Полный текст (4 719 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقال الحاكم أبو أحمد النيسابوري، فيما حكاه أبو يعلى الخليلي الحافظ في كتابه "الإرشاد" ما ملخصه: "رحم اللَّه محمد بن إسماعيل؛ فإنه ألف الأصول - يعني: أصول الأحكام من الأحاديث - وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم بن الحجاج" (١).
وقال الإسماعيلي في "المدخل" له: "أما بعد، فإني نظرت في كتاب "الجامع" الذي ألفه أبو عبد اللَّه البخاري فرأيته جامعًا - كما سمي - لكثير من السنن الصحيحة، ودالًّا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة، وتمكنا منها كلها، وتبحرًا فيها، وكان يرحمه اللَّه الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير، فنفعه اللَّه ونفع به" (٢).
وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: "سمعت أبا زيد المروزي يقول: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟! فقلت: يا رسول اللَّه، وما كتابك؟! قال: "جامع" محمد بن إسماعيل" (٣).
وقال أبو جعفر العقيلي: "لما صنف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على: ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا
_________
(١) (٣/ ٩٦٢)، و"مقدمة الفتح" (ص: ٩، ٤٩١).
(٢) "مقدمة فتح الباري" (ص: ٨، ٩).
(٣) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٣٨، ١٦/ ٣١٥)، و"تاريخ الإسلام" (٨/ ٣٦٣).
стр. 37
له بالصحة، إلا أربعة أحاديث"، قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة" (١).
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: "واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتفق الجمهور على أن "صحيح البخاري" أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد" (٢).
وقال الحافظ المزي: "وأما السنة فإن اللَّه تعالى وفق لها حفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها، على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة، حرصًا على حفظها، وخوفًا من إضاعتها.
وكان من أحسنها تصنيفًا، وأجودها تأليفًا، وأكثرها صوابًا، وأقلها خطأً، وأعمها نفعا، وأعودها فائدة، وأعظمها بركة، وأيسرها مئونة، وأحسنها قبولًا عند الموافق والمخالف، وأجلها موقعًا عند الخاصة والعامة؛ صحيح أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري … " (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: "كتاب "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور سيدنا رسول اللَّه ﷺ وسننه وأيامه" تأليف الإمام الأوحد، عمدة الحفاظ، تاج الفقهاء، أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ﵀، وشكر سعيه؛ قد اختص بالمرتبة العليا، ووصف بأنه لا يوجد كتاب بعد كتاب اللَّه مصنف أصح منه في الدنيا، وذلك لما اشتمل عليه من جمع الأصح والصحيح،
_________
(١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩١).
(٢) المصدر السابق (ص: ٣٩).
(٣) "تهذيب الكمال" (١/ ١٤٧).
стр. 38
وما قرن بأبوابه من الفقه النافع الشاهد لمؤلفه بالترجيح، إلى ما تميز به مؤلفه عن غيره بإتقان معرفة التعديل والتجريح" (١).
وقال القاسم بن يوسف السبتي التجيبي: "وكان من جملة الوصية التي أوصاني بها التقي الفاضل أبو العباس ابن تيمية أن قال: ما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن إسماعيل، وصدق ابن تيمية، واللَّه تعالى يفهمنا ما فيه، ويرشدنا للعمل بمقتضاه بمنه وكرمه" (٢). اهـ.
وقال الحافظ الذهبي: "وأما الصحيح فهو أعلى ما وقع لنا من الكتب الستة في أول ما سمعت الحديث، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فما ظنك بعلوه اليوم وهو سنة خمس عشرة وسبعمائة! ولو رحل الرجل من مسيرة سنة لسماعه لما فرط، كيف وقد دام علوه إلى عام ثلاثين! وهو أعلى الكتب الستة سندًا إلى النبي ﷺ في شيء كثير من الأحاديث؛ وذلك لأن أبا عبد اللَّه أسن الجماعة، وأقدمهم لقيًّا للكبار، أخذ عن جماعة يروي الأئمة الخمسة عن رجل عنهم" (٣).
وقال البدر العيني: "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب اللَّه تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم، فرجح البعض - منهم المغاربة - "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري"، والجمهور على ترجيح البخاري على مسلم؛ لأنه أكثر فوائد منه" (٤).
_________
(١) "تغليق التعليق" (٢/ ٥).
(٢) "البرنامج" (ص: ٨٣).
(٣) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٠٠).
(٤) "عمدة القاري" (١/ ٥).
стр. 39
عناية العلماء بـ "صحيح البخاري":
مما سبق يتضح أنه لا غرو أن يحظى هذا السفر الجليل بكافة أنواع العناية والرعاية التي تعددت جوانبها، حتى أضحى الكتاب درة من الدرر تفاخر به الأمة الإسلامية سائر الأمم.
فمن أوجه الرعاية التي حظي بها الكتاب، وتضافرت حولها جهود العلماء وطلبة العلم، بدعم من الحكام والسلاطين، أنهم حرصوا على تدوينه وتسميعه في شتى الأمصار الإسلامية؛ حيث لا يكاد يخلو مصر من الأمصار من رواية أو عدة روايات لهذا الكتاب، تداولتها أيدي العلماء بالتوثيق والتحرير والتدقيق، ولم يقتصر الأمر على مجرد التدوين والتسميع، أو الإجازات والمناولات فقط، بل امتد إلى الحصر الشامل لكل الروايات بنسخها المتعددة، وما يتعلق بها من مغايرات أو اختلافات، مع المفاضلة بينها، وبيان الراجح منها من المرجوح، وأخطاء الرواة والنساخ، حتى غدا الكتاب أنموذجًا يحتذى به في علم ضبط وتحقيق النصوص، ودليلًا على أن هذا العلم إنما هو علم إسلامي خالص، بأصوله وفروعه، واقتصر دور الأمم الأخرى على الاقتباس والتقليد.
وقد ساعدت هذه الجهود المباركة على انتقال الكتاب من مؤلفه إلى عصرنا الحاضر مجتازًا كل هذه الحقبة الزمنية الطويلة، دون أن تطوله يد التغيير، أو الضياع.
* * *
стр. 40
أشهر روايات "الجامع الصحيح"
كتاب "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ﵀ في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري.
وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بالبخاري، فقد حمل هذا الكتاب عن مؤلفه جمهرة كبيرة من الرواة بلغ مجموعهم في بعض الإحصاءات تسعين ألفًا (١)، لم يشتهر منهم سوى عدد محدود، حُمل عنه الكتاب سماعًا وانتساخًا، وسميت كل رواية باسم راويها؛ فمن أشهر هذه الروايات:
١ - رواية الفربري: محمد بن يوسف بن مطر أبو عبد اللَّه الفربري (ت: ٣٢٠ هـ): وهي أشهر وأتم الروايات، وعليها اعتمد المسلمون في نقل هذا الكتاب وروايته، ويأتي الترجمة له، وتفصيل الحديث عن هذه الرواية.
٢ - رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي (ت: ٢٩٤ هـ): وهي دون رواية الفربري بثلاثمائة حديث، أخذها إجازة.
٣ - رواية حماد بن شاكر النسوي (ت: ٢٩٠ هـ): وهي دون رواية الفربري بمائتي حديث، أخذها إجازة.
_________
(١) "مقدمة الفتح" (ص: ٤٩٢).
стр. 41
قال أبو العباس المستغفري: "من المدينة الداخلة (١)، ثقة جليل. روى عن محمد بن إسماعيل البخاري "الجامع"، وروى عن أبي عيسى الترمذي، وعيسى بن أحمد العسقلاني ومحمد بن الفضل العابد البلخيين، ارتحل إلى الشام والعراق، روى عن أهل بلده والغرباء" (٢).
٤ - رواية منصور بن محمد بن علي أبو طلحة البزدوي (ت: ٣٢٩ هـ): وهو آخر من حدث بـ "الجامع" عن البخاري.
قال ابن ماكولا: "من أهل بزدة، حدث عن محمد بن إسماعيل بكتاب "الجامع الصحيح"، وهو آخر من حدث به عنه، وكان ثقة، توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة" (٣).
وقال المستغفري جعفر بن محمد في "تاريخ نسف": "منصور بن محمد بن علي بن مزينة بن سوية أبو طلحة البزدوي، دهقان بزدة، آخر من روى عن محمد بن إسماعيل "الجامع"، وروى عن عبيد اللَّه بن عمر، ويضعفون روايته من جهة صغره حين سمع، ويقولون: وجدوا سماعه بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين، وقرءوا كله من أصل حماد بن شاكر، مات في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وسمع منه أهل بلده، وصارت إليه الرحلة في أيامه" (٤).
_________
(١) يعني: نسف. انظر "الأنساب" للسمعاني (٥/ ٢٣٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) "الإكمال" (٧/ ٢٤٣).
(٤) "التقييد" لابن نقطة (٢/ ٢٥٨).
стр. 42
رواية الفربري هي أم الروايات:
أولًا: أقوال العلماء في تزكيته وثقته وإمامته:
قال ابن رشيد: "وأبو عبد اللَّه هذا عمدة المسلمين في كتاب البخاري، وشهرته مغنية عن التعريف بحاله" (١).
فما ظنك بمن جعله المسلمون عمدتهم، وإنما ينبه على حال أمثال الفربري لتعليم الجهال، ودفع حقد الأغمار المتجاهلين. وقد سئل الإمام يحيى بن معين عن ابني أبي شيبة؛ أبي بكر وعثمان، فقال للسائل: يا مجنون، هل رأيت أحدًا يسأل عن مثل هؤلاء؟!
وقال عنه السمعاني: "راوية كتاب "الجامع الصحيح" لمحمد بن إسماعيل البخاري عنه، رحل إليه الناس وحملوا عنه هذا الكتاب". وقال: "كان ثقة ورعًا" (٢).
قال أبو نصر أحمد بن محمد الكلاباذي: "وكان سماعه - يعني: الفربري - من محمد بن إسماعيل مرتين: مرة بفربر في سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى في سنة اثنتين وخمسين ومائتين" (٣).
وقال أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني: سمعت محمد بن يوسف بن مطر يقول: "سمعت "الجامع الصحيح" من أبي عبد اللَّه
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ١٤).
(٢) "الأنساب" (٩/ ٢٠٦).
(٣) "التقييد" لابن نقطة (١/ ١٣١)، و"إفادة النصيح" (ص ١٠).
стр. 43
محمد بن إسماعيل بفربر في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين، وأربع وخمسين، وخمس وخمسين ومائتين" (١).
وقال ابن رشيد: "الثقة الأمين، وسيلة المسلمين إلى رسول اللَّه ﷺ في كتاب البخاري، وحبلهم المتين" (٢).
وقال: "ومد اللَّه تعالى في عمر أبي عبد اللَّه الفربري وبارك فيه، حتى انفرد برواية "الصحيح" زمانًا؛ لذهاب رواته، فرحل إليه في روايته عنه، وتنوفس في سماعه منه"
وقال أبو إسحاق المستملي: "يروى عن محمد بن يوسف الفربري، أنه كان يقول: سمع كتاب "الصحيح" لمحمد بن إسماعيل سبعون - وفي رواية: تسعون - ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري" (٣).
قال أبو عبد اللَّه الذهبي: "ويُروى - ولم يصح - أن الفربري قال: سمع "الصحيح" من البخاري تسعون ألف رجل، ما بقي أحد يرويه غيري. قلت: قد رواه بعد الفربري أبو طلحة منصور بن محمد البزدوي النسفي، وبقي إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة" (٤). اهـ.
والحكاية عن الفربري أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥) - ومن طريقه
_________
(١) "التقييد" (١/ ١٣١).
(٢) "إفادة النصيح" (ص: ١٠).
(٣) "التقييد" لابن نقطة (١/ ١٢٦)، و"معجم البلدان" (٤/ ٢٤٦)، و"سير النبلاء" (١٢/ ٣٩٨).
(٤) "سير النبلاء" (١٥/ ١٢).
(٥) (٢/ ٣٢٨).
стр. 44
ابن نقطة في "التقييد" (١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٣) - قال: أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري بنيسابور (ت: ٤٢١ هـ)، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه الصفار البلخي، يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي يروي عن محمد بن يوسف.
كذا في سياق واحد؛ وفيه إشكال: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه، هو المستملي؛ فكيف يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه الصفار البلخي، يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي؟!
والقصة أخرجها ابن رشيد (٤) بإسناده إلى الخطيب. قال الخطيب: أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي بنيسابور، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الفقيه البلخي. يقول الخطيب: وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه الصفار البلخي، يقول: سمعت أبا إسحاق المستملي، يروي عن الفربري.
ويتبين من خلال هذا السياق أن أبا العباس الصفار شيخ للخطيب وليس للمستملي؛ وبهذا يكون للخطيب فيه إسنادان عن المستملي: أحدهما من طريق القاضي أبي بكر الحرشي، وهو ثقة مترجم في: "الأنساب" (٤/ ٢٨٩)، و"تاريخ الإسلام" (٢٩/ ٤٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٣٥٦)، وغير ذلك.
_________
(١) (١/ ١٢٦).
(٢) (٥٢/ ٧٤).
(٣) (٢٤/ ٤٤٣).
(٤) "إفادة النصيح" (ص: ١٨).
стр. 45
والثاني من طريق أبي العباس الصفار البلخي أحمد بن عبد اللَّه؛ ولا أدري من يكون؟ وبهذا سلمت هذه الحكاية من اعتراض الحافظ الذهبي ﵀.
أما ما ذكره الإمام الذهبي من تأخُّر رواية البزدوي عن الفربري؛ فقد سبقه إليه الأمير ابن ماكولا كما في كتابه "الإكمال" (١).
بيد أن ابن نقطة حكى في "التقييد" (٢)، عن المستغفري جعفر بن محمد في "تاريخ نسف"، أنهم يضعفون روايته من جهة صغره حين سمع، ويقولون: "وجدوا سماعه بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين، وقرءوا كله من أصل حماد بن شاكر". اهـ.
ولعل هذا هو سبب انتشار رواية الفربري وانفرادها.
وقال ابن رشيد: "وتوفي الفربري فيما رويناه بإسنادنا العالي إلى أبي ذر قال: وسمعت أبا إسحاق المستملي يقول: مات محمد بن يوسف بن مطر الفربري ﵀ في شهر شوال لعشر بقين منه من سنة عشرين وثلاثمائة، فيما بلغني وأخبرني به أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن علي بن طرخان الطرخاني عن إتيان فارس قدم بلخ. قلت: وقد قيل فيه غير ذلك، والصحيح إن شاء اللَّه هذا" (٣).
ثانيا: رواية الفربري هي عمدة المسلمين في رواية هذا الكتاب:
قال أبو محمد عبد اللَّه بن علي اللخمي الرشاطي: "وعلى الفربري العمدة في رواية كتاب البخاري" (٤).
_________
(١) (٧/ ٢٤٣).
(٢) (٢/ ٢٥٨).
(٣) "إفادة النصيح" (ص: ٢٣).
(٤) "إفادة النصيح" (ص: ١٥).
стр. 46
وقال ابن رشيد: "ومد اللَّه تعالى في عمر أبي عبد اللَّه الفربري، وبارك فيه حتى انفرد برواية "الصحيح" زمانًا؛ لذهاب رواته، فرحل إليه في روايته عنه، وتنوفس في سماعه منه" (١).
فالطريق المعروف اليوم إلى البخاري في مشارق الأرض ومغاربها باتصال السماع؛ طريق الفربري، وعلى روايته اعتمد الناس؛ لكمالها وقربها وشهرة رجالها.
وكان عنده أصل البخاري، ومنه نقل أصحاب الفربري، فكان ذلك حجة له عاضدة، وبصدقه شاهدة.
ثم تواتر الكتاب عن الفربري، بل زاد حتى كأنما عناه القائل:
تواتر حتى لم يدع لي ريبة … ولم يك عما خبروا متعقب
فتطوق به المسلمون، وانعقد عليه الإجماع؛ فلزمت به الحجة، ووضحت المحجة. والحمد للَّه رب العالمين.
الروايات عن الفربري:
ومع هذا العدد من التلاميذ والروايات تظل رواية الفربري هي الأكثر انتشارًا، والتي عليها المعول في رواية الكتاب إلى يومنا هذا، فهي بمنزلة الأم لكل الروايات؛ نظرًا لاكتمالها وإتقانها، فقد سمع الفربري "الصحيح" من البخاري مرتين: "مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين" (٢)، وساعد على ذلك أيضًا تأخر وفاة الفربري نسبيًّا عن أقرانه المشاركين له في رواية الكتاب.
_________
(١) المصدر السابق (ص: ١٧).
(٢) "التقييد" (١/ ١٢٦).
стр. 47
قال ابن رشيد: "ثم تواتر الكتاب من الفربري، فتطوق به المسلمون، وانعقد الاجماع عليه" (١). اهـ.
أشهر من حمل هذا الكتاب عن الفربري:
لقد انتشر الرواة عن الفربري في الأقطار والأمصار بما يصعب حصرهم، فلا مناص من الاقتصار على أشهرهم وأوثقهم؛ فمن هؤلاء:
١ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي (ت: ٣٧٦ هـ).
٢ - أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد الحمويي السرخسي (ت: ٣٨١ هـ).
٣ - أبو الهيثم محمد بن المكي بن زراع الكشميهني (ت: ٣٨٩ هـ).
٤ - أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن الحافظ المصري البغدادي الأصل (ت: ٣٥٣ هـ).
قال القاضي أبو الفضل عياض: "أتقن ابن السكن روايته لـ "صحيح البخاري"، فأكثر منثور أحاديثه، ومختل رواياته هي عنده متقنة صحيحة، أتقنها وصححها من سائر الأحاديث الأخر الواقعة في الكتاب وغيره" (٢).
٥ - أبو زيد المروزي محمد بن أحمد الفاشاني (ت: ٣٧١ هـ)، وهو أجل من روى الكتاب عن الفربري.
٦ - أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني (ت: ٣٩١ هـ).
٧ - أبو أحمد محمد بن يوسف المكي الجرجاني (ت: ٣٧٣ هـ).
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ١٩).
(٢) "إفادة النصيح" (ص: ٢٢).
стр. 48
قال ابن رشيد: "هؤلاء السبعة مشاهير أصحاب الفربري، ووراءهم غيرهم من أعلام وأغفال" (١).
وقد روى عن كل واحد من هؤلاء جماعات.
بيد أن أبا إسحاق المستملي، وأبا محمد الحمويي، وأبا الهيثم الكشميهني؛ هؤلاء الثلاثة هم أشهر وأوثق من حمل الكتاب عن الفربري؛ ولذا اعتمد عليهم الحافظ القدوة أبو ذر الهروي في توثيق وتحقيق روايته للكتاب، كما يأتي شرحه.
التعريف بأبي إسحاق المستملي: إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن داود المستملي البلخي.
قال ابن رشيد: "وكان مستملي ابن طرخان، يكنى أبا إسحاق، وينسب إلى بلخ، وهي مدينة خراسان العظمى، ويقال: إنها وسطى بلاد خراسان. الثقة المتقن" (٢).
و"بسندنا إلى أبي الوليد الباجي قال: وأبو إسحاق المستملي ثقة مشهور".
و"روينا عن أبي ذر أنه كان يقول: أخبرني أبو إسحاق المستملي ببلخ، وكان من الثقات المتقنين. ذكره الغساني" (٢).
سمع أبو إسحاق من أبي عبد اللَّه الفربري "صحيح البخاري" وحدث به عنه، ونقل أبو إسحاق فرعه من أصل البخاري.
_________
(١) المصدر السابق (ص: ٢٣).
(٢) نفس المصدر (ص: ٢٥).
стр. 49
و"بسندنا إلى أبي ذر قال: وكان سماعه، يعني أبا إسحاق المستملي، من الفربري في سنة أربع عشرة وثلاثمائة. ووجدت عن أبي الوليد الباجي: أنا أبو ذر، ثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفربري، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض" (١).
التعريف بأبي محمد الحمويي: عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه بن أحمد بن يوسف ابن أعين السرخسي.
"حدث الحمويي عن الفربري بكتاب البخاري سماعًا عليه سنة ست عشرة وثلاثمائة، كذا قيدناه عن غير واحد من مشايخنا، وكان في أصل شيخنا الأديب الصوفي أبي عبد اللَّه ابن الخيمي من ثلاثيات البخاري خمس عشرة".
وكذلك قال أبو علي الغساني في "تقييد المهمل"، ونماه بالرواية إلى أبي ذر ﵀، والصحيح ست عشرة، ووجدت بعد عن أبي ذر أنه شك في تاريخ سماع الحمويي من الفربري فقال: "إما سنة خمس عشرة، أو أربع عشرة" (٢). وكان أبو محمد ثقة حافظًا عدلًا؛ قال فيه أبو ذر: "صاحب أصول حسان" (٣). وقال أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف: "أبو محمد الحمويي شيخ ثقة" (٤). انتهى.
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ٢٦).
(٢) المصدر السابق (ص: ٣٣).
(٣) "التقييد" (١/ ٣٢١).
(٤) "إفادة النصيح" (ص: ٣٤).
стр. 50
حدث عنه بـ "الجامع الصحيح" الحافظان جمال الإسلام أبو الحسن الداودي، وأبو ذر الهروي مقيم مكة - شرفها اللَّه.
قال ابن رشيد: "ولد الحمويي عام ثلاثة وتسعين ومائتين، وتوفي بعد الثمانين وثلاثمائة؛ ذكر ذلك أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر البغدادي الحافظ الرحال في كتاب "المؤتلف والمختلف". "وقال أبو ذر - فيما وجدت عنه بعد أن ذكر وفاة المستملي في سنة ست وسبعين وثلاثمائة: والحمويي بعده، ولا أحققه في أي سنة" (١).
وقال شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي: "توفي أبو محمد بن حمويه لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة" (٢). وقال مثله سواء أبو بكر بن عبد الغني في كتاب "تقييد المسائل" له: "ألحق هذا عام سبعة وتسعين في محرم" (١).
التعريف بأبي الهيثم الكشميهني: محمد بن المكي بن محمد بن المكي بن زراع بن هارون بن زراع الكشميهني المروزي.
وزراع - بزاي مضمومة في أوله، بعدها راء مفتوحة خفيفة - كذا قيده غير واحد، وبالتخفيف ضبط في الأصل العتيق المسموع على أبي ذر بمكة، وكذلك قرأته بخط المتقن أبي بكر بن خير.
والكشميهني - بضم الكاف وسكون الشين المعجمة وكسر الميم وبعدها ياء لينة وفتح الهاء ثم نون بعدها ياء النسب - منسوب إلى قرية كشميهن، وهي في خراسان، وهي من عمل مرو.
_________
(١) المصدر السابق.
(٢) "إفادة النصيح" (ص: ٣٥).
стр. 51
وقال أبو ذر: "وذكر أبو الهيثم أنه سمع الكتاب من الفربري بفربر في ربيع الأول من سنة عشرين وثلاثمائة، وروى أيضًا عن غير الفربري". ووجدت لأبي ذر في "معجمه" قال: "وأرجو أن يكون ثقة" (١).
و"بسندنا إلى أبي الوليد قال: وأبو الهيثم الكشميهني صاحب عربية؛ روينا بإسناد عن الحافظ أبي بكر بن ياسر الجياني أنه قال فيه: إمام أديب ثقة" (١).
وقد اعتمد الحافظ القدوة أبو ذر الهروي على هؤلاء الثلاثة في توثيق وتحقيق روايات الكتاب، كما يأتي شرحه.
* * *
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ٣٧).
стр. 52
رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهروي الحافظ (ت: ٣٧١ هـ)
هي الرواية الأم التي عليها مدار رواية الصحيح في الدنيا كلها، لا يكاد يوجد في الصحة مثلها، حتى قنع بها الحافظ ابن حجر، واقتصر عليها في شرحه للصحيح المسمى بـ "فتح الباري"؛ حيث قال: "فليقع الشروع في الشرح، والاقتصار على أتقن الروايات عندنا، وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها، وعليه نقتصر" (١). اهـ.
وهي التي توارد عليها أهل المشرق والمغرب:
قال الشيخ صالح بن محمد بن نوح الفلاني المغربي (ت: ١٢١٨ هـ): "وأما "صحيح البخاري" فأرويه بطرق؛ أصحها وأشهرها طريق أبي ذر، وهي طريق المغاربة والمكيين، بسط في أسانيده إلى أبي ذر عن مشايخه الثلاثة". وقال: "في هذا السند مع علوه لطائف؛ كون رجاله فقهاء مشاهير مالكيين مغاربة، ما عدا أبي ذر وشيوخه؛ فإن أبا ذر ليس بمغربي مع كونه مالكيا".
وقد حملها إلى المغرب أبو الوليد الباجي؛ حيث "رحل إلى مكة سنة ست وعشرين وأربعمائة، فجاور ثلاثة أعوام، ولزم أبا ذر، وكان يروح معه إلى السراة، ويتصرف في حوائجه، وحمل عنه علمًا كثيرًا" (٢)، وكذا أخذ عنه غير واحد من الأندلسيين، يأتي ذكرهم.
_________
(١) "فتح الباري" (١/ ٧).
(٢) "تاريخ الإسلام" (١٠/ ٣٦٥).
стр. 53
التعريف بصاحب الرواية الأم:
هو: عبد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن غفير بن عمرك بن خلفة بن إبراهيم بن قيسان بن قيس بن عامر بن قيس بن أبي ودعة بن عمرو بن قيس بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غُنم بن مالك بن النجار بن مالك بن عمرو بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الهروي، ثم المكي المالكي الأشعري، المحدث المصنف. يكنى أبا ذر، والهروي نسبة إلى هراة بلد بخراسان، وهي من أكثر بلاد خراسان عمارة، وأحسنها وجوهًا "افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁، وأهلها أشراف من العجم، وبها قوم من العرب، ومنهم أبو ذر هذا" (١). وكان مالكي المذهب، ولقي جلة من أعلام مذهب مالك؛ منهم: القاضي أبو بكر بن الطيب، والقاضي أبو الحسن بن القصار، ونظراؤهما.
وغلب عليه الحديث، وكان فيه إمامًا؛ قال ابن بشكوال: "كان حافظًا فاضلًا على هدي السلف الصالح" (٢). وذكر الحافظ السلفي أنه سأل عنه أبا نصر الساجي، فقال: "ثقة ورع، سمعت الأنصاري يقول: قرأت عليه حديث جابر الطويل في المناسك، وأومأت بالجزء ليأخذه، فقال لي: ضعه؛ فلستُ على وضوء، ولم يمسه" (٣).
سمع المستملي والحمويي والكشميهني، وعول عليهم في "البخاري".
سمعه على الحمويي بهراة سنة ثلاث وسبعين، بسين ثم باء، وثلاثمائة.
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٩/ ٥١٨).
(٢) "إفادة النصيح" (ص: ٤٠).
(٣) "تاريخ دمشق" (٣٧/ ٣٩٤).
стр. 54
وسمع وقرأ على المستملي ببلخ سنة أربع وسبعين، بسين ثم باء، وثلاثمائة. وبإسنادنا إلى أبي ذر قال: "وسمعت منه، ورحلت إليه سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ببلخ" (١). ووجدت بعد عن أبي ذر أنه قال: "سمعنا من أبي إسحاق في شهور سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وقد فرغنا من سماعه عليه يوم السبت لست خلون من المحرم من سنة خمس وسبعين وثلاثمائة" (٢).
وسمع وقرأ على الكشميهني بكشميهن سنة تسع، بتاء ثم سين، وثمانين وثلاثمائة في محرم.
وروى أبو ذر عن العدد الكثير.
قال القاضي عياض: "كان، ﵀، مالكي المذهب، إمامًا في الحديث حافظًا له، ثقة ثبتًا متفنِّنًا، واسع الرواية متحرِّيًا في سماعه، كثير المعرفة بالصحيح والسقيم، وعلم الرجال، حسن التأليف في ذلك كثيرًا، وكان مع ذلك زاهدًا متقشِّفًا، فاضلًا متقلِّلًا" (٣).
وقال: "وألف كتابين: أحدهما فيمن روى عنه الحديث، اشتمل على نحو ثلاثمائة اسم وأزيد من الفقهاء والمحدثين، والآخر فيمن لقيه ولم يرو عنه حديثًا … وسكن الحرم فجاور فيه إلى أن مات" (٤).
قال أبو محمد الشنتجالي: "من رأى أبا ذر رآه على هدي السلف" (٥).
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ٤٢).
(٢) المصدر السابق.
(٣) "ترتيب المدارك" (٧/ ٢٣٢).
(٤) المصدر السابق (٧/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(٥) نفس المصدر (٧/ ٢٣٢).
стр. 55
وقال حاتم بن محمد: "كان أبو ذر مالكيًّا خيِّرًا فاضلًا متقلِّلًا من الدنيا، يبصر الحديث وعلله ويميز الرجال، ولأبي ذر كتابه الكبير في "المسند الصحيح المخرج على البخاري ومسلم"، وكتاب "السنة والصفات"، وكتاب "الجامع"، وكتاب "الدعوات"، و"فضائل القرآن"، و"فضائل العيدين"، و"فضل يوم عاشوراء"، و"مسانيد الموطآت"، و"كرامات الأولياء"، و"الرؤيا والمنامات"، و"فضائل مالك بن أنس"، و"المناسك"، و"دلائل النبوة"، و"كتاب الربا واليمين الفاجرة"، وكتاب "شهادة الزور"، وكتاب "بيعة العقبة"، و"حديث الجعرانة وخيبر"، وكتاب "شهادة النبي وأصحابه"، وكتاب "ما روي في بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، وكتاب في شيوخه، وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وأربعمائة". انتهى (١).
كذا وجدت فيما ألفيت من مختصر كلام عياض في كتاب "ترتيب المدارك"، وكذلك وجدت وفاته عن العذري، غير أنه قال: في شوال، وكذلك ذكره ابن بشكوال في "برنامجه"، ولم يذكر الشهر.
وقرأت بخطًّ قال كاتبه: إنه محمد بن عبد الرحمن بن شبرين: "وتوفي الشيخ أبو ذر بمكة في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة"، وابن شبرين هذا هو: القاضي أبو عبد اللَّه، أحد العلماء الفضلاء الصلحاء، صحب القاضي أبا الوليد الباجي، واختص به. والنفس إلى صحة القول الأول أميل.
وكان مولد أبي ذر فيما قاله أبو العباس العذري؛ قال: وسألته عن مولده، يعني أبا ذر، فقال: "ولدت إما سنة خمس وخمسين، أو ست وخمسين". شك أبو ذر.
_________
(١) "ترتيب المدارك" (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، و"فهرسة ابن خير" (ص: ٧٤)، و"إفادة النصيح" (ص: ٤٣).
стр. 56
حدث عن أبي ذر من لا يحيط به الحصر، ومن أشهر الطرق المشرقية عنه في "صحيح البخاري" رواية ابنه أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، عنه.
وسمعه عليه من الأندلسيين العدد الكثير، ومن أشهر الطرق المعروفة إليه اليوم بالمغرب التي اعتمدها الرواة؛ رواية القاضي أبي الوليد الباجي عنه، وأبي العباس العذري، وأبي عبد اللَّه بن شريح المقرئ، وأبي عبد اللَّه بن منظور القيسي (١). اهـ.
كيفية إعداد أبي ذر لروايته:
قال ابن رشيد في "إفادة النصيح": "قرأت بخط أبي بكر بن خير، وأنا به جد خبير، مما نقله من خط الشيخ الراوية أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور ﵀: أبو ذر عن أشياخه الثلاثة: أبي محمد الحمويي، وأبي إسحاق المستملي، وأبي الهيثم الكشميهني، غير أن سواد الكتاب على روايته عن أبي محمد وأبي إسحاق، فإذا انفرد أحدهما أو اختلفا في شيء؛ فعلامة الحمويي: حآ، وعلامة أبي إسحاق الهمزة والسين، فإذا اتفقا وخالفهما أبو الهيثم جعل: صح، على موضع الخلاف، وكتبت رواية أبي الهيثم في الحاشية، وعلامته: ها، وكذلك علامته فيما ينفرد به" (٢). اهـ.
وقد ملأت هذه الرواية أرجاء الدنيا، وهي عمدة أهل المشرق والمغرب في رواية "الجامع الصحيح"، فقد حدث منهم عن أبي ذر من لا يحيط به الحصر.
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ٤٣ - ٤٥).
(٢) (ص: ٤٥).
стр. 57
وقد ورثت الأمة من هذا الأصل نسخًا عتيقة موثقة في أعلى درجات الوثاقة؛ منها:
النسخة العتيقة التي كتبت بمكة؛ يقول ابن رشيد في معرض ضبطه لكلمة الفربري: "وبالفتح ضبطه خطًّا الرواة الدراة، وبالفتح وجدته مقصودًا في البلد والنسب في صدر كتاب البخاري في النسخة العتيقة التي كُتبت بمكة - شرفها اللَّه - وقرئت وسُمعت على أبي ذر، وعليها خطه، وكذلك وجدته في غير موضع بخط متقن الأندلسيين غير مدافع في زمانه؛ أبي بكر بن خير ﵀، وكتب عليه: صح صح، على النسب والبلد، وقد وجدته بخطه في بعض المواضع بالكسر غير مصحح عليها" (١).
وقال ابن خير الإشبيلي: "أما رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه الهرويّ الحافظ ﵀ فحدثني بها شيخنا الخطيب أبو الحسن شُريح بن محمد بن شُريح المقرئ ﵀ قِراءة عليه بلفظي مرارًا، وسماعًا مرارًا، قال: حدثني به أبي ﵀ سماعًا من لفظه - وأبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور القَيسي ﵀ سماعًا عليه، قالا: حدثنا بها أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي سماعًا عليه.
قال محمد بن شُريح: سمعته عليه فِي المسجد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٣٣ هـ.
وقال ابن منظور: سمعته عليه في المسجِد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٣١ هـ، وقرئَ عليه مرَّة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في
_________
(١) "إفادة النصيح" (ص: ١١).
стр. 58
كتابي هذا في المسجد الحرام عند باب الندوة فِي شوال من سنة ٤٣١ هـ، قال: أخبرنا به أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه السرخسي بهراة سنة ٣٧٣ هـ، وأبو إِسحاق إبراهِيم بن أحمد بن إِبراهِيم المستملي ببلخ سنة ٣٧٤ هـ، وأبو الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن زراع الكشميهني بها سنة ٣٨٧ هـ، قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِربرِي بفربر، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي ﵀" (١).
الأصول التي توارثت أصل رواية أبي ذر:
كان من الطبيعي أن يهتبل علماء الأمة وطلبة العلم هذا الأصل الأصيل، فقد توفر له من الخصائص والمميزات ما لم يتوفر لغيره، ونستطيع أن نجمل هذه المميزات في الآتي:
١ - مكانة صاحبها في العلم؛ حيث إنه إمام حافظ ناقد بصير بأساليب الضبط، وفنون العلل، وهذا ما جعل روايته تَرجُح على كُلِّ الروايات، كرواية كريمة عن الكشميهني، ورواية الأصيلي والقابسي عن أبي زيد، وغيرهم.
٢ - اعتماده في روايته على رواية أبي عبد اللَّه الفربري - وهي الرواية التي لم تكتمل روايةٌ بالسماع غيرها، هذا فضلا عن إتقانها وجودتها، واتصالها بالسماع من أولها إلى آخرها عن البخاري مباشرة، وهذه أعلى مراتب التحمل، وذلك أخذًا عن ثلاثة من أشهر وأوثق من سمع من الفربري كما سبق؛ وهم: المستملي، والحمويي، والكشميهني.
_________
(١) "فهرسة ابن خير" (ص: ٨٢).
стр. 59
٣ - عنايته بضبط نصوصها، وتمييز وتحرير الخلافات بين مشايخه الثلاثة فيما بينهم، وكذا فيما بينهم وبين غيرهم، وقد اعتمد عليها وأشاد بها الحافظ ابن حجر ﵀ حيث قال في "الفتح" (١): "فليقع الشروع في الشرح، والاقتصار على أتقن الروايات عندنا، وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها". اهـ.
٤ - انتشارها في الآفاق، وتداول أهل العلم لها بالسماع والضبط عبر التاريخ، مما زادها ضبطًا وتوثيقًا.
٥ - كثرة أصولها الخطية المتقنة، والموثقة بالسماع والضبط من كبار أهل العلم.
لأجل ما سبق وغيره؛ فقد وقع الاختيار على رواية أبي ذر لضبط "الجامع الصحيح" سماعا وانتساخا، حيث كثرت الأصول المنتسخة منه بعناية العلماء، ومن هذه الأصول:
أ - الأول: أصل أبي عبد اللَّه بن منظور:
محمد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن منظور بن عبد اللَّه بن منظور القيسي الإشبيلي، من بيوتها النبيهة، يكنى أبا عبد اللَّه، راوية فاضل حسن الضبط. قال ابن بشكوال في "تاريخه": "قال أبو علي الغساني: كان من أفاضل الناس، حسن الضبط، جيد التقييد للحديث، كريم النفس، خيارًا" (٢).
وقال لنا أبو الحسن يونس بن محمد: "كان ذكي الخاطر، حسن المجالسة، من بيت علم وذكر وفضل، ﵀" (٣).
_________
(١) (١/ ٧).
(٢) "الصلة" (٢/ ٥٤٨)، و"سير النبلاء" (١٨/ ٣٨٩).
(٣) "إفادة النصيح" (ص: ٤٨).
стр. 60
وقال فيه أبو جعفر بن عميرة الضبي، وقرأته بخطه: "فقيه محدث، عارف راوية". وقال: "إنه كان قاضيًا بإشبيلية". وذلك غير معروف.
اعتمده الأندلسيون، وعولوا عليه في "صحيح البخاري"، راوية أبي ذر؛ لصحبته له ومجاورته معه، حتى كتب "الجامع الصحيح" للبخاري، وعارض فرعه بأصله، وفرغ من نسخه بمكة في رجب من سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقابله مع أبي عبد اللَّه الوراق محمد بن علي بن محمود.
وكتب أيضًا عن أبي ذر غير ما شيء، وسمع عليه كتاب "المعجم" له؛ فهو ثبت فيه.
وكانت رحلته إلى المشرق من إشبيلية بلده في شعبان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وحج حجتين: سنتي ثلاثين، وإحدى وثلاثين.
فسمع "صحيح البخاري" بمكة - شرفها اللَّه - على أبي ذر الهروي عند باب الندوة سنة إحدى وثلاثين في محرم، وانتهى في سماعه في هذه المرة الأولى إلى بعض من كتاب الأيمان والنذور.
قرأت بخط أبي بكر بن خير - في كتاب مقابل قوله في أول حديث من كتاب الأيمان والنذور: "إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" - ما نصه: "إلى هنا انتهيت بالسماع في المرة الأولى. صح من خط ظ". وكتب ابن خير في كتابه المذكور أنه يعني بالظاء حيث وقعت من كتابه: ابن منظور.
قال أبو عبد اللَّه بن منظور: وقرئ عليه أيضًا مرة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي في المسجد الحرام عند باب الندوة. وكان ابتداء هذا السماع الثاني الذي كمل فيه جميع الكتاب في شهر شوال من
стр. 61
سنة إحدى وثلاثين المذكورة، وتمامه في ذي القعدة منها. انتهى نقلًا عن "إفادة النصيح" (١).
قال أبو علي الغساني: وتوفي بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال من سنة تسع وستين وأربعمائة، ودفن ضحوة يوم الخميس بعده، وانتهى عمره سبعين عامًا، ﵀.
حدث عنه الجلة من الأندلسيين؛ وأجلهم: أبو الحسن شريح بن محمد، والقاضي أبو القاسم أحمد بن محمد بن منظور.
ب - أصل القيظي:
وهو: أبو محمد عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن محمد بن عثمان، التجيبي، القيظي، السرقسطي، المعروف بملاطش، حدث عن أبي عبد اللَّه بن منظور، وكتب عنه "صحيح البخاري"، وقرأه مرة، وسمعه أخرى بقراءة أبي محمد بن العربي. وكان أصل القيظي هذا من الأصول المعتمدة في الأندلس، محبسًا بجامع العدَبّس من إشبيلية - طهره اللَّه من دنس الكفر، وأعادها اللَّه دار إسلام.
وهذا الأصل - جبره اللَّه - من الأصول التي اعتمدها ضابط الأندلسيين في وقته أبو بكر بن خير، وعارض كتابه الحافل به الذي بخط أبيه خير - رحمهما الله -، وفيه كان سماعي وسماع بُنيّ محمد - هداه اللَّه - مع الجماعة، على شيخنا الفقيه الفاضل العدل أبي فارس - أبقاه اللَّه - والشيخ أبو فارس يمسك أيضًا أصله الذي بخط أبيه ﵀، وفيه سمع على شيخه أبي مروان ﵀ (٢).
_________
(١) (ص: ٤٦).
(٢) "إفادة النصيح" (ص: ٤٩).
стр. 62
جـ - أصل أبي علي الصدفي ( … - ٥١٤ هـ):
هو: الإمام العلامة الحافظ البارع القاضي أبو علي الحسين بن محمد بن فِيرُّه ابن حَيُّون بن سُكَّرة الصدفي، الأندلسي، السَّرقُسطي. وهو من أهل سرقسطة، سكن مُرسِية.
وروى بسرقسطة عن أبي الوليد الباجي، وأبي محمد عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل، وغيرهما.
وسمع ببَلَنْسِيَة من أبي العباس العذري، وسمع بالْمَرِيَّةِ من أبي عبد اللَّه محمد ابن سعدون القروي، وأبي عبد اللَّه بن المرابط، وغيرهما، ورحل إلى المشرق سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وحج من عامه، ولقي بمكة أبا عبد اللَّه الحسن بن علي الطبري، وأبا بكر الطرطوشي، وغيرهما.
ثم سار إلى البصرة، فلقي بها أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم بن شعبة، وغيرهم.
ثم سار إلى بغداد، فسمع من أبي المعالي الأصبهاني، وأبي الفضل بن خيرون مُسنِد بغداد، وأبي الحسين الصيرفي، وغيرهم.
وتفقه عند أبي بكر الشاشي، وغيره.
ثم رحل إلى دمشق، فسمع من أبي الفتح نصر المقدسي، وأبي الفرج الإسفراييني، وغيرهما.
وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخِلَعي، وأبي العباس الرازي، وأجاز له الحبال مُسنِد مصر في وقته.
стр. 63
وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الوراق، وشعيب بن سعيد، وغيرهما.
ثم عاد إلى الأندلس في صفر سنة سبعين وأربعمائة، وقصد مُرسية فاستوطنها، وقعد يحدث الناس بجامعها، ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالمًا بالحديث وطرقه، عارفًا بعلله، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط، جيد الضبط، وكتب بخطه علمًا كثيرًا، وقَيَّده، وكان حافظًا لمصنفات الحديث، قائمًا عليها، ذاكرًا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها: "صحيح البُخاري" في سِفْر، و"صحيح مسلم" في سِفْر، وكان قائمًا على الكتابين مع مصنف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلًا، دَيِّنًا، متواضعًا، حلومًا، وقورًا، عالمًا، عاملًا، واستُقضي بمُرسية، ثم استعفى فأعفي، وأقبل على نشر العلم وبثّه.
استشهد ﵀ في ملحمة "قُتَنْدَه" في ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمسمائة، وهو من أبناء الستين، وخلَّف كتبًا نفيسة، وأصُولًا متقنة تدل على حفظه وبراعته (١).
قال الشيخ عبد الحي الكتاني: "وهو ممن أقام للحديث السوق العظيم، الذي فيه نفقت بضائعه، فخضعت له فيه الرقاب، وشدت له الرحال من داني البلاد وقاصيها؛ لموافر علمه، وواسع تدقيقه، وطول رحلته، توفي عام ٥١٤ هـ" (٢).
_________
(١) مصادر ترجمته: "الغنية" (١٩٤)، "تاريخ ابن عساكر" (٥/ ١٢٥)، "نفح الطيب" للتلمساني (٢/ ٢٩٨)، "بغية الملتمس" للضبي (٢٦٩)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٩/ ٣٧٦)، "العبر" له (٤/ ٣٢)، "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٢٥٣)، "شذرات الذهب" لابن العماد (٤/ ٤٣)، "شجرة النور الزكية" (ص: ١٢٨)، وغيرها.
(٢) "الفهرست" (٢/ ٧٠٥).
стр. 64
رواية أبي علي الصدفي:
ذكر الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه "فهرس الفهارس" (١)، أن بعض المتأخرين قد عثر في طرابلس الغرب عام ١٢١١ هـ على أصل عظيم من "الصحيح" بخط الحافظ الصدفي، أسهبوا في وصفه ونعته.
وحكى عن الحافظ ابن عبد السلام الناصري في كتابه "المزايا"، قال: "وقد عثرت على أصل شيخه الحافظ الصدفي الذي طاف به البلاد، بخطه بطرابلس في جلد واحد مدبوج لا نقط به أصلًا، على عادة الصدفي وبعض الكتاب، وبالهامش منه كثرة اختلافات الروايات والرمز عليها".
وفي آخره سماع عياض وغيره من الشيخ بخطه، وفي أوله كتابة بخط ابن جماعة، والحافظ الدمياطي، وابن العطار، والسخاوي قائلًا: "هذا الأصل هو الذي ظفر به شيخنا ابن حجر العسقلاني، وبنى عليه شرح "الفتح"، واعتمد عليه؛ لأنه طيف به في مشارق الأرض ومغاربها؛ الحرمين ومصر والشام والعراق والمغرب، فكان الأولى بالاعتبار كرواية تلميذه ابن سعادة". اهـ.
إلى آخر ما نقل الشيخ عبد الحي من "المزايا".
ثم قال: "قلت: وقد انقطع خبر هذه النسخة، من عام ١٢١١ هـ لم أر لها ذكرًا ولا ناعتًا من الرحالين والبحاثين، فإن لم تكن دخلت خزانة الزاوية السنوسية بصحراء طرابلس؛ فلا تكون إلا انتقلت إلى بعض مكاتب أوربا. واللَّه أعلم".
ثم حكى عن الشيخ أحمد الشريف بن محمد الشريف السنوسي، أن نسخة البخاري التي بخط الصدفي عندي في الكتب التي يحفظها اللَّه. اهـ.
_________
(١) (١/ ٧٠٦ - ٧٠٨).
стр. 65
وقد نسخ أبو علي بخطه من "صحيح البخاري" نسختين، كانتا معًا معروفتين.
إحداهما: من أصل الباجي.
والأخرى: من أصل محمد بن علي بن محمود.
وذكر الشيخ عبد الحي الكتاني "أن النسخة التي اشتهرت هي الثانية، ولا سيما بعد انتقالها إلى ليبيا، بينما استمرت الأولى مجهولة، حتى كشفت عنها نسخة المكتبة الملكية المتفرعة عنها، دون أن نعرف عن الأصل الصدفي الأول أية معلومات أخرى، ونجهل مصيره بالمرة" (١). اهـ.
وهذا الفرع هو المحفوظ بالمكتبة الملكية تحت رقم: (٥٠٥٣)، وهي في مجلد ضخم، بخط أندلسي دقيق مدموج مليح، مكتوب بالمداد الباهت، مع تلوين - عند الاقتضاء - بالأحمر والأزرق، والذهب المصور بالمداد، على ورق متين عتيق، ودون تحديد مكان الانتساخ، وجاء في آخر المخطوط: في الرابع من جمادى الثانية عام خمسة وعشرين وثمانمائة.
وفي حاشية هذا الموضع وردت فقرة هكذا: "بلغت المقابلة على جهد الاستطاعة والحمد للَّه، وصلى اللَّه على سيدنا محمد، من نسخة الصدفي بخطه، التي نسخ القاضي الباجي بخطه، وعلى الأول … خطوط الشيوخ نحو خمسين … ".
وأسفل فقرة تاريخ الانتساخ يقع إطار مربع مزخرف، غير أن كتابة داخله اقتطع موضعها بالمرة.
_________
(١) "التنويه والإشادة" (ص: ٣٩).
стр. 66
د - أصل ابن سعادة المأخوذ عن أصل الصدفي:
التعريف بصاحب الأصل:
هو: الإمام العلامة شيخ الأندلس وقاضيها، أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف ابن سعادة الْمُرسي، مولى سعيد بن نصر مولى عبد الرحمن الناصر، من أهل مرسية، نزيل شاطبة، ودار سلفه بَلَنْسية.
سمع أبا علي الصدفي واختص به، وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه، وأصوله العتاق، وأمهات كتبه الصحاح؛ لصهرٍ كان بينهما، وسمع أيضًا أبا محمد بن أبي جعفر، ولازم حضور مجلسه للتفقه به، وحمل ما كان يرويه، ورحل إلى غرب الأندلس، فسمع محمد بن عتاب، وأبا بحر الأسدي، وأبا الوليد بن رشيد، وأبا عبد اللَّه الخولاني، وأبا الوليد بن رُشد، وأبا عبد اللَّه بن الحاج، وأبا بكر العربي، وغيرهم.
ثم رحل إلى المشرق سنة عشرين وخمسمائة، فلقي بالإسكندرية أبا الحجاج ابن نادر الميُورَقي، وصحبه وسمع منه، وأخذ عنه الفقه وعلم الكلام، وأدى فريضة الحج في سنة إحدى وعشرين.
ولقي بمكة أبا الحسن رزين بن معاوية العبدري إمام المالكية بها، وابن الغَزَال، فسمع منهما وأخذ عنهما.
ثم رحل إلى ديار مصر فصحب ابن نادر إلى حين وفاته، ولقي أبا طاهر بن عوف، وأبا عبد اللَّه بن مسلم القرشي، وأبا طاهر السِّلفي، وأبا زكريا الزناتي، وغيرهم.
стр. 67
ثم عاد إلى مُرسية في سنة ست وعشرين، وقد حصَّل في رحلته علومًا جمة، ورواية فسيحة، وكان عارفًا بالسنن والآثار، مشاركًا في علم القرآن وتفسيره، حافظًا للفروع، بصيرًا باللغة والغريب، ذا حظ من علم الكلام، أديبًا بليغًا، خطيبًا فصيحًا، ينشئ الخطب، مع الهدي والسمت، والوقار والعلم، جميل الشارة، محافظًا على التلاوة بالخشوع، راتبًا على الصوم.
وأخذ في إسماع الحديث، وتدريس الفقه، ثم ولي القضاء بمرسية، ثم نقل إلى قضاء شاطبة، فاتخذها وطنًا، وكان يسمع الحديث بها، وبمرسية وبَلَنْسية، ويقيم الخطب أيام الجمع في جوامع هذه الأمصار الثلاثة، متعاقبًا عليها.
ووصفه غير واحد بالتَّفنُّن في العلوم والمعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث والأدب، وقال ابن عياد في حقه: إنه كان صليبًا في الأحكام، مقتفيًا للعدل، حسن الخَلق والخُلق، جميل المعاملة، لين الجانب، فَكِه المجالسة، ثبتًا، حسن الخط، من أهل الإتقان والضبط، وكانت عنده أصول حسان بخط عمِّه، مع "الصحيحين" بخط الصوفي في سفرين، ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها، ولا كان فيهم من رُزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر والجلالة ما رزقه.
توفي بشاطبة مصروفًا عن قضائها، آخر ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، ودفن أول يوم من سنة ست وستين وخمسمائة، وكان مولده في رمضان سنة ست وتسعين وأربعمائة (١).
_________
(١) مصادر الترجمة: "نفح الطيب" للتلمساني (٢/ ٣٦١)، و"بغية الملتمس" للضبي (٣٠٨)، و"التكملة" لابن الأبار (٢/ ٣٥)، و"الديباج المذهب" لابن فرحون (٢٨٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢٠/ ٥٠٨) و"العبر" له (٤/ ١٩٣)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (٥/ ٢٥٠)، =
стр. 68
أما روايته "للصحيح":
فقد أخذها عن أبي علي الصدفي، وعليها معتمد أهل المغرب، وبها يفتخرون.
وترجع أهمية أصل ابن سعادة إلى أنه منقول من أصل الصدفي، المكتوب من نسخة محمد بن علي بن محمود، وهذه مقروءة على أبي ذر الهروي، وعليها خطه.
وقد اعتنى ابن سعادة بنسخته التي بخطه، فقابلها وصححها، وقرأ بها على الصدفي؛ حيث كتب هذا الأخير - بخطه - على أول السفر الثاني تصحيح سماع تلميذه لسائره عنه، بتاريخ ربيع الأول عام ٤٩٣ هـ.
وبهذا صارت النسخة السعادية في الدرجة الأولى من الصحة.
قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الفاسي: "رواية ابن سعادة هي أفضل من الروايات التي عند الحافظ ابن حجر، وإن ابن حجر لم يعثر عليها، وهي المعتمدة عندنا بالمغرب، وهي مسلسلة بالمالكية" (١). اهـ.
قال ابن الأبار يحكي عن أبي عمران بن سعادة: "وانتسخ صحيحي البخاري ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنه سمعها على أبي علي نحو ستين مرة" (٢).
_________
= و"شذرات الذهب" لابن العماد (٤/ ٢١٨)، و"بغية الوعاة" للسيوطي (١/ ٢٧٧)، و"الأعلام" للزركلي (٧/ ١٤٩)، وغيرها.
(١) "التنويه والإشادة" (ص: ٧٠).
(٢) المصدر السابق (ص: ٦٧).
стр. 69
وحسب الكتابات المرقومة على هذه النسخة، فإن المحدثين تداولوها بعد وفاة أبي عمران بن سعادة:
ابتداء من ابن أخيه محمد بن يوسف بن سعادة، وقد سمع هذا جميع "الصحيح" - في النسخة ذاتها - على أبي علي الصدفي، وتم ذلك في ربيع الآخر عام ٥١٠ هـ.
وكتب عليها - بخطه - تصحيحات كثيرة.
هذا فضلًا عن السماعات المدونة، وخطوط كثير من العلماء، كما يأتي التعريف بالنسخة.
ولهذه الاعتبارات اعتمد المغاربة نسخة ابن سعادة في رواية "صحيح البخاري"، ولما ذكر محمد بن عبد السلام الناصري النسخة اليونينية، ختم حديثه بقوله: "ورواية أبي عمران موسى بن سعادة أولى وأوثق وأضبط منها؛ لإجماع المغاربة في أمصار المغرب عليها" (١). اهـ.
بل بالغ بعضهم كابن الأبار؛ حيث قال: "إنه لا يكاد يوجد في الصحة مثلها" (٢). هذا في حدود ما رأى، وإلا فقد قدم بعض أهل العلم النسخ التي اعتمد عليها ابن حجر، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل وجه إلى النسخة شيء من الانتقاد.
والحق أن المطالع في نسخة ابن سعادة، يرى أثر الجودة عليها، فالضبط بالشكل اعتلى كثيرًا من الكلمات، وعلامات الترقيم تملأ أرجاء النسخة، فضلًا عن سماعات العلماء المدونة في بدايتها ونهايتها.
_________
(١) "القبس" (١/ ١١٢).
(٢) "التنويه والإشادة" (ص: ٦٨).
стр. 70
وقد أظهرت المطابقة بينها وبين نسخ ابن حجر - وما حرره القسطلاني - التوافق التام بينهما، إلا أحرفًا يسيرة، لا تؤثر في الجملة على جودة النسخة، بل أحيانًا يكون الصواب هو المثبت فيها.
وقد فاقت هذه النسخة نسخة الحافظ في بعض المواضع، وحملت إلينا زيادات أغفلتها نسخ ابن حجر، ولم ينبه عليها القسطلاني؛ انظر على سبيل المثال: الموضع (٣٧٨٥) (٥/ ٤٠)، والموضع (٤٧٢٢) (٦/ ١٠٩).
والفروع على هذه النسخة تكثر، وقد استوعبها العلامة محمد المنّوني في كتاب "القبس من عطاء المخطوط المغربي" (١/ ١٠٧ - ١١٠)، وانظر أيضًا التعريف بالنسخة السعادية في مقدمة طبعة دار التأصيل من "صحيح البخاري"، يسر اللَّه إتمامها.
* * *
стр. 71
الأصل اليونيني
ترجمة صاحب النسخة الحافظ شرف الدين اليُونيني (١) (٦٢١ - ٧٠١ هـ):
هو: الإمام العلامة، المحدِّث المُتقِن، شيخ العلماء، بقية السَّلَف، شرف الدِّين أبو الحسين عليّ ابن الشيخ الفقيه أبي عبد اللَّه محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد اللَّه ابن عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد، اليُونيني، البَعْلَبَكّي، الحنبلي.
وُلِدَ في حادي عشر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة بِبَعلَبَك.
وحضر بها عدة أجزاء على البهاء عبد الرحمن المقدسي، وسَمِعَ بها من عبد الواحد بن أبي المضاء، والإربلي، وابن رَواحة، ووالده الشيخ الفقيه، وغيرهم.
_________
(١) مصادر ترجمته: البرزاليُّ في "المقتفى" (٢/ ٥٥)، والذهبيُّ في "معجم الشيوخ" (٢/ ٤٠) ترجمة (٥٤٢)، و"المعجم المختص" (ص ١٦٨) ترجمة (٢٠٧)، و"ذيل العبر" (٤/ ٤)، و"المعين" (ص ٢٢٥)، و"المقتنى" (١/ ١٨٨)، و"تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٥٠٠)، وابنُ كثير في "البداية والنهاية" (١٤/ ٢١)، وابنُ رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" (٢/ ٣٤٥)، والتقيُّ الفاسيُّ في "ذيل التقييد" (٣/ ١٧٢) ترجمة (١٤٥٨)، وابنُ حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٩٨)، وابنُ تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (٨/ ١٩٨)، و"الدليل الشافي" (١/ ٤٧٦)، وابنُ مفلح في "المقصد الأرشد" (٢/ ٢٥٩) ترجمة (٧٥٩)، والسيوطيُّ في "طبقات الحُفَّاظ" (ص ٥١٦)، وابنُ العماد في "شذرات الذهب" (٦/ ٣)، والزَّبِيديُّ في "تاج العروس" (٩/ ٣٧٣).
واليُونِيني: نِسبة إلى قرية من قرى بَعلَبَكّ اسمها: "يُونِين"، بضم الياء وكسر النون الأولى، وسمَّاها ياقوت في "معجم البلدان" (٥/ ٤٥٣)، والفيروزابادي في "القاموس": "يُونَان"، بضم الياء وفتح النون الأولى، وقال الزَّبِيديُّ في "تاج العروس" (٩/ ٣٧٣): "ويُقال فيها: يُونِين أيضًا، وهو المعروف".
стр. 72
وتدرج إلى دمشق، وسمع بها من الإمام العالم الثقة الحسين بن أبي بكر بن الزَّبيدي، وأبي المنجا بن اللَّتِّي، وأبي صادق بن صَبَّاح، وجعفر الْهَمداني، ومُكرَم بن محمد بن حمزة بن أبي الصَّقْر، وابن الشِّيرازي، وغيرهم.
وارتحل سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى مصر؛ لطلب العلم والحديث، فَسَمِعَ بها من ابن الجُمَّيزِي، وابن رَواج، والسَّاوي، وغيرهم.
ولازَم الحافظ زكي الدين عبد العظيم المُنذِري، وتخرج به، وعُنِيَ بعلم الحديث، وارتحل إلى مصر خمس مرات، واستنسخ "صحيح البخاري"، واعتنى بأمره كثيرًا.
قال الحافظُ الذهبيُّ: "حدثني أنه قَابَلَه في سنةٍ واحدةٍ وأسمعه إحدى عشرة مرَّة، وقرأ بنفسه، وكَتَبَ بخطّه كثيرًا، وتَفَقَّه، وأفتى ودَرَّسَ، وعُني باللغة، وحَصَّلَ أطرافًا من العلوم".
وقال التقيُّ الفاسيُّ: "سَمِعَ على البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي كتاب "مناقب الإمام أحمد" لأبي الفرج بن الجوزي بسماعه منه، وعلى أبي عبد اللَّه الحسين بن المبارك بن الزَّبِيدي البغدادي "صحيح البخاري"، وكان أَجَلَّ مَن رواه عنه، وسمع على أبي المُنَجَّا عبد اللَّه بن عُمر بن اللَّتِّي "مسند عبد بن حُمَيد"، وكان عارفًا بالحديث، موصوفًا بالحفظ، له مشاركةٌ في الفِقه وغيرِه، مشكورًا عند الناس".
وقال البِرزاليُّ: "كان شيخًا جليلًا، حَسَنَ الوجه، بَهِيَّ المنظر، له سمت حسن، وعليه سكينة، ولديه فضلٌ كثير، يحفظُ كثيرًا من الأحاديث بلَفْظِها، ويفهم معانيها، ويعرف كثيرًا من اللغة، وكان فصيحَ العبارة، حَسَنَ الكلام، وكان له قبولٌ من الناس، وهو كثيرُ التودُّدِ إليهم، قاضٍ للحقوق".
стр. 73
وقال الذهبيُّ: "كان إمامًا مُحدِّثًا، مُتقنًا مُفِيدًا مُفتيًا، خبيرًا باللغة العربية والغريب، غزيرَ الفوائد، كثيرَ التحرِّي فيما يُورِدُه، مُكَرَّمًا بين الملوك والأئمة، مهيبًا، كثير التواضع، حسنَ البِشْر، حُلْوَ المجالسة، يُعطي كُلَّ ذي فضيلةٍ حَقَّه".
وقال أيضًا: "كان ذا عنايةٍ بالغريب والأسماء وضَبْطِها، مُدِيمًا للمطالعة، كثيرَ المحاسن، مُنَوَّر الشيبة، عظيمَ الهَيْبَة".
وقال في آخر "تذكرة الحفاظ": "ولقد انتفعتُ وتَخَرَّجْتُ بشيخنا الإمام العالم المُحَدِّث الحافظ الشهيد أبي الحسين علي ابن الشيخ الفقيه ببَعلَبَك، ولَزِمتُه نيِّفًا وسبعين يومًا، وأكثرتُ عنه، وكان عارفًا بقوانين الرواية، حسنَ الدراية، جَيِّد المشاركة في الألفاظ والرجال، وكان صاحبَ رحلةٍ وأُصولٍ وأجزاءٍ وكُتُبٍ ومحاسن".
وقال ابنُ كثير: "أسمعه أبوه الكثير، واشتغل وتَفَقَّهَ، وكان عابدًا عاملًا، كثيرَ الخشوع … وتأسّف الناس عليه - عند موته - لِعِلْمِه وعَمَلِه، وحِفظِه الأحاديث، وتَوَدُّدِه إلى الناس، وتَوَاضُعِه، وحُسْنِ سمته، ومروءته، تَغَمَّدَه اللَّه برحمتِه".
وقال ابنُ رجب: "حَدَّثَ بالكثير، وسَمِعَ منه خَلْقٌ من الحُفَّاظ والأئمة، وأَكْثَرَ عنه البِرزاليُّ والذهبيُّ بدمشق وبَعلَبَكَّ، وسَمِعنا من جماعةٍ من أصحابه، وقد خرَّجَ له ابنُ أبي الفتح البَعلي النحوي مشيخةً في ثلاثة عشر جُزءًا، والحافظُ الذهبيُّ عوالي، وحَدَّثَ بالجميع".
وقال ابن حجر: "وقَرَأَ "البُخاريَّ" على ابن مالك تصحيحًا، وسَمِعَ منه ابنُ مالكٍ روايةً، وأَمْلَى عليه فوائد مشهورة، وكان عارفًا بكثيرٍ من اللُّغة،
стр. 74
حافظًا لكثيرٍ من المُتُون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخَ بلاده، والرحلة إليه، ودخل دمشق مرارًا وحَدَّث بها، وكان وقورًا مُهابًا، كثيرَ الودّ لأصحابه، فصيحًا، مقبولَ القول والصُّورة".
وقال البِرزاليُّ: "وكان الشيخ الإمام شرف الدَّين اليُونيني قَدِمَ دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعمائة، وأقام مُدَّةً، وحصل الأُنسُ به، والسماعُ عليه، وتَوَجَّه إلى بلده في آخر الشهر، فوصل أول رمضان، فأقام أيامًا، فلمَّا كان يوم الجمعة خامس رمضان المبارك، الرابعة من النهار، دَخَلَ إلى خزانة الكُتُب التي في مسجد الحنابلة … فدَخَل عليه فقيرٌ اسمه موسى، ذكر أنه مصري، وهو غير معروف بالبلد، فضربه بعصًا على رأسه ضربات، ثم أخرج سكّينًا صغيرةً فجَرَحَه في رأسه، فاتَّقَى بيدِه، فجَرَحَه في يده، ففُطن له ومُسِك بعد ذلك، وحُمل إلى متولّي البلد، فضُرب، فصار يُظْهِر من الاختلال وكلام غير منتظم، فلم يبن في ذلك شيئًا، فحُبس بعد الضرب الكثير.
وأمَّا الشيخ شرف الدِّين؛ فإنه حمل إلى داره، وأقبل على أصحابه، وتَحَدَّثَ معهم، وأنشدهم على جاري عوائده، وأَتَمَّ صومَ يومِه، ووصَلَ خبرُ ذلك إلى دمشق يوم الأحد سابع الشهر، ثم وصل الخبرُ أنه حَصَلَتْ له حُمّى، واشتَدَّ مرضُه، واحتاج إلى الاحتقان والمداواة.
فلمّا كان يوم الجمعة ثاني عشر رمضان وَصَلَتْ بطاقةٌ بوفاته، وأنَّ الوفاة كانت يوم الخميس في الساعة الثامنة من النهار، ودُفِنَ بباب سَطحا في اليوم المذكور، وصُلّي عليه عقيب الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب - رحمه الله تعالى -.
стр. 75
وتَأَسَّفَ الناسُ عليه، وعَرَفُوا له هذه الكرامة؛ وهي موتُه شهيدًا في رمضان ليلة الجمعة عقيب رجوعه من دمشق، وإفادته الناس، وإسماعه الأحاديث النبوية".
نسخة اليونيني من أعظم أصول هذا الكتاب، وهي أحد الأعمدة الأساسية في ضبطه:
تعد نسخة الإمام الحافظ محدث الشام شرف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد بن عبد اللَّه بن عيسى اليونيني، البعلبكي الحنبلي (ت: ٧٠١ هـ)، من أحسن النسخ وأدقها؛ قال الذهبي: "استنسخ "صحيح البخاري"، وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة وأسمعه إحدى عشرة مرة". وقد ضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العِزي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرٍّ الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم بن عساكر، وبأصل ابن السمعاني المسموع على أبي الوقت، وذلك بحضرة الإمام الأديب النحوي جمال الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن مالك الطَّائيَّ الجيَّانيَّ الشَّافعيَّ (ت ٦٧٢ هـ)، صاحب "الألفية" في النحو.
وقد حرر الإمام اليونيني نسخته أحسن تحرير،، فجمع كل الاختلافات الواردة في روايات "صحيح البخاري"، وأبان الفروق بينها، وكان ابن مالك حضر المقابلة، وكان إذا مرِّ بلفظ يتراءى له أنه مخالف لقوانين العربية؛ قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها، شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه - ويأتي بالتفصيل عند الكلام عن طريقة تصنيف الأصل اليونيني - فكانت نسخته من أصح نسخ "صحيح البخاري"، وأجمعها للروايات؛ فنالت قبول العلماء والمحققين.
следующие страницы →