← Прочие науки

Прочие науки · id 12834

رسائل فلسفية للرازي

محمد بن زكريا الرازي

Полный текст (119 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثامن عشر في طلب الرُتَب والمنازل الدنيائيّة قد قدمنا في أبواب من هذا الكتاب جمل ما يُحتاج إليه في هذا الباب، غير أنا من أجل شرف الغرض المقصود بهذا الباب وعِظَم نفعه مُفرِدوه بكلام يخصه وناظمون ما تقدم من النكت والمعاني فيه، وضامّون إليه ما نرى أنه يعين على بلوغه واستتمامه فنقول: إن من يريد تزيين نفسه وتشريفها بهذه الفضيلة وإطلاقها وإراحتها من الأسر والرق والهموم والأحزان التي تطرقه وتفضي به إلى الهوى الداعي إلى ضد الغرض المقصود بهذا الباب، ينبغي أن يتذكر ويخطر بباله أولا ما مر لنا في فضل العقل والأفعال العقلية، ثم ما ذكرنا في زم الهوى وقمعه ولطيف مخادعه ومكايده وما قلنا في اللذة وحددناها به، ثم ليجد التثبت والتأمل ويكرر قراءة ما ذكرنا في باب الحسد حيث قلنا إنه ينبغي للعاقل أن يتأمل أحوال الناس وما ذكرنا في صدر باب دفع الغم حتى يقتلها فهما وتستقر وتتمكن في نفسه، ثم ليقبل على فهم ما نقول في هذا الموضع أقول: إنه من أجل ما لنا من التمثيل والقياس العقلي كثيرا ما نتصور

стр. 72

عواقب الأمور وأواخرها فنجدها وندركها كأن قد كانت ومضت فنتنكب الضارة منها ونسارع إلى النافعة. وبهذا يكون أكثر حسن عيشنا وسلامتنا من الأشياء المؤذية الرديئة المتلفة. فحّق علينا أن نعظم هذه الفضيلة ونجلها ونستعملها ونستعين بها ونمضي أمورنا على إمضائها إذ كانت سبيلا إلى النجاة والسلامة ومفضلة لنا على البهائم الهاجمة على ما لا تتصور أواخره وعواقبه. فلننظر الآن بعين العقل البريء من الهوى في التنقل في الحالات والمراتب لنعلم أيها أصلح وأروح وأولى بالعقل طلبه ولزومه ونجعل مبدأ نظرنا في ذلك من هاهنا. فنقول: إن هذه الأحوال ثلاث، الحالة التي لم نزل عليها وربينا ونشأنا فيها، والتي هي أجل وأعلى منها، والتي هي أدنى وأخس منها. فأما أن النفس تؤثر وتُحبّ وتتعلق من أول وهلة بغير نظر ولا فكر بالحالة التي هي أجل وأعلى فذاك ما نجده من أنفسنا، غير أنا لا نأمن أن يكون ذلك ليس عن حكم العقل بل عن الميل وبدار الهوى. فلنستحضر الآن الحجج والبراهين ونحكم بعد بحسب ما توجبه فنقول: إن التنقل من الحالة التي لم نزل عليها المألوفة المعتادة لنا إلى ما هو أجل منها إذا نحن أزلنا عنها الاتفاقات النادرة العجيبة لا يكون إلا بالحمل على النفس وإجهادها في الطلب. فلننظر أيضا هل ينبغي لنا أن نجهد أنفسنا ونكدها في الترقي إلى ما هو أجل من حالتنا التي قد اعتدناها وألفتها أبداننا أم لا. فنقول: إن من نمى بدنه ونشأ ولم يزل معتادا لأن لا يؤمره الناس ولا تسير أمامه وخلفه

стр. 73

المواكب إن هو اهتم واجتهد في بلوغ هذه الحالة فقد مال عن عقله إلى هواه وذلك أنه لا ينال هذه الرتبة إلا بالكد والجهد الشديد وحَملِ النفس على الهول والخطر والتغرير الذي يؤدي إلى التلف في أكثر الأحوال، ولن يبلغها حتى يصل إلى نفسه من الألم أضعاف ما يصل إليه مكن الالتذاذ بها بعد المنال. وإنما يخدعه ويغرُّه في هذه الحال تصوُّره نيل المطلوب من غير أن يتصور الطريق إليه كما ذكرنا عند كلامنا في اللذة. حتى إذا نال ووصل إلى ما أمل لم يلبث إلا قليلاً حتى يفقد الغبطة والاستمتاع بها، وذلك أنها تصير عنده بمنزلة سائر الأحوال المعتادة المألوفة، فيقل التذاذهُ بها وتشتد وتغلظ المؤن عليه في استدامتها والتحفظ بها ولا يمكنه الهوى من تركها والخروج عنها - كما ذكرنا عند كلامنا في زمّ الهوى - فإذا هو لم يربح شيئاً وخسر أشياءِ. وأما قولنا إنه لم يربح شيئاً فمن أجل أن هذه الحالة الثانية إذا هو ألفها واعتادها صارت عنده بمنزلة الأولى وسقط عنه سروره واغتباطه بها. وأما قولنا إنه خسر أشياء كثيرة فالعناء أولاً والخطر والتغرير الذي يُسلكه إلى هذه الحالة. ثم الجهد في حراستها والخوف من زوالها والغم عند فقدها والتعويد للنفس الكون فيها وطلب مثلها. وكذلك نقول في حالة تفوق الكفاف. وذلك أن مَن كان بدنُه معتاداً للغذاء اليابس واللباس المتوسط إن هو جهد نفسه حتى يتنقل عنهما إلى الغذاء اللين واللباس الفاخر فإن شدة التذاذه بهما تسقط عنه إذا اعتادهما حتى يصيرا عنده بمنزلة الأولين ويحصل عليه من فضل العناء والجهد في نيل هذين

стр. 74

واستدامتها والخوف من تنقُّلهما عنه واعتياد النفس لهما ما كان موضوعا عنه قبل ذلك وكذلك نقول في العز والجاه والنباهة وسائر المطالب الدنيائية إذ ليس من مرتبة تُنال ويُبلغ إليها إلا وُجد الاغتباط والاستمتاع بها يقل بعد نيلها ويصغر في كل يوم حتى يضمحل وتصير عند نائلها بمنزلة الحالة التي عنها انتقل ومنها ارتقى ويحصل عليه من أجلها فضل مؤن وغموم وأحزان لم تكن فيما مضى. وذلك أنه لا يزال يستقل لنفسه ما هو فيه ويجتهد في الترقي إلى ما هو أعلى منه ولا يصير إلى حالة ترضاها نفسه بتّةً بعد وصوله إليها وتمكنه منها. فأما قبل الوصول فقد يريه الهوى الرضى والقنوع بالحالة المقصودة، وذلك من أعظم خُدَعِهِ وأسلحته ومكايده في اجتهاده وجَرِّه إلى الحالة المطلوبة، حتى إذا حصلت له تطلّع إلى ما هو فوقها. ولا تزال تلك الحالة حاله ما صاحب الهوى وأطاعه، نحو ما قلنا في هذا الكتاب إنه من أعظم مكايد الهوى وخُدَعه، من أجل أن الهوى يتشبه في مثل هذه الأحوال بالعقل ويدلِّس نفسه ويوهم أنه عقلي لا هوائي وأن ما أراه خيرة لا شهوة بأن يدلِّى ببعض الحِجاج ويقنع بعض الإقناع، لكن إقناعه وحجته هذه لا يلبث إذا قوبلت بالنظر المستقيم أن تدحض وتبطل. والكلام في الفرق بين ما يريه العقل وبين ما يريه الهوى باب عظيم من أبواب صناعة البرهان ليس نقله إلى هذا الموضع اضطرارياً، لأنا قد لوحنا منه في غير موضع من كتابنا هذا يما نكتفي به في غرضه،

стр. 75

ولأنا ذاكرون جُملاً منه مجزئةً كافيةً لِما يراد منه في بلوغ مغزى هذا الكتاب، فأقول: إن العقل يُرى ويختار ويؤثر الشيء الأفضل الأرجح الأصلح عند العواقب وإن كان على النفس منه في أوائله مؤنه وشدة وصعوبة. وأما الهوى فأنه بالضد من هذا المعنى، وذلك أنه يختار أبداً ويؤثر ما يدفع به الشيء المؤذي المماس الملازق له في وقته ذلك وإن كان يُعقب مضرةً، من غير نظرٍ فيما يأتي من بعد ولا روية فيه. مثال ذلك ما ذكرنا قبل عند الكلام في زم الهوى من أمر الصبي الرمد المؤثر لأكل التمر واللعب في الشمس على أخذ الهليلج والحجامة ودواء العين. والعقل يرى صاحبه ما له وعليه، فأما الهوى فإنه يرى أبداً ما له ويعمى عمّا عليه. ومثال ذلك ما يَعمى عنه الإنسان من عيوب نفسه ويبصر قليل محاسنه أكثر مما هي. ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبداً في الأشياء التي هي له لا عليه ويظن به أنه هوى لا عقل ويستقصي النظر فيه قبل إمضائه. والعقل يرى ما برى بحجة وعذر واضح، وأما الهوى فإنه إنما يقنع ويرى بالميل والموافقة لا بحجة يمكن أن ينطق بها ويعبر عنها وربما تعلق بشيء منذ ذلك إذا أخذ يتشبه بالعقل، غير أنه حجاج ملجلج منقطع وعذر غير بين ولا واضح. ومثال ذلك حالة العشاق والذين قد أُغروا بالسكر أو بطعام رديء ضار وأصحاب المذهب ومن ينتف لحيته دائباً ويعبث ويولع بشيء من بدنه، فإن بعض هؤلاء إذا سئل عن عذره في ذلك لم ينطق بشيء بتةً ولا كان عنده في نفسه شيء يمكن أن يحتج به أكثر من ميلٍ إلى ذلك الشيء وموافقته ومحبةٍ طبيعية غير منطقية. وبعضهم يأخذ ويحتج ويقول

стр. 76

فإذا نقض عليه رجع إلى اللجلجة والتعلق بما لا معنى تحته واشتد ذلك عليه وغضب منه وأبلغ إليه ثم ينقطع ويثوب بعد ذلك. فهذه الجمل كافية في هذا الموضع من التحفظ من الهوى والمرور معه من غير علم به وإذ قد بينا في الترقِّي إلى الرتب العالية من الجهد والخطر واطراح النفس فيما تغتبط ولا تُسر به إلا قليلاً، ثم تكون عليها منه أعظم المؤن والشدائد مما كان موضوعاً عنها في الحالة الأولى ولا يمكنها الإقلاع والرجوع عنه، فقد بان أن أصلح الحالات حالة الكفاف والتناول لذلك من أسهل ما يمكن من الوجوه وأسلمها عاقبةً، ووجب علينا أن نؤثر هذه الحالة ونقيم عليها إن كنا نريد أن نكون ممن سعد بعقله وتوقى به الآفات الرابصة الكامنة في عواقب اتباع الهوى وإيثاره ويكمل لنا الانتفاع بالفضل الإنسي، وهو النطق الذي قد فضلنا به على البهائم. فإن نحن لم نقدر ولم نملك الهوى هذه الملكة التامة التي نطرح معها عنا كل فاضل عن الكفاف فلا أقل من أن يقتصر مَن كان معه منا فضلٌ عن الكفاف على حالته المعتادة المألوفة ولا يكد نفسه ويجهدها ويخاطر بها في التنقل عنها. فإن اتفق لنا التمكن من حالة جليلة من غير جهدٍ للنفس ولا غرر بها فإن الأصلح والأولى ترك الانتقال إليها، لأنا لا نعدم منها الآفات التي عددناها العارضة لنا عن بلوغ الرتبة التي قصدناها بعد نيلها وبلوغها. فإن انتقلنا إليها فينبغي أن لا نغير شيئاً مما به قوام أجسادنا من المآكل

стр. 77

والمشارب والملابس وسائر ما يتبع ذلك من حالاتنا وعاداتنا الأولى لئلا تكسب أنفسنا عادةَ فضلٍ من السرف وحالةً تطالبنا بها إن فقدت هذه الحالة الثانية، ولئلا يبلغ الغم إلينا بفقدها متى فقدت، وإلا كنا منحرفين عن عقولنا إلى هوانا وواقعين لذلك في البلايا التي ذكرناها الفصل التاسع عشر في السيرة الفاضلة إن السيرة التي بها سار وعليها مضى أفاضل الفلاسفة هي بالقول المجمل معاملة الناس بالعدل والأخذ عليهم من بعد ذلك بالفضل واستشعار العفة والرحمة والنصح للكل والاجتهاد في نفع الكل، إلا مَن بدأ منهم بالجور والظلم وسعى في إفساد السياسة وأباح ما منعته وحظرته من الهرج والعبث والفساد ومن أجل أن كثيراً من الناس تحملهم الشرائع والنواميس الرديئة على السيرة الجائرة كالديصانية والمحمرة وغيرهم ممن يرى غش المخالفين لهم واغتيالهم، والمنانية في امتناعهم من سقى مَن لا يرى رأيهم وإطعامه ومعالجته

стр. 78

إن كان مريضاً، ومن قتل الأفاعي والعقارب ونحوها من المؤذية التي لا طمع في استصلاحها وصرفها في وجهٍ من وجوه المنافع، وتركهم التطهر بالماء ونحوها من الأمور التي يعود ضرر بعضها على الجماعة وبعضها على نفس الفاعل لها، ولم يمكن نزع هذه السيرة الرديئة عن هؤلاء وأشباههم لألا من وجوه الكلام في الآراء والمذاهب، وكان الكلام في ذلك مما يجاوز مقدار هذا الكتاب ومغزاه، لم يبق لنا من الكلام في هذا الباب إلا التذكير بالسيرة التي إذا سار بها الإنسان سلم من الناس وأُعطي منهم المحبة. فنقول إن الإنسان إذا لزم العدل والعفة وأقل من مماحكة الناس ومجاذبتهم سلم منهم على الأمر الأكثر، وإذا ضم إلى ذلك الإفضال عليهم والنصح والرحمة أُوتي منهم المحبة. وهاتان الخلتان هما ثمرتا السيرة الفاضلة، وذلك كافٍ في غرضنا من هذا الكتاب الفصل العشرون في الخوف من الموت إن هذا العارض ليس يمكن دفعه عن النفس كَمَلاً إلا بأن تُقنَع أنها

стр. 79

تصير من بعد الموت إلى ما هو أصلح لها كانت فيه. وهذا بابٌ يطول الكلام فيه جداً إذا طُلب من طريق البرهان دون الخبر. ولا وجه للكلام فيه البتة لا سيما في هذا الكتاب، لأن مقداره كما ذكرنا قبل يجاوز مقداره في شرفه وفي عرضه وفي طوله، إذ كان يحوج إلى النظر في جميع المذاهب والديانات التي تُرى وتوجب للإنسان أحوالاً من بعد موته، والحكم بعد لمُحقها على مُبطلها. وليس بصعوبة مرام هذا الأمر وما يضطر ويحتاج إليه فيه من طول الكلام خفاء. فنحن لذلك تاركوه ومقبلون على إقناع من يرى ويعتقد أن النفس تفسد بفساد الجسد، فإنه متى أقام على الخوف من الموت كان مائلاً عن عقله إلى هواه فنقول: إن الإنسان على قول هؤلاء ليس يناله من بعد الموت شيء من الأذى بتةً، إذ الأذى حس والحس ليس إلا للحي وهو في حال حياته مغمور بالأذى منغمس فيه، والحالة التي لا أذى فيها من الحالة التي فيها الأذى، فالموت إذاً أصلح للإنسان من الحياة. فإن قال قائل إن الإنسان وإن كان يصيبه في حال حياته الأذى فإنه ينال من اللذات ما ليس يناله في حال موته، قيل له: فهل يتأذى أو يبالي أو يضره بوجه من الوجوه في هذه الحال أن لا ينال اللذات؟ فإذا قال لا - وكذلك يقول لأنه إن لم يقل ذلك لزمه أن يكون حياً في حال موته، إذ الأذى إنما يلحق الحيَّ دون الميت - قيل له: فليس يضره أن لا ينال اللذات. وإذا كان ذلك كذلك فقد رجع الأمر إلى أن حالة الموت هي الأصلح، لأن الشيء الذي حسبت

стр. 80

أن للحي به الفضل هي اللذة وليس بالميت إليها حاجة ولا له إليها نزوع ولا عليه في أن لا ينالها أذىً كما ذاك للحي، فليس للحي عليه فضل فيها لأن التفاضل إنما يكون بين المحتاجين إلى شيءٍ ما إذا كان لأحدهما فضل مع قيام الحاجة إليه، فأما أن يكون المحتاج على غنى فلا. وإذا كان ذلك كذلك فقد رجع الأمر إلى أن حالة الموت أصلح. فإن قال إن هذه المعاني ليس ينبغي أن تقال على الميت لأنها ليست له بموجودة، قيل له: إنا لم نقل عليه هذه المعاني على أنها قائمة موجودة له بل إنما نضعها متوهمة متصورة لنقيس شيئاً على شيء ونعتبر شيئاً بشيء. وهذا باب متى منعته كنت منقطعاً في قوانين البرهان، وهو باب من الانقطاع معروف عند أهل البرهان يسمونه غلق الكلام. وذلك أن صاحبه يغلق الكلام أبداً ويهرب منه ولا يساعد عليه خوف من أن يتوجه عليه الحكم. فإذا لجأ إلى التكرار واللجلجة فليس له بعد هذا ألا هذا أعلم إن حكم العقل في أن حالة الموت أصلح من حالة الحياة على حسب اعتقاده في النفس، وقد يوجد أنه مقيم على إتباع الهوى فيه. فإن الفصل بين الرأي الهوائي والعقلي هو أن الرأي الهوائي يُجتبى ويؤثر ويتبع ويتمسك به لا بحجة بينة ولا بعذر واضح وإنما يكون عن ضرب من الميل إلى ذلك الرأي والموافقة والحب له في النفس وأما الرأي العقلي فإنه يجتبى بحجة بينه وعذرٍ واضح وإن كانت النفس كارهة له ومنحرفة عنه. وأيضا فما هذه اللذة المرغوب فيها المتنافس عليها، وهل هي في الحقيقة إلا راحة من المؤلم على ما قد بينا؟

стр. 81

وإذا كان ذلك كذلك فإنه ليس يتصورها مقصودة مطلوبة إلا الجاهل بها، لأن المستريح من الأذى غني عن الراحة التي متى أعقبته سميت لذة. وأيضا فإنه وإن كان الاغتنام بما لا بد منه ومن وقوعه فضلا كما بينا قبل وكان الموت مما لا بد منه ومن وقوعه فإن الاغتنام بالخوف منه فضل والتلهي عنه والتناسي له ربح وغنم. ومن أجل ذلك صرنا نغبط البهائم في هذا المعنى إذ لها بالطبع هذه الحالة كملا التي ليس نقدر نحن عليها إلا بالحيلة لاطراح الفكر والتصور العقلي. وكأن ذلك من أنفع الأمور في هذا الموضع إذ كان يجلب من الألم أضعاف أضعاف المنتظر. وذلك أن المتصور للموت الخائف منه يموت في كل تصويره موتة، فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة. فالأجود إذا والأعود على النفس التلطف والاحتيال لإخراج هذا الغم عنها. وذلك يكون كما قيل قبيل إن العاقل لا يغتم بتّة. وذلك أنه إذا كان لما يغتم به سبب يمكنه دفعه جعل مكان الغم فكرا في دفع السبب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أخذ على المكان في التلهي والتسلي عنه وعمل في محوه وإخراجه عن نفسه. وأيضا فإني أقول: إني قد بينت أنه ليس للخوف من الموت على رأى من لم يجعل للإنسان حالة وعاقبة يصير إليها بعد موته وجه. وأقول إنه يجب أيضا في الرأي الآخر - وهو الرأي الذي يجعل لمن مات حالة وعاقبة يصير إليها بعد الموت - أن لا يخاف من الموت الإنسان الخير الفاضل المكمل لأداء

стр. 82

ما فرضت عليه الشريعة المحقة، لأنها قد وعدته الفوز والراحة والوصول إلى النعيم الدائم. فإن شك شاك في هذه الشريعة ولم يعرفها ولم يتيقن صحتها فليس له إلا البحث والنظر جهده وطاقته. فإن أفرغ وسعه وجهده غير مقصر ولا وان فإنه لا يكاد يعدم الصواب. فإن عدمه - ولا يكاد يكون ذلك - فالله تعالى أولى بالصفح عنه والغفران له إذ كان غير مطالب بما ليس في الوسع بل تكليفه وتحميله لعباده دون ذلك كثيرا وإذ قد أتينا على قصد كتابنا هذا وبلغنا آخر غرضنا فيه فإنا خاتمون كلامنا بالشكر لربنا . فالحمد لله واهب كل نعمة وكاشف كل غمة حمدا بلا نهاية كما هو أهله ومستحقه.

стр. 83

كتاب السيرة الفلسفية

стр. 84

بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر الرازي - ألحق الله روحه بالروح والراحة -: إن ناسا من أهل النظر والتمييز والتحصيل لما رأونا نُداخِل الناس ونتصرف في وجوهٍ من المعاش عابونا واستنقصونا وزعموا أنا حائدون عن سيرة الفلاسفة ولا سيما عن سيرة إمامنا سقراط المأثور عنه أنه كان لا يَغشَى الملوك ويستخف بهم إن هم غشوه ولا يأكل لذيذ الطعام ولا يلبس فاخر الثياب ولا يبني ولا يقتني ولا ينسل ولا لحما ولا يشرب خمرا ولا يشهد لهوا بل كان مقتصرا على أكل الحشيش والالتفاف في كساءٍ خَلَقٍ والإيواءِ إلى حُبٍّ في البرية، وأنه أيضا لم يكن يستعمل التقية للعوام ولا للسلطان بل يجابههم بما هو الحق عنده بأشرح الألفاظ وأبينها. وأما نحن فعلى خلاف ذلك. ثم قالوا في مساوئ هذه السيرة التي سار بها إمامنا سقراط إنها مخالفة لما عليه مجرى الطبع وقوام الحرث والنسل وداعية إلى خراب العالم وبوار الناس وهلاكهم. وسنجيبهم بما عندنا في ذلك إن شاء الله فنقول: أما ما أثروه عن سقراط وذكروه فقد صدقوا وقد كان ذلك منه، لكنهم جهلوا منه أشياء أُخر وتركوا ذكرها تعمدا لوجوب موضع الحجة علينا. وذلك أن هذه الأمور التي أثروها عن سقراط قد كانت منه في ابتداء أمره إلى مدة طويلة من عمره، ثم انتقل عن كثير منها حتى إنه مات عن بنات وحارب العدوَّ وحضر مجالس اللهو وأكل الطيبات إلا من اللحم وشرب يسير المسكر. وذلك معلوم مأثور عند من عُني باستقصاء أخبار هذا الرجل وإنما كان منه

стр. 85

ما كان في بدء أمره لشدة عجبه بالفلسفة وحبه لها وحرصه على صرف زمان الشهوات والشغل باللذات إليها ومؤاتاة طبعه له على ذلك، واستخفافه واسترذاله لمن لم يلاحظ الفلسفة بالعين التي تستحق أن تلاحظ بها وآثر ما هو أخس منها عليها. ولا بد في أول الأمور المشوقة المعشوقة من فضل إليها وإفراط في حبها ولزومها وشنآن المخالفين فيها، حتى إذا وغل فيها وقرّت الأمور به قرارها سقط الإفراط فيها ورجع إلى الاعتدال، كما يقال في المثل لكل جديد لذة فهذه كانت حالة سقراط في تلك المدة من عمره، وصار ما أُثر عنه من هذه الأمور أشهر وأكثر لأنها أطرف وأعجب وأبعد من أحوال الناس، والناس مولعون بإذاعة الخبر الطريف النادر والإضراب عن المألوف والمعتاد. فلنا إذاً بمخالفين للأمر الأحمد من سيرة سقراط وإن كنا مقصرين عنه في ذلك تقصيرا كثيرا ومقرين بالنقص عن استعمال السيرة العادلة وقمع الهوى العلم والحرص عليه. فخلافنا إذا لسقراط ليس في كيفية السيرة بل في كميتها بمنتقصين إن أقررنا بالنقص عنه إذ كان ذلك هو الحق وكان الإقرار بالحق أكثر شرفا وفضيلةً. فهذا ما نقوله في هذا الموضع وأما ما عابوه من سيرتي سقراط فإنا نقول: إن المعيب منها بحق أيضا كميتها لا كيفيتها إذ من البين أنه ليس الانهماك في الشهوات وإيثارها الأمر الأفضل الأشرف على ما بيّنّا في كتابنا في الطب الروحاني لكن الأخذ من كل حاجة بمقدار ما لا بد منه أو بمقدار ما لا يجلب ألما يفضل على اللذة المصابة منها. وقد رجع سقراط عن المفرط منها الذي هو المعيب بالحقيقة والداعي إلى خراب العالم وبوار الناس، إذ قد عاد إلى أن أنسل وحارب

стр. 86

العدو وحضر مجالس اللهو. ومن فعل ذلك فقد خرج عن أن يكون ساعيا في خراب الدنيا وبوار الناس، وليس يجب أن لا يكون كذلك حتى يكون مغرقا في الشهوات. ونحن وإن كنا غير مستحقين لاسم الفلسفة بالإضافة إلى سقراط فإنا مستحقون لاسمها بالإضافة إلى الناس غير المتفلسفين وإذ قد جرى في هذا المعنى ما جرى فلنُتِمّ القول في السيرة الفلسفية لينتفع بها محبو العلم ومؤثروه فنقول: إنا نحتاج أن نبني أمرنا فيما هو غرضنا المقصود في هذه المقالة على أصول قد تقدم بياننا لها في كتب أُخَر لا بد من الاستعانة لتخفيف ما في هذه المقالة بها. فمنها كتابنا في العلم الإلهي وكتابنا في الطب الروحاني" وكتابنا في عذل من اشتغل بفضول الهندسة من الموسومين بالفلسفة وكتابنا الموسوم بشرف صناعة الكيمياء ولا سيما كتابنا الموسوم بالطب الروحاني، فإنه لا غنى عنه في استتمام غرض هذه المقالة والأصول التي عليها فروع السيرة الفلسفية ونأخذها هاهنا ونقتضبها اقتضابا. وهي: أن لنا حالة بعد الموت حميدة أو ذميمة بحسب سيرتنا كانت مدة كون أنفسنا مع أجسادنا، وأن الأمر الأفضل الذي له خُلِقنا وإليه أُجْرِىَ بنا ليس هي إصابة اللذات الجسدانية بل اقتناء العلم واستعمال العدل اللذين بهما يكون خلاصنا عن عالمنا هذا إلى العالم الذي لا موت فيه ولا ألم، وأن الطبيعة والهوى يدعواننا إلى إيثار اللذة الحاضرة وأما العقل فكثيرا ما يدعونا إلى ترك اللذات الحاضرة لأمور يؤثرها عليها، وأن المالك لنا الذي منه نرجو الثواب ونخاف العقاب ناظر لنا رحيم بنا لا يريد إيلامنا ويكره لنا الجور والجهل ويحب منا العلم والعدل فإن هذا

стр. 87

المالك يعاقب المؤلم منا ومن استحق الإيلام بقدر استحقاقه، وأنه لا ينبغي أن نحتمل ألما في جنب لذّةٍ يفضل عليها ذلك الألم في كميته وكيفيته، وأن البارئ جلّ وعزّ قد وكل الأشياء الجزئية من حوائجنا إلينا كالحراثة والنسج وما أشبه ذلك مما به قوام العالم وقوام المعيشة. فلتكن لنا مسلمة لنبني عليها فنقول: إنه إذا كانت لذات الدنيا وآلامها منقطعة بانقطاع العمر وكانت لذات العالم الذي لا موت فيه دائمة غير منقطعة ولا متناهية فالمغبون من اشترى لذة بائدة منقطعة متناهية بدائمة باقية غير منقطعة ولا متناهية. فإذا كان الأمر كذلك تبعه ووجب منه أنه لا ينبغي لنا أن نطلب لذّةّ لا بد في الوصول إليها من ارتكاب أمر يمنعنا من التخلص إلى عالم النفس أو يوجب علينا في عالمنا هذا ألما مقداره في كميته وكيفيته أعظم وأشد من اللذة التي آثرناه، فأما سائر ذلك من اللذات فمباحة لنا. على أن الرجل الفيلسوف قد يترك كثيرا من هذه المباحات ليرَّن نفسه على ذلك ويعودها فيكون ذلك عليه في الموضع الواجب أهون وأيسر كما ذكرنا في في الطب الروحاني. لأن العادة كما ذكر القدماء طبيعة ثانية تسهل العسير وتؤنس بالمستوحش منه، إن كان في الأمور النفسية وإن كان في الأمور الجسدية، كما نرى الفيوج أقوى على المشي والجند أجرأ على الحرب ونحو ذلك مما لا خفاء به في تسهيل العادات للأمور التي كانت تصعب وتعسر قبل اعتيادها. وهذا القول وإن كان وجيزاً مجملاً - أعني ما ذكرناه في المقدار اللذة المحصورة - فإنه تحته من الجزئيات أمورا كثيرةً، على ما قد بيناها في كتاب الطب الروحاني.

стр. 88

فإنه إن كان الأصل الذي وضعناه من أنه لا ينبغي للعاقل أن ينقاد للذة يخشى معها ألما يرجح على الألم الذي يصل إليه من مكابدة ترك اللذة وقمع الشهوة صحيحا حقا في نفسه أو مصدرا عليه فقد وجب منه وتبعه أنا لو قدرنا في حالة على أن نملك الأرض كلها مدة عمرنا بارتكاب من الناس ما لا يرضاه الله مما كان به منعنا من الوصول إلى الخيرة الدائمة والنعيم المقيم لم يكن ينبغي لنا أن نفعل ذلك ولا نؤثره. ولو استحققنا أيضا أو كان الاستحقاق غالبا في أنا إن أكلنا في المثل طبقا من رُطَبٍ رَمِدنا عشرة أيام لم ينبغ أن نؤثر أكله. وكذلك الحال فيما بين هذين المثالين اللذين ذكرناهما - على عِظَم أحدهما وصِغَر الآخر بإضافة - من الأمور الجزئية التي كل واحد منها صغير بالإضافة إلى الأعظم كبير بالإضافة إلى الأصغر، مما لا يمكن القول أن يأتي عليه لِكثرة ما تحت هذه الجملة الكلية من الأمور المفردات الجزئية وإذ بان في هذا الموضع ما أردنا بيانه فلنقصد إلى بيان غرض آخر من أغراضنا تال لهذا الغرض فنقول: إنه لما كان الأصل الذي وضعناه من أن ربنا ومالكنا مشفق علينا ناظر لنا رحيم بنا تبع ذلك أيضا أنه يكره أن يقع بنا ألم، وأن جميع ما يقع بنا منه مما ليس من اكتسابنا واختياراتنا بل مما في الطبيعة فلأمر ضروري لم يكن بد من وقوعه. ووجب من ذلك أنه لا ينبغي أن نؤلم مُحِسْا بتّةً من غير استحقاق منه لذلك الإيلام أو لغير صرفنا عنه بذلك الألم ما هو أشد منه.

стр. 89

وتحت هذه الجملة أيضا تفصيل كثير يدخل فيها المظالم جميعا، وما يتلذّذ به الملوك من الصيد للحيوان ويفرط فيه الناس من الكد للبهائم في استعمالها. فوجب أن يكون ذلك كله على قصد وسنن وطريق ومذهب عقلي عدلي لا يتعدى ولا يجار عنه. فيوقع الألم حيث يرجى به دفع ما هو أعظم منه، نحو بطّ الجراح وكَيِّ العضو العفن وشرب الدواء المر البشع وترك الطعام اللذيذ خشية الأمراض العظيمة الأليمة. وتكد البهائم كد قصد لا عنف فيه إلا في المواضع التي تدعو الضرورة فيها إلى الأعنف ويوجب العقل والعدل ذلك كحث الفرس عند طلب النجاة من العدو، فإنه يجب في العدل حينئذ أن يحث ويتلف في ذلك إذا رُجي به خلاص الإنسان، ولا سيما إذا كان عالما خيرا أو له غناء عظيم في وجه من الوجوه العائد صلاحها على جملة الناس، إذ كان غناء مثل هذا الرجل وبقاؤه في العالم أصلح لأهله من بقاء ذلك الفرس. أو كرجلين وقعا في برية لا ماء فيها ومع أحدهما من الماء ما يمكن أن يخلص به نفسه دون صاحبه، فإنه ينبغي في تلك الحالة أن يؤثر بالماء أعْوَدُ الرجلين على الناس بالصلاح. فهذا هو القياس في أمثال هذه الأمور وأشباهها وأما الصيد والطرد والإبادة والإهلاك فينبغي أن يكون للحيوان الذي لا يعيش كمال العيش إلا بالحم كالأُسُد والنمور والذئاب وما أشبهها، والتي يعظم أذاها ولا مطمع في استصلاحها ولا حاجة في استعمالها مثل الحيات والعقارب ونحوها. فهذا هو القياس في أمثال هذه الأمور. وإنما جاز أن تُتلَف هذه الحيوانات من جهتين: إحداهما أنها متى لم تُتلَف أتلفت حيواناتٍ كثيرة،

стр. 90

من الترهب والتخلي في الصوامع وكثير من المسلمين من لزوم المساجد وترك المكاسب والاقتصار على يسير الطعام وبشعه ومؤذي اللباس وخشنه، فإن ذلك كله ظلم منهم لأنفسهم وإيلام لها لا يدفع به ألم أرجح منه وقد كان سقراط يسير مثل هذه السيرة من أول عمره غير أنه تركها في آخر عمره على ما ذكرنا قبل. وفي هذا الباب بين الناس تباين كثير جدًّا غير متطرق به. ولا بد أن نقول في ذلك قولا مقربا ليكون مثالاً فنقول: إنه لما كان الناس مختلفين في أحوالهم فمنهم غذىّ نعمة ومنهم غذى بؤس ومنهم من تطالبه نفسه ببعض الشهوات مطالبة أكثر كالمغرمين بالنساء أو الخمر أو حب الرياسة ونحو ذلك من الأمور التي فيها بين الناس تفاوت كثير صار الألم الذي يقع بهم من قمع شهواتهم مختلفا اختلافا كثيرا بحسب اختلاف أحوالهم. فصار المولود من الملوك والناشئ في نعمهم لا تحتمل بشرته خشن الثياب ولا تقبل معدته بشع الطعام بالإضافة إلى ما يقنع به المولود من العامة، لكن يتألم من ذلك ألما شديدا، أو المعتادون أيضا إصابة لذّةٍ ما من اللذات يتألمون عند المنع منها وتكون المؤونة عليهم متضاعفة وأبلغ وأشد ممن لم يعتد تلك اللذة، ومن أجل ذلك أنه لا يمكن أن يكون تكليفهم كلهم تكليفا سواء بل مختلفا بحسب اختلاف أحوالهم. فلا يكلف المتفلسف من أولاد الملوك أن يلزم من الطعام والسراب وسائر أمور معايشه ما يكلف أولاد العامة إلا على تدريج إن دعت ضرورة. لكن الحد الذي لا يمكن أن يتجاوز هو أن يمتنعوا من الملاذ التي لا يمكن الوصول إليها إلا

стр. 91

بارتكاب الظلم والقتل وبالجملة بجميع ما يسخط الله ولا يجب في حكم العقل والعدل، ويباح لهم ما دون ذلك. فهذا هو الحد من فوق أعني قي إطلاق التنعم. وأما الحد من أسفل أعني في التقشف والتقليل فأن يأكل الإنسان ما لا يضره ولا يمرض عليه ولا يتعدى إلى ما يستلذه غاية الاستلذاذ ويشتهيه فيكون القصد إليه للذة والشهوة لا لسد الجوع. ويلبس ما تحتمله بشرته من غير أذى ولا يميل إلى الفاخر والمنقش من اللباس، ويسن ما يقيه من الحرارة والبرد المفرطين ولا يتعدى إلى المساكن الجليلة البهية المنقوشة المزخرفة إلا أن يكون له من سعة المال ما يمكن أن يتسع معه في مثل هذه الأمور من غير ظلم ولا تعد ولا إجهاد لنفسه في الاكتساب. ولذلك يفضل في هذا المعنى المولودون من الآباء الفقراء والناشئون في الأحوال الرثة لأن التقلل والتقشف على أمثال هؤلاء أسهل كما كان التقلل والتقشف على سقراط أسهل منهما على افلاطون. وما بين هذين الحدين فمباح لا يخرج به مستعمله من اسم الفلسفة بل يجوز أن يسمى بها، وإن كان الفضل في الميل إلى الحد الأسفل دون الأعلى وكانت النفوس الفاضلة وإن كانت مصاحبة لأجسادٍ غُذيت في نعمة تأخذ أجسادها بالتدرج إلى الحد الأسفل. فأما مجاوزة الحد الأسفل فخروج عن الفلسفة إلى مثل ما ذكرنا من أحوال الهند والمنانية والرهبان والنساك، وهو خروج عن السيرة العادلة وإسخاط الله تعالى بإيلام النفوس باطلاً واستحقاق

стр. 92

للإخراج عن اسم الفلسفة. وكذلك الحال في مجاوزة الحد الأعلى، نسأل الله واهب العقل وفارج الغم وكاشف الهم توفيقنا وتسديدنا ومعونتنا على ما هو الأرضى عنده والأزلف لنا لديه وجملة أقول: إنه لما كان البارئ هو العالم الذي لا يجهل والعادل الذي لا يجوز وكان العلم والرحمة بإطلاق وكان لنا بارئا ومالكا وكنا له عبيدا مملوكين وكان أحب العبيد إلى مواليهم آخذهم بسيرهم وأجراهم على سننهم كان أقرب عبيد الله جل وعز إليه أعلمهم وأعدلهم وأرحمهم وأرأفهم. وكل هذا الكلام مراد قول الفلاسفة جميعا إن الفلسفة هي التشبه بالله بقدر ما في طاقة الإنسان، وهذه جملة السيرة الفلسفية. فأما تفصيلها فعلى ما في كتاب الطب الروحاني، فإنا قد ذكرنا هناك كيف تنتزع الأخلاق الرديئة عن النفس وكم مقدار ما ينبغي أن يجرى عليه المتفلسف أمره في الاكتساب والاقتناء والإنفاق وطلب مراتب الرياسة وإذ قد بينا ما أوردنا بيانه في هذا الموضع فنرجع ونبين ما عندنا ونذكر الطاعنين علينا ونذكر أنا لم نسر بسيرة إلى يومنا هذا - بتوفيق الله ومعونته - نستحق أن نخرج بها عن التسمية فيلسوفا. وذلك أن المستحق لمحو اسم الفلسفة عنه من قصر في جزئي الفلسفة جميعا - اعني العلم والعمل - بجهل ما للفيلسوف أن يعلمه أو سار بما ليس للفيلسوف أن يسير به. ونحن بحمد الله ومنه وتوفيقه وإرشاده فبُرآءُ من ذلك. أما في باب العلم فمن قبل أنا لو لم تكن عندنا منه إلا القوة على تأليف مثل هذا الكتاب لكان ذلك مانعا عن أن يمحى عنا اسم الفلسفة فضلا عن مثل كتابنا في البرهان وفي العلم الإلهي.

стр. 93

وفي الطب الروحاني وكتابنا في المدخل إلى العلم الطبيعي الموسوم بسمع الكيان ومقالتنا في التركيب وأن للجسم حركة من ذاته وأن الحركة معلومة، وكتابنا في النفس وكتبنا في الهيولى، وكتبنا في الطب كالكتاب المنصوري وكتابنا إلى من لا يحضره طبيب، وكتابنا في الأدوية الموجودة والموسوم بالطب الملوكي والكتاب الموسوم بالجامع الذي لم يسبقني إليه أحد من أهل المملكة ولا احتذى فيه أحد بعد احتذائي وحذوي، وكتبنا في صناعة الحكمة التي هي عند العام الكيمياء، وبالجملة فقرابة مائتي كتاب ومقالة ورسالة خرجت عني إلى وقت عملي هذه المقالة في فنون الفلسفة من العلم الطبيعي والإلهي. فأما الرياضيات فإني مقرّ بآني إنما لاحظتها ملاحظة بقدر ما لم يكن لي منها بد ولم أُفِن زماني في التمهر بها بالقصد مني ذلك لا للمعجزة عنه. ومن شاء لأوضحت له عذري في ذلك بأن الصواب في ذلك ما عملته لا ما يعمله المفنون لأعمارهم في الاشتغال بفضول الهندسة من الموسومين بالفلسفة. فإن لم يكن مبلغي من العلم المبلغ الذي أستحق أن أسمي فيلسوفا فمن هو ليت شعري ذلك في دهرنا هذا وأما الجزء العملي فإني بعون الله وتوفيقه لم أَتَعَدَّ في سيرتي الجدين اللذين جددت، ولم يظهر من أفعالي ما استحققت أن يقال أنه ليست سيرتي سيرة فلسفية. فإني لم أصحب السلطان صحبة حامل السلاح ولا متولي أعماله، بل صحبته صحبة متطبب ومنادم يتصرف بين أمرين: أما في وقت مرضه فعلاجه

стр. 94

وإصلاح أمر بدنه، وأمّا في وقت صحّة بدنه فإيناسه والمشورة عليه - يعلم الله ذلك منيّ - بجميع ما رجوت به عائدة صلاح عليه وعلى رعيته. ولا ظهر مني على شره في جمع مال أسرف فيه ولا على منازعات الناس ومخاصماتهم وظلمهم، بل المعلوم مني ضد ذلك كله والتجافي عن كثير من حقوقي. وأما حالتي في مطعمي ومشربي ولهوي فقد يعلم من يُكثر مشاهدة ذلك مني أنّي لم أَتَعَدَّ إلى الإفراط، وكذلك في سائر أحوالي مما يشاهده هذا من ملبس أو مركوب أو خادم أو جارية. فأما محبتي للعلم وحرصي عليه واجتهادي فيه فمعلوم عند من صحبني وشاهد ذلك مني أني لم أزل منذ حداثتي وإلى وقتي هذا مُكباً عليه حتى إني متى اتفق لي كتاب لم أقرأه أو رجل لم ألقه لم ألتفت إلى شُغل بتّةً - ولو كان في ذلك على عظيم ضرر - دون أن آتي على الكتاب وأعرف ما عند الرجل. وإنه بلغ من صبري واجتهادي أنّي كتبت بمثل خط التعاويذ في عام واحد أكثر من عشرين ألف ورقة. وبقيت في عمل الجامع الكبير خمس عشرة سنة أعمله الليل والنهار حتى ضعف بصري وحدث عليّ فسخ في عضل يدي يمنعاني في وقتي هذا عن القراءة والكتابة، وأنا على حالي لا أدعهما بمقدار جهدي وأستعين دائماً بمن يقرأ ويكتب لي فإن كان المقدار الذي أنا عليه من هذه الأمور عند هؤلاء القوم يحطَّني عن رتبة الفلسفة في العمل وكان الغرض من حذو سيرة الفلسفة عندهم غير ما وصفنا فليثبتوه لنا مشاهدةً أو مكاتبة لنقبله منهم إن جاءوا بفضل علم، أو نردّه عليهم أن أثبتنا فيه موضع خطأ أو نقص. وهب أني قد تساهلت عليهم وأقررت بالتقصير في الجزء العملي، فما عسى أن يقولوا في الجزء العلمي؟ فإن كانوا

стр. 95

استنقصوني فيه فليُلقُوا إلىّ ما يقولونه في ذلك لننظر فيه ونذعن من بعد بحقهم أو نرد عليهم غلطهم. فإن كانوا لا يستنقصوني في الجزء العلمي فأولى الأشياء أن ينتفعوا بعلمي ولا يلتفتوا إلى سيرتي ليكونوا على مثل ما يقول الشعر اِعْمَلَ بِعِلْمِي فَإِنْ قَصَّرْتُ فيِ عَمَليِيَنْفَعْكَ عِلْمِي وَلَا يَضْرُرْكَ تَقْصِيِري فهذا ما أردنا أن نودع في هذه المقالة. ولواهب العقل الحمد بلا نهاية كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على المصطفين من عباده والخيرات من إمائه.

стр. 96

مقالة فيما بعد الطبيعة

стр. 97

بسم الله الرحمن الرحيم قال: زعم ارسطو طاليس ومَن فّسر كتبه في المقالة الثانية من السماع الطبيعي أنّ الطبيعة لا تحتاج دليل لظهورها واعتراف الناس بها وإقرارهم بوجودها. وزعم مَن شاهدنا من الفلاسفة أنّ الدليل على وجودها أفعالُها وقواها المنبثَّة في العالم الموجِبة للأفعال. كذهاب النار والهواء من المركز وذهاب الماء والأرض إليه، فيُعلم أنه لولا قُوى فيها أوجبت تلك الحركات وكانت مبدأ لها توجد فيها. وكذلك قالوا فيما يوجد في النبات والحيوان من قوة الغذاء وقوة النموّ فأما قولهم انهم لم يدلوا على وجود الطبيعة لإقرار الناس بها، فالشيء لا يصحّ لإقرار الناس به كما لا يفسد لاختلافهم فيه. ولو كان حقّاً لإقرار مَن أقرّ به لكان فاسدا باطلا لامتناع مَن امتنع منه، فيكون الشيء فاسداً صحيحا في حالٍ وباطلًا حقاً في حال وهذا محالٌ. ويقال لهم لِمَ زعمتم أنّ الطبيعة لا تحتاج إلى دليل وقد خالفكم في وجودها قوم من الفلاسفة القدماء وما وما رأيتم إن قال خصماؤكم انهم لا يحتاجون على قولهم انه لا طبيعة إلى دليل؟ وإنما لا تحتاج إلى دليل الأشياءُ المشاهَدة وأوائل البرهان العقليّة وليس الطبيعة بمحسوسة ولا العلم بها أوّل في العقل. وأمّا استدلالهم بالقُوى التي ادّعوها فيُقال لهم ما أنكرتم أن يكون الله جلّ وعزّ هو الموجِب بذاته لقوى سائر الأفعال ولطبائع الأشياء؟ وإن لم

стр. 98

نَقُلْ بنسق قولكم في الطبيعة فتكون له لا لها. ويقال لهم إن كانت حركة الأشياء وسكونها بطبيعة واحدة كحركة الحجر وسكونه ونمو الإنسان ووقوفه فقد صارت الواحدة توجب شيئين متضادين وهذا محال. وإن قالوا إن تحرُّك الأشياء بقوة أخرى، قيل فيجب أن تكون هذه الحركة قد بطلت من الساكن، وإذا جاز أن تبطل جاز أن تبطل أيضا قوة السكون وجاز أن تبطل الطبيعة من الأشياء. وإذا جاز أن يتحرك الحجر ويسكن بقوتين فما أنكرتم أن تبرد النار وتسخن بقوتين تردان عليها؟. فإن قالوا إنّ قوةً في الأرض بها تحركت نحو المركز لم تكن أولى بذلك من النار، قيل لهم فانفصلوا ممن زعم أنه لولا أن قوةً في جرم الأرض بها قبلت القوة التي فيها جاز أن تحلها القوة الذاهبة بالنار عن المركز وقد أدخل يحيى النحوي على نفسه في حد الطبيعة إدخالات وأجاب عنها جواباً فاسدا وهو أنه لما زعم أن الطبيعة ابتداءُ حركةٍ والفلك متحرك وليس بساكن فزعم أن جملة الفلك ساكنة لأنه لا يتغير عن حركته وأنه لا يتنقل عن جملة موضعه. يقال له فقد صار الفلك متحركا وهذا محال، فإن لم يكن قول القائل إن جسما واحدا أسود أبيض في حال محال. ويقال له إذا كانت أجزاء الفلك كلها دائمة الحركة والكل ليس غير الأجزاء فالفلك متحرك غير ساكن. وكذلك السؤال عليه في قوله إن الأجرام السماوية في نهاياتها فلذلك هي ساكنة، وليس في عودتها إلى نهاياتها مع دوام حركاتها ما يدل على سكونها، ولو كانت واقفةً في نهاياتها لجاز هذا القول فأما زعمهم أن الطبيعة جوهر إلا أنها غير قائمة بنفسها، فيقال لهم لِمَ لا زعمتم أن الأعراض جواهر وهي لا تقوم بأنفسها؟

стр. 99

فأما قول يحيى النحوي أن الطبيعة قوة تنفذ في الأجسام وتدبرها، فيقال له هل تخلو الطبيعية إذا كانت جوهرا من أن تكون تنفذ في كل الجسم فيشيع جوهر في كل الجسم؟ وإذا جاز هذا فما تنكر من كون جسمين في حال؟ فإن قال ليست في كله، أبطل قوله ووجب أن بعض الجسم لا طبيعة فيه. وهذا خلاف قولهم ومما يسألون عنه أن يقال لهم: إنا وجدناكم تصفون الطبيعة بما تصفون به الحي المختار العالم الحكيم فتقولون إنها لا تفعل إلا حكمة وصوابا وإنها تقصد غرضا وتفعل شيئا لشيء يكون، كفعلها للجنين العين للنظر واليد للبطش والأضراس للطحن وإنها تضع جميع الأشياء مواضعها وترتبها على ما يجب أن ترتبها عليه وإنها تصور الجنين في الرحم وتدبِّره ألطف تدبير حتى يكمل ثم تدبر الإنسان وتجلب له الصحة وتنفي عنه الأسقام حتى قال بقراط الطبائع أطباء الأمراض. ثم زعمتم مع ذلك أنها موات غير حية ولا حساسة ولا قادرة ولا مختارة ولا عالمة. وهذه مناقضة بينة وإحالة ظاهرة لأن ما وصفتموها به لا يكون إلا من الحي المختار. ولو أن قائلا قال آخذ حجرا فقال هذا الحجر ليس بحساس ولا متحرك من نفسه ولا يجوز منه تعقل ولا تعلم ولا قدرة ولا إرادة وهو مع ذلك حي، لعلمنا أنه قد ناقض في قوله ووصف الشيء بغير صفته. فكذلك حكمكم في وصفكم الطبيعة بما وصفتموها به مما لا يكون إلا للحي المختار، ثم زعمتم أنها موات غير مختارة. ويقال لهم إذا جاز أن تفعل الطبيعة ما وصفتم ويكون عنها ما ذكرتم وهي موات فلم لا يجوز أن تختارها وتقصدها مع العلم بها وتريدها وهي موات؟. ويقال لهم كيف يكون الموات حكيما ولا يكون مميزا وناطقا ومحسا، وكيف يأتي الترتيب والنظر من غير المميز الحي؟

стр. 100

ويقال لهم أخبرونا عن الغضب والرضى والكراهية والإرادة والحب والبغض هل تقولون إنها من أفعال النفس؟ لا وجعلوها للطبيعة فقد أبطلوا أفعال النفس وجعلوا الطبيعة علة الأفعال التي لا تقع إلا من الحي المختار كما جعلوها علة ما يقع عليه الطبع. وإن قالوا نعم قيل لهم وكذلك ما وصفتم من الأفعال لا يجوز أن يكون للطبيعة ويقال لهم ما أنكرتم من أن تكون الأعراض تفعل حكمة وصوابا وتكون قاصة لغرض؟ فإن مضوا على ذلك ازدادوا تجاهلا، وإن امتنعوا منه قيل لأي علة امتنعتم من ذلك فإنا نجد مثلها في المؤلف لا يفعل ذلك ويقال لهم أيجوز أن يكون بناء دار وتأليف مدينة بطبيعة لا من حي قادر؟ فإن قالوا لا قيل لهم وكذلك تركيب بدن الإنسان لا يكون إلا من حي قادر. ويقال لهم ما أنكرتم من أن يكون الإنسان للنفس المنطقية دون الطبيعة وتكون القوى المنمية والمغذية لها دون الطبيعة؟ ونعكس قولكم فنعطي النفس ما للطبيعة كما أعطيتم الطبيعة ما للنفس المنطقية ويقال لهم إن أكثركم أنكر علينا أن الله جل وتعالى ركب الإنسان والله حي قادر - لأنهم زعموا لم يشاهدوا ولا يعقلوا حيا ركب حيوانا - وزعمتم أنتم أن الذي ركبه موات عاجز ويقال ما أنكرتم من أن تخترع الطبيعة الأجسام؟ فإن قالوا اختراع الأجسام غير معقول، قيل لهم فانفصلوا ممن زعم أن تركيب شئ من الأجسام لهذا الإنسان غير معقول فقد قال بذلك جماعة ممن جحد البارئ والطبيعة التي تزعمون

стр. 101

فإن قالوا فما وجدناه في المؤلف والحيوان من المنافع التي ما تخيلناها ولا عرفنا شيئا منها يدل على أن الطبيعة فعلت ذلك، قيل لهم وما تنكرون من أن يكون البارئ فعل ذلك؟ على أنكم قد وصفتم الطبيعة بكثير من وصف البارئ، لأنكم زعمتم أنها جوهر لم يزل ليس بجسم وأنها لا تستحيل ولا تتغير ولا يلحقها كون ولا فساد وأنها تدبر الكل وأن أفعالها حكمة وصواب، وإنما خالفتم بينها وبينه بتصييركم إياها في الأشياء المطبوعة غير مفردة ولا قائمة بنفسها ويقال لهم قد وجدنا الإنسان الشخصي عندكم يفسد، فمن المحال أن لا تفسد الطبيعة التي فيه والاسطقسات التي عنها يكون الحسد، والفلك كذلك وسندل على أنه يكون ويفسد في غير هذا الموضع وأما قول أرسطوطاليس أن الطبيعة ألهمت بالحكمة من قبل النفس وهي مبثوثة في العالم فإنه كلام خرافي، ونحن ننقضه في باب وأقاويل الفلاسفة فيها. ومن زعم أن في الموات نفسا فقد جحد الضرورة ويقال لجالينوس إنك وصفت الطبيعة بوصفين متضادين فقلت وإنما فعلت الطبيعة ذلك - يعني الأسنان والفم - تعمدا، ثم قلت إن الحركة الإرادية من أعمال النفس، والعمد لا يكون إلا للنفس كما أن الإرادة لا تكون إلا للنفس. وقلت إن الطبيعة تدُبِّر الحيوان، وهذا معكوس وإنما الحي هو الذي يدبر الطبيعة فيحمى مرة ويأخذ ما يراه من الأدوية مرة. ولو جاز أن يدبر الموات الحي لجاز أن يأمره وينهاه وأما زعم الاسكندر أن أفعال الطبيعة فوق الأفعال التي تكون بالصناعات، فيقال له وكيف تكون الأفعال العجيبة العالية الشأن للموات العاجز وتكون الأفعال التي هي دونها للحي القادر المختار؟.

стр. 102

وناقض فرفوريوس في قوله أن الطبيعة تفعل بغير عقل ولا فكر ولا إرادة وليس تفعل بالاتفاق وقد تفعل شيئا من أجل شيء. لأن هذا لا يكون إلا من العاقل المميز المريد. ولم أر أحدا منهم أطلق عليها لفظ الاختيار إلا ما حكاه يحيى النحوي عن فلوطينس. فإن كان هذا قد جعلها مختارة وهي مواتٌ فقد بلغ الغاية في المناقضة وقد استدل فرفوريوس وغيره في المقالة الثانية من سمع الكيان على أن الطبيعة إنما تفعل ما تفعل لغرض ومن أجل شيء من الأشياء. فإن قال إن الطبيعة أجل من المهنة وأعظم قدراً كما أن الإنسان الحي الذي هو طبيعي أجل قدراً من الإنسان المصور، قال وإذا كان كذلك وكان صاحب المهنة يفعل ما يفعل من أجل شيء ما فكذلك الطبيعة إنما تفعل ما تفعل من أجل شيء ما لا تجئ بالحبط والاتفاق، فيقال له أليس صاحب المهنة إنما يفعل من أجل شيء ما وهو حي قادر مريد مفكر عالم لما في الشيء الذي يقصده ويفعل من أجله من المنفعة؟ فلا بد من نعم، يقال له أفكذلك الطبيعة؟ فإن قال نعم نقض قوله، وإن قال لا فقد خالف موضوعه مثله. وقيل له ما تنكر من أن تكون المهنة يفعل ما يفعل بها لغرض ما ومن أجل شيءٍ ما ولا تكون الطبيعة كذلك؟ ويقال لهم إن المهنة عندنا لا تفعل شيئا ولكن ذا المهنة هو الذي يفعل لأن الفاعل هو النجار والبناء لا البناء والنجارة، والنجار والبناء حيّان وهما أعلى من الطبيعة الموات. وإذا كان الإنسان الحي هو الفاعل فهو الطبيعي عندكم فكأنكم قستم الشيء على نفسه واحتجوا أيضا ببناء الخُطّاف لوكره والزنابير لبيوتها وبآثار الحكمة في ذلك وأنها فعلت ذلك لغرض ما وأن فعلَها ذلك بالطبع. فيقال لهم إنكم تخالفون

стр. 103

في ذلك لأن فعل هذا الحيوان ليس هو بالطبع لأن الحي لا يفعل بالطبع، وإنما المطبوعات كالنار وما جرى مجراها، فكيف يكون أمثال هذه بالطبع ولها أفعال مختلفة كالطيران إذا احتاجت إليه والسكون إذا تعنت واستغنت عن الطيران وكاختيارها كل شئ مما يغذيها دون غيره وتخيرها لأوكارها المواضع العالية الكنينة. ولكن الحيوان وإن كان غير مطبوع فله اختيار ما وتمييز وإن لم يكن له كل التمييز ولا يبلغ منزلة العقلاء بعد. فهذه حية فاجعل الطبيعة حية وإلا فقد خالفت حكم ما استشهدت به، فأرنا في الطبيعة وقصدها مثالا من الأشياء الموات كحرارة النار وهوى الحجر وإلا فدع التلبيس. فإن قالوا إن الطبيعة تدبر تدبيرا طبيعيا وتقصد وتفعل قصدا وفعلا طبيعيا، قيل لهم انفصلوا ممن زعم أنها تختار اختيارا طبيعيا وتؤثر شيئا على شئ إيثارا طبيعيا وأن النار تحرق إحراقا اختياريا. وهذا يتم وليس يجوز أن يفعل ويقصد ويريد ويؤثر إلا المختار الحي، والمطبوع الموات لا يوصف بذلك وأما زعم من زعم أن الطبيعة لا تفعل ولا تقصد وأنها ابتداء حركةٍ فيقال له ما تريد بابتداء حركةٍ وسكون؟ أتريدُ أنها إذا كانت حدثت الحركة والسكون والنمو والغذاء وترتبت الأشياء ووضعتها مواضعها ووضع شيء لشيء بها ومن أجلها؟ فقد وافقت القوم في المعنى وخالفتهم في الاسم. وإن أردت أن ما يحدث ليس بها ومن أجلها تركت القول بالطبيعة وأما ما حكي عن أنطيفن أن العنصر وحده هو الطبيعة فإن الكلام عليه في فعله كالكلام على من أثبت الطبيعة، لأنه مواتٌ تحدث فيه ومنه الأشياء لا بمحدث حي ولا بفاعل حكمةٍ

стр. 104

واستدل مَن زعم أن الطبيعة غير حكيمة ورام بذلك إبطالها وأنها تفعل لا بقصدٍ ولا ترتيب بأنها موات وبما نشاهد من العاهات في أبدان الحيوان ومن نقصان أعضائهم وحواسهم، ومن قرون الأياييل الطوال التي تضر بها وربما نطحتها في أغصان الشجر حتى تُصاد وتتلف، وما يحدث من طول مناقير بعض الجوارح حتى تمنعها من تناول ما تغتدي به، وما في الإنسان من الثديين اللذين لا ينتفع بهما، ومن مجيء المطر في غير أبانه ومجيء البرد والحر في غير أوقاتهما حتى يُفسدان الشجر وسائر النباتات. وهذا داخل على الصنف الذين أثبتوا الحكمة للطبيعة. وقد زعم بعضهم أن ذلك لغلطٍ يعرض للطبيعة واعتذروا لذلك بأن قال يحيى النحوي في المقالة الثانية من تفسيره لسمع الكيان ان هذه الأمور طبيعية وليست بخارجةٍ عن الطبيعة، لأن الذي أوجبته الطبيعة الكلية التي أوجبت الكون والفساد بحركات الكواكب وتغيير العناصر مما توجبه بنية العالم. ولم تغلط الطبيعة الشخصية التي هي لكل واحد من هذه الأنواع، وإنما منزلتها منزلة الصانع الذي إذا فسدت عليه الأشياء التي يعملها فصنعها على أحكم ما يمكنه ووقع فيها فساد لم ينسب إلى غير الحكمة، كالخشبة ذات العقد والفساد الذي لا يمكن النجار الحاذق من صنعتها كرسياً جيداً وسريراً مستوياً. قلنا فلن يخلو ذلك من أن يكون بغلط من الطبيعة الكلية أو ليس بغلط. فإن كان بالغلط منها فقد صارت الطبيعة الكلية تغلط وتفعل الفساد لعلةٍ من العلل وهذا خلاف قولهم. وإن جاز أن تغلط الطبيعة الكلية جاز أن تغلط الطبيعة الشخصية ويؤول الأمر إلى ما قال هؤلاء. وقال بعضهم إنما حدث لشيء في الهيولي يعوق الطبيعة عن تصويره على ما يحب فيقال لهم إنما زدتمونا دعوى أكدتم بها دعوى.

стр. 105

ويقال لمن زعم أن الطبيعة تفعل بغير قصد فكيف زعمتم أن تركيب الإنسان من فعلها، وكيف يقع مثل هذا من غير قصد؟ بل يجب على حسب ما أعتللتم به أن تكون الطبيعة تُخطئ وتصيب وقد سألنا الجميع في الطبيعة بما فيه كفاية. فأما ما حكينا عنهم في الطبيعة وقول بعضهم إنها فوق الفلك وقول الأُخر إنها دونه فهو خلاف فيما بينهم وقد بيّنا في قوليهما حجتيهما ويقال إنّ الجنين يتصور - زعمتم - بطبيعته، وطبيعته هي صورته التي بها يتكون وينمى. فإذا كانت طبيعته هي التي تصوره فقد صار المصور هو المصور. ولو جاز ذلك جاز أن يكون المؤلف هو المؤلف وقد كان أبو هلال الحمصي المترجم لكتب اليونانيين زعم أن هذا العرض إنما هو في الرحم ولكنه يخرج من الرحم فيداخل النطفة ويصورها كما تخرج من حجر المغناطيس قوةٌ تجذب الحديد. وإنما قال ذلك هرباً من أن يقول إن المصور هو المصور. قيل أفليس حجر المغناطيس قد يفعل ذلك عندكم وبينه وبين الحديد فُرجة وحاجز؟ فلا بد من نعم. يقال له فكذلك يجوز أن يكون الرحم والنطفة؟ فإن قالوا نعم تركوا قولهم، وإن قالوا لا خالفوا بين موضوعهم ومثله. ويقال إن تصور الفرخ في البيضة بمنزلة تصور الإنسان في الرحم، فأي قوةٌ فيكون عنها أشياء مختلفة كالسمع والبصر وغيرهما وجوهر الرحم جوهر واحد؟ ويقال له لِمَ لا تقول أن قوةً تخرج من الأُم دون الرحم ومن الهواء ومن الزمان أو من غير ذلك؟

стр. 106

وأما مَن زعم من أهل الدهر أنّ في المني قوةً تصور الجنين إما منه وإما من دم الطمث فإنهم استدلوا على صحة ذلك بأن المني إذا لم يكن في الرحم لم يكن جنين، فيقال لهم ولو كان بكون المني يكون الجنين فقد يكون في الرحم وتتم له الشهور ولا تجد المرأة علةً ولا يكون الجنين، فلسنا نرى وجود المني إلاّ بمنزلة عدمه. ويقال لهم ما يدريكم لعل في الرحم تصور الجنين في المني؟ وهذه ظنون الاستدلالات وأما زعم من زعم منهم أن في الرحم قالبا يتصور فيه الجنين فإنهم قالوا: لا بد للمصور من مصور يلامسه يعانيه أو تقذف النطفة في قالب تتصور فيه، فلما لم يكن في الرحم من يعاني ويلامس ولا يتهيأ ذلك لو أراده مريد في ظلمة الرحم وامتناع التي هي النطفة ثبت أن النطفة تقذف في قالب. فيقال لهم فهل شاهدتم طينة تقذف في قالب فتأتي بعد قذفها مدة طويلة؟ فإن قالوا نعم أكذبهم الوجود، وإن قالوا لا قيل لهم فما أنكرتم من أن تكونوا لم تشاهدوا مصورا إلا بمؤاتاة، وقد يجوز أن يصور مصور لا بمؤاتاة. ويقال لهم نرى النطفة جوهرا متشابه الأجزاء كالذهب والفضة والنحاس إذا صب في قالب اختلفت صورتها لأن جوهرها وجوهر الإنسان مختلف ففيه عظم ومخ رطب وعين دراكة وجلد يمنع من الإدراك. ويقال لهم وكيف ذهبت العين إلى موقعها دون أن تنزل عن موضعها ويكون في مكانها بعض جسد الإنسان؟ وكذلك السؤال عليهم في سائر الأعضاء المرتبة في موضعها. ويقال لهم اعملوا على أن في الرحم قالبا فيه يتصور الجنين، فهل

стр. 107

في البيضة قالب يتصور فيه الفرخ؟ فإن قالوا نعم أكذبهم الوجود، وإن قالوا لا فكيف يتصور؟ ويقال في تصور النبات والشجر مثل ذلك. ويسألون عن الحيوان الموجود في الأرض من الحشرة ما السبب في تصورها؟ وبعد فإن جالينوس قد عني بأمر التشريح وكان يدعي فيه دعاوى ولكن مؤكدا للقول بالدهر. ويقال لهم هبنا لا يمكننا تشريح أرحام النساء، قد نشاهد أرحام الغنم وأجوافها فلسنا نرى من ذلك شيئا وكيف تصورت الأجنة فيها فإما ما حكاه جالينوس عن بقراط من أن مقام المني مقام الفاعل والمفعول وقول أرسطوطالس إنه يعطي الدم منه الحركة ويستحيل وقول جالينوس إنه يكون من المني، فما رأيته في كتاب المني حكى عن بقراط ولا عن نفسه فيه حجة بل ادعى وتحكم وهذى وخرف، وأكثر ما رأيته قال في ذلك إن المني إذا خرج من الرحم لم يكن الجنين وإن المني جوهر مبني ملتئم الأجزاء يصلح للتمدد. وهذه دعوى ادعاها وقد خالفه فيها أرسطوطالس. والذي نجده أن المني قد يكون في الرحم فلا يتكون منه ولا بحركته جنين. وفي ذلك إكذاب قولهم إنه عنه أو كان الجنين. وأما صلاحه للتمدد فما هو إلا بمنزلة البصاق والمخاط والدم وليس في هذا دلالة. وأما ما قاله بعد ذلك من أن العروق تمدد بالدم والشريانات بالروح، فيقال له ما الدليل على ما ادعيته في الظلمات التي لا تقع عليها المشاهدات؟ وأما قوله إن الجنين بمنزلة النبات فإنه أراد أن يقربه عند نفسه مما يدعيه بعض الناس أن النبات من الطبيعة، فالدلالة على أن الجنين والنبات جميعا ليسا

стр. 108

من الطبيعة دلالة واحدة. وشئ آخر وهو أن النبات لا يفارق بطبعه عندهم الموضع الذي نشأ فيه حتى يقطعه قاطع أو يقلعه قالع، والجنين ليس كذلك لأنه يفارق موضعه من غير مزعج أزعجه. ووجه آخر وهو أن النبات منذ يكون إلى أن يفسد لا بد له من مكان متصل به وكائن فيه ومستقى منه ولا يجوز أن يكون كاملا قائما إلا كما وصفنا، والحيوان أجمعه يكون تام الصورة كامل المعنى وإن فارق الرحم التي كان فيها. وأكثر النبات إذا قطعت رؤوسه نمى وكمل ومنه ما تقطع أغصانه وأطرافه فينفعه ذلك ولا يضر به، وليس كذلك الإنسان. فإن كان نباتا لأنه فيه حالا تشبه النبات فمحال أن يكون غيره لأن فيه خلالا كثيرة لا تشبه النبات فأما ما حكاه جالينوس عن أنباذ قلس من أن أجزاء الإنسان منقسمة في مني الذكر والأنثى فلا فصل بين هذا القول وبين من قال إن أجزاء الولد من أحدهما أو منهما منبثة في رحم المرأة وإن مني الرجل يجمعها وإنها منقسمة في الأغذية أو الهواء، وهذه كلها دعاوى لا برهان عليها. وأما من زعم أنه يخرج من أعضاء الإنسان أجزاء لطيفة فيها من جنس كل عضو من أعضاء بدن الإنسان فيقال لهم لو كان هذا على ما يزعم هؤلاء لوجب أن يكون ولد الأعمى أعمى وولد الأعور أعور وولد المقطوع اليد لا يد له وليس الأمر كذلك واستدل من زعم أن لا نهاية لأجسام العالم من أقطاره بأن قالوا إنا لم نشاهد جسما إلا وبعده ذراع من أي ناحية قصدنا إليه. فيقال لهم أخبرونا عن السودان الذين ينشأون في بلادهم هل يجب عليهم أن يقضوا أن لا إنسان إلا أسود؟ فإن قالوا

стр. 109

نعم أبطلوا ما نشاهده، وإن قالوا لا أبطلوا استدلالهم. ويقال لهم هل يجب على من نشأ في القرية أن يحكم أنه لا بر إلا ومن ورائه بر؟ ويلزمهم نظير ما ألزمناهم واستدل أرسطوطالس على أنه لا نهاية لحركات العالم بأدلة أحدها أنه قدم فيه أن العالم قديم، وهو قوله إن الحركة إن الحركة إن كانت مبتدئة في زمان فقد بقي الجسم زمانا لا نهاية له غير متحرك ثم تحرك، وإذا كان له محرك قديم حركة فقد استحال أو استحال الجسم الذي حركه، وأيهما استحال فقد كانت حركة قبل أن تكون حركة. ولو أعطينا أن الجسم لم يزل لوجب أن يتحرك ويسكن ولكن هذا مما نمنعه إياه. وقولنا إن الجسم والحركة جميعا حادثان، وقد أفسدنا قبل هذا الموضع أن يكون البارئ جل وعز ذا فعل أن لم يفعل فقد استحال. وهذا الدليل ذكره في سمع الكيان في المقال الثامنة منه. واستدل أيضا على أن الحركة لم تزل بأن الزمان عدد حركة الفلك أو حادث عنها، ولو حدث الزمان لكان قبل حدوثه زمان لأنه لا بد لمن أثبت حدثه من أن يقول كان بعد أن لم يكن، والقبل والبعد وكان بعد أن لم يكن أدلة على الزمان. فإذا قال قائل كان الزمان بعد أن لم يكن فقد أثبت زمانا قبل حدوثه، وإذا ثبت أن الزمان قديم والحركة قديمة. وهذا دليل استدل به في مقالة اللام من كتاب ما بعد الطبيعة. وهذا شبيه بدليل قد استدل به برقلس، وقد قلنا في مناقضته فيه بما نكتفي به غير أنا نقول أيضا إنا نجيب بغير ما قدرته جوابا ونقول إن الزمان متناه، وقول من قال إنه لا أول له محال وهذا إنما هو تعلق بالشغب في الألفاظ. وقد نقول يوم السبت قبل يوم الأحد، فإن قالوا إن بينهما آنا قيل لهم أو ليس

стр. 110

يوم السبت قبل الآن الذي بينه وبين الزمان؟ فلا بد من نعم. يقال لهم فعلى قياس ما استدل به أرسطوطالس يجب أن يكون زمانا معا في حال. ويقال لهم أليس أجزاء الزمان تحدث وتبطل؟ فلا بد على قوله من نعم وإلا كان يوم السبت لم يزل فيجب أن يكون لا يزال. يقال له أفحدوثه وبطلانه في زمان؟ فإن قال لا وهو قوله، قيل له فقد صار الزمان يحدث ويبطل لا في زمان، وهذا نقض قولك. ويقال له إذا زعمت أن الزمن إن كان حادثا فلا بد من أن يكون قبل حدوثه زمان فبأي شئ تنفصل ممن زعم أن المكان إن إن كان موجودا في العالم فلا بد من أن يكون في مكان، فيبطل هذا القائل المكان أو يكون كل مكان لا إلى نهاية؟ ومما يستدل به أيضا على قدم الحركة بأن زعم أن حركة الفلك دورية، وإذا كانت دورية فلا ابتداء لها ولا انتهاء. وقد نقضنا هذا فيما أتى به ابرقلس وأذكر ما به هاهنا وقد زعم ثابت بن قرة أن حركة الفلك حركة واحدة لم تزل ولا تزال وأنها إنما تكون حركات على قدر ما نتوهمه ونعلمه فيها. وإنما قال هذا هربا من أن يلزمها العدد فيكون إما زوجا وإما فردا ويلزمه فيها مسائل توجب التناهي، فزعم أنها تحدث دائما وسماها حركة تجري - قال - لأنها حركة دائمة، وكيف تكون حركات وليس يفصلها سكون؟ يقال فيجب أن تكون حركته في زمان أرسطوطالس هي حركته في زماننا هذا، ولو جاز هذا لجاز أن يكون زمان أرسطوطالس هو زماننا وهذا تجاهل. بل يجب أن تكون موجودة معدومة. لأن ما مضى منها فليس هو الساعة وما منها الساعة الفلك متحرك به فموجودة،
следующие страницы →