← Тафсир

Тафсир · id 12851

تفسير يحيى بن سلام

يحيى بن سلام

Полный текст (801 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] قَالَ: مَا بَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ: ونا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: طَرَفَا النَّهَارِ: صَلاةُ الصُّبْحِ وَصَلاةُ الْعَصْرِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] : صَلاةُ الْمَغْرِبِ وَصَلاةُ الْعِشَاءِ. قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] لِكَيْ تَرْضَى فِي الآخِرَةِ ثَوَابَ عَمَلِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَعَلَّكَ أَيْ فَإِنَّكَ سَتَرْضَى ثَوَابَ عَمَلِكَ فِي الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ يَعْنِي: الأَغْنِيَاءَ. ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١] قَالَ قَتَادَةُ: زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَمَرَهُ أَنْ يَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] قَالَ قَتَادَةُ: لَنَبْتَلِيَهُمْ. قَالَ يَحْيَى: لِنَخْتَبِرَهُمْ فِيهِ. - حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا: مَنْ نَظَرَ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي الدِّينِ

стр. 247

وَمَنْ دُونَهُ فِي الدُّنْيَا، فَاقْتَدَى بِهِمَا، كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي الدُّنْيَا، وَدُونَهُ فِي الدِّينِ فَاقْتَدَى بِهِمَا، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا ". - نا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الرِّزْقِ الْكَفَافُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًا» . قَوْلُهُ: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣١] فِي الْجَنَّةِ. ﴿خَيْرٌ﴾ [طه: ١٣١] مِنَ الدُّنْيَا. ﴿وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] لا نَفَادَ لِذَلِكَ الرِّزْقِ. سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] مِمَّا مُتِّعَ بِهِ هَؤُلاءِ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. قَوْلُهُ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] وَأَهْلُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أُمَّتُهُ. ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] قَالَ بَعْضُهُمْ: لا نَسْأَلُكَ عَلَى مَا أَعْطَيْنَاكَ مِنَ النُّبُوَّةِ رِزْقًا. وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ فِي الَّتِي فِي الذَّارِيَاتِ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧] أَنْ يَرْزُقُوا أَنْفُسَهُمْ. قَالَ يَحْيَى: فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ عِنْدَ الْحَسَنِ مِثْلَهَا فَهُوَ: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] أَنْ تَرْزُقَ نَفْسَكَ وَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ. قَالَ يَحْيَى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أَيْ: لأَهْلِ التَّقْوَى. وَالْعَاقِبَةُ: الْجَنَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلا﴾ [طه: ١٣٣] هَلا. ﴿يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [طه: ١٣٣] قَالَ اللَّه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ

стр. 248

وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . قَالَ مُجَاهِدٌ: التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْكُتُبُ قَبْلَهُ. وَهُوَ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ. ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا﴾ [طه: ١٣٤] هَلا. ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] فِي الْعَذَابِ. قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه: ١٣٥] نَحْنُ وَأَنْتُمْ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَرَبَّصُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَتَرَبَّصُ بِهِمْ أَنْ يَجِيئَهُمُ الْعَذَابُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه: ١٣٥] الطَّرِيقِ الْعَدْلِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه: ١٣٥] يَعْنِي: الدِّينُ الْعَدْلُ، وَهُوَ الإِسْلامُ. ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه: ١٣٥] أَيْ: فَسَتَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانُوا عَلَى الصِّرَاطِ السَّوِيِّ، وَهُوَ طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْهُدَى.

стр. 249

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] أَيْ: إِنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ. - حَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ وَالْمُبَارَكُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ فَمَا فَضْلُ إِحْدَاهِمَا عَلَى الأُخْرَى» . وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي يَقُولُ النَّاسُ: السَّبَّابَةُ. فِي حَدِيثِ أَبِي الأَشْهَبِ. وقَالَ الْمُبَارَكُ: قَالَ: كَهَاتَيْنِ يَعْنِي: إِصْبَعَهُ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامِ. - نا خِدَاشٌ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حِينَ بُعِثَ إِلَيَّ، بُعِثَ إِلَى صَاحِبِ الصُّورِ، فَأَهْوَى بِهِ إِلَى فِيهِ وَقَدَّمَ رِجْلًا، وَأَخَّرَ أُخْرَى، مَتَى يُؤْمَرُ يَنْفُخُ، أَلا فَاتَّقُوا النَّفْخَةَ» . قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ فِي غَفْلَةٍ مِنَ

стр. 250

الآخِرَةِ مُعْرِضُونَ عَنِ الْقُرْآنِ. ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] يَعْنِي الْقُرْآنَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَعْرَضُوا عَنْهُ. قَالَ: ﴿إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] يَسْمَعُونَهُ بِآذَانِهِمْ وَلا تَقْبَلُهُ قُلُوبُهُمْ. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلالَةِ: زَعَمَ صَاحِبُكُمْ هَذَا أَنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَنَاهَوْا قَلِيلًا. قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ يَعْنِي عَنْ شِرْكِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَعْمَالِهِمْ، أَعْمَالِ السُّوءِ. فَلَمَّا نَزَلَ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلالَةِ: يَزْعُمُ هَذَا الرَّجُلُ أَنَّهُ قَدْ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ، فَتَنَاهَوْا قَلِيلًا ثُمَّ عَادُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] قَالَ اللَّه: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] يَعْنِي الْعَذَابَ. قَوْلُهُ: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] قَالَ قَتَادَةُ: غَافِلَةً قُلُوبُهُمْ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] الَّذِينَ أَشْرَكُوا، أَسَرُّوا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿هَلْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٣] يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ . ﴿إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ [الأنبياء: ٣] يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، أَيْ:

стр. 251

أَفَتُصَدِّقُونَ بِهِ. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] أَنَّهُ سِحْرٌ. قَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ يَعْنِي: السِّرَّ. ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] لا أَسْمَعَ مِنْهُ وَلا أَعْلَمَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] يَعْنُونَ الُقْرَآنَ، أَيْ أَخْلاطُ أَحْلامٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذِبُ أَحْلامٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِعْلُ أَحْلامٍ. وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] أَهَاوِيلُهَا. قَالَ: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥] مُحَمَّدٌ. ﴿بَلْ هُوَ﴾ [الأنبياء: ٥] بَلْ مُحَمَّدٌ. ﴿شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] قَالَ قَتَادَةُ: كَمَا أُرْسِلَ مُوسَى وَعِيسَى فِيمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ. قَالَ اللَّهُ: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ الرُّسُلَ إِذَا جَاءَتْ بِالآيَاتِ هَلَكَتِ الأُمَمُ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمِنُونَ. أَيْ: إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا كَذَّبُوا رُسُولَهُمْ وَسَأَلُوهُ الآيَةَ، فَجَاءَتْهُمُ الآيَةُ، فَلَمْ

стр. 252

يُؤْمِنُوا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ إِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ؟ أَيْ: لا يُؤْمِنُونَ إِنْ جَاءَتْهُمُ الآيَةُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧] يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ. أَهْلُ التَّوْرَاةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وَأَصْحَابُهُ الْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَهِيَ كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ. يَقُولُ: إِنْ كُنْتَ لا تُصَدِّقُ فَاسْأَلْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ [الأنبياء: ٨] يَعْنِي النَّبِيِّينَ. ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨] أَيْ: وَلَكِنَّا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ. وَقَدْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَالَ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] نا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَسَدًا لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨] نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: وَمَا كَانُوا يُخَلَّدُونَ فِي الدُّنْيَا، لا يَمُوتُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ [الأنبياء: ٩] كَانَتِ الرُّسُلُ تُحَذِّرُ قَوْمَهَا عَذَابَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابَهُ فِي الآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. فَلَمَّا لَمْ يُؤْمِنُوا صَدَقَ اللَّهُ رُسُلَهُ الْوَعْدَ، فَأَنْزَلَ الْعَذَابَ عَلَى قَوْمِهِمْ.

стр. 253

قَالَ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنبياء: ٩] يَعْنِي النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ. ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩] قَالَ قَتَادَةُ: الْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾ [الأنبياء: ١٠] الْقُرْآنَ. ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] فِيهِ شَرَفُكُمْ، يَعْنِي: قُرَيْشًا، أَيْ لِمَنْ آمَنَ بِهِ. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ [الأنبياء: ١١] أَيْ أَهْلَكْنَا. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١] يَعْنِي مُشْرِكَةً، يَعْنِي أَهْلَهَا. ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ [الأنبياء: ١١] أَيْ: وَخَلَقْنَا. ﴿بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١] قَالَ: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾ [الأنبياء: ١٢] رَأَوْا. ﴿بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] يَعْنِي عَذَابَنَا، يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يُهْلَكُوا. رَجَعَ إِلَى قِصَّةِ مَنْ هَلَكَ. ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾ [الأنبياء: ١٢] مِنَ الْقَرْيَةِ. ﴿يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] يَفِرُّونَ مِنَ الْعَذَابِ حِينَ جَاءَهُمْ. يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ [الأنبياء: ١٣] قَالَ مُجَاهِدٌ: لا تَفِرُّوا. ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] يَعْنِي نَعِيمَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ: ارْجِعُوا إِلَى دُنْيَاكُمُ الَّتِي أَتْرَفْتُمْ فِيهَا. ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣] مِنْ دُنْيَاكُمْ شَيْئًا، اسْتِهْزَاءً بِهِمْ. أَيْ: لا

стр. 254

تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ. ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ [الأنبياء: ١٤] وَهَذَا حِينَ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] يَعْنِي قَوْلَهُمْ: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] يَعْنِي: فَمَا زَالَ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ. ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجِّيرَى إِلا قَوْلُهُمْ: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] ، ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] ، حَتَّى أُهْلَكُوا. وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] حَتَّى أُهْلَكُوا. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: مَا خَلَقْنَا مِنْ جَنَّةٍ، وَلا نَارٍ، وَلا مَوْتٍ، وَلا بَعْثٍ، وَلا حِسَابٍ لاعِبِينَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ: إِنَّا لَمْ نَخْلُقْهُمَا وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا. قَالَ يَحْيَى: أَيْ: إِنَّمَا خَلَقْنَاهُمَا لِلْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ [الأنبياء: ١٧] وَاللَّهْوُ: الْمَرْأَةُ بِلِسَانِ الْيَمَنِ، فِيمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ.

стр. 255

قَالَ السُّدِّيُّ: لَهْوًا، يَعْنِي صَاحِبَةً وَوَلَدًا. قَالَ: ﴿لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: مِنْ عِنْدِنَا. ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ مَا كُنَّا فَاعِلِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] قَالَ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١٨] بِالْقُرْآنِ. ﴿عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨] عَلَى بَاطِلِهِمْ، يَعْنِي شِرْكِهِمْ. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١٨] وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ، قَذَفَهُ اللَّهُ عَلَى بَاطِلِهِمْ. قَالَ: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] دَاحِضٌ، أَيْ: ذَاهِبٌ. قَالَ: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ [الأنبياء: ١٨] الْعَذَابُ. ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: مِمَّا تَكْذِبُونَ، لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] يَعْنِي الْمَلائِكَةَ. ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]

стр. 256

قَالَ مُجَاهِدٌ: وَلا يُحْسَرُونَ أَيْ: لا يُعْيَوْنَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: وَلا يُعْيَوْنَ. - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا قَالَ: انْظُرْ إِلَى بَصَرِكَ هَلْ يَئودُكَ؟ أَيْ: هَلْ يَثْقُلُ عَلَيْكَ؟ وَانْظُرْ إِلَى سَمْعِكَ هَلْ يئُودُكَ؟ وَانْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ هَلْ يَئودُكَ؟ فَكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ. - نا الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالا: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ الْحَمْدُ وَالتَّسْبِيحُ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسُ. نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ. - نا الْحَسَنُ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ الْحَمْدُ وَالتَّسْبِيحُ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسُ» . - وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ» . - وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي أَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» .

стр. 257

وَحَدَّثَنِي الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: هُمْ يُحْيُونَ الْمَوْتَى، عَلَى الاسْتِفْهَامِ. أَيْ: قَدِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لا يُنْشِرُونَ وَلا يُحْيُونَ الْمَوْتَى. وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١] الْمَوْتَى، أَيْ إِنَّهُمْ لا يَبْعَثُونَ الأَمْوَاتَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١] يَعْنِي هُمْ يَبْعَثُونَ، أَيْ يَبْعَثُونَ الأَمْوَاتَ. قَالَ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] يَعْنِي: فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ. ﴿آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] غَيْرُ اللَّهِ. وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لَهَلَكَتَا. تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الأنبياء: ٢٢] يُنَزِّهُ نَفْسَهُ عَمَّا يَقُولُونَ. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أَيْ: عَمَّا يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]

стр. 258

قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ بِعِبَادِهِ، وَالْعِبَادُ يُسْأَلُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الأنبياء: ٢٤] عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ: قَدِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً. وَهَذَا الاسْتِفْهَامُ وَمَا أَشْبَاهُهُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى مَعْرِفَةٍ. قَالَ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤] يَعْنِي: بَيِّنَتَكُمْ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: حُجَّتَكُمْ عَلَى مَا تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً. قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَلا حُجَّةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ يَعْنِي: حُجَّتَكُمْ بِأَنَّ مَعَهُ آلِهَةً. قَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْقُرْآنَ فِيهِ ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ. يَعْنِي مَا فِيهِ مِنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤] يَقُولُ: مِنْ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ وَأَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي مَنْ أَهْلَكَ اللَّهُ مِنَ الأُمَمِ وَمَنْ نَجَّى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ فِيهِ اتِّخَاذُ آلِهَةٍ دُونَ اللَّهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤] يَقُولُ: خَبَرُ مَنْ مَعِيَ وَخَبَرُ مَنْ كَانَ قَبْلِي.

стр. 259

قَالَ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: أَكْثَرُهُمْ جَمَاعَتُهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] يَعْنِي: عَنِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] أَيْ: لا تَعْبُدُوا غَيْرِي، بِذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ جَمِيعًا. ابْنُ لَهِيعَةَ.... يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ إِدْرِيسَ كَانَ قَبْلَ نُوحٍ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ، يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيَعْمَلُوا مَا شَاءُوا، فَأَبَوْا، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] سَعِيدٌ، عَن قَتَادَةَ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ صَاهَرَ الْجِنَّ فَكَانَتْ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمَلائِكَةُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [الأنبياء: ٢٦] يُنَزِّهُ نَفْسَهُ عَمَّا قَالُوا. ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] يَعْنِي الْمَلائِكَةَ هُمْ كِرَامٌ عَلَى اللَّهِ. ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] فَيَقُولُونَ شَيْئًا لَمْ يَقْبَلُوهُ عَنِ اللَّهِ. قَالَ: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنبياء: ٢٧-٢٨] مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ.

стр. 260

﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٨] مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِذَا كَانَتِ الآخِرَةُ. وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٨] يَعْنِي: يَعْلَمُ مَا كَانَ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ الْمَلائِكَةِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ خَلْقِهِمْ. قَالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ. تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ. ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] أَيْ: خَائِفُونَ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ فِي إِبْلِيسَ خَاصَّةً لَمَّا قَالَ مَا قَالَ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَنْ يَقُلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، إِنْ قَالُوهُ وَلا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٠] هَذَا عَلَى الْخَبَرِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] يَعْنِي: أَوَ لَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ كَفَرُوا. ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] كَانَتَا مُلْتَزِقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فَوَضَعَ الأَرْضَ، وَرَفَعَ السَّمَاءَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ السَّمَاءَ كَانَتْ رَتْقًا لا يَنْزِلُ مِنْهَا مَاءً، فَفَتَقَهَا اللَّهُ

стр. 261

بِالْمَاءِ، وَفَتَقَ الأَرْضَ بِالنَّبَاتِ. وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ: كَانَتَا جَمِيعًا، فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُنَّ. وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: كُنَّ مُطْبَقَاتٍ فَفَتَقَهُنَّ، أَحْسَبُهُ قَالَ: بِالْمَطَرِ. وَقَالَهُ غَيْرُهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ مُتَمَاسَّتَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّ مُنْطَبِقَاتٍ فَفَتَقَهُنَّ. قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. وَكُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ فَإِنَّمَا خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ. - حَدَّثَنِي هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي، وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ» - قُلْتُ: أَنْبِئْنِي بِعَمَلٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «أَفْشِ السَّلامَ، وَأَطِبِ الْكَلامَ، وَصِلِ الأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» . قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء: ٣١] يَعْنِي الْجِبَالَ. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] لأَنْ لا تُحَرَّكَ بِهِمْ. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الأنبياء: ٣١] قَالَ قَتَادَةُ: طُرُقًا أَعْلامًا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] لِكَيْ يَهْتَدُوا الطُّرُقَ.

стр. 262

وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَ الطُّرُقَ. قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] عَلَى مَنْ تَحْتَهَا، مَحْفُوظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] . وَإِنَّمَا كَانَتْ هَاهُنَا مَحْفُوظًا لأَنَّهُ قَالَ: ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] ، فَوَقَعَ الْحِفْظُ فِيهَا عَلَى السَّقْفِ، وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى عَلَى السَّمَاءِ. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ. قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾ [الأنبياء: ٣٢] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: يَعْنِي الشَّمْسَ، وَالْقَمَرَ، وَالنُّجُومَ. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] لا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا يَرَوْنَ فِيهَا، فَيَعْرِفُونَ أَنَّ لَهُمْ مِعَادًا فَيُؤْمِنُوا. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] قَالَ قَتَادَةُ: فِي فَلَكِ السَّمَاءِ. حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: إِنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ مِثْلُ الْقُبَّةِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ لازِقٌ، وَإِنَّهَا تَجْرِي فِي فَلَكٍ دُونَ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا، وَإِنَّ أَبْعَدَ الأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ الأُبُلَّةُ. - هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ

стр. 263

الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وُجُوهُهُمَا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَقْفَاؤُهُمَا إِلَى الأَرْضِ يُضِيئَانِ فِي السَّمَاءِ كَمَا يُضِيئَانِ فِي الأَرْضِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴿١٥﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿١٦﴾ ﴾ [نوح: ١٥-١٦] - وحَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي جحض قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: مَا بَالُ الشَّمْسِ تَصْلانَا أَحْيَانًا وَتَبْرُدُ أَحْيَانًا؟ قَالَ: أَمَّا فِي الشِّتَاءِ فَهِيَ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقُلْتُ: إِنَّمَا كُنَّا نَرَاهَا فِي هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ: لَوْ كَانَتْ فِي هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَمْ يَقْمُ لَهَا شَيْءٌ. الْحَسَنُ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنِ الأَعْمَشِ ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ أُدْنِيَتْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فِي الشِّتَاءِ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا، وَرُفِعَتْ فِي الصَّيْفِ لِئَلا يُؤْذِيهِمْ حَرُّهَا. قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] يَدُورُونَ كَمَا يَدُورُ فَلَكُ الْمِغْزَلِ. وَتَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] ، يَجْرُونَ كَهَيْئَةِ حَدِيدَةِ الرَّحَى. وَفِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ فِي طَاحُونَةٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ فَلَكِ الْمِغْزَلِ يَدُورُونَ فِيهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُلْتَصِقَةً فِي السَّمَاءِ لَمْ تَجْرِ.

стр. 264

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] يَجْرُونَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] قَالَ: حُسْبَانٌ كَحُسْبَانِ الرَّحَى. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ: لا يَخْلُدُونَ. قَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] قَالَ قَتَادَةُ: بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ. ﴿فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] أَيْ: بَلاءٌ، أَيِ: اخْتِبَارٌ. ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٦] يَقُولُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ . ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيْ: يَعِيبُهَا وَيَشْتُمُهَا. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦] قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] خُلِقَ آدَمُ آخِرَ سَاعَاتِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَا خُلِقَ الْخَلْقُ، فَلَمَّا أَحْيَا الرُّوحُ عَيْنَيْهِ وَرَأْسَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ أَسْفَلَهُ قَالَ: رَبِّ اسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي، قَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ. هَذَا تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.

стр. 265

- نا خِدَاشٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةُ، وَفِيهِ هَبَطَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ، ثُمَّ قَبَضَ يَدَهُ يُقَلِّلُهَا، لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» . قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّ سَاعَةٍ هِيَ، هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا آدَمُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وقَالَ قَتَادَةُ: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] خُلِقَ عَجُولًا. قَالَ اللَّه: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] وَذَلِكَ لَمَّا كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَّا خَوَّفَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ مِنْهُمُ اسْتِهْزَاءٌ وَتَكْذِيبٌ. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الْمَوْعِدَ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا: الْقَتْلُ لَهُمْ، وَالنَّصْرُ عَلَيْهِمْ، وَالْعَذَابُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨] هَذَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَتَى هَذَا الَّذِي تَعِدُنَا بِهِ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] وَفِيهَا تَقْدِيمٌ. أَيْ: أَنَّ الْوَعْدَ الَّذِي كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا هُوَ يَوْمٌ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ [الأنبياء: ٤٠] يَعْنِي: الْقِيَامَةَ. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] مُبَاهَتَةً. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٠] أَيْ: وَلا هُمْ يُؤَخَّرُونَ.

стр. 266

قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤١] كَذَّبُوهُمْ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِمْ، فَحَاقَ بِهِمْ. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِالرُّسُلِ إِذَا خَوَّفُوهُمْ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٢] .... قَالَ: مَنْ يَحْفَظُكُمْ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ. قَالَ: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] أَيْ: هُمْ مِنَ الْمَلائِكَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أَيْ: هُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَهُمْ مَلائِكَةُ اللَّهِ، هُمْ حَفَظَةٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي آدَمَ وَلأَعْمَالِهِمْ، يَتَعَاقَبُونَ فِيهِمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَعِنْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهْم: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، يَحْفَظُونَ الْعِبَادَ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ. عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلا وَمَعَهُ مَلَكَانِ يَحْفَظَانِهِ فِي لَيْلِهِ، وَنَهَارِهِ، وَنَوْمِهِ، وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ، وَالإِنْسِ، وَالدَّوَابِّ، وَالسِّبَاعِ وَالْهَوَامِّ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَالطَّيْرِ، كُلَّمَا أَرَادَهُ شَيْءٌ قَالَ: إِلَيْكَ حَتَّى يَأْتِيَ الْقَدَرُ. حَدَّثَنِي حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي غَالِبِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلا وَمَعَهُ مَلَكَانِ أَحَدُهُمَا يَكْتُبُ عَمَلَهُ، وَالآخَرُ يَقِيهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْهِ. وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ أَنَّهْمُ أَرْبَعَةُ أَمْلاكٍ يَتَعَاقَبُونَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَعْنِي يَصْعَدُ هَذَانِ، وَيَنْزِلُ هَذَانِ.

стр. 267

قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢] يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، مُعْرِضُونَ عَنِ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] أَيْ: قَدِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لا تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٣] لا تَسْتَطِيعُ الآلِهَةُ لأَنْفُسِهَا نَصْرًا. ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] لا يُصْحَبُونَ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] وَلا مَنْ عَبَدَهَا مِنَّا يُجَارُونَ. أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يُجِيرُهُمْ، أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِنَّا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لا تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ عَذَابَهُمْ ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] وَلا مَنْ يَعْبُدُهَا مِنَّا يُجَارُونَ، أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يُجِيرُهُمْ، أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِنَّا إِنْ أَرَادَ اللَّهُ عَذَابَهُمْ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا تُعَذَّبُ الشَّيَاطِينُ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَلا تُعَذَّبُ الأَصْنَامُ. قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٣] لا يَسْتَطِيعُونَ تِلْكَ الأَصْنَامُ نَصْرَ أَنْفُسِهَا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَذِّبَهَا. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٤] يَعْنِي: قُرَيْشًا. ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤] لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ حَتَّى جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ. ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَوْتُ عُلَمَائِهَا وَفُقَهَائِهَا.

стр. 268

قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: مَوْتُ عَالِمٍ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنْ مَوْتِ أَلْفِ عَابِدٍ. - نا عَمَّارٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الإِسْلامِ لا يَسُدُّهَا شَيْءٌ أَبَدًا» . نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، قَالَ: الْمَوْتُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] بِالْفُتُوحِ عَلَى النَّبِيِّ أَرْضًا فَأَرْضًا أَفَلا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] أَيْ: لَيْسُوا بِالْغَالِبِينَ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الْغَالِبُ. - عَمَّارٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَوْتُ عَالِمٍ ثُلْمَةٌ فِي الإِسْلامِ لا يَسُدُّهَا شَيْءٌ أَبَدًا» . وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] يَعْنِي: أَرْضَ مَكَّةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿نَنْقُصُهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] يَعْنِي: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ نَقَصَ مِنْهُمْ وَزَادَ فِي الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] . وَفِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَبْعَثُ نَارًا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَطْرُدُ النَّاسَ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ إِلَى

стр. 269

الشَّامِ، تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَتَرْتَحِلُ مَعَهُمْ إِذَا ارْتَحَلُوا، فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامَةُ بِالشَّامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] قَالَ قَتَادَةُ: بِالْقُرْآنِ، أُنْذِرُكُمْ بِهِ عَذَابَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الآخِرَةِ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ [الأنبياء: ٤٥] يَعْنِي النِّدَاءَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وَالصُّمُّ هَاهُنَا الْكُفَّارُ، صُمُّوا عَنِ الْهُدَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَنِ الإِيمَانِ، وَهُوَ وَاحِدٌ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ أَصَمُّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، لا يَسْمَعُهُ وَلا يَعْقِلُهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] قَالَ قَتَادَةُ: عُقُوبَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ. قَالَ يَحْيَى: وَهِيَ النَّفْخَةُ الأُولَى الَّتِي يُهْلِكُ اللَّهُ بِهَا كُفَّارَ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِكُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ [الأنبياء: ٤٦] إِذَا جَاءَهُمُ الْعَذَابُ. ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] وَهِيَ مِثْلُ الآيَةِ الأُولَى فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٥] عَذَابُنَا ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤] ، ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]

стр. 270

قَوْلُهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] يَعْنِي الْعَدْلَ. ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] - حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ وُضِعَ فِي كِفَّةٍ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ لَوَسِعَتْهُمَا. فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: رَبَّنَا مَا هَذَا؟ فَيَقُولُ: أَزِنُ بِهِ لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي. فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. - نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَذْكُرُ الرَّجُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمِيمَهُ؟ فَقَالَ: " ثَلاثَةُ مَوَاطِنَ لا يَذْكُرُ فِيهَا أَحَدٌ حَمِيمَهُ: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيَثْقُلُ مِيزَانُهُ أَمْ يَخِفُّ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيَجُوزُ أَوْ لا يَجُوزُ، وَعِنْدَ الصُّحُفِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ أَمْ بِشِمَالِهِ ". قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] يَقُولُ: فَلا تُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهَا شَيْئًا. وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. قَالَ يَحْيَى: لا يُنْقَصُ الْمُؤْمِنُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا وَلا يُزَادُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ، وَلا يُزَادُ عَلَى الْكَافِرِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ، وَلا يُجَازَى فِي الآخِرَةِ بِحَسَنَةٍ قَدِ اسْتَوْفَاهَا فِي الدُّنْيَا. قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ: وَزْنُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. ﴿أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] يَعْنِي عَالِمِينَ.

стр. 271

وَقَالَ الْحَسَنُ: لا يَعْلَمُ حِسَابَ مَثَاقِيلِ الذَّرِّ وَالْخَرْدَلِ إِلا اللَّهُ، وَلا يُحَاسِبُ الْعِبَادَ إِلا هُوَ. - وَحَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ مَعْبَدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ طَعَامَهُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ إِذْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] إِلَى آخِرِهَا، فَأَمْسَكَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنْ خَيْرٍ عَمِلْتُ إِلا رَأَيْتَ وَلا مِنْ شَرٍّ عَمِلْتُ إِلا رَأَيْتَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا رَأَيْتَ مِمَّا تَكْرَهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَثَاقِيلُ الشَّرِّ، وَأَمَّا مَثَاقِيلُ الْخَيْرِ فَتَلْقَاكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَنْ يَهْتِكَ اللَّهُ سَتْرَ عَبْدٍ فِيهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» . قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي فِي الْكَافِرِ أَنَّهُ مَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا عَمِلَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فِي الآخِرَةِ. - أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى الثَّقَفِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأَيُّهَا النَّاسُ لا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ كَانَ مُغْفِلًا شَيْئًا لأَغْفَلَ الذَّرَّةَ وَالْخَرْدَلَةَ وَالْبَعُوضَةَ» . قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] تَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ: الْكِتَابَ. وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ: يَعْنِي التَّوْرَاةَ. وَفُرْقَانُهَا، حَلالُهَا وَحَرَامُهَا، فَرَّقَ فِيهَا حَلالَهَا وَحَرَامَهَا.

стр. 272

وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْفُرْقَانُ يَعْنِي الْمَخْرَجَ فِي الدِّينِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَالضَّلالَةِ. ﴿وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] يَعْنِي نُورًا. ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] يَذْكُرُونَ بِهِ الآخِرَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨] يَعْنِي مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْبَيَانِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩] حَدَّثَنِي حَمَّادٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿٣٢﴾ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴿٣٣﴾ ﴾ [ق: ٣٢-٣٣] قَالَ: الرَّجُلُ يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فِي الْخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا. قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] خَائِفُونَ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ، عَلَى الاسْتِفْهَامِ، أَيْ قَدْ أَنْكَرْتُمُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] قَالَ قَتَادَةُ: هُدَاهُ. هُدَاهُ صَغِيرًا فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ.

стр. 273

وَقَالَ الْحَسَنُ: النُّبُوَّةَ. ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أَنَّهُ سَيُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ الرِّسَالَةَ وَيَمْضِي لأَمْرِهِ. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] قَوْلُهُ: ﴿إِذْ قَالَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] إِبْرَاهِيمُ. ﴿لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الأَصْنَامَ. ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] يَعْنِي: لَهَا عَابِدُونَ. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴿٥٣﴾ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٥٤﴾ ﴾ [الأنبياء: ٥٣-٥٤] يَعْنِي: بَيِّنٍ. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥] أهُزْءٌ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ أَمْ مِنْكَ حَقٌّ؟ ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦] الَّذِي خَلَقَهُنَّ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا. ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦] أَنَّهُ رَبُّكُمْ. ﴿وَتَاللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٥٧] يَمِينٌ أَقْسَمَ بِهِ. ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] قَالَ قَتَادَةُ: نَرَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حَيْثُ لا يَسْمَعُونَ. اسْتَنْفَعُوهُ لِيَوْمِ عِيدٍ لَهُمْ

стр. 274

يَخْرُجُونَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَبَى، فَقَالَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] اعْتَلَّ لَهُمْ بِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لَمَّا وَلَّوْا: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] فَسَمِعَ وَعِيدَهُ لأَصْنَامِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمُ اسْتَأْخَرَ مِنَ الْقَوْمِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] قَالَ: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] قَالَ قَتَادَةُ: قِطَعًا، قَطَّعَ أَيْدِيَهَا وَأَرْجُلَهَا وَفَقَأَ أَعْيُنَهَا، وَنَجَرَ وُجُوهَهَا. ﴿إِلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨] قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي لِلآلِهَةِ وَأَعْظَمِهَا فِي أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أَوْثَقَ الْفَأْسَ فِي يَدِ كَبِيرِ تِلْكَ الأَصْنَامِ. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] قَالَ قَتَادَةُ: كَادَهُمْ بِذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يُبْصِرُونَ فَيُؤْمِنُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ثُمَّ جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ الْفَأْسَ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ بِهَا أَصْنَامَهُمْ مُسْنَدَةً إِلَى صَدْرِ كَبِيرِهِمُ الَّذِي تَرَكَ. فَلَمَّا رَجَعُوا فَرَأَوْا مَا صُنِعَ بِأَصْنَامِهِمْ. ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٩﴾ قَالُوا﴾ [الأنبياء: ٥٩-٦٠] قَالَ الَّذِي اسْتَأْخَرَ مِنْهُمْ وَسَمِعَ وَعِيدَ إِبْرَاهِيمَ أَصْنَامَهُمْ.

стр. 275

﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴿٦٠﴾ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴿٦١﴾ ﴾ [الأنبياء: ٦٠-٦١] أَنَّهُ كَسَرَهَا فَتَكُونُ لَكُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. قَالَ قَتَادَةُ: كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ إِلا بِبَيِّنَةٍ فَجَاءُوا بِهِ. فَـ ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿٦٢﴾ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴿٦٣﴾ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٦٤﴾ ﴾ [الأنبياء: ٦٢-٦٤] قَالَ قَتَادَةُ: وَهِيَ هَذِهِ الْمَكِيدَةُ الَّتِي كَادَهُمْ بِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ كَذِبَهُ فِي مَكِيدَتِهِ إِيَّاهُمْ مَوْضُوعٌ عَنْهُ. - وَحَدَّثَنِي هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ يَأْتُونَ آدَمَ، ثُمَّ نُوحًا، ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ مُحَمَّدًا ﷺ فَذَكَرَ مَا يَقُولُ كُلُّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ، فَذَكَرَ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ: إِنِّي لَسْتُ هُنَالِكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، ثَلاثَ كَذَبَاتٍ كَذَبَهُنَّ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وَقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وَقَوْلُهُ لامْرَأَتِهِ: إِنْ سَأَلُوكِ مَنْ أَنْتِ مِنْهُ، فَقُولِي إِنَّكِ أُخْتِي. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] خِزْيًا قَدْ حَجَّهُمْ وَقَالَ قَتَادَةُ: أَصَابَ الْقَوْمَ خِزْيَةُ سُوءٍ فَقَالُوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ﴿٦٥﴾ قَالَ﴾ [الأنبياء: ٦٥-٦٦] لَهُمْ.

стр. 276

﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦] يَعْنِي أَصْنَامَهُمْ. ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وَهِيَ الَّتِي كَادَهُمْ بِهَا. ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ [الأنبياء: ٦٨] بِالنَّارِ. ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] قَالَ الْحَسَنُ: فَجَمَعُوا الْحَطَبَ زَمَانًا، حَتَّى إِنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ زَمَانًا كَانَ يَجِيءُ بِالْحَطَبِ، فَيُلْقِيهِ، يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى آلِهَتِهِمْ فِيمَا يَزْعُمُ، ثُمَّ جَاءُوا بِإِبْرَاهِيمَ فَأَلْقَوْهُ فِي تِلْكَ النَّارِ. قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ رَمَوْا بِهِ فِي الْمِنْجَنِيقِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا صُنِعَ الْمِنْجَنِيقُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] - نا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَيْخٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] فَكَادَتْ تَقْتُلُهُ مِنَ الْبَرْدِ، وَقَالَ: ﴿وَسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] لا تَضُرُّهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] يَعْنِي: وَسَلامَةً مِنْ حَرِّ النَّارِ وَمِنْ بَرْدِهَا. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ كَعْبًا قَالَ: مَا انْتَفَعَ بِهَا يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَمَا أَحْرَقَتْ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ إِلَى وِثَاقِهِ. عَمَّارٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِي النَّارِ جَاءَتْ عَامَّةُ الْخَلِيقَةِ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، خَلِيلُكَ يُلْقَى فِي النَّارِ، فَأْذَنَ لَنَا نُطْفِئُ عَنْهُ. فَقَالَ: هُوَ خَلِيلِي لَيْسَ لِي فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ غَيْرَهُ وَأَنَا إِلَهُهُ لَيْسَ لَهُ إِلَهٌ غَيْرِي، فَإِنِ اسْتَغَاثَكُمْ فَأَغِيثُوهُ وَإِلا فَدَعُوهُ. قَالَ فَجَاءَ مَلَكُ الْقَطْرِ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَلِيلُكَ يُلْقَى فِي النَّارِ فَأْذَنْ لِي أُطْفِئُ عَنْهُ بِالْقَطْرِ. فَقَالَ: هُوَ خَلِيلِي لَيْسَ

стр. 277

لِي فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ غَيْرَهُ، وَأَنَا إِلَهُهُ لَيْسَ لَهُ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ غَيْرِي، فَإِنِ اسْتَغَاثَكَ فَأَغِثْهُ، وَإِلا فَدَعْهُ. قَالَ: فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ فَقَالَ ﵎ لِلنَّارِ: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] قَالَ: فَبَرَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَمَا أُنْضِجَ بِهَا يَوْمَئِذٍ كِرَاعٌ. - نا سَعِيدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أُمِّ سِيَابَةَ الأَنْصَارِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ كَانَتِ الدَّوَابُّ كُلُّهَا تُطْفِئُ عَنْهُ النَّارَ إِلا الْوَزَغَةَ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهَا. قَوْلُهُ: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الأنبياء: ٧٠] بِتَحْرِيقِهِمْ إِيَّاهُ. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] فِي النَّارِ، خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَخَسِرُوا الْجَنَّةَ. قَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٧١] يَعْنِي الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] يَعْنِي جَمِيعَ الْعَالَمِينَ. تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ. وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ الشَّامَ عِمَادُ دَارِ الْهِجْرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: ابْنُ ابْنٍ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، غَيْرَ أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: عَطِيَّةً.

стр. 278

قَالَ: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] يَعْنِي يَدْعُونَ بِأَمْرِنَا. تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُهْتَدَى بِهِمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] وَهِيَ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] قَالَ: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣] قَوْلُهُ: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤] النُّبُوَّةُ فِيهَا الْحُكْمُ وَالْعِلْمُ. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] يَعْنِي أَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الْخَبَائِثَ، وَكَانُوا مِمَّا يَعْمَلُونَ إِتْيَانُهُمُ الرِّجَالِ فِي أَدْبَارِهِمْ. قَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] يَعْنِي مُشْرِكِينَ وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ الْفِسْقِ. قَالَ: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٥] يَعْنِي لُوطًا، وَرَحْمَتُنَا هَاهُنَا: الْجَنَّةُ. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٥] وَالصَّالِحُونَ أَهْلُ الْجَنَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وَهَذَا حَيْثُ أُمِرَ بِالدُّعَاءِ عَلَى قَوْمِهِ. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] قَالَ الْحَسَنُ: ﴿وَأَهْلَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] : أُمَّتَهُ الْمُؤْمِنِينَ، نَجَّيْنَاهُ. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] يَعْنِي: مِنَ الْغَرَقِ وَالْعَذَابِ.

стр. 279

وَقَالَ قَتَادَةُ: نَجَا مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ امْرَأَتُهُ، وَثَلاثَةُ بَنِينَ لَهُ، وَنِسَاؤُهُمْ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ، وَنِسَاؤُهُمْ فَجَمِيعُهُمْ ثَمَانِيَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٧٧] يَعْنِي نُوحًا. ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] يَعْنِي عَلَى الْقَوْمِ. تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧] كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ. قَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] قَوْلُهُ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وَقَعَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ لَيْلًا فَأَفْسَدَتْهُ. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: النَّفَشُ بِاللَّيْلِ وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ غَنَمَ الْقَوْمِ وَقَعَتْ فِي زَرْعٍ لَيْلًا، فَرُفِعَ ذَلِك إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَهُ نَسْلُهَا وَرِسْلُهَا، وَعَوَارِضُهَا، وَجِزَازُهَا، وَيُزْرَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الزَّرْعِ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أُكِلَ، دُفِعَتِ الْغَنَمُ إِلَى رَبِّهَا، يَعْنِي صَاحِبَهَا وَقَبَضَ صَاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَهُ. قَالَ اللَّهُ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ أَصْحَابَ الْحَرْثِ اسْتَعَدُوا عَلَى أَصْحَابِ

стр. 280

الْغَنَمِ فَنَظَرَ دَاوُدُ ثَمَنَ الْحَرْثِ فَإِذَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ ثَمَنِ الْغَنَمِ، فَقَضَى بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ. فَمَرُّوا بِسُلَيْمَانَ فَقَالَ: كَيْفَ قَضَى فِيكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ؟ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: نِعْمَ مَا قَضَى، وَغَيْرُهُ كَانَ أَرْفَقَ بِالْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا. فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْغَنَمِ عَلَى دَاوُدَ فَأَخْبَرُوهُ. فَأَرْسَلَ إِلَى سُلَيْمَانَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَعَزَمَ عَلَيْهِ دَاوُدُ بِحَقِّ النُّبُوَّةِ وَبِحَقِّ الْمُلْكِ، وَحَقِّ الْوَالِدِ لَمَا حَدَّثْتَنِي كَيْفَ رَأَيْتَ فِيمَا قَضَيْتُ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ عَدَلَ النَّبِيُّ وَأَحْسَنَ، وَغَيْرُهُ كَانَ أَرْفَقَ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تُدْفَعُ الْغَنَمُ إِلَى أَهْلِ الْحَرْثِ فَيَنْتَفِعُونَ بِسَمْنِهَا، وَلَبَنِهَا، وَأَصْوَافِهَا، وَأَوْلادِهَا عَامَهُمْ هَذَا وَعَلَى أَهْلِ الْغَنَمِ أَنْ يَزْرَعُوا لأَهْلِ الْحَرْثِ مِثْلَ الَّذِي أَفْسَدَتْ غَنَمُهُمْ، فَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ حِينَ أَفْسَدُوهُ قَبَضُوا غَنَمَهُمْ. قَالَ لَهُ دَاوُدُ: نِعْمَ مَا قَضَيْتَ. نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَانَ عِنَبًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَكَانَ الْحَرْثُ عِنَبًا. وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: أَنَّ دَاوُدَ أَعْطَى صَاحِبَ الْحَرْثِ رِقَابَ الْغَنَمِ بِأَكْلِهَا الْحَرْثَ. وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ بِجَزَّةِ الْغَنَمِ وَأَلْبَانِهَا لأَهْلِ الْحَرْثِ، وَعَلَى أَهْلِ الْحَرْثِ رِعْيَتُهَا، وَيَحْرُثُ لَهُمْ أَهْلُ الْغَنَمِ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أُكِلَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَيَأْخُذُونَ غَنَمَهُمْ. قَوْلُهُ: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يَعْنِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، لِقَضَائِهِمْ شَاهِدِينَ.

стр. 281

﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ يَحْيَى: كَانَ هَذَا الْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ تَكُونُ لأُمَّةٍ شَرِيعَةٌ وَلأُمَّةٍ أُخْرَى شَرِيعَةٌ غَيْرَهَا، وَقَضَاءٌ غَيْرُ قَضَاءِ الأُمَّةِ الأُخْرَى. - وَحَدَّثَنِي بَحْرٌ السَّقَّاءُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَحَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ نَاقَةً لَهُ وَقَعَتْ فِي حَائِطِ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ. فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلا قَضَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. إِنَّهُ قَضَى عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ وَقَضَى عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَ حَوَائِطِهِمْ بِالنَّهَارِ» . قَالَ يَحْيَى: إِنَّمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ، وَلَيْسَ فِيهِ كَيْفَ الْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ الْفَسَادِ الْيَوْمَ. وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ الْفَسَادِ مَا بَلَغَ الْفَسَادُ مِنَ النُّقْصَانِ. وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ شَاةً أَكَلَتْ غَزْلَ حَائِكٍ قَالَ: فَأَتَوْا شُرَيْحًا: قَالَ: فَقَرَأَ شُرَيْحٌ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وقَالَ: وَالنَّفَشُ لا يَكُونُ إِلا بِاللَّيْلِ. إِنْ كَانَ لَيْلًا ضُمِنَ، وَإِنْ كَانَ نَهَارًا لَمْ يُضْمَنْ. - قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَحَدَّثَنِي عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كِلاهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدَّابَّةُ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» .

стр. 282

قَالَ يَحْيَى: هِيَ عِنْدَنَا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ فِي نَاقَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ، وَأَمَّا إِذَا أُفْسِدَتْ بِاللَّيْلِ فَصَاحِبُهَا ضَامِنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] يَعْنِي: أَعْطَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، يَعْنِي: وَعَقْلًا. تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، يَعْنِي بِذَلِكَ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ. قَالَ: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] كَانَتْ جَمِيعُ الْجِبَالِ وَجَمِيعُ الطَّيْرِ تَسْبَحُ مَعَ دَاوُدَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَيَفْقَهُ تَسْبِيحَهَا. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ: يُصَلِّينَ، يَفْقَهُ ذَلِكَ دَاوُدُ. قَوْلُهُ: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أَيْ: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِدَاوُدَ. قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] يَعْنِي دُرُوعُ الْحَدِيدِ. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] بِهِ، يَعْنِي: تُجَنِّبُكُمْ. ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وَالْبَأْسُ: الْقِتَالُ. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] فَكَانَ دَاوُدُ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ الدُّرُوعَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ صَفَائِحُ.

стр. 283

قَوْلُهُ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] أَيْ: وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ. ﴿عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] لا تُؤْذِيهِ. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء: ٨١] مُسَخَّرَةً. قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ وَأَفْضَلُهَا فِلَسْطِينُ. قَالَ: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١] قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ قَالَ: مَا يُنْقَصُ مِنَ الأَرْضِ يُزَادُ فِي الشَّامِ، وَمَا يُنْقَصُ مِنَ الشَّامِ يُزَادُ بِفِلَسْطِينَ. نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا نَقَصَ مِنَ الأَرْضِ زِيدَ فِي الشَّامِ، وَمَا نَقَصَ مِنَ الشَّامِ زِيدَ فِي فِلَسْطِينَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهَا أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَبِهَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ. - قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَ أَبُو قِلابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ الْمَلائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ فَوَضَعَتْهُ بِالشَّامِ، فَأَوَّلْتُهَا فَضْلَ الشَّامِ، إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا وَقَعَتْ كَانَ الإِيمَانُ بِالشَّامِ» . الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: تُخْرَبُ الأَمْصَارُ قَبْلَ الشَّامِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا، وَإِنَّمَا ضَمِنَتْ لأَهْلِهَا بُرًّا وَزَيْتًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَإِنَّ بِهَا قَبْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نَبِيًّا، وَإِنَّ إِلَيْهَا الْمَحْشَرَ وَالْمَنْشَرَ، وَإِنَّ بِهَا الْمِيزَانَ، وَإِنَّ

стр. 284

الصَّخْرَةَ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: سَيْحُونُ، وَجَيْحُونُ، وَالنِّيلُ، وَالْفُرَاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] وَهَذَا عَلَى الْجَمَاعَةِ. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] دُونَ الْغَوْصِ. وَكَانُوا يَغُوصُونَ فِي الْبَحْرِ فَيُخْرِجُونَ لَهُ اللُّؤْلُؤَ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] . وَقَالَ قَتَادَةُ: وَرَّثَ اللَّهُ سُلَيْمَانَ دَاوُدَ نُبُوَّتَهُ، وَمُلْكَهُ، وَزَادَ سُلَيْمَانَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ. قَوْلُهُ: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] حَفِظَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلا يَذْهَبُوا وَيَتْرُكُوهُ، فَكَانُوا مُسَخَّرِينَ لَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يُسَخَّرْ لَه فِي هَذِهِ الأَعْمَالِ وَفِيمَا يُصَفَّدُ، يَجْعَلُهُمْ فِي السَّلاسِلِ مِنَ الْجِنِّ، إِلا الْكُفَّارَ مِنْهُمْ. وَاسْمُ الشَّيْطَانِ لا يَقَعُ إِلا عَلَى الْكَافِرِ مِنَ الْجِنِّ. حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالُوا لَهُ: زَوْبَعَةُ الشَّيْطَانُ لَهُ عَيْنٌ فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، يَرِدُهَا كُلَّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا. فَأَتَوْهَا، فَنَزَحُوهَا ثُمَّ صَبُّوا فِيهَا خَمْرًا. فَجَاءَ لِوِرْدِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْخَمْرَ قَالَ فِي كَلامٍ لَهُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ إِذَا شَرِبَكِ صَاحِبُكِ لَمَمًا يَظْهَرُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ، فِي أَسَاجِعَ. لا أَذُوقُكِ الْيَوْمَ. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ لِظَمَأٍ آخَرَ. فَلَمَّا رَآهَا قَالَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يَشْرَبْ. ثُمَّ جَاءَ لِظَمَأٍ آخَرَ لإِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ لَتُذْهِبِينَ الْهَمَّ، فِي سَجْعٍ لَهُ. فَشَرِبَ مِنْهَا، فَسَكِرَ. فَجَاءُوا إِلَيْهِ، فَأَرَوْهُ خَاتَمَ السُّخْرَةِ فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ. فَأَمَرَهُمْ بِالْبِنَاءِ، فَقَالَ زَوْبَعَةُ: دُلُّونِي عَلَى بَيْضِ الْهُدْهُدِ. فَدُلَّ

стр. 285

عَلَى عُشِّهِ. فَأَكَبَّ عَلَيْهِ جُمْجُمَةً، يَعْنِي زُجَاجَةً. فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَجَعَلَ لا يَصِلُ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ، فَجَاءَ بِالْمَاسِ الَّذِي يُثْقَبُ بِهِ الْيَاقُوتُ، فَوَضَعَهُ عَلَيْهَا، فَقَطَّ الزُّجَاجَةَ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ فَأَعْجَزَهُ، فَجَاءُوا بِالْمَاسِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَجَعَلُوا يَسْتَعْرِضُونَ الْجِبَالَ كَأَنَّمَا يَخُطُّونَ فِي نَوَاحِيهَا فِي طِينٍ. قَوْلُهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] قَالَ قَتَادَةُ: الْمَرَضُ. وَقَالَ الْحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: يَا رَبِّ، هَلْ مِنْ عَبِيدِكَ عَبْدٌ إِنْ سَلَطَّتَنِي عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، عَبْدِي أَيُّوبُ. قَالَ: فَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ لِيَجْهَدَ جَهْدَهُ، وَيُضِلَّهُ بِخَبَالِهِ وَغُرُورِهِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ. قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ مِنِّي، فَسَلِّطْنِي عَلَى مَالِهِ. فَسَلَّطَهُ عَلَى مَالِهِ فَجَعَلَ يُهْلِكُ مَالَهُ صِنْفًا صِنْفًا وَيَأْتِيهِ فَيَقُولُ: يَا أَيُّوبَ هَلَكَ مَالُكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ، وَأَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي، إِنْ تُبْقِ لِي نَفْسِي أَحْمَدْكَ عَلَى بَلائِكَ. قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ إِنَّ أَيُّوبَ لا يُبَالِي بِمَالِهِ، فَسَلِّطْنِي عَلَى جَسَدِهِ. فَسَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَكَثَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا فِي الْعَذَابِ حَتَّى وَقَعَتِ الأَكَلَةُ فِي جَسَدِهِ. قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّ الدُّودَةَ كَانَتْ تَقَعُ مِنْ جَسَدِهِ فَيَرُدَّهَا فِي مَكَانِهَا وَيَقُولُ: كُلِي مِمَّا رَزَقَكِ اللَّهُ. قَالَ الْحَسَنُ: فَدَعَا رَبَّهُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] وَقَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ رَكْضَةً وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ. فَإِذَا عَيْنٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﵎ ظَاهِرَ دَائِهِ، ثُمَّ مَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ أَرْبَعِينَ
следующие страницы →