Полный текст (801 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] الْكَذِبِ.
﴿وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
هُوَ مِنَ الْمَعَاصِي.
وَتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: وَالْبَغْيِ يَعْنِي: وَالظُّلْمِ.
﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]
- فِطْرٌ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ جَبَلا بَغَى عَلَى جَبَلٍ لَدُكَّ الْبَاغِي مِنْهُمَا.
- خِدَاشٌ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ تُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» .
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيَأْمُرُ بِمَحَاسِنِ الأَخْلاقِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] يَعْنِي بَعْدَ تَوْكِيدِ الْعَهْدِ.
قَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ تَشْدِيدِهَا وَتَغْلِيظِهَا.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: عَهْدُ الأَنْبِيَاءِ.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: ٩١] يَقُولُ: وَقَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ إِذَا تَمَسَّكْتُمْ بِدِينِهِ.
أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الإِيمَانُ حَقِيقَةٌ فِي الإِسْلامِ وَالإِيمَان ...
قَالَ اللَّهُ.
كَمَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى ذِمَّتَهُ فِي عَهْدٍ، فَمَنْ صَدَقَ ...
فَإِنَّ لَهُ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَخَيْرًا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ كَذَبَ ...
أَكَلَ بِهِ وَنَاكَحَ بِهِ وَوَارَثَ بِهِ أَتَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا عَهْدَ.....
стр. 37
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] تَنْكُثُونَ الْعَهْدَ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ: فَيَكُونُ مَثَلُكُمْ إِنْ نَكَثْتُمُ الْعَهْدَ مِثْلَ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ مَا أَبْرَمْتَهُ، فَنَقَضَتْهُ مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ غَزْلا قَوِيًّا أَنْكَاثًا عَنِ الْعَهْدِ.
قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] قَالَ مُجَاهِدٌ: تَوْكِيدٌ فِي الْحُلَفَاءِ.
وَهُوَ تَقْدِيمٌ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ.
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢] ، أَيْ: عَهْدَكُمْ.
﴿دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢] قَالَ قَتَادَةُ: خِيَانَةً وَغَدْرًا.
قَالَ الْحَسَنُ: كَمَا صَنَعَ الْمُنَافِقُونَ، فَلا تَصْنَعُوا كَمَا صَنَعَ الْمُنَافِقُونَ فَتُظْهِرُوا الإِيمَانَ وَتُسِرُّوا الشِّرْكَ.
وَالدَّخَلُ: إِظْهَارُ الإِيمَانِ وَإِسْرَارُ الشِّرْكِ.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أُمَّةٍ، يَقُولُ: فَتَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ لِقَوْمٍ هُمْ أَكْثَرُ مِنْ قَوْمٍ.
قَالَ قَتَادَةُ: أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ هُمْ أَعَدُّ وَأَكْثَرُ مِنْ قَوْمٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ أَكْثَرَ مِنْ قَوْمٍ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْعَهْدُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا وَافَقَ الْحَقَّ.
- عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ فَالأَقْرَبَ الأَقْرَبَ.
الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالأَمَانَةُ مَؤَدَّاةٌ، وَأَحَقُّ مَا وَفَى بِهِ الْعَبْدُ الْعَهْدَ، عَهْدَ اللَّهِ»
стр. 38
- جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا نَزَلَتْ بِعَبْدٍ شَدِيدَةٌ إِلا قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ عِنْدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أَضْمَرَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَوْفُوا بِمَا عَاهَدْتُمْ لَهُ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَوَاثِيقِ انْظُرُوا مَا تُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ رَبَّكُمْ.
كَمْ مِنْ مَرِيضٍ قَدْ قَالَ: إِنِ اللَّهُ شَفَانِي فَعَلْتُ كَذَا، فَعَلْتُ كَذَا.
قَالَ: وَالْمَرْأَةُ الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلا فِي غَزْلِهَا كَانَتْ حَمْقَاءَ تَغْزِلُ الشَّعْرَ، فَإِذَا غَزَلَتْهُ رَجَعَتْ نَقَضَتْهُ ثُمَّ عَادَتْ فَغَزَلَتْهُ.
وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ قَالَ: هَذَا فِي الْحُلَفَاءِ، كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ، ثُمَّ يَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلاءِ وَيُحَالِفُونَ الَّذِينَ هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ [النحل: ٩٢] بِالْكَثْرَةِ.
يَبْتَلِيكُمْ، يَخْتَبِرُكُمْ.
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢] مِنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣] يَعْنِي عَلَى ...
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: عَلَى الإِيمَانِ.
قَالَ يَحْيَى: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] .
وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] .
قَالَ: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
стр. 39
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: أَنْ تُسِرُّوا الشِّرْكَ، فَتَرْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ.
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤] تَزِلُّ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ مَا كَانَتْ عَلَى الإِيمَانِ فَتَزِلُّ إِلَى النَّارِ.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] وَالسُّوءُ: عَذَابُ الدُّنْيَا، الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ.
يَقُولُ: إِنِ ارْتَدَدْتُمْ عَنِ الإِسْلامِ قُتِلْتُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [النحل: ٩٥] مِنَ الدُّنْيَا.
قَالَ يَحْيَى: قَدِمَ وَفْدٌ مِنْ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلامِ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، وَأَقَرُّوا بِإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
ثُمَّ إِنَّ رَجُلا مِنْ حَضْرَمَوْتَ قَامَ فَتَعَلَّقَ بِرَجُلٍ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ: امْرِؤُ الْقَيْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا جَاوَرَنِي فِي أَرْضٍ لِي، فَقَطَعَ طَائِفَةً مِنْهَا فَأَدْخَلَهَا فِي أَرْضِهِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ بِمَا تَزْعُمُ؟ فَقَالَ: الْقَوْمُ كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنِّي صَادِقٌ وَأَنَّهُ كَاذِبٌ، وَلَكِنَّهُ أَكْرَمُ عَلَيْهِمْ مِنِّي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا امْرِأَ الْقَيْسِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا يَقُولُ إِلا الْبَاطِلَ.
قَالَ: فَقُمْ فَاحْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا لَهُ قِبَلَكَ شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُ، وَأَنَّهُ الْكَاذِبُ فِيمَا يَقُولُ.
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّا لِلَّهِ، تَجْعَلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِ؟ إِنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ، لا يُبَالِي بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: إِنَّهُ مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ سَاخِطٌ.
فَقَامَ امْرِؤُ الْقَيْسِ لِيَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩٥﴾ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ ﴾ [النحل: ٩٥-٩٦] فَقَامَ الأَشْعَثُ بْنُ
стр. 40
قَيْسٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيِ امْرِئِ الْقَيْسِ فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا امْرَأَ الْقَيْسِ، إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ آيَتَانِ فِيكَ وَفِي صَاحِبِكَ، خِيرَتُهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى
لَكَ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ سَاخِطٌ» .
فَأَقْبَلَ امْرِؤُ الْقَيْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَزَلَ فِيَّ؟ فَتَلا عَلَيْهِ الآيَتَيْنِ، فَقَالَ امْرِؤُ الْقَيْسِ: أَمَّا مَا عِنْدِي فَيَنْفَدُ، وَأَمَّا صَاحِبِي فيُجْزَى بِأَحْسَنَ مَا كَانَ يَعْمَلُ.
اللَّهُمَّ إِنَّهُ صَادِقٌ، وَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَبْلُغُ مَا يَدَّعِي مِنْ أَرْضِهِ فِي أَرْضِي فَقَدْ أَصَبْتُهَا مُنْذُ زَمَانٍ، فَلَهُ مَا ادَّعَى فِي أَرْضِي، وَمِثْلُهَا مَعَهَا.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] فَقَالَ امْرِؤُ الْقَيْسِ: أَلِي هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَكَبَّرَ امْرِؤُ الْقَيْسِ.
سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] ، قَالَ: الْقَنَاعَةَ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ.
قَالَ يَحْيَى: مَنْ قَالَ إِنَّهَا الْقَنَاعَةُ يَقُولُ: هِيَ حَيَاةٌ طَيِّبَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ أَجْرَهُمُ الْجَنَّةَ بِأَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وَالرَّجِيمُ: الْمَلْعُونُ، رَجَمَهُ اللَّهُ بِاللَّعْنَةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَنَزَلَتْ فِي الصَّلاةِ ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً فِي غَيْرِ الصَّلاةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ، وَلَيْسَ بِمَفْرُوضٍ.
стр. 41
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِلَّهُمْ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] قَالَ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْطَانَ.
قَالَ قَتَادَةُ: يَعْبُدُونَهُ وَيُطِيعُونَهُ.
قَالَ الْحَسَن: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُكْرِهَهُمْ هُوَ عَلَيْهِ.
قَالَ يَحْيَى: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] بِمُضِلِّينَ ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٧٨﴾ ﴾ [الأعراف: ١٧٨-١٧٨] .
وَتَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾ [النحل: ١٠٠] حُجَّتُهُ ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] .
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] وَالَّذِينَ هُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
فِيهَا تَقْدِيمُ.
قَالَ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] ثُمَّ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْكَلامِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] يَعْدِلُونَهُ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: شَرَكُوا الشَّيْطَانَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] وَهَذَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
стр. 42
قَالَ الْحَسَنُ: كَانَتِ الآيَةُ إِذَا نَزَلَتْ فَعُمِلَ بِهَا وَفِيهَا شِدَّةٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهَا آية فِيهَا لِينٌ قَالُوا: إِنَّمَا يَأْمُرُ مُحَمَّدٌ أَصْحَابَهُ بِالأَمْرِ فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَرَفَهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَكَانَ أَمْرًا وَاحِدًا وَمَا اخْتَلَفَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ اللَّهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ.
﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وَالْقُدُسُ: اللَّهُ، وَرُوحُهُ: جِبْرِيلُ.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَفْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: جِبْرِيلُ.
قَالَ: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] يَعْنُونَ عَبْدًا لابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّمَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا عَبْدٌ لابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، يُقَالُ لَهُ: جَبْرٌ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكِتَابَ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَدَّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ.
وَكَانَ الْكَلْبِيُّ يَجْمَعُهَا جَمِيعًا وَيَقُولُ: كَانَ عَدَّاسٌ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، وَكَانَا يَقْرَآنِ كِتَابَهُمَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَكَانَا أَعْجَمِيِّي اللِّسَانِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [النحل: ١٠٣] .
يَمِيلُونَ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ.
стр. 43
وَقَالَ الْحَسَنُ: الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا أَعْجَمِيٌّ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] أَيْ: بَيِّنٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَبْدُ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، رُومِيٌّ، صَاحِبُ كِتَابٍ.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] فِي حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ حَكِيمٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قَوْلُ قُرَيْشٍ إِنَّمَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا عَبْدٌ لابْنِ الْحَضْرَمِيِّ رُومِيٌّ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وَفِي قَوْلِ الْحَسَنِ: هُوَ عَبْدُ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤] هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ يَلْقَوْنَهُ بِكُفْرِهِمْ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٤] مُوجِعٌ.
(قَوْلُهُ) : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] قَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] رَاضٍ بِالتَّوْحِيدِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
стр. 44
نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَصْحَابِهِ.
أَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَوَقَفُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَخَافُوا مِنْهُمْ، فَأَعْطَوْهُمْ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ.
- الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ.
فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ» ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» .
قَالَ: أَجِدُ قَلْبِي مُطْمَئِنًّا بِالإِيمَانِ.
قَالَ: «فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» .
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الآيَةِ نَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحل: ١٠٦] رَاضٍ بِالإِيمَانِ.
- إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى بِئْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَسْتَقِيَ مِنْهَا، وَحَوْلَهَا ثَلاثَةُ صُفُوفٍ يَحْرُسُونَهَا، فَاسْتَقَى فِي قِرْبَةٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّمَا أَسْتَقِي لأَصْحَابِكُمْ، فَتَرَكُوهُ.
فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى عَلَى الصَّفِّ الثَّانِي، فَأَخَذُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّمَا أَسْتَقِي لأَصْحَابِكُمْ، فَتَرَكُوهُ.
فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى عَلَى الصَّفِّ الثَّالِثِ، فَأَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ إِلَى الْبِئْرِ، فَصَبُّوا مَاءَهُ، ثُمَّ نَكَّسُوهُ حَتَّى قَاءَ مَا شَرِبَ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: لَتَكْفُرَنَّ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ.
فَتَكَلَّمَ بِمَا أَرَادُوهُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَكُوهُ.
فَرَجَعَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَتَرَكُوهُ.
ثُمَّ رَجَعَ الثَّالِثَةَ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَرَادُوهَ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ أَبَى.
فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ الْخَيْلَ
стр. 45
فَاسْتَنْقَذَتْهُ.
فَأُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
وَتَفْسِيرُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَاسٌ بِمَكَّةَ آمَنُوا، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ: أَنْ هَاجِرُوا فَإِنَّكُمْ لا تَرَوْنَ مِنَّا خَيْرًا حَتَّى تُهَاجِرُوا.
فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَدْرَكَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالطَّرِيقِ فَفَتَنُوهُمْ، فَكَفَرُوا مُكْرَهِينَ.
فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَالَ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] فِي الآخِرَةِ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧] اخْتَارُوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ، يَعْنِي: الَّذِينَ يَلْقَوْنَ اللَّهَ بِكُفْرِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿١٠٨﴾ لا جَرَمَ﴾ [النحل: ١٠٨-١٠٩] وَهَذَا وَعِيدٌ.
﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] خُسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَغْنَمُوهَا فَصَارُوا فِي النَّارِ، وَخَسِرُوا أَهْلِيهِمْ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَهُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
وَتَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الزُّمُرِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ مَا عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا بِمَكَّةَ، فَعَرَضَتْ لَهُمْ فِتْنَةٌ، فَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ، وَشَكُّوا فِي نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ جَاهَدُوا مَعَهُ وَصَبَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لا يُقْبَلُ مِنْهُمُ
стр. 46
الإِسْلامُ حَتَّى يُهَاجِرُوا، كَتَبَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَصْحَابٍ لَهُمْ بِمَكَّةَ، وَخَرَجُوا فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ ﴾ [العنكبوت: ١-٢] وَالآيَةَ الأُخْرَى الَّتِي بَعْدَهَا.
فَكَتَبَ بِهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ ذَلِكَ تَبَايَعُوا أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِنْ لَحِقَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَلْحَقُوا بِاللَّهِ أَوْ يَنْجُوا، فَخَرَجُوا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ كُلُّ نَفْسٍ تُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحِسَابِ لَيْسَ يَسْأَلُهَا عَنْ عَمَلِهَا إِلا اللَّهُ.
قَالَ: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] أَمَّا الْكَافِرُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ فِي الآخِرَةِ شَيْءٌ، قَدِ اسْتَوْفَاهَا فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا سَيِّئَاتُهُ فَيُوَفَّاهَا فِي الآخِرَةِ، يُجَازَى بِهَا النَّارَ.
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ الَّذِي يُوَفَّى الْحَسَنَاتِ فِي الآخِرَةِ.
وَأَمَّا سَيِّئَاتُهُ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى ذَهَبَتْ سَيِّئَاتُهُ بِالْبَلايَا وَالْعُقَوبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وَمِنْهُمْ مَنْ تَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ فَيَفْعَلُ اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ فَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا فَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا فُيَشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْقِفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا فَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الصِّرَاطِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا فَيَدْخُلُ النَّارَ فَيُنْتَقَمُ مِنْهُ ثُمَّ يُخْرِجُهُ اللَّهُ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ [النحل: ١١٢] يَعْنِي وَصَفَ اللَّهُ مَثَلا: شَبَهًا.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
стр. 47
﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١١٣﴾ ﴾ [النحل: ١١٢-١١٣] الْقَرْيَةُ: مَكَّةُ، وَالرَّسُولُ: مُحَمَّدٌ، كَفَرُوا بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَكَذَّبُوا رَسُولَهُ وَلَمْ يَشْكُرُوا وَهُمْ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] فَإِنَّهُ الْجُوعُ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ عَذَابِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، عَذَّبَهُمْ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَأَمَّا الْخَوْفُ فَبَعْدَمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْقَرْيَةَ مَكَّةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ [النحل: ١١٣] يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ وَأُمَّهُ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا.
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] أَخَذَهَمُ اللَّهُ بِالْجُوعِ، وَالْخَوْفِ، وَالْقَتْلِ الشَّدِيدِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ [النحل: ١١٤] ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، مَا أُحِلَّ لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ وَمِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا.
﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١١٤﴾ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٤-١١٥] ذَبَائِحُ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أَحَلَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] وَقَدْ فَسَّرْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ الأَنْعَامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] لِمَا حُرِمُوا مِنَ الأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، وَمَا اسْتَحَلُّوا مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ.
﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]
стр. 48
وَهِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] .
قَوْلُهُ: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [النحل: ١١٧] ، أَيْ: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا مَتَاعٌ قَلِيلٌ ذَاهِبٌ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] فِي الآخِرَةِ، يَعْنِيهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النحل: ١١٨] الْيَهُودِ، سَمَّوْا أَنْفُسَهُمُ الْيَهُودَ وَتَرَكُوا اسْمَ الإِسْلامِ.
﴿حَرَّمْنَا﴾ [النحل: ١١٨] عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ.
﴿مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: يَعْنِي مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ مَدَنِيٌّ، يَعْنِي: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَالْحَوَايَا: الْمَبْعَرُ ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ.
قَالَ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] إِنَّمَا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِظُلْمِهِمْ قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩] قَالَ: ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ [النحل: ١١٩] مِنْ بَعْدِ تِلْكَ الْجَهَالَةِ إِذَا تَابُوا مِنْهَا.
﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] وَكُلُّ ذَنْبٍ عَمِلَهُ الْعَبْدُ فَهُوَ بِجَهَالَةٍ وَذَلِكَ مِنْهُ جَهْلٌ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كُلُّ ذَنْبٍ أَتَاهُ عَبْدٌ فَهُوَ بِجَهَالَةٍ.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: يَعْمَلُ الذَّنْبَ وَلا يَعْلَمُ أَنَّهُ ذَنْبٌ فَإِذَا
стр. 49
أُخْبِرَ أَنَّهُ ذَنْبٌ تَرَكَهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩] ، يَعْنِي: الشِّرْكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] وَالأُمَّةُ فِي تَفْسِيرِ غَيْرِ وَاحِدٍ: السُّنَّةُ، فِي الْخَيْرِ، يُعَلِّمُ الْخَيْرَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي كَانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ فِي الْخَيْرِ.
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] ، أَيْ: مُطِيعًا لِلَّهِ.
كَانَ إِمَامَ هُدًى يُهْتَدَى بِهِ.
- قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ أُمَّةً.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ يُعَلِّمَ الْخَيْرَ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ مُؤْمِنًا وَحْدَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا.
- إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أُمَّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَوْلُهُ: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أَيْ: مُطِيعًا.
﴿حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] مُخْلِصًا.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾ [النحل: ١٢٠-١٢١] لِلنُّبُوَّةِ، وَاجْتَبَاهُ وَاصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ وَاحِدٌ.
﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] إِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢] وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] .
стр. 50
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينٍ إِلا وَهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُرْضُونَهُ.
قَالَ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٢٩] الثَّنَاءَ الْحَسَنَ.
وَقَالَ فِي آية أُخْرَى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ يَحْيَى: وَالصَّالِحُونَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَأَفْضَلُهُمُ الأَنْبِيَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: لِسَانُ صِدْقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٢٤﴾ ﴾ [النحل: ١٢٣-١٢٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: اسْتَحَلَّهُ بَعْضُهُمْ، وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ١٢٤] وَحُكْمُهُ فِيهِمْ أَنْ يُدْخِلَ الْمُؤْمِنَ مِنْهُمُ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلَ الْكَافِرِينَ النَّارَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ مُوسَى أَمَرَ قَوْمَهُ أَنْ يَتَفَرَّغُوا إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا؛ يَعْبُدُونَهُ وَلا يَعْمَلُونَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ ضَيْعَتِهِمْ وَالسِّتَّةُ الأَيَّامُ لِضَيْعَتِهِمْ.
فَأَمَرَهُمْ بِالْجُمُعَةِ، فَاخْتَارُوا هُمُ السَّبْتَ، وَأَبَوْا إِلا السَّبْتَ.
فَاخْتِلافُهُمْ أَنَّهُمْ أَبَوُا الْجُمُعَةَ وَاخْتَارُوا السَّبْتَ.
- عُثْمَانُ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ.
هَا أَنْتُمْ هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى.
فَالْيَوْمَ لَنَا، يَعْنِي: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، يَعْنِي: السَّبْتَ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى، يَعْنِي: الأَحَدَ "
стр. 51
قَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] الْهُدَى، الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: إِلَى دِينِ رَبِّكَ.
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الْقُرْآنَ.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] يَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] ، أَيْ: إِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ ضَالُّونَ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ مُؤْمِنُونَ مُهْتَدُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]
- الْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِحَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَطَعُوا مَذَاكِيرَهُ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيَّ ﷺ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا فَأَمَرَ بِهِ فَغُطِّيَ بِبُرْدَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَمَدَّهَا عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ إِذْ خَرَّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦-١٢٧] فَصَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ ذَلِكَ وَلَمْ يُمَثِّلْ.
- ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 52
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَى جُيُوشَهُ عَنِ الْمَثْلِ بِالْكُفَّارِ.
- الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧] عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَكْرِهِمْ وَكَذِبِهِمْ عَلَيْكَ.
فَـ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ [النحل: ١٢٨] معك و ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
стр. 53
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ سُبْحَانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١] ، يَعْنِي نَفْسَهُ.
أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
﴿لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] ، يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] مَا أَرَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ.
- نا يَحْيَى، قَالَ: نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ.
قَالَ فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ".
قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَل بَطْنِي،
стр. 54
فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ كُنِز أَوْ قَالَ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أتيت بِدَابَّةٍ بَيْضَاءَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ.
فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفُتِحَ لَهُ وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ ﷺ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
стр. 55
ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
فَأَتَيْتَ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَانِ؟ قَالَ: هَذَانِ يَحْيَى وَعِيسَى.
قَالَ: وَأَحْسَبُهُ أَنَّهُ قَالَ: ابْنَا الْخَالَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، فَكَانَ نَحْوَ هَذَا مِنْ كَلامِ جِبْرِيلَ وَكَلامِهِمْ.
فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ ﵇، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا أَخُوكَ إِدْرِيسُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَهَا: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَأَتَيْتُ أَوْ أَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ هَارُونُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي.
ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ رُفِعَ لَنَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا، آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ.
стр. 56
ثُمَّ رُفِعَتْ لَنَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّ وَرَقَهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَأَنَّ نَبِقَهَا مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ.
وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يُخَرْخَرُ مِنْ تَحْتِهَا، نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ.
فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ فَقَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ.
وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالآخَرُ خَمْرٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ.
فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ، أَصَابَ اللَّهُ بِكَ أُمَّتَكَ عَلَى الْفِطْرَةِ.
وَفُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاةً، أَوْ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَجِئْتُ بِهِنَّ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي: بِمَا أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ.
فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ.
إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ فِيمَا بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ رَبِّي، كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِي هَذِهِ، حَتَّى رَجَعْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ.
فَلَمَّا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي: بِمَا أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ
стр. 57
يَوْمٍ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ.
فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ.
قَالَ: فَنُودِيتُ أَوْ نَادَى مُنَادٍ: إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَجَعَلْتُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ".
فَانْتَهَى حَدِيثُ أَنَسٍ إِلَى هَذَا.
- حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ إِذْ أُتِيتُ فَشُقَّ النَّحْرُ، فَاسْتُخْرِجَ الْقَلْبُ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، مُضْطَرِبِ الأُذُنَيْنِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَسَارَ بِي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا بِمُنَادٍ
يُنَادِي عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ: يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ.
فَمَضَيْتُ وَلَمْ أَعْرُجْ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِمُنَادٍ يُنَادِي عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ: يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ.
فَمَضَيْتُ وَلَمْ أَعْرُجْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، أَحْسَبُهُ قَالَ: حَسْنَاءَ جَمْلاءَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ الْحُلِيِّ وَالزِّينَةِ، نَاشِرَةٌ شَعْرُهَا، رَافِعَةٌ يَدُهَا تَقُولُ: يَا مُحَمَّد عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، فَمَضَيْتُ وَلَمْ أَعْرُجْ عَلَيْهَا، حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَوْثَقْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلَقَةِ الَّتِي يُوثِقُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَأَتَانِي
стр. 58
جِبْرِيلُ بِإِنَاءَيْنِ: إِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ فَتَنَاوَلْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ مَا رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ هَذَا؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ: يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ.
قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: مَضَيْتُ وَلَمْ أَعْرُجْ عَلَيْهِ.
قَالَ: ذَاكَ دَاعِيَةُ الْيَهُودِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ عَرَجْتَ عَلَيْهِ لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ.
قُلْتُ: ثُمَّ إِذَا أَنَا بِمُنَادٍ يُنَادِي عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ: يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَضَيْتُ وَلَمْ أَعْرُجْ عَلَيْهِ، قَالَ: ذَلِكَ دَاعِيَةُ النَّصَارَى، أَمَا إِنَّكَ لَوْ عَرَجْتَ عَلَيْهِ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ.
قُلْتُ: ثُمَّ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَالَ: أَحْسَبُهُ قَالَ: حَسْنَاءَ جَمْلاءَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ الْحُلِيِّ وَالزِّينَةِ، نَاشِرَةٍ شَعْرَهَا، رَافِعَةٍ يَدَيْهَا تَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، يَا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ أَسْأَلُكَ، قَالَ فَمَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: مَضَيْتُ وَلَمْ أَعْرُجْ عَلَيْهَا.
قَالَ: تِلْكَ الدُّنْيَا، أَمَا إِنَّكَ لَوْ عَرَجْتَ عَلَيْهَا لِمِلْتَ إِلَى الدُّنْيَا.
ثُمَّ أُتِينَا بِالْمِعْرَاجِ فَإِذَا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَيِّتِ حَيْثُ يُشَقُّ بَصَرُهُ فَإِنَّمَا يُتْبِعُهُ الْمِعْرَاجُ عَجَبًا بِهِ.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَقَعَدْنَا فِيهِ، فَعَرَجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَعَلَيْهَا مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ، جُنْدُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، جُنْدُ
стр. 59
كُلِّ مَلَكٍ سَبْعُونَ أَلْفٍ.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: وَمَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ لَنَا، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ: وَإِذَا الأَرْوَاحُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ رُوحُ مُؤْمِنٍ قَالَ: رُوحٌ طَيِّبٌ وَرِيحٌ طَيِّبَةٌ، وَإِذَا مَرَّ بِهِ رُوحُ كَافِرٍ قَالَ: رُوحٌ خَبِيثٌ وَرِيحٌ خَبِيثَةٌ.
قَالَ: ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَخَاوِينَ عَلَيْهَا لُحُومٌ نَتِنَةٌ، وَأَخَاوِينُ عَلَيْهَا لُحُومٌ طَيِّبَةٌ، وَإِذَا رِجَالٌ يَنْهَشُونَ اللُّحُومَ الْمُنْتِنَةَ وَيَدَعُونَ اللُّحُومَ الطَّيِّبَةَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الزُّنَاةُ يَدَعُونَ الْحَلالَ وَيَتَّبِعُونَ الْحَرَامَ.
قَالَ: ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِرِجَالٍ تُفَكُّ أَلْحِيَتُهُمْ، وَآخَرُونَ يَجِيئُونَ بِالصُّخُورِ مِنَ النَّارِ فَيَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ.
قَالَ: فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] .
ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ يُقَطَّعُ مِنْ لُحُومِهِمْ بِدِمَائِهِمْ فَيُضْفَزُونَهَا، وَلَهُمْ جُؤَارٌ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ.
стр. 60
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] .
قَالَ: وَإِذَا أَنَا بِنِسْوَةٍ مُعَلَّقَاتٍ بِثَدْيِهِنَّ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَإِذَا حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ يَنْهَشْنَهُنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الظُّؤْرَةُ اللاتِي يَقْتُلْنَ أُولادَهُنَّ.
قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، حَيْثُ يُنْطَلَقُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَإِذَا رَأَوْهَا قَالُوا: رَبَّنَا لا تَقُومَنَّ السَّاعَةَ، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَإِذَا أَنَا بِرِجَالٍ بُطُونِهِمْ كَالْبُيُوتِ يَقُومُونَ فَيَقَعُونَ لِظُهُورِهِمْ وَلِبُطُونِهِمْ، فَيَأْتِي عَلَيْهِمْ آلُ فِرْعَوْنَ فَيَثْرِدُونَهُمْ بِأَرْجُلِهِمْ ثَرْدًا.
فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ:
стр. 61
نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى وَعِيسَى، فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوْا لِي بِخَيْرِ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبِا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
فَفُتِحَ لَنَا، قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحَسَنِ، قَالَ: فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ، وَإِذَا لِحْيَتُهُ شَطْرَانِ: شَطْرٌ أَبْيَضُ، وَشَطْرٌ أَسْوَدُ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ وَأَكْثَرُ مَنْ رَأَيْتُ تَبَعًا، قَالَ: فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
قَالَ: ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِمُوسَى، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ أَشْعَرُ لَوْ لَبِسَ قَمِيصَيْنِ لَنَفِدَهُمَا الشَّعْرُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى، قَالَ: فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
قَالَ: ثُمَّ مَضَيْتُ، فَسَمِعْتُ مُوسَى يَقُولُ: يَزْعُمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنِّي، فَلَوْ كَانَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ لَهَانَ عَلَيَّ وَلَكِنَّ النَّبِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ.
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ.
قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
فَفُتِحَ لَنَا، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، وَإِذَا أُمَّتِي عِنْدَهُ شَطْرَانِ: شَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَشَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ، فَدَخَلَ أَصْحَابُ الثِّيَابِ الْبِيضِ، وَاحْتُبِسَ الآخَرُونَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ:
هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ
стр. 62
سَيِّئًا وَكُلٌّ إِلَى خَيْرٍ.
ثُمَّ قِيلَ لِي: هَذِهِ مَنْزِلَتُكَ وَمَنْزِلَةُ أُمَّتِكَ.
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] .
قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَإِذَا الْوَرَقَةُ مِنْ وَرَقِهَا لَوْ غُطِّيَتَ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةَ لَغَطَّتْهُمْ، ثُمَّ انْفَجَرَ مِنْ تَحْتِهَا السَّلْسَبِيلُ، ثُمَّ انْفَجَرَ مِنَ السَّلْسَبِيلِ نَهْرَانِ: نَهْرُ الرَّحْمَةِ، وَنَهْرُ الْكَوْثَرِ، فَاغْتَسَلْتُ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَغُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ.
ثُمَّ أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ فَسَلَكْتُهُ حَتَّى انْفَجَرَ بِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا طَيْرُهَا كَالْبُخْتِ، وَإِذَا الرُّمَّانَةُ مِنْ رُمَّانِهَا كَجِلْدِ الْبَعِيرِ الْمُقَبَّبِ.
قَالَ: وَنَظَرْتُ إِلَى جَارِيَةٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ؟ قَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.
قَالَ: فَبَشَّرْتُ بِهَا زَيْدًا.
قَالَ: ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى النَّارِ فَإِذَا: إِنَّ عَذَابَ رَبِّي لَشَدِيدٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْحِجَارَةُ وَلا الْحَدِيدُ.
قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، (فَغَشَاهَا) مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا (غَشِيَ) ، وَوَقَعَ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ، مَلَكٌ وَأَيَّدَهَا اللَّهُ بِأَيْدِهِ، وَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، وَفَرَضَ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلاةً، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ عَلَيْكَ رَبُّكَ؟ فَقُلْتُ: فَرَضَ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلاةً، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَخَبَرْتُهُمْ.
стр. 63
فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ حُطَّ عَنْ أُمَّتِي، فَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ.
فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ عَلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: حُطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا.
قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَخْتَلِفُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ لا تَبْدِيلَ، إِنَّهُ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، هِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلاةً، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، وَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقُلْتُ: فَقَدْ رَاجَعْتُهُ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ.
- سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لِيَرْكَبَهُ اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: اسْكُنْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا رَكِبَكَ مَخْلُوقٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا وَقَرَّ.
- حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى رِجَالٍ تُقْرَضُ شِفَاهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ ".
- عُثْمَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 64
وَسَلَّمَ: " بَيْنَمَا أَنَا فِي الْجَنَّةِ إِذَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي فِي مَجْرَى الْمَاءِ فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ ".
الْمُعَلَّى بْنُ هِلالٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ: " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مَلَكٍ قَائِمٍ عَلَى سَرِيرٍ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: إِنَّ نَبِيًّا أُسْرِيَ بِهِ قَبْلَكَ، فَمَرَّ عَلَى هَذَا وَهُوَ قَاعِدٌ فَظَنَّ أَنَّهُ رَبُّهُ، فَأَهْوَى لِيَسْجُدَ لَهُ، فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ يَوْمِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ عَبْدٌ ".
قَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مَا أَرَاهُ اللَّهُ مِنَ الآيَاتِ وَالْعِبَرِ فِي طَرِيقِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] ، يَعْنِي نَفْسَهُ، لا أَسْمَعُ مِنْهُ وَلا أُبْصِرُ مِنْهُ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: تُحَدِّثُنَا أَنَّكَ صَلَّيْتَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَجَعْتَ مِنْ لَيْلَتِكَ.
وَهُوَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلذَّاهِبِ وَشَهْرٍ لِلْمُقْبِلِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رُوَيْدَكَ يَا مُحَمَّدُ نَسْأَلُكَ عَنْ عِيرِنَا هَلْ رَأَيْتَهَا فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» .
قَالَ: أَيْنَ؟ قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى عِيرِ بَنِي فُلانٍ بِالرَّوْحَاءِ وَقَدْ أَضَلُّوا نَاقَةً لَهُمْ، وَهُمْ فِي طَلَبِهَا، فَمَرَرْتُ عَلَى رِحَالِهِمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَوَجَدْتُ فِي إِنَاءٍ مِنْ آنِيَتِهِمْ مَاءً فَشَرِبْتُهُ، فَسَلُوهُمْ إِذَا رَجَعُوا، هَلْ وَجَدُوا الْمَاءَ فِي الإِنَاءِ؟» .
قَالُوا: هَذِهِ وَاللَّهِ آية.
стр. 65
قَالَ: " وَمَرَرْتُ عَلَى عِيرِ بَنِي فُلانٍ، فَنَفَرَتْ مِنِّي الإِبِلُ سَاعَةَ كَذَا وَكَذَا، وَوَصَفَ جَمَلا مِنْهَا، قَالَ: جَمَلٌ أَحْمَرُ، كَانَ عَلَيْهِ أَجِيرُ بَنِي فُلانٍ، عَلَيْهِ جَوْلَقٌ أَسْوَدُ مُخَطَّطٌ بِبَيَاضٍ ".
قَالُوا: هَذِهِ وَاللَّهِ آية وَقَدْ عَرَفْنَا الْجَوْلَقَ.
قَالَ: «ثُمَّ مَرَرْتُ عَلَى عِيرِ بَنِي فُلانٍ بِالتَّنْعِيمِ» .
قَالُوا: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَإِنَّهَا تَقْدَمُ الآنَ، قَالَ: «أَجَلْ» .
قَالُوا: فأَخْبِرْنَا بِعِدَّتِهَا وَأَجْمَالِهَا وَمَنْ فِيهَا، قَالَ: «كُنْتُ مَشْغُولا عَنْ ذَلِكَ» ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُمْ إِذْ مُثِّلَ لَهُ عِدَّتُهَا وَأَجْمَالُهَا فِي الْخُدُورِ، يَقْدَمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ هَذِهِ مُنْحَدِرَةٌ مِنْ ثَنِيَّةِ كَذَا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَقْدَمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ، وَعِدَّتُهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَحْمَالُهَا كَذَا وَكَذَا، وَفِيهَا فُلانٌ وَفُلانٌ وَفُلانٌ» .
وَسمَّى الرَّهْطَ الَّذِينَ فِيهَا بِأَسْمَائِهِمْ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا.
فَخَرَجَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْعَوْنَ قِبَلَ الثَّنِيَّةِ، فَإِذَا هُمْ بِهَا حِينَ انْحَدَرَتْ مِنَ الثَّنِيَّةِ، يَقْدَمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ كَمَا قَالَ، وَفِيهَا الرَّهْطُ الَّذِينَ سَمَّى مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَرَمَوْهُ بِالسِّحْرِ، وَقَالُوا: صَدَقَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِيمَا قَالَ إِنَّهُ سَاحِرٌ.
وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي مَا رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ دَخَلْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ؟ وَمَا رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ؟ فَحَدَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ.
فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ الصِّدِّيقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 66
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنْتَ الصِّدِّيقُ يَا أَبَا بَكْرٍ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى فِيهِ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَهُ آيَاتِهِ، وَأَمَرَهُ بِمَا شَاءَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ بِمَكَّةَ.
وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى دَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ بِذَلِكَ أَهْلَ مَكَّةَ، فَكَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَنْكَرُوهُ، فَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢] ، التَّوْرَاةَ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ [الإسراء: ٢] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: مُوسَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: التَّوْرَاةَ.
﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] لِمَنْ آمَنَ بِهِ.
﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٢] عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: شَرِيكًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رِيَاءً.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] فِي السَّفِينَةِ، أَيْ: يَا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ، لِذَلِكَ انْتُصِبَتْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ ذُرِّيَّةُ مَنْ أَنْجَى فِي تِلْكَ السَّفِينَةِ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ نَجَا فِيهَا نُوحٌ، وَثَلاثَةُ بَنِينَ لَهُ، وَامْرَأَتُهُ، وَنِسَاؤُهُمْ، وَبَنُوهُ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ.
فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامٌ أَبُو
стр. 67
الْحَبَشِ، وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ، فَجَمِيعُهُمْ ثَمَانِيَةٌ.
قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا حَمِدَ اللَّهَ.
قَالَ يَحْيَى: وَعَامَّةُ مَا فِي الْقُرْآنِ فِي تَفْسِيرِ الْعَامَّةِ أَنَّ الشَّكُورَ الْمُؤْمِنُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: أَخْبَرَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] يَعْنِي: فِي التَّوْرَاةِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: أَعْلَمْنَاهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] ، يَقُولُ: أَعْلَمْنَاهُ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ﴿وَقَضَيْنَا﴾ [الإسراء: ٤] كَتَبْنَا.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] ، يَعْنِي: لَتُهْلِكُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] يَعْنِي: لَتَقْهَرُنَّ قَهْرًا شَدِيدًا.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ [الإسراء: ٥] : أُولَى الْعُقُوبَتَيْنِ.
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: فَارِسَ.
﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥] فَقَتَلُوهُمْ فِي الدِّيَارِ، وَهَدَمُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَلْقَوْا فِيهِ الْجِيَفَ وَالْعَذِرَةَ.
стр. 68
﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] أَيْ أَنَّهُ كَائِنٌ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] ، قَالَ: ذَلِكَ بَيَانُ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ فَارِسَ، يَتَحَسَّسُونَ أَخْبَارَهُمْ، وَيَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، وَمَعَهُمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَوَعَى أَحَادِيثَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَارِسُ فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَنُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
فَهَذَا وَعْدُ الأُولَى.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] بَعَثَ مَلِكُ فَارِسَ بِبَابِلَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَأَتَوْا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَمَّرُوهُمْ.
فَكَانَتْ هَذِهِ الآخِرَةُ وَوَعْدُهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] ، يَعْنِي: الْمَوْتَ الأَخِيرَ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي وَعَدَهُمْ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: عُوقِبَ الْقَوْمُ عَلَى غُلُوِّهِمْ وَفَسَادِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الأُولَى جَالُوتَ الْخَزَرِيَّ، فَسَبَى وَقَتَلَ، وَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ كَمَا قَالَ اللَّهُ، ثُمَّ رُوجِعَ الْقَوْمُ عَلَى دَخَنٍ فِيهِمْ كَثِيرٍ.
فَقَالَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] يَقُولُ: وَأَعْطَيْنَاكُمْ.
تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ، أَيْ: أَكْثَرَ عَدَدًا فِي زَمَانِ دَاوُدَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦] فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ فِي زَمَانِ دَاوُدَ يَوْمَ طَالُوتَ.
قَالَ: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ، أَيْ: فَلأَنْفُسِكُمْ.
стр. 69
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] قَالَ قَتَادَةُ: آخِرُ الْعُقُوبَتَيْنِ.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] وَهِيَ تُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ: لِيَسُوءَ اللَّهُ وُجُوهَكُمْ، خَفِيفَةٌ، وَالْوَجْهُ الآخَرُ: لِيُسَوِّئُوا، مُثَقَّلَةٌ، يَعْنِي: الْقَوْمُ وُجُوهَكُمْ.
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ [الإسراء: ٧] ، يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٧] سَعِيدٌ، عَن قَتَادَةَ، قَالَ: أَيْ كَمَا دَخَلَهُ عَدُوُّهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا﴾ [الإسراء: ٧] أَيْ: غَلَبُوا عَلَيْهِ.
﴿تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] أَيْ: وَلِيُفْسِدُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ فَسَادًا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرَ الْبَابِلِيَّ الْمَجُوسِيَّ، فَسَبَى، وَقَتَلَ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقَذَفَ فِيهِ الْجِيَفَ وَالْعَذِرَةَ.
يُقَالُ إِنَّهُ فَسَادُهُمُ الثَّانِي قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، فَبَعَثَ اللَّهُ بُخْتَنَصَّرَ عُقُوبَةً عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِمْ يَحْيَى، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا.
أَبُو سَهْلٍ، عَنْ أَبِي هِلالٍ الرَّاسِبِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ مَرْيَمَ لَمَّا حَمَلَتْ قَالُوا: ضَيَّعَ اللَّهُ بِنْتَ سَيِّدِنَا، يَعْنُونَ زَكَرِيَّاءَ، حَتَّى زَنَتْ، فَلَمَّا طَلَبُوا زَكَرِيَّاءَ لِيَقْتُلُوهُ انْطَلَقَ هَارِبًا، فَعَرَضَتْ لَهُ شَجَرَةٌ، فَقَالَ: افْرُجِي لِي حَتَّى أَخْتَبِئَ فِيكِ، فَفُرِجَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا وَانْضَمَّتْ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ بَعْضُ هُدْبِ ثِيَابِهِ خَارِجًا.
فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَجَاءَ إِبْلِيسُ، فَقَالَ: هُوَ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَهَذَا هُدْبُ ثَوْبِهِ، فَجِيءَ بِالْمِنْشَارِ فَوُضِعَ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِلَ.
стр. 70
وَإِنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا كَانَ فِي زَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَخِيهِ بَعْدَهُ، وَإِذَا كَذَبَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُوَلَّ الْمُلْكَ.
فَمَاتَ الْمَلِكُ وَوُلِّيَ أَخُوهُ، فَأَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَخِيهِ الْمَلِكِ الَّذِي مَاتَ، فَسَأَلَهُمْ فَرَخَّصُوا لَهُ، فَسَأَلَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَحَقَدَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةُ أَخِيهِ، وَجَاءَتْ بِابْنَةِ أَخِي الْمَلِكِ الأَوَّلِ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: سَلِينِي الْيَوْمَ حُكْمَكِ، فَقَالَتْ: حَتَّى أَنْطَلِقَ إِلَى أُمِّي، فَلَقِيَتْ أُمَّهَا فَقَالَتْ: قُولِي لَهُ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَفِيَ لَنَا بِشَيْءٍ فَأَعْطِنِي رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، فَقَالَ: قُولِي لَهَا:
غَيْرُ هَذَا خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ، قَالَ: فَأَبَتْ، وَتَكْرَهُ أَنْ يَخْلُفَهَا فَلا يُوَلَّى الْمُلْكَ، فَدَفَعَ إِلَيْهَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ.
فَلَمَّا وَضَعَتِ الشَّفْرَةَ عَلَى حَلْقِهِ قَالَ: قُولِي: بِسْمِ اللَّهِ.
هَذَا مَا بَايَعَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَى أَلا يَزْنِيَ، وَلا يَسْرِقَ، وَلا يَلْبِسَ إِيمَانَهُ بِسُوءٍ.
فَلَمَّا أَمَرَّتِ الشَّفْرَةَ عَلَى أَوْدَاجِهِ فَذَبَحَتْهُ نَادَاهَا مُنَادٍ مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ: يَا رَبَّةَ الْبَيْتِ الْخَاطِئَةَ الْغَاوِيَةَ، قَالَتْ: إِنَّهَا كَذَلِكَ، فَمَا تُرِيدُ مِنْهَا؟ قَالَ: لَتُبَشَّرْ فَإِنَّهَا أَوَّلُ مَا تَدْخُلُ النَّارَ.
قَالَ: وَخُسِفَ بِابْنَتِهَا فَجَاءُوا بِالْمَعَاوِلِ فَجَعَلُوا يَحْفِرُونَ عَنْهَا وَتَدْخُلُ فِي الأَرْضِ حَتَّى ذَهَبَتْ.
قَالَ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: فَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعَائِدَتِهِ.
قَالَ: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] عَلَيْكُمْ بِالْعُقُوبَةِ.
كَانَ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ هَذَا كَائِنٌ كُلَّهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: أَنَّ اللَّهَ عَادَ لَهُمْ بِمُحَمَّدٍ فَأَذَلَّهُمْ بِالْجِزْيَةِ.
стр. 71
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] يَعْنِي قَالَ رَبُّكَ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَشْعَرَ رَبُّكَ، قَالَ رَبُّكَ، ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ثُمَّ عَادَ الْقَوْمُ لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ مِنْ نِقْمَتِهِ، ثُمَّ كَانَ عَذَابُ اللَّهِ أَنْ بَعَثَ عَلَيْهِمُ الْعَرَبَ، فَهُمْ مِنْهُمْ فِي عَذَابٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سِجْنًا أَيْ: يَحْصُرُهُمْ فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ: يُحْصَرُونَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي﴾ [الإسراء: ٩] ، يَعْنِي: يَدْعُو.
وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ.
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَقَالَ: فِي الْمُزَّمِّلِ: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [المزمل: ٦] أَصْوَبُ.
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] الْجَنَّةَ.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠] مُوجِعًا.
قَوْلُه: ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] يَدْعُو بِالشَّرِّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى وَلَدِهِ وَمَالِهِ كَمَا يَدْعُو بِالْخَيْرِ.
وَقَالَ فِي آية أُخْرَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] لأَمَاتَ الَّذِي يَدْعُو عَلَيْهِ.
﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: يَدْعُو عَلَى مَالِهِ فَيَلْعَنْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَلَوِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ
стр. 72
لأَهْلَكَهُ.
الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، قَالَ: أَلا تَعْجَبُ مِنَ النَّاسِ كَيْفَ يَغْبِنُونَ عَنْ جَلالِ اللَّهِ؟ يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِدَابَّتِهِ أَوْ لِشَاتِهِ: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكِ.
وَلَوْ قِيلَ لَهُ: اغْضَبْ عَلَى شَاتِكَ أَوِ اغْضَبْ عَلَى دَابَّتِكَ لَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: آيَتَيْنِ لَيْلا وَنَهَارًا كَذَلِكَ خَلَقَهُمَا اللَّهُ.
قَالَ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] قَالَ قَتَادَةُ: وَهُوَ السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ.
قَالَ يَحْيَى: وَيُقَالُ مُحِيَ مِنْ ضَوْءِ الْقَمَرِ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ جُزْءًا وَبَقِيَ جُزْءٌ وَاحِدٌ.
قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: مُنِيرَةٌ، يَعْنِي بِهِ: ضَوْءَ النَّهَارِ.
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ، يَعْنِي: بِالنَّهَارِ.
﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢] بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي عَدَدَ الأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ قَالَ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ [الإسراء: ١٢] بَيَّنَّاهُ تَبْيِينًا فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ.
стр. 73
وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ: فَصَلْنَا اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، وَفَصَلْنَا النَّهَارَ مِنَ اللَّيْلِ، وَالشَّمْسَ مِنَ الْقَمَرِ، وَالْقَمَرَ مِنَ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَمَلَهُ.
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴿١٣﴾ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤﴾ ﴾ [الإسراء: ١٣-١٤] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا فِي الدُّنْيَا.
- يَحْيَى، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: يُدْعَى الْخَلائِقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي الْخَيْرِ رَأْسًا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَكْثُرُ عَلَيْهِ تَبَعُهُ، دُعِيُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، فَيَقُومُ حَتَّى إِذَا دَنَا أُخْرِجَ لَهُ كِتَابٌ أَبْيَضُ بِخَطٍّ أَبْيَضَ فِي بَاطِنِهِ السَّيِّئَاتُ وَفِي ظَهْرِهِ الْحَسَنَاتُ، فَيَبْدَأُ بِالسَّيِّئَاتِ فَيَقْرَأُهَا فَيُشْفِقُ وَيَتَغَيَّرُ
لَوْنُهُ، فَإِذَا بَلَغَ آخِرَ الْكِتَابِ وَجَدَ فِيهِ: هَذِهِ سَيِّئَاتُكَ وَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ يُقَلِّبُ كِتَابَهُ فَيَقْرَأُ حَسَنَاتِهِ فَلا يَزْدَادُ إِلا فَرَحًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ آخِرَ الْكِتَابِ وَجَدَ فِيهِ: هَذِهِ حَسَنَاتُكَ وَقَدْ ضُعِّفَتْ لَكَ فَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ، وَيُؤْتَى بِتَاجٍ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُكْسَى حُلَّتَيْنِ، وَيُحَلَّى كُلُّ مَفْصِلٍ مِنْهُ، وَيُطَوَّلُ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَهِيَ قَامَةُ آدَمَ، وَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَبَشِّرْهُم
وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِثْلَ هَذَا.
فَإِذَا أَدْبَرَ قَالَ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴿١٩﴾ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢٠﴾ ﴾ [الحاقة: ١٩-٢٠] ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٢١﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿٢٢﴾ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴿٢٣﴾ ﴾ [الحاقة: ٢١-٢٣] ، فَيَقُولُ
стр. 74
لأَصْحَابِهِ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ فَيَقُولُونَ: قَدْ غَيَّرَتْكَ كَرَامَةُ اللَّهِ، مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، لِيَبْشِرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمِثْلِ هَذَا.
وَإِذَا كَانَ فِي الشَّرِّ رَأْسًا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَكْثُرُ عَلَيْهِ تَبَعُهُ، نُودِيَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، فَيَتَقَدَّمُ إِلَى حِسَابِهِ، وَيُخْرَجُ لَهُ كِتَابٌ أَسْوَدُ بِخَطٍّ أَسْوَدَ، فِي بَاطِنِهِ الْحَسَنَاتُ وَفِي ظَهْرِهِ السَّيِّئَاتُ، فَيَبْدَأُ بِالْحَسَنَاتِ فَيَقْرَأُهَا فَيَفْرَحُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ سَيَنْجُو، فَإِذَا بَلَغَ آخِرَ الْكِتَابِ وَجَدَ فِيهِ: هَذِهِ حَسَنَاتُكَ وَقَدْ رُدَّتْ عَلَيْكَ، فَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ، وَيَعْلُوهُ الْحُزْنُ، وَيَقْنُطُ مِنَ الْخَيْرِ.
ثُمَّ يُقَلِّبُ كِتَابَهُ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، فَلا يَزْدَادُ إِلا حُزْنًا وَلا يَزْدَادُ وَجْهُهُ إِلا سَوَادًا.
فَإِذَا بَلَغَ آخِرَ الْكِتَابِ وَجَدَ فِيهِ: هَذِهِ سَيِّئَاتُكَ وَقَدْ ضُعِّفَتْ عَلَيْكَ، فَيُعَظَّمُ لِلنَّارِ حَتَّى أَنَّ فَخِذَهُ لَيَكُونُ مَسِيرَةَ أَيَّامٍ، وَجِلْدَهُ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَتَزْرَقُّ عَيْنَاهُ، وَيَسْوَدُّ لَوْنُهُ، وَيُكْسَى سَرَابِيلُ الْقَطِرَانِ، ثُمَّ تُخْلَعُ كَتِفُهُ الْيُسْرَى فَتُجْعَلُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِثْلَ هَذَا.
فَيَنْطَلِقُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴿٢٥﴾ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿٢٦﴾ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿٢٧﴾ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴿٢٨﴾ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴿٢٩﴾ ﴾ [الحاقة: ٢٥-٢٩] .
قَالَ اللَّه: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿٣١﴾ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴿٣٢﴾ ﴾ [الحاقة: ٣٠-٣٢] فَيُسْلَكُ فِيهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا، ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] كَمَا قَالَ اللَّهُ، فَيُسْلَكُ فِيهَا سِلْكًا تَدْخُلُ مِنْ فِيهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، فَيَأْتِي أَصْحَابُهُ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ فَيَقُولُونَ: مَا نَدْرِي وَلَكِنْ قَدْ نَرَى مَا بِكَ مِنَ الْخِزْيِ، فَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا فُلانُ ابْنُ فُلانٍ، إِنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا.
ثُمَّ يُنْصَبُ لِلنَّاسِ وَتَبْدُو فَضَائِحُهُ حَتَّى يُعَيَّرَ، فَيَتَمَنَّى أَنْ لَوْ قَدِ انْطُلِقَ بِهِ إِلَى النَّارِ اسْتِحْيَاءً مِمَّا يَبْدُو مِنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] شاهدًا.
стр. 75
قَوْلُهُ: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥] عَلَى نَفْسِهِ.
﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] لا يَحْمِلُ أَحَدٌ ذَنْبَ أَحَدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: لا يُعَذِّبُ قَوْمًا بِالاسْتِئْصَالِ حَتَّى يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالرَّسُولِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا﴾ [القصص: ٥٩] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ، يَعْنِي: الأُمَمَ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ بِالْعَذَابِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَكْثَرْنَا جَبَابِرَتَهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: جَبَابِرَةُ الْمُشْرِكِينَ فَاتَّبَعَهُمُ السَّفَلَةُ.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] الْغَضَبُ.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُهَا: أَمَّرنا مُثَقَّلَةً، مِنْ قِبَلِ الإِمَارَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُهَا: أَمِرنا.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغِني أَيْضًا أَنَّهُ مِنَ الْكَثْرَةِ.
وَبَعْضُهُمْ يَقْرَأُهَا: ﴿أَمَرْنَا﴾ [الإسراء: ١٦] ، أَيْ: أَمَرْنَاهُمْ بِالإِيمَانِ.
следующие страницы →