Полный текст (4 719 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأصل اليونيني
ترجمة صاحب النسخة الحافظ شرف الدين اليُونيني (١) (٦٢١ - ٧٠١ هـ):
هو: الإمام العلامة، المحدِّث المُتقِن، شيخ العلماء، بقية السَّلَف، شرف الدِّين أبو الحسين عليّ ابن الشيخ الفقيه أبي عبد اللَّه محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد اللَّه ابن عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد، اليُونيني، البَعْلَبَكّي، الحنبلي.
وُلِدَ في حادي عشر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة بِبَعلَبَك.
وحضر بها عدة أجزاء على البهاء عبد الرحمن المقدسي، وسَمِعَ بها من عبد الواحد بن أبي المضاء، والإربلي، وابن رَواحة، ووالده الشيخ الفقيه، وغيرهم.
_________
(١) مصادر ترجمته: البرزاليُّ في "المقتفى" (٢/ ٥٥)، والذهبيُّ في "معجم الشيوخ" (٢/ ٤٠) ترجمة (٥٤٢)، و"المعجم المختص" (ص ١٦٨) ترجمة (٢٠٧)، و"ذيل العبر" (٤/ ٤)، و"المعين" (ص ٢٢٥)، و"المقتنى" (١/ ١٨٨)، و"تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٥٠٠)، وابنُ كثير في "البداية والنهاية" (١٤/ ٢١)، وابنُ رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" (٢/ ٣٤٥)، والتقيُّ الفاسيُّ في "ذيل التقييد" (٣/ ١٧٢) ترجمة (١٤٥٨)، وابنُ حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٩٨)، وابنُ تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (٨/ ١٩٨)، و"الدليل الشافي" (١/ ٤٧٦)، وابنُ مفلح في "المقصد الأرشد" (٢/ ٢٥٩) ترجمة (٧٥٩)، والسيوطيُّ في "طبقات الحُفَّاظ" (ص ٥١٦)، وابنُ العماد في "شذرات الذهب" (٦/ ٣)، والزَّبِيديُّ في "تاج العروس" (٩/ ٣٧٣).
واليُونِيني: نِسبة إلى قرية من قرى بَعلَبَكّ اسمها: "يُونِين"، بضم الياء وكسر النون الأولى، وسمَّاها ياقوت في "معجم البلدان" (٥/ ٤٥٣)، والفيروزابادي في "القاموس": "يُونَان"، بضم الياء وفتح النون الأولى، وقال الزَّبِيديُّ في "تاج العروس" (٩/ ٣٧٣): "ويُقال فيها: يُونِين أيضًا، وهو المعروف".
стр. 72
وتدرج إلى دمشق، وسمع بها من الإمام العالم الثقة الحسين بن أبي بكر بن الزَّبيدي، وأبي المنجا بن اللَّتِّي، وأبي صادق بن صَبَّاح، وجعفر الْهَمداني، ومُكرَم بن محمد بن حمزة بن أبي الصَّقْر، وابن الشِّيرازي، وغيرهم.
وارتحل سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى مصر؛ لطلب العلم والحديث، فَسَمِعَ بها من ابن الجُمَّيزِي، وابن رَواج، والسَّاوي، وغيرهم.
ولازَم الحافظ زكي الدين عبد العظيم المُنذِري، وتخرج به، وعُنِيَ بعلم الحديث، وارتحل إلى مصر خمس مرات، واستنسخ "صحيح البخاري"، واعتنى بأمره كثيرًا.
قال الحافظُ الذهبيُّ: "حدثني أنه قَابَلَه في سنةٍ واحدةٍ وأسمعه إحدى عشرة مرَّة، وقرأ بنفسه، وكَتَبَ بخطّه كثيرًا، وتَفَقَّه، وأفتى ودَرَّسَ، وعُني باللغة، وحَصَّلَ أطرافًا من العلوم".
وقال التقيُّ الفاسيُّ: "سَمِعَ على البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي كتاب "مناقب الإمام أحمد" لأبي الفرج بن الجوزي بسماعه منه، وعلى أبي عبد اللَّه الحسين بن المبارك بن الزَّبِيدي البغدادي "صحيح البخاري"، وكان أَجَلَّ مَن رواه عنه، وسمع على أبي المُنَجَّا عبد اللَّه بن عُمر بن اللَّتِّي "مسند عبد بن حُمَيد"، وكان عارفًا بالحديث، موصوفًا بالحفظ، له مشاركةٌ في الفِقه وغيرِه، مشكورًا عند الناس".
وقال البِرزاليُّ: "كان شيخًا جليلًا، حَسَنَ الوجه، بَهِيَّ المنظر، له سمت حسن، وعليه سكينة، ولديه فضلٌ كثير، يحفظُ كثيرًا من الأحاديث بلَفْظِها، ويفهم معانيها، ويعرف كثيرًا من اللغة، وكان فصيحَ العبارة، حَسَنَ الكلام، وكان له قبولٌ من الناس، وهو كثيرُ التودُّدِ إليهم، قاضٍ للحقوق".
стр. 73
وقال الذهبيُّ: "كان إمامًا مُحدِّثًا، مُتقنًا مُفِيدًا مُفتيًا، خبيرًا باللغة العربية والغريب، غزيرَ الفوائد، كثيرَ التحرِّي فيما يُورِدُه، مُكَرَّمًا بين الملوك والأئمة، مهيبًا، كثير التواضع، حسنَ البِشْر، حُلْوَ المجالسة، يُعطي كُلَّ ذي فضيلةٍ حَقَّه".
وقال أيضًا: "كان ذا عنايةٍ بالغريب والأسماء وضَبْطِها، مُدِيمًا للمطالعة، كثيرَ المحاسن، مُنَوَّر الشيبة، عظيمَ الهَيْبَة".
وقال في آخر "تذكرة الحفاظ": "ولقد انتفعتُ وتَخَرَّجْتُ بشيخنا الإمام العالم المُحَدِّث الحافظ الشهيد أبي الحسين علي ابن الشيخ الفقيه ببَعلَبَك، ولَزِمتُه نيِّفًا وسبعين يومًا، وأكثرتُ عنه، وكان عارفًا بقوانين الرواية، حسنَ الدراية، جَيِّد المشاركة في الألفاظ والرجال، وكان صاحبَ رحلةٍ وأُصولٍ وأجزاءٍ وكُتُبٍ ومحاسن".
وقال ابنُ كثير: "أسمعه أبوه الكثير، واشتغل وتَفَقَّهَ، وكان عابدًا عاملًا، كثيرَ الخشوع … وتأسّف الناس عليه - عند موته - لِعِلْمِه وعَمَلِه، وحِفظِه الأحاديث، وتَوَدُّدِه إلى الناس، وتَوَاضُعِه، وحُسْنِ سمته، ومروءته، تَغَمَّدَه اللَّه برحمتِه".
وقال ابنُ رجب: "حَدَّثَ بالكثير، وسَمِعَ منه خَلْقٌ من الحُفَّاظ والأئمة، وأَكْثَرَ عنه البِرزاليُّ والذهبيُّ بدمشق وبَعلَبَكَّ، وسَمِعنا من جماعةٍ من أصحابه، وقد خرَّجَ له ابنُ أبي الفتح البَعلي النحوي مشيخةً في ثلاثة عشر جُزءًا، والحافظُ الذهبيُّ عوالي، وحَدَّثَ بالجميع".
وقال ابن حجر: "وقَرَأَ "البُخاريَّ" على ابن مالك تصحيحًا، وسَمِعَ منه ابنُ مالكٍ روايةً، وأَمْلَى عليه فوائد مشهورة، وكان عارفًا بكثيرٍ من اللُّغة،
стр. 74
حافظًا لكثيرٍ من المُتُون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخَ بلاده، والرحلة إليه، ودخل دمشق مرارًا وحَدَّث بها، وكان وقورًا مُهابًا، كثيرَ الودّ لأصحابه، فصيحًا، مقبولَ القول والصُّورة".
وقال البِرزاليُّ: "وكان الشيخ الإمام شرف الدَّين اليُونيني قَدِمَ دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعمائة، وأقام مُدَّةً، وحصل الأُنسُ به، والسماعُ عليه، وتَوَجَّه إلى بلده في آخر الشهر، فوصل أول رمضان، فأقام أيامًا، فلمَّا كان يوم الجمعة خامس رمضان المبارك، الرابعة من النهار، دَخَلَ إلى خزانة الكُتُب التي في مسجد الحنابلة … فدَخَل عليه فقيرٌ اسمه موسى، ذكر أنه مصري، وهو غير معروف بالبلد، فضربه بعصًا على رأسه ضربات، ثم أخرج سكّينًا صغيرةً فجَرَحَه في رأسه، فاتَّقَى بيدِه، فجَرَحَه في يده، ففُطن له ومُسِك بعد ذلك، وحُمل إلى متولّي البلد، فضُرب، فصار يُظْهِر من الاختلال وكلام غير منتظم، فلم يبن في ذلك شيئًا، فحُبس بعد الضرب الكثير.
وأمَّا الشيخ شرف الدِّين؛ فإنه حمل إلى داره، وأقبل على أصحابه، وتَحَدَّثَ معهم، وأنشدهم على جاري عوائده، وأَتَمَّ صومَ يومِه، ووصَلَ خبرُ ذلك إلى دمشق يوم الأحد سابع الشهر، ثم وصل الخبرُ أنه حَصَلَتْ له حُمّى، واشتَدَّ مرضُه، واحتاج إلى الاحتقان والمداواة.
فلمّا كان يوم الجمعة ثاني عشر رمضان وَصَلَتْ بطاقةٌ بوفاته، وأنَّ الوفاة كانت يوم الخميس في الساعة الثامنة من النهار، ودُفِنَ بباب سَطحا في اليوم المذكور، وصُلّي عليه عقيب الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب - رحمه الله تعالى -.
стр. 75
وتَأَسَّفَ الناسُ عليه، وعَرَفُوا له هذه الكرامة؛ وهي موتُه شهيدًا في رمضان ليلة الجمعة عقيب رجوعه من دمشق، وإفادته الناس، وإسماعه الأحاديث النبوية".
نسخة اليونيني من أعظم أصول هذا الكتاب، وهي أحد الأعمدة الأساسية في ضبطه:
تعد نسخة الإمام الحافظ محدث الشام شرف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد بن عبد اللَّه بن عيسى اليونيني، البعلبكي الحنبلي (ت: ٧٠١ هـ)، من أحسن النسخ وأدقها؛ قال الذهبي: "استنسخ "صحيح البخاري"، وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة وأسمعه إحدى عشرة مرة". وقد ضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العِزي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرٍّ الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم بن عساكر، وبأصل ابن السمعاني المسموع على أبي الوقت، وذلك بحضرة الإمام الأديب النحوي جمال الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن مالك الطَّائيَّ الجيَّانيَّ الشَّافعيَّ (ت ٦٧٢ هـ)، صاحب "الألفية" في النحو.
وقد حرر الإمام اليونيني نسخته أحسن تحرير،، فجمع كل الاختلافات الواردة في روايات "صحيح البخاري"، وأبان الفروق بينها، وكان ابن مالك حضر المقابلة، وكان إذا مرِّ بلفظ يتراءى له أنه مخالف لقوانين العربية؛ قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها، شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه - ويأتي بالتفصيل عند الكلام عن طريقة تصنيف الأصل اليونيني - فكانت نسخته من أصح نسخ "صحيح البخاري"، وأجمعها للروايات؛ فنالت قبول العلماء والمحققين.
стр. 76
قال العلامة أحمد شاكر ﵀: "النسخة اليونينية هي أعظم أصل يوثق به في "صحيح البخاري"، وهي التي جعلها العلامة القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) عمدته في تحقيق متن الكتاب، وضبطه حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمى "إرشاد الساري"، وهو شرح معروف مشهور بين أهل العلم" (١). اهـ.
وقال العلامة الحافظ شهاب الدين القسطلاني - رحمه الله تعالى -: "وقد اعتنى الحافظ شرف الدين أبو الحُسين علي ابن شيخ الشام تقي الدِّين محمد بن أبي الحُسين أحمد بن عبد اللَّه اليُونيني الحنبلي - رحمه الله تعالى - بضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقَابَلَ أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسُوَيْقة العِزِّي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، الذي قيل فيما رأيتُه بظاهر بعض نسخ "البخاري" الموثوق بها، وقف مقرها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة: إنَّ آقبغا بَذل فيه نحو عشرة آلاف دينار، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك".
وقال: "فاللَّه تعالى يُثِيبُه على قَصْدِه، ويجزل له من المكرمات جوائزَ رفدِه، فلقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حَرَّرَ وأَحْكَم" (٢).
ولقد عَوَّلَ الناسُ عليه في روايات "الجامع"؛ لمزيد اعتنائه وضبطِه، ومقابلته على الأصل المذكور، وكثرة مُمَارَسَتِه له، حتى إنَّ الحافظ شمس الدين الذهبي حَكَى عنه أنه قَابَلَه في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشرة مرّة (٣).
_________
(١) مقدمة الشيخ شاكر على "صحيح البخاري" (ص: ١).
(٢) "إرشاد الساري" (١/ ٤٠).
(٣) انظر: "معجم الشيوخ" (٢/ ٤٠) ترجمة (٥٤٢)، و"المعجم المختص" (ص ١٦٩) ترجمة (٢٠٧).
стр. 77
ولكونه ممَّن وُصِف بالمعرفة الكثيرة، والحفظ التامّ للمُتُونِ والأسانيد؛ كان الجمالُ بن مالك لمّا حضر عند المقابلة المذكورة إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى أنه مُخالِفٌ لقوانين العربية، قال للشَّرَف اليُونيني: هل الروايةُ فيه كذلك؟ فإنْ أجاب بأنه منها شَرَع ابنُ مالك في توجيهها حسب إمكانه، ومِن ثمَّ وَضَعَ كتابَه المُسَمَّى بـ "شواهد التوضيح" (١).
وقال محمد أنور الكشميري: "وأما الآن فينبغي أن يعتمد على نسخة القسطلاني؛ لأنه اعتمد على نسخة الحافظ شرف الدين اليونيني جهبذة زمانه، وحافظ أوانه؛ لأن السلطان أراد أن يعرب البخاري، وجمع له أفاضل عصره، فجاء اليونيني فصحح متون الأحاديث، وابن مالك صاحب "الألفية" فأعربها".
قال القسطلاني: "فوجدت النصف الأول من نسخة اليونيني، فاعتمدت عليه في شرحي، ولم أجد النصف الآخر حتى وجدته أيضًا بعد ثلاثين سنة، فاعتمدت عليه في النصف الآخر" (٢). اهـ.
فعلماء المسلمين قديمًا قد عرفوا التحقيق، لا سيما عند توثيق النصوص، وخاصة النصوص الشرعية، فقد كان لهم مناهج يتبعونها عند ذلك.
يقول الدكتور شوقي ضيف مؤكدًا هذه الحقيقة: "لقد كانوا يعرفون كل القواعد العلمية التي نتبعها في إخراج كتاب، لا من حيث رموز المخطوطات فحسب، بل أيضًا من حيث اختيار أوثق النسخ لاستخلاص أدق صورة للنص،
_________
(١) اسمه كاملًا: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح"، وهو مطبوع بتحقيق أ. محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر دار العروبة.
(٢) "إرشاد الساري" (١/ ٤١).
стр. 78
ولعل خير ما يمثل عملهم في هذا الجانب إخراج اليونيني حافظ دمشق المشهور في القرن السابع الهجري لـ "صحيح البخاري"" (١).
ولم يكن الأصل اليونيني هو أول معالم هذا المنهج، بل سبقه إلى ذلك عدة أصول؛ منها الأصل الشهير للحافظ أبي ذر الهروي، فقد سلك نفس المنهج، ولعله يكون أول من أصَّل له، وعلى منواله سار كل من جاء بعده.
قال ابن رشيد في وصف كيفية كتاب أبي ذر: "قرأت بخط أبي بكر بن خير، وأنا به جد خبير، مما نقله من خط الشيخ الراوية أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور ﵀: أبو ذر عن أشياخه الثلاثة: أبي محمد الحمويي، وأبي إسحاق المستملي، وأبي الهيثم الكشميهني، غير أن سواد الكتاب على روايته عن أبي محمد وأبي إسحاق، فإذا انفرد أحدهما أو اختلفا في شيء؛ فعلامة الحمويي: حآ، وعلامة أبي إسحاق الهمزة والسين، فإذا اتفقا وخالفهما أبو الهيثم جعل: صح، على موضع الخلاف، وكتبت رواية أبي الهيثم في الحاشية، وعلامته: ها، وكذلك علامته فيما ينفرد به" (٢).
اعتماد الحافظ ابن حجر على الأصل اليونيني:
ففي "فتح الباري": "قوله: (إنما يجرجر) بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء، من الجرجرة، وهو: صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، نحو صوت اللجام في فك الفرس.
_________
(١) "البحث الأدبي" (ص: ١٨٥ - ١٨٦).
(٢) "إفادة النصيح" (ص: ٤٥).
стр. 79
قال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر، وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المذهب حكى فتحها.
وحكى ابن الفركاح عن والده أنه قال: روي يجرجر على البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوزه ابن مالك في "شواهد التوضيح"، نعم، رد ذلك ابن أبي الفتح تلميذه؛ فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا المتن: لقد كثر بحثي على أن أرى أحدًا رواه مبنيًّا للمفعول، فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية، وسألت أبا الحسين اليونيني فقال: ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذري إلا مبنيًّا للفاعل. قال: ويبعد اتفاق الحفاظ قديمًا وحديثًا على ترك رواية ثابتة. قال: وأيضًا فإسناده إلى الفاعل هو الأصل، وإسناده إلى المفعول فرع، فلا يصار إليه بغير حاجة" (١).
وقال أيضا: "قلت: لم يبين أبو علي الجياني من هو أحمد هذا، ووقع في كتاب خلف الواسطي في الأطراف: وأفهمني بعضه أحمد بن يونس. وبهذا جزم الدمياطي، وقال ابن عساكر والمزي: إنه وهم. قلت: ورأيته في نسخة الحافظ أبي الحسين اليونيني، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له، إلا رواية واحدة؛ فإنه كتب عليها علامة (ق)، ونسبه فقال: أحمد بن يونس" (٢).
واعتماد الحافظ لهذه النسخة، وذلك بالرجوع إليها؛ يؤكد أنها جديرة بالمكانة التي احتلتها بين أصول كتاب "صحيح البخاري".
_________
(١) "فتح الباري" (١٠/ ٩٧).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٢٤).
стр. 80
طريقة تصنيف الأصل اليونيني:
من خلال ما كتبه الإمام اليونيني كمقدمة لروايته، والكتابات والسماعات المرقومة على الأصل، يلاحظ أنه - كما هي عادة الأصول الصحيحة والروايات المتقنة - قد زين بخطوط العلماء، وإثبات السماعات والتصحيح، وكثير من مظاهر الضبط.
فهناك كتابات بخط الإمام ابن مالك الجياني، سجل بها تصحيح السماع عند نهايته، كما نجد كتابات أخرى بخط صاحب الأصل الشرف اليونيني.
وكان قد استنسخ أصله من "صحيح البخاري" في مجلدين، واهتبل به كثيرًا، حتى إنه في سنة واحدة قابله وأسمعه إحدى عشرة مرة، كما حكاه الذهبي في "معجم الشيوخ" (١).
وهو في مقابلة أصله هذا قد اعتنى بضبط روايات "الجامع الصحيح" وقارن بينها، وصححها، معتمدًا في ذلك على أربعة أصول رئيسية (٢):
١ - أصل مسموع على أبي ذر الهروي، من طريق أبي العباس أحمد بن الحطيئة، الفاسي الأصل، ثم المصري، وهذا أصل عظيم وصفه الإمام شرف الدين اليونيني بقوله: "وهي نسخة صحيحة معتنى بها، حجة" (٣). ونقل عن شيخه أبي إسحاق بن الأزهر الصريفيني قوله: "هذه النسخة من "صحيح البخاري" مفزع يلجأ إليها؛ لصحتها وإتقانها" (٤).
_________
(١) (٢/ ٤٠).
(٢) نقلًا عن "إرشاد الساري" (١/ ٤٠)، ومقدمة الإمام اليونيني لروايته نقلًا عن الفرع المنتسخ بواسطة محمد بن الحسن بن علي البدراني (ق ٣، ٤).
(٣) مقدمة اليونيني على "الصحيح" فرع البدراني (ق ٣ ب).
(٤) المصدر السابق.
стр. 81
وقد عثر على عدة أجزاء من هذا الأصل.
٢ - أصل مسموع على أبي محمد الأصيلي، وعليه حواشٍ بخط الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد اللَّه النمري القرطبي ابن عبد البر.
قال الإمام شرف الدين اليونيني: "وأما الأصل المعزو إلى الأصيلي، فإنه وقف في مدرسة شيخنا: الحافظ ضياء الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي … وهو أصل صحيح تظهر عليه مخايل النباهة والصحة" (١).
٣ - أصل سماع أبي القاسم بن عساكر علي بن الحسين الدمشقي مؤرخ الشام، فهو أصل سماع، وقد سمع عليه غير مرة، وينقصه الجزءان: الثالث عشر، والثالث والثلاثون.
٤ - أصل معزو إلى الحافظ أبي سعد السمعاني، فإنه أصل أصيل، وهو أحد أصول سماعات دمشق، مسموع على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، ثم الهروي.
هذا بالإضافة إلى أصل سماعه المأخوذ بالإسناد بقراءة والده، والحافظ الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني بن علي بن سرور، وقرأه الإمام العالم شرف الدين أبو محمد الحسن بن عبد اللَّه بن عبد الغني، والإمام العالم المحدث أبو العباس أحمد بن عيسى بن الإمام العلامة موفق الدين بن قدامة المقدسيين، عن الشيخ الثقة الصدوق الصالح أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي، عن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، عن الحموي، عن الفربري.
_________
(١) المصدر السابق.
стр. 82
وبالإضافة أيضًا إلى رواية أبي ذر من طريق أبي جعفر الهمداني، إجازة عن الحافظ أبي طاهر السلفي، إجازة عن الإمام أبي الفضل عياض: أخبرني القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الصدفي، عن القاضي أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر.
قال العلامة القسطلاني ﵀: "وقد اعتنى الحافظ شرف الدين أبو الحسين عليّ بن شيخ الإسلام ومحدّث الشام تقي الدين بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد اللَّه اليونيني الحنبلي - رحمه الله تعالى - بضبط رواية "الجامع الصحيح"، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العِزي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، الذي قيل فيما رأيته بظاهر بعض نسخ البخاري الموثوق بها، وقف مقرها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة: إن آقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينار، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
وهو في جزأين - فقد الأوّل منهما - بأصل مسموع على الحافظ أبي ذر الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وهو أصل من أصول مسموعاته في وقف خانقاه السميساطي بقراءة الحافظ أبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، بحضرة سيبويه وقته الإمام جمال الدين بن مالك بدمشق سنة ست وسبعين وستمائة، مع حضور أصلي سماعي الحافظ أبي محمد المقدسي وقف السميساطي، وقد بالغ ﵀ في ضبط ألفاظ "الصحيح" جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدل على مراده، فعلامة أبي ذر الهروي (هـ)، والأصيلي (ص)، وابن عساكر الدمشقي (ش)، وأبي الوقت (ظ)، ولمشايخ أبي ذر الثلاثة الحموي (ح)، والمستملي (ست)، والكشميهني (هـ).
стр. 83
فما كان من ذلك بالحمرة فهو ثابت في النسخة التي قرأها الحافظ عبد الغني المقدسي على الحافظ أبي عبد اللَّه الأرتاحي بحق إجازته من أبي الحسين الفرّاء الموصلي، عن كريمة، عن الكشميهني، وفي نسخة أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وقف جامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر.
وله رقوم أخرى لم أجد ما يدل عليها وهي (عط ق ج صع)؛ ولعل الجيم للجرجاني، والعين لابن السمعاني، والقاف لأبي الوقت. فإن اجتمع ابن حمويه والكشميهني فرقمهما هكذا (حهـ)، والمستملي والحموي فرقمهما (حسـ) هكذا.
وإن اتفق الأربعة الرواة عنهم رقم لهم: (هـ ص ش ظ)، وما سقط عند الأربعة زاد معها (لا)، وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير (لا).
مثاله: أنه وقع في أصل سماعه في حديث بدء الوحي: "جمعه لك في صدرك"، ووقع عند الأربعة: "جمعه لك صدرك" بإسقاط: "في"، فيرقم على "في": (لا)، ويرقم فوقها إلى جانبها: (هـ ص ش ظ)، هذا إن وقع الاتفاق على سقوطها. فإن كانت عندهم وليست عند الباقين، رقم رسمه وترك رسمهم، وكذا إن لم تكن عند واحد، وكانت عند الباقين، كتب عليها (لا)، ورقم فوقها الحرف المصطلح عليه. وما صح عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذر الثلاثة رقم عليه (هـ)، وفوقها صح، وإن وافق أحد مشايخه وضعه فوقه.
فاللَّه تعالى يثيبه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حرر وأحكم، ولقد عوّل الناس عليه في روايات الجامع؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة،
стр. 84
ولكونه ممن وصف بالمعرفة الكثيرة، والحفظ التام للمتون والأسانيد" (١).
وقال: "وقد بالغ الإمام اليونيني في المقابلة على هذه الأصول، وضبط ألفاظ "الصحيح"، فكان ذلك تحت نظر الإمام الشهير: محمد بن عبد اللَّه الطائي الجياني نزيل دمشق المعروف بابن مالك، ومحضر جماعة من فضلاء المحدثين والحفاظ، وهم بدورهم ناظرون في نسخ معتمدة من "الجامع الصحيح"، حتى إذا مر بهم من التعابير ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية قال للشرف اليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها، شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، وما اختاره ورجحه وأمر بإصلاحه، بادر شرف الدين اليونيني إلى إصلاحه في أصله وصحح عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة، عمل المشار له على ما أشار به ورجحه، وهكذا حتى كملت المعارضة والتصحيح عند المجلس الحادي والسبعين، وبهذه المناسبة وضع ابن مالك تعليقه: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" (٢) " (١).
وفي نهاية المقابلة كتب ابن مالك - بخطه - تصحيح السماع، وأثبته بحاشية ظاهر الورقة الأولى من التصنيف الثاني في نسخة اليونيني، وهذا نصه: "سمعت ما تضمنه هذا المجلد من صحيح البخاري ﵁، بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ﵁ وعن سلفه.
_________
(١) "إرشاد الساري" (١/ ٤٠).
(٢) نشر بالهند ببلده إله أباد عام ١٣١٩ هـ، وأعيد نشره بالقاهرة في مطبعة لجنة البيان العربي عام ١٣٧٩ هـ.
стр. 85
وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما مر بهم لفظ ذو إشكال، بينت فيه الصواب، وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربية.
وما افتقر إلى بسط عبارة، وإقامة دلالة، أخرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام، مما يحتاج إليه من نظير وشاهد؛ ليكون الانتفاع به عامًّا والبيان تامًّا، إن شاء اللَّه تعالى.
وكتب محمد بن عبد اللَّه بن مالك حامدًا للَّه تعالى" (١).
وقد دون السماع على أول المجلد الأخير من أصل اليونيني، وبالإضافة إلى هذا كتب الشرف اليونيني - نهاية نفس المجلد - ما يلي:
"بلغت مقابلة وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا، شيخ الإسلام، حجة العرب، ملك أزمة الأدب، الإمام العلامة، أبي عبد اللَّه بن مالك الطائي الجياني، أمد اللَّه تعالى عمره، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يراعي قراءتي، ويلاحظ نطقي، فما اختاره ورجحه وأمر بإصلاحه أصلحته، وصححت عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة، فأعلمت ذلك على ما أمر ورجح.
وأنا أقابل بأصل أبي ذر، والحافظ محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي، ما خلا الجزء الثالث عشر والثالث والثلاثين؛ فإنهما معدومان، وبأصل مسموع على الشيخ أبي الوقت، بقراءة أبي منصور السمعاني وغيره من الحفاظ، وهو وقف بخانقاه السميساطي.
_________
(١) "إرشاد الساري" (١/ ٤١).
стр. 86
فعلامة ما وافقت أبا ذر: هـ، والأصيلي: ص، والدمشقي (ابن عساكر): ش (١)، وأبا الوقت: ظ (٢).
فليعلم ذلك، وذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة؛ لتعلم الرموز. كتبه علي بن محمد الهاشمي اليونيني عفا اللَّه عنه" (٣).
هذا هو النص الذي نقله القسطلاني، مما وجده على المجلد الثاني من أصل الإمام اليونيني.
ولم يقصد الإمام اليونيني أن يرجح بهذه المقابلة بين الروايات المختلفة، ويخرج منها بصورة مختارة - في نظره - "لصحيح البخاري"، فهذا ليس مسلكًا علميًّا، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد؛ تيسيرًا لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان.
وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ؛ حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله.
وعلى هذا فقد ضمنت النسخة اليونينية عدم خلط الروايات بعضها ببعض، والمحافظة على فروق نسخ الأئمة دون أدنى تغيير.
_________
(١) كذا ذكر القسطلاني، بيد أن اليونيني قد نص على أنه رمز لابن عساكر بالرمز: (س).
(٢) نص اليونيني في مقدمة روايته أن (الظاء) للأصل المسموع على أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني، وهذا لحفظه وإتقانه وتقدمه على أقرانه، وهو أصل مسموع على أبي الوقت.
(٣) "إرشاد الساري" (١/ ٤١).
стр. 87
وهذه الطريقة التي اتبعها الإمام اليونيني في انتساخ وتحقيق هذا الأصل أكسبته ثقة العلماء، مما جعلهم يتخذون من كتابه مرجعًا أساسيًّا في قضايا التحقيق، خاصة فيما يتصل بـ "صحيح البخاري"، كما سبق النقل عن الحافظ ابن حجر ﵁.
وذكر الخطيب بسنده (١)، عن حماد بن سلمة، أنه كان يحدث وبين يديه عفان وبهز، فجعلا يغيران "النبي" إلى "رسول اللَّه"؛ فقال لهما حماد: أما أنتما فلا تفقهان أبدًا.
ومال ابن دقيق العيد إلى ما جرى عليه الإمام أحمد ﵀؛ فإنه قال في "الاقتراح": "والذي نميل إليه أن تتبع الأصول والروايات؛ فإن العمدة في هذا الباب هو أن يكون الإخبار مطابقًا لما في الواقع، فإذا دل اللفظ على أن الرواية هكذا ولم يكن الأمر كذلك؛ لم تكن الرواية مطابقة لما في الواقع، ولهذا أقول: إذا ذكرت الصلاة لفظا من غير أن تكون في الأصل؛ فينبغي أن تصحبها قرينة تدل على ذلك، مثل كونه يرفع رأسه عن النظر في الكتاب بعد أن كان يقرأ فيه، وينوي بقلبه أنه هو المصلي، لا حاكيا عن غيره" (٢).
قال الحافظ السخاوي: "وعلى هذا فمن كتبها - أي: ﷺ ولم تكن في الرواية؛ فينبغي له أن ينبه على ذلك، وعليه جرى الإمام الحافظ شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد اليونيني في نسخة "صحيح البخاري"، التي جمع فيها بين الروايات؛ فإنه يشير بالرمز إليها إثباتًا ونفيًا" (٣).
_________
(١) "الكفاية" (ص: ٢٤٤).
(٢) "الاقتراح في فن الاصطلاح" (١/ ٢٣).
(٣) "فتح المغيث" (٢/ ١٨٢)، وانظر: "توجيه النظر إلى أصول الأثر" (٢/ ٧٧٧).
стр. 88
التعريف بأصحاب الأصول التي اعتمد عليها الإمام اليونيني
أولًا: الحافظ أبو ذر الهروي:
قد سبق التعريف به، وبروايته.
ثانيًا: الحافظ أبو محمد الأصيلي:
هو: عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد الأصيلي، من أهل أصيلة من بلاد الأندلس.
قال الشيرازي: "تفقه بالأندلس وبالقيروان، ودخل مصر والعراق، ثم رجع إلى بلده، وانتهت إليه الرئاسة، صنف كتاب "الآثار والدلائل" في الخلاف" (١).
وقال ياقوت الحموي: "محدث متقن فاضل معتبر، تفقه بالأندلس فانتهت إليه الرئاسة، وصنف كتاب "الآثار والدلائل" في الخلاف" (٢).
وقال: "وقرأ عليه الناس كتاب البخاري رواية أبي زيد المروزي، وغير ذلك، وكان … منسوبا إلى معرفة الحديث" (٣).
وقال القاضي عياض: "قال الدارقطني: حدثني أبو محمد الأصيلي، ولم أر مثله". قال عياض: "وكان من حفاظ مذهب مالك، ومن العالمين بالحديث وعلله ورجاله" (٤).
_________
(١) "طبقات الفقهاء" (١/ ١٦٤).
(٢) "معجم البلدان" (١/ ٢١٣).
(٣) المصدر السابق.
(٤) "تاريخ الإسلام" (٢٧/ ٢٦٧).
стр. 89
قال الذهبي: "وكان عالمًا بالحديث والسنة" (١).
وقال: "الإمام، شيخ المالكية، عالم الأندلس" (٢).
وقال: "الأصيلي الحافظ الثبت العلامة" (٣). وقال: "وأتقن أخذ "الصحيح" عن أبي زيد المروزي، مات بالأندلس سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة".
وقال المقريزي: "وكان من أعلم الناس بالحديث، وأنقدهم له، وأبصرهم بعلله ورجاله، وكان يحض أصحابه على طلب الحديث واكتتابه، ولا يرى أن من خلا من علمه فقيه على حال" (٤).
ثالثًا: الحافظ أبو سعد السمعاني:
هو: عبد الكريم بن محمد بن منصور أبو سعد بن أبي بكر بن أبي المظفر التميمي المروزي السمعاني الفقيه الشافعي الحافظ، صاحب كتاب "الأنساب" المشهور.
قال أبو عبد اللَّه بن النجار: "سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف … حافظًا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقًا، دينًا، جميل السيرة، سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدثنا عنه جماعة من أهل خراسان، وبغداد" (٥).
_________
(١) المصدر السابق.
(٢) "سير النبلاء" (١٦/ ٥٦٠).
(٣) "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٥٢).
(٤) "المقفى" (٤/ ٤٤١).
(٥) "تاريخ الإسلام" (٣٩/ ١٢١).
стр. 90
وقال ابن قاضي شهبة: "الحافظ الكبير الإمام الشهير، أحد الأعلام من الشافعية والمحدثين" (١).
ووصفه الذهبي في "سير النبلاء" بـ: "الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة محدث خراسان" (٢).
توفي ليلة غرة ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة بمدينة مرو، ودفن بسنجدان مقبرة مرو.
رابعًا: الحافظ أبو القاسم هبة اللّه بن عساكر:
هو: علي بن الحسن بن هبة اللَّه بن عبد اللَّه بن الحسين الحافظ الكبير أبو القاسم ثقة الدين بن عساكر الدمشقي الشافعي، صاحب "تاريخ دمشق".
وصفه الذهبي بأنه: "أحد الأعلام في الحديث" (٣). وقال: "وصنف التصانيف المفيدة، ولم يكن في زمانه أحفظ ولا أعرف بالرجال منه، ومن تصفح تاريخه علم قدر الرحلة" (٤).
وقال السبكي: "سمعت أبا الحسين اليونيني، سمعت أبا محمد المنذري الحافظ يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضل الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ؟ فقال: من؟ قلت: الحافظ ابن ناصر، وابن عساكر. فقال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو موسى المديني، وابن عساكر. قال: ابن عساكر. فقلت:
_________
(١) "طبقات الشافعية" (٢/ ١٢).
(٢) (٢٠/ ٤٥٦).
(٣) "تاريخ الإسلام" (٤٠/ ٧٠).
(٤) المصدر السابق (٤٠/ ٧٢).
стр. 91
الحافظ أبو طاهر السلفي، وابن عساكر. فقال: السلفي شيخنا، السلفي شيخنا. قلت: يعني أنه ما أحب أن يصرح بأن ابن عساكر أفضل من السلفي، ولوح بأنه شيخه، ويكفي هذا في الإشارة" (١).
وذكره ابن النجار في "تاريخه" فقال: "إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرئاسة في الإتقان والحفظ والمعرفة التامة والثقة، وبه ختم هذا الشأن" (٢).
وله ترجمة مستفيضة في: "تاريخ الإسلام" (٣) للذهبي، و"طبقات الشافعية الكبرى" (٤) للسبكي.
مميزات النسخة اليونينية:
من خلال ما سبق نستطيع أن نجمل (٥) ما تميزت به هذه النسخة المباركة في الآتي:
١ - كون المعتني بها إمامًا حافظًا، وصف بالدقة والمعرفة الكثيرة، والحفظ التام للمتون والأسانيد.
٢ - جمعها للروايات المعتمدة من الصحيح، وتمييز بعضها عن بعض.
٣ - اعتناء اليونيني وضبطه ومقابلته نسخته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة؛ ولذا عوّل الناس عليه في روايات "الجامع".
_________
(١) المصدر السابق (٤٠/ ٨١)، "طبقات الشافعية الكبرى" (٧/ ٢٢١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) (٤٠/ ٧٠).
(٤) (٧/ ٢١٦)
(٥) وقد أرجأنا التفصيل إلى مقدمة طبعتنا من "صحيح البخاري"، يسر اللَّه إتمامها.
стр. 92
٤ - تداول أهل العلم لهذا الأصل بالانتساخ والسماع والإسماع.
٥ - كثرة الفروع المتقنة، والتي عوض بعضها غياب الأصل.
٦ - ومن المميزات أيضًا الوقوف على أوجه الترجيح بين الروايات المتعارضة، والتي أطلق فيها الحافظ الخلاف، ولم يرجح.
ومثال ذلك:
ما وقع في كتاب اللباس: بابُ الطِّيبِ فِي الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن نَصْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عبد الرَّحْمَنِ بن الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ ما يَجِدُ - (لأبي ذر: نَجِدُ) - حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ.
قال الحافظ ﵀ تعليقًا على ترجمة الباب: "إن كان "باب" بالتنوين، فيكون ظاهر الترجمة الحصر في ذلك، وإن كان بالإضافة فالتقدير: باب حكم الطيب، أو مشروعية الطيب" (١).
لم يجزم الحافظ بأيهما، وأطلق الخلاف، بيد أن المثبت في الطبعة "السلطانية" المأخوذة عن فروع اليونينية (٧/ ٢١٢) وقع هكذا: "بابُ الطيبِ"، بالإضافة، ولم يذكر أي خلاف للمثبت؛ مع تحري هذه الطبعة لنقل الفروق التي جمعها الحافظ اليونيني لنسخ "الصحيح"، وبه يتبين أن الوجه الثاني من كلام الحافظ هو المتعين؛ لما يأتي إن شاء اللَّه.
_________
(١) "فتح الباري" (١٠/ ٣٦٦).
стр. 93
ما فات النسخة اليونينية:
ومع جودة هذه النسخة، وأنها جمعت كل عناصر التفوق والتميز، إلا أنها لا تغني عن عمل أمثال الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه "الصحيح"، وكذا عمل الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري"؛ فقد ذكرا الكثير من أوجه الرواية مما فات هذه النسخة، مع التحرير لكثير من مواضع الخلاف، والتنبيه على أوهام الرواة وأخطاء النساخ، مما لا غنى لعالم أو باحث عنه.
وقد وقفنا على بعض ألفاظٍ نبه عليها الحافظ ابن رجب، اختلفت فيها الروايات مما فات اليونيني؛ مع شدة عنايته بـ "الصحيح"، ورواياته المختلفة.
تنقلات الأصل اليونيني ومكان وجوده:
لقد مر على انتساخ وضبط الأصل اليونيني قرابة ثمانية قرون، وهذه حقبة طويلة يصعب معها الوقوف بدقة على مكان وجوده، وأين استقر؟ في ظل حالة اللامبالاة التي أصابت الأمة في القرون المتأخرة.
ولولا حفظ اللَّه تعالى لهذا الدين وعنايته بهذه الأمة ولطفه بها أن وفق بعض أهل العلم إلى التنبه لأهمية هذا الأصل، فعملوا على انتساخه في فروع متقنة - يأتي الكلام عنها بعد قليل - وإلا لوقعت كارثة بضياعه.
ولم يفت العلماء أيضًا العناية برصد حركة تنقلات هذا الأصل وفروعه على مر العصور، مما سهل على أهل العلم الوصول إليه والاطلاع عليه.
وأول من علمناه فعل ذلك العلامة القسطلاني، فقد ذكر أنها صارت وقفا على خزانة مدرسة آقبغا آص، وحدد موقع هذه المدرسة بأنها بسويقة العزي خارج باب زويلة من القاهرة.
стр. 94
وهذا الوصف ينطبق على المدرسة التي يسميها المقريزي في "خططه" (١) مدرسة ألجائي؛ حيث قال: "هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، ويعرف الآن خطها بخط سويقة العزي، أنشأها الأمير الكبير سيف الدين ألجائي في سنة ثمان وستين وسبعمائة، وجعل بها درسًا للفقهاء الشافعية … ". اهـ.
ثم ضاع المجلد الأول منها وبقي مفقودًا مدة طويلة إلى أن وجد معروضًا للبيع بسوق الكتب القاهرية، فأتي به إلى القسطلاني وهو منهمك في وضع شرحه على "صحيح البخاري"، فاهتبل لذلك وفرح، وأتم معارضته وشرحه عليه.
ثم ضاعت الرواية اليونينية بالمرة فيما ضاع من أحباس المدرسة، إلى أن عثر عليها المحدث المغربي محمد بن سليمان السوسي الروداني المتوفى بدمشق سنة (١٠٩٤ هـ) ﵀، حيث ذكر روايته لهذا الأصل بالإسناد من طريق العلامة ابن غازي، انظر: "صلة الخلف بموصول السلف" (٢).
ومن حوزة العالم المغربي انتقلت إلى ملكية الشيخ محمد أكرم بن محمد الهندي نزيل مكة، وبقيت بيده حتى استعارها منه الشيخ الحافظ عبد اللَّه بن سالم البصري محدث الحجاز؛ لتكون عمدته في نسخته التي كتبها من "صحيح البخاري".
_________
(١) (٤/ ٢٤٩).
(٢) (ص: ٤٥).
стр. 95
ومنذ ذلك التاريخ انقطع ذكر الأصل اليونيني، ولم نعد نعلم أين صار؟ بيد أن محمد المنوني ذكر في "القبس" (١) أن الأصل اليونيني ضمن مخطوطات المكتبة الملكية بالمغرب تحت رقم: (١٠٨٠٢).
والمفهوم من التقرير الذي كتبه شيخ الإسلام الشيخ حسونة النواوي ﵀ شيخ الجامع الأزهر في ٢٠ صفر سن ١٣١٣ هـ، وهو المطبوع في مقدمة الطبعة السلطانية، والتي يفترض نظريًّا أنها أسست على الأصل اليونيني، أن هذا الأصل محفوظ في الخزانة الملوكية بالآستانة العلية، وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر للتصحيح عليه، على يد صاحب السعادة عبد السلام باشا المويلحي؛ قال العلامة أحمد شاكر ﵀: "والذي أرجحه أن هذا الأصل أعيد بعد التصحيح عليه إلى مقره في الخزانة الملوكية بالآستانة العلية". اهـ.
ومما ينبغي أن يتنبه له، ويؤخذ في الاعتبار، أن ظاهر كلام الشيخ حسونة ﵀، الذي تضمنه البيان المصدر به هذه الطبعة، أن الطبع كان على الأصل اليونيني نفسه، بيد أن كلام مصححي الطبعة يدل على أن الطبع كان على فرع من فروعها.
وقد تنبه إلى هذه المفارقة العلامة أحمد شاكر ﵀، بيد أنه لم يستطع الجزم بصحة أحد القولين، حتى يوجد الأصل الذي طبع عليه.
ويأتي - إن شاء اللَّه - تحرير ذلك عند الحديث عن الطبعة السلطانية، وما لها وما عليها.
_________
(١) (١/ ١١٣).
стр. 96
فروع اليونينية
يتبين من العرض السابق أن الأصل اليونيني لا يعرف أين استقر على وجه الدقة؟ ولكن لحسن الحظ أن اللَّه وفق بعض أهل العلم إلى انتساخ هذا الأصل، فكانت عدة فروع غاية في الدقة والإتقان، حتى فاق بعضها الأصل أو كاد، ومن هذه الفروع:
فرع الغزولي:
نسبة إلى الإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد المزي الحريري الغزولي (١).
وقد امتدح هذا الفرع العلامة القسطلاني ﵀ ووصفه بالجلالة، بل لعله فاق أصله.
وهذا كان وقفًا للتنكزية بباب المحرق خارج القاهرة، ومقابل على فرعي وقف مدرسة الحاج مالك، وأصل اليونيني المذكور، غير مرة، بحيث إنه لم يغادر منه شيئًا كما قيل.
قال القسطلاني: "فلهذا اعتمدت في كتابة متن البخاري في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات". اهـ.
وبقي الآن النصف الثاني من هذا الفرع بخزانة دار الكتب المصرية في (١٧٧) ورقة تحت رقم: (فرع الغزولي، فهرس الكتب العربية الموجودة بالكتبخانة
_________
(١) ترجمه المقريزي في "المقفى الكبير" (٧/ ٤٨٨)، ووصفه بـ: "الكاتب الشهير"، وترجمه ابن حجر في "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (١/ ٤٥٢) وقال: "وكان حسن الخط".
стр. 97
الخديوية (١/ ٣٠٢، ٣١٠)، وفيه أيضًا وصف نسخة من "الجامع الصحيح" بها (٢٤) جزءًا من تجزئة ثلاثين، آخرها بخط محمد بن أحمد المزي الحريري، وعليها خط القسطلاني).
وقد كان الفراغ من كتابته بخط الغزولي يوم الثلاثاء ١٢ من جمادى الآخرة عام ٧٣٥ هـ، ويوجد بآخره سماعات العلماء.
الفرع الثاني:
وهو المكتوب بخط الشيخ محمد بن إلياس بن عثمان المتصوف، وانتهى من انتساخه في يوم عشرين من ربيع أول سنة ٧٤٨ هـ (١).
ويمتاز هذا الفرع بتعدد المقابلات والتصحيحات من لدن علماء أجلة.
فقد قابله بالنسخة اليونينية الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الرحمن العسجدي.
ومن بعده قابله مرة ثانية الشيخ أحمد بن علي السبكي، معتمدًا على نسخة صححها تقي الدين السبكي، وعلاء الدين ابن التركماني، ونسخة أخرى صححها جمال الدين المزي، وشمس الدين الذهبي.
الفرع الثالث:
هو الفرع المنتسخ بخط الشيخ الحافظ عبد اللَّه بن سالم البصري المكي الشافعي سنة ١١٣٤ هـ، والذي قضى نحوًا من عشرين سنة في كتابته وتصحيحه،
_________
(١) وهو موجود الآن ضمن محفوظات دار الكتب المصرية، ويشتمل على ثلاثمائة ورقة، وورقة واحدة، ضمن المجموعات: ١/ ١٠١، ١/ ١٠٢، ١/ ١٠٣، ١/ ١٠٣ [١١٠٨]، ١/ ١٠٣ [١١٠٩].
стр. 98
معتمدًا على أصل العلامة اليونيني، وهذا جعله أجل الفروع وأصحها، حتى أصبح أصل الأصول للنسخ الشائعة، كذا ذكر صاحب "الحطة" (١)، عن السيد آزاد في كتابه "تسلية الفؤاد".
مكان وجود هذا الفرع:
قال السيد آزاد في "تسلية الفؤاد": "رأيتها عند مولانا محمد أسعد الحنفي المكي من تلامذة الشيخ تاج الدين المكي ببلد أركات، كان أخذها الشيخ من ولد المصنف بالاشتراء، فقلت للشيخ محمد أسعد: هذه النسخة المباركة حقها أن تكون في الحرمين، ولا ينبغي أن تنقل إلى مواضع أخرى، لا سيما الديار الشاسعة، فقال الشيخ: هذا الكلام حسن، ولكن ما فارقتها لفرط محبتي لها، ثم أرسل الشيخ كتبه من أركات إلى أورنقباد احتياطًا؛ لما رأى من هيجان الفتنة بتلك البلاد، فوصلت النسخ إلى أورنقباد، وهي موجودة بها إلى الآن حفظها اللَّه".
وقال الشيخ عبد الحي الكتاني: "رأيت في المدينة المنورة عند الحكيم المسند الشيخ طاهر سنبل نسخة عبد اللَّه بن سالم البصري بخطه من "الصحيح" ثمانية، وهي نهاية في الصحة والمقابلة والضبط والخط الواضح، وأخبرني أنه أحضرها إلى الآستانة؛ ليصحح عليها النسخة الأميرية التي طبعت هناك من "الصحيح"، وفرقها السلطان عبد الحميد على المساجد والآفاق، وعليها ضبطت، ولا أدري من أين اتصلت بسلفه؟ " (٢). اهـ.
_________
(١) (ص: ٣٥٠).
(٢) "فهرس الفهارس" (١/ ١٩٩).
стр. 99
معنى هذا أن الفرع ظل موجودًا حتى بدايات القرن الماضي؛ تحديدًا في صفر سنة ١٣١٣ هـ، وهو تاريخ صدور الطبعة السلطانية المشار إليها آنفًا.
فرع رابع، وهو الفرع التمكروتي:
وهو الفرع المحفوظ بالخزانة العامة بالرباط رقم: (ق/ ٤٨١).
وهو المنسوب إلى الشيخ أبي العباس أحمد بن الشيخ محمد بن ناصر الدرعي (ت: ١١٢٩ هـ).
فهو الذي جلبه معه من رحلته إلى الحج، عدد أوراقه (٥٢٨ ورقة)، في عشرة أجزاء، وقع الفراغ منه - تجاه الكعبة الشريفة - في يوم الجمعة لسبع خلون من ذي القعدة عام ١١١٧ هـ، على يد كاتبها: إبراهيم المكي بن علي القيصري الحنفي، وهي منقولة من الأصل اليونيني مباشرة، بخط محمد بن عبد المجيد بن زيد، وكتبه هذا في مدة آخرها يوم الأحد ٢٨ رمضان عام ٦٦٩ هـ.
يقول المنوني: "ولا يزال هذا الفرع اليونيني معروفًا، وهو الآن في الخزانة العامة بالرباط رقم: (ق/ ٤٨١)، وعلى الجزء الأول منه بخط أبي العباس بن ناصر: ملك للَّه تعالى بيد أحمد بن ناصر - كان اللَّه له - بمكة المشرفة بثمانين دينارًا ذهبًا" (١).
وقال: وهناك نسخة من هذا الفرع ندب أبو العباس بن ناصر إلى انتساخها، فكتبت بخط مغربي حسن في ثلاثين جزءًا، ووقع الفراغ منه أواسط رجب عام ١١٢٨ هـ، على يد ناسخها: محمد بن محمد بن محمد حجي الفاسي، وهي باقية بخزانة تمكروت بأجزائها الثلاثين، وتحمل رقم: (٩٤٩).
_________
(١) "القبس" (١/ ١١٢).
стр. 100
فرع خامس:
قال المنوني: "ويحتفظ المغرب بمخطوطة يونينية ثالثة بالمكتبة الملكية رقم: (١٠٨٠٢)، وهي بخط شرقي في مجلدين كبيرين؛ الأول: يتخلله بتر كثير، والثاني: مبتور يسيرًا من الآخر".
والغالب أن هذه النسخة كانت ضمن الكتب الحديثية التي استجلبها - من الشرق - السلطان العلوي محمد الثالث.
فرع سادس:
ذكر العلامة أحمد شاكر ﵀ أنه في صفر سنة ١٣٦١ هـ، وقع له النصف الثاني من نسخة من فروع اليونينية في مجلد واحد متوسط الحجم.
وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته في ٢٤ ذي القعدة سنة ١٢١٥ هـ، كتبه كما وصف نفسه: "السيد الحاج محمد الملقب بالصابر بن السيد بلال بن السيد محمد، العينتاني وطنًا".
قال: "ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلًا أمينًا متقنًا متحرِّيًا، لم يدع شيئًا - فيما يبدو لي - مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة؛ من ضبط، واختلاف نسخ، وهوامش علمية نفيسة".
* * *
стр. 101
الطبعة السلطانية
هي التي أمر "أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد ﵀" بطبعها بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة ١٣١١ هـ، وشرعت المطبعة في ذلك تلك السنة، وأتمت طبعها في أوائل الربيعين سنة ١٣١٣ هـ، في تسعة أجزاء.
أسباب اختيار هذه الطبعة:
نص ابن الصلاح ﵀ (١) على أن من أراد الاحتجاج بحديث من "صحيح مسلم" وأشباهه، أن يتلقاه من أصل به مقابل على يدي مقابلين ثقتين، بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة؛ ليحصل له بذلك - مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف - الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول.
ثم لما كان الضبط بالكتب معتمدًا في باب الرواية، فقد تكثر الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة.
قال النووي (٢): "وهذا الذي قاله محمول على الاستحباب والاستظهار، وإلا فلا يشترط تعداد الأصول والروايات؛ فإن الأصل الصحيح المعتمد يكفي وتكفي المقابلة به، واللَّه أعلم". اهـ.
_________
(١) "صيانة صحيح مسلم" (ص: ١١٧).
(٢) "مقدمة صحيح مسلم" (١/ ١٤).
стр. 102
وبمقارنة طبعات هذا الكتاب مع بعضها البعض نجد أن الطبعة السلطانية هي الأقرب في تطبيق المعايير العلمية في علم الضبط والتحقيق، فنجد أن مصححيها اعتمدوا في تصحيحها على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة، من فروع النسخة اليونينية المعول عليها في جميع روايات "صحيح البخاري" (١)، وعلى نسخ أخرى خلافها، شهيرة الصحة والضبط، كما نصوا على ذلك في مقدمة الطبع، بيد أنهم لم يذكروا وصفًا للنسخ التي صححوا عنها غير ذلك.
ولكن المتتبع للنسخة يعلم أنهم كانوا معتمدين أيضًا على شرح العلامة القسطلاني "إرشاد الساري"، وهو من الأهمية بمكان؛ حيث اعتمد فيه على نسخة الحافظ شرف الدين اليونينيَّ جهبذة زمانه، فضلًا عن الفروع المتقنة التي كانت بين يديه.
هذا بالإضافة إلى أنهم ذكروا في آخرها ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخة عبد اللَّه بن سالم البصري، وقد سبق الكلام بالتفصيل عن هذا الأصل، وغيره من الأصول التي اعتمدت في هذه الطبعة.
وأصدر السلطان عبد الحميد أمره إلى مشيخة الأزهر، بأن يتولى قراءة المطبوع - بعد تصحيحه في المطبعة - جمع من أكابر علماء الأزهر الأعلام، الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدم راسخة بين الأنام.
_________
(١) ظاهر الكلام الذي نقلناه عن بيان الشيخ حسونة شيخ الأزهر ﵀، أن الطبع كان عن النسخة اليونينية نفسها، وكلام مصححي الطبعة السلطانية يدل على أن الطبع كان عن فرع من فروعها، ولا نستطيع الجزم بصحة أحدهما حتى يوجد الأصل الذي طبع عنه، وحتى نعرف مصير النسخة اليونينية.
стр. 103
وكان شيخ الأزهر إذ ذاك الشيخ حسونة النواوي ﵀، فجمع ستة عشر عالمًا من الأعلام، على رأسهم الشيخ سليم البشري ﵀، والشيخ حسن العدوي ﵀، وقد ورد ذكرهم في نص بيان الشيخ حسونة المرفق بختام هذه المقدمة، وقابلوا المطبوع على النسخة اليونينية التي أرسلها لهم صاحب الدولة الغازي أحمد مختار باشا، المندوب العالي العثماني في القطر المصري، وكذا تمت المقابلة على بعض الفروع الموثقة التي ربما فاقت الأصل. نقلا عن مقدمة الشيخ شاكر ﵀ بمعناه.
وعلى هذا فقد توفرت لهذه الطبعة كل المقومات العلمية التي تجعل منها أنموذجًا يحتذى به في علم الضبط والتحقيق، وحاشيتها تعد أدق حواشي كتب الحديث المطبوعة على الإطلاق؛ لما تحويه من تتمات للنص، وضبط لاختلافات الروايات تدل على دقة علمائنا، وأنهم الرواد الحقيقيون لعلم ضبط وتحقيق النصوص؛ الذي هو علم إسلامي خالص، بأصوله وفروعه، حيث اقتصر دور الأمم الأخرى على الاقتباس والمحاكاة.
بيد أن البعض قد ضاق ذرعًا بهذه الحواشي؛ لعدم درايته بفقه التعامل معها، مما دفعهم إلى هجران هذه الطبعة، مما قلل من انتشارها وعدم العناية بها، بل ازداد الأمر خطورة؛ إذ أقدم بعض الناشرين على إعادة إصدار هذه الطبعة بعد تجريدها من الحواشي؛ ظنًّا منهم أنها من سقط المتاع، ما ذهب بالكثير من قيمتها.
ومع التسليم بقيمة وأهمية هذه الطبعة، إلا أن الأمر لا ينفك عن بعض الملحوظات التي لا تأثير لها على اعتمادية الطبعة، لكنها ملحوظات يمليها التحقيق العلمي وتيسر للباحث الاستفادة منها، ونفصل الكلام عنها بعد قليل.
стр. 104
مصادر الطبعة السلطانية:
ظاهر كلام الشيخ حسونة ﵀ الذي تضمنه البيان المصدر به هذه الطبعة، أن الطبع كان على الأصل اليونيني نفسه.
بيد أن الظاهر من عمل المصححين أنهم اعتمدوا في تصحيحها على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة من فروع النسخة اليونينية المعول عليها في جميع روايات "صحيح البخاري"، وعلى نسخ أخرى غيرها، شهيرة الصحة والضبط، كما نصوا على ذلك في مقدمة الطبع، بيد أنهم لم يذكروا وصفًا للنسخ التي صححوا عنها غير ذلك.
وقد تنبه إلى هذه المفارقة العلامة أحمد شاكر ﵀، إلا أنه لم يستطع الجزم بصحة أحد القولين، حتى يوجد الأصل الذي طبع عنه.
لكن الذي يرجح أن الاعتماد في إصدار هذه الطبعة إنما كان على بعض فروع الأصل اليونيني، لا على الأصل نفسه؛ ما ذكره الشيخ عبد الحي الكتاني في "فهرسته" قال: "رأيت في المدينة المنورة عند الحكيم المسند الشيخ طاهر سنبل نسخة عبد اللَّه بن سالم البصري بخطه من "الصحيح" ثمانية، وهي نهاية في الصحة والمقابلة والضبط والخط الواضح، وأخبرني أنه أحضرها إلى الآستانة؛ ليصحح عليها النسخة الأميرية التي طبعت هناك من "الصحيح"، وفرقها السلطان عبد الحميد على المساجد والآفاق، وعليها ضبطت، ولا أدري من أين اتصلت بسلفه؟ " (١). واللَّه أعلم.
_________
(١) (١/ ١٩٩).
стр. 105
وذكر صاحب "الحطة" أن هذا الفرع الذي انتسخه الشيخ بيده الشريفة، قد أصبح أصل الأصول للنسخ الشائعة في الآفاق (١).
وقد استفيد من نسخة عبد اللَّه بن سالم (٢) في مقابلة النسخة "السلطانية"، وقد أُشير إلى ذلك في مواضع متعددة من هوامش النسخة المطبوعة، وربما عُبر عنها بالفرع المكي. انظر الطبعة السلطانية: (١/ ١٣، ٢/ ٨١، ٩/ ١١٤، ١٣٥، ١٦٣).
وقال محمد المنوني: "وقد اعتمد في نشرها على الأصل اليونيني المصحح الموجود بالخزانة العثمانية "مكتبة يلدز" بالآستانة، مع الرجوع إلى المنشور - سابقًا - من "الجامع الصحيح"، وإلى مخطوطات أخرى صحيحة؛ منها الفروع الثلاثة الآنفة الذكر، وهي:
فرع الغزولي ويسمى بالفرع التنكزي (٣).
والفرع المصحح على ما صححه المزي والذهبي (٤).
_________
(١) (ص: ٣٥٠).
(٢) فهو الأستاذ الكبير، حافظ البلاد الحجازية، البصري أصلًا، المكي مولدًا ومدفنًا، الشافعي مذهبًا، ولد سنة (١٠٤٨ هـ)، وتوفي سنة (١١٣٤ هـ).
قال الوجيه الأهدل في "النفس اليماني" (ص: ٦٨): "ومن مناقبه تصحيحُه للكتب الستة، حتى صارت نسخته يُرجع إليها من جميعِ الأقطار، ومن أعظمها "صحيح البخاري" الذي وجد فيه ما في اليونينية وزيادة، أخذ في تصحيحه وكتابته نحوًا من عشرين سنة، وجمع "مسند أحمد" بعد أن تفرَّق أيادي سبأ، وصححه، وصارت نسخته أُمَّة".
(٣) انظر الطبعة السلطانية (٣/ ١٦٤).
(٤) انظر الطبعة السلطانية (٤/ ١٩٣).
стр. 106
وفرع عبد اللَّه بن سالم البصري (١).
والمتتبع للنسخة يعلم أنهم كانوا معتمدين أيضًا على شرح العلامة القسطلاني "إرشاد الساري"، وقد ذكروا في آخرها ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخة عبد اللَّه بن سالم البصري" (٢).
ملحوظات حول الطبعة:
مع ما نالته هذه الطبعة من تقدير مستحق في الأوساط العلمية، فقد كان لكبار المحققين أمثال العلامة أحمد شاكر ﵀ وغيره بعض الملحوظات الهامة عليها، وهي جديرة بالتأمل، إلا أن أحدًا من أهل العلم لم يحرك لها ساكنا، والعلامة أحمد شاكر ممن لهم عناية خاصة بكتاب البخاري من خلال هذه الطبعة.
يقول ﵀: "نسختي الخاصة من الطبعة السلطانية: هي جديرة بالإفراد بالذكر، فقد عُني بها والدي، ثم عُنيت بها سنين طويلة، والكتاب إذا عني به صاحبه، وجالت يده فيه، وكان من أهل العلم متحرِّيًا، زاد صحة ونورًا، وهكذا ينبغي لصاحب الكتاب.
وقد قرأ والدي "صحيح البخاري" في هذه النسخة قراءة درس مرتين، أتمه كله في إحداهما بالسودان، ولم يتمه في الأخرى بالإسكندرية، وكتب في أولها في المرة الأولى ما نصه: "في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ١٣١٨ هجرية، والخامس عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٠٠ أفرنكية، شرعتُ
_________
(١) وتملأ المقابلة به كثيرا من هوامش مطبوعة البخاري المتكررة الذكر ابتداء من: (١/ ١٢): (٩/ ١٩٩). وقد سبق التعريف بها جميعًا على وجه التفصيل.
(٢) "القبس" (١/ ١٢٠).
стр. 107
في قراءة "صحيح الإمام البخاري"، بمسجد أم دُرْمان، وأسأل اللَّه أن يوفقني لإتمامه، إنه سميع الدعاء. كتبه محمد شاكر قاضي قضاة السودان".
وكتب في آخرها ما نصه: "بحمد اللَّه تعالى قد فرغت من قراءته بمسجد أم درمان بعد عصر الأربعاء السابع من شهر ذي الحجة الحرام سنة ١٣١٨ - ٢٦ مارس سنة ١٩٠١" (١).
ومن هنا فالعناية بملحوظات هذا العالم، وغيره من العلماء، من المهمات العلمية التي ينبغي ألا تغفل عند الشروع في أي عمل يتصل بضبط "صحيح البخاري" من خلال هذه الطبعة المباركة.
ونشير في هذه العجالة إلى بعض هذه الملحوظات، على وعد بتفصيل الكلام عنها في مقدمة طبعتنا المحققة بشكل كامل التي نسأل اللَّه الإعانة على إنجازها من "صحيح البخاري":
الملحوظة الأولى:
لم يذكروا وصفًا دقيقًا للنسخ التي صححوا عنها، وهذه ملحوظة هامة وجديرة بالتأمل؛ لتعلقها بتوثيق العمل.
وإن كان المتتبع والمطالع للطبعة يعلم أنهم كانوا معتمدين على نسخة عبد اللَّه ابن سالم البصري، وأيضًا على شرح القسطلاني، وقد ذكروا ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخ أخرى.
_________
(١) نقلًا عن بيانه عن هذه الطبعة، وهو مرفق بآخر هذه المقدمة.
стр. 108
الملحوظة الثانية:
يقول العلامة شاكر ﵀: "والمفهوم من التقرير الذي كتبه شيخ الإسلام الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر في ٢٠ صفر سنة ١٣١٣، وهو المطبوع في مقدمة الطبعة السلطانية، أن أصل اليونيني محفوظ في "الخزانة الملوكية بالآستانة العلية"، وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر للتصحيح عليه، على يد "صاحب السعادة عبد السلام باشا المويلحي"، قال العلامة أحمد شاكر ﵀: "والذي أرجحه أن هذا الأصل أعيد بعد التصحيح عليه إلى مقره في "الخزانة الملوكية بالآستانة العلية"". اهـ.
قال: "ظاهر الكلام الذي نقلناه عن مقدمة الشيخ حسونة شيخ الأزهر ﵀، أن الطبع كان عن النسخة اليونينية نفسها، وكلام مصححي الطبعة السلطانية هذا يدل على أن الطبع كان عن فرع من فروعها، ولا أستطيع الجزم بصحة أحدهما حتى يوجد الأصل الذي طبع عنه، وحتى نعرف مصير النسخة اليونينية". اهـ.
والثابت من خلال الشواهد والأدلة وعمل المصححين أن العمل تم على بعض فروع اليونينية، دون استيعاب لكل الأفرع المعتمدة، أو لعمل القسطلاني، وبيان ذلك في الملحوظة التالية.
الملحوظة الثالثة:
قال الشيخ شاكر ﵀: "ثم بعد ذلك بسنين، في صفر سنة ١٣٦١، وقع لي النصف الثاني من نسخة من فروع "اليونينية"، في مجلد واحد متوسط الحجم،
стр. 109
وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته في ٢٤ ذي القعدة سنة ١٢١٥، كتبه كما وصف نفسه "السيد الحاجّ محمد الملقّب بالصابر بن السيد بلال بن السيد محمد، العينتاني وطنًا". ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلًا أمينًا متقنًا متحرَّيًا، لم يدع شيئًا - فيما يبدو لي - مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة، من ضبط واختلاف نسخ وهوامش علمية نفيسة. وقد أظهر لي هذا المجلد أن النسخة السلطانية لم يُثبت طابعوها كل ما أثبت من التعليقات على هامش "اليونينية"، بل تركوا أكثرها، ولم يذكروا إلا أقلها، بل وجدت فيه أشياء أثبتها لم يذكرها القسطلاني في شرحه". اهـ.
وهذه الملحوظة جديرة بالتأمل، وعمل الشراح خاصة ابن رجب وابن حجر والقسطلاني ﵏ يؤكد أن قدرًا من الزيادات والمغايرات قد غاب عن الطبعة السلطانية؛ فلا مناص من مراجعة الأصول الخطية إن أردنا تفسيرًا علميًّا مقبولًا لهذا الأمر.
ومما يؤكد ما ذهب إليه العلامة شاكر ما وقع في أصل السلطانية الجزء الأول صفحة ١١٦ حاشية رقم ١٥: "قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا أبو النجاشي صهيب مولى رافع بن خديج". كذا في أصل السلطانية، وكتب فوق ياء مولى (لا)، وفوق الجيم في خديج (إلى).
ولم يزد في الحاشية على قوله: "وفي رواية أبي ذر: أبو النجاشي مولى رافع هو عطاء بن صهيب، وعند الأصيلي مثله، وعند الحافظ ابن عساكر: حدثني أبو النجاشي سمعت رافع بن (كذا) انظر القسطلاني". اهـ.
стр. 110
والمثبت في أصل القسطلاني: "أبو النجاشي مولى رافع بن خديج، وهو صهيب ابن عطاء"، وقال: كذا لأبي ذر والأصيلي. ولأبي الوقت: حدثني أبو النجاشي مولى رافع بن خديج واسمه عطاء بن صهيب. وفي رواية: أبو النجاشي هو عطاء بن صهيب، وفي رواية بالفرع: أبو النجاشي صهيب، والصواب الأول، ولابن عساكر: حدثني أبو النجاشي، قال: سمعت رافع بن خديج". اهـ.
الملحوظة الرابعة:
جرت عادة أهل الحديث إذا سمعوا الكتابَ من طرق أن يبيِّنوا اختلاف الروايات إن اختلفت، ويثبتوا عند لفظ كل رواية منها اسم راويها، إما باسمه كاملًا، وهو أولى وأدفع للالتباس، وإما برمز يدل عليه كحرف أو حرفين من اسمه، كما فعل اليونيني في نسخته من "صحيح البخاري"، فإن بين مراده بتلك العلامات في أول كتابه أو آخره، كما فعل اليونيني، فلا بأس به، وإلا فهو مكروه؛ لما يوقع فيه غيره من الحيرة في فهم مراده (١).
قال السخاوي: "قال شيخنا - أي ابن حجر: والذي يظهر أنه بعد أن شاع وعرف، إنما هو من جهة نقص الأجر لنقص الكتابة، وإلا فلا فرق مع معرفة الاصطلاح بين الرمز وغيره" (٢).
وقول العراقي: "الإتيان به بكماله أولى وأدفع للالتباس". قال السخاوي: "قد يوجه بكون اصطلاحه في الرمز قد تسقط به الورقة أو المجلد، فيتحير الواقف عليه من مبتدئ ونحوه".
_________
(١) "شرح التبصرة والتذكرة" (١/ ١٥١).
(٢) "فتح المغيث" (٢/ ١٧٦).
следующие страницы →