوة، أعني لذّ الباه - على أنها من أسمج الشهوات وأقبحها عند النفس الناطقة التي هي الإنسان على الحقيقة - من أيّ موضع يمكن إصابتها منه، حتى أرادوها من موضع مّا بعينه فضمّوا شهوةً إلى شهوة وانقادوا وذّلوا للهوى ذلاً على ذلّ وازدادوا له عبوديةً إلى عبوديّة. والبهيمة لا تصير من هذا الباب إلى هذا الحدّ ولا تبلغه، ولكنها تصيب منه بقدر ما لها في الطبع مما تطرح به عنها ألم المؤذي المَّهيج لها عليه لا غير، ثم تصير إلى الراحة الكاملة منه. وهؤلاء لمّا لم يقتصروا على المقدار البهيمي من الانقياد للطباع، بل استعانوا بالعقل - الذي فضّلهم الله على البهائم وأعطاهم إيّاه ليروا مساوئ الهوى ويزمّوه ويملكوه - في التسلُّق على لطيف الشهوات وخفّيها والتحُّيز لها والتّفوق فيها، وجب عليهم وحقَّ لهم ألاّ يبلغوا منها إلى غاية ولا يصيروا منها إلى راحة، ولا يزالوا متأذّين بكثرة البواعث عليها ومتحسِّرين على كثرة الفائت منها غير مغتبطين ولا راضين - لنزوع أنفسهم عنها وتعلُّق أمانيهم بما فوقها وبما لا نهاية له منها - بما نالوه أيضاً وقدروا عليه منها.

стр. 26

ونقول أيضاً: إن العُشّاق مع طاعتهم للهوى وإيثارهم اللذّة وتعبدَّهم لها يحزنون من حيث يظنون أنهم يفرحون، ويألمون من حيث يظنون أنهم يلذّون. وذلك أنهم لا ينالون من ملاذهم شيئاً ولا يصلون إليه إلاّ بعد أن يمسّهم الهمّ والجهد ويأخذ منهم ويبلغ إليهم. وربما لم يزالوا من ذلك في كُرَب منُصِبة وغُصَصٍ متصلة من غير نيل مطلوبٍ بتّةً. والكثير منهم يصير لِدوام السهر والهم وفقد الغذاء إلى الجنون والوسواس وإلى الدِقّ والذبول. فإذا هم وقعوا من حِبال اللذة وشِباكها في الرديء والمكروه، وأدتّهم عواقبها إلى غاية الشقاء والتهلكة. وأمّا الذين ظنّوا أنهم ينالون لذّة العشق كَمَلاّ ويصيبونه مّمن ملكوه وقدروا عليه فقد غلطوا وأخطئوا خطاً بيّناً. وذلك أنّ اللذّة إنما تكون إذا نيلة بمقدار بلاغ ألم المؤذي الباعث عليها الداعي إليها، ومَن ملك شيئاً وقدر عليه ضعف فيه هذا الباعث الداعي وهدأ وسكن سريعاً. وقد قيل قولاً حقّاً صدقاً إنّ كل موجود مملوك وكل ممنوع مطلوب ونقول أيضا: إن مفارقة المحبوب أمر لا بد منه اضطرارا بالموت، وإن سلم من سائر حوادث الدنيا وعوارضها المبددة للشمل المفرقة بين الأحبة. وإذا كان لا بد من إساغة هذه الغصة وتجرع هذه المرارة فإن تقديمها والراحة منها أصلح من تأخيرها والانتظار لها، لأن ما لا بد من وقوعه متى قُدّم أُزِيحَ مؤونة الخوف منه مدة تأخيره. وأيضا فإن منع النفس من محبوبها قبل أن يستحكم حُبّه ويرسخ فيها ويستولي عليها أيسر وأسهل. وأيضا فإن العشق متى

стр. 27

انضم إليه الإلف عسر النزوع عنه والخروج منه، فإن بلية الإلف ليست بدون بلية العشق، بل لو قال قائل إنه أوكد وأبلغ منه لم يكن مخطئا، ومتى قصرت مدة العشق وقل فيه لقاء المحبوب كان أحرى أن لا يخالطه ويعاونه الإلف. والواجب في حكم العقل من هذا الباب أيضا المبادرة في منع النفس وزمِّها عن العشق قبل وقوعها فيه، وفطمها منه إذا وقعت قبل استحكامه فيها. وهذه الحجة يقال إن فلاطن الحكيم احتج بها على تلميذ له بلى بحب جارية فأخل بمركزه من مجلس مدارس فلاطن. فأمر أن يطلب ويؤتى به، فلما مثل بين يديه قال أخبرني يا فلان هل تشك في انه لا بد لك من مفارقة حبتك هذه يوما ما؟ قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في هذا اليوم، قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم، وأزح ما بينهما من خوف المنتظر الباقي بحاله الذي لابدّ من مجيئه وصعوبة معالجة ذلك بعد الاستحكام وانضمام الإلف إليه وعَضْدِه له. فيقال إنّ التلميذ قال لفلاطن إنّ ما تقول أيها السيد الحكيم حقٌ، لكني أجدُ انتظاري له سلوةً بمرور الأيام عنّي أخفُّ عليَّ. فقال له فلاطن وكيف وثقت بسلوة الأيام ولم تَخَفْ إلفها، ولم أمنت أن تأتيك الحالة المفرِّقة قبل السلوة وبعد الاستحكام، فتشتدّ بك الغُصّة وتتضاعف عليك المرارة. فيقال إن ذلك الرجل سجد في تلك الساعة لفلاطن وشكره ودعا له وأثنى عليه، ولم يعاود شيئاً مما كان فيه ولم يَظهر منه حزن ولا شوق، ولم يزل بعد ذلك لازماً لمجالس فلاطن غيرَ مُخلٍّ بها بتّةً. ويقال إنّ

стр. 28

فلاطن أقبل بعد فراغه من هذا الكلام على وجوه تلامذته فلامهم وعذلهم في تركهم وإطلاقهم هذا الرجلَ وصَرْفَ كل همّته إلى سائر أبواب الفلسفة قبل إصلاح نفسه الشهوانية وقمعها وتذليلها للنفس الناطقة. ولأن قوماً رُوعْناً يعاندون ويناصبون الفلاسفة في هذا المعنى بكلام سخيف ركيك كسخافتهم وركاكتهم - وهؤلاء هم الموسومون بالظرف والأدب - فإنّا نذكر ما يأتون به في هذا المعنى ونقول فيه من بعده. إنّ هؤلاء القوم يقولون إنّ العشق إنما يعتاده الطبائعُ الرقيقة والأذهان اللطيفة، وإنه يدعو إلى النظافة واللباقة والزينة والهيئة. ويُشيعون هذا ونحوه من كلامهم بالغزل من الشعر البليغ في هذا المعنى، ويحتجّون بمن عشق من الأدباء والشعراء والسراة والرؤساء ويتخطونهم إلى الأنبياء. ونحن نقول: إنّ رقّة الطبع ولطافة الذهن وصفاءه يُعرَفان ويُعتبران بإشراف أصحابهما على الأمور الغامضة البعيدة والعلوم اللطيفة الدقيقة وتبيين الأشياء المشكلة الملتبسة واستخراج الصناعات المُجدِيَة النافعة. ونحن نجد هذه الأمور مع الفلاسفة فقط، ونرى العشق لا يعتادهم ويعتاد اعتياداً كثيراً دائماً أجلاف الأعراب والأكراد والأعلاج والأنباط. ونجد أيضاً من الأمر العامّ الكلّي أنه ليست أمة من الأمم أرقّ فطنةً وأظهر حكمةً من اليونانيين، ونجد العشق في جملتهم أقلّ ممّا في جملة سائر الأمم. وهذا يوجِب ضدَّ ما ادّعوه، أعني أنه يوجب أن يكون العشق إنما يعتاد أصحابَ الطبائع الغليظة والأذهان البليدة، ومَن قلّ فكره ونظره ورويته بادر إلى الهجوم على ما دعته إليه نفسه

стр. 29

ومالت إليه شهوته. وأمّا احتجاجهم بكثرة مَن عشق من الأدباء والشعراء والسراة والرؤساء فإنا نقول: إنّ السروَ والرياسة والشعر والفصاحة ليست ممّا لا يوجد أبداً إلاّ مع كمال العقل والحكمة، وإذا كان الأمر كذلك أمكن أن يكون العُشاق من هؤلاء من النقص في عقولهم وحكمتهم. وهؤلاء القوم لجهلهم ورعونتهم يحسبون أنّ العلم والحكمة إنما هو النحو والشعر والفصاحة والبلاغة، ولا يعلمون أنّ الحكماء لا يَعُدّون ولا واحداً من هذه حكمةً ولا الحاذق بها حكيماً، بل الحكم عندهم من عرف شروط البرهان وقوانينه واستدراك وبلغ من العلم الرياضي والطبيعي والعلم الإلهي مقدار ما في وسع الإنسان بلوغُه. ولقد شهدت ذات يوم رجلاً من متحذلقيهم عند بعض مشايخنا بمدينة السلام، وكان لهذا الشيخ مع فلسفته حظّ وافر من المعرفة بالنحو واللغة والشعر، وهو يجاريه وينشده ويبذخ ويشمخ في خلال ذلك بأنفه ويُطنب ويبالغ في مدح أهل صناعته ويرذل مَن سواهم، والشيخ في كل ذلك يحتمله معرفةً منه بجهله وعُجبه ويتبسّم إلى أن قال فيما قال: هذا والله العلم وما سواه ريح، فقال له الشيخ يا بنيّ هذا علم مَن لا علم له ويفرح به من لا عقل له. ثم أقبل عليّ وقال سل فتانا هذا عن شيء من مبادئ العلوم الاظطرارية، فإنه ممّن يرى أنّ مَن مهر في اللغة يمكنه الجواب عن جميع ما يُسئل عنه. فقلت خبَّرني عن العلوم أَظطرارية هي أم اصطلاحية؟ ولم أتمم التقسيم على تعمُّد، فبادر فقال العلوم كلها اصطلاحيه. وذلك أنه كان سمع أصحابنا يعيرون هذه العصابة أنّ علمهم

стр. 30

اصطلاحي، فأحب أن يعيهم بمثل ما عابوه جهلاً منه بما لهم دونه في هذا الباب. فقلت له فمَن علم أنّ القمر ينكسف ليلة كذا وكذا، وأن السقمونيا يُطلق البطن متى أُخذ، وأن المرداسنج يذهب بحموضة الخلّ متى سُحق وطُرح فيه إنما صحّ له علم ذلك من اصطلاح الناس عليه؟ فقال لا. فقلت فمن أين عُلم ذلك؟ فلم يكن فيه من الفضل ما يبين عمّا به نحوتُ. ثم قال فإني أقول إنها كلها اضطرارية، ظنّاً منه وحسباناً أنه يتهيأ له أن يُدرج النحو في العلوم الاضطرارية. فقلت له خبِّرني عمّن عُلم أنّ المنادى بالنداء المفرد مرفوع وأن المنادى بالنداء المضاف منصوب، أعُلم أمراً اضطراريّاً طبيعياً أم شيئاً مصطلحاً باجتماع من بعض الناس عليه دون بعض؟ فلجلج بأشياء يروم بها أن يُثبت أنّ هذا الأمر اضطراري ممّا كان يسمعه من أستاذيه، فأقبلت أُريه تداعيه وتهافُتَه مع ما لحقه من استحياءٍ وخجل شديد واغتنام. وأقبل الشيخ يتضاحك ويقول له ذُق يا بنيّ طعم العلم الذي هو على الحقيقة علم. وإنما ذكرنا من هذه القصّة ما ذكرنا ليكون أيضاً من بعض المنبِّهات والدواعي إلى الأمر الأفضل، إذ ليس لنا غرض في هذا الكتاب إلاّ ذاك ولسنا نقصد - بما مرّ من كلامنا هذا من الاستجهال والاستنقاص - لِجميع من عُني بالنحو والعربيّة واشتغل بهما وأخذ منهما، فإن فيهم مَن قد جمع الله له إلى ذلك حظّاً وافراً من العلوم، بل للجهّالِ من هؤلاء الذين لا يرون أنّ علماً موجود سواهما ولا أنّ أحداً يستحق أن يسمَّى عالماً إلاّ بهما

стр. 31

وقد بقي علينا من حجاج القوم شئ لم نقل فيه قولاً، وهو احتجاجهم لتحسين العشق بالأنبياء وما بُلُوا به منه. فنقول: إنه ليس من أحد يستجيز أن يُعَد العشق منقبةً من مناقب الأنبياء ولا فضيلةً من فضائلهم ولا أنه شئ آثروه واستحسنوه، بل إنما يُعَدّ هفوةً وزلةً من هفواتهم وزلاّتهم. وإذا كان ذلك كذلك فليس لتحسينه وتزيينه ومدحه وترويجه بهم وجه بتّةً، لأنه إنما ينبغي لنا أن نحث أنفسنا ونبعثها من أفعال الرجال الفاضلين على ما رضوه لأنفسهم واستحسنوه لها وأحبوا أن يُقتدى بهم فيه، لا على هفواتهم وزلاّتهم وما تابوا منه وندموا عليه وودّوا أن لا يكون ذلك جرى عليهم وكان منهم. فأما قولهم إنّ العشق يدعو إلى النظافة واللباقة والهيئة والزينة، فما يُصنع بجمال الجسد مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسداني ويجتهد فيه إلاّ النساء وذوو الخُنث من الرجال؟ ويقال إن رجلاً دعا بعض الحكماء إلى منزله، وكان كل شئ له من آلة المنزل على غاية السرور والحسن، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل والبله والفدامة. ويقال إنّ ذلك الحكيم تأمل كل شئ في منزله ثم إنه بصق على الرجل نفسه. فلما استشاط وغضب من ذلك قال له لا تغضب، فإني تأمّلت جميع ما في منزلك وتفقّدته فلم أر فيه أسمج ولا أرذل من نفسك، فجعلتها موضعاً للبصاق باستحقاق منها لذلك. ويقال إنّ ذلك الرجل بعد ذلك استخّفّ بما كان فيه وحرص على العلم والنظر.

стр. 32

ولأنا قد ذكرنا فيما مر من كلامنا قُبَيلُ الإلفَ فإنا قائلون في هائيته والاحتراس منه بعض القول، فنقول: إنّ الإلف هو ما يحدث في النفس عن طول الصحبة من كراهية مفارقة المصحوب، وهي أيضاً بليّة عظيمة تنمى وتزداد على الأيام ولا يُحَس بها إلاّ عند مفارقة المصحوب، ثم يظهر منها حينئذ دفعةً أمرٌ مؤذٍ للنفس جداً. وهذا العارض يعرض للبهائم أيضاً إلاّ أنه في بعضها أوكد منه في البعض. والاحتراس منه يكون بالتعرُّض لمفارقة المصحوب حالاً بعد الحال، وأن لا يُنسى ذلك ويُفعل البتّة بل تُدرَّج نفسه إليه وتُمرَّن عليه. وقد بيّنّا من هذا الباب ما فيه كفاية، ونحن الآن قائلون في العُجب . الفصل السادس في العُجب أقول: إنه من أجل محبّة كل إنسان لنفسه يكون استحسانه للحَسَن منها فوق حقّه واستقباحه للقبيح منها دون حقّه، ويكون استقباحه للقبيح واستحسانه للحسن من غيره - إذ كان بريّاً من حُبّه وبُغضّه - بمقدار حقّه، لأنّ عقله حينئذ صافٍ لا يشوبه ولا يجاذبه الهوى. ومن أجل ما ذكرنا فإنه إذا كانت للإنسان أدنى فضيلةٍ عَظُمَت عند نفسه وأحبّ أن يُمدَح عليها فوق استحقاقه. وإذا تأكدت فيه هذه الحالة صار عُجباً، ولا سيمّا إن وجد قوماً يساعدونه على

стр. 33

ذلك ويبلغون من تزكيته ومدحه ما يحب. ومن بلايا العُجب أنه يؤدي إلى النقص في الأمر الذي يقع به العُجب، لأنّ المُعجب لا يروم التزيُّد ولا الاقتناء والاقتباس من غيره في الباب الذي منه يُعجَب بنفسه. لأنّ المُعجَب بفرسه لا يروم أن يستبدل به ما هو أفرهُ منه لأنه لا يرى أنّ فرساً أفرهُ منه، والمُعجب بعمله لا يتزيَّد منه لأنه لا يرى أنّ فيه مزيداً. ومَن لم يستزد من شئٍ ما نقص لا محالة وتخلّف عن رتبة نظرائه وأمثاله، لأنّ هؤلاء - إذا كانوا غير مُعجبين - لم يزالوا مستزيدين ولم يزالوا لذلك متزيِّدين مترقِّين، فلا يلبثوا أن يجاوزوا المُعجب ولا يلبث المُعجب أن يتخلّف عنهم. وممّا يُدفع به المُعجب أن يَكِلَ الرجلُ اعتبارَ مساويه ومحاسنه إلى غيره على ما ذكرنا قبلُ حيث ذكرنا تعرُّف الرجل عيوب نفسه، وأن لا يعتبر ولا يقيس نفس بقومٍ أخساء أدنياء ليس لهم حظ وافر من الشيء الذي أُعجب به من نفسه، أو يكون في بلدٍ هذه حالةٌ أهله. فأنه مَن احترس من هذين البابين لم يزل يَرِدُ عليه كلَّ يوم ما يكون به إلى تنقُّص نفسه أمْيَلَ منه إلى العُجب بها. وفي الجملة فإنه ينبغي أن لا تكبر وتعظم نفسه عنده حتى يجاوز مقدار نظرائه عند غيره، ولا تصغر ولا تقل حتى ينحط عنهم أو عمّن هو دونه ودونهم عند غيره. فإنه إذا فعل ذلك وقوم نفسه عليه كان برياً من زهو العُجب وخسة الدناءة، وسماه الناس العارف بقدر نفسه. وفيما ذكرنا أيضاً في هذا الباب كفاية، فلنقل الآن في الحسد

стр. 34

الفصل السابع في الحسد أقول: إن الحسد أحد العوارض الرديّة ويتولد من اجتماع البخل والشره في النفس. والمتكلمون في إصلاح الأخلاق يسمون الشرير مَن يلتذّ طباعاً مَضارَّ تقع بالناس ويكره ما وقع بموافقتهم وإن كانوا لم يَتِرُوه ولم يَسوؤه، كما أنهم يسمون الخير مَن أحبّ وإلتذّ ما وقع بوفاق الناس ونفعهم. والحسد شرّ من البخل لأن البخيل إنما لا يحب ولا يرى أن ينيل أحداً شيئاً مما يملكه ويحويه، والحسود يحب أن لا ينال أحد خيرً بتّةً ولو مما لا يملكه، وهو داء من أدواء النفس عظيم الأذى لها. ومما يدفع به أن يتأمل العاقل الحسد، فأنه سيجد له من رسم الشرير حظاً وافراً إذ كان الحسود يُرسم بأنه كاره لِما وقع بوفاق مَن لم يَترْه ولم يُسِئْ به. وهذا شطرٌ من حدّ الشرَّير، الشرَّير مستحق للمقت من البارئ ومن الناس. أما من البارئ فلأنه مضادّ له في إرادته إذ هو عزّ اسمه المفضَّلُ على الكل المريدُ الخيرَ للكل. وأما من الناس فلأنه مُبغض ظالم لهم، فإن مَن أحب وقوع المكروه بإنسان ما أو لم يحب وصول خير إليه مبغض له. فإن كان هذا الإنسان مّمّن لم يَتِرْه ولم يُسِئْ به فإنه مع ذلك ظالم له. وأيضاً فإن المحسود لم يُزِلْ عن الحاسد شيئاً مّمّا هو في يديه ولا منعه من

стр. 35

بلوغ شئ كان يقدَر عليه ولا استعان به على شئٍ من أمره. وإذا كان ذلك كذلك فما هو -أعني المحسود - إلاّ بمنزلة سائر من نال خيراً وبلغ أمنيته من الناس الغائبين عن الحاسد. فكيف لا يحسد من بالهند والصين؟ فإن كان لا يحسدهم من اجل غيبتهم عنه فليتصوّرهم بأحوالهم وما ينقلبون فيه من نعيمهم. فإن كان حُمقاً أو جنوناً أن يحزن لما نال هؤلاء وبلغوا من أمانيهم فإن حُمقاً مثله الحُزنُ والاغتمام لما نال من بحضرته إذ كانوا بمنزلة الغُيَّب عنه في أنهم لم يسلبوه شيئاً مما في يديه ولا منعوه بلوغ شئ كان يقدر عليه ولا استعانوا على أمر من أمورهم به. وليس بينهم وبين الغُيّب عنه فرق إلا في مشاهدة الحاسد أحوالهم التي يمكن تصوُّر مثلها من الغُيّب عنه ويعلم ويستيقن أنهم منها في مثل ما هم فيه. وقد يغلط بعض الناس في حد الحسد حتى إنهم يَسِمون بالحسد قوماً إنما يكرهون الخير لمَن عليهم منهم في إصابتهم ذلك بعض المضار والمؤن. وليس ينبغي أن يسمَّى ولا واحدٌ من هؤلاء حاسداً، بل ينبغي أن يسمى الحاسد مطلقاً من اغتم من خير يناله غيره من حيث لا مضرّة عليه منه البتّة، ويسمى بليغ الحسد من اغتم من خيرٍ يناله غيره وإن كان له في ذلك نفع ما. فأما إذا جاءت المؤن والمضار فإنها تحدث في النفس عداوةً بمقدارها لا حسداً. ومثل هذا من

стр. 36

التحاسد لا يكاد يكون إلا بين الأقرباء والمعاشرين والمعارف. فإنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلدٍ ما ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهةً لذلك، ثم يملكهم رجل من بلدهم فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهيته لذلك، هذا على أنه ربما كان هذا الرجل المالك - أعني البلديّ- أرأف بهم وأنظر إليهم من المالك الغريب. وإنما يؤُتَى الناسُ في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، وذلك أن كل واحد منهم من أجل حُبه لنفسه يحب أن يكون سابقاً إلى المراتب المرغوب فيها غير مسبوق إليها فإذا هم رأوا من كان بالأمس معهم اليوم سابقاً لهم مقدَّماً عليهم اغتموا لذلك وصعب واشتدّ عليهم سَبقُه إيّاهم إليها، ولم يُرضِهم منه تعطُّفُه عليهم ولا إحسانه إليهم، لأن أنفسهم متعلِّقة بالغاية مما صار إليه هذا السابق لا غير لا يرضيهم سواه ولا يستريحون دونه. وأما المالك الغريب فمن أجل أنهم لم يشاهدوا حالته الأولى لا يتصورون كمالَ سَبِقه لهم وفضله عليهم فيكون ذلك أقلَّ لغمِّهم وأسفهم. وقد ينبغي أن يُرجع في مثل هذا إلى العقل ويُتَأمَّل في هذا الأمر ما أقول. أقول: إنه ليس لَحَنقِِ الحاسد وغيظه وبُغضه لهذا الرجل القريب السابق له وجهٌ في العدل بتةً، وذلك أنه لم يمنع المسبوقَ من المبادرة إلى المطلوب وإن حصّله وحَظِيَ به دونه. وليس الحظُّ الذي ناله هذا السابقُ شيئاً كان الحاسدُ أحقَّ به أو أحوجَ إليه، فلا يُبغضْه إذا ولا يحنقْ عليه بل ليحنق على جَدَّه أو على

стр. 37

تراخيه، فإن أحدهما هو الذي حرمه وأقعده عن بلوغ أمله. مع أنه إذا كان هذا السابق أخاً أو ابن عمّ أو قريباً أو معرفةً أو بلديّاً كان أصلحَ للحاسد وكان أرجى لخيره وآمَنَ مِن شرِّه، إذ بينهما وُصلة التختُّن وهي وُصلة طبيعية وكيده وأيضاً فإنه إذا كان لا بد أن يكون في الناس الرؤساءُ والملوك والمُثْرُون والمُكثِرون ولم يكن الحاسدُ ممّن يؤمِّل ويرجو أن يصير ما هو لهم إليه أو إلى مَن صار إليه انتفع هو به فليس لكراهيته أن يبقى عليه وجهٌ في العقل بتّةً، لأنه سواء عليه بقى فيهم أو صار إلى غيرهم ممّن حالهُ في عدم انتفاعه بهم حالهُ وأيضاً فنقول: إنّ العاقل قد يزمُّ ببصيرة نفسه الناطقة وقوة نفسه الغضبيّة نفسَه البهيمية حتى يرعها من إصابة الأشياء اللذيذة الشهيّة عمّا لا شهوة ولا لذّة فيه، وفيه مع ذلك مضرّة النفس والبدن جميعاً. وأقول: إنّ الحسد ممّا لا لذّةَ فيه، وإن كان فيه منها شئ فإنه أقلّ كثيراً من سائر الأشياء من اللذّات، وهو مُضر بالنفس والجسد. أمّا بالنفس فلأنه يُذهلها ويُعزب فكرها ويَشغلها حتى لا تفرغ للتصرُّف فيما يعود نفعُه على الجسد وعليها لِما يعرض معه للنفس من العوارض الردّيئة، مثل طول الحزن والهّم والفكر. وأمّا بالجسد فلأنه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض للنفس طولُ السهر وسوءُ الاغتذاء، ويُعقب ذلك رداءةَ اللون وسوءَ السَحنَة وفسادَ المزاج. وإذا كان العاقل يزُمّ بعقله الهوى - المقرَّبَ إليه الشهوات اللذيذةَ بعد أن تكون ممّا يُعقب مضرةً - فأولى به وأولى أن يجتهد في محوِ هذا العارض عن نفسه ونسيانه

стр. 38

ولإضراب عنه وترك الفكر فيه متى خطر بباله. وأيضاً فإن الحسد نِعْمَ العون والمنتقِمُ من الحاسد والمحسود، وذلك أنه يُديم همَّه وغمَّه ويذُهِل عقله ويعذِّب جسده ويوُهِن بأشغال نفسه وإضعاف جسده كيدَه للمحسود وسعيه عليه إن دام ذلك. فأيُّ رأي هو أولى بالتسفيه والترذيل من الذي لا يجلب على صاحبه إلا ضرراً، وأيُّ سِلاح أحقُّ وأَولى بالاطّراح من الذي هو جُنّة للعدوّ وجارح للحامل؟ وأيضاً فإنّ ممّا يمحو الحسدَ عن النفس ويُسهِّل ويُطيب لها الإقلاعَ عنه أن يتأمّل العاقلُ أحوالَ الناس - ترقِّيهم في المراتب ووصولهم إلى المطالب - وأحوالهم مما صاروا إليه من هذين البابين، ويُجيدَ التثبُّتَ فيه على ما نحن ذاكروه هاهنا، فإنه سيَهجُم منه على أنّ حالة المحسود عند نفسه خلافُها عند الحاسد، وأنّ يتصورّه الحاسدُ من عِظَمها وجلالتها ونهايةِ غبطة المحسود وتمتُّعه بها ليس كذلك. أقول: إنّ الإنسان لا يزال يستعظم الحالةَ ويستجلّها ويودّ ويتمنى بلوغَها والوصول إليها، ويرى بل لا يشك أنّ الذين قد نالوها وبلغوها هم في غاية الاغتباط والاستمتاع بها، حتى إذا بلغها ونالها لم يفرح ولم يُسَرّ بها إلاّ مُدَيدةً يسيرةً بقدر ما يستقر فيها ويتمكن منها ويُعرف بها، ويكون هذه المُدَيدةَ عند نفسه مسعوداً مغتبطاً بها، حتى إذا حصلت له هذه الحالةُ - المتمنَّاةُ كانت - واستحكم كونُه فيها وملكه لها ومعرفةُ الناس له

стр. 39

بها سَمَتْ نفسُه إلى ما هو فوقها وتعلّقت أمنيته بما هو أعلى منها، فاستقل واسترذل حالتَه التي هو فيها التي قد كانت من قبلُ غايَته وأملَه، وصار بين هّم وخوفٍ: أمّا الخوف فمن النزول عن الدرجة التي نالها وحصّلها، وأمّا الهّم فبالتي يقدِّر بلوغها. فلا يزال متقنِّطاً لها متنغِّصا بها زارياً عليها، مُتعبَ الفكر والجسد في إعمال الحيلة للتنقُّل عنها والترقَّي منها إلى ما سواها، ثم تكون حالته في الثانية كذلك وفي الثالثة إن بلغها وفي كل ما نال ووصل إليه منها. وإذا كان الأمر كذلك فيحق على العاقل أن يحسد أحداً على فضل من دُنيا ناله ممّا يستغنى عنه في إقامة العيش، وأن لا يظن أنّ أصحاب الفضل فيها والإكثار منها لهم من فضل الراحة واللذّة بحسب ما عندهم من فضل عُروض الدنيا. وذلك أنّ هؤلاء لِمطاولة هذه الحال ودوامها يصيرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذّوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذُهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيّتهم في قلّة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مُجدِّين منكمشين في الترقِّي والعلو إلى ما فوقهم تَقِلُّ راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقلَّ من راحة مَن هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائماً أبداً كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذاً فيها بعقله طارحاً لهواه عَلِمَ أنّ الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائماً فضلُ الراحة عليها. فأيُّ وجهٍ للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضاً كفاية، فلنقل الآن في الغضبرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذّوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذُهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيّتهم في قلّة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مُجدِّين منكمشين في الترقِّي والعلو إلى ما فوقهم تَقِلُّ راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقلَّ من راحة مَن هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائماً أبداً كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذاً فيها بعقله طارحاً لهواه عَلِمَ أنّ الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته

стр. 40

هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائماً فضلُ الراحة عليها. فأيُّ وجهٍ للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضاً كفاية، فلنقل الآن في الغضب
следующие страницы →