← Адаб

Адаб · id 12856

خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء المغرب والأندلس جـ 2

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (315 стр.). Показаны 281–315 · переход к 286.

стр. 281

ووقفت فاسقصيت أنك واحد ... وجدوا صلاح الكل في توفيقه وما حرك الحاجب أعزّه الله سكناً، ولا نبّه بقصده نائماً، وقد طلعت الشمس التي صار بها الغرب شرقاً، وهبت الريح التي عاد بها الحرمان رزقاً، لواء المجد، فارس العقد، يسير صدر الجيش وهو ربه، ويتقلب فيه وهو قلبه: بكلّ خميس بعيد المدى ... يضيق بمذهبه المذهب ثقيل الخطى قاده أدهم ... ولكنّه بالظّبَى أشهب كأنّ الحديد على متنه ... لجين بشمس الضّحى مذهب مياه ترَقْرَقَ رَجْراجُها ... وللنقع من فوقها طحلب يسِحُّ به للندى حاجب ... إذا جاءه الضيف لا يحجب تهزّ به الخيل أعطافها ... إذا مرّ من فوقه الموكب عفاها السرور به كأسه ... فظلّت على ودّه تشرب وقالت: أفي الحق لو أنّني ... أرى مثل هذا ولا أطرب كلما لاح بارق ارْتحتُ إليه، أو ذر شارق سلّمت من البعد عليه، فإذا بدت النجوم توهمت همته، وإن نهجت الغيوم تذكرت موهبته ولا أسمع العربية إلا قلت إنه من كلماته، ولا رأيت النّجيبة إلا تيقنت أنها من فعلاته، ولا أحل الرياض إلا وأحسبها شمائله، ولا أرِدُ البحار إلا وخلتها نوافله، وفي ذلك أقول: وما شبهوا بالبحر كفّيه في الندى ... ولكنها إحدى أنامله العشر يدان إذا أوما بها اشتاق ضارب ... وحنّ سنان وانبرى سارب يجري وأظهرت الأيام نخوة قده ... تزيد بحسن الذكر كبراً على كبر أمنت به من كل شر أخافه ... من الدهر حتى نمت في مقلة الدهر

стр. 282

يعزّ الملك، ويذل الشرك، ويرفع أعلام الحق، ويبسط العدل بين الخلق، شنشنة أعرفها من أخزم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ولا بد أن يمد لي الأمل كفيه، ويهز لي الجذل عطفيه، فلئن أزهى بنظمه، فإنّه من شعره، ولئن أعتزي بفضله، فإنني متعلق بحبله، ومعترف بأن الدر يغترف من بحره، وغير منكر على أن أحلب منأخلاف دره، فخذني أعزك الله إليك، فقد تطارحت بنفسي عليك، ورغبت في حلول فنائك، وآثرت أن أصير تحت لوائك. وإذا كان عند قلبك قلبي ... لم يضِرْنا تنازح الأبدان وتصفح بعين صفحك نظماً ... قد غدا عن محبّتي ترجمان قل لريب الزمان كيف تراني ... شاكياً بعدها وأنت تراني أصبغ بن محمد القرطبي له في معذر: بارك الله في سواد الخدود ... إنّه سؤدد لكل عميد لم تجد بالوصال إذ كنت حيا ... يا قتيل العذار جد بالصدود لو إلينا يكون دفنك حيا ... لدفنّاك في قبور اليهود أبو عامر محمّد بن الأصيلي له من رسالة كتب بها الى ذي الوزارتين أبي محمد بن أبي الفرج يعرفه ما لقيه من رؤساء أهل جزيرة شقر ويذمهم:

стр. 283

كتبت إليك أوان الخروج ... حزيناً مهيناً الى دانيه أسائل ربي أن لا أعود ... الى أرضكم مرة ثانيه حللت الجزيرة سحقاً لها ... كأنّي حللت بسردانيه منعت الدخول الى أهلها ... فدرت كما دارت السانيه وبتّ ثلاثاً بها طاوياً ... قراي همومي وأحزانيه فقل لابن ذي النون ما باله ... يولّي الحصون بني الزانيه وإنّ فعال بني آدم ... لتبقى وأشخاصهم فانيه فارقتك، لا فارقتك السلامة، ولا تخطت إليك الملامة، وحالي على ما أحطت به خبراً، وبلوته سراً وجهراً، من إخفاق سعي، واستيلاء عري، إذ كان الذي وصل إليّ، وحصل في يدي، بكريم عنايتك، وجميل سعايتك يسيراً أنفقت عليه كثيراً، وقليلاً، أقمت عليه طويلاً، فلم أسدد به خللاً، ولا استجلبت به جذلاً، بل كلّما سترت جانباً انكشفت جوانب، وكلما قضيت مأربة عرضت مآرب، لكنني شددت عليه يد البخيل، وأعددته لمؤونة الرّحيل، وخرجت على بلنسية جبَرَها الله، راكب حمار، ولابس أطمار، كأنّني سُلِبْتُ في الطريق، أو أفْقِيتُ مرحلة الذريق، الى أن وافيت الجزيرة، وآمالي بها كثيرة، ونزلت منها على مقدار شأوي وقدمت كتابك الى الوزيرين الجليلين أبي جابر وابن طريف، أكرم الله بما أعواد الكنيف، وكان من برهما أني نزلت خلف السور، أخزى نزول. حتى إذا رمت دخولاً أبت ... نفس أبي الحجاج لي بالدخول راسلته مستنزلاً راغباً ... فكاد أن يقطع رأس الرسول

стр. 284

أكرم به من قائد ماجد ... يصلح للحرث ورعي العجول لا بدّ لي إن عشت والله أن ... أخرى على لحيته أو أبول فجعلت عند ذلك أعض أنامل المغبون، وأقول لله درّ ابن ذي النّون، فلقد تخير للمعاقل، كل جواد عاقل، وأكثر ما ظهر حسن الاختيار في البيرشة والمنار، وكم سواهما من حصن حصين، فوض أمره الى غير أمين، فجاء من ذلك ما قد ظهر، وتولد منه ما قد عرف واشتهر، والله لقد جُبْتُ البلاد، وبلوت العباد، فلا شك عندي ولا مرية، أن أرذل الناس أهل شنت برية، الأوغاد الحثالة، معادن الخساسة والنّذالة، أخلاق اللوم، وروايح الثوم، أحلام البغال، وأقْفاء النِّعال. قوم شغلتم الوراعة والطماعة، عن التحلي بالجود والشجاعة، ناموا عن المكارم، وتجنّبوا أخلاق الأكارم، شرق الشرق بدهمائهم، وفسد بآرائهم، فليس لحمد إليهم سبيل، ولا لمجد عليهم دليل، لا أستثني منهم في كل الأمور إلا أنت، والفاضل أبا مخفور فكلاكما شريف جواد، هاد الى سبيل الرشاد، إن رأى زللاً غضى، أو همّ بمكرمة أمضى، لا يتعرض للسباب، ولا يقف قصاده بالباب: فأقسم بالبيت الذي طاف حوله ... رجال كرام من قريش وجرهم يميناً لنعم السّيدان وجدتما ... على كل حال من مخيل ومبرم فأما الوزير أبو الحجاج، فقد تقعدد في مرتبة الحَجّاج، لا ينقصه من الخلافة إلا التاج، يختال اختيال ذي رعين، ويتوهم أنه ولي الحرمين،

стр. 285

يذلّك إذ يُحترم، ولا يُكَلّم إلا حين يبتسم، وذاك شأن اللئيم إذا أكرم، وعادة المتأخر إذا قُدّم، ولطالما عشش الفار في سرجه، وتخالفت الرقاع في خرجه، فواحدة من بدنه سليخة، وأخرى من جلده بطيخة. والوزير أبو المظفر، إذا لبس الفرو الأحمر، وتبرج في مشيته وتبختر، قد أسبل أكمامه، ورتب حشمه أمامه، قابضين على العصي والسّكاكين، لابسين السلاهم والبرانس، لا يكلم الناس إلا إيماء. ولا يسلم عليهم نخوة وازدهاء: مغائظ ليس لها حيلة ... إلا انتظار الحين والوقت قل لابن ذي النون الرئيس الذي ... ليس له شيء من البخت يا مالكاً يجعل قواده ... قوماً غدوا عليه باللفت جاءوا الى الشرق جياعاً فما ... يشبعهم شيء من السّحت من كل حرّاث له لحية ... تدهن بالشحم وبالزيت إن صار في حصن رأى أنه ... قد أدخل العالم في تخت يحسد فرعون على قوله ... وهذه الأنهار من تحتي لا جبر الله بني جابر ... وزادهم مقتاً الى مقت وابن طريف لا رنا طرفه ... في جسمه إلا الى بَرْتِ إن تأته في حاجة يعتذر ... عذر يهود غدوة السبت ما هذه الأشباح تبّاً لها ... قد ملئت بالسفه البحت هيهات لا حر ولا حرّة ... في باب إقليش الى البونت

стр. 286

طالعتك أعزّك الله بما نلته من المضرة، ولقيته من عدم المسرة، لتعلم ما به دهيت، وعن أي قوس دناءة رميت، ولتدري أن كتابك لم ينفع، وأن خطابك لم ينجع، وأن الكلبين لم يكفهما أن منعاني لقاهما، حتى حجباني عن سواهما: وإن امْرأ ضنّتْ يداه على امرئ ... بنيل يد من ماله لبخيل أسأل الله أن يكفلنا برزقه، ولا يحوجنا الى أحد من خلقه، وأن يجعل سعيك مشكوراً، وفضلك مأثوراً، وأن يبقي عليك وارف نعمه، وجزيل كرمه، والسلم. أبو الفتح الوزير وصفه في الأدب بالغزارة، وفي النظم والنثر بالمهارة، أورد له من رسالة الى المقتدر في ذم قوم: استبدلوا بالخير شراً، واعتاضوا من العرف نكراً، واختاروا بالعلم جهلاً، وآثروا على الحياة قتلاً، ولم تزل تعاملهم بطول التؤدة، وتفسح لهم في مجال التوبة، وتتوكف بهم غفران الحوبة، وتبسط لهم وفيهم بالغ المقدرة، وتترفق بهم ترفق من لا يزال سيبه يسبق سيفه، ورجاؤه يغلب خوفه، ورحمته تفثأ عذابه، وأناته تدرأ عقابه، حتى جرّهم السّفه، واستولى عليهم العَمَهْ. وسول لهم الشيطان، واستدرجهم وأوبقهم العصيان، وأزعجهم فبذروا الوقائع حتّمه عليهم خلع الطاعة والى مصارع حكم بهم فيه فراق الجماعة. ومنها: فما كان بين مُناهُم وتمنّيهمإلا ريثما اشتملت عليهم الحرب، واستوعبهم الطعن والضرب، وتحكمت فيهم الرماح والسيوف، وتراءت

стр. 287

لهم في أقبح صورها الحتوف، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، فالحمد لله معطي الحق أهله، ومؤتي كل ذي فضل فضله، الذي ينصر من اتقاه، ويخذل من عصاه، ولا أعدم الله مولاي برهاناً يبهر وسلطاناً يقهر، وحقاً يظهر، وذكراً يخلد، وفتحاً يغور وينجد. أبو عمرو الباجيّ ذكر أنّه كان من الأيمة الفقهاء، والكتاب البلغاء، وله التصانيف الحسنة الشرعية، والمؤلفات المرضية المرعية، وأورد له من رسالة عن المقتدر، الى الوزير أبي الفتح في قبول العذر: ورد كتابك الأثيل، واجتليت ما حواه من القول الجميل، المشتمل على العذر المقبول، وتأملت جميعه تأمل العارف بقدرك، الحامل لبرك، المطيب لذكرك، ومثلك يقرب إذا تعرب؛ ويعتب إذا استعتب، ويمنح صدق المودة إذا تودد وتحبب، وما سلف محمول على ما أوضحته، موضوع حيث وضعته، منسيٌ لا يذكر، مدفون لا ينشر، منسوخ العين والأثر بالميل إليك، والحرص عليك، والظن بك، والإيثار لك، والرغبة فيك، والاستكثار منك، وبحسن هذا ينبغي أن يستحكم بجانبي ثقتك، وتصح إليه استنامتك. ابن الجودي وصفه بصفاء جوهر الكلام، وطيب عنصر القول، وتفرده بالاستعارة الرقيقة، والإشارة الدقيقة، والعبارة اللطيفة الرشيقة، وأورد من شعره قوله:

стр. 288

أدر كأس المدام فقد تغنّى ... بفرع الأيك أورقها الصدوح ونمّ على الرياض نسيم صبح ... تضوع نشره مسك يفوح وسال النهر يشكو من حصاه ... جراحات كما أنّ الجريح وقوله: رعى الله ذي الدّنيا لقاء وموقفاً ... تأتّى اتفاقاً لا لوعد ولا عهد بميثاء تعلوها الرياح بليلة ... وتنظر فيه الشمس بالأعين الرمد على صخب لمّاعِ متنٍ كأنّه ... سنا البرق أو سل الحسام من الغمد وقوله في تسهيل الحجاب: هو الحرّ يهوى النّدى والعلى ... ويرعى عوارف أربابها فهل لي لبابك من آذن ... فآتي حقوقك من بابها وإلا طويت عروض البلا ... د طيّ البحار بأثوابها وطوّفت أشكر نُعْمَى مضت ... وأرجو اللحاق بغُيّابِها وقوله: عساك تغضّ الطّرف والنقد أنه ... هنات، وما بُقْيا الهِنات على النقد تجاوز لها واحقد على باعث لها ... فإنّ الهوى والدهر أهلان للحقد وقال: هل يقدر الدهر والدنيا وعائدها ... والأرحبيات والمهرية القود أن تدنو الدار لي في فتية سُمُحٍ ... يندى ويخضر في أرجائها العود أفديهم طوقوا النّعمى مؤملها ... طوق الحمامة لا يشقى به الجيد من كل أروع مثل السيف منصلت ... تنضى له النجب أو تُطوى له البيد

стр. 289

نعم الأحاديث إن حلوا وإن رحلوا ... كالماء والروض مورود ومودود أبناء زهرة لم يفهم مواضعها ... إلا العلاء وإلا السرو والجود كالأنجم الزهر لا مرقاتها لمدى ... ولا تلألؤها في الدهر مفقود وددتهم للعلى والقوم ودهم ... رغبى ورهبى ومأمول ومقصود لولا القضاء وإن المرء تغلبه ... أحكامه الغر أو أحكامه السود لقد رجعت على نفسي بلائمة ... ولَوْمُها عذَلٌ منى وتفنيد أشكوك يا دهر قد مل السرى فرسي ... وغال مهري تحديد وتصعيد عاوِدْني الخفْضَ ليس المرء في خلد ... ولا فؤاد الفتى في الصدر جلمود أفي ذمام العلى إني لها وبها ... وإنّ حظي مطلوب ومنشود لا بأس جد الفتى من جد منجده ... إن الذي يعلق المجدود مجدود أبو محمد عبد الله ابن سارّة الإشبيلي توفي بعد سنة خمسمائة ﵀ ذكره بالعراق الفقيه أبو علي الحسن بن صالح المالقي وقد قدم وأنشدني لابن سارة في الوراقة: أما الوراقة فهي أنكد حرفة ... أغصانها وثمارها الحرمان شبهت صاحبها بإبرة خائط ... تكسو العراة وجسمها عريان ثم طالعت بالشام حديقة أبي الصلت فوجدته قد أورد من شعره البيتين وأورد أيضاً قوله:

стр. 290

أسنى ليالي الدهر عندي ليلة ... لم أخل فيه الكأس من أعمال فرّقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال وقوله: ومهفهف رقّت حواشي حسنه ... فقلوبنا شفقاً عليه رقاق لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه صبغها الأحداق وقوله: أبدى سوالف رئم زانها العطل ... واستلّ صارم لحظ هابه البطل وافتر عن رتل ألمى فعلّمني ... ترتيل وصفي فيه ذلك الرتل وما جريت قصار السبق مرتجلاً ... في الشعر حتى بدا لي شعره الرجل وقوله وقد جلس الى جنبه غلام حسن الصورة، ثم قام وأعقبه رجل أسود: مضت جنة المأوى وجاءت جهنّم ... فأصبحت أشقى بعدما كنت أنعم وما هي إلا الشمس حان غروبها ... فأعقبها جنح من الليل مظلم وقوله في فروة خليعة: أودى بذات يدي ذماء قرية ... كفؤاد عروة في الضنا والرقة

стр. 291

يتجشّم الفراء في ترقيعها ... طول المشقّة في قريب الشقة لو أنّ ما أنفقت في ترقيعها ... يحصى لزاد على رمال الرقة إن قلت باسم الله عند لباسها ... قرأت عليّ إذا السماء انشقّت وذكره الفتح صاحب قلائد العقيان وقال: نادره الدهر، وزهرة الأيام، المثبت في الأعناق من ذمه أو مدحه مياسم كأطواق الحمام، وتراه دميث الهيئة وقورها، طيب النفس صبورها، حتى إذا حرشت ضبابه، ونوزِعَ السبق فانبرى غلابه، طبع من سانح طبعه منصلاً، وطبق من ضريبته مفصلاً، وأورد من شعره قوله في وصف روض: أما الرياض فإنّهن: عرائس ... لم يحتجبن حذار عين الكالي جاد الربيع لها بنقد مهورها ... دفعاً ولم يبخل بوزن الكالي تثني الصبا منها أكف زبرجد ... منظومة أطرافها بلآلي

стр. 292

وقوله في وصف نار: لابنة الزند في الكوانين جمر ... كالدّراريّ في دجى الظلماء خبروني عنها ولا تكذبوني ... ألديها صناعة الكيمياء سبكت فحمها صفائح تبر ... رصعتها بالفضة البيضاء كلما رفرف النسيم عليها ... رقصت في غلالة حمراء ولابن سنان الخفاجي: وكأنّها والريح عابثة بها ... تزهى فترقص في قميص أحمر وأصله قول أبي تمام: كأن نيراننا في رأس قلعتهم ... مصبغات على أرسان قصار عاد الى شعر ابن سارة: لو ترانا من حولها قلت شرب ... يتعاطون أكؤس الصهباء وهذا البيت مقلوب قول أبي نواس: لو ترى الشرب حولها من بعيد ... قلت قوم من قرة يصطلونا

стр. 293

عاد الى شعر ابن سارة: سفرت في عشائها فأرتنا ... حاجب الشمس طالعاً بالعشاء وقوله فيها أيضاً: جاءتك في تنوّرها المسجور ... زهراء في حلل من الديجور لما تهلل في الظلام جبينها ... لبس الظلام بها غلالة نور يا حسنها وقد ارتمت جنباتها ... شرراً كمثل العسجد المنثور والجمر في خلل الرماد كأنّه ... ورد عليه ذريرة الكافور في ليلة خلنا دجاها إثمداً ... ونجومها مرضى عيون الحور وقوله فيها أيضاً: قد شابت النار بكانوننا ... لما تناهى عمرها واكتهل كأنّها لما خبا جمرها ... مطيب الورد إذا ما ذبل وقوله فيها أيضاً: باتت لنا النار درياقاً وقد جعلت ... عقارب البرد تحت الليل تلسعنا زهراء قدّت لنا من دفئها لحفاً ... لم يعلم البرد فيها أين موضعنا لها حريق بكانون نطيف به ... كمثل جام رحيق فيه مكرعنا تبيحنا قربها حيناً وتبعدنا ... كالأم تفطمنا حيناً وترضعنا

стр. 294

وقوله في وصف النارنج: يا رب نارنجة يلهو النديم بها ... كأنّها كرة من أحمر الذهب أو جذوة حملتها كف قابسها ... لكنها جذوة معدومة اللهب وقوله في وصف النارنج أيضاً: أجَمْرٌ على الأغصان زادت غضارة ... به أم خدود أبرزتها الهوادج وقضب تثنّتْ أم قدود نواعم ... أعالج من وجدي بها ما أعالج أرى شجر النارنج أبدت لنا جنى ... كقطر دموع ضرجتها اللواعج جوامد لو ذابت لكانت مدامة ... تصوغ الثرى منها الأكف الموازج كرات عقيق في غصون زبرجد ... بكف نسيم الريح منها صوالج نقلبها طوراً وطوراً نشمها ... فهنّ خدود بيننا ونوافج نهى صبوتي أن لا تُصيخَ الى النهى ... عروس من الدنيا عليها دمالج

стр. 295

وقوله يصف نجماً في السماء انقض ونزل فرآه مستطيل ضياء: وكوكب أبصر العفريت مسترقاً ... للسمع فانقضّ يذكي اثره لهبا كفارس حل إحْضارٌ عمامته ... فجرها كلها من خلفه عذب وقوله في غلام أزرق: ومهفهف أبصرت في أطواقه ... قمراً بآفاق المحاسن يشرق تقضي على المهجات منه صعدة ... متألق فيها سنان أزرق وقوله في الزهد: يا من يُصيخُ الى داعي السِّفاهِ وقد ... نادى بك الناعيان الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى ... في رأسك الواعيان السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال ... أعلى ولا النيران الشمس والقمر ليرحلنّ عن الدنيا وإن كرهت ... فراقها الثاويان البدو والحضر

стр. 296

وقوله من كلمة: تنمّر الدهر حتى ما فرقت له ... من قسوريّ الدجى في فروة النمر لا بد أن يقع المطلوب في شركي ... ولو بنى داره في دارة القمر قاضي الجماعة في دار الإمارة لي ... قاض على الدهر إن لم يقض لي وطري لولا ضلوع تواري نار فطرته ... لأحرقت وجنات الشمس بالشرر ومن قصائده في المدح، قوله من قصيدة في مدح قاضي القضاة أبي أمية ابن عصام: قدّمت بين يدَيْ مديحك هذه ... والوبل يبدو أولاً برذاذه والسهم يبدو في ترنّم قوسه ... مقدر غلوته وكنه نفاذه والطرف يعلم عتقه من طرفه ... قبل احتماء الخصر في أفخاذه وكذا المهند يستبان مضاؤه ... في صفحتيه ولم يقع بجذاذه كم ذا يعذبني الرجاء ولا أرى ... للحظ إقبالاً على إغذاذه الذكر منك على لسان مودتي ... أحلى من البرنيّ أو آزاذه في قلب ليل قطعته عزائمي ... فبكت فراقده على أفلاذه أو في رداء ضحى تراه معصفراً ... عند الأصيل بحمرة من حاذه وسراب كل ظهيرة مترقرق ... يختال عطفي في ملاءة لاذه والركب من كأس الكرى مترنح ... كالشرب في المأخور من كلواذه والشمس في كف الهواء سجنجل ... يتوقد الهنديّ من فولاذه إن قابلت مرآة رأيك أبصرت ... منها شبيهاً في يدي إنفاذه لو أنّ عدْلَكَ يحتذيه زماننا ... لم يلقنا بالجور في استحواذه

стр. 297

ولكان بالإسعاف يلقى ناظري ... فيطوف منك بركنه وملاذه أصبحت فيلاً في مخالب ثعلب ... من مطلبي في روعه ولواذه أستاذه الدهر الخبيث وللفتى ... شيم تلوح عليه من أستاذه للنّاس عيش درّت الدنيا لهم ... من دوننا بنعيمه وبزاده أخذوه موفوراً كما شاؤوا ولم ... يؤذن لنا فنكون من أخّاذه حضروا وغبنا شذذاً ولربّما ... حرم الغنى من كان من شذاذه وأراهم هذّوا وأبْطأنا وقد ... يدنو بعيد الخطو من هذّاذه ليست تود أخا اقتصاد عيلة ... مستظهراً فيها بخفة حاذه فَذّاً إذا زحف الزمان بجمعه ... رفض الجميع وحل في أفذاذه والمرء قد يجني الرضا من سخطه ... كالليث يفرس وهو في إسفاذه وقذ الزمان جوانحي ووقذته ... فانظر الى موقوذه ووقاذه إن صدّ عن رمحي بثغرة نحره ... فسنان عمري واقع في كاذه لما ذكرتك لاذ بين صروفه ... يبغي النجاة ولات حين لياذه إني منيت من الزمان بصاحب ... قاسي الفؤاد حبيئه لوّاذه وافيت مُرْسِيَةً فوافى قائلاً ... بتصلف ما شاء ليست هذه فمى أصول عليه بابن عصامها ... سباق ميدان العلى بَذّاذه ومتى أرى سعيي بدهري هازلاً ... وعلاه منه يجِدّ في استنقاذه يا ويحَ قلبي كم يضيق وكلّه ... يسع الفجاج الفيح في إنقاذه زادت عوائق دهره في برجه ... إذ حان منها عوذه بمعاذه قاض يقابلنا حبى أبراده ... بأبي هُريرة في التُّقى ومُعاذه ظمئت الى ماء الفرات جوانحي ... وأنا مقيم في ذرى بغداذه

стр. 298

ناديت بدر التمّ إن شئت السرى ... في غير نقص فالقه أو حاذه فلألْقَيَنّ به الزمان وأهله ... في تيه قيصره وزهو قباذه وله يمدحه: يا من عزائمه أمضى إذا انتضيت ... من الحوادث إذ يسطو به القدر ومن إذا ما بدا في أفق طرته ... جبينه المسفر استخذى له القمر عين الرجاء الى علياك شاخصة ... في حاجة أنت فيها السمع والبصر ومنها: في حبوتيه إذا استقبلته ملك ... مقدّس الروح إلا أنّه بشر أضفى على الدين أبرادالشباب فقل ... صدِّيقه البرّ أو فاروقه عمر من ادعى الشرك في أكرومة معه ... فاغلظ عليه وقل للعاهر الحجر وقل له ما ترى في روضة أنف ... وافت ليسقيَه من جودك المطر وقال يمدحه: هاكه كالجنوب تزجي القطارا ... صافح الورد نفحه والعرارا في جبين من حالك الحبر تبدي ... لك ليلاً من طرسه ونهارا رقّ ديباجه فكان زلالاً ... حيث دارت به النواسم دارا تتلألأ من المعاني شموس ... فوق صفحيه تخطف الأبصارا خجل الصبح من شكاتي فأبدى ... سوسن الخد منه لي جلّنارا ورآني بلا عقار فكادت ... صفحة منه تستهلّ عقارا ورآني الصباح أصبحت حالاً ... ذات عُدم فذاب ماء ونارا

стр. 299

عثر الدهر بي وقد جئت حراً ... زاكي الأصل ينعش الأحرارا إن تكن عصمة فإن عصاماً ... جده لم يزل يقبل العثارا قاضي الشرق أشرقتني بريقي ... نائبات يطلبن عندي ثارا لا لذنب إلا لأني أديب ... طاب عود منه فكان نضارا أجل درا يزف حسناً وإن كا ... نت ضلوعي تهفو عليه حرارا حاش لي أن أزفها ثيبات ... عنّساً بل كواعباً أبكارا لفحت أضلعي بها فاستهلت ... بين كفيك تنشد الأشعارا طلعت في أهلة من ضلوع ... لي تجلو بناتها أقمارا أرضعتها در البلاغة منها ... أمهات لم تحتلب أظآرا وأرتك الرياض منها كمام ... جادها النَّيْلُ وابلاً مدرارا ما على بابل لو استقبلتها ... واجتنت من ثمارها الأسحارا كل خمرية ولم تسق خمراً ... تلبس الحسن والدلال خمارا تذر السامعين يثنون أعطا ... ف سكارى وما هم بسكارى لو تغلغلن في مسامع رضوى ... لانثنى راقصاً وخلى الوقارا ليس في فسحة من العذر إلا ... من صبا خالعاً إليها العذارا وبها أجزل المهور فلولا ... أنت ما أدلجت بهن المهارى أبصرتها النجوم أشرق منها ... فسرت تخبط الظلام حيارى وقال يمدح الأمير أبا يحيى ابن إبراهيم وقد قدم والياً: اليوم أخمدت الضلالة نارها ... فاسترجعت دار الهدى عمارها واستقبلت حدق الورى غرناطة ... وهي الحديقة فوّفت أزهارها

стр. 300

وكأنّ تشريناً بها نيسان إذ ... يكسو رباها وردها وبهارها في غبّ سارية ترقرق أدمعاً ... يحكي الجمان صغارها وكبارها ما شئت من نهر كصدر عقيلة ... شقت أناملها عليه صدارها أو جدول كالنصل في يد ثائر ... أمهى صفيحته وهز غرارها ما بين أشجار تميد كأنّها ... شراب جريال يدير عقارها مترنحون إذا لحاها عاذل ... تركت سكون حلومها ووقارها لله أروع من ذوائب حمير ... راع العداة فما تقرّ قرارها وافت به أرض الجزيرة عزمة ... خلعت على حب الجمان عذارها ما هالها بِيدٌ تعسفها ولا ... لجج كجنح الليل خض بحارها في فتية تسري الى نصر الهدى ... فتظنهم سدف الدجى أقمارها خضبوا السواعد وبالرقاق تفاؤلاً ... أن سوف تخضب بالنّجيع شفارها وتلثموا صوناً لرقة أوجه ... جعل السماح شارها ودثارها المنعمين على العفاة إذا شتوا ... والناقضين على العدى أوتارها غرسوا الأيادي في ثرى معروفهم ... فجنوا بألسنة الثناء ثمارها لم لا تراح شريعة التقوى بهم ... وجفونها منهم ترى أنصارها ضربوا سرادق بأسهم من دونها ... وقد اشرأبّ الكفر يهدم دارها فَوَقَوْا بخرصان الرماح جنابها ... وحموا بقضبان الصفاح ذمارها ومسومات شُزَّبٍ إن أحضَرَتْ ... نفضت على ثوب السماء غبارها لبسوا الدّروع على القلوب فدوخوا ... أرض العدى واستأصلوا أنفارها شهب إذا أوفت على أفق الوغى ... جعلت أبا يحيى الأمير مدارها متلثم بالصبح فوق أسرة ... تهدي الى شمس الضحى أنوارها أورت زناد المسلمين له يد ... بالنّجح تقدح مرخها وعفارها

стр. 301

حاشا لأزند شرعنا من كبوة ... ويد ابن إبراهيم توري نارها أصفى مواردها أزاح سقامها ... أحيى خواطرها أقال عثارها أوَلِيَّ أمّةِ أحْمَدِ أبهجتَها ... مذ صرت من جور الحوادث جارها حلبت لك الأنعام ضرعاً حافلاً ... فرأت على أفنانها أطيارها وأرى زناد الرأي منذ قدحتها ... أوريت في مثل النّجوم شرارها فحُطِ الرعية في مريع جنابها ... وارْأبْ ثآها واصطنع أحرارها وزد الأكابر من بنيها خطة ... واردد كباراً بالحباء صغارها واقذف نحور المشركين بجحفل ... يمحو معالم أرضها ومنارها لجب تظن السابقات به أصى ... زرقاً ونفع السابحات بحارها واحلل عرى تلك الجماجم إنّها ... عقدت على نقض العدى زنارها وكأنني بك قد ثللت عروشهم ... وسلبت بيضة ملكه جبارها وقتلت بين نجادها أنجادها ... وصرعت في أغوارهم أغوارها لا ترض منهم بالنفوس تحوزها ... سمر القنا حتى تحوز ديارها وترى بها عيناك ليل ضلالها ... ويد الهدى فيها تشق زرارها ضمنت سيوفك في الغمود وجردت ... يوم النزال فحدثت أخبارها لما احتست خمر الهياج نصالها ... أهدت الى هام الطغاة خمارها زارتك في قصر الإمارة كاعب ... زانت محاسن جيدها تقصارها وضعَتْ من الآداب محض لبانها ... وتجنبت ممذوقها وسمارها تثني الليالي هائمات كلما ... نفثت على أسحارها أسحارها فأجِل جفون رضاك في أعطافها ... كرماً وشرِّف بالقبول مزارها

стр. 302

وقال يمدح الفقيه القاضي أبا بكر ابن العربي: أيها البدر لا عداك التمام ... وسقانا من راحتيك الغمام لح طليقاً لنا بصفح جميل ... مثلما رقرق الفرندَ الحسام واجل ثغراً نشيم منه الأماني ... بارقاً للسماح فيه ابتسام قد حطَطْنا الرحال في ظل دوح ... أثمر البر فيه والإكرام ورأينا تواضعاً من مهيب ... بمعاليه توّج الإعظام قاعد والزمان بين يديه ... قائم والصروف والأيام كلها سامع إليه مطيع ... ينفذ النقض فيه والإبرام من يطع ربه تطعه الليالي ... وتجِيهِ الورى وهم خدام هو رضوان في سكينة رضوى ... ﵁ والإسلم يا كتابي بالله قبل يديه ... بدلاً من فمي فيه احتشام ثم بيّن له بأن ثوابي ... كان عاماً والآن قد جاء عام ولبيد لم يشترط لبكاه ... غير حول مضى وقال سلام قل له قد أتته منا قوافي ... كالأزاهير شق عنها الكمام جالبات من المديح إليه ... مسك دارين فض عنه الختام فأزرنا فرائد المدح بحراً ... يغرق الدر فيه وهو تؤام والأماني شبائب لم تفارق ... غرة العيش والرجاء غلام يتغنّى من المديح بلحن ... فهمته منه الأيادي الجسام رش وطوِّق فإنما أنت دوح ... رفّ بالمكرمات وهي حمام حثنا للرحيل عنك اضطرار ... ولأرواحنا لديك مقام

стр. 303

وطالعت كتاب الجنان لابن الزبير فوجدت فيه منسوباً الى ابن سارة قوله يصف بركة وسلاحفها: لله مسجورة في شكل ناظرة ... من الأزاهير أهداب لها وطف فيها سلاحف ألهاني تقامسها ... في مائها ولها من عرمض لحف تنافر الشط إلا حين يحضرها ... برد العشي فتستدني وتنصرف كأنّها حين يبديها تصرفها ... جيش النصارى على أكتافها الحجف قال الرشيد ابن الزبير: هذا معنى بديع لا يفطن لحسنه إلا من رأى فرسان الفرنج في طوارقها ورؤوسهم أشبهُ الأشياء برؤوس السلاحف لما عليها من البَخانق. وقوله: ومعذر رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا حذَراً عليه رقاق لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه صباغها الأحداق

стр. 304

وقوله يرثي امرأة: تفطرت كبد العليا للؤلؤة ... لم تودع الترب إلا من كرامتها نوارة ملأت أفق التقى أرجا ... وردها الزهر صوناً في كمامتها وقوله: ولما رأيت الغرب قد غصّ بالدجى ... وفي الشرق من ضوء الصباح دلائل توهمت أن الغرب بحر أخوضه ... وأن الذي يبدو من الشرق ساحل وقوله يمدح: متى تلتقي عيناي بدر مكارم ... تود الثريا أنّها من مواطئه ولما أهل المدلجون بذكره ... وفاح تراب البيد مسكاً لواطئه عرفنا بحسن الذكر حسن صنيعه ... كما عرف الوادي بخضرة شاطئه أيا من محل النجم في جنباته ... منيف مدى الأيام ليس بلاطئه عليك بأغراض ودع ما وراءها ... فما صائبات النبل مثل خواطئه وقوله في فقهاء الأندلس: يا ذئاباً بدت لنا ... في ثياب ملونه أحلالاً رأيتم ... أكلنا في المدونه وقوله: ومهفهف يختال في أبراده ... مرح القضيب اللدن تحت البارح

стр. 305

أبصرت في مرآة فكري خده ... فحكيت فعل جفونه بجوارحي لا غرو إن جرح التوهم خدّه ... فالسحر يفعل في البعيد النازح وقوله يصف سيفاً: وصقيل مدارج النمل فيه ... وهو مذ كان ما درجن عليه أخلص اليقين صقله فهو ماء ... يتلظى السعير في صفحتيه وقوله في الزهد: بنو الدنيا بجعل عظموها ... فجلت عندهم وهي الحقيره يهارش بعضهم بعضاً عليها ... مهارشة الكلاب على عقيره وقوله في صفة نهر: النهر قد رقت غلالة صبغه ... وعليه من صبغ الأصيل طراز تترقرق الأمواج فيه كأنّه ... عكن الخصور تهزها الأعجاز وقوله في موت بنت: ألا يا موت كنت بنا رؤوفاً ... فجددت الحياة لنا بزوره حمدت لفعلك المأثور لمّا ... كفيت مؤونة وسترت عوره فأنكحنا الضريح بغير مهر ... وجهزنا الفتاة بغير شوره

стр. 306

أبو بكر بن الصائغ المعروف ب ابن باجة السرقسطي لم يبلغ درجته أحد من أهل عصرنا في الحكمة، وله تصانيف في الرياضيات والمنطق والهندسة فاق فيها المتقدمين، وله من قصيدة في الخمر قافية: قبضنا بها روح الظلام لأنّنا ... نرى الغبن أن نفنى وأوقاتنا تبقى ومنها: ولم تبك منها العين لكنّ لحظَها ... حسام بماء الدّمع أحسبه يسقى وذكره ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار من النظم والنثر لأفاضل أهل العصر، ووصفه بالتفرد بعلم الهيئة والهندسة العلمية والنظرية، وسائر العلوم الحكمية والأدبية، وذكر أنّه استوزره أبو بكر، يحيى بن تاشفين مدة عشرين سنة وكانت شكيمته حسنة، وانتفع به الناس، وأمن به البؤس والباس، وصلحت الأحوال، ونجحت الآمال، وحسده أطباء البلد فكادوه، ونالوا بقتله مسموماً ما أرادوه، فكانت وفاته في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وأورد من شعره قوله عند الموت وقد أحس بالفوت:

стр. 307

آه من حادثات صرف الليالي ... فلِحالي انظُرْ أعِظْكَ بحالي أمْسِ أبكيتُ حاسدي شَرقاً بي ... وهو اليوم رحمة قد بكى لي وقوله قبل ذلك: خليليّ لا والله ما القلب صاحياً ... وإن ظهرت منه الشمائل صاح وإلا فما لي حين لم أشهد الوغى ... أبيت كأنّي مثقل بجراح وقال: هم رحلوا يوم الخميس غدية ... فودعتهم لمااستقلوا وودعوا ولما تولوا ولت النفس إثرهم ... فقلت ارجعي قالت الى أين أرجع الى جسد ما فيه لحم ولا دم ... ولا هو إلا أعظم تتقعقع وعينين قد أعماهما كثرة البكا ... وأذن عصت عذالها ليس تسمع وقال يرثي أبا بكر بن تافلويت المرابط: سلام وإلمام ووسميّ مزنة ... على الجدث النائي الذي لا أزوره أحق أبو بكر تقَضّى فلا يُرى ... ترد جماهير الوفود ستوره لئن أنِست تلك القبور بلحده ... لقد أوحشت أمصاره وقصوره وقال: يا صاحب القبر الغريب ... بالشام في طرف الكثيب بالشِّعْب بين صفائح ... صلد ترصص بالجنوب

стр. 308

تبكي عليه حمائم ... ورق ترنّح في قضيب لما سمعت بكاءها ... وحنينها عند المغيب علق الغرام بأضلعي ... والداء يعلق بالطبيب وقال في وصف مصلوب. قال ابن بشرون وأظنه لغيره: وسنان لا قرّة الظلماء توقظه ... ولا الهجيرة في البيداء تؤذيه أغفى فيا ليت شعري هل يلم به ... إذا دجا الليل طيف كان يأتيه خط السنان كتاباً بين أضلعه ... فمال يقرأه سراً ويخفيه كأنّه مصقع من فوق منبره ... يبدي الخشوع لرب كان باريه وله: إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء طاهره ... فمن لحر على الأحشاء يتقد البيتان عليهما تشطيب بغير خط هما لبعض الصحابة: ابن الفخار المالقي الأندلسي الفقيه المشاور، هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن كامل المعروف بابن الفخار. أنشدني الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن علي بن صالح الأندلسي وقد قدم البصرة في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وخمسمائة قال: أنشدني الفقيه المشاور هذا لنفسه، وذكر أنّه عمله ارتجالاً يخاطب شاعراً جاراه في التوحيد وهو موشح العروض: رويدك أيها الرجل المعنّى ... فإن الرفق أجمل باللبيب ولا تجعل فرب فتى تأنّى ... فأدرك غاية القرم النجيب

стр. 309

فكم عقد سديد قد تسنّى ... بلا تعب ولا طرب مريب فإن الجيش ليس يطيق شناً ... لغارته بلا قدر مصيب ولا يَمضي الحسام يُسَنُّ سَنّاً ... إذا لم يقض علاّم الغيوب أخوك محمد لما تغنّى ... أصاخت نحوه أذن الغريب وقَفّاها بواحدة فثنّى ... كمثل الرمح قوّي بالقضيب فخذها غادة خضبت يُرَنّا ... لها ثوب قد اقْدِمَ بالصّبيب اليُرَنّا: الحنّاء. إذا ما رامها من قد تبنّى ... تعرض دونها شبح الحروب جميع بيانها لفظاً ومعنى ... كما جمع الحبيب مع الحبيب وذكر أنه توفي بالمغرب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وأورده أبو النصر القيسي في كتاب قلائد العقيان وقال: صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحسن، لا يصد إذا صمم، ولا يرد عما يمم، حمي الأنف لا ينام، قوي الشكيمة لا يُضام، وأورد من شعره قوله: بأي حسام أم بأي سنان ... أنازل ذاك القِرن حين دعاني لئن عري اليوم الجواد لعلة ... فبالأمس شدوا سرجه لطعان وإن عطل السهم الذي كنت رائشاً ... ففيه دم الأعداء أحمر قاني ألا إن درعي نثرة تبعية ... وسيفي صدق أن هززت يمان وما قَصَباتُ السبق إلا لأدهمي ... له الخيل جالت في مجال رهان تمنى لقائي من حللت وثاقه ... وأعطى غداة المن ذلة عان وقد علم الأقوام من صحّ ودّه ... ومن كان منا دائم الشنئان

стр. 310

وما يزدهيني قول كل مموه ... وليس له بالمعضلات يدان وإني لنهاض بكل عظيمة ... يضيق عليها ذرع كل جبان ويزعم أني في البيان مقصر ... ويأبى بياني واقتدار لساني نهضت بها وحدي وغيري مدع ... يشارك أهل القول شرك عناني أينسى مقامي إذ أكافح دونه ... وقد طار قلب الذعر بالخفقان ويذكر يوماً قمت فيه بخطبة ... كآثار عهد الماء بالسيلان فقرّي جعارُ إن دونك حارِشاً ... يمنّيك بالإخلاف والولعان وما هو إلا المرء يقطع رأسه ... وإن دهنوه حيلة بدهان تهاون بالأنصاف حتى أحله ... وقد كان ذا عز بدار هوان ولو كان يعطي الزائرين حقوقهم ... لما تركوه في يد الحدثان وقوله: الى كم يجدّ المرء والدهر يلعب ... ويبعد عنه الأمن والخوف يقرب وهل نافعي إن كنت سيفاً مصمماً ... إذا لم يكن يلقى بحدي مضرب أبيّتُهُم والليل كالنفس أسود ... وأهجمهم والصبح كالطرس أشهب فلا أنا عما رمت من ذاك مُقْصِرٌ ... ولا خيل عزمي للمقادير تغلب أبا حسن سائل لمن شهد الوغى ... لئن كنت لم أصبح أهش وأطرب وأعتنق الأبطال حتى كأنّما ... يعانقني عنهم من البيض ربرب ومنها: وفي كل باب قد ولجت لكيدهم ... ولكن أمور ليس تقضى فتصعب فوا أسفاً كم قد أبيت بذلة ... وسيفي ضجيعي والجواد يقرب

стр. 311

وقوله: أمستنكر شيب المفارق في الصبا ... وهل ينكر النور المفتح في الغصن أظن طلاب المجد شيّبَ مفرقي ... وإن كنت في إحدى وعشرين من سنّي وقوله في أبي عبد الله بن أبي زنغي: بمن حلّ في سرْغٍ فؤادك هائم ... وهيهات منك اليوم من حل في سرْغِ وتكلف بالداعي هلم الى الوغى ... طماعاً بأن ندنو من ابن أبي زنغي وكنا به نبغي قضاء لبانة ... ولو أنّه يبغي لقضّى الذي نبغي سلام عليه عذّب النفس بعده ... عقارب همّ لا تفيق من اللدغ وشوقاً إليه أصبح القلب عنده ... ولم تثنه خود معقربة الصدغ

стр. 312

وقوله: أقلّ عتابك ليس الكريم ... يجاري على حبّه بالقلا وخل اجتنابك أن الزمان ... يمرّ بتكديره ما حلا وواصل أخاك بعلاته ... فقد يُلبس الثوب بعد البلى وقل كالذي قاله شاعر ... نبيل وحقك أن تنبلا إذا ما خليل أسا مرّة ... وقد كان في ما مضى مجملا ذكرت المقدم من فعله ... فلم يفسد الآخر الأوّلا أبا حسن إن أتى حادث ... يجرد لي سيفك المنصلا إذا صيد للشعر طير بغاث ... رُئِيتَ لها الطائر الأجدلا ومما أنشدنيه لنفسه في الأمير محمد بن سعد بن مردنيش ملك شرق الأندلس من قصيدة أولها: إهتز منسم عرفه عن عنبر ... وافترّ مبسم ثغره عن جوهر ولوى ذوائب ليله في نومه ... فأنار عن وجه الصباح المسفر واختال في ثوب الشبيبة وانثنى ... كالغصن بين مورق ومنوّر زارت تَثَنّى في الوشاح تفتراً ... والردف يُنْبي عنه عقد المئزر ظنت بأن الليل يكتم سرها ... والحسن يفضحُ غرة المتستر كالنور لم يفتنك رائق حسنه ... حتى تبسم في القضيب الأخضر وأقام زهرة وردها في خدها ... ماء الصبا وحيا الشباب الأنضر

стр. 313

بَخِلَتْ عليّ وقد سألتُ قطافه ... وجنته أزرار الرِّدا والمعجر ساومت هذا الحِبَّ طيب وصاله ... والهجر يغمزني بأن لا أشتري فالحسن ينكرني ويعرفني الهوى ... شان بين معرف ومنكّر إن جارَ هذا الحِب في أحكامه ... فالجَوْرُ في ذا الحب ليس بمنكر نفسي ألومك كان ينهاني الهوى ... فأمر قاسي صعبه وتصبري من منصفي من ظالم ومحلل ... غصَبَ الهوى مني جميل تصبّري إلاّ المُهَنّا بالسرور الأكبر ... إلا المُمَدّح بالثناء الأعطر أمؤمل غير الأمير محمد ... ذاك ابن سعد يا مدائح فابشري كم جُبْتُمُ من أطهر في أطهر ... ونقلتم من أظهر في أظهر وجنيتم ثمر الفتوح بروضة ... للرزق تنبت بالرعاف الممقر وجلوتم صدأ الدهور فأصبحت ... كالسيف كشف صقله عن جوهر وصقلتم مرأى الزمان فمن يشأ ... نظر السرور فهاكه فلينظر جاءت بك الأفلاك في دورانها ... كالغيث جاد على الزمان المعسر يهتز عطف الحمد منه نافحاً ... عن مدحة فتقت بمسك أذفر ما عطرت بل عطرت أمداحه ... نفس الزمان فيا زمان تعطر عهدي به شكل الضلوع بأبيض ... عهدي به نقط القلوب بأسمر حتى إذا ما البأسُ حل ذماره ... صبغ الفضائل في النّجيع الأحمر وأنشدني له من قصيدة في عبد المؤمن وأنشدني لنفسه في مراكش بأقصى المغرب: وأرض سكنّاها فيا بئس مسكن ... بها العيش نكد والجناح مهيض نروح ونغدو ليس إلا مروع ... عقارب سود أو أراقم بيض

стр. 314

أبو الحجاج يوسف بن محمد بن فاروا الأنصاري الأندلسي من ثغر شرقي الأندلس من بلاد المغرب، أصله من مجريت تمريط ومولده باشكرب وتربيته ونشؤه بجيان، دخل بغداد ورحل الى خراسان في طلب الحديث، وتوفي ببلخ، سلخ ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وقال السمعاني في تاريخه: أنشدنا أبو الحجاج المغربي لنفسه بهراة: نسيم الصبا بالله حي ذوي ودّي ... وقولي لهم إني مقيم على عهدي فيا ليت شعري هم على ما عهدتهم ... أم استبدلوا غيري بوصلهم بعدي فو الله لا أنسى وإن شطّ بي النوى ... فلا حدت عن وصلي ولا حلت عن عقدي وصلتم، قطعتم، أو ذكرتم، نسيتم ... فكونوا كما شئتم فهذا الذي عندي

стр. 315

عليكم سلامي دائباً لا عدمتم ... على قدر ما بي من ضنائي ومن وجدي قال وأنشدني لنفسه ببلخ في الإجازة: أجزت لهم رواية ما أحبوا ... من المسموع لي والمستجاز لأحظى منهم بدعاء خير ... وفي الأخرى إلهي لي المجازي وخط المغربي لهم شهيد ... على وجه الحقيقة لا المجاز الفقيه خطاب التلمساني أبو الحسن الخطاب بن أحمد بن عدي بن خطاب بن خليفة بن عبد الله بن الوليد بن أبي الوليد، ذكر الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي الدمشقي ببغداد أن خطاباً كان إماماً فاضلاً، وورد بغداد، وله شعر حسن ويد باسطة في اللغة، وأنه أنشده لنفسه: حرام على نفسي لذاذة عيشها ... الى أن تقرّ النفس عيناً بما تدري بعلم يزكي النفس عند مليكها ... وتؤنسها أنواره في دجى القبر ويحشر إن أضحى الأنام بظلها ... لواء علوم يوم يدعى الى الحشر فإن نلت ما أملته أبْتُ فائزاً ... وإلا فنفسي قد أقمت بها عذري