← Адаб

Адаб · id 12856

خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء المغرب والأندلس جـ 2

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (315 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

رويداً فذا وادي لبيني وإنّه ... لورد لباناتي وإني لظامئ ويا حبّذا من آل لبنى مواطن ... ويا حبّذا من أرض لبنى مواطئ ميادين تهيامي ومسرح خاطري ... فللشوق غايات بها ومبادئ فلا تحسبوا غيداً حوتها مقاصر ... فتلك قلوب ضمنتها جآجئ محا ملّة السلوان مبعث حسنها ... فكل الى دين الصبابة صابئ وآل الهوى جرحى ولكن دماؤهم ... دموع هوام والجروح مآفئ وداريت إعتاباً ودارأت عاتباً ... فلم يغني أني مُدارٍ مُدارئ ولازمت سمت الصمت لا عن فدامة ... ولي منطق للسمع والقلب مالئ ومنه: ولولا حلى الدين ابن معن محمد ... لما برحت أصدافهن اللآلئ

стр. 247

لآلئ إلا أن ذهني غائض ... وعلمي دأماء ونطقي شاطئ ولولاه كانت كالنسيء وخاطري ... لها كفُقَيم للمحرم ناسئ هو الحبّ لم أخرجه إلا لمجده ... ومثلي لا علاق النفاسة خابِئُ كأنّ علاه دولة أموية ... وما ناب من خطب عمير وضابئي وإن يمسس العاصين قرحك آنفاً ... فأيدي الوغى عما قليل توالئ عسوا فعصوا مستنصرين بخاذل ... وأخذل أخذ الحين ما منه لاجئ وشهب القنا كالنقب والنقع ساطع ... هناء وأيدي المقربَات هوانئ يعود تخضيب النصول وإن رأى ... نصولخضاب فالدمء برايئُ وله: أربرب بالكثيب الورد أم نشأ ... ومعصر في اللثام الورد أم رشأ

стр. 248

وباعث الوجد سحر منك أم حور ... وقاتل الصبّ عمدٌ منك أم خطأ وقد هوت بهوى نفسي مها سبأ ... وهل درت مضر من تيمت سبأ كأن قلبي سليمان وهدهده ... لحظي وبلقيس لبنى والهوى النبأ فاعجب لهم وتروا نفسي وما شعروا ... ولا دروا من بعيني ريمهم وجأوا جلالة لسليمان وملتمح ... ليوسف يوم للنسوان متّكأ ومنها: تحيد عن أفقك الأملاك مجفلة ... ولا تُحَوّمُ حيث اللقوة الحدأ وما صوارمهم إبلاً وقد سرحوا ... وليس إفرندها عرا وقد هنئوا وله: هم في فؤادك خيموا أو قوضوا ... ومنى جفونك أقبلوا أو أعرضوا وهم رضاك من الزمان وأهله ... سخطوا كما زعمت وشاتك أم رضوا أهواهم وإن استمر قلاهم ... ومن العجائب أن يحب المبغض

стр. 249

ينهى النهى عنهم ويأمرني الهوى ... والنفس تعرض والمنى تتعرض وفويق ذاك الماء من شهب القنا ... جثث ومن حصر الصوارم عرمض ومنها بيت أنشدنيه القاضي الفاضل: الناس أغربة إذا قايستهم ... وأخو المصافاة الغراب الأبيض وقال: واصل أخاك وإن أتاك بمنكر ... فخلوص شيء قلّما يتمكّن ولكل حسن آفة موجودة ... إن السراج على سناه يدخن وقال من قصيدة في تشبيه الرمح والنبل: والسّمر من قلب القلوب مواتح ... وكأنّها موصولة الأشطان والنّبل في حلق الدلاص كأنّها ... وبل الحيا في مائج الغدران وقال من قصيدة: أما أنها الأعلام من هضباتها ... فكيف تكف العين عن عبراتها دراني وإذراء الدموع لعله ... يسكن ما قد هاج من ذكراتها فقد عبقت ريح النعامى كأنّها ... سلام سليمى فاح من نفحاتها وتيماء للقلب المتيم منزل ... فعوجا بتسليم على سلماتها

стр. 250

مشاعر تهيام وكعبة فتنة ... فؤادي من حجاجها ودعاتها فكم صافحتني في مناها يد المنى ... وكم هبّ عرف اللهو في عرفاتها عهدت بها أصنام حسن عهدنني ... هوى عبد عزّاها وعبد مناتها وقال: أهل بأشواقي إليها وأتّقي ... شرائعها في الحب حق تقاتها فتى البأس والجود اللذين تباريا ... الى غاية حازا له قصَباتها تدين يداه دين كعب وحاتم ... فحتم عليها الدهر وصل صلاتها يجاهد في ذات الندى بيت مالها ... ولا جيش إلا من أكف عفاتها إذا البِدَرُ انثالت عليهم تخالها ... بأيدي مواليها رؤوس عداتها وقال من قصيدة: تكاد تغني إذا شاهدت معتركاً ... عن أن يسل حسام أو يُسال دَم بلحظة منك تثني القِرن منعقراً ... كأن لحظك فيه صارم خذم أقدمت حيث الكماة الشّوس محجمة ... وجدت حيث المنايا السود تزدحم وما احتدى الموت نفساً من نفوسهم ... إلا وسيفك كعب الجود أو هرم منها في وصف هام المصلبين: وقد تلم بها الغربان واقفة ... كأنّها فوق مخلوقاتها لمم

стр. 251

وقال من قصيدة هائية طويلة: وسقم فؤادي من سقام جفونه ... فإن نقهت عيناه فالقلب ناقه مراد هوى حفت به مرد العدى ... ودون جنان الخلد تلقى المكاره وما خيلاء الخيل فيها سجية ... ولكنها لما امتطوها توائه فلا تكرهن إن خاسَ قوم بعهدهم ... عسى الخير في الشيء الذي أنت كاره فنصرك أيّا ما سلكت مساير ... وفتحك أيّاً ما اتجهت مواجه ومن وصفها: ففي أنفس الحساد منها هزاهز ... وفي ألسن النقاد منها زهازه وقال من أخرى في وصف ضيافة: سمت السوام به الحمام كأنّها ... أخذت لشأن من ذوي الشنآن وتبعتها ذات الجناح كأنّما ... فعلت جناحاً قبل في الطيران حتى غدا حمل السماء وثورها ... حذرين مما حلّ بالحملان نار بأرجاء المرية سقطها ... مزر ببيت النار في أرجان المرية بلدة. فلو المجوس تجوس بين ديارنا ... أمّت لديك عبادة النيران وقال من أخرى: فلا مهجة إلا إليك نزاعها ... وما زال يُطوى عن سواك لها كشح وليس يحيق المكر إلا بأهله ... وكم موقد يغشاه من وقده لفح

стр. 252

ومن تكن الأقدار مسعدة له ... يعد شَبِماً عذباً له الآجن الملح إذا خيف أن تشتد شوكة مأزق ... فلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح ومن أخرى: مضاؤك مهما رمى قرطسا ... ولو يمّم الأنجم الخُنّسا إذا رمت أمراً غدا ممكناً ... وإن كان ممتنعاً مؤيسا ومن قصائده قوله من قصيدة في أبي يحيى ابن معن الصمادحي: عج بالحمى حيث الأراك العين ... فعسى تعن لنا الظباء العين واستقبلن أرج النّسيم فدارهم ... ندية الأرجاء لا دارين واسلك على آثار يوم رِهانِهم ... فهناك تُغلق للقلوب رهون حيث القباب الحمر سامية الذرى ... والأعوجيات الجياد صفون والسمهرية كالنهود نواهد ... والمشرفية في الجفون جفون أفق إذا ما رمت لحظ شموسه ... صدّتك للنقع المثار دجون يغشاك من دون الغزال صوارم ... فيه ومن قبل الكناس عرين أنّى أراعُ لهم وبين جوانحي ... شوق يهوِّن خطبهم فيهون أو هل يهاب ضرابهم وطعانهم ... صبّ بألحاظ العيون طعين

стр. 253

وكأنّما بيض الصفاح جداول ... وكأنّما سمرالرماح غصون ذرني أسر بين الأسنة والظبا ... والقلب في تلك القباب رهين فلعله يروي صداي بلمحه ... وجهاً به ماء الجمال معين ولعي بذات القلب أفقد أضلعي ... قلباً عليه ما يريم يرين تلهو وأحزن مثل ما حكم الهوى ... لا يستوي المسرور والمحزون وتذللي لم يجد غير تدَلُّلٍ ... والحسن عز للحسان مكين لا غرو أن أصل الغرام بمعرض ... غير المحب بما يدان يدين يا ربّة القرط المعير خفوقه ... قلبي فما لحراكه تسكين توريد خدك للصبابة مورد ... وفتور طرفك للنفوس فتون وإذا رمقت فوجي حبك منزل ... وإذا نطقت فإنّه تلقين لولاك ما أودى الجوى بتجلدي ... ولقاك أنك لي منى ومنون ومنها في التخلص الى الممدوح ووصف قصره: أنت الهوى لكن سلوان الهوى ... قصر ابن معن والحديث شجون فالحسن أجمع ما يريك عيانه ... لا ما رأته سوالف وعيون والروض ما اشتملت عليه شموله ... لا ما حوته أباطح وحزون قد عطل الأزهار زاهر حسنه ... لا الورد ملتفت ولا النّسرين فأجل جفونك تجل منه فتوره ... نور الخدود له الأكف جفون

стр. 254

ومنها: فنجومه زهر ثوابت لم يرم ... تعديلها زيج ولا قانون والمجلسان النيران تألّقا ... هذا لهذا في البهاء قرين كالمقلتين أو اليدين تأيّدا ... والحسن يعضد أمره التحسين ومنها: عطفت حناياه وضمن بعضها ... بعضاً وسحر ذلك التضمين كتقاطع الأفلاك إلا أنه ... متباينان تحرك وسكون فلكية لو أنّها حركية ... لاعتدّ منها الرأس والتنين تتعاقب الأعصار فيه وجوّه ... أبداً به آذار أو تشرين وكأنّ هرمس بثّ حكمته به ... وأدار فيه الفكر أفلاطون وكأنّ راسم خطّه إقليدس ... فسوائل الأشكال فيه فنون من دائر ومكعب ومعين ... ومحجن تقويسه التحجين وقسيُّ محنيّ سواريها لها ... نبل ولا يرمي بها فتبين فهنالك التضعيف والتثليث وال ... تربيع والتسديس والتثمين نسب جلت نسب الفناء لبعثها ... طرب النّفوس وسمعها تعيين وكأنّ طرفي مسمعي وكأنّه صوت وشكل خطوطه تلحين متلألئ فكأنّما سال المها ... فيه وذابَ اللؤلؤ المكنون وكأنّ مبيض الخدود وضاءة ... صحن له لا المرمر المسنون تُغشى بمذهب لمعه فكأنّما ... أبدى لديه كنوزه قارون هو ثالث القمرين في ضوءيهما ... فيه تضيء لنا الليالي الجون

стр. 255

لو أبصرته الفرس قدس نوره ... كسرى وأخبت نارها شيرين أو لو بدا للرّوم معجز صنعه ... بدأ السجود إليه قسطنطين ومنها: هو جنّة الدنيا تبوّأ نزلها ... ملك تملكه التقى والدين فكأنّما الرحمان عجلها له ... ليرى بما قد كان ما سيكون ومنها في المدح: عفّ فلا مال يباح ولا دم ... بل آمنان ذخيرة ووتين وإذا دعا داع بطول بقائه ... خرقت له سمع السما آمين ملك القلوب بسيرة عمرية ... يحيا بها المفروض والمسنون لا تألف الأحكام حيفاً عنده ... فكأنها الأفعال والتنوين لو كان أدنى بشره وذكائه ... للنصل ما شحذت ظباه قيون لو كان لج البحر مثل نواله ... غمر الربا مسجوره المسجون وقوله من أخرى: هنّ الأماني مدمنات جران ... فصل اعتزاماً لات حين توان وإذا انقضى زمن الفتاء عن الفتى ... فبقاؤه وفناؤه سيان ومنها: لا تخدعن فما لإحسان الصبا ... عوض ولا لرُوائِه الحُسّان واخلع على ريعانه حلل المنى ... فمحاسن الأشياء في الريعان وزيادة الأقمار بدء شهورها ... وتعقب الأعقاب بالنقصان والشمس في الحمل الذي هو أول ... تسمو كما تنحط في الميزان

стр. 256

ليس الصبا زمن الصبا لكنه ... قمع العدى ورعاية الخلان حال يحول الهم فيها يافعاً ... والخمر تثني الشيب كالشبان غيري تتيمه وتقلب قلبه ... حدق المها وسوالف الغزلان فالنفس تزداد النفاسة والهوى ... هون وما أرضى لها بهوان ولرب ذي أيد سعى ليضمها ... فرمته بالأيهاء والإيهان ووعيد أقوام صممت لسمعه ... سمع الأذى من آفة الآذان وتغطرس من معشر قد أنبأوا ... أن الوهاد تعود شم رعان قلب الزمان عيانهم وعيالهم ... وكذا الزمان مغير الأعيان يا سائلاً عما زكنت من الورى ... والسر قد يفضي الى الإعلان إيهاً سقطت على الخبير بحالهم ... عند العروض حقائق الأوزان هم كالقريض وكسرهم من وزنه ... يبدو من التحريك والإسكان ومت يحل حالاهما من كنهها ... أنكرت منه واضح العرفان كم من خليل ساعدته سعادة ... وطوى بها كشحاً على الأضغان من كل ذي حسد يشانئ شانئ ... إن التحاسد باعث الشنآن هاجوا سكوني فاستدمت هياجه ... إن الحراك لآلة الحيوان لما فضلت رموا بكل عظيمة ... والفضل موقع أسهم البهتان يا ما لدهري ليس يعدل حكمه ... أتراه خال العدل في العدوان أوردت حظي في الحظوظ مصلياً ... إن كان ذهني سابق الأذهان هلا تناءت في التسابق حلبة ... حتى تبرز ربّ كل رهان

стр. 257

لو مدّ ميدان التناظ بيننا ... علم الورى من فارس الميدان ذكر الفتى يبدي خفي سنانه ... والنار حامية بغير دخان وعسى إثارته تري آثاره ... ولكم تُدال إدالة بضمان وملاك بغيتك المليك محمد ... يمِّمْهُ تحمد صرف كل زمان وقال من أخرى في المدح مهموزة، وقد سبق غزلها، والتزم فيها ما لم يلزمه، وذكر أنها قصيدة تنيف على أربعمائة بيت: إذا تجلّى الى أبصاهم صعقوا ... وإن تغلغل في أفكارهم همأوا لو أغلظ الملك أمراً فيهم ائتمروا ... لو اقتضى الجيش رداً منهم ردأوا وكل ما شاء من حكم محتكم ... يمضي على ما أحبوا منه أو ندأوا أغرّ في مجده الأعلى وغرّته ... للّب منحسن واللحظ منخسأ وفي سناه ومسناه ونائله ... للشّهب والسّحب مستحياً ومنضنأ سلالة لسليمان وملتمح ... ليوسف يوم للنسْوان متّكأ وللملوك اختفاء أن تشابهه ... وليس تشتبه العيدان والحفأ والكلّ معترف بالسابقات له ... ومن زكا فله بالحق منزكأ مملك هو من سمت الهدى ملك ... وواحد هو في شيد العلا ملأ يقل أن يطأ العيوق أخمصه ... وكل ملك على أعقابه يطأ حوى المحاسن في قول وفي عمل ... فمثل مهنئة الأملاك ما هنأوا وللثغور بذكرى عدله ولع ... وللقلوب لمثى حبّه لَطَأ والمالكون سواه مثل عصرهم ... فكلما دنأت أحداثه دنأوا والعدل ألزم ما تعني الملوك به ... فليزجروا عن سبيل الحيف وليزأوا وكيف يلقي قناة الدهر قائمة ... وفوقنا لقسي الشهب منحنأ

стр. 258

وما الزمان على حال بمعتدل ... كأنّما أهله في شخصه دنأوا فالدهر ظلماء والمعصوم نور هدى ... يضيء والشمس في أنوارها تضأ فخل ما قيل عن كعب وعن هرم ... فللأقاويل منهار ومنهرأ وتلك أنباء غيب لا يقين لها ... وقلما في التناهي يصدق النبأ وما اختبار كأخبار وما ملك ... إلا ابن معن وذر قوماً وما ذرأوا تغني أياديه ما تغني صوارمه ... وللغناء هو الإقلال والقنأ سيّان منه فتوح في العدى طرأت ... ومعتفون على إنعامه طرأوا فكم أناس أقاص عنده نبهوا ... كأنهم قربة في حجره نشأوا وكيف تحصى عوافي مرتع مرع ... للهائمين به مروى ومحتصأ ومن نبا وطن منه كمثلهم ... مضى به منتأى عنه ومنتبأ وللظبى والطلى لثم ومعتنق ... وللقنا والكلى ضم ومتشأ وحيث ما أزمعت علياك واعتزمت ... جدا جحافلك التأييد والجدأ فلا تضع مربأ للجيش تنهده ... فالنصر مرتبئ والسعد مرتبأ فويحهم يوم للأعلام ملتطم ... عليهم وبهم للجرد ملتطأ وويلهم إن شآبيت القنا همأت ... وحاق باللام والأجسام منهمأ والحين يظهر في وادي سوالهم ... كما به في ثغور البيض منكمأ وقد بدا من عرانين الظبى شمم ... وفي أنوفهم الإرغام والغطأ وللقنا منهوى فيهم ومنسرب ... وللظبى مُنْبَرى فيهم ومنبرأ كأنّ سمرك والإقبال يعطفها ... بنان قوم إليهم بالردى ومأ وقد غدوا قضباً بالهام مثمرة ... ومجتنيها من الصمصام مجتنأ وصال منطعن فيهم وممتصع ... فسال منهزم منهم ومنهزأ وقال حوضهم والسيل يغمره ... قطني فقد هدم الأرجاء ممتلأ هناك يبغون لو يلقونه لجأ ... وما لخلق عن المقدور ملتجأ

стр. 259

وكم لبأسك فيهم من مصال وعى ... للّيث من سمعه روع ومحتبأ وكان في ذألهم ود ومتعظ ... لو صح من مثلهم وعظ ومتّدأ هاجوا ظباك التي بالسلم قد هجئت ... فسوف يسكن منها الظمأ والهجأ راعيت تقواك حتى في جزائهم ... وما راعوا ما تراعيه ولا كلأوا والآن قد آن من شهب الصفاح لهم ... درّ ومن صافنات الخيل مندرأ يهوي لقلب أعاديه مُكايَدَةً ... كأنّها قتر للأسد أو برأ فدهية الشمس ما في نورها كلف ... وراية الشهب ما في سيرها خطأ وهمة فوق ما ظن الغواة به ... والقوم آمنة إن أمكن الغوأ وبالمعاقل للأملاك مقتنع ... وما له بسوى الأفلاك مجترأ ولو يروم نزال الطود يبلغه ... أو ينزلوا من صياصيه كما زنأوا وبرد أيامهم مرفو سلمهم ... والحرب تخرق منهم كلما رفأوا ملك له العز من ذات ومن سلف ... فحسب كل الملوك الهون والجزأ نمته بدراً نجوم السرو من يمن ... وما كمثل النجوم النقع والحيأ تكسبا عصره فخراً وعنصره ... فقد علا الفلك الأعلى به سنأ إذا صمادحه أبدى وعامره ... وللمنيرين مستخفى ومنطفأ ومنها في مدح أولية الممدوح: من الألى ملكوا الدنيا وما برحوا ... يبنون أسمية العليا وما فتئوا فالحسن في سير منهم وفي صور ... إن موجدوا مجدوا أو روضئوا ضأوا وأبدعوا في صنيع الجود وابتدعوا ... فكلّما سئلوا من معوز سلأوا فالولاهم يصوب المزن مسّهم ... متى رَوى سيّبا من وبله متأوا وبيت وفرهم إيمان وفدهم ... فهم مياسير من حمد الورى فكأ

стр. 260

أقمار ملتئم آساد ملتحم ... يروعنا مجتلى منهم ومختلأ وما صوارمهم إبلاً وقد سرحوا ... وليس إفرندها عرا وقد هنأوا ولا عواملهم غيداً وقد ومقوا ... ولا أسنتها شيباً وقد حنأوا ومن مناهم مناياهم إذا حملوا ... وليس بالخالد الهيابة الحيأ إن قوضوا خلت أن الهوج ما ركبوا ... أو خيموا خلت أن الشهب ما خبأوا لا يعبأون بمكر في مقاومهم ... وليس للأسد بالسيدان معتبأ إذا خطوا وتروا في الأرض شانئهم ... وللخطوب بها مسرى ومنسرأ فإن رميت بهم أقصى الندى بلغوا ... وإن منيت بهم شوس العدى نكأوا والخلق من ملكات الظلم في ظلم ... وقد مضت هنأ من بعدها هنأوا ومحلب منه للأهواء محتلب ... ومرتم فيه للعلياء مرتمأ إذا جلا النصر من خرصانه وضح ... علا الغزالة من قسطاله صدأ من كل أحوش نثر النثر ديدنه ... إذا يرى لدنه مستلئماً يرأ يجيء كالهصر الفضفاض مقتتلاً ... أصمّ كالأرقم النضناض إذ يجأ وللمنون بيمناه عيون دما ... في جدول يتحامى ورده الظمأ فراح نحو دم الأبطال تحسبه ... راحاً لها بالقنا العسال مستبأ في موقف للمنايا فيه مرتكض ... على الجياد وللأجناد منهدأ في وصف الشعر: وتلك عنقاؤنا وافتك مُغرِبَةً ... بحسنها فاستوى العقبان والحدأ بدع من النظم موشيُّ الحُلى عجَبٌ ... تنسي الفحول وما حاكوا وما حكأوا وكل مخترع للنفس مبتدع ... فمنه للروح روح والحجى حجأ

стр. 261

أنشأتها للعقول الزهر مصبئة ... كأنّها للنفوس الخرد النشأ لم يأت قبلي ولن يأتي بها بشر ... وحق أن يخبئوا عنها كما خبأوا قضيت منها ليوث النظم مجترئاً ... وغير بدع من الضرغام مجترأ وفي القريض كما في الغيل مأسدة ... والقوم حوز بمرعى البهم قد جزأوا وجمع بعض قوافيه يؤودهم ... ولو منوا بمبانيها إذ ودأوا تشجى مسامعهم منها بما سمعوا ... ولا تقر لهم عين إذا قرأوا وقوله في المراثي من قصيدة: هيهات ما تغني القبائل والقنا ... والمشرفية في ملاقاة المنى فعلى مَ تُسْتاقُ العِتاق وإن جرى ... وجرين جاهدة ونين وما ونى فعلى مَ تُجْتابُ الدّلاصُ فإنّها ... ليست موانع سمره أن تطعنا إن المنية ليس يدرك كنهها ... فنوافذ الأفهام قد وقفت هنا في كل شيء للأنام محذّر ... ما كان حذّره شعيب مدينا وحياتنا سفر وموطننا الردى ... لكن كرهنا أن نحل الموطنا والعيش أضنك أن تعذر مطلب ... كم من ضناك في مطالبه ضنى ولربما أعطى الزمان مقاده ... لا تيأسن من قرب صعب أمكنا لا بد أن تتلو الحياة منية ... من شك أن اليوم يرجي الموهنا لا ترج إبقاء البقاء على امرئ ... كل النفوس تحل أفنية الفنا تجد الحياة نفيسة ونفوسنا ... غرباء ترغب عندها متوطنا لو أنّها شعرت لها وسقت درت ... أن الوفاة هي الحياة تيقنا لكنها عميت ولم تر رشدها ... ما كل من لحظ الأمور تبينا فتبصرن مصاب سيدة الورى ... تبصر دناءة ذي الحياة وذي الدنا

стр. 262

ومنها: أعظم به من حادث جبنوا له ... ما ظن قبل شجاعهم أن يجبنا وتروا وما علموا بوتر ضئع ... من ذا يطالب بالتِّراتِ الأزمنا ذابت سيوفهم أسى فظباتها ... تحكي المدامع والجفون الأجفنا وتقصدت أرماحهم إن لم تكن ... شجراً وشيك الموت منه يجتنى لم يذكروا إحسانها إلا نسوا ... حسن العزاء وبعدها أن يحسنا فكأنّما أنفاسهم ومقالهم ... نار تحرق بينهم عود الثنا ما جف من دمع عليها مدمع ... والحزن ما والى الدموع الهتنا أعقيلة الأملاك والملك الذي ... لبس السناء به جلابيب السنا فسقاك مثل نداك أو كدموعنا ... مزن يعيد ثراك روضاً محزنا إن كنت متّ فذا ابنك الملك الرضى ... يحيي البرايا والعطايا والمنى كثرت محامده فحق بها اسمه ... وأدام إحياء المكارم فاكتنى فإذا بنى الأعداء هدّم ما بنوا ... والدهر لا يسطيع يهدم ما بنى يا أيها الملك الذي أوصافه ... تعيى البليغ ولا تطيع الألسنا إن كان عظم الرزء أصبح كافراً ... بتجلّد لا تمس إلا مؤمنا صبراً وإن جلّ المصاب وسلوة ... فإليهما حكم الحجى أن تركنا والدهر أهون أن يجيء بحادث ... لم يثنه حسن التجلّد أهونا والبر يقضي أن تكون معظّماً ... والحِجْرُ يقضي أن تكون مهونا فلئن صبرت فإن فضلك باهر ... ولئن حزنت فحكمه أن تحزنا ومن شعره أيضاً في فنون شتى، قوله في المعمى في اسم هنيدة: يا ليت ملكي مائة ليتها ... فهي اقتراحي فافهم التعميه وليس في الأعداد لي بغية ... لكن لها اسم وافق التسميه

стр. 263

وقوله في معمى حسن: من لي بأن أشكو إليك مدامعاً ... تهمي عليك وأضلعا بك تحترق فترق لي يا من غدا قلب اسمه ... متصحفاً ما ضده ماضي ترق ماضي ترق: رقّ؛ وضدّ رقّ: خشن، ومصحفه حسن. وقوله في قوس: حقيق أن تصول بي الرماة ... وأن تعنو بصولتي الكماة إذا فوقت في الأبطال سهماً ... فما تغني الدروع السابغات وإنّي كالمجرة في اعتلاء ... ونبلي الشهب والجن العداة وقوله في مهد: مهد جدير أن يسمى أفق ... فإن فيها كوكباً يأتلق كأنّه إنسان عين به ... شاخصة الأبصار لا تنطبق أبو حفص عمر بن رحيق قال من قصيدة يندب مدينة الروم وقد فتحه الروم في سنة أربعين وخمسمائة: نفسي تحن الى أهلي وأوطاني ... وهل رأيتم محباً غير حنّان كانوا لقلبي أحبّاء وفي كبدي ... نار تأجج من شجوي وأحزاني ما ضر حين نأوا لو ودعوا دنفاً ... رهن الحوادث في كف الأسى عان عزّ اصطباري لرزء قد دهيت به ... وبان عني لوشك البين سلواني

стр. 264

الفقيه الطرطوشي هو أبو بكر بن أبي محمد الفهري المعروف بالطرشوشي كبير الشان، جليل المقدار والميزان، سكن مصر وانتفع به الفقهاء وتفقهوا عليه، وشدت رواحل الطلبة إليه، ورشدت لديه. حكي أنه سعى بولده الى القصبة المصرية، فخرج أمرها بنفيه الى الاسكندرية، وطالت عليه غيبته واشتدت لوعته فكتب إليه بهذه الرسالة وليس فيها من شعره إلا القصيدة التي ختمها بها، أولها: جُرَعُ الفراق شراب الأحبة والأصفياء، وغصص النأي والبعاد كؤوس أهل المودة والوفاء، كأس وأي كأس، تزعج الأرواح، وتضني الأشباح، كأس أمر من المنون، وأدهى من الحرب الزبون: يقولون ثَكْلاً ومن لم يذقْ ... فراق الأحبة لم يثكل لقد جرعتني لياي الفراق ... كؤوساً أمرّ من الحنظل فيا ليلة الوصل عودي لنا ... كما كنت في الزمن الأول ومنها: يا بني، فارقتكم على حكم الأقدار، ونأيت عنكم بسبب الاضطرار: وما كان تركي للأحبة عن قلى ... ولكنه حكم تناهى وأقدار أراع لذكر البين في كل حالة ... كأنّ صروف البين عندي لها ثار

стр. 265

يا بني، إذا هاج شوقي وتضعضع اصطباري، واضطرب عزائمي واضطرمت بلابلي، أسَرّحُ طرفي فلا أراكم، وأستقبل الركبان فلا ألقاكم، فلا نسيمك أشمه، ولا شخصك أعتنقه وأضمه، ولا وجهك أستدنيه وألتزمه، وأبسط كفاً، وأرفع الى السماء طرفاً، وأذرف الدموع ذرفاً، وأقول كما قال من فهم عن الله أمره، ولم يعارض قضاءه وقدره، لما ابتلي بفراق أحبّائه، وصبر على بلائه: صبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. يا بني كلما ذكرتكم، هاج شوقي الى رؤيتكم، ألحظ السماء لعلّي ألحظ النّجم الذي تلحظونه وأنا أقول: أقلب طرفي في السماء مردّداً ... لعلي أرى النّجم الذي أنت تنظر وأستعرض الركبان في كل وجهة ... لعلي بمن قد شمّ ريحك أظفر وأستقبل الأرواح عند هبوبها ... لعل نسيم الريح عنك تخبر وأمشي وما لي في الطريق مآرب ... عسى نعمة باسم الحبيب تذكر وألمح من ألقاه من غير حاجة ... عسى لمحة من حسن وجهك تسفر وإن قرعت سمعي بذكراك قرعة ... فمن مقلتي تبكي السحاب وتقطر ومنها: ومن ظلّ في عيد يسر بأهله ... فما لي من الأهلين إلا التحيّر وإن زار إلفاً إلفه زرت منزلاً ... وحولي من أهل الحفيظة معشر يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... وما لي منكم من أناجي وأنظر يؤوب الى الأوطان من كان غائباً ... وما لي من الأوطان إلا التذكّر

стр. 266

ويأوي الى الأحباب من كان حاضراً ... ومن دون أحبابي ليالي وأشهر كأنّا خلقنا للنوى وكأنّما ... على شملنا خُطّت من البين أسطر أأحبابنا هل يجمع الله شملنا ... عسى نلتقي قبل الممات ونحضر أما حذر الواشي من الدهر صرعة ... فللدهر واش لا ينام ويسهر لعل الذي لا يرتجي الخلق غيره ... يُجمع ذا الشمل الشتيت ويُجْبِرُ وأرجو من الرحمان إنجاز وعده ... فتقوى أجور الصابرين وتظفر فيا ربّ فاحكم بين عبديك واحد ... ضعيف وعبد يستطيل ويقدر توفي ﵀ في حدود سنة ستين وخمسمائة. ابن الحبير أبو محمد بن حسن الكاتب القرطبي المعروف بابن جبير وصفه في البراعة بالجري في حلبتها، والجرأة بصولتها، وهو أبرع أهل بلده وأحوكهم لحلل النظم والنثر وحليها وأصوغهم، وأورد له رسالة كتب بها الى قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن حمدين، يشفع في قريب له سجن من غير ذنب احتجن، أولها: قولوا لصخرة إذ تسائل جرمها ... جيئي جهينة ترجعي بيقين أقذيت عيني بالزمان وأهله ... حتى نظرت الى بني حمدين قوم إذا حضروا الندي تميزوا ... بغلو مرتبة ونور جبين

стр. 267

ومنها: متبتلين الى الإلاه فشأنهم ... إصلاح دنيا أو إقامة دين فمحمّد لله درّ محمّد ... من مستهامٍ بالعلا مفتون طود من الفضل استقلّ زماعه ... بإغاثة الملهوف والمحزون قاض كأنّ الحقّ نور ساطعٌ ... يغشى الورى من وجهة الميمون وهي قطعة طويلة. ومن النثر في الرسالة: لما أذابتني نفحات الأشواق، الى تلك الآفاق؛ التي يشرقون به أقماراً ويقهقهون بحاراً، قلت: وما ذكري بحب تراب أرض ... ولكن حبّ من سكن الديارا وإنما هو كما قيل: أحب الحمى من أجل من سكن الحمى ... ومن أجل أهليها تحب المنازل فرابتني زفرات الوجد بذلك المجد، العالية قلله، البارع تبريزه، الغالية حلله، الرائع تطريزه، الخالص إبريزه كما راب العليل تغامز

стр. 268

العواد، عاينتها نفساً صبّة، وقلباً قد حشي محبة، بما رقمته لعلاك من برود، كصفحات الخدود: جادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم ونظمته من حلاك كلاماً، لو شرب لكان مداماً، ولو ضرب به لكان حساماً، ثم أنهيته، بعدما أمهيته: ليعلم مولاي بأني عبده ... وإن فؤادي عنده وهو في صدري وإني لا أنفك أخدم مجده ... بكل بديع من قريضي ومن نثري ويأخذ بأذيال، ما وصفت من هذه الحال، أنه: رماني الزمان بأحداثه ... فبعضاً أطعت وبعضاً قدح ومن أثقلها وأفدحها وأعلنها وأفضحها وأغلبها وأعزها وأسلبها وأبزّها أنه كان لي نسيب قريب، وربيب حبيب: ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا فلما شب، دب، ليلقط الحب، فما قمص، حتى قنص، ولا أخذ في الحركة، حتى وقع في الشركة: ويعدو على المرء ما يأتمر وذلك أنّه أمّ قرطبة طالباً جذم مال كان قد تصدق به عليه جدّه فإذا هو قد ألفى هناك عاصبه، وقد نصب له مجانبه، وفتح أشراكه،

стр. 269

وبسط تحت هذا الطمع شباكه، فما ترك حتّى كنف، ولا وصل حتى نتف. وأصبح مغلوباً مسلوباً محزوناً مسْجوناً: إذا قام غنته على الرجل حلية ... لها خطوه وسط البيوت قصير هكذا، أعزك الله أورد، بعض من ورد، فأخذر، بعض من استخبر، وفي النّوى يكذبك الصادق، فإنّه قد حدث غيره أنه في الوثاق، ولكنه غير محلى الساق، وتحت اعتقال شديد، ولكنه في غير حديد. ومن يسأل الركبان عن كل غائب ... فلا بد أن يلقى بشيراً وناعيا فلو ترى أمّه أمتك سترها الله، وهي من أليم إشفاقها، وعظيم وجدها وتطباقها، قد ذهبت أو كربت، بل فاتت أو كادت، لولا ناظر غريق يطرف، وعين سخية تذرف. ربّ عيش أخف منه الحمام لاحتدمت فيما رحمت، ولا استعبرت فما أبصرت وهذا المظلوم المسجون المكظوم المحزون الذي غلب صبرها همه، وملأ صدرها ملمّه، فقتلها مما أذهلها فتى يعرف بفلان عبدك ومحل ولدي وسيدي وأعلى

стр. 270

عددي أقال الله عثرته، وأزال عسرته، فهل لك بتدراك هذه المسكينة بحسنة تعدل عند الله سبحانه عبادة ألف سنة لقول : (ومن أحياها فكأنّما أحيى الناس جميعاً) وإنّي لا أدري أني تيممت للخير أهله حين خاطبت مولاي فهززت نصله. القاضي أبو بكر محمد ابن العربي قاضي الجماعة بمدينة إشبيلية، ورد العراق، وطاف الآفاق، وقرأ على أبي حامد الغزالي، وتحلّى من فضله البَهيّ، بأبهج الحلي، وعاد الى بلاد الأندلس في سنة سبع وخمسمائة. وألّف على نمط الغزالي كتباً، وفرع بها رتباً. قال ابن بشرون في كتابه: أنشدني محمد بن محمد القرطبي أبياتاً قالها ابن العربي في صباه وهي: قف بالمطي قليلاً أيها الساري ... إذا مررت بذات الدوح والحَارِ واستنطق الركب من تَيْمٍ وسابِلهم ... عن أهيف خنث الأعطاف معطار يشكو الذي منه أشكو غير أن له ... قلباً صبوراً وقلبي غير صبّار أبو العباس أحمد بن حمدين قاضي القضاة بقرطبة في عصرنا، له مصنفات شانَها بالرد على الغزالي، وشابها بالتعصب الغالي. ذكر أنّه حضر مجلس حكمه عبد أسود وامرأة له بيضاء يتحاكمان إليه. فقال بديهة:

стр. 271

رأيت غراباً على سوسنه ... وذاك دليل لسوء السنه فيا مرود الآبنوس افتخر ... ويا مكحل العاج زد معونه وله: وزائرة ليلاً فقلت لها أما ... خشيتِ رقيباً عن طريقكِ يقطع فبادرتها لثماً وأسرعت ضمها ... عناقاً وما كنّا بذلك نطمع وأبدت تعاطيني كؤوس مدامها ... وتسمعني من ذاك ما ليس يسمع فقلت لها حِلي النِّقاب تفضلاً ... فعما قليل ضوء صبحك يطلع فأنّتْ كما أنّ السليمُ لما به ... وقلبي بتذكار التفرق يصدع وبتنا وأيم الله لا إثم بيننا ... بريئين من حدس به الظن يقطع الى أن دعا داعي الصباح فودعت ... ومرت كمرّ البرق بل هي أسرع أبو عبد الله محمد المعروف بابن الحنّاط له رسالة طردية أورد منه في وصف الظباء وصيدها: فلما توسطنا وهَدات الربا، عنّت لها أسراب الظبا، كأنّما ألبسن الدمقس سربالاً، واتخذن السندس سروالاً: من كل مخطفة الحشا وحشية ... يحمي مداريها ذمار جلودها فكأنّما أقلام مسك كُتِّبت ... بمداد عينيها رسوم خدودها

стр. 272

فأرسلنا أولى الخيل على آخرها، وخلينا إياها، فمضت مضي السهام، وهوت هوي السلام، وهي تجول في أجوالها يميناً وشمالاً، فكأنّما أنتجت لآجالها آجالاً، فغادرناها بين جريح مضرج بدمائه، وقتيل يجود بذمائه. فصل في وصف معرس القوم وأكلهم وشربهم فيه ووصف الساقي فنزلنا معرسين، وأقمنا مخيمين، وشبت النار، وتناثر الشرار: وظل طهاة اللّحم من بين منصف ... صفيف شواء أو قديد معجّل فلما قرب، وصُفّ الشواء وصهب، تعاطينا لحماً كالعقيق، وتهادينا شحماً كالشقيق ثم قام كلّ الى جواده يمَشُّ بعرفه كفّيه، ويمسح لشُعَبِه بين عينيه، ونحن إذ ذاك بحيث تضاحك الورد والبهار، وتفاوح النور والأنوار، وأرضنا بمخضر نبت صاغ النور تاجه، وحاك القطر ديباجه، وسماؤنا غُداقِيَةُ الإهاب، جامعة السحاب، فماء النّدى مسكوب، ورواق الطل مضروب، والريح تصفق والغصن يتثنى، والقنبرة تصرصر والبلبل يتغنى، وقد خيم السرور، وجعلت الكأس تدور، ولا حديث لسقاتها، غير هاك وهاتها: إذ دعا النّدمان ظبياً سقني ... فضلة الكأس فقد طال العطش من سلاف سلفت في دنّها ... قبل عاد وهي صرف لم تغش من يدي ساق يحاكي خده ... قهوة فيها حباب كالنمش خلع الياقوت ثوباً فوقها ... وكساها وشيه جلد الحنَش

стр. 273

غزال يدير في كفه منها الغزالة، وهلال تحُفُّه من أصداغه هالة، تنفس الصبح من طوقه وعسعس ليل الشَّعَر من فوقه، كأنّ الجلّنار من خدّه خلق، والأقحوان من ثغره شَرِق، ذو خصر جوّال الوشاح، وبشر كالدّر بنهد كالتفاح، لو مشى الذّرّ عليه لأدماه، أو جرى النفس عليه أجراه. فصل في وصف ركوبهم في البحر وتصيّدهم لأصناف السمك منه: ثم رحنا الى شاطئ البحر، وقد سكن هائجه، وركد ثبجه، وأقبلت الزوارق تهفو بقوادم غربان، وتعطو بسوالف غزلان، تخالها في سمائه أهلة مكسوفة، وتحسبه فوق مائة رعيل دهم مصفوفة، فلما ضمت إلينا ودخلناها، قلنا اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها، ولا فرش غير ريحان منضد، ولا سقف غير كتان ممدد، فصفعنا بأجنحتها قفاه، ودللنا بمجاذفها مطاه، وابتدر الملاحون فبعض الى شباك الحرير، وبعض الى صنانير كأظفار السنانير، قد عطفها القَيْنُ كالرّاء، وصيّرها الصقل كاللألاء، فجاءت أحدّ من الإبر، وأرقّ من الشّعر، كأنّها مخلف صرد، أو نصف حلقة زرد، فتقلّدوا سموطها، وأرسلوا خيوطها، مضمنة أكلاً وبيّاً، وسُمّاً لآكلِه وحِياً، فأهووا الى مقر السمك، وقذفوها في سماء لازوردية الحبك، فما هو إلا ريث قذف تلك الرجوم من فوره،

стр. 274

وطلوع النِّينانِ أشبه النجوم من غوره، تبرق بريق الصوارم المسلولة، وتلمع لمعان الذوابل المصقولة، مدنّرة الأصلاب، مفضضة البطون، مذهبة الأفواه، مجزّعة العيون، تصلّ صليل السيوف في اضطرابه، وتخطر خطران الفحول بأذنابها، فاستخرجنا لحماً طرياً واشتوينا، فأكلنا هنيّاً مريّا، ورحلنا عنه، وقد تزودنا منه. فصل في وصف المكان الذي أفضوا إليه عند خروجهم من البحر: وأفضى بنا الرّكب الى رملة بيضاء، مفضية الى قرارة خضراء، تتفجر فيها عين كعين زرقاء، صفاء مائها، كصفاء إنسانها، وقد أحدق بها النبت كهدب أجفانها، فنهلنا من نميرها، وكرعنا في غديرها، وركزنا رماح الخط، وجعلنا عالينا رباط العصب، وافترشنا مطارف الوشي فوق درائك العشب وجعلنا من اللُّجُمِ أوتاداً موتودة، واتخذنا من الأعنّة أسباباً ممدودة، فقام الخِبا، واستوى البِنا، والماء يقهقه في خريره، والقمري يُقرقر في هديره، والنسيم يعبق عن الروض الزكي، والجو مضمخ بزعفران العشي: تشدو بعيدان الأراك حمامة ... شدو القيان عزفن بالأعواد مال النسيم بغصنه فتمايلت ... مهتزة الأعطاف والأجياد هذي تودع تلك توديع التي ... قد أيقنت منها بوشك بعاد واستعبرت لفراقه عين النّدى ... فابتل مئزر غصنها الميّاد وإنّا لكذلك، إذ برقت السماء فسلت مُذهب نصولها، ورعدت فضربت مُنذِرَ طبولها، وجعل يُعَبّئُ مواكبه، وأخذ الرباب يرتب كتائبه،

стр. 275

فبعدنا أغذّ السير وامتدّ طلقه، غلبه البهر فتصبب عرقه، فخر هنالك لقى، فعند ذلك نام الروض فغنّى وسقى، فتنفست الأرض عن نكهة العروس، وتبرجت في حلية الطاووس: وكأنّ صوت الرعد خلف سحابه ... حاد إذا ونت السحائب صاحا مرتجة الأرجاء يحبس سيرها ... ثقل فتعطيه الرياح سراحا أخفى مسالكها الظلام فأثبتت ... من برقها كي تهتدي مصباحا جادت على التلعات فاكتست الربا ... حللاً أقام لها الربيع وشاحا فساعة خمد البرق، وانقشع ذلك الودق، واعتزمنا على الرحيل، والتحول في برد الأصيل، فبصرنا بمطوّقة قد أفردها الدهر عن إلفها، واستاقها الحَيْن الى حتفها، تصرف من الياقوت طرفاً، وتقلب من المرجان كفّاً، كأنّ الزبرجد نظم عقدها، والفيروزج نمنم بردها، فبينا هي في سرحها تلتقط بفرخي جلم، وتَسْرُطُ بفِلْقَيْ قلم: أهوى لها أسفع الخدّين مُطّرِقُ ... ريش القوادم لم يُنصَب له شرك فكأنّما اكتحل بلهب، وانتعل بذهب، ملتفت من شَذْرَهْ، وملتحف في حَبْرَهْ، من رماحه أظفاره، ومن سيوفه منقاره، من اللواتي تنافس الملوك فيها، وتمسكها عجباً بها على أيديها، آية بادية، ونعمة من الله نامية، تبذل لك الجهد سراحا، وتُعيرك في بغيتك جناحا، وتتفق معك على طلب الأرزاق، على اختلاف الخلق والأخلاق، ثم تلوذ بك لواذ من يرجوك، وتفي لك وفاء لا يلزمه لك ابنك ولا أخوك، فلما ارتقت في السماء، اتخذ

стр. 276

إليها سلماً من الهواء، وهي تبعد منه بعد الأمل، وهو يقرب منها قرب الأجل، واختطفها أسرع من اللحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أقرب من اللفظ، فكأنما هي منه، فجعل يتناولها بمثل السبعين، وقد أدخلها في أضيق من التسعين، فكان لها موتاً عاجلاً، وكانت له قوتاً حاصلاً، والحمد لله الذي منّ بهذه النعمة على الإنسان، وفضّله بما سخر له من الحيوان، وفيه أقول: فانقض مثل الدلو خلاه الرشا ... ليس يشا غير الذي منه يُشا إن طار عنه صيده وإن مشى ... أو غاب عنه في السماء فتّشا أو غاص عنه الأرض عليه نبشا ... يسفر عن خد صباح أبرشا طارت بقايا الليل فيه نمشا ... يخاله من قد رآه أرقشا عاجا بآبنوسه محرشا وما زلنا في ذلك نتحول عن تلك المنازل، ونتجول في تلك الخمائل، حتى ثار من حُمُرِها أفراد حِران، كأنّهن أولاد غزلان، قد جمع الأجل منها ما افترق، وأخرجها من كل نفق، فأخذت في الهرب، وأخذنا في اطلب، إثر كل رواع ينعطف انعطاف البرة، ووثّاب يجتمع اجتماع الكرة، وحاك الغضب إزاره، وصاغ التبر حلوقه وسواره، وحلك بالعنبر متنه، وضمخ بالكافور بطنه، ونضج بعبير، ولفّع بحرير، ينام بعيني ساهر، ويفوت بجناحي طائر، قصير اليدين، طويل الساقين، هاتان في الصعود تنجده، وتانك عند الوثوب تؤيّده. فلما طال به الجري، وظن أنّه نجي، ثم أشلينا كلباً حللناه من ساجوره، وخلّيناه الى مسروره، فمرّ يخفي شخصه غباره، وفي شدقه شقرته ناره، إن تنكّب ارتقبه طرفه، وإن

стр. 277

تغيّب أشخصه أنفه، من القَبّ الطامحة العيون، والهُرْت اللاحقة البطون، معرق في نجابته، معم مخول في فراهته، يسمع منك إيماء، ويفهم عنك إيحاء، يمشي فلا يمس الأرض بأربعه، ويجري فلا يسبقه الريح الى منزعه، معترض كالسمهري المعرض، وأبلق كالإبريق المفضض، طرز بالكافور على قدته، ورسم بالمسك على لبّته: إذا عدا واشتد في طلابه ... يكاد أن يخرج من إهابه متقداً كالنار في التهابه ... لا يطعن الصيد بغير نابه فغشيه كالغيث، وأخذه كالليث، ففقر فقاره بشفاره، وقد قميصه بأظفاره، وتلاحقنا به وقد أكبّ على صيده وقعد، كأنها فريسة بين ساعدي أسد، فروّيناه من دمه، وحللنا بينه وبين أدمه، فتهيّز لنا من السوانح ما أردناه، وتمكن بالجوارح ما قصدناه، وحمدنا الله تعالى إذ علمنا فعلمناها، وجعلها آلة من آلات الرزق فاستعملناها، ثم أظلّنا ليل كظهر الفيل التف جنحه بإهابه، وافترّ فجره عن نابه، فكأنّ بدره ينبس عن صبحه بمصباح ومرّ يحدوه النسر، الى أن لفّ الرُّبا في ملاءة الفجر، فنمنا نومة النصب، وهدأنا هدأة الوصب، فما صحت العين من رقادها، إلا لتغريد الطير في أعوادها، وذكاء قد أذكت نفسه علينا، وسفت فكشفت عن صفحتها إلينا: بتنا وبات البرد يضربه الندى ... من كل أخضر بارد الأنداء والليل يخفي نفسه في نفسه ... والصبح كشاف لكل غطاء وكأنّما الإصباح تنشر مهرقاً ... أثر المداد به من الإمساء وقُرّبت السوابق فجلنا في متونها، واطمأنت الأوابد فخليناها لشؤونها وعدنا من تلك النزهة وقد تسلّت النفوس، ورجعنا من تلك الوجهة

стр. 278

ولا عطر بعد عروس. فتفرغت إذ ذاك للجواب، وتذكرت ما أوتيه الحاجب أعزه الله من الحكمة وفصْل الخطاب. فسقط في يديّ، واستد دوني باب القول فارتج عليّ، غير أني تخيلت، أبقاه الله، صفاته، فجعلت أكتب ما يحكى، وتأملت مكرماته، فأخذت أنسخ ما يُملى: يقولون هذا أبلغ الناس كلهم ... فقلت المعاني علمتني المعاليا وما لي في قول تضمّن لفظه ... مناقب قوم غير ما كنت راويا وعسى الأيام أن تسعف فنلتقي، أو تنصف فنسْتقي، فلو أمكنني مكان كتابي السير، لاستعرت أجنحة الطير، فوافيت حضرة المجد، أسرع من الطرف، ولاقيت غرة السعد، أطوع من الكف، وقلت: والشعر يُبْدي عطفه ويهزّ لي ... سيف القريض ورمحه الداسا من طرّقت عنه صروف زمانه ... سمعاً أزل وحية نهاس يسري الى ملك تهلل وجهه ... شمساً وراحَتُه نَدًى رجّاسا يرمي مع الأقدار رمي مؤيد ... جعلت لأسهم رأيه أقواسا قد غادرت عين الزمان وأذنه ... ما تسأم الإيناس والإنحاس وكتيبة مكتوبة بفوارس ... يلقون لا كشفاً ولا إنكاسا فإذا تفهمت الجيوش كتابه ... دانت لمن راض الأمور وساسا وكأنّما النقع المثار دجنة ... تفِدُ الأسنّةُ منهمُ أقباسا وكأنّما غرر الجياد أهلّة ... يقطفن من هفواته أغلاسا وتخاله سلّ المجرة سيفه ... وتحرّك العيوق فيه لباسا على أنّي أتمهّد من برّ أمير المؤمنين أعزه الله رق الرئال،

стр. 279

وأحل من إكرامه محل الهلال، قد أينع لي روض المنى، وانتظم زهره، وطاب عن غرس الندى، واجتني حلوه، وفيه أقول أيده الله ونصره: أيَا ناصر الدين لم أنتصر ... بغيرك من زمن ظالم إذا ما تحرك أسكنته ... كما أسكن الفعل بالجازم يفيض نداك على المجتدي ... كبحر يفيض على العالم بمكارم هاشمية، وأفعال علوية: من القوم الذين سمعت عنهم ... بني الزهراء واختصر المقالا وفيهم أقول: أبناء فاطمة رسل العلا رضعوا ... وبالسماح غُذُوا والجود إذ فطموا قوم إذا حلف الأقوام أنهم ... خير البرية لم يحنث لهم قسم سما لهم في سماء المجد من شرف ... بيت تداعت إليه العرب والعجم مناقب سمحت في كل مكرمة ... كأنّما هي في أنف العلا شمم والفقيه المذكور يُؤويني كنف رعايته ويُلْحِفُني جناح عنايته، فألوذ بما غمر من فضله، وشمل القريب والبعيد من عدله، وفيه أقول: فتى واحد في عصره غير أنّه ... يقوم لراجيه مقام ألوف وما هو إلا رحمةالله مدها ... على كل ملهوف وكل ضعيف وأنفذ في الأحكام آراء فيصل ... لها في قضاياه مضاء سيوف فقل لليالي عن أياديه إنها ... حصوني التي أعددتها وكهوفي حكم فعدل، وقال ففعل، وزير وضعت به الحرب أوزارها، ومدير جعلت عليه الخلافة مدارها، فتنزّه عن الكبر والعجب ووضع الهِناءَ مواضع النُّقْبِ، وفي ذلك أقول:

стр. 280

لما قدر الأقوام هذا أن يرى ... أبداً ولكن ذاك فعل قدير يلقاك بسّام بوجه ضاحك ... سار السفير إليه دون سفير ما يسرت يده الكريمة في الورى ... إلا لوضع يد وجبر كسير إن جئته يوماً لدهرك شاكياً ... أغنته فطنته عن التذكير خشن الزمان لديّ حتى جئته ... فرفلت من نُعماه فوق حرير والفقيه القاضي وفقه الله، ركني الذي آوي إليه من الزمان، ومِجَنّي الذي أتّقي به طوارق الحدثان، علم العلم الذي دل على الفضل دلالة الخطوط على المهارق، وفقيه العصر الذي حلّ من المجد محلّ النواصي من الخيل في المفارق، وفيه أقول: حسنت بحسون خلافة هاشم ... قاض تخيّره الخليفة وانتقى وأغرّ وضاح الجبين مبارك ... يلقي الحياء قناعه عند اللقا شرفت به الدنيا وأمسى شخصه ... في المغرب الأقصى فأضى مشرق صلى الجميع وصام شكراً واجباً ... لما تولى أمرهم وتصدّقا هُديَ في حكمه الى أقوم الطرق، وحُبي على علمه بحسن الخلق، صنع من حكيم عليهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. يا هادي الضُّلاّل نهج طريقه ... وموفي الإسلام كنه حقوقه وإمام علم الدين والقمر الذي ... كشف العمى بسنا الهدى وشروقه وأخا القضاء العدل والحكم الذي ... سوّاه بين عدوّه وصديقه

стр. 281

ووقفت فاسقصيت أنك واحد ... وجدوا صلاح الكل في توفيقه وما حرك الحاجب أعزّه الله سكناً، ولا نبّه بقصده نائماً، وقد طلعت الشمس التي صار بها الغرب شرقاً، وهبت الريح التي عاد بها الحرمان رزقاً، لواء المجد، فارس العقد، يسير صدر الجيش وهو ربه، ويتقلب فيه وهو قلبه: بكلّ خميس بعيد المدى ... يضيق بمذهبه المذهب ثقيل الخطى قاده أدهم ... ولكنّه بالظّبَى أشهب كأنّ الحديد على متنه ... لجين بشمس الضّحى مذهب مياه ترَقْرَقَ رَجْراجُها ... وللنقع من فوقها طحلب يسِحُّ به للندى حاجب ... إذا جاءه الضيف لا يحجب تهزّ به الخيل أعطافها ... إذا مرّ من فوقه الموكب عفاها السرور به كأسه ... فظلّت على ودّه تشرب وقالت: أفي الحق لو أنّني ... أرى مثل هذا ولا أطرب كلما لاح بارق ارْتحتُ إليه، أو ذر شارق سلّمت من البعد عليه، فإذا بدت النجوم توهمت همته، وإن نهجت الغيوم تذكرت موهبته ولا أسمع العربية إلا قلت إنه من كلماته، ولا رأيت النّجيبة إلا تيقنت أنها من فعلاته، ولا أحل الرياض إلا وأحسبها شمائله، ولا أرِدُ البحار إلا وخلتها نوافله، وفي ذلك أقول: وما شبهوا بالبحر كفّيه في الندى ... ولكنها إحدى أنامله العشر يدان إذا أوما بها اشتاق ضارب ... وحنّ سنان وانبرى سارب يجري وأظهرت الأيام نخوة قده ... تزيد بحسن الذكر كبراً على كبر أمنت به من كل شر أخافه ... من الدهر حتى نمت في مقلة الدهر

стр. 282

يعزّ الملك، ويذل الشرك، ويرفع أعلام الحق، ويبسط العدل بين الخلق، شنشنة أعرفها من أخزم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ولا بد أن يمد لي الأمل كفيه، ويهز لي الجذل عطفيه، فلئن أزهى بنظمه، فإنّه من شعره، ولئن أعتزي بفضله، فإنني متعلق بحبله، ومعترف بأن الدر يغترف من بحره، وغير منكر على أن أحلب منأخلاف دره، فخذني أعزك الله إليك، فقد تطارحت بنفسي عليك، ورغبت في حلول فنائك، وآثرت أن أصير تحت لوائك. وإذا كان عند قلبك قلبي ... لم يضِرْنا تنازح الأبدان وتصفح بعين صفحك نظماً ... قد غدا عن محبّتي ترجمان قل لريب الزمان كيف تراني ... شاكياً بعدها وأنت تراني أصبغ بن محمد القرطبي له في معذر: بارك الله في سواد الخدود ... إنّه سؤدد لكل عميد لم تجد بالوصال إذ كنت حيا ... يا قتيل العذار جد بالصدود لو إلينا يكون دفنك حيا ... لدفنّاك في قبور اليهود أبو عامر محمّد بن الأصيلي له من رسالة كتب بها الى ذي الوزارتين أبي محمد بن أبي الفرج يعرفه ما لقيه من رؤساء أهل جزيرة شقر ويذمهم:

стр. 283

كتبت إليك أوان الخروج ... حزيناً مهيناً الى دانيه أسائل ربي أن لا أعود ... الى أرضكم مرة ثانيه حللت الجزيرة سحقاً لها ... كأنّي حللت بسردانيه منعت الدخول الى أهلها ... فدرت كما دارت السانيه وبتّ ثلاثاً بها طاوياً ... قراي همومي وأحزانيه فقل لابن ذي النون ما باله ... يولّي الحصون بني الزانيه وإنّ فعال بني آدم ... لتبقى وأشخاصهم فانيه فارقتك، لا فارقتك السلامة، ولا تخطت إليك الملامة، وحالي على ما أحطت به خبراً، وبلوته سراً وجهراً، من إخفاق سعي، واستيلاء عري، إذ كان الذي وصل إليّ، وحصل في يدي، بكريم عنايتك، وجميل سعايتك يسيراً أنفقت عليه كثيراً، وقليلاً، أقمت عليه طويلاً، فلم أسدد به خللاً، ولا استجلبت به جذلاً، بل كلّما سترت جانباً انكشفت جوانب، وكلما قضيت مأربة عرضت مآرب، لكنني شددت عليه يد البخيل، وأعددته لمؤونة الرّحيل، وخرجت على بلنسية جبَرَها الله، راكب حمار، ولابس أطمار، كأنّني سُلِبْتُ في الطريق، أو أفْقِيتُ مرحلة الذريق، الى أن وافيت الجزيرة، وآمالي بها كثيرة، ونزلت منها على مقدار شأوي وقدمت كتابك الى الوزيرين الجليلين أبي جابر وابن طريف، أكرم الله بما أعواد الكنيف، وكان من برهما أني نزلت خلف السور، أخزى نزول. حتى إذا رمت دخولاً أبت ... نفس أبي الحجاج لي بالدخول راسلته مستنزلاً راغباً ... فكاد أن يقطع رأس الرسول

стр. 284

أكرم به من قائد ماجد ... يصلح للحرث ورعي العجول لا بدّ لي إن عشت والله أن ... أخرى على لحيته أو أبول فجعلت عند ذلك أعض أنامل المغبون، وأقول لله درّ ابن ذي النّون، فلقد تخير للمعاقل، كل جواد عاقل، وأكثر ما ظهر حسن الاختيار في البيرشة والمنار، وكم سواهما من حصن حصين، فوض أمره الى غير أمين، فجاء من ذلك ما قد ظهر، وتولد منه ما قد عرف واشتهر، والله لقد جُبْتُ البلاد، وبلوت العباد، فلا شك عندي ولا مرية، أن أرذل الناس أهل شنت برية، الأوغاد الحثالة، معادن الخساسة والنّذالة، أخلاق اللوم، وروايح الثوم، أحلام البغال، وأقْفاء النِّعال. قوم شغلتم الوراعة والطماعة، عن التحلي بالجود والشجاعة، ناموا عن المكارم، وتجنّبوا أخلاق الأكارم، شرق الشرق بدهمائهم، وفسد بآرائهم، فليس لحمد إليهم سبيل، ولا لمجد عليهم دليل، لا أستثني منهم في كل الأمور إلا أنت، والفاضل أبا مخفور فكلاكما شريف جواد، هاد الى سبيل الرشاد، إن رأى زللاً غضى، أو همّ بمكرمة أمضى، لا يتعرض للسباب، ولا يقف قصاده بالباب: فأقسم بالبيت الذي طاف حوله ... رجال كرام من قريش وجرهم يميناً لنعم السّيدان وجدتما ... على كل حال من مخيل ومبرم فأما الوزير أبو الحجاج، فقد تقعدد في مرتبة الحَجّاج، لا ينقصه من الخلافة إلا التاج، يختال اختيال ذي رعين، ويتوهم أنه ولي الحرمين،

стр. 285

يذلّك إذ يُحترم، ولا يُكَلّم إلا حين يبتسم، وذاك شأن اللئيم إذا أكرم، وعادة المتأخر إذا قُدّم، ولطالما عشش الفار في سرجه، وتخالفت الرقاع في خرجه، فواحدة من بدنه سليخة، وأخرى من جلده بطيخة. والوزير أبو المظفر، إذا لبس الفرو الأحمر، وتبرج في مشيته وتبختر، قد أسبل أكمامه، ورتب حشمه أمامه، قابضين على العصي والسّكاكين، لابسين السلاهم والبرانس، لا يكلم الناس إلا إيماء. ولا يسلم عليهم نخوة وازدهاء: مغائظ ليس لها حيلة ... إلا انتظار الحين والوقت قل لابن ذي النون الرئيس الذي ... ليس له شيء من البخت يا مالكاً يجعل قواده ... قوماً غدوا عليه باللفت جاءوا الى الشرق جياعاً فما ... يشبعهم شيء من السّحت من كل حرّاث له لحية ... تدهن بالشحم وبالزيت إن صار في حصن رأى أنه ... قد أدخل العالم في تخت يحسد فرعون على قوله ... وهذه الأنهار من تحتي لا جبر الله بني جابر ... وزادهم مقتاً الى مقت وابن طريف لا رنا طرفه ... في جسمه إلا الى بَرْتِ إن تأته في حاجة يعتذر ... عذر يهود غدوة السبت ما هذه الأشباح تبّاً لها ... قد ملئت بالسفه البحت هيهات لا حر ولا حرّة ... في باب إقليش الى البونت
следующие страницы →