← Прочие науки

Прочие науки · id 12834

رسائل فلسفية للرازي

محمد بن زكريا الرازي

Полный текст (119 стр.). Показаны 106–119 · переход к 111.

стр. 106

وأما مَن زعم من أهل الدهر أنّ في المني قوةً تصور الجنين إما منه وإما من دم الطمث فإنهم استدلوا على صحة ذلك بأن المني إذا لم يكن في الرحم لم يكن جنين، فيقال لهم ولو كان بكون المني يكون الجنين فقد يكون في الرحم وتتم له الشهور ولا تجد المرأة علةً ولا يكون الجنين، فلسنا نرى وجود المني إلاّ بمنزلة عدمه. ويقال لهم ما يدريكم لعل في الرحم تصور الجنين في المني؟ وهذه ظنون الاستدلالات وأما زعم من زعم منهم أن في الرحم قالبا يتصور فيه الجنين فإنهم قالوا: لا بد للمصور من مصور يلامسه يعانيه أو تقذف النطفة في قالب تتصور فيه، فلما لم يكن في الرحم من يعاني ويلامس ولا يتهيأ ذلك لو أراده مريد في ظلمة الرحم وامتناع التي هي النطفة ثبت أن النطفة تقذف في قالب. فيقال لهم فهل شاهدتم طينة تقذف في قالب فتأتي بعد قذفها مدة طويلة؟ فإن قالوا نعم أكذبهم الوجود، وإن قالوا لا قيل لهم فما أنكرتم من أن تكونوا لم تشاهدوا مصورا إلا بمؤاتاة، وقد يجوز أن يصور مصور لا بمؤاتاة. ويقال لهم نرى النطفة جوهرا متشابه الأجزاء كالذهب والفضة والنحاس إذا صب في قالب اختلفت صورتها لأن جوهرها وجوهر الإنسان مختلف ففيه عظم ومخ رطب وعين دراكة وجلد يمنع من الإدراك. ويقال لهم وكيف ذهبت العين إلى موقعها دون أن تنزل عن موضعها ويكون في مكانها بعض جسد الإنسان؟ وكذلك السؤال عليهم في سائر الأعضاء المرتبة في موضعها. ويقال لهم اعملوا على أن في الرحم قالبا فيه يتصور الجنين، فهل

стр. 107

في البيضة قالب يتصور فيه الفرخ؟ فإن قالوا نعم أكذبهم الوجود، وإن قالوا لا فكيف يتصور؟ ويقال في تصور النبات والشجر مثل ذلك. ويسألون عن الحيوان الموجود في الأرض من الحشرة ما السبب في تصورها؟ وبعد فإن جالينوس قد عني بأمر التشريح وكان يدعي فيه دعاوى ولكن مؤكدا للقول بالدهر. ويقال لهم هبنا لا يمكننا تشريح أرحام النساء، قد نشاهد أرحام الغنم وأجوافها فلسنا نرى من ذلك شيئا وكيف تصورت الأجنة فيها فإما ما حكاه جالينوس عن بقراط من أن مقام المني مقام الفاعل والمفعول وقول أرسطوطالس إنه يعطي الدم منه الحركة ويستحيل وقول جالينوس إنه يكون من المني، فما رأيته في كتاب المني حكى عن بقراط ولا عن نفسه فيه حجة بل ادعى وتحكم وهذى وخرف، وأكثر ما رأيته قال في ذلك إن المني إذا خرج من الرحم لم يكن الجنين وإن المني جوهر مبني ملتئم الأجزاء يصلح للتمدد. وهذه دعوى ادعاها وقد خالفه فيها أرسطوطالس. والذي نجده أن المني قد يكون في الرحم فلا يتكون منه ولا بحركته جنين. وفي ذلك إكذاب قولهم إنه عنه أو كان الجنين. وأما صلاحه للتمدد فما هو إلا بمنزلة البصاق والمخاط والدم وليس في هذا دلالة. وأما ما قاله بعد ذلك من أن العروق تمدد بالدم والشريانات بالروح، فيقال له ما الدليل على ما ادعيته في الظلمات التي لا تقع عليها المشاهدات؟ وأما قوله إن الجنين بمنزلة النبات فإنه أراد أن يقربه عند نفسه مما يدعيه بعض الناس أن النبات من الطبيعة، فالدلالة على أن الجنين والنبات جميعا ليسا

стр. 108

من الطبيعة دلالة واحدة. وشئ آخر وهو أن النبات لا يفارق بطبعه عندهم الموضع الذي نشأ فيه حتى يقطعه قاطع أو يقلعه قالع، والجنين ليس كذلك لأنه يفارق موضعه من غير مزعج أزعجه. ووجه آخر وهو أن النبات منذ يكون إلى أن يفسد لا بد له من مكان متصل به وكائن فيه ومستقى منه ولا يجوز أن يكون كاملا قائما إلا كما وصفنا، والحيوان أجمعه يكون تام الصورة كامل المعنى وإن فارق الرحم التي كان فيها. وأكثر النبات إذا قطعت رؤوسه نمى وكمل ومنه ما تقطع أغصانه وأطرافه فينفعه ذلك ولا يضر به، وليس كذلك الإنسان. فإن كان نباتا لأنه فيه حالا تشبه النبات فمحال أن يكون غيره لأن فيه خلالا كثيرة لا تشبه النبات فأما ما حكاه جالينوس عن أنباذ قلس من أن أجزاء الإنسان منقسمة في مني الذكر والأنثى فلا فصل بين هذا القول وبين من قال إن أجزاء الولد من أحدهما أو منهما منبثة في رحم المرأة وإن مني الرجل يجمعها وإنها منقسمة في الأغذية أو الهواء، وهذه كلها دعاوى لا برهان عليها. وأما من زعم أنه يخرج من أعضاء الإنسان أجزاء لطيفة فيها من جنس كل عضو من أعضاء بدن الإنسان فيقال لهم لو كان هذا على ما يزعم هؤلاء لوجب أن يكون ولد الأعمى أعمى وولد الأعور أعور وولد المقطوع اليد لا يد له وليس الأمر كذلك واستدل من زعم أن لا نهاية لأجسام العالم من أقطاره بأن قالوا إنا لم نشاهد جسما إلا وبعده ذراع من أي ناحية قصدنا إليه. فيقال لهم أخبرونا عن السودان الذين ينشأون في بلادهم هل يجب عليهم أن يقضوا أن لا إنسان إلا أسود؟ فإن قالوا

стр. 109

نعم أبطلوا ما نشاهده، وإن قالوا لا أبطلوا استدلالهم. ويقال لهم هل يجب على من نشأ في القرية أن يحكم أنه لا بر إلا ومن ورائه بر؟ ويلزمهم نظير ما ألزمناهم واستدل أرسطوطالس على أنه لا نهاية لحركات العالم بأدلة أحدها أنه قدم فيه أن العالم قديم، وهو قوله إن الحركة إن الحركة إن كانت مبتدئة في زمان فقد بقي الجسم زمانا لا نهاية له غير متحرك ثم تحرك، وإذا كان له محرك قديم حركة فقد استحال أو استحال الجسم الذي حركه، وأيهما استحال فقد كانت حركة قبل أن تكون حركة. ولو أعطينا أن الجسم لم يزل لوجب أن يتحرك ويسكن ولكن هذا مما نمنعه إياه. وقولنا إن الجسم والحركة جميعا حادثان، وقد أفسدنا قبل هذا الموضع أن يكون البارئ جل وعز ذا فعل أن لم يفعل فقد استحال. وهذا الدليل ذكره في سمع الكيان في المقال الثامنة منه. واستدل أيضا على أن الحركة لم تزل بأن الزمان عدد حركة الفلك أو حادث عنها، ولو حدث الزمان لكان قبل حدوثه زمان لأنه لا بد لمن أثبت حدثه من أن يقول كان بعد أن لم يكن، والقبل والبعد وكان بعد أن لم يكن أدلة على الزمان. فإذا قال قائل كان الزمان بعد أن لم يكن فقد أثبت زمانا قبل حدوثه، وإذا ثبت أن الزمان قديم والحركة قديمة. وهذا دليل استدل به في مقالة اللام من كتاب ما بعد الطبيعة. وهذا شبيه بدليل قد استدل به برقلس، وقد قلنا في مناقضته فيه بما نكتفي به غير أنا نقول أيضا إنا نجيب بغير ما قدرته جوابا ونقول إن الزمان متناه، وقول من قال إنه لا أول له محال وهذا إنما هو تعلق بالشغب في الألفاظ. وقد نقول يوم السبت قبل يوم الأحد، فإن قالوا إن بينهما آنا قيل لهم أو ليس

стр. 110

يوم السبت قبل الآن الذي بينه وبين الزمان؟ فلا بد من نعم. يقال لهم فعلى قياس ما استدل به أرسطوطالس يجب أن يكون زمانا معا في حال. ويقال لهم أليس أجزاء الزمان تحدث وتبطل؟ فلا بد على قوله من نعم وإلا كان يوم السبت لم يزل فيجب أن يكون لا يزال. يقال له أفحدوثه وبطلانه في زمان؟ فإن قال لا وهو قوله، قيل له فقد صار الزمان يحدث ويبطل لا في زمان، وهذا نقض قولك. ويقال له إذا زعمت أن الزمن إن كان حادثا فلا بد من أن يكون قبل حدوثه زمان فبأي شئ تنفصل ممن زعم أن المكان إن إن كان موجودا في العالم فلا بد من أن يكون في مكان، فيبطل هذا القائل المكان أو يكون كل مكان لا إلى نهاية؟ ومما يستدل به أيضا على قدم الحركة بأن زعم أن حركة الفلك دورية، وإذا كانت دورية فلا ابتداء لها ولا انتهاء. وقد نقضنا هذا فيما أتى به ابرقلس وأذكر ما به هاهنا وقد زعم ثابت بن قرة أن حركة الفلك حركة واحدة لم تزل ولا تزال وأنها إنما تكون حركات على قدر ما نتوهمه ونعلمه فيها. وإنما قال هذا هربا من أن يلزمها العدد فيكون إما زوجا وإما فردا ويلزمه فيها مسائل توجب التناهي، فزعم أنها تحدث دائما وسماها حركة تجري - قال - لأنها حركة دائمة، وكيف تكون حركات وليس يفصلها سكون؟ يقال فيجب أن تكون حركته في زمان أرسطوطالس هي حركته في زماننا هذا، ولو جاز هذا لجاز أن يكون زمان أرسطوطالس هو زماننا وهذا تجاهل. بل يجب أن تكون موجودة معدومة. لأن ما مضى منها فليس هو الساعة وما منها الساعة الفلك متحرك به فموجودة،

стр. 111

فهي موجودة معدومة وباقية مستأنفة إذ كان منها ما قد مضى ومنها ما يستأنف. ويقال له لِمَ زعمت أن حركة الفلك حركة واحدة؟ فإن قال لأنه لا سكون بينها وكل حركة لا يفصلها سكون فهي واحدة، قيل له أليس هي واحدة وإن منها ما قد مضى ومنها ما لم يمض؟ فلا بد من نعم. يقال له فما تنكر من أن تكون حركةً واحدةً وإن فصلها سكونٌ؟ فإن قال إن قولك ماضٍ وأتى ومضى ولم يمض إنما هو على حسب ما نتوهمه، قلنا لم نسأل عن توهمنا وإنما سألنا عن الحركة وحكمها في أنها واقفة وماضية ومستأنفة لا غير ذلك. ويقال لهم أفر أيتم إن توهمنا في حركة الفلك سكوناً تكون حركتين؟ فإن قالوا نعم قيل لهم وكذلك لو توهمناها جسماً لكانت جسماً؟ فإن قالوا لا قلنا ولا يجب إذا توهمناها ماضيةً أن تكون ماضيةً وإذا توهمناها مستأنفة أن تكون مستأنفة، فأجيبوا عنها في نفسها واتركوا التعلق بالتوهم. فإنا لم نسأل عنه ولا فَرَجَ لكم فيه. ويقال له أخبرنا عنا لو توهمنا الجوهر غير قائم بنفسه والعرض قائما بنفسه والفلك مربعا أو مثلثا أو من الطبائع الأربع أو كائنا فاسدا كان يجب أن يكون ما توهمناه على ما توهمناه؟ فإن قالوا نعم تركوا قولهم، وإن قالوا لا قلنا وكذلك إذا توهمنا حركة الفلك التي هي واحدة في نفسها حركات كثيرة لم يجب أن تكون حركات كثيرة وزعم ثابت بن قرة أن مالا نهاية له قد يكون موجودا بالفعل. وزعم أن له نصفا لأنه - زعم - لا ثلاثة منه مضت إلا وهي نصف لستة ولا خمسة إلا وهي نصف لعشرة، وزعم أنه يزيد وينقص. وزعم أن له نصفا لأن ما يمضي عشرات ولا عشرة إلا وفيها خمسة أزواج، فأما الأفراد فالواحد والثلاثة والخمسة والسبعة والتسعة وأما الأزواج فالاثنان والأربعة

стр. 112

والستة والثمانية والعشرة. فيقال له إذا زعم أن مالا نهاية له أو ليس إنما زاد على نهاية يجاوزها ما زاد؟ فإن قالوا لا كابروا، وإن قالوا نعم أقروا بتناهيه. فإن قال الحركات متناهية من إحدى جهتيها وهي الجهة التي تلقى منها، قيل له فتناهيها من إحدى جهتيها من إحدى جهتيها أليس هو تناهي ما لا نهاية له؟ فلا بد من نعم. وإذا جاز أن يتناهى ما لا نهاية له من جهة فلم لا يجوز أن يتناهى من جهتين؟ ويقال له إذا جاز أن يكون ما لا نهاية له يزيد وينقص فلم لا يكون ما يتناهى لا يزيد ولا ينقص؟ ويقال له إن كان لما لا نهاية له نصف على الوجه الذي وصفت فازعم أن له طرفين لأن ما مضى منه عشرات ومئون وألوف وهذه كلها أول وآخر وزعم أنه لا حركة بعينها إلا محدثة وجميعها قديم - قال - كما أنه لا حبة من حبات الحنطة إلا ولها شكل وصورة وللكر منها صورة شكل وصورة ليس لكل واحدة منها. فيقال له فأخبرنا عن إنسان لو أثبت كل إنسان بعينه أسود هل يجب عليه أن يقول كل إنسان أسود؟ فإن قال لا تجاهل وقد سألناه عن هذا، فقال نعم قلنا فلم لا يجوز له أن يقول إن كل إنسان بعينه أسود والجميع بيض، ونجعل هذا قياسا بحبات الحنطة والكر؟ فلم يكن عنده في هذا فصل وحكى عن أبي يوسف بن إسحق الكندي أنه كان يزعم أن حركة الفلك واحدة والزمان واحد لم يزل وأن غدا موجود غدا معدوم اليوم وأن اليوم موجود اليوم معدوم غدا وأنهما غير منفصلين في وجود ولا وهم. فيقال له فقد كنا نحن إذن بما نحن أشخاص في زمن بطليموس بل نحن كائنون في الزمان الذي يأتي بعد، وهذا تجاهل. ويقال كيف ندخل نحن في الزمان

стр. 113

الذي يأتي أو يأتي هو إلينا حتى نكون فيه والأشياء على مراتبها وليس حدوث؟ ويقال له فيجب على هذا القول أن تكون حركة اليوم هي حركة غدا، وإذا جاز هذا فلم لا يجوز أن تكون حركة الإنسان اليوم حركته غدا؟ وهذا محال كله وتجاهل إلا أن يفهم منه القول بالدهر ويقال لأرسطوطالس ومن يذهب مذهبه في تناهي أجسام العالم وارتفاع النهاية عما مضى من حركاته: إذا كانت لا حركة إلا وقبلها حركة فلم لا تزعمون أنه لا ذراع إلا وبعده ذراع واستدل بعضهم على أنه لا حركة إلا وقبلها حركة بأنهم لم يشاهدوا حركة إلا وقبلها حركة. فيقال لهم أخبرونا عن إنسان دخل على قوم وهم مجتمعون في دار هل كان يجوز له أن يقول إنه لا واحد منهم إلا وهو مجتمع مع صاحبه في تلك الدار لأنه لم يشاهدهم إلا كذلك؟ فإن قالوا نعم تجاهلوا، وإن قالوا لانقضوا علتهم، وكذلك إن قال إن قبل كل حركةٍ حركة. فأما ما حكاه فلوطرخس عمن زعم من الفلاسفة أن العوالم بلا نهاية فأنه حكى عن مطرود منهم أنه احتج لذلك بأن قال إنه محال أن تنبت سنبلة في صحراء واسعة وكذلك لا يكون عالم واحد فيما لا نهاية. وهذا إنما هي حجة - إن صحت - على من يزعم أن الأشياء لا نهاية لها وأن العوالم واحدة منها عالم واحد. وبعد فقد تكون؟ صحراء فيها سنبل وغير سنبل، فهل يجوز أن تكون عوالم وغير عوالم؟ فإن قال نعم ترك قوله إن الأشياء عوالم لا نهاية لها، وإن قال لا خالف موضوعه

стр. 114

وقد سألهم اسطوطالس في المقالة الأولى من كتابه في السماءفي ذلك فقال: ليس يخلو عناصر هذا العالم من أن تكون موافقة لتلك العناصر في المعنى أو في الاسم فتلك النار ليست بمحرقة وكذلك سائر العناصر ليست كهذه، وإنما علق هذا القائل أسماء العناصر على غيرها. وغن كانت في المعنى وكانت نار هذا العالم تذهب عن مركزه فلو توهمنا عالما فوق هذا العالم لكانت النار تذهب إلى مركزه، وهذا خطأ وهو داخل في القسم الأول. فإن قالوا أن كل عالم يذهب عن مركزه يفسد، قيل لهم إن النيران ليس تختلف حركاتها لاختلاف أماكنها فالنار التي في المشرق تذهب عن المركز والنار التي في المغرب أيضا تذهب عنه. ويقال لهم إذا جاز أن يكون في نار هذا العالم مذهب عن مركزه فقد اختلف حكمها، فما ينكر قائل هذا القول من أن تكون نار هذا العالم محرقة ونار ذلك العالم ليست محرقة؟ فأما ما حكاه عن سالوقس فإنه احتج لقوله في أن هذا العالم لا نهاية له بأن قال: إذا تناهى العالم فهل يتناهى إلى شئ أو لا إلى شئ؟ فإن كان إلى شئ فهذا قولي، وإن كان لا إلى شئ فيجوز أن يطابق لا شيئا ويماس لا شيئا كما تناهي لا إلى شئ. فيقال له ما تنكر أن يكون التناهي إنما يكون للشيء نهاية حالة فيه وليس يحتاج إلى غيره؟ والمماسة تقتضي مماسين كما أن المشاركة تقتضي مشاركين قالوا ولو أن واقفا وقف في آخر حد من حدود العالم هل كان يرى شيئا أم لا يرى شيئا؟ فإن كان يرى شيئا فهو قولي، وإن كان لا يرى شيئا

стр. 115

فهل يجوز أن يخرج يديه أم لا؟ فإن قال لا قيل فما الذي يمنعه؟ وإن قال نعم قيل فإذا تحركت يده فهل تتحرك في شئ؟ فإن قالوا نعم قيل هذا قولي، وإن قالوا لا قيل لهم فإذا تحركت يده لا في شئ فلم لا يماس شيئا؟ ويقال لمن اعتل بهذا ما تنكرون من أن يكون الرائي إذا توهمنا واقفا على حد العالم لا يرى شيئا إذا كان لا يترائى له؟ وأما ليخرج يده فقد قال قوم أنه لا يجوز ليس لأن مانعا يمنعه ولكن لأنه محال تحركه لا في شئ لأن الحركة قطع لمكان فإذا لم يكن مكان فلا قطع، وقال آخرون إن جاز أن تتحرك يده لا في مكان فجائز أن يبطل المكان وتتحرك اليد وأما من زعم أن العالم واحد وبعد ذلك عنصر لا نهاية له فلم أقف لهم على علة، ولكن يقال لهم ما تنكرون من أن يكون عوالم لا نهاية لها وراء ذلك العنصر وذلك الخلاء؟

стр. 116

مقالة في إمارات الإقبال والدولة

стр. 117

بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي: اعلم أن الأمر المسمَّى إقبالا ودولة وإن كان القول في سببه والنظر فيه والإبانة عنه عسرا غامضا وطويلا بعيدا فإن لمجيئه وموافاته إمارات وشواهد مبشِّرة به. وغرضنا في هذه المقالة ذكر بعض هذه الإمارات باختصار وإيجاز ما أمكن ذلك فنقول وبالله التوفيق: إن من إمارات الإقبال التنقل والعلم الذي يقع للمرء ضربة واحدة ورفعه إلى حال جليلة بالإضافة إلى ما كان عليها. وذلك أن حدوث مثل هذه الحال يدل على تيقظ السعادة له - كائنا ما كان. عن أي سبب كان إلهي كان أو طبيعي - بقوة قوية لا تكاد تقصر وتني وتخمد سريعا لفرط قوتها وغزارة مادتها. والدليل على ذلك إضطلاعها بنقل المنقول هذا النقل الغريب البديع الذي لا يمكن أن يحدث من قوة مهينة ولا نُزرة مادّة، فوقوع النقلة من حاله إلى ما هو أجل منها كثيرا جدا من إمارات وفور قوة الناقلين وغزارتها ومن أجل ذلك هو أحب الأسباب الدالة على الإقبال ومن إمارات الإقبال والدولة اتساق الأمور واطرادها ومجيئها ووقوعها على موافقة التنقل المدال ولو في دقائق الأشياء وخسائسها فضلا عن جلائلها وعظائمها، لأن ذلك يدل على أنه مسوس ومكفٌّى ومُؤَّيد بقوة غير قوته وأنه مُتكفّلُ به ومصنوع له وقد كانت قدماء الملوك وأجلّتهم يستدلّون بما يقدِّم إليهم الطباخون من الأطعمة التي كانت تقع بوقوع شهواتهم - من غير أن يكونوا تقدموا إليهم فيها

стр. 118

وأمروهم بها - على ثبات الإقبال والدولة فضلا عما يقع من غير ذلك من جلائل الأشياء وعظائمها كنكبات الأعداء وبوار المضادين والمخالفين والمنازعين ومن إمارات الإقبال والدولة ما يحدث من أخلاق النفس الموافقة للرياسة المُعينة المُقوِّية عليها بعلوّ الهمّة والنبل والجود وقلة مهابة الأكفاء وفضل الرأي وإجادته، فإن مثل هذه الأمور لا تحدث في الإنسان إلا وهو يُراد للمرتبة التي يرتقى إليها بهذه الأخلاق ونحوها، فأعلمه ومن إمارات ذلك أيضا عشق الرياسة وفرط محبته لها حتى إنه لا يرى عيشا إلا بها ولا يهم أمرا سواها. فإن ذلك يدل على أنه مهيأ لها. لأن الطبيعة لا تفعل شيئا باطلاً بتّةً ولا تترك قوة عطلاً. ولم يكن يتمكن في نفس هذا المعنى هذا التمكُّنَ ويقوم فيها هذا المقام إلا وهي نفس مهيأة للرياسة لا غير. ولولا ذلك لكانت هذه القوى فيها فضلًا وباطلًا، وذلك ما لا يكون ومن إمارات ذلك أيضا ما يحدث له من الحِلم والتُؤَدَة في الأمور التي فيها لبسٌ وشبهة، لأنّ ذلك يدل على أنه محروس من ركوب الخطايا والوقوع في الزلل وأنه مجريٌ به إلى إدراك حقائق الأمور ومن إمارات ذلك أيضا فضل صدق ودقة حس النفس والإدراك والتخمين على ما كان له قبل، فإن ذلك يدل على مسدَّد موفَّق بقوة إلهية تجري به إلى أن يكون فاضلا ورئيساً سائساً لشدّة حاجة الرئيس والسائس إلى فضل وعلم واستغناء المسوسين عن ذلك لانتساب أمرهم إلى السائس واكتفائهم بسياسته ومن إمارات ذلك أيضا الميلُ إلى موافقة الخلطاء والأصحاب والأعوان

стр. 119

والمحبة لصلاح أمورهم باستجلاب موداتهم وخلوصهم له - لأن ذلك يدل على أنه قد أعطي القوة التي تدوم - وتسخيرهم وربطهم بها لنفسه، وفي ذلك أن لا يتفرقوا عنه وأن لا يُضمروا له سوءاً وأن لا يروا عيشاً إلا معه وبه ونتج من ذلك صِدقُ مجاهدتهم الأعداء عنه وبذلُهم أنفسهم دونه ومن إمارات ذلك أيضا إقبال الخدم والأصحاب عليه وفضل إجلالهم ومهابتهم له من غير أن يكون حدثت له في ذلك الوقت حالة ظاهرة توجب ذلك من مزيد في رتبةٍ أو زيادةٍ في إحسانٍ أو إساءةٍ، فإنّ ذلك إذا كان دلّ على أُبَّهَةِ حادثةٍ إلهية واقعة في النفوس طارئة عليها دلالة الرياسة والدولة ومن إمارات ذلك أيضا خُلُوُّ قلبه من الضغائن والأحقاد التي كانت في نفسه على أكفائه وأجلّة أصحابه وخلطائه فضلا عليهم، وإنها ممّن يُحب أن يسوس ويستصلح لا ممن يستفسد ومن إمارات ذلك أيضا ميل النفس إلى العدل وكراهيتها الجور وإن كان له عاجلُ ناجزٍ، لأنّ ذلك يدل على أنّ نفسه مُوقِنة بالتمكّن من الملك ودوامه وليست مختَطِفة مغتَنِمة. وليس ذلك منها إلا بحمل قوة إلهية لها على ذلك، ولن يقع هذا الحمل منها لها على هذا المعنى إلا وقد أهّلها لدوامه وبقائه وأكسبه ذلك ميل الرعايا المملوكين والمسوسين إليه. وفي ذلك توطيد ملكه وإرساء قواعده والبعد من الوهن والتضعضع وانعزال المناوئين والمضادين وإجلالهم إياه وشوقهم إلى مثل حاله إن ساسه فهذه إمارات الإقبال الأشرف الأعظم والتي يرجع إليها ويدخل في جملتها سائر الإمارات الصغيرة الجزئية.