← Прочие науки

Прочие науки · id 12834

رسائل فلسفية للرازي

محمد بن زكريا الرازي

Полный текст (119 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التحاسد لا يكاد يكون إلا بين الأقرباء والمعاشرين والمعارف. فإنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلدٍ ما ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهةً لذلك، ثم يملكهم رجل من بلدهم فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهيته لذلك، هذا على أنه ربما كان هذا الرجل المالك - أعني البلديّ- أرأف بهم وأنظر إليهم من المالك الغريب. وإنما يؤُتَى الناسُ في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، وذلك أن كل واحد منهم من أجل حُبه لنفسه يحب أن يكون سابقاً إلى المراتب المرغوب فيها غير مسبوق إليها فإذا هم رأوا من كان بالأمس معهم اليوم سابقاً لهم مقدَّماً عليهم اغتموا لذلك وصعب واشتدّ عليهم سَبقُه إيّاهم إليها، ولم يُرضِهم منه تعطُّفُه عليهم ولا إحسانه إليهم، لأن أنفسهم متعلِّقة بالغاية مما صار إليه هذا السابق لا غير لا يرضيهم سواه ولا يستريحون دونه. وأما المالك الغريب فمن أجل أنهم لم يشاهدوا حالته الأولى لا يتصورون كمالَ سَبِقه لهم وفضله عليهم فيكون ذلك أقلَّ لغمِّهم وأسفهم. وقد ينبغي أن يُرجع في مثل هذا إلى العقل ويُتَأمَّل في هذا الأمر ما أقول. أقول: إنه ليس لَحَنقِِ الحاسد وغيظه وبُغضه لهذا الرجل القريب السابق له وجهٌ في العدل بتةً، وذلك أنه لم يمنع المسبوقَ من المبادرة إلى المطلوب وإن حصّله وحَظِيَ به دونه. وليس الحظُّ الذي ناله هذا السابقُ شيئاً كان الحاسدُ أحقَّ به أو أحوجَ إليه، فلا يُبغضْه إذا ولا يحنقْ عليه بل ليحنق على جَدَّه أو على

стр. 37

تراخيه، فإن أحدهما هو الذي حرمه وأقعده عن بلوغ أمله. مع أنه إذا كان هذا السابق أخاً أو ابن عمّ أو قريباً أو معرفةً أو بلديّاً كان أصلحَ للحاسد وكان أرجى لخيره وآمَنَ مِن شرِّه، إذ بينهما وُصلة التختُّن وهي وُصلة طبيعية وكيده وأيضاً فإنه إذا كان لا بد أن يكون في الناس الرؤساءُ والملوك والمُثْرُون والمُكثِرون ولم يكن الحاسدُ ممّن يؤمِّل ويرجو أن يصير ما هو لهم إليه أو إلى مَن صار إليه انتفع هو به فليس لكراهيته أن يبقى عليه وجهٌ في العقل بتّةً، لأنه سواء عليه بقى فيهم أو صار إلى غيرهم ممّن حالهُ في عدم انتفاعه بهم حالهُ وأيضاً فنقول: إنّ العاقل قد يزمُّ ببصيرة نفسه الناطقة وقوة نفسه الغضبيّة نفسَه البهيمية حتى يرعها من إصابة الأشياء اللذيذة الشهيّة عمّا لا شهوة ولا لذّة فيه، وفيه مع ذلك مضرّة النفس والبدن جميعاً. وأقول: إنّ الحسد ممّا لا لذّةَ فيه، وإن كان فيه منها شئ فإنه أقلّ كثيراً من سائر الأشياء من اللذّات، وهو مُضر بالنفس والجسد. أمّا بالنفس فلأنه يُذهلها ويُعزب فكرها ويَشغلها حتى لا تفرغ للتصرُّف فيما يعود نفعُه على الجسد وعليها لِما يعرض معه للنفس من العوارض الردّيئة، مثل طول الحزن والهّم والفكر. وأمّا بالجسد فلأنه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض للنفس طولُ السهر وسوءُ الاغتذاء، ويُعقب ذلك رداءةَ اللون وسوءَ السَحنَة وفسادَ المزاج. وإذا كان العاقل يزُمّ بعقله الهوى - المقرَّبَ إليه الشهوات اللذيذةَ بعد أن تكون ممّا يُعقب مضرةً - فأولى به وأولى أن يجتهد في محوِ هذا العارض عن نفسه ونسيانه

стр. 38

ولإضراب عنه وترك الفكر فيه متى خطر بباله. وأيضاً فإن الحسد نِعْمَ العون والمنتقِمُ من الحاسد والمحسود، وذلك أنه يُديم همَّه وغمَّه ويذُهِل عقله ويعذِّب جسده ويوُهِن بأشغال نفسه وإضعاف جسده كيدَه للمحسود وسعيه عليه إن دام ذلك. فأيُّ رأي هو أولى بالتسفيه والترذيل من الذي لا يجلب على صاحبه إلا ضرراً، وأيُّ سِلاح أحقُّ وأَولى بالاطّراح من الذي هو جُنّة للعدوّ وجارح للحامل؟ وأيضاً فإنّ ممّا يمحو الحسدَ عن النفس ويُسهِّل ويُطيب لها الإقلاعَ عنه أن يتأمّل العاقلُ أحوالَ الناس - ترقِّيهم في المراتب ووصولهم إلى المطالب - وأحوالهم مما صاروا إليه من هذين البابين، ويُجيدَ التثبُّتَ فيه على ما نحن ذاكروه هاهنا، فإنه سيَهجُم منه على أنّ حالة المحسود عند نفسه خلافُها عند الحاسد، وأنّ يتصورّه الحاسدُ من عِظَمها وجلالتها ونهايةِ غبطة المحسود وتمتُّعه بها ليس كذلك. أقول: إنّ الإنسان لا يزال يستعظم الحالةَ ويستجلّها ويودّ ويتمنى بلوغَها والوصول إليها، ويرى بل لا يشك أنّ الذين قد نالوها وبلغوها هم في غاية الاغتباط والاستمتاع بها، حتى إذا بلغها ونالها لم يفرح ولم يُسَرّ بها إلاّ مُدَيدةً يسيرةً بقدر ما يستقر فيها ويتمكن منها ويُعرف بها، ويكون هذه المُدَيدةَ عند نفسه مسعوداً مغتبطاً بها، حتى إذا حصلت له هذه الحالةُ - المتمنَّاةُ كانت - واستحكم كونُه فيها وملكه لها ومعرفةُ الناس له

стр. 39

بها سَمَتْ نفسُه إلى ما هو فوقها وتعلّقت أمنيته بما هو أعلى منها، فاستقل واسترذل حالتَه التي هو فيها التي قد كانت من قبلُ غايَته وأملَه، وصار بين هّم وخوفٍ: أمّا الخوف فمن النزول عن الدرجة التي نالها وحصّلها، وأمّا الهّم فبالتي يقدِّر بلوغها. فلا يزال متقنِّطاً لها متنغِّصا بها زارياً عليها، مُتعبَ الفكر والجسد في إعمال الحيلة للتنقُّل عنها والترقَّي منها إلى ما سواها، ثم تكون حالته في الثانية كذلك وفي الثالثة إن بلغها وفي كل ما نال ووصل إليه منها. وإذا كان الأمر كذلك فيحق على العاقل أن يحسد أحداً على فضل من دُنيا ناله ممّا يستغنى عنه في إقامة العيش، وأن لا يظن أنّ أصحاب الفضل فيها والإكثار منها لهم من فضل الراحة واللذّة بحسب ما عندهم من فضل عُروض الدنيا. وذلك أنّ هؤلاء لِمطاولة هذه الحال ودوامها يصيرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذّوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذُهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيّتهم في قلّة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مُجدِّين منكمشين في الترقِّي والعلو إلى ما فوقهم تَقِلُّ راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقلَّ من راحة مَن هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائماً أبداً كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذاً فيها بعقله طارحاً لهواه عَلِمَ أنّ الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائماً فضلُ الراحة عليها. فأيُّ وجهٍ للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضاً كفاية، فلنقل الآن في الغضبرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذّوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذُهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيّتهم في قلّة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مُجدِّين منكمشين في الترقِّي والعلو إلى ما فوقهم تَقِلُّ راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقلَّ من راحة مَن هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائماً أبداً كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذاً فيها بعقله طارحاً لهواه عَلِمَ أنّ الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته

стр. 40

هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائماً فضلُ الراحة عليها. فأيُّ وجهٍ للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضاً كفاية، فلنقل الآن في الغضب

стр. 41

الفصل الثامن في دفع الغضب إنّ الغضب جُعل في الحيوان ليكون له به انتقامٌ من المؤذي. وهذا العارض إذا أفرط وجاوز حدَّه حتى يُفقَد معه العقل فربما كانت نكايته في الغضب وإبلاغُه إليه المضرةَ أشدَّ وأكثر منها في المغضوب عليه. ومن أجل ذلك ينبغي للعاقل أن يُكثِر تذكُّرَ أحوال مَن أدَّى به غضبه إلى أمور مكروهة في عاجل الأمر وآجله، ويأخذ نفسه بتصورها في حال غضبه. فإن كثيراً ممن يغضب ربما لكم ولطم ونطح، فجلب بذلك من الألم على نفسه أكثر مما نال به من المغضوب عليه. ولقد رأيت من لكم رجلاً على فكَّه فكسر أصابعه حتى مكث يعالجها اشهُراً، ولم ينل الملكوم كثيرُ أذىً. ورأيت من استشاط وصاح فنفث الدم مكانه، وأدَّى به ذلك إلى السِلَّ وصار سبب موته. وبَلَغنا أخبارُ أُناس نالوا أهليهم وأولادهم ومن يعزُّ عليهم في وقت غضبهم بما طالت ندامتهم عليه، وربما لم يستدركوه آخر عمرهم. وقد ذكر جالينوس أن والدته كانت تثب بفمها على القفل فتعضهُ إذا تعسر عليها فتحهُ. ولعمري إنه ليس بين من فقد الفكر والروية في حال غضبه وبين المجنون كبير فرق. فإن الإنسان إذا أكثر تذكُّر أمثال هذه الأحوال في حال سلامته كان أحرى أن يتصورها في وقت غضبه.

стр. 42

وينبغي أن يعلم أن الذين كان منهم مثل هذه الأفعال القبيحة في وقت غضبهم إنما أتوا من فقد عقولهم في ذلك الوقت، فيأخذ نفسه بأن لا يكون منه في وقت غضبه فعل إلا بعد الفكر والروية فيه، لئلا يِنَكى نفسه من حيث يروم إنكاء غيره، ولا يشارك البهائم في إطلاق الفعل من غير روية. وينبغي أن يكون في وقت المعاقبة بريا من أربع خلال: الكِبَر والبُغُض للمعاقَب ومن ضِدّي هذين، فإن الأولين يدعوان إلى أن يكون الانتقام والعقوبة مجاوزين لمقدار الجناية، والآخرين إلى أن يكونا مقصرين عنه. وإذا أخطر العاقل بباله هذه المعاني وأخذ هواه باتباعها كان غضبه وانتقامه بمقدار عدل، وأمن أن يعود عليه منه ضرر في نفسه أو في جسده في عاجل أمره وأجله. الفصل التاسع في اطراح الكذب هذا أيضا أحد العوارض الرديئة التي يدعو إليها الهوى. وذلك أن الإنسان لما كان يحب التكبر والترؤس من جميع الجهات وعلى كل الأحوال يحب أن يكون هو أبدا المخبر المعلم، لما في ذلك من الفضل له على المخبر المعلم. وقد قلنا إنه ينبغي للعاقل أن لا يطلق هواه فيما يخاف أن يجلب عليه من بعد هما وألما

стр. 43

وندامة، ونجد الكذب يجلب على صاحبه ذلك، لأن المدمن للكذب المكثر منه لا يكاد تخطئه الفضيحة ولا يسلم منها، إما لمناقضة تكون منه لسهو ونسيان يحدثان له. وإما لعلم بعض من يحدثه واطلاعه من حديثه ذلك على خلاف ما ذكر. وليس يصيب الكذاب من الالتذاذ والاستمتاع بكذبه - ولو كذب عمره كله - ما يقرب فضلا عما يوازي ما يدفع إليه - ولو مرة واحدة في عمره كله - من هم الخجل والاستحياء عند افتضاحه واحتقار الناس واستصغارهم وتسفيههم وترذيلهم له وقلة ركونهم إليه وثقتهم به، إن كان ممن لنفسه عند نفسه مقدار ولم يكن في غاية الخسة والدناءة. فإن مثل هذا لا ينبغي أن يعد في الناس فضلا عن أن يكون يقصد بكلام يطمع به في صلاحه. ومن أجل أن أسباب الفضيحة في هذا المعنى ربما تأخرت كثيرا ما يغتر الجاعل بذلك، إلا أن العاقل ليس يورط نفسه فيما يخاف أو لا يأمن معه الفضيحة، بل يستظهر ويأخذ بالحزم في ذلك. وأقول: إن الإخبار بما لا حقيقة له نوعان، فنوع منه يقصد به المخبر إلى أمر جميل مستحسن يكون له عند تكشف الخبر عذرا واضحا نافعا للمخبر، موجبا لأن يسوق ذلك الخبر إليه على ما ساقه إليه وإن لم يكن حقيقة كذلك. مثال ذلك أنه لو أن رجلا علم من ملك ما أنه مزمع على قتل صاحب له في يوم

стр. 44

غدٍ، وأنه متى انقضى يومُ غدٍ ظهر الملك على أمرٍ ما يوجب أن يقتل صاحبه هذا، فجاء إلى صاحبه وأخبره أنه استخفى في منزله كنزاً وأنه يحتاج إلى معاونته عليه في يوم غدٍ، فأخذ به إلى منزله فلم يزل يومه ذلك يعلله بل يُكِدّه بالحفر والبحث عب ذلك الكنز، حتى إذا انقضى ذلك اليوم وظهر الملك على ما ظهر عليه أخبره حينئذٍ بالأمر على حقيقته. أقول إن هذا الرجل وإن كان قد أخبر صاحبه أولاً بما لا حقيقة له فليس في ذلك بمذموم ولا عند تكشُف الخبر على خلاف ما حكاه بمفتضح، إذ كان قد قصد به إلى أمرٍ جميل جليل نافعٍ للمُخبر. فهذا وما أشبهه ونحاه من الإخبار مما لا حقيقة له لا يُعقب صاحبه فضيحةً ولا مذمةً ولا ندامةً بل شُكراً وثناءً جميلاً. وأما النوع الثاني العديم لهذا الغرض ففي تكشُّفه الفضيحةُ والمذمة. وأما الفضيحة فإذا لم يكن على المُخبر من ذلك ضررٍ، كرجل حكى لصاحبه أنه عاين بمدينة كذا وكذا حيواناً أو جوهراً أو نباتاً من حالته وقصته كذا وكذا، مما لا حقيقة له ولا يقصد به الكاذبون إلا إلى التعجب منه فقط. وأما المذمة فإذا جلب على المخبر مع ذلك ضرراً، كرجل حكى لصاحبه عن ملك بلدةٍ ما شاسعة رغبةً في قُربه وتوقاناً إليه، وحقق في نفسه أنه إن احتمل إليه وسار نحوه نال منه مكان كذا ومرتبة كذا، وإنما فعل ذلك لينال شيئاً مما يخلفه، حتى إذا تعنى صاحبه وتحمل واجتهد فورد على ذلك الملك لم يجد لشيءٍ من ذلك حقيقةً، ووجده حَنِقاً مُغضَباً عليه فأتى على

стр. 45

نفسه. على الأولى بأن يسمى كاذباً ويُجنب ويحترس منه مَن كذب لا لأمر اضطُرَّ إليه ولا مَطلبٍ عظيم ينال به، فإن مَن استحسن الكذب وأقدم عليه لأغراض دنتة خسيسة كان أحرى وأولى به عند الأغراض العظيمة الجليلة الفصل العاشر في البخل إنّ هذا العارض ليس يمكننا أن نقول إنه من عوارض الهوى بإطلاق وذلك أنّا نجد قوماً يدعوهم إلى التمسك والتحفظ بما في أيديهم فرط خوفهم من الفقر وبُعد نظرهم في العواقب وشدةُ أخذٍ منهم بالحزم في الاستعداد للنكبات والنوائب، ونجد آخرين يلذون الإمساك لنفسه لا لشيء آخر، ونجد من الصبيان الذين لم يستحكم فيهم الروية والفكر من يسخو بما معه لقرنائه من الصبيان ونجد منهم من يبخل به. فمن أجل ذلك ينبغي أن يُقصد إلى ومقاومة ما

стр. 46

كان من هذا العارض عن الهوى فقط، وهو الذي إذا سئل صاحبه عن السبب والعلة في إمساكه لم يجد في ذلك حجةً بينةً مقبولةً تُنبئ عن عُذر واضح. لكن يكون جوابه ملزقاً مرقعاً ملجلجاً مثبجاً. وقد سألت مرةً رجلاً من الممسكين عن السبب الداعي له إلى ذلك، فأجابني بأجوبة من نحو ما ذكرت. وجعلت أبِّين له فسادها وأنه ليس مما اعتل به شيءٌ يوجب مقدار ما كان عليه من الإمساك. وذلك أني لم أسُمه أن يجود من ماله بما يبين عليه فضلاً عما يُجحف به أو يحطه عن مرتبته في غناه، فكان آخرُ جوابه أن قال هكذا أُحِبُّ وكذا اشتهى. فأعلمته حينئذٍ أنه قد حاد عن حكم العقل إلى الهوى، إذ كان ما يعتل به ليس بقادح في الحالة العاجلة التي هو عليها ولا في الحزم والوثيقة والنظر في العاقبة. فهذا المقدار من هذا العارض هو الذي ينبغي أن يُصلح ولا يُقارَّ

стр. 47

الهوى عليه، وهو البخل بما يؤثر في الحالة الحاضرة انحطاطاً ولا فيما يرام بلوغه فيمال بعد بالمال ضعفاً ولا عجزاً. فأما من كان له عُذرٌ بيّن واضح من أحد هذين البابين أو من كليهما فليس ما عرض له الإمساك عن الهوى بل عن العقل والروّية، ولا ينبغي أن يزال عنه بل يزيد ويثبت عليه. وليس كل ممسك يسوغ له أن يحتج بالباب الثاني من هذين البابين. وذلك أن مَن كان من الناس آيساً من أن يبلغ بإمساكه رتبةً أعلى وأجلَّ من التي هو فيها كمن كان في أواخر عُمره أو في أقصى المراتب التي يمكن أن يبلغها مثله فليس لاحتجاجه بالباب الثاني من هذين البابين وجهٌ بتّةً الفصل الحادي عشر في دفع الفضل الضارّ من الفكر والهمّ إن هذين العرضين وإن كانا عَرضين عقليين فإن فرطهما مع ما يجلب من

стр. 48

الألم والأذى ليس هو - في إقعادنا عن مطالبنا وقطعنا دونها - بدون تقصيرهما عما ذكرنا قبل حيث ذكرنا إفراط فعل النفس الناطقة. ولذلك ينبغي أن يكون العقل يريح الجسد منهما وأن ينيله من اللهو والسرور واللذة بقدر ما يبلغ له ما يصلحه ويحفظ عليه صحته لئلا يخور وينهد وينهك ويقطع بنا دون قصدنا. ومن أجل اختلاف طبائع الناس وعاداتهم تختلف مقادير احتمال الفكر والهم فيهم، فبعض يحتمل الكثير منهما غير أن يضر ذلك به، وبعض لا يحتمل. فينبغي أن يتفقد ذلك ويتدارك قبل أن يعظم وأن يتدرج إلى الازدياد منه ما أمكن، فإن العادة تعين على ذلك وتقوى عليه. وبالجملة فإنه ينبغي أن يكون نيلنا وإصابتنا من اللهو والسرور واللذة لا أنها لها لنفسها، بل لكي نتجدد ونقوى به على العدو في فكرنا وهمنا اللذين بهما نبلغ مطالبنا. فإنه كما قصد الرجل السائر في إعلاف دابته ليس إلى أن ينيلها لذاتها بل إلى أن يقويها على بلوغ مكانه ومستقره، فكذلك ينبغي أن يكون حالنا في الاشتغال بمصالح أجسادنا. فإنه إذا فعلنا ذلك وقدرناه هذا التقدير بلغنا مطالبنا في أسرع الأوقات التي يمكن في مثلها بلوغها، ولم نكن كالذي أهلك راحلته قبل بلوغه أرضه التي يؤمها بالحمل عليها والخرق بها، ولا كالذي شغل بإسمانها وإخصابها حتى فاته الوقت الذي كان ينبغي أن يكون قد وصل فيه إلى موضعه ومستقره. وسنأتي في ذلك بمثل آخر، أقول: لو أن رجلا أحب علم الفلسفة وآثرها حتى جعلها همه وشغل

стр. 49

بها فكره، ثم رام أن يبلغ منها ما بلغ سقراطيس وأرسطوطاليس وثوفرسطس وأوذيمس وخروسبس وثامسطيس واسكندروس في مدة سنة مثلا، فأدام الفكر والنظر وأقل الغذاء والراحة - ومما يتبع ذلك ضرورة دوام السهر -، أقول إن هذا الرجل يقع إلى الوسواس والملنخوليا وإلى الدق والذبول قبل مضي تمام هذه المدة وقبل أن يقارب هؤلاء الذين ذكرناهم. وأقول لو أن رجلا آخر أحب أيضا استكمال علم الفلسفة على أنه إنما ينظر فيها في الوقت بعد الوقت إذا فرغ من أشغاله ومل من لذاته وشهواته، فإذا عرض له أدنى شغل أو تحركت فيه أدنى شهوة ترك النظر وعاد فيما كان فيه أولا، أقول إن هذا الرجل لا يستكمل علم الفلسفة في عمره ولا يقارب ذلك ولا يدانيه. فقد عدم هذان الرجلان مطلوبهما أحدهما من جهة الإفراط والآخر من جهة التقصير. ومن أجل ذلك ينبغي أن نعتدل في فكرنا وهمومنا التي نروم بها بلوغ مطالبنا لنبلغها ولا نعدمها من قبل تقصير أو إفراط. الفصل الثاني عشر في دفع الغم إن الهوى إذا تصور بالعقل فقد الموافق المحبوب عرض فيه الغم. ونحتاج في بيان أن الغم عرض عقلي أو هوائي إلى كلام فيه فضل طول ودقة.

стр. 50

وقد ضمنا في أول هذا الكتاب أن لا نتعلق فيه من الكلام إلا بما لا بد منه في غرضه الذي أجريناه إليه، ومن قبل ذلك نتجاوز الكلام في هذا المعنى ونصير إلى ما هو المقصود المطلوب بكتابنا هذا. على أنه قد يمكن من كان به أدنى مسكة من علم الفلسفة أن يستنبط ويستخرج هذا المعنى من الرسم الذي رسمنا به الغم في أول هذا الكلام، إلا أنا نحن ندع ذلك ونتجاوزه إلى ما هو المطلوب بهذا الكتاب فأقول: إنه لما كان الغم يكدر الفكر والعقل ويؤذي النفس والجسد حق لنا أن نحتال لصرفه ودفعه أو التقليل منه والتضعيف له ما أمكن. وذلك يكون من وجهين، أحدهما بالاحتراس منه قبل حدوثه لئلا يحدث أو يكون ما يحدث أقل ما يمكن، والآخر دفع ما قد حدث ونفيه إما كله وإما أكثر

стр. 51

ما يمكن منه والتقدم بالتحفظ لئلا يحدث أو ليقل أو يضعف ما يحدث منه، وذلك يكون بتأمل هذه المعاني التي أنا ذاكرها أقول: إنه لما كانت المادة التي منها تتولد المغموم إنما هي فقد المحبوبات، ولم يمكن أن لا تفقد هذه المحبوبات لتداول الناس لها وكرور الكون والفساد عليها، وجب أن يكون أكثر الناس وأشدهم غما من كانت محبوباته أكثر عددا وكان لها أشد حبا، وأقل الناس غما من كانت حاله بالضد من ذلك. فقد ينبغي إذا للعاقل أن يقطع مواد الغموم عمه بالاستقلال من الأشياء التي يجلب فقدها غما، ولا يغتر وينخدع بما نعها - ما دامت موجودة - من الحلاوة، بل يتذكر ويتصور المرارة المجرعة عند فقدها فإن قال قائل إن من توقّى اتخاذ المحبوبات واقتناءها خوفا من الغم عند فقدها فقد استعجل غماً، قيل له إنه وإن كان هذا المتوقَّى المحترس قد استعجل غما فليس ما استعجله بمساوٍ لما خاف الوقوع فيه منه. وذلك أنه ليس اغتنام مَن ولد له كاغتنام من أُصيب بولده هذا إن كان الرجل ممن يغتنم بأن لا يكون له ولدٌ فضلاً عن غيره ممن لا يبالي ولا يعبأ بذلك ولا يغتمُّ له بتّةً ولا غمُّ من لا معشوق له كغم مَن فقد معشوقه. وقد حُكي عن بعض الفلاسفة أنه قيل له لو اتخذت ولداً. فقال إني من السعي في إصلاح جسدي هذا ونفسي هذه في مؤنٍ وغمومٍ لا قِوامَ لي بها، فكيف أضُم وأقرن إليها مثلها؟ وسمعت مرأةً عاقلةً تقول إنها عاينت يوماً مرأةً شديدة التحرق على

стр. 52

ولدٍ لها أصيبت به وأنها توقت الدنو من زوجها خوفا من أن ترزق ولدا تبلى فيه بمثل بلائها. ومن أجل أن وجود المحبوب موافق ملائم للطبيعة وفقده مخالف منافر لها صارت تحس من ألم فقد المحبوب ما لا تحس من لذة وجوده. ولذلك صار الإنسان يكون صحيحا مدة طويلة فلا يحس لصحته بلذة، فإن اعتل بعض أعضائه أحس على المكان فيه بألم شديد. وكذلك تصير المحبوبات كلها عند الإنسان - إذا وجدها أو طالت صحبتها له - في سقوط لذة وجودها عنه ما دامت موجودة له وحصول شدة ألم فقدها عليه إذا فقدها ومن أجل هذا لو أن رجلا استمتع دهرا طويلا بأهل وولد ثم بلى بفقدهما لأحس من التألم في يوم واحد وساعة واحدة ما يفضل ويأتي على لذة إمتاعه كان بهما. وذلك أن الطبيعة تحسب وتعد ذلك الاستمتاع الطويل كله حقا واجبا لها، بل تعده دون حقها. وذلك أنها لا تخلو في تلك الخالة أيضا من استقلال ما هي فيه الزيادة منه دائما بلا نهاية حبا منها للذة واشتياقا إليها. وإذا كان الأمر على هذا - أعني أن يكون التلذذ والاستمتاع بالمحبوبات في حال وجودها معوزا منطمسا مستقلا مغفلا، والحزن والتحرق والتلظي عند فقدها متبينا مستكثرا مؤلما متلفا - فما الرأي إلا طرحها بتت أو الاستقلال منها لتعدم أو تقل عواقبها الرديئة الجالبة للغموم المؤذية المضنية. فهذه أعلى المراتب في هذا الباب وأحمسها لمواد الغموم. ويتلوه في ذلك أن يتمثل الرجل ويتصور فقد محبوباته ويقيمها في نفسه ووهمه ويعلم أنها ليس مما يمكن

стр. 53

أن تبقى وتدوم بحالها، ولا يخلو من تذكر ذلك منها وإخطار ذلك بباله فيها وتصحيح العزم وشدة الجلد متى حدث ذلك بها. فإن ذلك تمرين وتدريج ورياضة وتقوية للنفس على قلة الجزع عند حدوث المصائب لقلة ما كان من اعتياده وثقته وركونه إلى بقاء محبوباته في حال وجودها ولكثرة ما مثل للنفس وعودها وآنسها بتصور المصائب قبل حدوثها. وفي مثل هذا المعنى يقول الشاعر يصوِّر ذو الحزم في نفسه ... مصائبَه قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتةً لم تُرِعْهُ ... لِما كان في نفسه مَثَّلا رَأَى الأمر يُفضي إلى آخِرٍ ... فصيرِّ آخِرَه أوّلا فإن كان هذا الإنسان في غاية الفشالة ومفرط الميل مع الهوى واللذة ولا يثق من نفسه باستعمال شئ من هذين البابين فليس إلا أن يحتال أن ينفرد من محبوباته بواحدة ينزلها منزلة ما لا بد منه وما ليس غيره، بل يقرن إليها ويتخذ منها ما ينوب - أو يقارب أن ينوب - عن مفقود إن فقد منها، فإنه بهذا الوجه يمكن أن لا يفرط حزنه واغتمامه بأي واحد فقد منها. فهذه جملة يحترس به من كون الغم ووقوعه. فأما ما يدفع به أو يقلل منه إذا كان ووقع فإنا قائلون فيه منذ الآن فنقول: إن العاقل إذا تفقَّد ونظر فيما يعتوره الكونُ والفسادُ من هذا العالم ورأى أن عنصرها عنصرٌ مستحيل منحلّ سيّال لا ثباتَ لشيءٍ منه ولا دَوامَ له

стр. 54

بالشخصية، بل كلها زائل داثر مستحيل فاسد مضمحل، فلا ينبغي أن يَستكثر ويَستظعم ويستفظع ما سُلب منه وفُجع به منها، بل يجب عليه أن يَعُدَّ مُدَّةَ بقائها له فضلاً، وما استمتع به من ذلك رِبحاً، إذ كان فناؤها وزوالها كائناً لا محالة، ولا يَعظم ويَكبر ذلك عليه وقتَ كونه إذ كان شيئاً لا بد أن يَعرض فيها. فإنه متى أحبَّ دوام بقائها فقد رام ما لا يمكن وجودهُ لها، ومن أحب ما لا يمكن وجوده كان جالباً بذلك الغمَّ إلى نفسه ومائلاً عن عقله إلى هواه وأيضاً فإن فقد الأشياء التي ليست بأضطرازية في بقاء الحياة ليس يدوم له الغمُّ بها والحزنُ عليها، لكن يسرع منها البديل وعنها النائب ويُعقب ذلك السلوةَ عنها والنسيان لها، فترجع العيشةُ وتعود الحالةُ إلى ما كانت عليه قبل المُصيبة فكم رأينا ممن أُصيب بعظيم المصائب وفادحها راجعاً إلى ما لم يزل عليه قبل مُصابه ملتذاً بعيشه مغتبطاً بحاله. فلذلك ينبغي للعاقل أن يذكِّر النفس في حال المُصيبة بما تَؤُول وترجع إليه من هذه الحالة ويعرضه عليها ويشوِّقها إليه ويجتلب ما يَشغل ويُلهي أكثر ما يمكن لُسرع الخروج منها إلى هذه الحالة وأيضاً فإن تذكُّرَه كثرةَ المشاركين له في المصائب وأنه لا يكاد يَعْرَى منها أحدٌ وتذكُّرَ حالاتهم بعدُ وأبواب سلوتهم وحالاته وسلوا ته نفسه عن مصائب إن كانت تقدَّمت له مما يخفِّف ويسكن من عادية الغم. وأيضاً فإنه إن كان أكثرُ الناس وأشدُّهم غمّاً من كانت محبوباته أكثر عدداً وكان لها أشدَّ حُباً

стр. 55

فإنه ليس من واحدٍ يفقد منها إلا وفقد من الغم على مقداره، بل يُريح نفسه من همٍ دائم وخوفٍ عليه منتظر، ويحدث له وجرة وجَلَد على ما يحدث منها بعدُ، فقد جرَّ فقدُها نفعاً وإن كان الهوى لذلك كارهاً، فاكتسب راحةً وإن كان متذوقها مراً وفي مثل هذه المعاني يقول الشاعر: لَعمرِي لَئِن كنّا فَقَدناكَ سيِّداً ... وكهفاً له طالَ التَحزُّنُ والهَلَع لقد جَرَّ نفعاً فَقْدُنا لك أنّنا ... أَمِنّا على كلِّ الرَزايا من الجَزَع فأما ما يعتصم به المؤثر لاتباع ما يدعوه إليه عقله وتجنُّب ما يدعوه إليه هواه، التامُّ الملكةِ والضابطُ لنفسه من الغم فواحدة، وهي أن العاقل الكامل لا يختار المُقام على حالةٍ تضرُّه، ومن أجل ذلك يبادر إلى النظر في سبب الغم الوارد عليه. فإن كان مما يمكن دفعه وإزالتهُ جعل بدل الاغتنام فكراً في الحيلة لدفع ذلك السبب وإزالته، وإن كان ذلك فيه أخذ على المكان في التلهي عنه والتناسي له وعَمِلَ في محوه عن فكره وإخراجه عن نفسه. وذلك أن الذي يدعوه إلى المُقام على الاغتنام في هذه الحالة الهوى لا العقل، إذ العقل لا يدعو إلا إلى ما جلب نفعاً عاجلاً وآجلاً، وكان الاغتنام مما لا دَرَكَ فيه بتةً ولا عائدةَ منه بل فيه ضررٌ عاجل يؤدِّي إلى ضرر آجل فضلاً عن أن يكون نافعاً. وهو أعني الرجل العاقل الكامل لا يتبع إلا ما دعاه إليه العقل ولا يُقيم إلا على ما أُطلق له المقامُ عليه لسببٍ وعذرٍ واضح، ولا يتبع الهوى ولا ينقاد له ولا يقاربه على خلاف ذلك

стр. 56

الفصل الثالث عشر في الشَرَه إن الشَرَه والنهم من العوارض الرديئة العائدة من بَعدُ بالألم والمضرّة وذلك أنه ليس إنما يجلب على الإنسان استنقاص الناس له واسترذالهم إياه فقط، ولكن يطرحه مع ذلك في سوء الهضم، ومن سوء الهضم إلى ضروب من الأمراض الرديئة جداً. ويتولد عن قوة النفس الشهوانية، وإذا انضمّ إليها وساعدها عمى النفس الناطقة الذي هو قلة الحياء كان مع ذلك ظاهراً مكشوفاً. وهو أيضاً ضربٌ من أتباع الهوى يدعو إليه ويحمل عليه تصورُّ استلذاذ طعم المتطِّم. ولقد بلغني أن رجلاً من أهل الشره أقبل يوماً على ضروب من الطعام بنهم وشره شديد، حتى إذا تضلع وتملأ منها لم يمكنه معه تناول شيء بتّةً، فأخذ يبكي فسؤلَ عن سبب بكائه، فقال إن ذلك لأنه زعم لا يقدر على أكل شيء مما هو بين يديه. وقد كان رجل بمدينة السلام يأكل معي من رَطبٍ كثير كان بين أيدينا، فأمسكت بعد تناولي منه مقداراً معتدلاً، وأمعن هو حتى قارب أن يأتي على جميعه. فسألته بعد امتلائه منه وإمساكه عنه وذلك أنَّي رأيته محدقاً نحو ما رُفع من بين أيدينا منه هل انتهت نفسه وسكنت شهوتهُ؟ فقال ما كنت أُحب إلا أن أكون بحالتي الأولى ويكون هذا الطبق إنما قُدِمَ إلينا الآن. فقلت له فإذا كان ألمُ حِسِّ الاشتهاء ومضضه لم يسقط عنك

стр. 57

ولا في هذه الحال فما كان الصواب إلا الإمساك قبل التملي لتُريح النفس مما أنت فيه الآن من الثِقَل والتمدُّد بالتملي، وما لا تأمن أن تصير إليه من سوء الهضم الذي يجلب عليك من الأمراض ما يكون تألُمك به أكثر من التذاذك بما تناولته أضعافاً كثيرةً. فرأيته قد فهم معنى هذا الكلام وبَجَّع فيه وبلغ إليه. ولعمري إن هذا الكلام ونحوه يُقنِع مَن لم يكن مرتاضاً برياضات الفلسفة أكثر مما تُقنع الحجج المبينةُ على الأصول الفلسفية. وذلك أن المعتقد أن النفس الشهوانية إنما قُرنت إلى الناطقة لتنال هذا الجسد الذي هو للنفس الناطقة بمنزلة أداة أو آلة ما يبقى به مدّة اكتساب النفس الناطقة المعرفة بهذا العالم، يقمع النفس الشهوانية ويمنعها من الإصابة من الغذاء فوق الكفاف، إذ كان يرى أن الغرض والقصد بالأغتذاء في الخلقة ليس للأتذاذ بل للبقاء الذي لا يمكن أن يكون إلا به. وذلك كما حُكي عن بعض الفلاسفة أنه كان يأكل مع بعض الأحداث ممن لا رياضة له، فاستقلّ ذلك الحدث أكلَ الفيلسوف ويتعجب منه وقال له في بعض كلامه لو كان زَرَدي من الغذاء مثل زَرَدك لم أُبالِ أن لا أعيش. فقال له الفيلسوف أجل يا بني، أنا آكل لأبقى وأنت تُريد أن تبقى لتأكل. وأما من لا يرى أن عليه من التملي والاستكثار من الغذاء بأساً في مذهبه ورأيه فإنما ينبغي أن يُدفَع عن ذلك بالكلام في الموازنة للذّة المُصابة من ذلك بالألم المُعقِبِ لها كما ذكرنا قُبيل. ونقول أيضاً: إنه إذا كان انقطاع الطعم المستلذ عن المتطعم مما لا بد

стр. 58

منه فقد ينبغي للعاقل أن يقدِّم ذلك قبل الحال التي لا يأمن معها عاقبةً رديئةً. وذلك أنه إن لم يفعل ذلك خَسِرَ ولم يربح. أما خُسرانه فتعريض النفس للألم والسقم، وأما أنه لم يربح فلأن مَضَض انقطاع لذة المتطعم عنه قائمٌ على حال، فمتى انحرف عن هذا أو مال إلى ضدّه فليعلم أنه قد ترك عقله لهواه. وأيضاً فإن للشَرَه والنهم ضراوةً واستكلاباً شديداً، ومتى أُهمل وأُمرج قَوِيَ ذلك منه وعَسُرَ نزوع النفس عنه. ومتى رُدع وقُمع وَهَن ودَبُل وضعف على الأيام حتى يُفقد البتّة. قافل الشاعر وعادة الجُوع فأعلم عِصمَةٌ وغنىً ... وقد تَزيدُك جوعاً عادةُ الشِبَع الفصل الرابع عشر في السُكر إن إدمان السُكر ومواترته أحد العوارض الرديئة المؤدية بصاحبها إلى المهالك والبلايا والأسقام الجمّة. وذلك أن المُفرط في السُكر مُشرفٌ في وقته على السكتة والاختناق وعلى امتلاء بطن القلب الجالب للموت فجأةً وعلى انفجار الشرايين التي في الدماغ وعلى التردِّي والسقوط في الأغوار والآبار، ومِن بعدُ فعلى الحُميَّات الحارة والأورام الدموية والصفراوية في الأحشاء والأعضاء الرئيسية وعلى الرعشة والفالج لا سيما إن كان ضعيف العصب. هذا إلى سائر ملا يجلب على صاحبه من فقد العقل وهتك الستر وإظهار السر والقعود به

стр. 59

عن إدراك جل المطالب الدينية الدنيائية، حتى إنه لا يكاد يتعلق منها بمأمولٍ ولا يبلغ منها حُظوةَ، بل لا يزال منها منحطّاً متسفِّلاً. وفي مثاله يقول الشاعر: متى تَدرِكُ الخيراتِ أو تستطيعُها ... ولو كانت الخيراتُ منك على شِبرِ إذا بِتَّ سَكراناً وأصبحتَ مُثقَّلاً ... خماراً وعاودتَّ الشرابَ مع الظُهرِ وبالجملة فإن الشراب من أعظم موادِّ الهوى وأعظم آفات العقل، وذلك أنه يقوِّي النفسين - أعني الشهوانية والغضبية - ويشحذ قواهما حتى يطالباه بالمبادرة إلى ما يُحبانه مطالبةً قويةً حثيثةً، ويوهن النفس الناطقة ويبلد قواها حتى لا تكاد تستقصي الفكر والروية بل تُسرِع العزيمةَ وتُطلق الأفعال قبل إحكام الصريمة، ويسهل ويسلس انقيادها للنفس الشهوانية حتى لا تكاد تُمانعها ولا تتأبى عليها، وهذه مفارقة النطق والدخول في البهيمية. ومن أجل ذلك ينبغي للعاقل أن يتوقاه ويحله هذا المحل وينزله هذه المنزلة ويحذره حذر مَن يروم سَلبَ أفضل عقده وأنفسها. فإن نال منه شيئاً ما ففي حال كَظَّ الفكر والهم له وغموظهما إياه، وعلى أن لا يكون قصدُه وغرضه فيه إيثار اللذة واتباعها في مطلوباتها، بل دفع الفضل منهما والسرف فيهما الذي لا يؤمن معه سوء الحال وفساد المزاج. وينبغي أن يتذكر في هذا الموضع وأمثاله ما بيّنّاه في

стр. 60

باب قمع الهوى، ويتصور تلك الجُمَلَ والجوامع والأصول لئلا يحتاج إلى إعادة ذكرها وتكريرها، ولا سيما قولنا إن الإدمان والمثابرة على اللذات يُسقط الالتذاذ بها ويجعلها بمنزلة الشيء الاضطراري في بقاء الحياة، فإن هذا المعنى يكاد أن يكون في لذة السُكر أوكد منه في سائر اللذات. وذلك أن السِكِّير يصير بحالةٍ لا يرى العيش إلا مع السكر، وتكون حالةَ صَحوة عنده كحالة مَن قد لزمته همومٌ اضطرارية. وأيضاً فإن ضراوة السُكر ليست بدون ضراوة الشره بل أكثر منه كثيراً، وبحسب ذلك ينبغي أن تكون سرعةُ تلاحُقه وشدة الزم والمنع منه. وقد يُحتاج إلى الشراب ضرورةً في دفع الهم وفي المواضع التي يًحتاج فيها إلى فضلٍ من الانبساط ومن الجُرأة والإقدام والتهور، وينبغي أن يُحذر ولا يقرب البتّة في المواضع التي يُحتاج فيها إلى فضل فكر وتبين وتثبت الفصل الخامس عشر في الجماع إن هذا أيضاً أحد العوارض الرديئة التي يدعو إليها ويحمل عليها الهوى

стр. 61

وإيثار اللذة الجالبةِ على صاحبها ضروب البلايا والأسقام الرديئة. وذلك أنه يضعف البصر ويهد البدن ويُخلِقه ويَسرع بالشيخوخة والهرم والذبول ويُضر بالدماغ والعصب ويسقط القوة ويوهنها، إلى أمراض أُخر كثيرة يطول ذكرها وله ضراوةٌ شديدة كضراوة سائر الملاذ بل أقوى وأشد منها بحسب ما تذكر النفس من فضل لذته عليها. ومع ذلك فإن الإكثار من الباه يوسِّع أوعية المنِّي ويجلب إليها دماً كثيراً يكثر من أجل ذلك تولَّد المني فيها، فتزداد الشهوة له والشوق إليه وتتضاعف. وبالضد من ذلك فإن الإقلال منه والإمساك عنه يحفظ على الجسد الرطوبة الأصلية الخاصيّة بجوهر الأعضاء، فتطول مدة النشوء والنماء وتُبطئ الشيخوخة والجفاف والقحل والهرم وتضيق أوعيةُ المني ولا تستجلب المواد، فيقل تولد المني فيها ويضعف الانتشار ويتقلص الذَكَر وتسقط الشهوة وتعدم شدةُ حثها ومطالبتها به ولذلك ينبغي للعاقل أن يزم نفسه عنه ويمنعها منه ويجاهدها على ذلك لئلا تغرى به وتضرى عليه، فتصير إلى حالةٍ تعسر ولا يمكن صدها عنه ومنعها منه. ويتذكر ويُخطر بباله جميع ما ذكرناه من زمَّ الهوى ومنعه، ولا سيما ما ذكرناه في باب الشره من ثبوت مضض الشهوة ورمضها وحثها ومطالبتها مع النيل من المشتهي والبلوغ منه غاية ما في الوسع. وذلك أن هذا المعنى في اللذة المصابة بالجماع أوكد وأظهر منه في سائر اللذات لِما يتصور من فضل لذته على سائرها

стр. 62

فالنفس - لاسيما المهملة الممرجة الغير مؤدبة التي يسميها الفلسفة الغير مقموعة - لا يُسقط عنها الإدمان للباه شهوتها ولا الاستكثار من السر أري الشوق والنزوع إلى غيرهن. ولأن ذلك ليس يمكن أن يتم بلا نهاية فلا بد أن يصلى بحر فقد الالتذاذ بالمشتهى ورمضائه، ويقاسي ويكابد ألم عَدَمه مع ثبوت الداعي إليه والباعث عليه، إما لِعَوَزٍ من المال والممكنة وإما لضعفٍ وعجزٍ في الطبع والبنية، إذ كان ليس يمكن فيها أن ينال من المشتهي المقدار الذي تُطالب به الشهوة وتدعو إليه، كحالة الرجلين المذكورين في باب الشَرَه. وإذا كان الأمر على هذا فليس الصواب إلا تقديم هذا الأمر الذي لا بد منه ومن وقوعه ومقاساته - أعني فقد الالتذاذ بالمشتهي مع قيام الباعث عليه الداعي إليه - قبل الإفراط فيه والاستكثار منه، ليأمن عواقبه الرديئة ويزيح ضراوته واستكلابه وشدة حثه ومطالبته. وأيضاً فإن هذه اللذة من أولى اللذات وأحقها بالاطراح. وذلك أنها ليست اضطرارية في بقاء العيش كالطعام والشراب، وليس في تركها ألم ظاهر محسوس كألم الجوع والعطش، وفي الإفراط فيها والإكثار منها هدم البدن وهده. فليس الانقياد للداعي إليها والمرور معه سوى غلبة الهوى وطموسه العقل الذي يحق على العاقل أن يأنف منه ويرفع نفسه عنه ول يُشبه فيه الفحولة من التيوس ومن الثيران وسائر البهائم التي ليس معها رَوية ولا نظر في عاقبة. وأيضاً فإن استقباح جلِّ الناس

стр. 63

وجمهورهم لهذا الشيء واستسماجهم له وإخفاءهم إياه وسترهم لما يؤتى منه يوجب أن يكون أمراً مكروهاً عند النفس الناطقة. وذلك أن اجتماع الناس على استسماجه لا يخلو أن يكون إما بنفس الغريزة والبديهة وإما بالتعليم والتأديب، وعلى أي الوجهين كان فقد وجب أن يكون سَمِجاً رديئاً في نفسه. وذلك قد قيل في القوانين البرهانية إن الآراء التي ينبغي أن يُشَكّ في صحتها هي ما اجتمع عليه كل الناس أو أكثرهم أو أحكمهم. وليس ينبغي لنا أن ننهمك في إتيان الشيء السمج القبيح بل الواجب علينا أن ندعه البتة، فإن كان لا بد منه فيكون الذي نأتي منه أقلَّ ما يمكن مع الاستيحاء واللوم لأنفسنا عليه، وإلا كنا مائلين عن العقل إلى الهوى وتاركيه له. وصاحب هذه الحال أخسَّ عند العقلاء وأطوع للهوى من البهائم لإيثاره ما دعا إليه الهوى وانقياده له في ذلك مع إشراف العقل به على ما في ذلك عليه وزجره له، والبهيمة إنما تنقاد لِما في الطباع من غير زاجرٍ ولا مُشرفٍ بها على ما عليها فيه الفصل السادس عشر في الوَلَع والعَبَث والمذهب ليس يُحتاج في ترك هذين - أعني العبث والولع - والإضراب عنهما إلا إلى

стр. 64

صحة العزم على تركمهما والاستيحاء والأنف منهما، ثم أخذ النفس بتذكر ذلك في أوقات العبث والولع، حتى يكون ذلك العبث والولع نفسه عنجه بمنزلة الرتيمة المذكرة. وقد حُكى عن بعض العقلاء من الملوك أنه كان يوَلَعُ ويعبث بشيء من جسده - أحسبه لحيته - فطال ذلك منه وكثر قول مَن يقرب إليه له فيه، فكأن السهو والغفلة يأبيان إلا ردَّة إليه. حتى قال بعض وزرائه ذات يوم يا أيها الملك جرِّد لهذا الأمر عزمةً من عزمات أولي العقل. فأحمر الملك واستشاط غضبا، ثم لم ير عائدا إلى شئ من ذلك البتة. فهذا الرجل أثارت نفسه الناطقة نفسه الغضبية بالحمية والأنف وصح العزم وتأكد في النفس الناطقة حتى أثر فيها أثرا قويا صار مذكرا به ومنبها له عليه متى غفل عنه. ولعمري إن النفس الغضبية إنما جعلت لتستعين بها الناطقة على الشهوانية متى كانت شديدة النزاع قوية المجاذبة عسرة الانقياد. وإنه يحق على العاقل أن يغضب ويدخله الأنف والحمية متى رأى الشهوة تروم قهره وغلبته على رأيه وعقله، حتى يذلها ويقمعها ويقفها على الكرة والصغار عند حكم العقل ويجبرها

стр. 65

عليه. وإنه من العجب - بل مما لا يمكن بتّةً - أن يكون من يقدر على وم نفسه عن الشهوات مع ما لها من الدواعي والبواعث القوية يعسر عليه منعها من الولع والعبث وليس فيهما كبير شهوة ولا لذة. وأكثر ما يحتاج إليه في هذا الأمر التذكر والتيقظ لأنه إنما يكون في أكثر الأحوال مع السهو والغفلة فأما المذهب فإنه مما يحتاج فيه إلى كلام يبين به أنه عرض هوائي لا عقلي، وسنقول في ذلك قولا وجيزا مختصرا. أقول: إن النظافة والطهارة إنما ينبغي أن تعتبر بالحواس لا بالقياس ويجري الأمر فيهما بحسب ما يبلغه الإحساس لا بحسب ما يبلغه الوهم. فما فات الحواس أن تدرك منه نجاسة سميناه طاهرا، وما فاتها أن تدرك منه قذرا سميناه نظيفا. ومن أجل أنا نقصد هذين ونريدهما - أعني الطهارة والنظافة - إما للدين وإما للتقذر، وليس يضرنا ولا في واحد من هذين المعنيين ما فاته الحواس قلة من الشيء النجس والشيء القذر - وذلك أن الدين قد أطلق الصلاة في الثوب الواحد الذي قد ماسته أرجل الذبان الواقعة على الدم والعذرة. والتطهر بالماء الجاري ولو علمنا أنه مما يبال فيه، وبالراكد في البركة العظيمة ولو علمنا أن فيه قطرة من دم أو خمر - وليس يضرنا ذلك في التقذر - وذلك أن ما فات حواسنا لم نشعر به، وما لم نشعر به لم يخش أنفسنا منه، وما لم تخش أنفسنا منه فليس لتقذرنا معنى البتة - فليس يضرنا إذا الشيء النجس والقذر إذا كان مستغرقا فائتا لقلته، ولا ينبغي أن نفكر فيه ولا يخطر وجوده لنا على بال. وإن نحن ذهبنا نطلب الطهارة والنظافة على التحقيق والتدقيق وجعلناه وهميا لا حسيا لم نجد سبيلا أبدا إلى شئ طاهر ولا شئ نظيف على هذا الحكم. وذلك أن الأمواه التي نستعملها ليس بمأمون عليها

стр. 66

تقذير الناس لها أو وقوع جيف السباع والهوام والوحش وسائر الحيوان وأزبالها وأذواقها فيها. فإن نحن استكثرنا من إفاضته وصبه علينا لم نأمن أن يكون الجزء الأخير هو الأقذر والأنجس. ولذلك ما وضع الله على العباد التطهر على هذه السبيل إذ كان ذلك مما ليس في وسعهم وقدرتهم. وهذا مما يبغض على المتقذر بالوهم عيشه إذ كان لا يصيب شيئا - يغتذي به وينقلب إليه - يأمن أن يكون فيه قذر مستغرق. وإن كانت هذه الأمور كما وصفنا لم يبق لصحب المذهب شئ يحتج به. وما أقبح بالعاقل أن يقيم على ما لا عذر له فيه ولا حجة له فيه ولا حجة له عنده لأن ذلك مفارقة للعقل ومتابعة الهوى الخالص المحض. الفصل السابع عشر في الاكتساب والاقتناء والإنفاق إن العقل الذي خصصنا به وفضلنا على سائر الحيوان غير الناطق به أدى بنا إلى حسن المعاش وارتفاق بعضنا ببعض. فإنا قل ما نرى البهائم يرتفق يعضها ببعض ونرى أكثر حسن عيشنا من التعاون والإرتفاق لبعضنا من بعض، فلولا ذلك لم يكن لنا فضل في حسن العيش على البهائم. وذلك أن البهائم لما لم يكن لها كمال التعاون والتعاضد العقلي على ما يصلح عيشنا لم يعد سعى

стр. 67

الكثير على الواحد منها كما نرى ذلك في الإنسان. فإن الرجل الواحد منا طاعم كاس مستكن آمن، وإنما يزاول من هذه الأمور واحدا فقط لأنه إن كان حراثا لم يمكنه أن يكون بناء، وإن كان بناء لم يمكنه أن يكون حواكا، وإن كان حواكا لم يمكنه أن يكون محاربا. وبالجملة إنك لو توهمت إنسانا واحدا مفردا في فلاة لعلك لم تكن تتوهمه عائشا، ولو توهمته عائشا لم تكن تتوهم عيشه عيشا حسنا هنيئا، كعيش من قد وفر عليه كل حوائجه وكفى ما يحتاج أن يسعى فيه. بل عيشا وحشيا بهيميا سمجا، لما فقد من التعاون والتعاضد المؤدي إلى حسن العيش وطيبه وراحته. وذلك أنه لما اجتمع ناس كثير متعاونون متعاضدون اقتسموا وجوه المساعي العائدة على جميعهم، فسعى كل واحد منهم في واحد منها حتى حصلها وأكملها، فصار لذلك كل واحد منهم خادما ومخدوما وساعيا لغيره ومسعيا له. فطاب للكل بذلك المعيشة وتم على الكل بذلك النعمة وإن كان في ذلك بينهم بون بعيد وتفاضل كثير، غير أنه ليس من أحد إلا مخدوم مسعى له مكفى كل حوائجه وإذ قد قدمنا ما رأينا تقديمه في هذا الباب واجبا فإنا راجعون إلى غرضنا المقصود هاهنا. فنقول: إنه لما كانت عيشة الناس إنما تتم وتصلح بالتعاون والتعاضد كان واجبا على كل واحد منهم أن يتعلق بباب من أبواب هذه المعاونة ويسعى في الذي أمكنه وقدر عليه منها ويتوقى في ذلك طرفى الإفراط

стр. 68

والتقصير. فإن مع أحدهما - وهو التقصير - الذلة والخساسة والدناءة والمهانة إذ كان يؤدي بالإنسان إلى أن يصير عيالا وكلا على غيره ومع الآخر الكد الذي لا راحة معه والعبودية التي لا انقضاء لها. وذلك أن الرجل متى رام من صاحبه أن ينيله شيئا مما في يديه من غير بدل ولا تعويض فقد أهان نفسه وأحلها محل من أقعدته الزمانة والنقص عن الاكتساب. وأما من لم يجعل للاكتساب حدا يقف عنده ويقتصر عليه فإن خدمته للناس تفضل على خدمتهم له أضعافا كثيرة، ولا يزال من ذلك في رق وعبودية دائمة. وذلك أن من سعى وتعب عمره كله باكتساب ما يفضل من المال عن نفقته ومقدار حاجته وجمعه وكنزه فقد خسر وخدع واستعبد من حيث لا يعلم. وذلك أن الناس جعلوا المال علامة وطابعا يعلم به بعضهم من بعض ما استحق كل واحد منهم بسعيه وكده العائد على الجميع. فإذا اختص أحدهم بجمع الطوابع بكده وجهده ولم يصرفها في الوجوه التي تعود بالراحة عليه من سعى الناس له وكفايتهم إياه كان قد خسر وخدع واستعبد. وذلك أنه أعطى كدا وجهدا ولم يستعض منه كفاية وراحة، ولا استبدل كدا بكد وخدمة بخدمة بل استبدل ما لم يجد ولم ينفع، فحصل جهده وكده وكفايته للناس فاستمتعوا به وفاته من كفاية الناس له وكدهم عليه واستمتاعه بهم دون قدر استحقاقه بكفايته لهم وكده عليهم، فقد خسر وخدع واستعبد كما ذكرنا. فالقصد في الاكتساب إذا هو المقدار الموازي لمقدار الإنفاق وزيادة فضلة تقتنى وتدخر للنوائب والحوادث المانعة من الاكتساب. فإنه يكون حينئذ

стр. 69

المكتسب قد اعتاض كدا بكد وخدمة بخدمة وأما الاقتناء فإنا قائلون فيه منذ الآن فنقول: إن الاقتناء والادخار هو أيضا أحد الأسباب الاضطرارية في حسن العيش الكائن عن تقدمة المعرفة العقلية، والأمر في ذلك أظهر وأوضح من أن يحتاج إلى بيانه، حتى إن كثيرا من الحيوان غير الناطق يقتني ويدخر. وأخلق أن يكون لهذه الحيوانات فضل في التصور الفكري على غير المقتنية. وذلك أن سبب الاقتناء والباعث عليه تصور الحالة التي يفقد فيها المقتني مع قيام الحاجة إليه. فقد ينبغي أن يعتدل فيه على ما ذكرناه عند كلامنا في كمية الاكتساب. لأن التقصير فيه يؤدي إلى عدمه مع الحاجة إليه كالحالة فيمن ينقطع به الزاد في فلاة من الأرض، والإفراط يؤدي إلى ما ذكرنا أنه يؤدى إليه من دوام الكد والتعب، والاعتدال في الاقتناء هو أن يكون الإنسان مستظهرا من المقتنيات بمقدار ما يقيم به حالته التي لم يزل عليها متى حدثت عليه حادثة مانعة من الاكتساب. فأما من كان غرضه في الاقتناء التنقل به عن الحالة التي هو عليها إلى ما هو أعلى وأجل منها ولم يجعل لذلك حدا يقتصر عليه ويقف عنده فإنه لا يزال في كد ورق دائم، ويعدم أيضا مع ذلك في أية حال - من أية حال تنقل إليها - الاستمتاع والغبطة بها إذ لا يزال مكدودا فيها غير راض بها عاملا في التنقل منها إلى غيرها، متطلعا متشوقا إلى التعلق بما هو أجل وأعلى منها، على ما ذكرناه في باب الحسد ونذكره الآن بتفسير وشرح أوضح وأكثر في الفصل الذي يتلو هذا. وخير

стр. 70

المقتنيات وأبقاها وأحمدها وآمنها عاقبة الصناعات لا سيما الطبيعية الاضطرارية التي الحاجة إليها دائمة قائمة في جميع البلدان وعند جميع الأمم. فإن الأملاك والأعلاق والذخائر غير مأمون عليها حوادث الدهر. ولذلك لم تعد الفلاسفة أحدا غنيا إلا بالصناعات دون الأملاك. وقد حكى عن بعضهم أنه كسر به في البحر فهلك جميع ماله، وأنه لما أفضى إلى الشط أبصر في الأرض رسم شكل هندسي، فطابت نفسه وعلم أنه قد وقع إلى جزيرة فيها قوم علماء. ثم إنه رزق فيهم الثروة والرياسة فأقام عندهم. فمرت به مراكب تريد بلده فسألوه هل عنده رسالة يحملونها عنه إلى أهل بلده. فقال لهم إذا صرتم إليهم فقولوا لهم اقتنوا وادخروا ما لا يغرق وأما كمية الإنفاق فإنا قد ذكرنا قبيل أن مقدار الاكتساب ينبغي أن يكون موازيا لمقدار الإنفاق والفضلة المقتناة المدخرة للنوائب والحوادث، فمقدار الإنفاق ينبغي إذا أن يكون أقل من مقدار الاكتساب. غير أنه لا ينبغي للمرء أن يحمله الميل إلى الاقتناء على التقتير والتضيُّق، ولا حب الشهوات وإيثارها على ترك الاقتناء البتة، بل يعتدل فيها كل واحد بمقدار كسبه وعادته التي جرت في الإنفاق ونشأ عليها وحاله ورتبته وما يجب أن يكون لمثله من القنية والذخيرة.

стр. 71

الفصل الثامن عشر في طلب الرُتَب والمنازل الدنيائيّة قد قدمنا في أبواب من هذا الكتاب جمل ما يُحتاج إليه في هذا الباب، غير أنا من أجل شرف الغرض المقصود بهذا الباب وعِظَم نفعه مُفرِدوه بكلام يخصه وناظمون ما تقدم من النكت والمعاني فيه، وضامّون إليه ما نرى أنه يعين على بلوغه واستتمامه فنقول: إن من يريد تزيين نفسه وتشريفها بهذه الفضيلة وإطلاقها وإراحتها من الأسر والرق والهموم والأحزان التي تطرقه وتفضي به إلى الهوى الداعي إلى ضد الغرض المقصود بهذا الباب، ينبغي أن يتذكر ويخطر بباله أولا ما مر لنا في فضل العقل والأفعال العقلية، ثم ما ذكرنا في زم الهوى وقمعه ولطيف مخادعه ومكايده وما قلنا في اللذة وحددناها به، ثم ليجد التثبت والتأمل ويكرر قراءة ما ذكرنا في باب الحسد حيث قلنا إنه ينبغي للعاقل أن يتأمل أحوال الناس وما ذكرنا في صدر باب دفع الغم حتى يقتلها فهما وتستقر وتتمكن في نفسه، ثم ليقبل على فهم ما نقول في هذا الموضع أقول: إنه من أجل ما لنا من التمثيل والقياس العقلي كثيرا ما نتصور

стр. 72

عواقب الأمور وأواخرها فنجدها وندركها كأن قد كانت ومضت فنتنكب الضارة منها ونسارع إلى النافعة. وبهذا يكون أكثر حسن عيشنا وسلامتنا من الأشياء المؤذية الرديئة المتلفة. فحّق علينا أن نعظم هذه الفضيلة ونجلها ونستعملها ونستعين بها ونمضي أمورنا على إمضائها إذ كانت سبيلا إلى النجاة والسلامة ومفضلة لنا على البهائم الهاجمة على ما لا تتصور أواخره وعواقبه. فلننظر الآن بعين العقل البريء من الهوى في التنقل في الحالات والمراتب لنعلم أيها أصلح وأروح وأولى بالعقل طلبه ولزومه ونجعل مبدأ نظرنا في ذلك من هاهنا. فنقول: إن هذه الأحوال ثلاث، الحالة التي لم نزل عليها وربينا ونشأنا فيها، والتي هي أجل وأعلى منها، والتي هي أدنى وأخس منها. فأما أن النفس تؤثر وتُحبّ وتتعلق من أول وهلة بغير نظر ولا فكر بالحالة التي هي أجل وأعلى فذاك ما نجده من أنفسنا، غير أنا لا نأمن أن يكون ذلك ليس عن حكم العقل بل عن الميل وبدار الهوى. فلنستحضر الآن الحجج والبراهين ونحكم بعد بحسب ما توجبه فنقول: إن التنقل من الحالة التي لم نزل عليها المألوفة المعتادة لنا إلى ما هو أجل منها إذا نحن أزلنا عنها الاتفاقات النادرة العجيبة لا يكون إلا بالحمل على النفس وإجهادها في الطلب. فلننظر أيضا هل ينبغي لنا أن نجهد أنفسنا ونكدها في الترقي إلى ما هو أجل من حالتنا التي قد اعتدناها وألفتها أبداننا أم لا. فنقول: إن من نمى بدنه ونشأ ولم يزل معتادا لأن لا يؤمره الناس ولا تسير أمامه وخلفه

стр. 73

المواكب إن هو اهتم واجتهد في بلوغ هذه الحالة فقد مال عن عقله إلى هواه وذلك أنه لا ينال هذه الرتبة إلا بالكد والجهد الشديد وحَملِ النفس على الهول والخطر والتغرير الذي يؤدي إلى التلف في أكثر الأحوال، ولن يبلغها حتى يصل إلى نفسه من الألم أضعاف ما يصل إليه مكن الالتذاذ بها بعد المنال. وإنما يخدعه ويغرُّه في هذه الحال تصوُّره نيل المطلوب من غير أن يتصور الطريق إليه كما ذكرنا عند كلامنا في اللذة. حتى إذا نال ووصل إلى ما أمل لم يلبث إلا قليلاً حتى يفقد الغبطة والاستمتاع بها، وذلك أنها تصير عنده بمنزلة سائر الأحوال المعتادة المألوفة، فيقل التذاذهُ بها وتشتد وتغلظ المؤن عليه في استدامتها والتحفظ بها ولا يمكنه الهوى من تركها والخروج عنها - كما ذكرنا عند كلامنا في زمّ الهوى - فإذا هو لم يربح شيئاً وخسر أشياءِ. وأما قولنا إنه لم يربح شيئاً فمن أجل أن هذه الحالة الثانية إذا هو ألفها واعتادها صارت عنده بمنزلة الأولى وسقط عنه سروره واغتباطه بها. وأما قولنا إنه خسر أشياء كثيرة فالعناء أولاً والخطر والتغرير الذي يُسلكه إلى هذه الحالة. ثم الجهد في حراستها والخوف من زوالها والغم عند فقدها والتعويد للنفس الكون فيها وطلب مثلها. وكذلك نقول في حالة تفوق الكفاف. وذلك أن مَن كان بدنُه معتاداً للغذاء اليابس واللباس المتوسط إن هو جهد نفسه حتى يتنقل عنهما إلى الغذاء اللين واللباس الفاخر فإن شدة التذاذه بهما تسقط عنه إذا اعتادهما حتى يصيرا عنده بمنزلة الأولين ويحصل عليه من فضل العناء والجهد في نيل هذين

стр. 74

واستدامتها والخوف من تنقُّلهما عنه واعتياد النفس لهما ما كان موضوعا عنه قبل ذلك وكذلك نقول في العز والجاه والنباهة وسائر المطالب الدنيائية إذ ليس من مرتبة تُنال ويُبلغ إليها إلا وُجد الاغتباط والاستمتاع بها يقل بعد نيلها ويصغر في كل يوم حتى يضمحل وتصير عند نائلها بمنزلة الحالة التي عنها انتقل ومنها ارتقى ويحصل عليه من أجلها فضل مؤن وغموم وأحزان لم تكن فيما مضى. وذلك أنه لا يزال يستقل لنفسه ما هو فيه ويجتهد في الترقي إلى ما هو أعلى منه ولا يصير إلى حالة ترضاها نفسه بتّةً بعد وصوله إليها وتمكنه منها. فأما قبل الوصول فقد يريه الهوى الرضى والقنوع بالحالة المقصودة، وذلك من أعظم خُدَعِهِ وأسلحته ومكايده في اجتهاده وجَرِّه إلى الحالة المطلوبة، حتى إذا حصلت له تطلّع إلى ما هو فوقها. ولا تزال تلك الحالة حاله ما صاحب الهوى وأطاعه، نحو ما قلنا في هذا الكتاب إنه من أعظم مكايد الهوى وخُدَعه، من أجل أن الهوى يتشبه في مثل هذه الأحوال بالعقل ويدلِّس نفسه ويوهم أنه عقلي لا هوائي وأن ما أراه خيرة لا شهوة بأن يدلِّى ببعض الحِجاج ويقنع بعض الإقناع، لكن إقناعه وحجته هذه لا يلبث إذا قوبلت بالنظر المستقيم أن تدحض وتبطل. والكلام في الفرق بين ما يريه العقل وبين ما يريه الهوى باب عظيم من أبواب صناعة البرهان ليس نقله إلى هذا الموضع اضطرارياً، لأنا قد لوحنا منه في غير موضع من كتابنا هذا يما نكتفي به في غرضه،

стр. 75

ولأنا ذاكرون جُملاً منه مجزئةً كافيةً لِما يراد منه في بلوغ مغزى هذا الكتاب، فأقول: إن العقل يُرى ويختار ويؤثر الشيء الأفضل الأرجح الأصلح عند العواقب وإن كان على النفس منه في أوائله مؤنه وشدة وصعوبة. وأما الهوى فأنه بالضد من هذا المعنى، وذلك أنه يختار أبداً ويؤثر ما يدفع به الشيء المؤذي المماس الملازق له في وقته ذلك وإن كان يُعقب مضرةً، من غير نظرٍ فيما يأتي من بعد ولا روية فيه. مثال ذلك ما ذكرنا قبل عند الكلام في زم الهوى من أمر الصبي الرمد المؤثر لأكل التمر واللعب في الشمس على أخذ الهليلج والحجامة ودواء العين. والعقل يرى صاحبه ما له وعليه، فأما الهوى فإنه يرى أبداً ما له ويعمى عمّا عليه. ومثال ذلك ما يَعمى عنه الإنسان من عيوب نفسه ويبصر قليل محاسنه أكثر مما هي. ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبداً في الأشياء التي هي له لا عليه ويظن به أنه هوى لا عقل ويستقصي النظر فيه قبل إمضائه. والعقل يرى ما برى بحجة وعذر واضح، وأما الهوى فإنه إنما يقنع ويرى بالميل والموافقة لا بحجة يمكن أن ينطق بها ويعبر عنها وربما تعلق بشيء منذ ذلك إذا أخذ يتشبه بالعقل، غير أنه حجاج ملجلج منقطع وعذر غير بين ولا واضح. ومثال ذلك حالة العشاق والذين قد أُغروا بالسكر أو بطعام رديء ضار وأصحاب المذهب ومن ينتف لحيته دائباً ويعبث ويولع بشيء من بدنه، فإن بعض هؤلاء إذا سئل عن عذره في ذلك لم ينطق بشيء بتةً ولا كان عنده في نفسه شيء يمكن أن يحتج به أكثر من ميلٍ إلى ذلك الشيء وموافقته ومحبةٍ طبيعية غير منطقية. وبعضهم يأخذ ويحتج ويقول
следующие страницы →