← Книги сунны

Книги сунны · id 1284

صحيح البخاري - ط التأصيل

البخاري

Полный текст (4 719 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دِيوَان الحَدِيثِ النَّبويّ (١) صَحِيحُ البُخَارِي وَهُو: الجامِعُ المُسْنَد الصَحِيحُ المخْتَصر مِن أمُور رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وأيَّامِهِ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هجرية طبعة مراجعة ومصححة على النسخة السلطانية مع رفع الالتباس عن رموزها مَركَز البُحُوثِ وتَقْنِيَةِ المَعْلُومَاتِ دَارُ التَّأْصِيل

стр. 2

المقدّمة إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن اللَّه تعالى أرسل رسوله المجتبى ونبيه المصطفى محمدًا ﷺ ؛ ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وللثقلين هاديًا وسراجًا منيرًا، فيخرجهم بكتاب اللَّه العظيم وآيات ذكره الحكيم من دياجير الجاهلية إلى نور الإسلام، فشرح اللَّه به صدور أهل الإلحاد والضلال، ولم يكن أمامهم إلا التسليم لنور الإسلام وهدى القرآن. والسنة النبوية المطهرة - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم - هي الشارحة والمبينة لمراد اللَّه ﵎ في قرآنه؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، فلا عجب إذن أن يعتني المسلمون بحديث رسول اللَّه ﷺ ، ويبذلوا غاية جهودهم في جمعه وحفظه، ولقد هيأ اللَّه تعالى للسنة النبوية المشرفة حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، يذودون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين. _________ (١) [النحل: ٤٤].

стр. 3

ومن هؤلاء الأئمة الأعلام: الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، فقد كان ﵀ زين هذه الأمة؛ فهو أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، والحامل للواء علم الحديث كما وصفه بذلك الكثير من العلماء، ويأتي نقل عباراتهم مفصلة في ثنايا ترجمته. أما بخصوص كتابه "الصحيح" فيكفيه شرفًا وفخرًا اتفاق علماء الأمة على أنه أصح الكتب بعد كتاب اللَّه تعالى، ومعه أو يليه كتاب الإمام مسلم بن الحجاج ﵀، وإجماعهم على تسميته "الصحيح". قال الإمام أبو العباس القرطبي ﵀ في كتابه "المفهم" (١/ ٩٩ - ١٠٠): "وأما انعقاد الإجماع على تسميتهما بالصحيحين فلا شك فيه، بل قد صار ذكر الصحيح علمًا لهما، وإن كان غيرهما بعدهما قد جمع الصحيح واشترط الصحة، كأبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، وأبي الشيخ بن حيان الأصبهاني، وأبي بكر البرقاني، والحاكم أبي عبد اللَّه، وأبي ذر الهروي، وغيرهم، لكن الإمامان أحرزا قصب السباق، ولقب كتاباهما بالصحيحين بالاتفاق". اهـ. وقال الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (١/ ١٤٧): "وأما السنة فإن اللَّه تعالى وفق لها حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة؛ حرصًا على حفظها، وخوفًا من إضاعتها. وكان من أحسنها تصنيفًا وأجودها تأليفًا وأكثرها صوابًا وأقلها خطأً وأعمها نفعًا وأعودها فائدة وأعظمها بركة وأيسرها مئونة، وأحسنها قبولًا عند

стр. 4

الموافق والمخالف، وأجلها موقعًا عند الخاصة والعامة؛ صحيح أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري". اهـ. فلا غرو أن يعتني المسلمون بهذا الكتاب عناية فائقة، تجلت في بروز العديد من الطبعات المختلفة، ورغم ما بذل من الجهود التي بُذلت في طبعاته المتعددة المنتشرة في بلدان مختلفة على مدار عشرات السنين، لم يحظ الكتاب بطبعة تعبر عن الواقع العلمي للكتاب برواياته المختلفة، مع الحفاظ على معالم أهم وأصح رواياته وهي رواية أبي ذر الهروي. ومن هنا رأت دار التأصيل إعادة إصدار هذا السفر الجليل على أوثق وأدق رواياته، وهي رواية أبي ذر الهروي، وهذا لم نسبق إليه بعون اللَّه فيما نعلم فقامت بتتبع أهم النسخ الخطية لرواية أبي ذر في بلدان العالم المختلفة وقد وُفِّقنا بحمد اللَّه تعالى للحصول على سبع نسخ خطية، متفاوتة في الوثاقة والإتقان، والتمام والنقصان منها نسخة ابن سعادة التي اعتمدناها أصلا للعمل، وذلك فيما توفر منها، أما الجزء الذي لم يتوفر منها فقد اعتمدنا فيه على فرعها نسخة ميارة. وقد قمنا بالعمل عليه وتحقيقه وفق منهج علمي وتحت إشراف كوكبة من أهل العلم على رأسهم فضيلة العلامة الدكتور/ أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر. نسأل اللَّه العون على إتمامه وإخراجه، وأن تقر به أعين أهل العلم وطلبته.

стр. 5

ولما كانت الطبعة السلطانية من أحسن الطبعات التي صدرت لصحيح البخاري، وهي التي أمر السلطان عبد الحميد ﵀ بطباعتها سنة ١٣١١ هـ، بعناية ستة عشر عالمًا، على رأسهم فضيلة شيخ الأزهر الشيخ/ حسونة النواوي ﵀، وقد اعتمدوا في إعداد هذه الطبعة على أوثق وأدق فروع "النسخة اليونينية"، وهي من أجل ما انتسخ من الروايات في تاريخ المسلمين؛ وذلك نظرًا لتمتعها بمميزات لا تتوافر لغيرها، منها: ١ - كون المعتني بها إمامًا حافظًا، وهو أبو الحسين علي بن محمد اليونيني ﵀، الذي وصف بالحفظ والمعرفة الكثيرة للمتون والأسانيد. ٢ - جمعها للروايات المعتمدة من الصحيح، وتمييز بعضها عن بعض. ٣ - اعتناء اليونيني ﵀ بضبط الكتاب ومقابلته على الأصول المعتمدة للروايات، وكثرة ممارسته لهذا الأصل. وغير ذلك من المميزات التي فصلنا الحديث عنها في مقدمة التحقيق. بيد أن هذا الجهد العلمي العظيم لم يخل من بعض الملحوظات التي أعاقت الاستفادة التامة من هذه الطبعة المباركة، ويتلخص أهمها في استعمال الترميز عوضًا عن أسماء أصحاب الروايات والنسخ، دون الإشارة للمنهجية المتبعة في ترتيب هذه الرموز، وكذا علامات الضبط والتصحيح، والتي ملأت أرجاء الطبعة، فضلًا عن غياب التعريف ببعض الرموز المستخدمة في الصلب والحواشي؛ مما قلل من فرص الانتفاع الكامل بهذه الطبعة. ومن هنا رأت دار التأصيل - تيسيرًا على الباحثين وطلبة العلم - إعادة إصدار هذه الطبعة - وهي التي بين يديك - بعد إجراء بعض التعديلات

стр. 6

الفنية عليها، وذلك برد هذه الرموز إلى ما يقابلها من أسماء، والكشف عن بعض أصحاب الرموز المستعملة؛ مثل: (ق، صع) وغيرهما مما كان خافيًا معرفته على كثير من المتخصصين، سواء ما كان في الصلب أو الحواشي، دون الإخلال بالسياق أو المضمون، وسواء كان التعديل بالحذف أو الإضافة. واللَّه نسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يمنح كل من ساهم فيه التوفيق والقبول، إنه نعم المولى ونعم المجيب، والحمد للَّه رب العالمين. * * *

стр. 7

ترجمة الإمام البخاري اسمه ونسبه: هو: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، البخاري مولدًا وموطنًا، الجعفي نسبًا. وكان أجداده فُرسًا على دين المجوس، على أن التاريخ لم يحفظ لنا من أجداد البخاري أبعد من جده الثالث "بَرْدِزْبَه"، فهو رأس أسرته فيما نعلم، وقد كان بردزبه هذا فارسي الأصل، عاش ومات مجوسي الدين. وأول من أسلم من أجداد البخاري هو "المغيرة بن بردزبه"، وكان إسلامه على يد اليمان الجعفي والي بخارى آنذاك؛ فانتمى إليه بالولاء، وانتقل الولاء في أولاده، وأصبح الجعفي نسبًا له ولأسرة البخاري (١). أما "إبراهيم بن المغيرة" الجد الأول للبخاري، فلا نعلم شيئًا من أخباره غير انتسابه للمغيرة. وأما والد البخاري "إسماعيل بن إبراهيم"، فقد كانت حياته مطلع النباهة لهذه الأسرة؛ حيث غير منهج آبائه في الحياة، وشارك في الحياة العلمية باختيار أهم جوانبها في عصره، وهي: دراسة حديث رسول اللَّه ﷺ وتدريسه. كان والد البخاري ﵀ تقيًّا عالمًا محدثًا، اشتهر بين الناس بحسن سلوكه وورعه وسمته. _________ (١) "التعديل والتجريح" للباجي (١/ ٣٠٧).

стр. 8

رحل إلى العلماء وأهل الحديث، فحدث عنهم وأخذ منهم، روى سماعًا عن "مالك بن أنس"، و"حماد بن زيد"، وصحب "عبد اللَّه بن المبارك"، كما ذكر ذلك ولده في كتابه "التاريخ الكبير" (١)، وابن حبان في كتابه "الثقات" (٢). وروى عنه العراقيون؛ منهم: أحمد بن حفص، وأحمد بن جعفر، ونصر بن الحسين، وغيرهم. ويكفي هذا الوالد شرفًا وفخرًا أن اللَّه أجزل مكافأته وعطاءه على فضله وعفته، فرزقه ولدًا هو "الإمام البخاري"، فقد كان والدا البخاري من الصلاح والتقوى بمكانة عالية، كما سيأتي قريبًا. المولد والنشأة: ولد محمد بن إسماعيل البخاري بعد صلاة الجمعة، في الثالث عشر من شهر شوال عام أربعة وتسعين ومائة للهجرة. وكانت ولادته بمدينة بخارى من خراسان، موطن آبائه وأجداده، وهي مدينة كبيرة من بلاد التركستان، وقد فتحها المسلمون بعد منتصف القرن الأول للهجرة، وهي مركز علمي هام، وحاضرة من حواضر الإسلام. استقبل البخاري حياته وسط أسرة ثرية متدينة فاضلة؛ فقد حكي عن والده أنه قال عند موته: لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة. وهذا مما لا شك فيه كان له أكبر الأثر في المكانة التي وصل إليها الإمام البخاري، غير أن المنية لم تمهل والده، حيث توفي وابنه محمد طفل، فكفلته أمه ورعته من بعده. _________ (١) (١/ ٣٤٢). (٢) (٨/ ٩٨).

стр. 9

وكانت امرأة تقية صالحة لا تقل تقى وورعًا عن والده، حتى عدها المؤرخون من ذوي الكرامة والولاية. قال الحافظ: "روى غنجار في "تاريخ بخارى"، واللالكائي في "شرح السنة" في باب كرامات الأولياء، أن محمد بن إسماعيل البخاري ذهبت عيناه في صغره، فدعت أمه اللَّه كثيرًا حتى رأت الخليل إبراهيم ﷺ في المنام فقال لها: "يا هذه قد رد اللَّه على ابنك بصره بكثرة دعائك". قال: فأصبح وقد رد اللَّه عليه بصره" (١). وقد روى هذه الحكاية أيضًا الإمام السبكي في "طبقاته" (٢)، والذهبي في "سير النبلاء" (٣)، و"تاريخ الإسلام" (٤). في كنف هذه الأسرة الكريمة نشأ البخاري، وفي رعاية هذه الأم الفاضلة أخذ يختلف إلى الكتاب، يحفظ القرآن وأمهات الكتب المعروفة في زمانه، حتى إذا بلغ العاشرة من عمره، بدأ في حفظ الحديث، والاختلاف إلى الشيوخ والعلماء، وملازمة حلقات الدروس، وعند ذلك أخذت ميوله تظهر، ومداركه تتفتح. فعن أبي جعفر محمد بن أبي حاتم (٥) أنه قال: "قلت للبخاري: كيف كان بدء أمرك؟ فقال: ألهمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنوات أو أقل، ثم خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي". _________ (١) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٨). (٢) "طبقات الشافعية الكبرى" (٢/ ٢١٦). (٣) (١٢/ ٣٩٣). (٤) (١٩/ ٢٤٢، ٢٤٣). (٥) "طبقات الشافعية الكبرى" (٢/ ٢١٦)، و"سير النبلاء" (١٢/ ٣٩٣)، و"تاريخ الإسلام" (١٩/ ٢٤٣).

стр. 10

وهنا يسجل التاريخ خبرًا ينم عن نضجه المبكر؛ فقال فيما يروي عن نفسه: "فجعلت أختلف إلى الداخلي - وهو من أهل الحديث في عهده - فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: عن سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم منه وأصلح كتابه به وقال: صدقت" (١). وقد حدث بعض أصحاب البخاري أنهم سألوه: "ابن كم كان إذ ذاك؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة" (٢). ثم تتابعت مراحل نضج البخاري وتقدمه العلمي، فتابع دراسته وتعلمه بهمة ونشاط، حتى إذا بلغ السادسة عشرة من عمره، حفظ كتب ابن المبارك ووكيع، وغيرهم من أهل الرأي. وفي هذه السن المبكرة بدأت مرحلة جديدة من حياة البخاري؛ إذ خرج لأول مرة من بخارى راحلًا إلى الحج وطلب الحديث، صحبة والدته وأخيه أحمد، حتى إذا انتهت مناسك الحج رجعت أمه صحبة أخيه أحمد إلى بلدها بخارى، بينما تخلف البخاري لطلب الحديث والأخذ عن الشيوخ، وكانت سنه إذ ذاك ست عشرة سنة، أي حوالي سنة عشر ومائتين للهجرة. ومن هذا التاريخ تبتدئ مرحلة جديدة في حياة البخاري، وهي مرحلة الاتصال بالعالم الخارجي، وبداية الرحلة لطلب الحديث، والاتصال بالعلماء والشيوخ. _________ (١) المصادر السابقة. (٢) نفس المصادر.

стр. 11

وفي ذلك يقول البخاري: "خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع بها أخي، وتخلفت في طلب الحديث" (١). صفة البخاري الخِلقية: ذكر الإمام السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"، قال: "قال ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البَزَّار يقول: رأيْت البخاري شيخًا نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير" (٢). كما كان قليل الأكل جدًّا، يتزهد فيه ويتقشف مكتفيًا بالخبز، معرضًا عن الإدام حتى مرض من كثرة تقشفه، وقد روى الحافظ في "مقدمة الفتح" قول البخاري: "لم أَأْتدم منذ أربعين سنة" (٣). وكان عزيز النفس عفيف اليد، يتجمل، ولا يريق ماء وجهه، حتى في أشد حالات العسر. وكان مرهف الحس، نبيل الشعور، عفيف اللسان، قال: "ما اغتبت أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة حرام" (٤). وكان كريم الطبع، سخي اليد محسنًا، قال: "كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقها في الطلب، وما عند اللَّه خير وأبقى" (٥). كما كان متعبدًا زاهدًا قانتًا، يملأ نهاره بالدرس والتعليم، وليله بالعبادة والتهجد، وكان ورده القرآن. _________ (١) نفس المصادر. (٢) (٢/ ٢١٦). (٣) (ص: ٤٨٢). (٤) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٨١). (٥) المصدر السابق (ص: ٤٨٠).

стр. 12

رحلاته العلمية: تعددت رحلات البخاري العلمية؛ للأخذ عن الشيوخ، والرواية عن المحدثين، والاختلاف إلى حلقات الدرس، حيث ابتدأت برحلته إلى الحج صحبة والدته وأخيه، وكان ذلك سنة عشر ومائتين للهجرة، وسنه لا تتجاوز ست عشرة سنة، وما كاد يفرغ من حجه والاتصال بعلماء مكة ومحدثيها، حتى رحل إلى المدينة المنورة للأخذ عن علمائها. ولقد آثر البخاري أن يجعل الحرمين الشريفين طليعة رحلاته العلمية للتحصيل والرواية؛ حيث أقام بها ستة أعوام، حتى إذا استوفى حظه من الرواية والسماع انطلق في سياحته العلمية متنقلًا عبر الأقاليم والأقطار. "روى سهل بن السَّري عن البخاري قال: دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم مرة دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين" (١). ثم تتابعت رحلات البخاري وسفره في سبيل الحديث والرواية، حتى شملت أغلب الحواضر العلمية في وقته، واستغرقت معظم حياته، كل ذلك يجالس العلماء ويتلقى عنهم، ويجمع الحديث ويرويه، ويعقد مجالس التحديث والمناقشة، ويتعرض للامتحان والكيد، فيخرج سالمًا منتصرًا على الكائدين والمتربصين. روى محمد بن أبي حاتم قال: سمعت البخاري يقول: "دخلت بغداد آخر ثماني مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودعته: يا أبا عبد اللَّه، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان" (٢). _________ (١) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٨). (٢) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٣).

стр. 13

والأقطار والأقاليم التي رحل إليها البخاري، وحدث فيها وزارها هي: مكة والمدينة، وبغداد وواسط، والبصرة والكوفة، ودمشق وحمص، وقيسارية وعسقلان، وخراسان، ونيسابور ومرو، وهراة وبخارى، ومصر، وغيرها. ثناء العلماء عليه: قال الإمام الترمذي ﵀ صاحب "السنن" وتلميذ البخاري وخريجه: "لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل". وقال محمد بن أبي حاتم: "سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها كلها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم". وقال حاتم بن مالك الوراق: "سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا، وفقيهنا، وفقيه خراسان". وقال خلف بن محمد: "سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر الخفاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري التقي النقي العالم الذي لم أر مثله". وقال أبو أحمد الحاكم: "كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن؛ لرجوت أن أكون صادقًا". وقال الترمذي: "كان محمد بن إسماعيل عند عبد اللَّه بن منير، فلما قام من عنده قال له: يا أبا عبد اللَّه، جعلك اللَّه زين هذه الأمة". قال الترمذي: "استجيب له فيه".

стр. 14

وقال حاشد بن إسماعيل: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل". وقال أبو حاتم الرازي: "محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق". وقال أبو عبد اللَّه الحاكم: "محمد بن إسماعيل البخاري إمام أهل الحديث". وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه ﷺ وأحفظ له من محمد بن إسماعيل" (١). وقال الحاكم: "سمعت محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبي". وقال أحمد بن حمدون القصار: "سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى البخاري فقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله". وقال إبراهيم الخواص: "رأيت أبا زرعة كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسأله عن علل الحديث". وقال الإمام أبو العباس القرطبي: "وهو العلم المشهور، والحامل لواء علم الحديث المنشور، صاحب "التاريخ" و"الصحيح"، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحد حفاظ الإسلام، ومن حفظ اللَّه به حديث رسوله ﵊". _________ (١) قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: "وحسبك بإمام الأئمة ابن خزيمة يقول فيه هذا القول مع لقيه الأئمة والمشايخ شرقًا وغربًا"! قال أبو الفضل: "ولا عجب فيه؛ فإن المشايخ قاطبة أجمعوا على تقدمه، وقدموه على أنفسهم في عنفوان شبابه، وابن خزيمة إنما رآه عند كبره وتفرده في هذا الشأن". "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٧٠).

стр. 15

"شهد له أئمة عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله، وشهدت له تراجم كتابه بفهمه وفقهه" (١). وقال الإمام النووي: "واعلم أن وصف البخاري ﵀ بارتفاع المحل والتقدم في هذا العلم على الأماثل والأقران متفق عليه فيما تأخر وتقدم من الأزمان، ويكفي في فضله أن معظم من أثنى عليه ونشر مناقبه شيوخه الأعلام المبرزون، والحذاق المتقنون" (٢). وقال الحافظ المزي: "إمام هذا الشأن، والمقتدى به فيه، والمعول على كتابه بين أهل الإسلام" (٣). وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: "تخرج به أرباب الدراية، وانتفع به أهل الرواية، وكان فرد زمانه، حافظًا للسانه، ورعًا في جميع شأنه، هذا مع علمه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدة عنايته بالأخبار، وجودة حفظه للسنن والآثار، ومعرفته بالتاريخ وأيام الناس ونقدهم، مع حفظ أوقاته وساعاته، والعبادة الدائمة إلى مماته" (٤). وقال أيضًا: "ولقد كان كبير الشأن، جليل القدر، عديم النظير، لم ير أحد شكله، ولم يخلف بعده مثله" (٥). _________ (١) "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (١/ ٩٤، ٩٥). (٢) "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٧١). (٣) "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٤٣١). (٤) "تحفة الأخباري" (ص: ٢٠٤). (٥) المصدر السابق (ص: ٢١٥).

стр. 16

وقال الحافظ ابن حجر: "جبل الحفظ، وإمام الدنيا في فقه الحديث" (١). وقال الحافظ السخاوي: "ومن تأمل اختياراته الفقهية في "جامعه" علم أنه كان مجتهدًا، موفقًا، مسددًا، وإن كان كثير الموافقة للشافعي" (٢). شيوخ البخاري: رحل البخاري كثيرًا، وطوف بالأمصار والأقاليم والحواضر العلمية، فلقي أغلب المحدثين في زمانه، وأخذ عن الأئمة والشيوخ المشهورين في عصره، فاتسعت مداركه، وكثرت روايته للحديث، وكان ينتقي شيوخه، ويتحرى في اختيارهم، واضعًا لنفسه خطة ونهجًا في ذلك؛ حتى لا يأخذ إلا عن الثقات. قال الإمام النووي: "وروينا من جهات عن جعفر بن محمد القطان قال: سمعت البخاري - رحمه الله تعالى - يقول: كتبت عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده" (٣). وليس معنى ذلك أن اختياره لشيوخه، وتثبته في الأخذ عنهم، جعله قليل الشيوخ، بل على العكس من ذلك فقد أكثر من الأخذ من الشيوخ والرواية عنهم، حتى تجاوزوا الألف. قال البخاري: "كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث" (٤). _________ (١) "تقريب التهذيب" (ص: ٤٦٨). (٢) "عمدة القارئ والسامع" (ص: ٥٩). (٣) "مقدمة شرح البخاري" للنووي (ص: ٣٦). (٤) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٩).

стр. 17

ويقول أيضًا عنهم: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وخراسان … فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام اللَّه" (١). ولم يكن البخاري يروي كل ما يأخذه أو يسمعه من الشيوخ، بل كان يتحرى ويدقق فيما يأخذ ويدع، ويؤكد ذلك ما روي عنه عندما سئل عن خبر حديث، فيما روى عنه محمد بن أبي حاتم قال: سمعته يقول: "يا أبا فلان، تراني أدلس؟! تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل فيه نظر، وتركت مثلها أو أكثر منها لغيره لي فيه نظر" (٢). وإذا كان البخاري نفسه ذكر أن الشيوخ الذين أخذ عنهم وسمع منهم تعدوا ألف نفس، فقد بلغوا بذلك كثرة يصعب معها استيعابهم وحصرهم، ونؤثر هنا أن نكتفي بالإشارة إلى الصفوة المختارة منهم الذين أثروا في تكوينه العلمي، وأكثر هو من الأخذ عنهم والرواية لهم. ففي العهد الأول لطلبه الحديث، أي قبل رحلته للحج، نجد من شيوخه الأولين: الداخلي، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف البيكندي، وعبد اللَّه المسندي الجعفي، وهارون بن الأشعث. وممن أخد عنهم بمكة المكرمة: أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير الحميدي، وأبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقي، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ، وإسماعيل بن سالم الصائغ. _________ (١) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٧)، و"مقدمة الفتح" (ص: ٤٧). (٢) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٨١، ٤٨٢)، و"تاريخ بغداد" (٢/ ٢٥).

стр. 18

وأخذ بالمدينة المنورة عن: عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، وإبراهيم المنذري، ومطرف بن عبد اللَّه أبي مصعب، ويحيى بن قزعة. وأخذ بالشام عن: محمد بن يوسف الفريابي، وآدم بن أبي إياس، وأبي اليمان الحكم بن نافع، وحيوة بن شريح. وأخذ بنيسابور عن: يحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وهو: ابن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي. وأخذ ببغداد عن: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي مسلم بن عبد الرحمن ابن أبي يونس، وشريح بن النعمان، وعفان بن مسلم الصفار، ومحمد بن عيسى الطباع، وغيرهم. وأخذ بمصر عن: أحمد بن صالح المصري، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن عبد اللَّه بن بكير، وأصبغ بن الفرج، وعبد اللَّه بن صالح المصري، وغيرهم. ونظرًا لكثرة شيوخ البخاري وتعددهم؛ لاختلاف أمصارهم وجهاتهم، فقد حصرهم المحدثون في طبقات خمس: • الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين:

стр. 19

منهم: محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل. وهؤلاء هم أصحاب الثلاثيات. • الطبقة الثانية: قوم حدثوا عن أتباع التابعين، عن التابعين: منهم: أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وآدم بن أبي إياس، وأيوب بن سليمان، وغيرهم. وهؤلاء هم أصحاب رباعيات البخاري. • الطبقة الثالثة: قوم حدثوا عن تبع أتباع التابعين؛ الذين أدرك زمانهم، وأمكنه لقيهم: منهم: سليمان بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة … إلخ. • الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب، ومن هو في عداد طبقته ممن سمع قبله قليلًا، وقد حدث عنهم عن مشايخه: منهم: أبو حاتم الرازي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبد بن حميد، وأحمد بن النضر. • الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته؛ حيث حدث عنهم وهم أصغر منه في السن والإسناد، وقد سمع منهم للفائدة: منهم: عبد اللَّه بن حماد الآملي، وعبد اللَّه بن أبي العاص الخوارزمي، وحسين بن محمد القباني. وفائدة هذا التقسيم لطبقات شيوخ البخاري على هذا النحو، هو عدم وقوع الإبهام والالتباس - لمن لا معرفة له - إذا حدث البخاري بالإسناد عاليًا تارة،

стр. 20

ونازلًا تارة أخرى، وحتى لا يظن أن الإسناد العالي قد حذف منه، أو أن الإسناد النازل قد زيد فيه. على أن هناك من شيوخ البخاري الكثر المتعددين حسب الأقاليم والأمصار؛ شيوخًا قد ظهر أثرهم الجليل في تكوينه الفكري والعلمي، وأثروا في منهجه الحديثي، وكانت صلته بهم قوية شديدة مكينة، وهم شيوخه الخمسة: علي بن المديني (١٦١ - ٢٣٤ هـ)، وهو من أكثر الأئمة الذين تأثر بهم البخاري، حتى إنه قال: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، وربما كنت أغرب عليه" (١). وأحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ). وإسحاق بن راهويه (١٦١ - ٢٣٨ هـ). ويحيى بن معين (١٥٨ - ٢٣٣ هـ). وأبو نعيم الفضل بن دكين (١٣٠ - ٢١٩ هـ). تلاميذ البخاري: وقف البخاري حياته كلها للعلم، وقصرها على طلب الحديث وتعليمه، فما وني لحظة عن ذلك، ولا أشرك في طلبه والسعي له شيئًا من عرض الدنيا ومتاعها، وما رئي فيما وراء نومه القليل إلا وهو على حال من ثلاث: إما جالسًا إلى شيخ يسمع منه ويتلقى عنه، أو متصدرًا للحديث على الملتفين حوله من الطلاب، أو منقطعًا إلى القلم والقرطاس يقيد شوارد ما جمع. _________ (١) "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٤٥١).

стр. 21

وهو بهذا الجهد الكبير والعمل المتواصل قد ملأ حياته علمًا وتعليمًا، وكتابة وتأليفًا، مما أفاد منه وانتفع به خلق كثيرون لا يحصون عددًا، ولا يحدون وفرة، سواء في حله أو ترحاله، ولا نكون مبالغين إذا اعتبرنا كل واحد ممن لقيهم البخاري أو اتصل بهم واحدًا من تلاميذه، حتى من بعض شيوخه، وهو في ذلك يقول: "ما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به" (١). وقد أدرك هذا الامتياز والتفوق أساتذته الكبار، وقدروه، ومنهم الحميدي نفسه؛ حيث يقول البخاري عنه: "دخلت على الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة، فإذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي قال: جاء من يفصل بيننا، فعرضا علي الخصومة، فقضيت للحميدي، وكان الحق معه" (٢). ولعل قصته مع شيخه الداخلي وهو في بدء أمره، واعتراف الداخلي بخطئه للبخاري؛ أكبر دليل على ما ذهبنا إليه من تفوق البخاري، حتى بالنسبة إلى شيوخه، ولم يكد يشتهر بين الناس بسعة حفظه، وسيلان ذهنه، وتثبته، وإتقانه، وعلو باعه في الرواية والدراية، حتى أقبل الناس وطلاب الحديث - والعلماء منهم خاصة - يسعون إليه، ويتحلقون حوله؛ طلبًا للرواية عنه والسماع، "فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب، حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف ممن يكتب عنه، وكان شابًّا لم يخرج وجهه" (٣). _________ (١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٨٩). (٢) المصدر السابق (ص: ٤٨٣). (٣) "طبقات الشافعية الكبرى" (٢/ ٢١٧).

стр. 22

لذلك لا يمكننا أن نحصر كل تلاميذه؛ لكثرتهم وتنوعهم، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعضهم، ومنهم شيوخه وأقرانه وحفاظ عصره. فممن روى عنه أو أخذ منه من شيوخه: عبد اللَّه المسندي، وعبد اللَّه بن منير، ومحمد بن خلف بن قتيبة، وغيرهم. ومن أقرانه: أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن عبد اللَّه بن الجنيد النيسابوري، وإسحاق بن أحمد بن زيرك الفارسي، ومحمد بن قتيبة البخاري، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وغيرهم. وممن أخذ عنه من كبار الحفاظ: مسلم بن الحجاج، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وأبو عيسى الترمذي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وحسين بن محمد القباني، وسهل بن شاذويه البخاري، ويعقوب بن يوسف بن الأخرم، وجعفر بن محمد النيسابوري، وأبو القاسم البغوي، وأبو محمد بن حامد، والحسين بن إسماعيل المحاملي البغدادي، وغيرهم. ويكفي البخاري شرفًا وفخرًا أن يكون هؤلاء الأئمة والحفاظ من تلاميذه، والآخذين عنه، والراوين له، مما يغني عن ذكر الآلاف من الذين تتلمذوا عليه وسمعوا منه، حتى بلغ من سمعوا منه "الصحيح" وحده أكثر من تسعين ألفًا، كما روي عن الفربري.

стр. 23

آثار البخاري: لقد ظهر نبوغ البخاري مبكرًا؛ فقد حفظ القرآن الكريم وهو دون التسع، وبدأ في حفظ الحديث الشريف وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ في الرواية، وحفظ أغلب أمهات كتب الحديث وهو ابن إحدى عشرة سنة، فلا عجب أن نراه يبدأ التأليف وهو دون الثامنة عشرة من عمره، كما ذكر ذلك بنفسه. روى محمد بن أبي حاتم عنه أنه قال: "لما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب "قضايا الصحابة والتابعين"، ثم صنفت "التاريخ" في المدينة عند قبر النبي ﷺ ، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، وقل اسم في "التاريخ" إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت أن يطول الكتاب" (١) وقد هيأه للتأليف والكتابة وأعانه عليها ذكاؤه الحاد، وحفظه الواسع النادر، وذهنه السيال المتوقد، ومعرفته العميقة الواسعة بأحوال الرجال: من تعديل وتجريح، والأسانيد: من صحيح وسقيم. وقد ذكر الإمام السبكي في "طبقاته" قصة البخاري مع سليم بن مجاهد بن يعيش الخديمنكني، والتي تنبئ عن سعة حفظه، حتى بلغت سبعين ألف حديث، فكان جواب البخاري: "نعم وأكثر، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب اللَّه، أو سنة رسول اللَّه ﷺ " (٢). _________ (١) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٤٧٨). (٢) "طبقات الشافعية" (٢/ ٢١٨).

стр. 24

كما يؤكد ذلك قصته مع علماء بغداد ومع السمرقنديين؛ روى الحافظ ابن عدي قال: "سمعت عدة مشايخ ببغداد يقولون: إن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا الحديث لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا عليه الموعد للمجلس، فحضر وحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحدًا واحدًا حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه. وكان من العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، ومن كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الحفظ. ثم انتدب رجل من العشرة أيضا، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال: لا أعرفه. فلم يزل يلقي عليه واحدًا واحدًا، والبخاري يقول: لا أعرفه. وهكذا حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول، فقلت: كذا، وصوابه: كذا، وحديثك الثاني: كذا، وصوابه: كذا، والثالث، والرابع، على التوالي حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل

стр. 25

إسناد إلى متنه، وفعل مع الآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل" (١). وقد عقب الحافظ ابن حجر على هذه القصة بقوله: "هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب؛ فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة" (٢). هذه العوامل والمزايا ساعدت كلها على وفرة إنتاج البخاري، وكثرة آثاره العلمية، فبدأ التأليف وهو لا يزال شابًّا يافعًا إثر خروجه إلى الحج، وسنه لا تتعدى ثمان عشرة سنة، فأخرج للناس كتابيه الأولين "قضايا الصحابة والتابعين"، و"التاريخ"، كما حدث بذلك عن نفسه. وقد عد الحافظ ابن حجر كتب البخاري فبلغت واحدًا وعشرين كتابًا، ونبه إلى الموجود منها عنده، وما روى منها بالسماع، أو بالإجازة. على أننا نجد للبخاري مؤلفات أخرى، غير ما ذكر الحافظ ابن حجر، اختلفت بين مطبوع ومخطوط، وبين موجود وضائع حتى الآن لا يعرف له أثر. وتلك المؤلفات والكتب هي: ١ - "الجامع الصحيح": وسنتناوله بالتفصيل فيما بعد. ٢ - "الأدب المفرد": يرويه عنه أحمد بن محمد بن الجليل - بالجيم - البزار، له طبعة مشروحة باسم: "فضل اللَّه الصمد في توضيح الأدب المفرد" لمؤلفه _________ (١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٨٧). (٢) المصدر السابق.

стр. 26

فضل اللَّه الجيلاني من علماء الهند، في جزأين، المطبعة السلفية، القاهرة، سنة ١٣٧٨ هـ. ٣ - "التاريخ الكبير": يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، وأبو الحسن محمد بن سهل الواسطي - وهي الرواية المتداولة بين أيدي الناس الآن - وغيرهما. وهو كتاب يتعلق بتاريخ الرواة من عصر الصحابة إلى زمانه، رتبه على حروف المعجم، وبدأه بذكر المحمدين، وهو ثاني كتب البخاري في التأليف، عنيت بطبعه جمعية دائرة المعارف العثمانية في الهند سنة ١٣٦١ هـ، و ١٣٦٢ هـ، في أربع مجلدات، تشتمل على ثمانية أجزاء، والمطبوع من رواية ابن سهل. ٤ - "التاريخ الأوسط": يرويه عنه عبد اللَّه بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، وعبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر، وأبو محمد زنجويه بن محمد النيسابوري، وقد طبع أخيرًا من قبل مؤسسة الرشد. ٥ - "رفع اليدين في الصلاة": يرويه عنه محمود بن إسحاق الخزاعي، تحت عنوان: "قرة العينين برفع اليدين في الصلاة" وطبعت الطبعة الأولى بكلكتا، الهند سنة ١٢٥٦ هـ. وقد طبع أكثر من مرة ومن أجودها ما طبع بدار ابن حزم ١٤١٦ هـ بعناية بدر بن عبد اللَّه البدر. ٦ - "القراءة خلف الإمام": يرويه أيضًا محمود بن إسحاق الخزاعي، طبع تحت عنوان: "خير الكلام في القراءة خلف الإمام" وطبعت الطبعة الأولى بدلهي، الهند سنة ١٢٥٦ هـ. ٧ - "خلق أفعال العباد": يرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصمد، والفربري

стр. 27

أيضًا، طبع بمطبعة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة ١٣٧٨ هـ بعناية عبد الحق الهاشمي، كما طبعت الطبعة الأولى بدلهي، الهند سنة ١٣٠٦ هـ. ٨ - "كتاب الضعفاء": يرويه عنه أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، وآدم بن موسى الحواري، وغيرهم، وقد رتبه على حروف المعجم، طبعت الطبعة الأولى باللَّه آباد، الهند، سنة ١٣٢٥ هـ. ٩ - كتاب "الكنى": وهو كتاب أرخ فيه البخاري للرواة الذين لم يعرف من أسمائهم إلا الكنية، ولم يشتهروا إلا بها، وقد رتبه على حروف المعجم، طبعت الطبعة الأولى بحيدر آباد، الهند، سنة ١٣٦٠ هـ. ١٠ - "المسند الكبير": ذكره القاسمي في كتابه: "حياة البخاري" (ص ٢٨). ١١ - "التفسير الكبير": ذكر الفربري أنه كان مع البخاري وهو يؤلفه في أثناء إقامته "بفربر"، وتوجد منه نسخة خطية في الجزائر، ونسخة أخرى في مكتبة باريس، كما ذكر بروكلمان (١). ١٢ - كتاب "الأشربة": ذكره الدارقطني في كتاب "المؤتلف والمختلف" (٢)، كما يقول ابن حجر (٣). ١٤ - كتاب "أسامي الصحابة": ذكره أبو القاسم بن منده، ونقل منه في كتابه "المعرفة"، وذكر أنه يرويه من طريق ابن فارس سماعًا عن البخاري، كما نقل منه أبو القاسم البغوي الكثير في كتابه "معجم الصحابة" (٤). _________ (١) "تاريخ الأدب العربي" (٣/ ١٧٩). (٢) (٤/ ٦٠). (٣) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩٢). (٤) المصدر السابق.

стр. 28

١٥ - كتاب "الوحدان": وهو من ليس له إلا حديث واحد من الصحابة، وقد نقل عنه ابن منده في كتابه "المعرفة" (١). ١٦ - كتاب "المبسوط": ذكره الخليلي في كتابه "الإرشاد" (٢)، كما ذكر أن مهيب بن سليم رواه عن البخاري. ١٧ - كتاب "العلل": ذكره أبو القاسم بن منده، كما ذكره الكتاني في "الرسالة المستطرفة" (٣). ١٨ - كتاب "الفوائد": ذكره الترمذي في أثناء كتابه "المناقب" من كتاب "الجامع" (٤). ١٩ - كتاب "قضايا الصحابة والتابعين": وهو أول كتاب ألفه البخاري. ٢٠ - كتاب "السنن في الفقه": ذكره النديم في "الفهرست" (٥). ٢١ - كتاب "الضعفاء الكبير": يرويه ابن عدي في كتابه "الكامل" من طريق محمد بن عبد اللَّه بن الجنيد عنه، وقيل: إن له نسخة خطية محفوظة في مكتبة "باتنا". على أن آثار الإمام البخاري لا تقتصر على الذين سمعوا منه وأخذوا عنه، ولا على الكتب والآثار التي خلفها لنا وحفلت بها المكتبة الإسلامية، بل إن _________ (١) نفس المصدر. (٢) (٣/ ٩٧٣). (٣) (١/ ١٤٧). (٤) "سنن الترمذي" (١٢/ ٢٠٥). (٥) (ص: ٢٨٦).

стр. 29

آثاره باقية متصلة، تتجسد في مدرسة البخاري المتكونة من الذين تتلمذوا عليه، من خلال كتبه وآثاره، وخاصة "الجامع الصحيح"، الذي ظل منذ إخراجه للناس يستقطب اهتمام العلماء والمحدثين، وعنه تخرج أجيال وأجيال من العلماء وطلبة العلم، وفسح أمامهم المجال للدراسة والبحث والاستقصاء، فكان سببًا لعطاء علمي عظيم، تمثل في مئات الكتب التي ألفت حول "الصحيح"، تعليقًا واستدراكًا، وإضافة وشرحًا، حتى يمكن القول بأن أي كتاب بعد كتاب اللَّه لم يلق من العناية والاهتمام مثل "الجامع الصحيح"، منذ تصنيفه إلى الآن، مما تزخر به الخزانات والمكتبات من الكتب المؤلفة حوله، ويكفي أن نعلم أن شروحه فقط نَيَّفَت على اثنين وثمانين شرحًا، كما أورد صاحب "كشف الظنون" (١). على أن أهم شروح صحيح البخاري المتداولة هي: ١ - "أعلام الحديث" للإمام الخطابي (٣٨٨ هـ) طبع مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى، مكة المكرمة ١٤٠٩ هـ، تحقيق: الدكتور/ محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود. ٢ - "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (٤٤٩ هـ) طبع مكتبة الرشد، الرياض ١٤٢٠ هـ، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم. ٣ - "بهجة النفوس" لابن أبي جمرة الأندلسي (٦٩٩ هـ) طبع دار الكتب العلمية، بيروت. _________ (١) (١/ ٥٤١).

стр. 30

٤ - "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" لبدر الدين الزركشي (ت: ٧٩٤) طبع مكتبة الرشد، الرياض، تحقيق: يحيى بن محمد الحكمي. ٥ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري" لابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥) طبع دار ابن الجوزي، السعودية ١٤١٧ هـ، تحقيق: طارق بن عوض اللَّه بن محمد. ٦ - شرح الكرماني المسمى "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" للكرماني (ت: ٧٩٦) طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٥٦ هـ. ٧ - "التوضيح" لابن الملقن (ت: ٨٠٤) طبع وزارة الأوقاف القطرية ١٤٢٩ هـ، تحقيق: دار الفلاح. ٨ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري" أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢) طبع المطبعة البولاقية، مصر ١٣٠٠ هـ، ومن أفضل طبعاته طبعة الشيخ محب الدين الخطيب بالمكتبة السلفية بالقاهرة ١٣٧٩ هـ. ٩ - "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" للبدر العيني (ت: ٨٥٥) طبع المطبعة الحلبية، مصر ١٣٩٢. ١٠ - "التوشيح" للإمام السيوطي (ت: ٩١١)، طبع مكتبة الرشد، الرياض ١٤١٩ هـ، تحقيق: رضوان جامع رضوان. ١١ - "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" للقسطلاني (ت: ٩٢٣) طبع المطبعة البولاقية، مصر ١٣٠٤ هـ. ١٢ - "فيض الباري على صحيح البخاري" لمحمد أنور الكشميري (ت: ١٣٥٣ هـ)، ومعه "حاشية البدر الساري إلى فيض الباري" لمحمد بدر عالم الميرتهي.

стр. 31

ومن شروحه الأخرى: شرح ابن كثير (ت: ٧٧٤)، وشرح علاء الدين مغلطاي (ت: ٧٩٢)، وشرح البرماوي (ت: ٨٣١)، وشرح التلمساني المالكي (ت: ٨٤٢)، وشرح البلقيني (ت: ٨٠٥)، وأبي البقاء الأحمدي (ت: بعد ٩٠٩ هـ)، وجلال الدين البكري (ت: ٨٩١ هـ)، وابن رشيد (ت: ٧٢١ هـ)، وغيرهم. كما ترجم "صحيح البخاري" إلى أغلب اللغات العالمية الحية، وخاصة اللغتين الإنجليزية والفرنسية بالإضافة للغات المسلمين المنتشرة كالأردية والإندونيسية والتركية. وفاة البخاري: لقد ذكر الإمام البخاري في وصيته الرباعية أمورًا يبتلى بها العلماء والمحدثون، ولا بد لهم من الصبر عليها، وهي: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء. ولعله كان يتحدث عن نفسه، وعما يلاقيه من معاصريه، الكائدين له، والمؤتمرين به. فلم يكد يقصد نيسابور للإقامة فيها والاستقرار بها حتى نبا به المجلس، وضاق به الحساد والمغرضون من علماء نيسابور ومحدثيها، بسبب ظهوره وتأليفه، والتفاف الناس من حوله، فسعوا بالوشاية بينه وبين أميرها، واختلقوا لذلك أقاويل وأكاذيب يتنزه البخاري عن مثلها، بسبب فتنة خلق القرآن التي كانت رائجة آنذاك، فكثر القيل والقال من حوله، وكثر لغط العامة واختلافهم بسبب ما أشاعه خصومه عنه، فوجد عليه أمير نيسابور، مما اضطر معه البخاري إلى مغادرتها والخروج منها، عائدًا إلى بلاده بخارى.

стр. 32

وقد أحسن أهل بخارى استقباله، وبالغوا في الحفاوة به، وفي ذلك يروي الحافظ ابن حجر، عن أحمد بن محمد بن منصور الشيرازي قوله: "لما رجع أبو عبد اللَّه البخاري إلى بخارى، نصبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثرت عليه الدراهم والدنانير" (١). ولم يكد يستقر به المقام في بلده، حتى وقعت بينه وبين أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي جفوة، عكرت صفو البخاري، وكانت سبب خروجه منها مرغمًا، إلى أن مات بعيدًا عنها؛ وذلك أن الأمير الذهلي بعث إلى محمد بن إسماعيل "أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ؛ لأسمع" (٢)، فقال البخاري لرسول الأمير: "قل له: إنني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند اللَّه يوم القيامة أني لا أكتم العلم" (٣). وقد كان هذا الجواب الحق وحده ثقيلًا وكفيلًا بإثارة أمير بخارى، وأصابته في كبريائه حيث لم يألف مثل هذا الكلام، فاغتاظ من البخاري، وكان سبب الوحشة بينهما، فأغرى به جماعة فهيجوا الفتنة عليه، وتكلموا في مذهبه، وأوغروا صدور بعض العلماء عليه، وأثاروا الناس من حوله، فأمر الأمير بنفيه عن بلده، فخرج من بخارى إلى خَرْتَنْك، وهي قرية كانت على فرسخين من سمرقند. _________ (١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩٤). (٢) المصدر السابق. (٣) نفس المصدر.

стр. 33

ولعل قرار الأمير الذهلي بنفي البخاري عن بلده بخارى، كان بداية النهاية لحياة هذا الإمام العظيم، حيث إن البخاري لم يتألم في حياته، ولم يتأثر تأثره وتألمه لهذا القرار؛ فقد خرج فيما قبل من بخارى إلى نيسابور، وكله أمل في أن يجد الراحة فيها والاستقرار بعد الكيد والمضايقة والتعذيب، إلا أن المقام لم يستقر به فيها، حتى ظهرت رءوس الفتنة من كل جانب، وأشاع عنه حساده وأعداؤه الأقاويل والدسائس، مما اضطره إلى العودة إلى بخارى، غير أن حظه فيها لم يكن أحسن مما كان بنيسابور؛ حيث وقعت الجفوة بينه وبين أميرها، بسبب طلبه أن يحمل إليه "الصحيح"، و"التاريخ"، وجواب البخاري الذي اعتبر طلب الأمير إذلالًا للعلم والعلماء، مما يؤكد اعتزازه الشديد بنفسه، وقوة شخصيته. "روى ابن عدي قال: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول: خرج البخاري إلى "خَرْتَنْك" وكان له بها أقرباء فنزل عندهم" (١). ولعل البخاري قصد قرية بيكند أولًا، ثم انتهى به المطاف إلى خَرْتَنْك جمعا بين ما ذكره الحافظ في مقدمة الفتح من الروايتين. "يقول عبد القدوس بن عبد الجبار: سمعت البخاري ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه اللَّه" (١). ويروي محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه البخاري بخَرْتَنْك، يقول: "إنه أقام أيامًا فمرض، حتى _________ (١) نفس المصدر.

стр. 34

وجه إليه رسول من أهل سمرقند، يلتمسون منه الخروج إليهم، فأجاب وتهيأ للركوب ولبس خفيه، ولما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها وأنا آخذ بعضده قال: أرسلوني فقد ضعفت، فأرسلناه، فدعا بدعوات، ثم اضطجع فقضى، ثم سال منه عرق كبير، وكان قد قال لنا: كفنوني في أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، قال: ففعلنا. فلما أدرجناه في أكفانه، وصلينا عليه، ووضعناه في قبره، فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك دامت أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه، إلى أن جعلنا عليه خشبًا مشبكًا" (١). وكان تاريخ وفاة البخاري ﵀ يوم السبت في ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين للهجرة (٢٥٦ هـ). فرحم اللَّه الإمام البخاري، وأجزل له العطاء، وبوأه مقام الصديقين، وأحسن إليه كما أحسن وجوَّد خدمة السنة النبوية التي قصر حياته عليها، وعلى خدمتها وجمعها وتهذيبها مما علق بها، من انتحال واختلاق، وأبقى ذكره خالدًا عطرًا ما بقيت الحياة وبقي الناس. * * * _________ (١) نفس المصدر.

стр. 35

أهمية كتاب البخاري "الجامع الصحيح" ومكانته كتاب "الجامع الصحيح" للإمام البخاري من أصح وأجل الكتب في تاريخ الأمة الإسلامية بعد كتاب اللَّه ؛ وذلك لتلقي الأمة له بالقبول مع كتاب مسلم بن الحجاج ﵀، والاتفاق يقطع بصحة أحاديث الكتابين وإفادتها للعلم. يقول الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀، في معرض كلامه عن أمهات أقسام الحديث: "وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: صحيح متفق عليه. يطلقون ذلك، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول. وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به" (١). اهـ. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع، وإن حصل الخلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها" (٢). وقال أبو عبد الرحمن النسائي: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل" (٣). اهـ. _________ (١) "معرفة أنواع علم الحديث" (ص: ٢٨). (٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٣٧٧). (٣) "المنهاج شرح مسلم" (١/ ١٤)، و"النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (١/ ٢٨٦)، و"مقدمة فتح الباري" (ص: ٨، ٤٩١).

стр. 36

وقال الحاكم أبو أحمد النيسابوري، فيما حكاه أبو يعلى الخليلي الحافظ في كتابه "الإرشاد" ما ملخصه: "رحم اللَّه محمد بن إسماعيل؛ فإنه ألف الأصول - يعني: أصول الأحكام من الأحاديث - وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم بن الحجاج" (١). وقال الإسماعيلي في "المدخل" له: "أما بعد، فإني نظرت في كتاب "الجامع" الذي ألفه أبو عبد اللَّه البخاري فرأيته جامعًا - كما سمي - لكثير من السنن الصحيحة، ودالًّا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة، وتمكنا منها كلها، وتبحرًا فيها، وكان يرحمه اللَّه الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير، فنفعه اللَّه ونفع به" (٢). وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: "سمعت أبا زيد المروزي يقول: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟! فقلت: يا رسول اللَّه، وما كتابك؟! قال: "جامع" محمد بن إسماعيل" (٣). وقال أبو جعفر العقيلي: "لما صنف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على: ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا _________ (١) (٣/ ٩٦٢)، و"مقدمة الفتح" (ص: ٩، ٤٩١). (٢) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٨، ٩). (٣) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٣٨، ١٦/ ٣١٥)، و"تاريخ الإسلام" (٨/ ٣٦٣).

стр. 37

له بالصحة، إلا أربعة أحاديث"، قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة" (١). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: "واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتفق الجمهور على أن "صحيح البخاري" أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد" (٢). وقال الحافظ المزي: "وأما السنة فإن اللَّه تعالى وفق لها حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها، على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة، حرصًا على حفظها، وخوفًا من إضاعتها. وكان من أحسنها تصنيفًا، وأجودها تأليفًا، وأكثرها صوابًا، وأقلها خطأً، وأعمها نفعا، وأعودها فائدة، وأعظمها بركة، وأيسرها مئونة، وأحسنها قبولًا عند الموافق والمخالف، وأجلها موقعًا عند الخاصة والعامة؛ صحيح أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري … " (٣). وقال الحافظ ابن حجر: "كتاب "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور سيدنا رسول اللَّه ﷺ وسننه وأيامه" تأليف الإمام الأوحد، عمدة الحفاظ، تاج الفقهاء، أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ﵀، وشكر سعيه؛ قد اختص بالمرتبة العليا، ووصف بأنه لا يوجد كتاب بعد كتاب اللَّه مصنف أصح منه في الدنيا، وذلك لما اشتمل عليه من جمع الأصح والصحيح، _________ (١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩١). (٢) المصدر السابق (ص: ٣٩). (٣) "تهذيب الكمال" (١/ ١٤٧).

стр. 38

وما قرن بأبوابه من الفقه النافع الشاهد لمؤلفه بالترجيح، إلى ما تميز به مؤلفه عن غيره بإتقان معرفة التعديل والتجريح" (١). وقال القاسم بن يوسف السبتي التجيبي: "وكان من جملة الوصية التي أوصاني بها التقي الفاضل أبو العباس ابن تيمية أن قال: ما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن إسماعيل، وصدق ابن تيمية، واللَّه تعالى يفهمنا ما فيه، ويرشدنا للعمل بمقتضاه بمنه وكرمه" (٢). اهـ. وقال الحافظ الذهبي: "وأما الصحيح فهو أعلى ما وقع لنا من الكتب الستة في أول ما سمعت الحديث، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فما ظنك بعلوه اليوم وهو سنة خمس عشرة وسبعمائة! ولو رحل الرجل من مسيرة سنة لسماعه لما فرط، كيف وقد دام علوه إلى عام ثلاثين! وهو أعلى الكتب الستة سندًا إلى النبي ﷺ في شيء كثير من الأحاديث؛ وذلك لأن أبا عبد اللَّه أسن الجماعة، وأقدمهم لقيًّا للكبار، أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة عن رجل عنهم" (٣). وقال البدر العيني: "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب اللَّه تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم، فرجح البعض - منهم المغاربة - "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"، والجمهور على ترجيح البخاري على مسلم؛ لأنه أكثر فوائد منه" (٤). _________ (١) "تغليق التعليق" (٢/ ٥). (٢) "البرنامج" (ص: ٨٣). (٣) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٠). (٤) "عمدة القاري" (١/ ٥).

стр. 39

عناية العلماء بـ "صحيح البخاري": مما سبق يتضح أنه لا غرو أن يحظى هذا السفر الجليل بكافة أنواع العناية والرعاية التي تعددت جوانبها، حتى أضحى الكتاب درة من الدرر تفاخر به الأمة الإسلامية سائر الأمم. فمن أوجه الرعاية التي حظي بها الكتاب، وتضافرت حولها جهود العلماء وطلبة العلم، بدعم من الحكام والسلاطين، أنهم حرصوا على تدوينه وتسميعه في شتى الأمصار الإسلامية؛ حيث لا يكاد يخلو مصر من الأمصار من رواية أو عدة روايات لهذا الكتاب، تداولتها أيدي العلماء بالتوثيق والتحرير والتدقيق، ولم يقتصر الأمر على مجرد التدوين والتسميع، أو الإجازات والمناولات فقط، بل امتد إلى الحصر الشامل لكل الروايات بنسخها المتعددة، وما يتعلق بها من مغايرات أو اختلافات، مع المفاضلة بينها، وبيان الراجح منها من المرجوح، وأخطاء الرواة والنساخ، حتى غدا الكتاب أنموذجًا يحتذى به في علم ضبط وتحقيق النصوص، ودليلًا على أن هذا العلم إنما هو علم إسلامي خالص، بأصوله وفروعه، واقتصر دور الأمم الأخرى على الاقتباس والتقليد. وقد ساعدت هذه الجهود المباركة على انتقال الكتاب من مؤلفه إلى عصرنا الحاضر مجتازًا كل هذه الحقبة الزمنية الطويلة، دون أن تطوله يد التغيير، أو الضياع. * * *

стр. 40

أشهر روايات "الجامع الصحيح" كتاب "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ﵀ في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري. وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بالبخاري، فقد حمل هذا الكتاب عن مؤلفه جمهرة كبيرة من الرواة بلغ مجموعهم في بعض الإحصاءات تسعين ألفًا (١)، لم يشتهر منهم سوى عدد محدود، حُمل عنه الكتاب سماعًا وانتساخًا، وسميت كل رواية باسم راويها؛ فمن أشهر هذه الروايات: ١ - رواية الفربري: محمد بن يوسف بن مطر أبو عبد اللَّه الفربري (ت: ٣٢٠ هـ): وهي أشهر وأتم الروايات، وعليها اعتمد المسلمون في نقل هذا الكتاب وروايته، ويأتي الترجمة له، وتفصيل الحديث عن هذه الرواية. ٢ - رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي (ت: ٢٩٤ هـ): وهي دون رواية الفربري بثلاثمائة حديث، أخذها إجازة. ٣ - رواية حماد بن شاكر النسوي (ت: ٢٩٠ هـ): وهي دون رواية الفربري بمائتي حديث، أخذها إجازة. _________ (١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩٢).
следующие страницы →