Полный текст (801 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ يَحْيَى: كَانَ هَذَا الْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ تَكُونُ لأُمَّةٍ شَرِيعَةٌ وَلأُمَّةٍ أُخْرَى شَرِيعَةٌ غَيْرَهَا، وَقَضَاءٌ غَيْرُ قَضَاءِ الأُمَّةِ الأُخْرَى.
- وَحَدَّثَنِي بَحْرٌ السَّقَّاءُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَحَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ نَاقَةً لَهُ وَقَعَتْ فِي حَائِطِ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ.
فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلا قَضَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ.
إِنَّهُ قَضَى عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ وَقَضَى عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَ حَوَائِطِهِمْ بِالنَّهَارِ» .
قَالَ يَحْيَى: إِنَّمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ، وَلَيْسَ فِيهِ كَيْفَ الْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ الْفَسَادِ الْيَوْمَ.
وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ الْفَسَادِ مَا بَلَغَ الْفَسَادُ مِنَ النُّقْصَانِ.
وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ شَاةً أَكَلَتْ غَزْلَ حَائِكٍ قَالَ: فَأَتَوْا شُرَيْحًا: قَالَ: فَقَرَأَ شُرَيْحٌ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وقَالَ: وَالنَّفَشُ لا يَكُونُ إِلا بِاللَّيْلِ.
إِنْ كَانَ لَيْلًا ضُمِنَ، وَإِنْ كَانَ نَهَارًا لَمْ يُضْمَنْ.
- قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَحَدَّثَنِي عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كِلاهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدَّابَّةُ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» .
стр. 282
قَالَ يَحْيَى: هِيَ عِنْدَنَا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ فِي نَاقَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ، وَأَمَّا إِذَا أُفْسِدَتْ بِاللَّيْلِ فَصَاحِبُهَا ضَامِنٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] يَعْنِي: أَعْطَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، يَعْنِي: وَعَقْلًا.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، يَعْنِي بِذَلِكَ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ.
قَالَ: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] كَانَتْ جَمِيعُ الْجِبَالِ وَجَمِيعُ الطَّيْرِ تَسْبَحُ مَعَ دَاوُدَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ وَيَفْقَهُ تَسْبِيحَهَا.
نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ: يُصَلِّينَ، يَفْقَهُ ذَلِكَ دَاوُدُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أَيْ: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِدَاوُدَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] يَعْنِي دُرُوعُ الْحَدِيدِ.
﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] بِهِ، يَعْنِي: تُجَنِّبُكُمْ.
﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وَالْبَأْسُ: الْقِتَالُ.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] فَكَانَ دَاوُدُ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ الدُّرُوعَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ صَفَائِحُ.
стр. 283
قَوْلُهُ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] أَيْ: وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ.
﴿عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] لا تُؤْذِيهِ.
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء: ٨١] مُسَخَّرَةً.
قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ وَأَفْضَلُهَا فِلَسْطِينُ.
قَالَ: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ قَالَ: مَا يُنْقَصُ مِنَ الأَرْضِ يُزَادُ فِي الشَّامِ، وَمَا يُنْقَصُ مِنَ الشَّامِ يُزَادُ بِفِلَسْطِينَ.
نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا نَقَصَ مِنَ الأَرْضِ زِيدَ فِي الشَّامِ، وَمَا نَقَصَ مِنَ الشَّامِ زِيدَ فِي فِلَسْطِينَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهَا أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، وَبِهَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ.
- قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَ أَبُو قِلابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ الْمَلائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ فَوَضَعَتْهُ بِالشَّامِ، فَأَوَّلْتُهَا فَضْلَ الشَّامِ، إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا وَقَعَتْ كَانَ الإِيمَانُ بِالشَّامِ» .
الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: تُخْرَبُ الأَمْصَارُ قَبْلَ الشَّامِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا، وَإِنَّمَا ضَمِنَتْ لأَهْلِهَا بُرًّا وَزَيْتًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَإِنَّ بِهَا قَبْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نَبِيًّا، وَإِنَّ إِلَيْهَا الْمَحْشَرَ وَالْمَنْشَرَ، وَإِنَّ بِهَا الْمِيزَانَ، وَإِنَّ
стр. 284
الصَّخْرَةَ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: سَيْحُونُ، وَجَيْحُونُ، وَالنِّيلُ، وَالْفُرَاتُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] وَهَذَا عَلَى الْجَمَاعَةِ.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] دُونَ الْغَوْصِ.
وَكَانُوا يَغُوصُونَ فِي الْبَحْرِ فَيُخْرِجُونَ لَهُ اللُّؤْلُؤَ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَرَّثَ اللَّهُ سُلَيْمَانَ دَاوُدَ نُبُوَّتَهُ، وَمُلْكَهُ، وَزَادَ سُلَيْمَانَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ وَالشَّيَاطِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] حَفِظَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَلا يَذْهَبُوا وَيَتْرُكُوهُ، فَكَانُوا مُسَخَّرِينَ لَهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يُسَخَّرْ لَه فِي هَذِهِ الأَعْمَالِ وَفِيمَا يُصَفَّدُ، يَجْعَلُهُمْ فِي السَّلاسِلِ مِنَ الْجِنِّ، إِلا الْكُفَّارَ مِنْهُمْ.
وَاسْمُ الشَّيْطَانِ لا يَقَعُ إِلا عَلَى الْكَافِرِ مِنَ الْجِنِّ.
حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالُوا لَهُ: زَوْبَعَةُ الشَّيْطَانُ لَهُ عَيْنٌ فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، يَرِدُهَا كُلَّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا.
فَأَتَوْهَا، فَنَزَحُوهَا ثُمَّ صَبُّوا فِيهَا خَمْرًا.
فَجَاءَ لِوِرْدِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْخَمْرَ قَالَ فِي كَلامٍ لَهُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ إِذَا شَرِبَكِ صَاحِبُكِ لَمَمًا يَظْهَرُ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ، فِي أَسَاجِعَ.
لا أَذُوقُكِ الْيَوْمَ.
فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ لِظَمَأٍ آخَرَ.
فَلَمَّا رَآهَا قَالَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يَشْرَبْ.
ثُمَّ جَاءَ لِظَمَأٍ آخَرَ لإِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ لَتُذْهِبِينَ الْهَمَّ، فِي سَجْعٍ لَهُ.
فَشَرِبَ مِنْهَا، فَسَكِرَ.
فَجَاءُوا إِلَيْهِ، فَأَرَوْهُ خَاتَمَ السُّخْرَةِ فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ.
فَأَمَرَهُمْ بِالْبِنَاءِ، فَقَالَ زَوْبَعَةُ: دُلُّونِي عَلَى بَيْضِ الْهُدْهُدِ.
فَدُلَّ
стр. 285
عَلَى عُشِّهِ.
فَأَكَبَّ عَلَيْهِ جُمْجُمَةً، يَعْنِي زُجَاجَةً.
فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَجَعَلَ لا يَصِلُ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ، فَجَاءَ بِالْمَاسِ الَّذِي يُثْقَبُ بِهِ الْيَاقُوتُ، فَوَضَعَهُ عَلَيْهَا، فَقَطَّ الزُّجَاجَةَ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ فَأَعْجَزَهُ، فَجَاءُوا بِالْمَاسِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَجَعَلُوا يَسْتَعْرِضُونَ الْجِبَالَ كَأَنَّمَا يَخُطُّونَ فِي نَوَاحِيهَا فِي طِينٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] قَالَ قَتَادَةُ: الْمَرَضُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: يَا رَبِّ، هَلْ مِنْ عَبِيدِكَ عَبْدٌ إِنْ سَلَطَّتَنِي عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، عَبْدِي أَيُّوبُ.
قَالَ: فَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ لِيَجْهَدَ جَهْدَهُ، وَيُضِلَّهُ بِخَبَالِهِ وَغُرُورِهِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ.
قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ، إِنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ مِنِّي، فَسَلِّطْنِي عَلَى مَالِهِ.
فَسَلَّطَهُ عَلَى مَالِهِ فَجَعَلَ يُهْلِكُ مَالَهُ صِنْفًا صِنْفًا وَيَأْتِيهِ فَيَقُولُ: يَا أَيُّوبَ هَلَكَ مَالُكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ، وَأَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي، إِنْ تُبْقِ لِي نَفْسِي أَحْمَدْكَ عَلَى بَلائِكَ.
قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ إِنَّ أَيُّوبَ لا يُبَالِي بِمَالِهِ، فَسَلِّطْنِي عَلَى جَسَدِهِ.
فَسَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَكَثَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا فِي الْعَذَابِ حَتَّى وَقَعَتِ الأَكَلَةُ فِي جَسَدِهِ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّ الدُّودَةَ كَانَتْ تَقَعُ مِنْ جَسَدِهِ فَيَرُدَّهَا فِي مَكَانِهَا وَيَقُولُ: كُلِي مِمَّا رَزَقَكِ اللَّهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَدَعَا رَبَّهُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] وَقَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ رَكْضَةً وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ.
فَإِذَا عَيْنٌ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﵎ ظَاهِرَ دَائِهِ، ثُمَّ مَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ أَرْبَعِينَ
стр. 286
ذِرَاعًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] أَيْضًا، فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ رَكْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا عَيْنٌ، فَشَرِبَ مِنْهَا، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﵎ بَاطِنَ دَائِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَوَلَدَهُ وَأَمْوَالَهُ مِنَ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْحَيَوَانِ، وَكُلِّ شَيْءٍ هَلَكَ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ أَبْقَاهُ اللَّهُ فِيهَا حَتَى وَهَبَ لَهُ مِنْ نُسُولِهَا أَمْثَالَهَا، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣] قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَا اللَّهُ لَهُ أَهْلَهُ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَعْطَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ أَحْيَا وَلَدَ أَيُّوبَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَكَانُوا مَاتُوا قَبْلَ آجَالِهِمْ تَسْلِيطًا مِنَ اللَّهِ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ، فَوَفَّاهُمْ آجَالَهُمْ.
وَإِنَّ اللَّهَ ﵎ أَبْقَاهُ فِيهِمْ حَتَّى أَعْطَاهُ مِنْ نُسُولِهِمْ مِثْلَهُمْ.
وَإِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: يَا أَيُّوبُ وَهُوَ يَأْتِيهِ عِيَانًا، اذْبَحْ لِي سَخْلَةً مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: لا وَلا كَفًّا مِنْ تُرَابٍ.
- الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لا يَبْلُغُ عَبْدٌ الْكُفْرَ وَالإِشْرَاكَ حَتَّى يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يُصَلِّيَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَ اللَّهِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَحْتَجُّ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِثَلاثَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَيَجِيءُ الْعَبْدُ فَيَقُولُ: أَعْطَيْتَنِي جَمَالًا فِي الدُّنْيَا فَأُعْجِبْتُ بِهِ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَعَمِلْتُ بِطَاعَتِكَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ ﵎: الْجَمَالُ الَّذِي أَعْطَيْتُ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَوِ الْجَمَالُ الَّذِي أُعْطِيَ يُوسُفَ؟ فَيَقُولُ الْعَبْدُ: لا، الْجَمَالُ الَّذِي أُعْطِيَ يُوسُفَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ يُوسُفَ كَانَ يَعْمَلُ بِطَاعَتِي، فَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَيَأْتِي الْعَبْدُ فَيَقُولُ: ابْتَلَيْتَنِي فِي الدُّنْيَا، وَلَوْلا ذَلِكَ لَعَمِلْتُ بِطَاعَتِكَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْبَلاءُ الَّذِي ابْتُلِيتَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَشَدُّ أَوِ الْبَلاءُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ أَيُّوبُ؟ فَيَقُولُ الْعَبْدُ: الْبَلاءُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ أَيُّوبُ.
فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ ﵎: قَدْ كَانَ أَيُّوبُ يَعْمَلُ بِطَاعَتِي، فَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَيَجِيءُ الْعَبْدُ فَيَقُولُ: أَعْطَيْتَنِي مُلْكًا فِي الدُّنْيَا فَأُعْجَبْتُ بِهِ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَعَمِلْتُ بِطَاعَتِكَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: الْمُلْكُ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَوِ الْمَلْكُ الَّذِي أُعْطِيَ سُلَيْمَانَ؟ فَيَقُولُ الْعَبْدُ: الْمُلْكُ الَّذِي أُعْطِيَ سُلَيْمَانَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ: قَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ يَعْمَلُ بِطَاعَتِي، فَيَحْتَجُّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
стр. 287
وَحَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَيُّوبَ لَمْ يَبْلُغْهُ شَيْءٌ يَقُولُهُ النَّاسُ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا ابْتُلِيَ بِالَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ.
فَدَعَا اللَّهَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَعْمَلْ حَسَنَةً فِي الْعَلانِيَةِ إِلا عَمِلْتُ فِي الشَّرِّ مِثْلَهَا فَاكْشِفْ مَا بِي مِنْ ضُرٍّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَوَقَعَ سَاجِدًا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِ فِرَاشُ الذَّهَبِ فَجَعَلَ يَلْتَقِطُهُ وَيَجْمَعُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] يَعْنِي أَنَّ الَّذِي كَانَ ابْتُلِيَ بِهِ أَيُّوبُ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَوَانِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ﵎ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِذَلِكَ وَجَعَلَ ذَلِكَ عَزَاءً لِلْعَابِدِينَ بَعْدَهُ فِيمَا يُبْتَلَوْنَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] قَوْلُهُ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥]
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: إِنَّ ذَا الْكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، تَكَفَّلَ بِعَمَلِ رَجُلٍ صَالِحٍ عِنْدَ مَوْتِهِ كَانَ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: إِنَّ ذَا الْكِفْلِ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، تَكَفَّلَ لِنَبِيٍّ بِأَنْ يَكْفُلَ لَهُ أَمْرَ قَوْمِهِ، وَيُقِيمَهُ لَهُمْ، وَيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٨٦] يَعْنِي الْجَنَّةَ.
﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] وَالصَّالِحُونَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] يَعْنِي يُونُسَ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] وَالْحُوتُ، النُّونُ.
﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] يَعْنِي مُكَابِدًا لِدِينِ رَبِّهِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قَالَ قَتَادَةُ: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نُعَاقِبَهُ بِمَا صَنَعَ.
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ يُونُسَ دَعَا قَوْمَهُ زَمَانًا إِلَى اللَّهِ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَأَبَوْا
стр. 288
أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ الْعَذَابَ يَأْتِيهِمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا دَنَا الْوَقْتُ تَنَحَّى عَنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ بِيَوْمٍ جَاءَ فَجَعَلَ يَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: غَدًا يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ.
فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ يُونُسَ يَبْكِي وَيَقُولُ: غَدًا يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ.
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمَلِكُ دَعَا قَوْمَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا فَسَيَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ غَدًا، فَاجْتَمِعُوا حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا.
فَاجْتَمَعُوا، فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْغَدِ، فَنَظَرُوا فَإِذَا بِظُلْمَةٍ وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ.
فَعَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَبَيْنَ أُمَّهَاتِهِمْ، وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ وَبَيْنَ أُمَّهَاتِهَا، وَلَبِسُوا الشَّعْرَ، وَجَعَلُوا الرَّمَادَ وَالتُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، وَبَكَوْا، وَآمَنُوا.
فَصَرَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَلا يَكْذِبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ كَذِبَةً إِلا قَطَعُوا لِسَانَهُ.
فَجَاءَ يُونُسُ مِنَ الْغَدِ، فَنَظَرَ فَإِذَا الْمَدِينَةُ عَلَى حَالِهَا، وَإِذَا النَّاسُ دَاخِلُونَ وَخَارِجُونَ.
فَقَالَ: أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُخْبِرَ قَوْمِي أَنَّ الْعَذَابَ يَأْتِيهِمْ فَلَمْ يَأْتِهِمْ، فَكَيْفَ أَلْقَاهُمْ؟ فَانْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَإِذَا سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ، فَأَتَوْهُ، فَحَمَلُوهُ وَلا يَعْرِفُونَهُ.
فَانْطَلَقَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّفِينَةِ، فَتَقَنَّعَ وَرَقَدَ.
فَمَا مَضَى إِلا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَتْهُمْ رِيحٌ كَادَتْ تُغْرِقُ السَّفِينَةَ.
فَاجْتَمَعَ أَهْلُ السَّفِينَةِ، فَدَعُوا اللَّهَ ثُمَّ قَالُوا: أَيْقِظُوا الرَّجُلَ يَدْعُو اللَّهَ مَعَنَا فَفَعَلُوا.
فَدَعَا اللَّهَ مَعَهُمْ، فَرَفَعَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمْ تِلْكَ الرِّيحَ.
ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَكَانِهِ فَرَقَدَ.
فَجَاءَتْ رِيحٌ كَادَتِ السَّفِينَةُ تَغْرَقُ.
فَأَيْقَظُوهُ وَدَعَوُا اللَّهَ، فَارْتَفَعَتِ الرِّيحُ.
ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَكَانِهِ فَرَقَدَ.
فَجَاءَتْ رِيحٌ كَادَتِ السَّفِينَةُ تَغْرَقُ، فَأَيْقَظُوهُ وَدَعَوُا اللَّهَ، فَارْتَفَعَتْ.
فَتَفَكَّرَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ يُونُسُ فَقَالَ: هَذَا مِنْ خَطِيئَتِي أَوْ قَالَ: مِنْ ذَنْبِي أَوْ كَمَا قَالَ.
فَقَالَ لأَهْلِ السَّفِينَةِ: شُدُّونِي وِثَاقًا وَأَلْقُونِي فِي الْبَحْرِ.
فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ وَحَالُكَ حَالُكَ، وَلَكِنَّا نَقْتَرِعُ، فَمَنْ
стр. 289
أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَلْقَيْنَاهُ فِي الْبَحْرِ.
فَاقْتَرَعُوا، فَأَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ وَلَكِنِ اقْتَرِعُوا الثَّانِيَةَ، فَاقْتَرَعُوا، فَأَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ.
ثُمَّ اقْتَرَعُوا الثَّالِثَةَ فَأَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أَيْ: مِنَ الْمَقْرُوعِينَ.
وَيُقَالُ: مِنَ الْمَسْهُومِينَ، يَعْنِي أَنَّهُ وَقَعَ السَّهْمُ عَلَيْهِ.
فَانْطَلَقَ إِلَى صَدْرِ السَّفِينَةِ لِيُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا هُوَ بِحُوتٍ فَاتِحٍ فَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى ذَنَبِ السَّفِينَةِ، فَإِذَا هُوَ بِالْحُوتِ فَاتِحٍ فَاهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ، فَإِذَا هُوَ بِالْحُوتِ فَاتِحٍ فَاهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، فَإِذَا هُوَ بِالْحُوتِ فَاتِحٍ فَاهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ.
فَأَوْحَى اللَّهُ ﵎ إِلَى الْحُوتِ: إِنِّي لَمْ أَجْعَلْهُ لَكَ رِزْقًا وَلَكِنْ جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ سِجْنًا.
فَمَكَثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ أَنْ يُلْقِيَهُ إِلَى الْبَرِّ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] وَهُوَ ضَعِيفٌ مِثْلُ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ.
فَأَصَابَتْهُ حَرَارَةُ الشَّمْسِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﵎ ﴿شَجَرَةً مِنْ
стр. 290
يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] وَهِيَ الْقَرْعُ، فَأَظَلَّتْهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ يَبِسَتْ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَحَزِنْتَ عَلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَأَرَدْتَ أَنْ أُهْلِكَ مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ خَلْقِي أَوْ يَزِيدُونَ؟ فَعَلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدِ ابْتُلِيَ.
فَانْطَلَقَ، فَإِذَا هُوَ بِذَوْدٍ مِنْ غَنَمٍ.
فَقَالَ لِلرَّاعِي: اسْقِنِي لَبَنًا.
فَقَالَ: مَا هَاهُنَا شَاةٌ لَهَا لَبَنٌ.
فَأَخَذَ شَاةً مِنْهَا فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى ظَهْرِهَا، فَدَرَّتْ فَشَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا.
فَقَالَ لَهُ الرَّاعِي: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ أَخْبَرَنِي.
فَقَالَ لَهُ: أَنَا يُونُسُ.
فَانْطَلَقَ الرَّاعِي إِلَى قَوْمِهِ، فَبَشَّرَهُمْ بِهِ.
فَأَخَذُوهُ وَجَاءُوا مَعَهُ إِلَى مَوْضِعِ الْغَنَمِ فَلَمْ يَجِدُوا يُونُسَ.
فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ شَرَطْنَا لِرَبِّنَا أَلا يَكْذِبَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا قَطَعْنَا لِسَانَهُ.
فَتَكَلَّمَتِ الشَّاةُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالَتْ: قَدْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِي.
وَقَالَتْ شَجَرَةٌ كَانَ اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا: قَدِ اسْتَظَلَّ بِظِلِّي، فَطَلَبُوهُ فَأَصَابُوهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ.
فَكَانَ فِيهِمْ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
وَهِيَ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا: نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَهِيَ عَلَى دِجْلَةٍ.
- نا يَحْيَى قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي دِجْلَةَ رَكِبَ السَّفِينَةَ، وَفِيهَا الْتَقَمَهُ الْحُوتُ ثُمَّ أَفْضَى بِهِ إِلَى الْبَحْرِ.
فَدَارَ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ رَجَعَ فِي دِجْلَةَ، فَثَمَّ نَبَذَهُ بِالْعَرَاءِ، وَهُوَ الْبَرُّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] يَعْنِي ظُلْمَةَ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وَظُلْمَةَ بَطْنِ الْحُوتِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]
- نا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ
стр. 291
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] ".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ.
قَالَ: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ عَاقِرًا فَجَعَلَهَا اللَّهُ وَلُودًا.
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ قَالَ: كَانَ فِي لِسَانِهَا طُولٌ.
وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا يَحْيَى.
قَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] يَعْنِي الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] يَعْنِي طَمَعًا وَخَوْفًا.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] نا عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: مُتَوَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١] أَحْصَنَتْ جَيْبَ دِرْعِهَا عَنِ الْفَوَاحِشِ.
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ تَنَاوَلَ بِأُصْبَعِهِ جَيْبَهَا فَنَفَخَ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى بَطْنِهَا فَحَمَلَتْ.
قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِ رَجُلٍ، آيَةً.
стр. 292
قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: خُلِقَ لا وَالِدَ لَهُ، آيَةً، وَوَالِدَتُهُ وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِ رَجُلٍ، آيَةً.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٢] مِلَّتَكُمْ.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] يَعْنِي مِلَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ: الإِسْلامُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٢] يَعْنِي مِلَّتَكُمْ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] يَعْنِي مِلَّةً وَاحِدَةً: الإِسْلامَ.
قَالَ: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] قَوْلُهُ: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣] يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: تَفَرَّقُوا دِينَهُمُ الإِسْلامَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ فَدَخَلُوا فِي غَيْرِهِ.
- نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى سَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهُمْ فِي النَّارِ، وَلَتَزِيدَنَّ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَيْهِمْ وَاحـ ...
تَفْتَرِقُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهُمْ فِي النَّارِ» .
قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] يَعْنِي الْبَعْثَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] لِعَمَلِهِ.
﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتُهُ حَتَّى يُجْزَى بِهَا الْجَنَّةَ.
стр. 293
قَوْلُهُ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]
- نا سُفْيَانُ وَالْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُعَلَّى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا: وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَفَسَّرَهَا فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَالْمُعَلَّى قَالَ: أَيْ وَجَبَ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا.
وَقَالَ سُفْيَانُ: وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهْمُ لا يُؤْمِنُونَ.
نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] يَعْنِي: لا يَتُوبُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء: ٩٥] أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنَّهَا إِذَا هَلَكَتْ لا يَرْجِعُونَ إِلَى دُنْيَاهُمْ.
قَالَ يَحْيَى: وَالْعَامَّةُ يَقْرَءُونَهَا: ﴿وَحَرَامٌ﴾ [الأنبياء: ٩٥] وَتَفْسِيرُهَا عِنْدَهُمْ: حَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ.
وَهِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ: إِلَى التَّوْبَةِ وَإِلَى الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] يَعْنِي: فَلَمَّا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: يَمُوجُونَ فِي الأَرْضِ فَيُفْسِدُونَ فِيهَا.
- نا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَائِمًا فِي بَيْتِهِ فَاسْتَيْقَظَ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، فَقَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثَلاثًا، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ أَمْرٍ قَدِ اقْتَرَبَ، قَدْ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا» ، وَعَقَدَ يُونُسُ بِيَدِهِ تِسْعِينَ مَفْرَجَةً شَيْئًا.
حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي الضَّيْفِ، عَنْ كَعْبٍ
стр. 294
الأَحْبَارِ قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَنْقُرُونَ كُلَّ يَوْمٍ بِمَنَاقِرِهِمْ فِي السَّدِّ فَيُسْرِعُونَ فِيهِ، فَإِذَا أَمْسَوْا قَالُوا: نَرْجِعُ غَدًا فَنَفْرُغُ مِنْهُ.
فَيُصْبِحُونَ وَقَدْ عَادَ كَمَا كَانَ.
فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﵎ خُرُوجَهُمْ، قَذَفَ عَلَى أَلْسُنِ بَعْضِهِمُ الاسْتِثْنَاءَ فَقَالُوا: نَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَنَفْرُغُ مِنْهُ، فَيُصْبِحُونَ وَهُوَ كَمَا تَرَكُوهُ، فَيَنْقُرُونَهُ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَلا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلا أَفْسَدُوهُ.
فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى الْبُحَيْرَةِ فَيَشْرَبُونَ مَاءَهَا، وَيَمُرُّ أَوْسَطُهُمْ فَيَلْحَسُونَ طِينَهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُ: قَدْ كَانَ هَاهُنَا مَاءٌ مَرَّةً فَيَقْهَرُونَ النَّاسَ، وَيَفِرُّ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ وَالْجِبَالِ.
فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ فَهَلَمُّوا إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ.
فَيَرْمُونَ نِبَالَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ تَقْطُرُ دَمًا.
فَيَقُولُونَ: قَدْ فَرَغْنَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ وَأَهْلِ السَّمَاءِ.
فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَضْعَفَ خَلْقِهِ: النَّغَفَ وَهِيَ دُودٌ تَأْخُذُهُمْ فِي رِقَابِهِمْ فَتَقْتُلُهُمْ، حَتَّى تُنْتِنَ الأَرْضُ مِنْ جِيَفِهِمْ.
وَيُرْسِلُ اللَّهُ الطَّيْرَ فَتَنْقُلُ جِيَفَهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ ﵎ السَّمَاءَ فَتُطَهِّرُ الأَرْضَ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ: وَيَسْتَوْقِدِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِمْ، وَجِعَابِهِمْ، وَنِشَابِهِمْ، وَأَتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ.
قَالَ كَعْبٌ: وَتُخْرِجُ الأَرْضُ زَهْرَتَهَا وَبَرَكَتَهَا، وَيَتَرَاجَعُ النَّاسُ، حَتَّى إِنَّ الرُّمَّانَةَ لَتُشْبِعُ السَّكْنَ.
قِيلَ: وَمَا السَّكْنُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْبَيْتِ.
قَالَ: وَتَكُونُ سُلْوَةً مِنْ عَيْشٍ.
فَبَيْنَمَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ خَبَرٌ أَنَّ ذَا السُّوَيْقَتَيْنِ صَاحِبَ الْجَيْشِ قَدْ غَزَا الْبَيْتَ.
فَيَبْعَثُ الْمُسْلِمُونَ جَيْشًا، فَلا يَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَلا يَرْجِعُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ ﵎ رِيحًا طَيِّبَةً يَمَانِيَّةً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَتَكْفِتُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ.
ثُمَّ لا أَجِدُ مَثَلَ السَّاعَةِ إِلا كَرَجُلٍ أَنْتَجَ مُهْرًا فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَرْكَبُهُ، فَمَنْ تَكَلَّفَ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ مَا وَرَاءَ هَذَا فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ.
стр. 295
- نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَخْرِقُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا، فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَأَشَدَّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا
فَسَتَخْرِقُونَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيَنْشِفُونَ الْمِيَاهَ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ نِشَابَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرْجِعُ فِيهَا كَهَيْئَةِ الدَّمِ فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ
الأَرْضِ لَتَسْمَنُ وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شَكَرًا ".
- نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَحُجُّونَ، وَيَعْتَمِرُونَ وَيَغْرِسُونَ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَكَمَةٍ وَمِنْ كُلِّ نَجْوٍ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ.
نا عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: جَمْعُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ جَاءُوا مِنْهُ
стр. 296
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهُوَ حَدَبٌ.
- نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ خَلَقَ الْمَلائِكَةَ، وَالْجِنَّ، وَالإِنْسَ فَجَزَّأَهُمْ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهَا الْمَلائِكَةُ، وَجُزْءٌ وَاحِدٌ الْجِنُّ وَالإِنْسُ.
وَجَزَّأَ الْمَلائِكَةَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهُمُ الْكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، وَجُزْءٌ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لِرِسَالَتِهِ، وَلِخَزَائِنِهِ، وَمَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِهِ.
وَجَزَّأَ الْجِنَّ وَالإِنْسَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهُمُ الْجِنُّ وَالإِنْسُ جُزْءٌ وَاحِدٌ، فَلا يُولَدُ مِنَ الإِنْسِ مَوْلُودٌ إِلا وُلِدَ مِنَ الْجِنِّ تِسْعَةٌ.
وَجَزَّأَ الإِنْسَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَسَائِرُهُمْ بَنُو آدَمَ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي مَا سِوَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: الإِنْسُ كُلُّهُمْ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ وَلَدُ آدَمَ، وَالْجِنُّ كُلُّهُمْ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ وَلَدُ إِبْلِيسَ.
- نا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي أَوِ ابْنِ أَخِي أَوِ ابْنِ عَمِّي قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ الأَذْرُعُ هُمْ أَمِ الأَشْبَارُ؟ فَقَالَ: يَابْنَ أَخِي مَا أَجِدُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِأَعْظَمَ مِنْهُمْ وَلا أَطْوَلَ، وَلا يَمُوتُ الْمَيِّتُ مِنْهُمْ حَتَّى يُولَدُ لَهُ أَلْفٌ فَصَاعِدًا.
فَقُلْتُ: مَا طَعَامُهُمْ؟ قَالَ: هُمْ فِي مَاءٍ مَا شَرِبُوا، وَفِي شَجَرٍ مَا هَضَمُوا، وَفِي نِسَاءٍ مَا نَكَحُوا.
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلاءِ التُّرْكَ مِمَّا سَقَطَ مِنْ دُونِ الرَّدْمِ مِنْ وَلَدِ يَأْجُوجِ وَمَأْجُوجِ.
стр. 297
قَوْلُهُ: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧] يَعْنِي النَّفْخَةَ الآخِرَةَ.
﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] إِلَى إِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
﴿يَا وَيْلَنَا﴾ [الأنبياء: ٩٧] يَقُولُونَ: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٩٧] يَعْنُونَ تَكْذِيبَهُمْ بِالسَّاعَةِ.
﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] لأَنْفُسِنَا.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]
نا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْحَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] حَطَبُ جَهَنَّمَ يَحْصَبُ بِهِمْ فِيهَا.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] دَاخِلُونَ.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَعْنِي الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، لأَنَّهُمْ بِعِبَادَتِهِمُ الأَوْثَانَ عَابِدُونَ لِلشَّيَاطِينِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مُقَابِلَ بَابِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَوَجِدَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْهَا وَجْدًا شَدِيدًا.
فَقَالَ ابْنُ الزِّبْعَرَى: يَا مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ الآيَةَ الَّتِي قَرَأْتُ آنِفًا، أَفِينَا وَفِي آلِهَتِنَا خَاصَّةً، أَمْ فِي الأُمَمِ وَآلِهَتِهِمْ مَعَنَا؟ فَقَالَ: لا، بَلْ فِيكُمْ، وَفِي آلِهَتِكُمْ، وَفِي الأُمَمِ، وَفِي آلِهَتِهِمْ.
قَالَ: خَصَمْتُكَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى وَأُمَّهُ، وَأَنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ يَعْبُدُونَ الْمَلائِكَةَ، أَفَلَيْسَ هَؤُلاءِ مَعَ آلِهَتِنَا فِي النَّارِ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَضَحِكَتْ قُرَيْشٌ وَضَجُّوا.
стр. 298
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] يَعْنِي: يَضِجُّونَ.
﴿وَقَالُوا﴾ [الزخرف: ٥٨] يَعْنِي قُرَيْشًا ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وقَالَ هَاهُنَا فِي هَذِهِ الآيَةِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] وَهُمْ عِيسَى وَعُزَيْرٌ، وَالْمَلائِكَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] عِيسَى، وَعُزَيْرٌ، وَالْمَلائِكَةُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ عُزَيْرًا فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ عِيسَى فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَعِيسَى وَعُزَيْرٌ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُمُ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ.
وَمَا عُبِدُوا مِنَ الْحِجَارَةِ، وَالْخَشَبِ، وَمِنَ الْجِنِّ، وَعِبَادَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَهُمْ وَمَا عَبَدُوا حَصَبُ جَهَنَّمَ.
- قَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبِي وَبَحْرُ بْنُ كُنَيْزٍ السَّقَّاءُ وَخَالِدُ وَدُرُسْتُ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ» .
قَالَ دُرُسْتُ ثُمَّ قَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّهُمَا يُمَثَّلانِ لِمَنْ عَبَدَهُمَا فِي النَّارِ، يُوَبَّخُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] وَفِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَسْجُدَانِ لِلَّهِ.
قَالَ اللَّهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨]
стр. 299
- حَدَّثَنِي الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ الْفَجْرُ، وَتَغِيبُ مِنْ حَيْثُ يَغِيبُ الْفَجْرُ، فَإِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَطْلُعَ تَقَاعَسَتْ حَتَّى تُضْرَبَ بِالْعمدِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنِّي إِذَا طَلَعْتُ عُبِدْتُ دُونَكَ.
فَتَطْلُعُ عَلَى وَلَدِ آدَمَ كُلِّهِمْ، فَتَجْرِي إِلَى الْمَغْرِبِ فَتَغْرُبُ، فَتُسَلِّمُ، فَيُرَدُّ عَلَيْهَا، وَتَسْجُدُ، فَيُنْظَرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ، فَيُؤْذَنُ لَهَا حَتَّى تَأْتِيَ الْمَشْرِقَ، وَالْقَمَرُ كَذَلِكَ.
حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا يَوْمٌ تَغْرُبُ فِيهِ فَتُسَلِّمُ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهَا، وَتَسْجُدُ فَلا يُنْظَرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَلا يُؤْذَنُ لَهَا.
فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ الْمَشْرِقَ بَعِيدٌ وَلا أَبْلُغُهُ إِلا بِجَهْدٍ، فَتُحْبَسُ حَتَّى يَجِيءَ الْقَمَرُ، فَيُسَلِّمُ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ، فَيَسْجُدُ فَلا يُنْظَرُ إِلَيْهِ، وَيَسْتَأْذِنُ فَلا يُؤْذَنُ لَهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمَا: ارِجْعَا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمَا.
فَيَطْلُعَانِ مِنَ الْمَغْرِبِ كَالْبَعِيرَيْنِ الْمُقْتَرِنَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] وَهُوَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ.
قَالَ: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] يَعْنِي جَهَنَّمَ مَا دَخَلُوهَا، لامْتَنَعُوا بِآلِهَتِهِمْ.
قَالَ: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩] الْعَابِدُونَ وَالْمَعْبُودُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] قَالَ الْحَسَنُ: الزَّفِيرُ اللَّهَبُ، تَرْفَعُهُمْ بِلَهَبِهَا، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي أَعْلاهَا ضُرِبُوا بِمَقَامِعِ الْحَدِيدِ فَهَوَوْا إِلَى أَسْفَلِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَدْعُونَ مَالِكًا فَيَذَرُهُمْ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ عَامًا لا يُجِيبُهُمْ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ثُمَّ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَذَرُهُمْ قَدْرَ عُمُرِ الدُّنْيَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قَالَ: فَمَا نَبَسُوا بَعْدَهَا بِكَلِمَةٍ، وَلا كَانَ إِلا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
فَشَبَّهَ أَصْوَاتَهُمْ بِأَصْوَاتِ الْحَمِيرِ، أَوَّلُهُ زَفِيرٌ وَآخِرُهُ شَهِيقٌ قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠]
стр. 300
- قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنَ النَّارِ وَبَقِيَ فِي النَّارِ مَنْ يَخْلُدُ فِيهَا جُعِلُوا فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ فِيهَا مَسَامِيرُ مِنْ نَارٍ، ثُمَّ جُعِلَتِ التَّوَابِيتُ فِي تَوَابِيتَ أُخَرَ، تِلْكَ التَّوَابِيتُ فِي تَوَابِيتَ أُخَرَ، فَلا يَرَوْنَ أَنَّ أَحَدًا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ غَيْرَهُمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠]
قَالَ الْحَسَنُ: ذَهَبَ الزَّفِيرُ بِسَمْعِهِمْ فَلا يَسْمَعُونَ مَعَهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] يَعْنِي الْجَنَّةَ.
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] قَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَعُزَيْرٍ وَالْمَلائِكَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] يَعْنِي صَوْتَهَا فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَسِيسَهَا: مَسَّهَا.
قَالَ: وَلا صَوْتًا، وَإِنَّهَا تَلْتَظِي عَلَى أَهْلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَكُونُ الطَّعَامُ فِي فِي أَحَدِهِمْ فَيَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ طَعَامٌ آخَرُ، فَيَتَحَوَّلُ فِي فِيهِ ذَلِكَ الطَّعَامُ الَّذِي اشْتَهَى.
وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] قَالَ الْحَسَنُ: النَّفْخَةُ الآخِرَةُ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أُخْرِجَ فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلا أَهْلُ الْخُلُودِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ أُطْبِقَتْ
стр. 301
عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحَدٌ.
فَذَلِكَ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ.
قَوْلُه: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] قَالَ الْحَسَنُ: تَلْقَاهُمْ بِالْبِشَارَةِ حِينَ يُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ وَتَقُولُ: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ فِيهَا الْكِتَابُ.
مَعْمَرُ بْنُ عِيسَى أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: إِنَّ السَّمَاءَ إِنَّمَا تُطْوَى مِنْ أَعْلاهَا كَمَا يَطْوِي الْكِتَابُ الصَّحِيفَةَ مِنْ أَعْلاهَا إِذَا كُتِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلا، غُلْفًا.
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﵎ أَنْ يَبْعَثَ الْمَوْتَى عَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ نُطَفًا، ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، ثُمَّ عِظَامًا، ثُمَّ لَحْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ.
فَكَذَلِكَ كَانَ بَدْؤُهُمْ.
- قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُنَزِّلُ اللَّهُ ﵎ مَطَرًا مَنِيًّا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ فَتَنْبُتُ بِهِ جُسْمَانُهُمْ وَلُحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، كَمَا تَنْبُتُ الأَرْضُ مِنَ الثَّرَى.
قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] يَعْنِي الْبَعْثَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] يَعْنِي: كَائِنًا، الْبَعْثَ.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أَيْ نَحْنُ فَاعِلُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: يَعْنِي بِالزَّبُورِ الْكُتُبَ، التَّوْرَاةَ، وَالإِنْجِيلَ، وَالْقُرْآنَ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] الْكِتَابُ عِنْدَ اللَّهِ
стр. 302
الَّذِي فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ أَمُّ الْكِتَابِ.
﴿أَنَّ الأَرْضَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي أَرْضَ الْجَنَّةِ.
﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي زَبُورَ دَاوُدَ ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] مِنْ بَعْدِ التَّوْرَاةِ ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ [الأنبياء: ١٠٦] الْقُرْآنِ.
﴿لَبَلاغًا﴾ [الأنبياء: ١٠٦] إِلَى الْجَنَّةِ.
﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] الَّذِي يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
وَفِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي: زَبُورَ دَاوُدَ، ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، ﴿أَنَّ الأَرْضَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي: أَرْضَ الْجَنَّةِ، ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وَكَتَبَ اللَّهُ ﵎ ذَلِكَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] أَيْ عَامِلِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] يَعْنِي لِمَنْ آمَنَ مِنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ.
يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ تَمَّتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا عُذِّبَتْ بِهِ الأمم، وله فِي الآخرة النار.
قَالَ يَحْيَى: لأَنَّ تَفْسِيرَ النَّاسِ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَخَّرَ عَذَابَ كُفَّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ
стр. 303
بِالاسْتِئْصَالِ إِلَى النَّفْخَةِ الأُولَى بِهَا يَكُونُ هَلاكُهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا﴾ [الأنبياء: ١٠٨] أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ.
﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] وَكَذَلِكَ جَاءَتِ الرُّسُلُ.
قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، لا تَعْبُدُوا غَيْرِي.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنبياء: ١٠٩] يَعْنِي كَفَرُوا.
﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] يَعْنِي عَلَى أَمْرٍ بَيِّنٍ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ قَتَادَةَ: عَلَى مَهَلٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ كَذَّبَ بِي فَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ، أَيْ جِهَادُهُمْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ عِنْدِي وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أَيْ لِيَكُونَ حُكْمُكَ فِيهِمْ سَوَاءً: الْجِهَادُ وَالْقَتْلُ لَهُمْ أَوْ يُؤْمِنُوا.
وَهَؤُلاءِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ.
وَيُقَاتِلُ أَهْلُ الْكِتَابِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ.
وَجَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ مَا خَلا الْعَرَبِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.
وَأَمَّا نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَهُمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] يَعْنِي بِهِ السَّاعَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٠] يَعْنِي مَا تُسِرُّونَ.
وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ: إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ قَبْلَ الْخَلْقِ وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: لَعَلَّ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا مِنَ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ زَائِلٌ.
﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] يَعْنِي بَلِيَّةً لَكُمْ.
﴿وَمَتَاعٌ﴾ [الأنبياء: ١١١] تَسْتَمْتِعُونَ بِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]
стр. 304
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
تَفْسِيرُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِلَى الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ تَقُولُ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] فَأَمَرَ اللَّهُ ﵎ نَبِيَّهُ أَنْ يَقُولَ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] أَيِ: اقْضِ بِالْحَقِّ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَإِنَّ عَدُوَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ، فَكَانَ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ يَقُولُ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ بِالْحَقِّ هَلَكُوا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَنْ يَنْصُرَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] قَالَ قَتَادَةُ: عَلَى مَا تَكْذِبُونَ، يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ.
стр. 305
سُورَةُ الْحَجِّ
سُورَةُ الْحَجِّ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ إِلا أَرْبَعَ آيَاتٍ مَكِّيَّاتٍ
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] فَإِنَّ هَذِهِ الأَرْبَعَ آيَاتٍ مَكِّيَّاتٍ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ السُّورَةِ فَهُوَ مَدَنِيٌّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] .
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ﴾ [الحج: ٢] يَعْنِي تُعْرِضُ.
﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] وَهَذِهِ النَّفْخَةُ الآخِرَةُ.
- أَبُو الأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ لا يَقْصُرُ، إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَ نَبِيِّهِمُ اعْصَوْصَبُوا بِهِ فَتَلاهُمَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: " هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَاكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: " ذَاكُمْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لآدَمَ: يَا آدَمُ قُمِ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ.
قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا إِلَى النَّارِ وَوَاحِدًا إِلَى الْجَنَّةِ ".
فَلَمَّا سَمِعُوا مَا قَالَ نَبِيُّهُمْ أَبْلَسُوا حَتَّى مَا يُجْلَى أَحَدُهُمْ عَنْ وَاضِحَةٍ.
فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَمَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ
стр. 306
كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، وَإِنَّكُمْ مَعَ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ شَيْءٍ قَطُّ إِلا كَثَّرَتَاهُ، يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَمَنْ هَلَكَ، يَعْنِي وَمَنْ كَفَرَ مِنْ بَنِي إِبْلِيسَ، وَتُكْمَلُ الْعِدَّةُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ» .
- أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ فِي جُمُوعِ الْكُفَّارِ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْرَمُ الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْكَبِيرَ يُحَطُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَيُرْفَعُ الصَّغِيرُ إِلَى ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا بِغَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا رَبُّكُمْ لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهَا مِثْلَهَا» .
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] يَعْنِي الْمُشْرِكَ يَلْحَدُ فِي اللَّهِ فَيَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ.
﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] مَرُدَ، يَعْنِي اجْتَرَأَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَالشَّيَاطِينُ هِيَ الَّتِي أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ.
قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ [الحج: ٤] تَوَلَّى الشَّيْطَانَ، اتَّبَعَهُ.
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ.
قَوْلُهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥] فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ.
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] وَهَذَا خَلْقُ آدَمَ.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] يَعْنِي نَسْلَ آدَمَ.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] قَالَ: هُوَ السِّقْطُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمَا جَمِيعًا السِّقْطُ مُخَلَّقٌ وَغَيْرُ مُخَلَّقٍ.
﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] يَعْنِي التَّمَامَ.
- يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
стр. 307
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، أَوْ يَكُونُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُؤْمَرُ الْمَلَكُ أَوْ قَالَ: يَأْتِي الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ أَنْ يَكْتُبَ أَرْبَعًا: رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ".
- حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ الْمَنِيَّ إِذَا مَكَثَ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَتَاهُ مَلَكُ النُّفُوسِ فَخَرَجَ بِهِ إِلَى اللَّهِ ﵎ فِي رَاحَتِهِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، عَبْدُكَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ مَا هُوَ قَاضٍ.
أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبُ مَا هُوَ لاقٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
ثُمَّ قَرَأَ أَبُو ذَرٍّ مِنْ فَاتِحَةِ سُورَةِ التَّغَابُنِ خَمْسَ آيَاتٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥] بُدُوُّ خَلْقِكُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ﴾ [الحج: ٥] أَرْحَامِ النِّسَاءِ.
﴿مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] الْوَقْتِ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] يَعْنِي الاحْتِلامَ.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ [الحج: ٥] وَفِيهَا إِضْمَارٌ: أَيْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْلُغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ.
وَقَالَ فِي حم: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ [غافر: ٦٧] أَنْ يَبْلُغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥] الْهَرَمُ.
﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَعْقِلُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥] أَيْ: غَبْرَاءَ مُتَهَشِّمَةً.
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] وَفِيهَا تَقْدِيمٌ: رَبَتْ لِلنَّبَاتِ انْفَتَحَتْ وَاهْتَزَّتْ بِالنَّبَاتِ إِذَا أَنْبَتَتْ.
قَالَ: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] حَسَنٍ.
وَكُلُّ مَا يَنْبُتُ فِي الأَرْضِ فَالْوَاحِدُ مِنْهَا زَوْجٌ.
وَحُسْنُ ذَلِكَ النَّبَاتِ أَنَّهَا تُنْبِتُ أَلْوَانًا مِنْ صُفْرَةٍ، وَحُمْرَةٍ، وَخُضْرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَلْوَانِ.
قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦] وَالْحَقُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
стр. 308
﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦] إِنَّ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ الْهَامِدَةِ الْمَيِّتَةِ مَا أَخْرَجَ مِنَ النَّبَاتِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى.
قَالَ: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج: ٧] لا شَكَّ فِيهَا.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] قَوْلُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٨] يَعْنِي الْمُشْرِكَ يَلْحَدُ فِي اللَّهِ فَيَجْعَلُ مَعَهُ الآلِهَةَ يَعْبُدُهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ.
﴿وَلا هُدًى﴾ [الحج: ٨] أَتَاهُ مِنْهُ.
﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] قَضَى بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ.
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] ثَانِي رَقَبَتِهِ، مُعْرِضٌ عَنِ اللَّهِ، وَعَنْ رَسُولِهِ، وَدِينِهِ.
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩] الْقَتْلُ.
﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] عَذَابُ جَهَنَّمَ، يُحْرَقُ بِالنَّارِ.
وَتَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ فَقُتِلَ، أَحْسَبُهُ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ.
قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: عَلَى شَكٍّ.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١] يَقُولُ رَضِيَ بِهِ.
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] هَذَا الْمُنَافِقُ، يَعْنِي إِنْ رَأَى فِي الإِسْلامِ رَخَاءً وَطَمَأْنِينَةً طَابَتْ نَفْسُهُ بِمَا يُصِيبُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَنَا مِنْكُمْ وَمَعَكُمْ، وَإِنْ رَأَى فِي الإِسْلامِ شِدَّةً أَوْ بَلِيَّةً لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مُصِيبَتِهَا أَوْ لَمْ يَرْجُ عَاقِبَتَهَا ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] يَعْنِي كَافِرًا.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ [الحج: ١١] فَذَهَبَتْ عَنْهُ وَزَالَتْ.
وخسر ﴿وَالآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ إِنْ أَصَابَ خَصْبًا وَرَفَاغَةً فِي الْعَيْشِ وَمَا يَشْتَهِي اطْمَأَنَّ
стр. 309
إِلَيْهِ وَقَالَ: أَنَا عَلَى حَقٍّ وَأَنَا أَعْرِفُ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] أَيْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَأَنْكَرَ مَعْرِفَتَهُ.
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ [الحج: ١١] يَعْنِي خَسِرَ دُنْيَاهُ الَّتِي كَانَ لَهَا عَمِلَ وَفِيهَا يَفْرَحُ، فَهِيَ هَمُّهُ وَطَلَبَتُهُ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] يَعْنِي الْوَثَنَ.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢] قَالَ: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] يَعْنِي الْوَثَنَ، يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَهُوَ كَلٌّ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَتَوَلَّاهُ.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج: ١٣] لَبِئْسَ الْوَلِيُّ.
﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] لَبِئْسَ الصَّاحِبُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَثَنَ.
تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤] قَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥] يَعْنِي الْمُنَافِقَ، أَيْ إِنَّهُ يَائِسٌ مِنْ أَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، لا يُصَدِّقُ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ نَصْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَنَصْرُهُ فِي الآخِرَةِ الْحُجَّةُ.
قَالَ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥] بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] سَمَاءِ الْبَيْتِ، يَعْنِي سَقْفَ الْبَيْتِ، أَيْ فَلْيُعَلِّقْ حَبْلًا مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ فَلْيَخْتَنِقْ حَتَّى يَمُوتَ.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فـ ﴿لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] فَلْيَخْتَنِقْ.
وَذَلِكَ كَيْدُهُ.
قَالَ: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ [الحج: ١٥] ذَلِكَ غَيْظُهُ: أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لا يُذْهِبُ غَيْظَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ١٥] أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ.
стр. 310
قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الحج: ١٦] الْقُرْآنُ.
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج: ١٦] الْحَلالُ وَالْحَرَامُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٦] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [الحج: ١٧] الْيَهُودُ.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [الحج: ١٧] هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلائِكَةَ وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ.
﴿وَالنَّصَارَى﴾ [الحج: ١٧] تَنَصَّرُوا.
وَإِنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى لأَنَّهُمْ كَانُوا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ.
﴿وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج: ١٧] قَالَ قَتَادَةُ: وَهُمْ عَبَدَةُ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنِّيرَانِ.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] عَبَدَةُ الأَوْثَانِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧] فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، فَيُدْخِلُ الْمُؤْمِنَ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ جَمِيعَ هَؤُلاءِ النَّارَ عَلَى مَا أَعَدَّ لِكُلِّ قَوْمٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي هَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَشَاهِدٌ كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ السَّمَاءِ يُسَبِّحُونَ لَهُ وَبَعْضَ أَهْلِ الأَرْضِ، يَعْنِي الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ.
وَكَانَ الْحَسَنُ لا يَعُدُّ السُّجُودَ إِلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلا يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسْجُدُ الْمُؤْمِنُ طَايِعًا، وَيَسْجُدُ الْكَافِرُ كَارِهًا.
قَالَ: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨] كُلُّهَا.
﴿وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ [الحج: ١٨] كُلُّهَا.
﴿وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صِفَةِ الإِنْسَانِ فَاسْتَثْنَى فِيهِ فَقَالَ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 311
﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] يَعْنِي مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ.
وَقَالَ ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ [الحج: ١٨] فَيُدْخِلُهُ النَّارَ.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] قَوْلُهُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، وَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ.
وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ.
فَأَفْلَجَ اللَّهُ أَهْلَ الإِسْلامِ فَقَالَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الحج: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
قَالَ يَحْيَى: وَكَذَلِكَ حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] أَهْلُ الْكِتَابِ خَصْمٌ وَالْمُؤْمِنُونَ خَصْمٌ، اخْتَصَمُوا يَعْنِي جَمَاعَتَهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَدِ اخْتَصَمُوا فِي اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا فِي الدُّنْيَا قَطُّ لاخْتِلافِ الْمِلَّتَيْنِ.
أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَوَحَّدَ اللَّهَ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِثَوَابِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَأَلْحَدَ فِي اللَّهِ، فَعَبَدَ غَيْرَهُ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِثَوَابِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي ثَلاثَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَثَلاثَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
فَأَمَّا الثَّلاثَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: فَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَحَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ.
وَأَمَّا الثَّلاثَةُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: فَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩] وقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٥٠] أَيْ: قُمُصُهُمْ ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] .
قَالَ الْحَسَنُ: الْقَطِرَانُ الَّذِي يُطْلَى بِهِ الإِبِلُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ صُفْرٍ.
стр. 312
قَالَ الْحَسَنُ: وَهِيَ مِنْ نَارٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] وَهُوَ الْحَارُّ الشَّدِيدُ الْحَرِّ.
﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ [الحج: ٢٠] يُحْرَقُ بِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُقْطَعُ بِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُذَابُ بِهِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يُنْضَحُ بِهِ.
﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] يَعْنِي وَتُحْرَقُ بِهِ الْجُلُودُ.
وَهُوَ الَّذِي قَالَ الْحَسَنُ: تُقْطَعُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] يَعْنِي مِنْ نَارٍ، يُقْمَعُ رَأْسُهُ بِالْمِقْمَعَةِ، فَيَحْتَرِقُ رَأْسُهُ، فَيُصَبُّ فِي الْحَمِيمِ حَتَّى يَبْلُغَ جَوْفَهُ.
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ أَنَا أَبَا الْعَوَّامِ سَادِنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] فَقَالَ لِلْقَوْمِ: مَا تَقُولُونَ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفِ مَلَكٍ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: هُمْ تِسْعَةُ عَشَرَ مَلَكًا، بِيَدِ كُلِّ مَلَكٍ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَهَا شُعْبَتَانِ، فَيَضْرِبُ بِهَا الضَّرْبَةَ فَتَهْوِي بِهَا سَبْعُونَ أَلْفًا، أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢] قَالَ: الْحَسَنُ: تَرْفَعُهُمْ بِلَهَبِهَا، فَإِذَا كَانُوا فِي أَعْلاهَا قَمَعَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ نَارٍ، فَيَهْوُونَ فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا.
قَالَ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَحَدٌ إِلا وَفِي يَدِهِ ثَلاثَةُ أَسْوِرَةٍ: سِوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِوَارٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَسِوَارٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ.
وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] أَمْ
стр. 313
﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَدَا إِسْوَارُهُ لَغَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] قَوْلُهُ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤] وَهُوَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ.
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: الإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا بِاللَّهِ.
وَهُوَ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَهُدُوا﴾ [الحج: ٢٤] يَعْنِي فِي الدُّنْيَا.
﴿إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وَهُوَ اللَّهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أَيْ إِلَى الْجَنَّةِ: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣] طَرِيقِ اللَّهِ الَّذِي هَدَى لَهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٢٥] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] يَعْنِي الْهُدَى، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥] أَيْ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] يَعْنِي: وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ الإِسْلامِ.
قَالَ: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥] قِبْلَةً وَنُسُكًا.
قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [الحج: ٢٥] السَّاكِنُ فِيهِ.
стр. 314
﴿وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، هُمْ فِي بُيُوتِهَا شُرَّعٌ سَوَاءٌ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْعَاكِفُ فِيهِ فَأَهْلُ مَكَّةَ، وَأَمَّا الْبَادِ فَمَنْ يَنْتَابُهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [الحج: ٢٥] السَّاكِنُ فِيهِ ﴿وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] الْجَانِبُ يَعْنِي مَنْ يَعْتَقِبُهُ، أَيِ الَّذِي يَنْتَابُهُ مِنَ النَّاسِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، سَوَاءٌ فِي حَرَمِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَحُقُوقِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] أَيْ بِشِرْكٍ.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَنْ لَجَأَ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ لِيَعْبُدَ فِيهِ غَيْرَ اللَّهِ عَذَّبَهُ اللَّهُ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: الإِلْحَادُ، الْمَيْلُ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ إِلَى الشِّرْكِ.
نا الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]
- قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَشْعَثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ رَبْوَةً بَيْضَاءَ حَوْلَهَا
стр. 315
حِجَارَةٌ مَرْسُومَةٌ حَوْلَهَا حَرَجَةٌ مِنْ سَمُرٍ نَابِتٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] ، يَقُولُ: أَعْلَمْنَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] مِنَ الأَوْثَانِ، يَعْنِي لا تَذَرْ حَوْلَهُ وَثَنًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَالشِّرْكِ، وَقَوْلِ الزُّورِ وَالْمَعَاصِي.
- نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أُمِّ عَلْقَمَةَ مَوْلاةِ عَائِشَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كِسْوَةُ الْبَيْتِ عَلَى الأُمَرَاءِ وَلَكِنْ طَيِّبُوا الْبَيْتَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَطْهِيرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]
نا الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ: الطَّائِفُونَ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَالرُّكَّعُ السُّجُودُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ إِلَيْهِ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَعْنِي أَهْلَ الطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦] نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْقَائِمُونَ أَهْلُ مَكَّةَ.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] أَهْلِ الصَّلاةِ يُصَلُّونَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نَبَّئُونَا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ
стр. 316
الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ نَادَى: يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِلَّهِ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَأَسْمَعَ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ أَوِ الْمَشْرِقَيْنِ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَجَابَهُ يَوْمَئِذٍ مَنْ كَانَ حَاجًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
- نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عِنْدَ الْبَيْتِ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَسَمِعَهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ.
- نا حَمَّادٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بَنَيَا الْبَيْتَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَجَعَلَ لا يَمُرُّ بِأَحَدٍ إِلا قَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ بُنِيَ لَكُمْ بَيْتٌ فَحُجُّوهُ.
فَجَعَلَ لا يَسْمَعُهُ حَجَرٌ وَلا شَجَرٌ إِلا أَجَابَهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.
- نا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الْغَنَوِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ؟ قُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَتْ؟ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ خَفَضَتِ الْجِبَالُ رُءُوسَهَا وَرُفِعَتْ لَهُ الْقُرَى، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ.
قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: ٢٧] نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مُشَاةً.
ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: حَجَّ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ مَاشِيَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيْ لا تَبْلُغُهُ الْمَطِيُّ حَتَّى تَضْمُرَ.
стр. 317
قَوْلُهُ: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] يَعْنِي بَعِيدٍ.
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: عَمْقُ مَا بَيْنَ تِهَامَةَ وَالْعِرَاقِ وَيُؤْتَى مِنْ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: الأَجْرُ فِي الآخِرَةِ وَالتِّجَارَةُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ يَحْيَى: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ فِي الْمَوْسِمِ، وَكَانَتْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
- قَوْلُهُ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] نا أَشْعَثُ، عَنْ حَفْصِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ....
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَهِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ آخِرُهَا يَوْمُ النَّحْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] يُسَمِّي إِذَا نَحَرَ أَوْ ذَبَحَ.
وَالأَضْحَى ثَلاثَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ.
وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُهَا.
стр. 318
قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الضَّعِيفُ الْفَقِيرُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَقِيرُ الَّذِي بِهِ زَمَانَةٌ.
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُطْعِمُ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُلُثًا، وَأُطْعِمُ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ثُلُثًا، وَأُطْعِمُ أَهْلِي ثُلُثًا.
- نا حَمَّادٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ بَعَثَ بِهَدْيٍ مَعَ عَلْقَمَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُلُثًا، وَأَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ثُلُثًا وَأَنْ يُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ ثُلُثًا.
نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَيْسَ لِصَاحِبِ الْبَدَنَةِ مِنْهَا إِلا رُبْعُهَا.
يَحْيَى قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لا يُطْعَمُ مِنَ الأُضْحِيَةِ أَقَلُّ مِنَ الرُّبْعِ.
- نا عُثْمَانُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُ مِنْ بُدْنِهِ....
يَأْكُلُ لا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
يَقُولُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] وَأَطْعِمُوا مِنْهَا وَكُلُوا مِنْهَا، هُمَا سَوَاءٌ لا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ نَاعِمٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ حَضَرَ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَوْمَ أَضْحَى، فَخَطَبَ ثُمَّ نَزَلَ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَعَا بِتَيْسٍ فَذَبَحَهُ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ آلِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لَمْ يَبْرَحْ حَتَّى قَسَّمَ لَحْمَهُ فَفَضِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَبَعَثَهُ إِلَى أَهْلِهِ.
стр. 319
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هِيَ مُقَدَّمَةٌ مُؤَخَّرَةٌ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] وَأَطْعِمُوا مِنْهَا وَكُلُوا، لا بَأْسَ أَنْ يَطْعَمَ مِنْهَا قَبْل أَنْ يَأْكُلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا.
- قَالَ: ونا عُثْمَانُ، عَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْ بَدَنَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُطْعِمَ.
- نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَ هُوَ وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَوْا مِنْ مَرَقَتِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَلْقُ الرُّءُوسِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: التَّفَثُ: حَلْقُ الشَّعْرِ وَقَطْعُ الأَظْفَارِ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: التَّفَثُ: حَلْقُ الرُّءُوسِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ.
نا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: التَّفَثُ ذَا الشَّعَثِ وَذَا التَّقَشُّفِ.
стр. 320
وَفِي تَفْسِيرِ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ ﴿تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] تَقَشُّفُ الإِحْرَامِ بِرَمْيِهِمُ الْجِمَارَ يَوْمَ النَّحْرِ.
فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّسَاءِ.
- نا عُثْمَانُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ رَمَى الْجِمَارَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ.
قَوْلُه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَيَّامٌ عَظَّمَهَا اللَّهُ تُحْلَقُ فِيهَا الأَشْعَارُ، وَيُوَفَّى فِيهَا بِالنَّذْرِ وَتُذْبَحُ فِيهَا الذَّبَائِحُ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: نَذَرَ الْحَجَّ وَالْهَدْيَ، وَمَا نَذَرَ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ.
كَمْ مِنْ جَبَّارٍ مُتْرَفٍ قَدْ صَارَ إِلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَهْدِمَهُ فَحَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
نا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ لِمَ سُمِّيَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ؟ قَالَ: لَمْ يُرِدِ الْبَيْتَ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلا هَلَكَ.
ونا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْبَيْتُ الْعَتِيقُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ.
نا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] قَالَ: هُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ.
قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ
следующие страницы →