Полный текст (315 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
قسم شعراء المغرب والأندلس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربّ أعن
باب في ذكر محاسن أعيان المغرب والأندلس
جماعة اتفقوا في بالأندلس في حدود سنة خمسمائة
المعتمد بن عباد
الملك بالأندلس
هو أبو القاسم محمد الملقب بالمعتمد بن أبي عمرو عباد الملقب بالمعتضد بن إسماعيل بن محمد بن قريش عمار بن عمرو بن عطاف بن نعيم. وعطاف ونعيم هما الداخلان بالأندلس. وولد المعتمد بمدينة باجة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وولي سنة إحدى وستين بإشبيلية وخلع سنة أربع وثمانين وتوفي بأغمات سنة ثمان وثمانين، وكانت بداية دولتهم من سنة أربع عشرة وأربعمائة ولم تزل أيامه صافية المشارع من الكدر، ضافية المدارع بالظفر، محمية من الغير، واضحة الحجول والغرر، إلى أن دهي من يوسف ابن تاشفين بداهية خلعته عن سلطانه، وازعجته عن أوطانه، فعاد من كانيمدحه راثيا له ناعيا، ومن كان يرجوه منتجعا عليه باكيا. وقدم إلينا بالعراق رجل من أصحاب الحديث يقال له الشيخ أبو الحسن بن صالح الاندلسي، وقدم إلى البصرة وأنا نائب الوزير ابن هبيرة بها في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وخمسمائة وكان ينشدنيأشعار أهل المغرب ومما ذكره من حديث الملك عباد، قال: ذكر لي قاضي الجماعة بإشبيلية أبو الحسن شريح بن محمد أنه لما خلع المعتمد غربه يوسف بن تاشفين الى العدوة، فوصل الى موضع منها وأهل البلد خارجون للاستسقاء، فأنشد:
خرجوا ليستسقوا فقلت إليهم ... دمعي ينوب لكم عن الأنواء
قالوا حقيق في دموعك مقنع ... لكنها ممزوجة بدماء
стр. 2
وذكر أنه حكى له أنه كان المعتمد سائراً الى الجامع يوم الجمعة، ووزيره ابن عمار معه، فسمع أذان المؤذن، فقال:
هذا المؤذن قد بدا بأذانه
فقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانه
فقال المعتمد:
طوبى له من شاهد بحقيقة
فقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه
نقص ٢٦
كأنك تحسبها نرجساً ... تدير الدماء عليها عقارا
تريك الرماح القدود انثناء ... وتجلو الصفاح الخدود احمرارا
إذا نار حربك ضرّمتها ... حسبنا الأسنة فيها شرارا
ستلقى فعالك يوم الحساب ... ينشر بالمسك منك انتشارا
стр. 3
وللشهداء ثناء عليك ... بحسن مقامك ذاك النهارا
وأنهم بك يستبشرون ... ألا تخاف وألا تضارا
وتلقى نعيماً ينسي الشقا ... وتجنى سراحاً ينسي الإسارا
وأول هذه الأبيات - وكان طلب خباء من يوسف يسافر به فوعده وأخلف - فقال:
هم أوقدوا بين جنبيك ناراً ... أطالوا لها في حشاك استعارا
أما يخجل المجد إن رحلوك ... ولم يصحبوك خباء معارا
تراهم نسوا حين جبت القفارا ... حنيناً إليهم وخضت البحارا
بعهد لزوم لسبل الوفا ... إذا حاد من حاد عنها وجارا
وقلب نزوع الى يوسف ... فلولا الضلوع عليه لطارا
ونقلت من بعض تعاليق المصريين ما أورده آنفاً، ووشحه من كلامه بما يرد من شعره الى أبيه من قصيدة:
سميدع يهب الآلاف مبتدئاً ... ويستقل عطاياه ويعتذر
له يد كل جبار يقبلها ... لولا نداها لقلنا إنه الحجر
وأولها في الاعتذار عن كبيرة:
سكن الفؤاد لا يذهب بك الفكر ... ماذا يعيد عليك الهم والسهر
وازجر جفونك لا ترضى البكاء له ... فاصبر فقد كنت عند الخطب تصطبر
وإن يكن قدر قد عاق عن وطر ... فلا مرد لما يأتي به القدر
وإن تكن خيبة في الدهر واحدة ... فكم غدوت ومن أشياعك الظفر
стр. 4
ومنها في قوم خذلوه وتركوه مع العدى وأهملوه:
ما الذنب إلا على القوم ذوي دغل ... وفى لهم عدلك المألوف إذ غدروا
قوم نصيحتهم غش وحبهم ... بغض ونفعهم إن صرفوا ضرر
يميز البغض في الألفاظ إن نطقوا ... ويعرف الحقد في الألحاظ إن نظروا
وكتب أيضاً الى أبيه:
مولاي أشكو إليك داء ... أصبح قلبي به قريحا
سخطك قد زادني سقاماً ... فابعث إلي الرضا مسيحا
فقوله: مسيحا، من القوافي التي يتحدى بها.
وكتب الى أبيه يشكر عن فرس أصعد بعثه إليه:
نوال جزيل يبهر الشكر والحمدا ... وصنع جميع يوجب النصح والودا
لقد جدت بالعلق الذي لو أباعه ... بذلت ولم أغبن به العيشة الرغدا
جواد أتاني من جواد تطابقا ... فيا كرم المهدي ويا كرمى المهدى
وكم من يد أوليت موقعها ند ... لديّ ولكن أين موضع ذا الاصدا
لعليَ يوم أن أوفيه حقه ... فأنعله ممن عصى أمرك الخدا
وكتب إليه جواباً عن تحفة:
يا ملكاً قد أصبحت كفه ... ساخرة بالعارض الهاطل
قد أفحمتني منّة مثلها ... يضيق القول على القائل
وإن أكن قصرت عن وصفها ... فحسنها عن وصفها شاغلي
ومن خطابه لأصحابه، كتب الى أبي بكر محمد بن عمار وزيره:
لما نأيت نأى الكرى عن ناظري ... ورددته لما انصرفت عليه
طلب البشير بشارة يجزى بها ... فوهبت قلبي واعتذرت إليه
стр. 5
وما أحسن قول أبي فراس لسيف الدولة:
أهديت نفسي إنما ... يهدى الجليل الى الجليل
وجعلت ما ملكت يدي ... صلة المبشر بالقبول
وكتب ابن عباد من قصره بقرطبة الى أصحاب له:
حسد القصر فيكم الزهراء ... ولعمري وعمركم ما أساء
قد طلعتم بها شموساً صباحاً ... فاطلعوا عندنا بدوراً مساء
وكتب الى بعض ندمائه، يستدعيه الى الشراب:
أيها الصاحب الذي فارقت عي ... ني ونفسي منه السنى والسناء
نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حة والمسمع الغنى والغناء
نتعاطى التي تنسيك في اللذ ... ة والرقة الهوى والهواء
فأته تلف راحة ومحيا ... قد أعدا لك الحيا والحياء
وكتب الى أبي بكر محمد بن عمار:
قد زارنا النرجس الذكي ... وطاب من يومنا العشي
ونحن في مجلس أنيق ... وقد ظمئنا وفيه ريّ
ولي صديق غدا سمي ... يا ليته وافق السمي
فحضر أبو بكر باب القصر، وكتب إليه رقعة فيها:
لبيك لبيك من مناد ... له الندى الرحب والندي
стр. 6
ها أنا بالباب عبد قن ... قبلته وجهك السني
شرفه والداه باسم ... شرفته أنت والنبي
ومن شعره في الغزل، قال في قصيدة كتب بها الى أبي بكر بن عمار:
وكم ليلة قد بت أنعم جنحها ... بمخضبة الأرداف مجدبة الخصر
وبيض وسمر فاعلات بمهجتي ... فعال الصفاح البيض والأسل السمر
وباتت تسقيني المدام بلجها ... فمن كأسها حيناً وحيناً من الثغر
وتطربني أوتارها وكأنني ... سمعت بأوتار الطلى نغم البتر
وقال:
فتكت مقلتاه بالقلب مني ... وبكت مقلتاي شوقاً إليه
فحكى لحظه لنا سيف عبا ... د ولحظي له سحاب يديه
وقال:
كتبت وعندي من فراقك ما عندي ... وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد
وما خطت الأقلام إلا وأدمعي ... تخط سطور الشوق في صفحة الخد
ولولا طلاب المجد زرتك طيّه ... عميداً كما زار الندى ورق الورد
فقبلت ما تحت اللثام من اللمى ... وعانقت ما فوق الوشاح من العقد
من قول عمر بن أبي ربيعة:
واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا زاجر
وقال - وهو عليل - وقد زارته سحر جاريته:
سأسأل ربي أن يديم بي الشكوى ... فقد قربت من مضجعي الرشأ الأحوى
إذا علة كانت لقربك علة ... تمنيت أن تبقى بجسمي وأن تقوى
стр. 7
شكوت وسحر قد أعنت زيارتي ... فجاءت بها النعمى التي سميت بلوى
فيا علتي دومي فأنت حبيبة ... ويا رب سمعاً من ندائي والشكوى
وقال في جارية يحبها وهي بين يديه يوماً تسقيه والكأس في يدها، إذ لمع البرق، فارتاعت، فقال:
روعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع
وهي من توارد الخواطر، أن ابن عباد أنشد عبد الجليل بن وهبون البيت الأول وطلب منه أن يذيله، فقال:
ولن ترى أعجب من آنس ... من مثل ما يمسك يرتاع
قال أبو الصلت في الحديقة: هذا البيت أجود، لجودة ترتيب اللفظ مع جودة معناه، وللمطابقة بين لفظي الأنس والارتياع، وتشبيه لمعان الخمر بلمعان البرق وإن كان بيت الأمير أيضاً جيداً.
وقال ابن عباد:
تظن بنا أم الربيع سآمة ... ألا غفر الرحمان ذنباً تواقعه
أأهجر ظبياً في ضلوعي كناسه ... وبدر تمام في جفوني مطالعه
إذن هجرت كفي نوالاً تفيضه ... على معتفيها أوعدوا تقارعه
وقال:
دارى ثلاثته بلطف ثلاثة ... فثنى بذاك رقيبه لم يشعر
أسراره بتستر وأواره ... بتصبر وخباله بتوقر
стр. 8
وقال:
يا معرضاً عني ولم أجنِ ما ... يوجب إعراضاً ولا هجرا
قد طال ليل الهجر فاجعل لنا ... وصلك في آخره فجرا
وقال:
أكثرت هجري غير أنك ربما ... عطفتك أحياناً عليّ أمور
فكأنما زمن التهاجر بيننا ... ليل وساعات الوصال بدور
وقال:
يا صفوتي من البشر ... يا كوكباً بل يا قمر
يا غصناً إذا مشى ... يا رشأ إذا نظر
يا نفس الروضة قد ... هبت لها ريح سحر
يا ربة اللحظ الذي ... شد وثاقاً إذا فتر
متى أداوي يا فدا ... ك السمع مني والبصر
ما بفؤادي من جوى ... بما بفيك من خصر
وقال:
الصبح قد مزق ثوب الدجى ... فمزق الهم بكفّيْ مها
خذ باسمها من ريقها قهوة ... في لون خديها تجلى الأسى
وقال:
أسر الهوى نفسي فعذبها ... يوم الوداع فلم أطق منعا
فأذاب حر صبابتي كبدي ... وأسالها في وجنتي دمعا
وقال:
حرم النوم علينا ورقد ... وابتلانا بهواه ثم صد
يا هلالاً حسن خد يا رشا ... غنج لحظ يا قضيباً لين قد
стр. 9
بودادي لك بالشوق الذي ... في فؤادي لا تدعني للكمد
لست أرضى عن زماني أو أرى ... منك حسناً لا أراه من أحد
وقال:
يا ليت مدة بعدك ... رشيقة مثل قدك
كمدة الورد ورد الر ... بيع لا ورد خدك
فعمر ذا عمر صبري ... وعمر ذا عمر صدك
رضيت منك وإن لم ... تنجز بلذة وعدك
وقال:
لو زرتنا لرأيت ما لم تعهد ... ذوب اللجين خليط ذوب العسجد
نطف تجملها فقاقع منه ما ... جمدت لتحفظ جسم ما لم يجمد
وقال في غلام اسمه سيف:
سميت سيفاً وفي عينيك سيفان ... هذا لقتلي مسلول وهذان
أما كفت قتلة بالسيف واحدة ... حتى أتيح من العينين ثنتان
أسرته وثناني غنج مقلته ... أسيره وكلانا آسر عان
يا سيف أمسك بمعروف أخا ثقة ... لا يبتغي منك تسريحاً بإحسان
وكانت له جارية تسمى جوهرة يحبها فكتب إليها يسترضيها في عتاب جرى بينهما فأجابته برقعة لم تعنونها باسمها فقال:
لم تصف لي بعد وإلا فلم ... لم أرَ في عنوانها جوهره
درت بأني عاشق لاسمها ... فلم ترد للغيظ أن تذكره
قالت إذا أبصره ثانياً ... قبّله والله لا أبصره
стр. 10
وما أحسن قول الصنوبري:
وشاطرة أدبتها الشطاره ... حلى الروض من حسنها مستعاره
أميرة حسن إذا ما بدت ... أقر الأمير لها بالإماره
أتت في لباس لها أخضر ... كما تلبس الورق الجلناره
فقلت لها ما اسم هذا اللباس ... فردت مرداً مليح العباره
شققنا مرائر قوم به ... فنحن نسميه شق المراره
وقال ابن عباد في الجارية:
سرورنا دونكم ناقص ... والطيب لا صاف ولا خالص
والسعد إن طالعنا نجمه ... وغبت فهو الآفل الناقص
سموك بالجوهر مظلومة ... مثلك لا يدركه غائص
وقال فيها:
جوهر قد عذبني ... منك تمادي الغضب
فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب
يا كوكب الحسن الذي ... أزرى بزهر الشهب
مسكنك القلب فلا ... ترضي له بالوصب
وقال في جارية اسمها وداد:
اشرب الكأس في وداد ودادك ... وتأنس بذكرها في انفرادك
قمر غاب عن جفونك مرآ ... هـ وسكناه في سواد فؤادك
وقال:
لكِ الله كم أودعتِ قلبيَ من أسى ... وكم لك ما بين الجوانح من كلم
لحاظك طول الدهر حرب لمهجتي ... ألا رحمة تثنيك يوماً الى سلمي
стр. 11
وقال:
ولج الفؤاد فما عسى أن أصنعا ... ولقد نصحت فلم أرد أن أسمعا
أسفي أود ولا أود وأغتدي ... وأروح أحفظ عهد من قد ضيعا
ما كان ظني أن أجود بمهجتي ... حبا وأقنع بالسلام فأمنعا
يا هاجرين قد اشتفيتم فارفقوا ... وهبوا لعثرة عاشق لكم لعا
ردوا بردكم السلام حشاشة ... لم تبق لولا أن فيكم مطمعا
وقال من أبيات:
قلت متى ترحمني ... قال ولا طول الأبد
قلت فقد أيستني ... من الحياة قال قد
ولما علقت هذين البيتين في هذا الجزء في دمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة عملت في أسلوبها:
راودته في قبلة ... من وجهه الحلو ومن
فاغتاظ مني حنقا ... كأنه لي مضطغن
فقلت إن بذلت ما ... يرضيك مني قال إن
وقال ابن عباد:
حكّمه في مهجتي حسنه ... فظل لا يعدل في حكمه
أفديه ما ينفك لي ظالماً ... يا رب لا يجز على ظلمه
وقال من أبيات:
ولما التقينا للوداع غدية ... وقد خفقت في ساحة القصر رايات
بكينا دماً حتى كأن عيوننا ... لجري الدموع الحمر منها جراحات
مأخوذ من هذا البيت:
بكيت دماً حتى لقد قال قائل ... ترى ذا فتى من جفن عينيه يرعف
стр. 12
ومن أوصافه وملحه، قال:
ورب ساق مهفهف غنج ... قام ليسقي فجاء بالعجب
أبدى لنا من لطيف حكمته ... في جامد الماء ذائب الذهب
وقال:
لاح وفاحت روائح الند ... مختصر الخصر أهيف القد
وكم سقاني والليل معتكر ... في الماء ذائب الورد
قد أكثر الشعراء من أخذ هذا المعنى، وتصرفوا في قول ابن المعتز:
وخمارة من بنات المجوس ... ترى الدن في بيتها سائلا
وزنّا لها ذهباً جامداً ... فكالت لنا ذهباً سائلا
ومما نظمته في هذا الأسلوب من قطعة ببغداد:
رعى الله عصراً فيه فازت قداحنا ... ودارت علينا بالمسرة أقداح
وقد راقنا ورد وراح تشابها ... فلم ندر ذاب الورد أم جمد الراح
وقال ابن عباد، وقد أمره أبوه أن يصف مجنّاً فيه كواكب فضة:
مجنّ حكى صانعوه السما ... لتقصر عنه طوال الرماح
وقد صوروا فيه شبه الثريا ... كواكب تقضي لنا بالنجاح
وقال ابن عباد في شمعة:
وشمعة تنفي ظلام الدجى ... نفي يدي العدم عن الناس
ساهرتها والكأس يسقي بها ... من ريقه أشهى من الكاس
ضياؤها لا شك من وجهه ... وحرها من حر أنفاسي
стр. 13
وقال في وصف قصيدة:
إليك روضة فكر جاد منبتها ... ندى يمينك لا طل ولا مطر
جعلت ذكرك في أرجائها زهراً ... وكل أوقاتها للمجتني ثمر
وقال يستدعي عوداً للغناء:
غلب الكرى ودنت مطايا الراح ... واشتقن شدو حداتها النصاح
فابعث نشاط سؤومها وحسيرها ... بغناء حاديها أخي الإفصاح
ليقيم ذاك العود من رسم السرى ... ويعود في الأجسام بالأرواح
فنسير في طرق السرور ونهتدي ... لخفيفهن بأنجم الأقداح
وقال في توديع بعض جواريه:
ساويتهم والليل غفل ثوبه ... حتى تبدى للنواظر معلما
فوقفت ثَم مودعاً وتسلمت ... مني يد الإصباح تلك الأنجما
ومن أشعاره في مدة أسره، واستيلاء أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين على بلده بأسره، قال من قطعة:
أبى الدهر أن يقنى الحياء ويندما ... وأن يمحوَ الذنب الذي كان قدما
فإن يتلقى وجه عتبي وجهه ... بعذر يغشّي صفحتيه التذمما
ستعلم بعدي من تكون سيوفه ... الى كل صعب من مراقيك سلما
سترجع إن حاولت دوني فتكة ... بأخجل من خد المبارز أحجما
стр. 14
وقال من أبيات:
سلت علي يد الخطوب سيوفها ... فجذذن من جلدي الحصيف الأمتنا
ضربت بها أيدي الخطوب وإنما ... ضربت رقاب الآملين بها المنى
يا آملي العادات من نفحاتنا ... كفوا فإن الدهر كف أكفنا
وكتب الى ابن صمادح حين سعى به الى أمير المسلمين بالقبائح سعي الطاعن القادح:
يا من تمرس بي يريد مساءتي ... لا تعرضن فقد نصحت لمندم
من غره مني خلائق سهلة ... فالسم تحت ليان مس الأرقم
وقال من قصيدة يصف فيها الكبل:
تعطف في ساقي تعطف أرقم ... يساورها عضاً بأنياب ضيغم
وإني من كان الرجال لسيبه ... ومن سيفه في جنة وجهنم
وقال:
قبح الدهر فماذا صنعا ... كلما أعطى نفيساً نزعا
قد هوى ظلماً بمن عاداته ... أني ينادى كل من يهوى لعا
من إذا قيل الهوى صم وإن ... نطق العافون همساً سمعا
قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوة ... جبر الله العفاة الضيَّعا
وقال:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا ... أسرّك العيد في أغمات مأسورا
стр. 15
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسرُّ به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا
ومنها:
أرى بناتي في أغمات من عدم ... يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يمشين في الأرض والأقدام حافية ... وطالما وطئت مسكاً وكافورا
وتعرض له ملحفو أهل الكدية، فقال:
سألوا اليسير من الأسير وإنه ... لنوالهم لأحق منهم فاعجب
لولا الحياء وعزة لخمية ... طي الحشا لحكاهم في المطلب
وكان قد أبلى بلاء حسناً عند خلعه، فأشار عليه وزراؤه بالخضوع والاستعطاف، فقال:
قالوا الخضوع سياسة ... فليبدُ منك لهم خضوع
إن يسلب القوم العدى ... ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه ... لم تسلم القلب الضلوع
كم رمت يوم نزالهم ... أن لا تحصني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي ... ص عن الحشا شيء دفوع
стр. 16
أجلي تأخر لم يكن ... بهواي ذلي والخشوع
ما سرت قط الى القتال ... وكان في أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهم ... والأصل تتبعه الفروع
قوله: ما سرت قط الى القتال، البيت، من قول أحد الخوارج في وقعة قديد أيام مروان الجعدي حين تمثل:
وخارج أخرجه حب الطمع ... فر من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع
وقال يرثي ابنيه: الفتح ويزيد، وكانا قتلا:
يقولون صبراً لا سبيل الى الصبر ... سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
أفتح لقد فتحت لي باب رحمة ... كما بيزيد الله قد زاد في أجري
هوى بكما المقدار عني ولم أمت ... فأدعى وفياً قد نكصت الى الغدر
ولو عدتما لاخترتما العود في الثرى ... إذا أنتما أبصرتماني في الأسر
أبا خالد أورثتني البث خالداً ... أبا النصر
مذ ودعت ودعني نصري
стр. 17
وقال من قطعة يرثي فيه سعداً ابنه:
إذا كان قد أودى الزمان بمثله ... ولم يبق في عود له طمع بعد
فلا بترت بُترٌ ولا قنيت قنا ... ولا زأرت أسد ولا صهلت جرد
ولا زال ملذوعاً على سيد حشا ... ولا انفك ملطوماً على ملك خد
وقال من قطعة:
نار وماء صميم القلب أصلهما ... متى حوى القلب نيراناً وطوفانا
ضدان ألّف صرف الدهر بينهما ... لقد تلون في الدهر ألوانا
وفي المجموع، قال ابن اللبانة: كنت مع المعتمد بأغمات، فلما قاربت الصدر، وأزمعت السفر، صرف حيله، واستعد ما قبله، وبعث إلي مع شرف الدولة ابنه - وهذا من بنيه أحسن الناس سمتاً، وأكثرهم صمتاً، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، شارع في اقتناء الكتب - بعشرين مثقالاً مرابطية، وثوبين غير مخيطين، وكتب مع ذلك أبياتاً منها:
إليك النزر من كف الأسير ... وإن تقبل تكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياء ... وإن عذرته حالات الفقير
فامتنعت من ذلك، وأجبته بأبيات منها:
تركت هواك وهو شقيق ديني ... لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا ... إذا أصبحت أجحف بالأسير
جذيمة أنت والزباء خانت ... وما أنا من يقصر عن قصير
стр. 18
تصرف في الندى حيل المعالي ... فتسمح من قليل بالكثير
وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سروراً ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء ... بها وأزيد ثَم على جرير
تأهب أن تعود الى طلوع ... فليس الخسف ملتزم البدور
وأتبعتها أبياتاً منها:
حاش لله أن أجيح كريما ... يتشكى فقراً وكم سد فقرا
وكفاني كلامك الرطب نيلا ... كيف ألقي دراً وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا
وطالعت قلائد العقيان، وله في غلام رآه يوم العروبة من ثنيات الوغى طالعاً، ولطلى الأبطال قارعاً، وفي الدماء والغاً، ولمستبشع كؤوس المنايا سائغاً وهو ظبي قد فارق كناسه، وعاد أسداً صارت القنا أخياسه، ومتكاثف العجاج قد مزقه إشراقه، وقلوب الدارعين قد شكتها أحداقه.
فقال:
أبصرت طوقك بين مشتجر القنا ... فبدا لطرفي أنه فلك
أو ليس وجهك فوقه قمراً ... يجلى بنيّر نوره الحلك
وله فيه:
ولما اقتحمت الوغى دارعاً ... وقنعت وجهك بالمغفر
حسبنا محياك شمس الضحى ... عليه سحاب من العنبر
стр. 19
وأورد أبو الصلت في الحديقة من شعر المعتمد قوله في جارية وقفت تحجب الشمس عنه:
قامت تحجب ضوء الشمس قامتها ... عن ناظري حجبت عن ناظر الغير
علماً لعمرك منها أنها قمر ... هل تحجب الشمس إلا دارة القمر
وقوله في نكبته وهو في العقل وهو أحسن ما سمع فيه:
قضى وطراً من أهله كل نازح ... وكرّ يداوي علة في الجوارح
سواي فإني رهن أدهم مبهم ... سبيل نجاتي آخذ بالمبارح
يزيد الملقب بالراضي
ولد المعتمد بن عباد قال بعد أسر والده مع أخيه، ولم ير الدعة دعي أواخيه، علقت من المجموع: كان لا يشرب، وبلغه أن أخاه عبد الله شرب سروراً به فكتب إليه:
أتاني من بابي لمجدك عثرة ... فدب له من كل جارحة شكر
لئن كان لي فضل فمنك استفدته ... ولولا ضياء الشمس ما بهر البدر
أتشرب في ودي المدامة سيدي ... وينساغ لي في تركها أبداً عذر
سأشربها شكراً لما ظلت مولياً ... وفي مثل ذاك الود يستسهل الوزر
وقال من أبيات يصف فيها نكد أيامه:
هي الدار غادرة بالرجال ... وقاطعة لحبال الوصال
стр. 20
يفجع منها بغير اللذيذ ... ويشرق منها بغير الزلال
ويزداد مع ذاك عشقاً لها ... ألا إنما سعينا في ضلال
كمعشوقة ودها لا يدوم ... وعاشقها أبداً غير سال
وقال يخاطب أباه - وقد دعاه مؤنساً له، بعد وحشة تقدمت - من أبيات:
الآن تعود حياة الأمل ... ويدنو شفاء فؤاد معل
ويورق للعز غصن ذوى ... ويطلع للسعد نجم أفل
دعوت فطار بقلبي السرور ... إليك وإن كان منك الوجل
كما يستطيرك حب الوغى ... إليها وفيها الظبى والأسل
وليس لأنك قاسي الفؤاد ... ولكن لان اجترامي جلل
فمثلك وهو الذي لم نجده ... يعود لحلم على من جهل
فقد وعدتني سحاب الرضا ... بوابلها حين جادت بطل
وقال من قصيدة في أبيه، وذكر الروم:
فإن أتته فمن جبن ومن خور ... قد ينهض الغير نحو الضيغم الضاري
ومن أنصاف الأبيات التي جاءت أمثالاً، قوله:
ومن عجبٍ شكوى الجريح الى النصل
وأول البيت:
سأشكو الى مشكي فؤادي بعتبه
هذا أحسن من قول المتنبي:
شكوى الجريح الى العقبان والرخم
стр. 21
وقوله:
على العذب لا الملح يخشى الأسن
ومما استخرجت من شعره من قلائد العقيان أبيات له في استسعاف مقاصده، واستعطاف والده:
أعيذك أن يكون بنا خمول ... ويطلع غيرنا ولنا أفول
حنانك إن يكن جرمي قبيحاً ... فإن الصفح عن جرمي جميل
ألست بفرعك الزاكي وماذا ... يرجي الفرع خانته الأصول
وكان قد وجد عليه أبوه لاشتغاله بالكتب عن الكتائب، وبمناقب الدفاتر عن مقانب العساكر، وبالعلم المسطور، عن العلم المنشور، وبالأقلام، عن الإقدام، فكتب إليه المعتمد مستعتباً، وله موبخاً ومؤنباً، من أبيات:
الملك في طي الدفاتر ... فتخل عن قود العساكر
طف بالسرير مسلماً ... وارجع لتوديع المنابر
وازحف الى جيش المعار ... ف تقمر الحبر المقامر
واضرب بسكين الدواة ... مكان ماضي الحد باتر
ومنها:
هذي المكارم قد حوي ... ت فكن لمن حاباك شاكر
واقعد فإنك طاعم ... كاس وقل هل من مفاخر
فكتب إليه ولده الراضي مسترضياً، وعن عتابه مستعفياً، من قصيدة:
مولاي قد أصبحت هاجر ... لجميع ما تحوي الدفاتر
وفللت سكين الدواة ... وظلت للأقلام كاسر
стр. 22
وعلمت أن الملك ما ... بين الأسنة والبواتر
والمجد والعلياء في ... ضرب العساكر بالعساكر
لا ضرب أقوال بأق ... وال ضعيفات المكاسر
قد كنت أحسب من سفا ... هـ أنها أصل المفاخر
فإذا بها فرع لها ... والجهل للإنسان غادر
ومقطعها:
هبني أسأت كما أسأت ... أما لهذا العتب آخر
ومن شعره، نقلت من مجموع للقاضي الرشيد بن الزبير:
مروا بنا أصلاً من غير ميعاد ... فأوقدوا نار شوقي أي إيقاد
لا غر وإن زاد في وجدي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصاد
وله يستعطف أباه من قصيدة:
سجية ذي الدنيا عداوة ذي الفضل ... ورومك قتل الطبع من أعظم الجهل
ويقول فيها:
لك الخير لم أعلم بأنك منكر ... إذا الشمس آذتني فررت الى الظل
لعمري لقد كنت الجدير برأفة ... لديك فهذا الفرع من ذلك الأصل
ومنها البيت السائر الذي سبق ذكره:
سأشكو الى مشكي فؤادي بعتبه ... ومن عجب شكوى الجريح الى النصل
стр. 23
وله:
يحل زمان المرء ما هو عاقد ... ويسهر في إهلاكه وهو راقد
ويغري بأهل الفضل حتى كأنهم ... جناة ذنوب وهو للكل حاقد
وله:
يا قمراً أصبح لي مالكاً ... لا تتركني هكذا هالكا
رق على قلب العميد الذي ... يود لو يجري على بالكا
حسنت في خلق وخلق فلِم ... رضيت بالقبح لأفعالكا
وله:
غصن من التبر فوقه ورق ... كأنه الصبح تحته شفق
يا أبدع الناس في محاسنه ... رق على من أذابه الأرق
مددت كفي رجاء رأفتكم ... لا تتركوني ينالني الغرق
بحر دموعي مغرق جسدي ... تداركوا مهجتي وبي رمق
أخوه الرشيد
أبو الحسين عبد الله بن المعتمد بن عباد
أورده الرشيد بن الزبير في مجموعه، وله شعر لا يبلغ درجة أخيه فيه. فمن ذلك قوله:
أريد تفرجاً عند الرواح ... ومد العين في خضر البطاح
فقد صدئت من الأحزان نفسي ... وليس جلاؤها غير المراح
فلا تتوانيا عني وهبّا ... إليّ هبوب أنفاس الرياح
стр. 24
أدير عليكما الأكواس تحوي ... لذيذ الراح بالماء القراح
على عود يرن كما أرنت ... فصاح الوُرْق في فلق الصباح
أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون
هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون القرطبي، وزير آل عباد، والمتقدم فيهم. له الى عباد والد المعتمد مع باكورة تفاح خدمه بها:
يا من تزينت الرئا ... سة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدا ... م فخذ عليها ذنوبه
وكتب إليه أيضاً مع تفاح أنفذه، وكان عباد قد ترك الشرب:
جاءتك وافدة الشمول ... في المنظر الحسن الجميل
لم تحظ ذائبة لدي ... ك ولم تنل حظ القبول
لهجرتها صفراء في ... بيضاء هاجرها قليل
الكأس من رأد الضحى ... والراح من طفل الأصيل
آثرت عائدة التقى ... ورغبت في الأجر الجزيل
يروى من قول كسرى: لست أدري هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب. أخذه الخليع: فقال:
الراح تفاح جرى ذائباً ... كذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبه ... ولا تدع لذة يوم لغد
стр. 25
من هذا ابن زيدون.
وللسري الرفا:
وقد أضاءت نجوم مجلسنا ... حتى اكتسى غرة وأوضاحا
لو جمدت راحنا اغتدت ذهباً ... أو ذاب تفاحنا غتدى راحا
وللصنوبري:
من ينس لا أنس اتصال زماننا ... ويد الزمان على السعود مساعده
إذ تجتلى راح كورد ذائب ... أو يجتنى ورد كراح جامده
ومن شعر ابن زيدون في الغزل:
ما للمدام تديرها عيناك ... فيميل في نشواتها عطفاك
هلا مزجت لعاشقيك سلافها ... ببرود ظلمك أو بعذب لماك
بل ما عليك وقد محضت لك الهوى ... في أن أفوز بحظوة المسواك
ناهيك ظلماً أن أضربي الصدى ... برحا ونال الريّ عود أراك
إن تألفي سنة النؤوم خلية ... فلطالما نافرت في ذكراك
أو تحتبي بالهجر في نادي القلى ... فلكم حللت الى الوصال حباك
أما منى نفسي فأنت جميعها ... يا ليتني أصبحت بعض مناك
يدنو بوصلك حين شط مزاره ... وهم أكاد به أقبل فاك
ومما أورده أبو الصلت في الحديقة من شعر ابن زيدون قوله في الاعتذار والاستعطاف:
ما للذنوب التي جاني كبائرها ... غيري يحملني أوزارها وزري
من لم أزل من تأنيه على ثقة ... ولم أبت من تجنيه على حذر
стр. 26
الكاظم الغيظ ينتاب الضمير له ... لولا الأناة سقاه من دم هدر
لا تله عني فلم أسألك معتسفاً ... رد الصبا غب إيفاء على الكبر
هبني جهلت وكان الجهل سيئة ... لا عذر منها سوى أني من البشر
إن السيادة بالإغضاء لابسة ... بهاءها وبهاء الخود في الخفر
وقوله في الشفاعة:
واشفع فللشافع نعمى بما ... سناه من عقد وثيق النواح
إن سحاب الجوب منها الحيا ... والشكر في تأليفها للرياح
وقال ابن زيدون:
ما بال خدك لا يزال مضرجاً ... بدم ولحظك لا يزال مريبا
لو شئت ما عذبت مهجة عاشق ... مستعذب في حبك التعذيبا
ولزرته ما عدته إن الهوى ... مرض يكون له الوصال طبيبا
وقال:
متى أخفي الغرام يصفه جسمي ... بألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب نزعن عني ... خفيت خفاء خصرك في الوشح
وقال:
يا قمراً مطلعه المغرب ... قد ضاق بي في حبك المذهب
стр. 27
وإن من أعجب ما مر بي ... أن عذابي فيك مستعذب
ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فاصفح أيها المذنب
وقال:
وبنفسي وإن أضر بنفسي ... قمر لا ينال منه السرار
جال ماء النعيم منه بخد ... فيه للمستشف نور ونار
متجنّ يحلو تجنيه عندي ... فهو يجني ومني الاعتذار
وقال:
وقاطعاً صلتي من غير ما سبب ... تالله إنك عن روحي لمسؤول
ما شئت فاصنعه كل منك محتمل ... والذنب مغتفر والعذر مقبول
لو كنت حظي لم أطلب به بدلاً ... أو نلت منك الرضا لم يبق مأمول
وقال:
كم نظرة لك في عيني علمت بها ... يوم الزيارة أن القلب قد ذابا
قلب يطيل معاصاتي لطاعتكم ... فإن أكلفه يوماً سلوة يأبى
ما توبتي بنصوح في محبتكم ... لا عذب الله إلا عاشقاً تابا
وقال:
ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك
стр. 28
يا أخا البدر سناء وسنى ... حفظ الله زماناً أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك
وقال:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعاً حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
ته، احتمل، واستطل، اصبر، وعز، أهن ... وول، أقبل، وقل، اسع، ومر، أطلع
هذا أحسن ما سمع في هذا الباب، لأجل ذكر الجواب، فإن الشعراء قد أكثروا ولكنه ادعاء مجرد. ولأبي الفرج الأصفهاني:
يا فرجة الهم بعد اليأس من فرج ... يا فرحة الأمن بعد الخوف والوهل
اسلم، ودم، وابق، واملك، وانم، واسم، ورد ... وأعط، وامنع، وضر، وانفع، وصل، وصل
وللمتنبي:
أقل، أنل، اقطع، احمل، عل، سل، أعد، زد، هش، بش، تفضل، ادن، سرَّ صل
والأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر:
أصدق وعف وجد وانصف واحتمل ... واصفح ودار وكاف واحلم واشجع
стр. 29
ومن شعر أبي الوليد في المديح والعتاب والشكر والاستعطاف، وغير ذلك، قال:
وطاعة أمرك فرض أرا ... هـ من كل مفترض أوكدا
هي الشرع أصبح دين الضمير ... فلو قد عصاك لقد ألحدا
ومن أبيات كتب بها الى المعتمد أيضاً:
يا ندى يمنى أبي القاسم عم ... يا سنا شمس المحيا أشمس
وارتشف معسول ثغر أشنب ... تحتسيه من مجاج ألعس
وقال من أبيات:
مهما امتدحت سواك قبل فإنما ... مدحي الى مدحي لك استطراد
تغشى الميادين الفوارس حقبة ... كيما يعلمها النزال طراد
وقال من أبيات في محمد بن جهور:
هو الدهر مهما أحسن الفعل مرة ... فعن خطأ لكن إساءته غمد
حذارك أن تغتر منه بجانب ... ففي كل واد من نوائبه سعد
كرام يمد الراغبون أكفهم ... الى أبحر منهم لها باللهى مد
ولولا السراة الصيد من آل جهور ... لأعوز من يعدى عليه ومن يعدو
стр. 30
هم النفر البيض الذين وجوههم ... تروق فتستشفي بها الأعين الرمد
أمثلي غفل خامل الذكر ضائع ... ضياع الحسام العضب أصدأه الغمد
أنا السيف لا ينبو مع الضرب غربه ... إذا ما نبا السيف الذي طبع الهند
لعمرك ما للمال أسعى فإنما ... يرى المال أسنى حظه الطمِع الوغد
ولكن بحال إن لبست جمالها ... كسوتك ثوب النصح أعلامه الحمد
وقال في وصف خالع للطاعة:
ضلالاً لمفتون سموت بحاله ... الى أن بدت بين الفراقد فرقدا
رأى حطّاً أولى به فأحطها ... حضيضاً بكفران الصنيعة أوهدا
فذل وقد أوطيته شبح السهى ... وضل وقد لقيته قبس الهدى
فما آثر الأولى ولا قلد الحجى ... ولا شكر النعمى ولا حفظ اليدا
стр. 31
رأى أنه أضحى هزبراً مصمماً ... فلم يعد أن أمسى ظليماً مشردا
يود إذا ما جنه الليل أنه ... أقام عليه آخر الدهر سرمدا
وقال:
تحييني بريحان التحفّي ... وتصبحني معتقة السماح
فها أنا قد ثملت من الأيادي ... إذ اتصل اغتباقي باصطباحي
وقال:
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد ... بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لقد جدت حتى ما بنفس خصاصة ... وأمّنت حتى ما بقلب تخوف
أفدت بهيم الحال مني غُرة ... يقابلها طرف الحسود فيطرف
وقال:
بني جهور أنتم سماء رئاسة ... مناقبكم في أفقها أنجم زهر
طريقتكم مثلى وهديكم رضا ... ومذهبكم قصد ونائلكم غمر
وكم سائل بالغيب عنهم أجبته ... هناك الأيادي الشفع والسؤدد الوتر
عطاء ولا منّ وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وعز ولا كبر
стр. 32
وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه:
بني جهور أحرقتم بجفائكم ... ضميري فما بال المدائح تعبق
تعدونني كالعنبر الورد إنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق
وفيه يقول:
قل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري فكان السجن منه ثوابي
لم تعد في أمري الصواب موفقاً ... هذا جزاء الشاعر الكذاب
وكتبالى أبي حفص أحمد بن برد في مدة حبسه:
ما على ظني بأس ... يجرح الدهر ويأسو
ربما أشرف بالمر ... ء على الآمال ياس
ولقد ينجيك إغفا ... ل ويرديك احتراس
ولكم أجدى قعود ... ولكم أكدى التماس
وكذا الحكم إذا ما ... عز ناس ذل ناس
وبنو الأيام أخيا ... ف سراة وخساس
تلبس الدنيا ولكن ... متعة ذاك اللباس
يا أبا حفص وما سا ... واك في الفهم إياس
من سنا رأيك لي في ... غسق الخطب اقتباس
وودادي لك نص ... لم يخالفه القياس
стр. 33
أنا حيران وللأم ... ر وضوح والتباس
ما ترى في معشر حا ... لوا عن العهد وخاسوا
ورأوني سارياً ... يتقى منه المساس
أذؤب هامت بلحمي ... فانتهاب وانتهاس
كلهم يسأل عن حا ... لي وللذئب اعتساس
إن قسا الدهر فللما ... ء من الصخر انبجاس
ولئن أمسيت محبو ... ساً فللغيث احتباس
ويفت المسك في التر ... ب فيوطاً ويداس
يلبد الورد السبنتى ... وله بعد افتراس
فتأمل كيف يغشى ... مقلة المجد النعاس
لا يكن عهدك ورداً ... إن عهدي لك آس
وأدر ذكريَ كاساً ... ما امتطت كفك كاس
واغتنم صفو الليالي ... إنما العيش اختلاس
وعسى أن يسمح الده ... ر فقد طال الشماس
قال، وكتب الى عامر بن عبدوس:
أثرت هزبر الشرى إذ ربض ... ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلاً ... إليه يد البغي لما انقبض
حذار حذار فإن الكريم ... إذا سيم خسفاً أبى فامتعض
وإن سكون الشجاع النهو ... س ليس بمانعه أن يعض
عبثت بشعري ولم تتئب ... تعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القري ... ض أم قد عفا رسمه فانقرض
لعمري لفوقت سهم النصال ... وأرسلته لو أصبت الغرض
стр. 34
وكتب الى الملقب بالمعتضد والد المعتمد، وقد شرب دواء:
أحمدت عاقبة الدواء ... ونلت عافية الشفاء
وخرجت منه مثل ما ... خرج الحسام من الجلاء
وبقيت للدنيا فأن ... ت دواؤها من كل داء
وورثت أعمار العدى ... وقسمتها في الأولياء
يا خير من ركب الجوا ... د وسار في ظل اللواء
بشراك عقبى صحة ... تجري الى غير انتهاء
وبقيت مفدياً بنا ... إن نحن جزنا في الفداء
وكتب الى أبي المعالي بن عامر يستدعيه:
أبا المعالي نحن في راحة ... فانقل إلينا القدم العاليه
أنت الذي لو تشترى ساعة ... منه بدهر لم تكن غاليه
وقال في هجاء رجل كان في عينه فص:
محضت في استه الأيور حليباً ... فعلت عينه من الزبد نقطه
ولآخر كان في عينه فص وعلى محبوبه خال، وهو أبو الحسن بن منصور الديلمي:
لست آسى لفقد إنسان عيني ... وجميع الجمال في معتاضه
وحبيبي من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه
стр. 35
وقال ابن زيدون في المعتمد بعد المعتضد من قصيدة طويلة جميلة:
وإذا غصون المكرمات تهدلت ... كان الهديل ثناؤك المترنم
الفجر ثغر عن حفاظك باسم ... والمجد برد من وفائك معلم
ومن شعره في قلائد العقيان قوله:
يا مستخفاً بعاشقيه ... ومستغشاً لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فينا ... حتى أطعنا السلو فيه
الحمد لله إذ أراني ... تكذيب ما كنت تدعيه
من قبل أن يهزم التسلي ... وغلب الشوق ما يليه
وقوله:
أيوحشني الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي
وأغرس في محبتك الأماني ... فأجني الموت من ثمرات غرسي
لقد جازيت غدراً عن وفائي ... وبعت مودتي ظلماً ببخس
ولو أن الزمان أطاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي
وقوله:
ولقد شكوتك بالضمير الى الهوى ... ودعوت من حنق عليك فأمّنا
منّيت نفسي من صفائك ضلة ... ولقد تغر المرء بارقة المنى
وقوله يتغزل ويمدح المعتضد وفي آخرها ثلاثة أبيات سبق ذكرها:
أما في نسيم الريح عرف يعرف ... لنا هل لذات الوقف بالجزع موقف
стр. 36
ومنها:
ضمان علينا أن تزار ودونها ... رقاق الظبى والسمهري المثقف
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم ... وأزهرها من ظلمة الحقد أكلف
يودون لو يثني البعاد زمامنا ... وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف
كفانا من الشوق التحية خلسة ... فيومئ طرف أو بنان مطرف
وإني ليستهويني البرق صبوة ... الى ثغر برق إن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهماً ... لظلم لها كالراح إذ يترشف
وتذكرني العقد المرن جمانه ... مرنات ورق في ذرى الأيك تهتف
فما قبل من أهوى طوى البدر هودج ... ولا ضم ريم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد طوى البحر مجلس ... ولا حمل الطود المعظم رفرف
стр. 37
هو الملك الجعد الذي في ظلاله ... تكف صروف الحادثات وتصرف
روّيته في الحادث الأدِّ لحظة ... وتوقيعه الجالي دجى الخطب أحرف
طلاقة وجه فيمضاء كمثل ما ... يروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة ميسم ... وفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
يظن الأعادي أن حزمك نائم ... لقد تعد الفسل الظنون فتخلف
ومنها:
رأيناك في أعلى المصلى كأنما ... تطلع من محراب داوود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم ... تشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد ... بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخير أنّى لي بشكرك نهضة ... وكيف أؤدي شكر ما أنت مسلف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ... ولا ذل منقاد ولا لان معطف
وقوله عند فراره، من محبسه وإساره، وإقامته متوارياً كالقمر في سراره، وهو في قرطبة - يخاطب ولادة - وكانت مخصوصة منه بالمحبة، ويستنهض الأديب أبا بكر للشفاعة، ويستنزل أبا الحزم بن جهور:
стр. 38
شحطنا وما بالدار نأي ولا شحط ... وشط بمن أهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوت بحادث عهدنا ... حوادث لا عهد عليها ولا شرط
لعمركم إن الزمان الذي قضى ... بتشتيت جمع الشمل منا لمشتط
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجر ... زيارته عب وإلمامه فرط
وما شرق مقتول الجوانح بالصدى ... الى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما ... أدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الأنسي أحوى كناسه ... نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون السحر يرتاح درعه ... متى ضاق ذرعاً بالذي حازه المرط
كأن فؤادي يوم أهوى مودعاً ... هوى خافقاً منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره ... فمن زفرتي شكل ومن عبوتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم ... فريسة من يعدو ونهزة من يسطو
стр. 39
وأن الجواد الفائت الشأو صافن ... تخوّنه شكل وأزرى به ربط
وأن الحسام العضب ثاو بجفنه ... ولا ذم من غربيه قدٌّ ولا قط
عليك أبا بكر بكرت بهمة ... لها الخطر العالي وإن نالها حط
أبي بعدما هيل التراب على أبي ... ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندي ظلالها ... علي ولا جحد لدي ولا غمط
ولولاك لم يثقب زناد قريحتي ... فتلتهب الظلماء من نارها سقط
ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهراً ... فمن خاطري نثر ومن روضه لقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي ... ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت ... من الروضة الغناء طاولها القحط
стр. 40
مئون من الأيام خمس قطعتها ... أسيراً وإن لم يبد سرّ ولا قسط
أتت بي كما ميط الإناء من الأذى ... وأذهب ما بالثوب من دنس مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشر ... وغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرنيَ المنى ... وللغر في العشواء من ظنه خبط
أما وأرتني النجم موطئ أخمصي ... لقد أوطأت خدي لأخمص من يخطو
ومستبطأ العتبى إذا قلت قد أتى ... رضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنيني فيأبى قبوله ... هوى سرف منه وصاغية فرط
ونظم ثناء في نظام ولائه ... تحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصل ... وفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى الى عدى ... لهم في أديمي كلما استمكنوا عط
следующие страницы →