Полный текст (315 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ومنها:
ضمان علينا أن تزار ودونها ... رقاق الظبى والسمهري المثقف
وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم ... وأزهرها من ظلمة الحقد أكلف
يودون لو يثني البعاد زمامنا ... وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف
كفانا من الشوق التحية خلسة ... فيومئ طرف أو بنان مطرف
وإني ليستهويني البرق صبوة ... الى ثغر برق إن بدا كاد يخطف
وما ولعي بالراح إلا توهماً ... لظلم لها كالراح إذ يترشف
وتذكرني العقد المرن جمانه ... مرنات ورق في ذرى الأيك تهتف
فما قبل من أهوى طوى البدر هودج ... ولا ضم ريم القفر خدر مسجف
ولا قبل عباد طوى البحر مجلس ... ولا حمل الطود المعظم رفرف
стр. 37
هو الملك الجعد الذي في ظلاله ... تكف صروف الحادثات وتصرف
روّيته في الحادث الأدِّ لحظة ... وتوقيعه الجالي دجى الخطب أحرف
طلاقة وجه فيمضاء كمثل ما ... يروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة ميسم ... وفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
يظن الأعادي أن حزمك نائم ... لقد تعد الفسل الظنون فتخلف
ومنها:
رأيناك في أعلى المصلى كأنما ... تطلع من محراب داوود يوسف
ولما حضرنا الأذن والدهر خادم ... تشير فيمضي والقضاء مصرف
وصلنا فقبلنا الندى منك في يد ... بها يتلف المال الجسيم ويخلف
لك الخير أنّى لي بشكرك نهضة ... وكيف أؤدي شكر ما أنت مسلف
ولولاك لم يسهل من الدهر جانب ... ولا ذل منقاد ولا لان معطف
وقوله عند فراره، من محبسه وإساره، وإقامته متوارياً كالقمر في سراره، وهو في قرطبة - يخاطب ولادة - وكانت مخصوصة منه بالمحبة، ويستنهض الأديب أبا بكر للشفاعة، ويستنزل أبا الحزم بن جهور:
стр. 38
شحطنا وما بالدار نأي ولا شحط ... وشط بمن أهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ألوت بحادث عهدنا ... حوادث لا عهد عليها ولا شرط
لعمركم إن الزمان الذي قضى ... بتشتيت جمع الشمل منا لمشتط
وأما الكرى مذ لم أزركم فهاجر ... زيارته عب وإلمامه فرط
وما شرق مقتول الجوانح بالصدى ... الى نطفة زرقاء أضمرها وقط
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما ... أدير المنى عنه القتادة والخرط
وفي الربرب الأنسي أحوى كناسه ... نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
غريب فنون السحر يرتاح درعه ... متى ضاق ذرعاً بالذي حازه المرط
كأن فؤادي يوم أهوى مودعاً ... هوى خافقاً منه بحيث هوى القرط
إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره ... فمن زفرتي شكل ومن عبوتي نقط
ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم ... فريسة من يعدو ونهزة من يسطو
стр. 39
وأن الجواد الفائت الشأو صافن ... تخوّنه شكل وأزرى به ربط
وأن الحسام العضب ثاو بجفنه ... ولا ذم من غربيه قدٌّ ولا قط
عليك أبا بكر بكرت بهمة ... لها الخطر العالي وإن نالها حط
أبي بعدما هيل التراب على أبي ... ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندي ظلالها ... علي ولا جحد لدي ولا غمط
ولولاك لم يثقب زناد قريحتي ... فتلتهب الظلماء من نارها سقط
ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهراً ... فمن خاطري نثر ومن روضه لقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي ... ولكن لشيب الهم في كبدي وخط
وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت ... من الروضة الغناء طاولها القحط
стр. 40
مئون من الأيام خمس قطعتها ... أسيراً وإن لم يبد سرّ ولا قسط
أتت بي كما ميط الإناء من الأذى ... وأذهب ما بالثوب من دنس مسط
أتدنو قطوف الجنتين لمعشر ... وغايتي السدر القليل أو الخمط
وما كان ظني أن تغرنيَ المنى ... وللغر في العشواء من ظنه خبط
أما وأرتني النجم موطئ أخمصي ... لقد أوطأت خدي لأخمص من يخطو
ومستبطأ العتبى إذا قلت قد أتى ... رضاه تمادى العتب واتصل السخط
وما زال يدنيني فيأبى قبوله ... هوى سرف منه وصاغية فرط
ونظم ثناء في نظام ولائه ... تحلت به الدنيا لآلئه وسط
على خصرها منه وشاح مفصل ... وفي رأسها تاج وفي جيدها سمط
عدا سمعه عني وأصغى الى عدى ... لهم في أديمي كلما استمكنوا عط
стр. 41
بلغت المدى إذ قصروا فقلوبهم ... مكامن أضغان أساودها رقط
يولّونني عرض الكراهة والقلى ... وما دهرهم إلا النفاسة والغبط
ولما انتحوني بالتي لست أهلها ... ولم يمن أمثالي بأمثالها قط
فررت فإن قالوا الفرار إرابة ... فقد فر موسى حين هم به القبط
وإني لراج أن تعود كبدئها ... لي الشيمة الزهراء والخلق السبط
وحلم امرئ تعفو الذنوب بعفوه ... وتمحى الخطايا مثل ما محي الخط
فما لك لا تختصّني بشفاعة ... يلوح على دهري لميسمها غبط
يفي بنسيم العنبر الورد ريحها ... إذا شعشع المسك الأحم به خلط
فإن يسعف المولى فنعمى هنيئة ... لنفس على نفس ألظ بها ضغط
стр. 42
وإن يأب إلا قبض مبسوط فضله ... ففي يد مولى فوقه القبض والبسط
قال يكلف بولادة ويهيم، ويستضيء بنور تجليها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب الى أخلاق الشباب، فلما يئس من لقياها وحجب عنه محياها، كتب إليها:
بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا ... شوقاً إليكم ولا جفّت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانية ... قطوفها فجنينا منه ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بامتزاجهم ... حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
стр. 43
أن الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنساً بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحلّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانبتّ ما كان موصولاً بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنا ... فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ... رأياً ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ... إن طالما غيّر النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلاً عنك يشغلنا ... ولا أخذنا بديلاً منك يسلينا
يا ساري البرق غادِ القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البعد حياً كان يحيينا
стр. 44
يا روضة طالما أجنت لواحظنا ... ورداً جلاه الصبا غضاً ونسرينا
ويا حياةً تملّينا بزهرتها ... منى ضروباً ولذات أفانينا
ويا نعيماً خطرنا من غضرته ... في وشي نعمى سحبناً ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة ... وقدرك المعتلى عن ذاك يكفينا
إذا انفردت وما شوركت في صفة ... فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقوماً وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو حين ذكرنا الحزن حين نهت ... عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوَراً ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
стр. 45
أما هواك فلم نعدل بمنهله ... شرباً وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق كمال أنت كوكبه ... سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختياراً تجنبناك عن كثب ... لكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعة ... فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا ... سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
فما ابتغينا خليلاً منك يحبسنا ... ولا استعدنا حميماً عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعه ... بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أبكي وفاء وإن لم تبذلي صلة ... فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة ... فالحر من دان إنصافاً كما دينا
стр. 46
وفي الجواب متاع لو شفعت به ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت ... صبابة منك نخفيها فتخفينا
ولما مات عباد المعتضد قربه ولده محمد المعتمد واتخذه جليساً، وأكرمه أنيساً ورأى رعي مواته، وأحيى الموات من حرماته، فقال يرثيه، ويشكر ابنه:
أعباد يا أوفى الملوك لقد عدا ... عليك زمان من سجيته الغدر
فهلا عداه أن علياك عليه ... وذكرك في أردان أيامه عطر
أأنفسَ نفس في الهوى قصد الردى ... وأخطر علق للهدى أفقد الدهر
إذا الموت أضحى قصر كل معمَر ... فإن سواء طال أو قصر العمر
стр. 47
ومنها:
فهل علم الشلو المقدس أنني ... مسوغ حال ضل في كنهها الفكر
وإن مثابي لم يضعه محمد ... خليفتك العدل الرضا وابنك البر
وأرغم في بري أنوف عصابة ... لقاؤهم جهم ومنظرهم شزر
إذا ما استوى في الدست عاقد حبوة ... وقام سماطاً حفله فلي الصدر
أبو بكر محمد بن عمار
وزير المعتمد أيضاً وهو وأبو الوليد بن زيدون في حسن الشعر فرسا رهان، ورضيعا لبان، وقد ذكر أكثر الأدباء بالأندلس أنهما أشعر أهل عصرهما، وقتله المعتمد، وكان أقوى الأسباب في قتله أنه هجاه بشعر ذكر فيه أم بنيه المعروفة بالرميكية وأوله:
ألا حي بالغرب حياً حِلالا
ويقول:
تخيرتها من بنات الهجان ... رميكية لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراع ... لئيم النجارين عماً وخالا
стр. 48
ومما ينسب إليه:
مما يقبح عندي ذكر أندلس ... سماع مقتدر فيها ومعتمد
أسماء مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
وأنشدني ببغداد محمد بن عيسى اليماني، قال أنشدني بعض المغاربة باليمن لأبي بكر بن عمار وزير الملك ابن عباد من قصيدة استوزره بسببها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا
والروض كالحسنا كساه نوره ... وشياً وقلده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد رياضه ... خجلاً وتاه بآسهن معذرا
روض كأن النهر فيه معصم ... صاف أطل على رداء أخضرا
الى هاهنا أنشدنيه ونقلت تمام الأبيات من مجموع:
وتهزه ريح الصبا فتظنه ... سيف ابن عباد يبدد عسكرا
عباد المخضر نائل كفه ... والجو قد لبس الرداء الأغبرا
أندى على الأكباد من قطر الندى ... وألذ في الأجفان من سنة الكرى
من لا توازنه الجبال إذا احتبى ... من لا تسابقه الرياح إذا جرى
فإذا الكتائب كالكواكب فوقهم ... من لامهم مثل السحاب كنهورا
من كل أبيض قد تقلد أبيضاً ... عضباً وأسمر قد تقلد أسمرا
стр. 49
ملك يروقك خلقه أو خلقه ... كالروض يحسن منظراً أو مخبرا
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا
قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا الى نار القرى
يختار إذ يهب الخريدة كاعباً ... والطرف أجرد والحسام مجوهرا
لا خلق أفرى من شفار حسامه ... إن كنت شبهت المواكب أسطرا
ماض وصدر الرمح يكهم بالظبى ... ينبو وأيدي الخيل تعثر في البرى
أيقنت أني من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقاً أن ربعي مخصب ... لما سالت به الغمام الممطرا
أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم ... لما علمت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء ملوكهم ... لما رأيت الحسن يلبس أحمرا
نمقتها وشياً بذكرك مذهباً ... وفتقتها مسكاً بحمدك أذفرا
فلئن وجدت نسيم حمدي عاطراً ... فلقد وجدت نسيم برك أعطرا
وله فيه من قصيدة أنشدني البيت الأول منها أبو الحسن بن علي بن صالح الأندلسي بالعراق، وهو:
علي وإلا ما بكاء الغمائم ... وفي إلا ما لنوح الحمائم
стр. 50
في المديح:
ملوك مناخ العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم
هم البيت ما غير الهدى لبنائه ... بأس ولا غير القنا بدعائم
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهم ... طوال العوالي في طوال المعاصم
وأيد أبت من أن تؤوب ولم تقد ... بجز النواصي أو بحزّ الغلاصم
إذا ركبوا فانظره أول طاعن ... وإن نزلوا فانظره آخر طاعم
رقيق حواشي الطبع يجلو بيانه ... وجوه المعاني واضحات المباسم
ولا غرو إن حيتك بالطيب روضة ... سمحت لها بالعارض المتراكم
ومنها مما أورده أبو الصلت في الحديقة من مختاره:
أبى أن يراه الله إلا مقلداً ... حمالة سيف أو حمالة غارم
إذا جر أذيال الجيوش الى العدى ... أطاعته أو جرت ذيول الهزائم
ليس يقصر هذا الترديد في الحسن والجود عن قول أبي حية النميري:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
وفي المخالطة بين أذيال وذيول إشارة لطيفة الى تقليل عدد الممدوح، وتكثير عدد أعدائه، وذلك أمدح.
منها في وصف الفرس:
خذوا بي إن لم تهدئوا كل سابح ... لريح الصبا في أثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتة ... الى غرة أهدت له ثغر باسم
стр. 51
طوى بي عرض البيد فوق قوائم ... توهمته منهن فوق قوادم
ألا قاتل الله الجياد فإنها ... نأت بي عن أرض العلا والمكارم
ومنها:
أشلب ولا تنساب عبرة مشفق ... وحمص ولا تعتاد زفرة نادم
كساه الحيا برد الشباب فإنها ... بلاد بها عق الشباب تمائمي
ليالي لا ألوي على رشد لائم ... عناني ولا أثنيه عن غي هائم
ومنه، مما أنشدنيه محمد اليماني، أنه أنشده بعض المغاربة في صفة النهر والروض:
أنا سهادي من عيون نواعس ... وأجني عذابي من غصون نواعم
وقوم لنا بالسد بين معاطف ... من النهر تنساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جاراً تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم
تبلغنا أنفاسه فيزيدها ... بأعصر أنفاس وأذكى لناسم
تسير إلينا ثم عنا كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا ولا واش نحس كأننا ... حللنا مكان السر من صدر كاتم
شعره أحق من الروض بوصفه، وأجدر بالإطراء لإطرابه، لبلاغته وسلاسته ولطفه. وقال من قطعة في مدح المعتضد عباد ويذكر فتح ابنة قرمونة وإحراقه إياها أولها:
стр. 52
ألا للمعالي ما تعيد وما تبدي ... وفي الله ما تخفيه عنا وما تبدي
نوال كما اخضر العذار وفتكة ... كما خجلت من دونه صفحة الخد
جنيت ثمار النصر طيبة الجنى ... ولا شجر غير المثقفة الملد
وقلدت أجياد الربى رائق الحلى ... ولا درر غير المطهمة الجرد
بكل فتى عاري الأشاجع لابس ... الى غمرات الموت محكمة السرد
ومنها في ذكر ابنه:
ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليث ولكن من براثنه الهندي
ورب ظلم سار فيه الى العدى ... ولا نجم إلا ما تطلع من غمد
أطل على قرمونة متبلجاً ... مع الصبح حتى قلت كانا على وعد
فأرملها بالسيف ثم أعارها ... من النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ... ويا برد تلك النار في كبد المجد
هنيئاً ببكر في الفتوح نكحتها ... وما قبضت غير المنية في النقد
стр. 53
ومنها:
لقد سلكت نهج السبيل الى الردى ... ظباء دنت من غابة الأسد الورد
وأكثر ما يلهيك عن كأسك الوغى ... وعن نغمات العود نغمة مستجد
وما الملك إلا حلية بك حسنها ... وإلا فما فضل السوار بلا زند
ما ألهب استهار استعاراته، وأثبت داري عباراته، وأحسن شعار شعره، وأقوم نظام نظمه، وما أروى رويه، وما أعطر ند نديه، وما أقوى مباني قوافيه، وما أحكم حكم معانيه، هذا هو السحر الحلال والنحو الحالي وأين من هذه الفوائد فرائد اللئالي، لقد أبدع صنيعاً، وصنع بديعاً، واخترع غراً واقترع عذراً، بل فرع سما، وهذا المعنى هو الكبريت الأحمر والأكسير المتخير، والإبريز العزيز، ودقة ذوق لا يعبر عنه البيان، ولا تعرفه إلا العيان، وحلاوة المذاق فوق طلاوة العيان.
وقال أيضاً في عباد من قصيدة:
إنا عبيدك أو يقول مصدق ... الحق مذموم وأنت بخيل
أترى القبول سرت إليك بنفحة ... مما ادعته فكان منك قبول
وهل استمالك من ثنائي عاطف ... إن الكريم الى الثناء يميل
وكتب إليه وقد أبلّ من علة:
الكأس ظامئة الى يمناكا ... والروض مرتاح الى لقياكا
стр. 54
فأدر بآفاق السرور كواكباً ... تخذت أكف سقاتها أفلاكا
راحا إذا هب النسيم حسبتها ... مسروقة الأنفاس من رياكا
رد مورد اللذات عذباً صافياً ... فلقد وردت المجد قبل كذاكا
لم ترو من راح ولا من راحة ... حتى ارتوت بدم العداة قناكا
وقال من قطعة:
وعاطلة من دماء الحرو ... ب أطلعت رأيك فيها قمر
ولم تتقدم بجيش الرجا ... ل حتى تقدم جيش الفكر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيل ... فمن غرس تدبير ذاك السحر
ومنها:
فعاقر سيفك حتى انحنى ... وعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن علي ... وناب عن النهروان النهر
وكتب إليه من أبيات:
لقد فاز قدحي في هواك وقابلت ... مطالع حالي من سمائك أسعد
فإن أنا لم أشكرك صادق نية ... تقوم عليها آية النصح تعضد
فلا صح لي دين ولا بر مذهب ... ولا كرمت نفس ولا طاب مولد
стр. 55
وقال من قصيدة:
إني لممن إن دعوت لنصرة ... يوماً بساطاً حجة وجلاد
أذكيت دونك للعدا حدق القنا ... وخصمت عنك بألسن الأغماد
قيل كان استشعر من المعتمد وهرب منه، ثم رجع إليه، فغدا يسفك دمه عليه. فمما كتب إليه يستعطفه:
أأركب قصداً أم أعوج على الركب ... فقد صرت من أمري على مركب صعب
وأصبحت لا أدري أفي البعد راحتي ... فأجعله حظي أم الحظ في القرب
ومنها:
أما أنه لولا عوارفك التي ... جرت في مجرى الماء في الغصن الرطب
لما سمت نفسي ما أسوم من الأذى ... ولا قلت إن الذنب فيما جرى ذنبي
أخافك للحق الذي لك في دمي ... وأرجو للحب الذي لك في قلبي
سأستمنح الرحمى لديك ضراعة ... وأسأل سقيا من تجاوزك العذب
стр. 56
فأجابه المعتمد بأبيات منها:
تقدم الى ما اعتدت عندي من الرحب ... ورد تلقك العتبى حجاباً عن العتب
متى تلقني تلق الذي قد بلغته ... صفوحاً عن الجاني رؤوفاً على الصحب
وما أحسن قول مهيار:
أحبك وداً من يخافك طاعة ... وأعجب شيء خيفة معها حب
وكتب الى المعتمد في يوم غيم وقد احتجب:
تجهم وجه الأفق واعتلّت النفس ... بأن لم تلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما عن توافق ... وضمكما أنس فيهنيكما العرس
وكتب الى أبي القاسم محمد بن قاسم الفهري لما عاتبه حين اجتاز عليه، ولم يعرج نحوه:
لم تثن عنك عناني سلوة خطرت ... على فؤادي ولا سمعي ولا بصري
فقصرك البيت لو أني قضيت به ... حجي وكفك منه موضع الحجر
لكن عدتني عنكم خجلة سلفت ... كفانيَ القول فيها غير معتذر
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
стр. 57
واجتاز على أبي بكر بن عبد العزيز ببلنسية فأخرج الى لقائه رجلاً من اليهود، فقال في ذلك يعاتبه:
تناهيتم في برنا لو سمحتم ... بوجه صديق في اللقاء وسيم
وسلسلتم راح البشاشة بيننا ... فما ضر لو ساعدتم بنديم
سألتمس العذر الجميل على العلى ... وأحتال للفضل احتيال كريم
وأثني على روض الطلاقة بالحيا ... وإن لم أفز من نشره بنسيم
ضننتم بأعلاق الرجال على النوى ... فلم تصلونا منهم بزعيم
ولكن سأستعدي الوفاء فأقتضي ... سماحك بالأنس اقتضاء غريم
وقال في فارسين تبارزا، فسبق أحدهما الآخر فطعنه، من أبيات:
كم من شجاع قدته تحت الردى ... بدم من الأوداج كالأرسان
روّى ليضرب فانتهدت بطعنه ... إن الرماح بداية الفرسان
وقال في مغن يكنى أبا الفضل، وقيل القائل غيره:
غنى أبو الفضل فقلنا له ... سبحان مخليك من الفضل
غناؤه حدٌّ على شربها ... فاشرب فأنت اليوم في حل
ومما أورده أبو الصلت في الحديقة من شعر أبي عمار وقال:
وفيت لربك فيمن غدر ... وأنصفت دينك ممن كفر
وقمت تطالب في الناكثين ... مر الحفاظ بحلو الظفر
стр. 58
ولم تتقدم بجيش الرجال ... حتى تقدم جيش الفكر
وعاطلة من ليالي الحروب ... أطلعت رأيك فيها قمر
فإن يجنك الفتح ذاك الأصيل ... فمن غرس تدبير ذاك السحر
وقوله من أخرى:
لله درك ما تعلق ناظري ... بمدى علاك ولا جرى تحصيل
وجه بمعرفة الدلاص مقنع ... أبداً وطرف بالعجاج كحيل
ويد بآمال العفاة نهالها ... أبداً وآجال العداة تسيل
عمرت ربوع المجد منها إنما ... تركت بيوت المال وهي طلول
وذكره ابن بشرون المهدوي في كتابه الموسوم بالمختار وقال: كان خصيصاً بالمعتمد في زمن إمارته وكلاهما نقي العذار، من ثوب الوقار، فلما صار الأمر إليه، حافظ عليه، وامتزج به امتزاج الماء بالعقار، ثم نكبه وأعطبه وآل الأمر الى أن هجاه ابن عمار، وكان قد التجأ منه الى الفرار.
فمن ذلك من قصيدة:
ألا حي بالغرب حياً حِلالا ... أناخوا جِمالاً وحازوا جمالا
وعرج بيومين أم القرى ... ونم فعسى أن تراها خيالا
يومين: قرية بالأندلس كانت أولية المعتمد منها، يذكره بها، يعني ليس له قديم أصل في المملكة:
لتسأل عن ساكنيها الرماد ... ولم أر للنار فيها اشتعالا
أيا فارس الخيل يا زيدها ... حميت الحمى وأبحت العيالا
стр. 59
أراك تورّي بحب النسا ... وقدماً عهدتك تهوى الرجالا
تخيّرتها من بنات الهجان ... رميكية لا تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير الذراع ... لئيم النجارين عماً وخالا
بصفر الوجوه كأن استها ... رماهم فجاءوا حيارى كسالى
قصار القدود ولكنهم ... أقاموا عليها قروناً طوالا
المعتصم أبو يحيى محمد بن معن بن محمد
ابن صمادح
صاحب المريّة وبجانة والصّمادحيّة كان في عصر ابن عمار، وسمعت الأمير نجم الدين أبا محمد بن فضال ينشد أبياتاً كتبها أبو بكر بن عمار إليه في جواب أبيات كتبها ابن صمادح، ويستحسنها، ويطرب بها.
فأما أبيات ابن صمادح فهي معاتبة:
ودهّدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلاً تسرّني ... مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّة ... من الدهر إلا كان إحدى النّوائب
стр. 60
والأبيات التي أجاب المعتصمَ ابنُ عمار بها:
فديتُك لا تزهد وثَم بقيّة ... سيرغب فيها عند وقع التجارب
وأبق على الخلصان إنّ لديهمُ ... على البدء كرّات بحسن العواقب
تكنّفتني بالنظم والنثر عاتباً ... وسقت عليّ القول من كل جانب
وقد كان لي لو شئت ردّ وإنما ... أجرّ لساني ذكر تلك المواهب
ولا بد من شكوى ولو بتنفّس ... يخفّف من حر الحشا والتّرائب
كتبت على رسمي وبعد نسيئة ... قرأت جوابي في سطور المواكب
ثلاثة أبيات وهيهات إنما ... بعثت الى حرْبي ثلاث كتائب
وكيف يلذّ العيش في عتب سيّد ... وما لذّ لي يوماً على عتب صاحب
стр. 61
وقبْلُ جرت عن بعض كتبي جفوة ... ألحّت على وجهي بغمز الحواجب
سلكت سبيلي للزيادة إثرها ... فصادفت دفعاً في صدور الرّكائب
وما كنت مرتاداً ولكن لنفحة ... تعوّدت من ريحان تلك الضرائب
ولو لمعت لي من سمائك برقة ... ركبت الى مغناك هوج الجنائب
فقبّلت من يمناك أعذب مورد ... وقضّيت من لقياك أوكد واجب
وأبتُ خفيف الظهر إلا من النّوى ... وخلّفت للعافي ثقال الحقائب
سواك لغا قول الوشاة من العدى ... وغيرك يقضي بالظنون الكواذب
وقال أبو يحيى بن صمادح في بركة بناها بالصمادحية:
كأنّ انسياب الماء في صفحاتها ... حسام صقيل المتن سلّ من الغمد
تفور به فوّارة مستديرة ... لها مقلة زرقاء موصولة السّهد
أدرنا بها كأساً كأنّ حبابها ... حباب سقط الطّلّ في ورق الورد
لها في غدير الماء لألاء جمرة ... حكت نار إبراهيم في اللون والبرد
стр. 62
مأخوذ من قول ابن المعتز:
ومشمولة قد طال بالنقص حينما ... حكت نار إبراهيم في اللون والبرد
حططنا الى خمّارها بعد هجعة ... رِحالَ مطايا لم تزل نوقها تحدي
وأحسن ما قيل في الفوّارة قول علي بن الجهم:
وفوّارة ثأرها في السماء ... فليست تقصر عن ثارها
تردّ على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب مدرارها
وذكر مؤلف كتاب قلائد العقيان المعتصم بن صمادح، فأكثر له الممادح، وذكر أنّ دولته كانت منبعاً للجود، ومطلعاً للسعود، ومشرعاً للوفود، ووصفه برواج بضائع الرجاء في سوقه، وإنارة مطالع الفضلاء بشروقه، واتّساق نظام نفائس الأفاضل، واتّساع مجالي مجالس الأماثل، وتحلّي الساعات بمذاكرة الفضل، وتخلّي الأوقات عن مساورة الجهل، وكان متنقّلاً من مدارسة الى مؤانسة، ومن مذاكرة الى معاشرة، وهو من مغنى أدب، الى مثوى طرب، لم يزاحم مليكاً على ملكه، ولم ينظر إلا في إجراء فلَكه، وإرساء فلْكه، حتى قصد، وبالنّوائب أرصد، ونوزل وقوتل، وطالت عليه الطوائل، وغالته الغوائل فقضى نحبه، وما قضى حبه، وفاضت نفسه مضضاً، وزاده إحداق الأعداء به على مرضه مرضاً.
وقال وهو متوجع مضطجع، وقد علا منهم الصوت: نغّص علينا كل شيء حتى الموت، ورمق بطرفه الكليل، حظيّة له قد أخذت في البكاء والعويل، فقال:
ترفّق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل
стр. 63
قال: وكتب ابن عمار إليه بعد أن أقام عنده طويلاً راجياً إذناً يجد فيه الى الانصراف سبيلاً:
يا واضحاً وضح السّحاب ال ... جود في معْنى السماح
ومطابقاً يأتي وجوه ال ... برّ من طرق المزاح
أسرفت في بر الضيا ... ف فجد قليلاً بالسراح
فأجابه:
يا فاضلاً في شكره ... أصل المساء مع الصباح
هلا رفقت بمهجتي ... عند التكلم بالسّراح
إن السماح ببعدكم ... والله ليس من السّماح
وقال ابن صمادح في صفة نهر:
انظر الى حسن هذا الماء في صَببهْ ... كأنّه أرقم قد جدّ في هربه
وقال، وأراد الركوب الى وجهة، والهبوب في نزهة، فأخبر بوفاة حظيّة له معشوقة، بالمقة مرموقة، فلم يثن عنانه، ولم يعطّل لسانه، وقال في ذلك:
لما غدا القلب مفجوعاً بأسوده ... وفضّ كل ختام عن عزائمه
ركبت ظهر جوادي كي أسلّيه ... وقلت للسّيف كن لي من تمائمه
стр. 64
قال، وتذكّر في بعض منتزهاته حظيّة، فهزّه الشوق إليها فكتب على جناح طائر تحية:
وحمّلتُ ذات الطوق مني تحيةً ... تكون على أفق المرية مِجْمَرا
قرأت في تاريخ الأندلس الذي صنّفه بعض أهل العصر، وهو محمد بن أيوب بن غالب الأنصاري للملك الناصر بمصر في سنة ثمان وستين وخمسمائة يذكر أن أبا يحيى محمد بن معن بن محمد بن صمادح لمّا حوصر بالمرية، وحاصره جيش أمير المسلمين كان مريضاً، واشتدت حاله، فسمع يوماً صيحة ففتح عينيه وقال: نُغّصَ علينا حتى الموت، ومات في إثر ذلك عند طلوع الشمس من يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة. قال أبو يحيى بن صمادح:
مؤلّف من خلاف قلبه حجر ... وجسمه نعمة تدميه أنفاسي
وكلّما أتمنّى قربه جعلت ... مطامعي فيه تهوي بي الى ياسي
وقال أيضاً:
يا من بجسمي لبعده سقم ... ما فيه غير الدنوّ يبريني
بين جفوني والنوم معترك ... تصغر عنه حروب صِفّين
إن كان صرف الزمان أبعدني ... عنك فطيف الخيال يدنيني
وقال:
بأبي من زارني وهنا وقد ... طبّق الأفق دجاه فأنارا
وعلى يمناه كأس أنبتت ... من سناها فوق يسراه احمرارا
واكتسى ... فبدا ... منه ماء جامد يحمل نارا
стр. 65
وقال:
لعمرك إن القلب نحوك شيّق ... وأنت بما ألقى من الشوق أعلم
فودّك عن ودّي إليك مبلّغ ... وقلبك عن قلبي لديك مترجم
هذا من قول المتنبي:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلّمه عني ولم أتكلّم
وقال ابن صمادح:
الرّوض يشرب والأنواء تنسكب ... والشمس تظهر أحياناً وتحتجب
وللنهار على أفنانه زهر ... كأنّه فضّة من فوقها ذهب
أبو جعفر ابنه
قال:
كتبت وقلبي ذو اشتياق ووحشة ... ولو أنه يسطيع مرَّ يُسلّم
جعلت سواد العين فيه مداده ... وأبيضه طرساً وأقبلت ألثم
خيّل لي أني أقبّل موضعاً ... يصافحه ذاك البنان المكرّم
وهذا من قول أبي إسحاق الصّابي:
لما وضعت صحيفتي ... في بطن كفّ رسولها
قبّلتها لتمسها ... يمناك عند وصولها
وتودّ عيني أنها ... قرنت ببعض فصولها
حتى ترى من وجهك ال ... ميمون غاية سولها
стр. 66
أبو القاسم الأسعد بن إبراهيم
وقد ذاب كحل الليل في دمع فجره ... الى أن تبدّى الصبح كاللّمة الشمطا
كأنّ الدُجى جيش من الزّنج نافر ... وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا
ومنها:
إذا سار، سار الجود تحت لوائه ... فليس يحطّ المجد إلاّ إذا حطّا
وقال في غلام مجدور، عن لسانه:
من رأى الورد تحت قطر نداه ... لم يعب فوق وجنتي جدريّا
أنا شمس أردت في الأرض مشيا ... فنثرت النجوم فوقي حُلِيّا
وقال:
لبسوا من الزّرد المضاعف نسجه ... ماء طفت للبيض منه حباب
صفّ كحاشية الرّداء يؤمّه ... صفّ القنا فكأنّه هُدّابه
وقال:
رأيت ليوسف في بيته ... فخربَهُ الله بين البيوت
حصيرَ صلاة علاه الغبار ... وقد نسجت فوقه العنكبوت
فقلت له كم لهذا الحصير ... وكم لك لم تَقر فيه القنوت
فقال هنالك ألقيته ... وثَمّ يكون الى أن أموت
وأورد أبو الصلت في الحديقة:
نشوان لا أدري وقد وافى بنا ... أمن الملاحة أم من الجريال
تتنفّس الصّهباء في لهواته ... كتنفّس الريحان في الآصال
وكأنّما الخِيلانُ في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال
стр. 67
ابن المرعزي النصراني
قال يصف كلبة صيد:
لمْ أرَ ملهًى لذي اقتِناص ... ومكسباً مَقْنعَ الحريصِ
كمِثل خطْلاءَ ذاتِ جيدٍ ... أتْلَعَ مُصفرّةِ القميص
كالقوس في شكلها ولكن ... تنْفُذُ كالسّهم للقَنيص
محبوكة الظهر لم تَجُبْهُ ... لجوف بطن لها خَميص
ومنها في المدح:
يشفع تأميله بود ... شفع القياسات بالنّصوص
وقال:
الله أكبر أنت بدر طالع ... والنقع دجن والكماة نجوم
والجرد أفلاك وأنت مديرها ... وعدوّك الغاوي وهنّ رجوم
وقال في قوم بات عندهم فلم يوقدوا عندهم سراجاً:
نزلت في آل مكحول وضيفهم ... كنازل بين سمع الأرض والبصر
لا تستضيء بضوء في بيوتهم ... لو لم يكن لك تطفيل على القمر
وقال يصف قصيدة:
أنطقتني بالندى حتى سرى نفسي ... كما تنَفَّسَ في الأنداء ريحان
وغاص في بحر نعماك المحيطة بي ... فهذه درر منه ومرجان
стр. 68
أبو عبد الله محمد بن خلصة
الكفيف النحوي، الضّرير ذكره أبو الصّلت. قال من قصيدة لا يخلو بيت من تجنيس:
ألْفى عذاب الهوى عذباً فآلفه ... فما يصيخ الى عذر ولا عذل
فما دمع بثّ كمين البثّ قد تركت ... كلاّ عليك هواها ربّة الكلل
لا أوسع العين عذراً أو تسيل دماً ... أو مدامعها سيلت فلم تسل
ومنها:
ملك تملك حرّ المدح لا يده ... مالت بظلم وما مالت الى بخَلِ
مهذّب الجدّ ماضي الحدّ مضطلع ... بما تحمله العلياء من ثقل
ومنها:
أغرّ لا رأيه يخشى له أبداً ... خلف ولا رأيه يؤتى من الزلل
قد جاوزت نطق الجوزاء همّته ... قدماً وما زحلت عن مرتقى زحل
يأبى له أن يحل الذمُّ ساحته ... ما صدّ من جَللٍ أو سدّ من خلل
رحب الفناء زعيم بالغناء إذا ... ما افترّت الحرب عن أنيابها العُصُل
تضمين من قول مسلم بن الوليد:
يأبى لك الذمّ في يوميك إن ذكرا ... عضْب حسام وعضْب غير مبتذل
بات الأمير إذا يفترّ عنه إذا ... ما افترّت الحرب عن أنيابها العُصُل
стр. 69
ومن قصيدة ابن خلصة:
والبيض تسقي ثراهم من دمائهم ... وَبْلاً وتنشئ لمع البرق في القُلل
يغرّهم بك والآمال كاذبة ... ما جمّعوا لك من خيل ومن خول
ومنها:
مكّنت حزمك من حيْزومِ مكرهم ... وقد تُصادُ أسود الغيل بالغيل
لم تدر قبلك عين أنها بصرت ... بالبرّ والبحر والرّئْبالِ في رجل
ليث الضّراب ولكن من ضرائبه ... دفع المخوف وأمن الخائف الوجل
أما قول مسلم فإنه في غاية الصّنعة والإحكام والجودة والرفعة، فإنه طابق بين الخوف والأمن في اللّفظ والمعنى، وقوله خوف المخيف في غاية الحسن. وأما ابن خلصة فقابل الدفع بالأمن وما بنيهما مقابلة، ودفع المخوف هو من الخائف.
ومن قصيدة ابن خلصة:
أيا حيا قبل الإمحال نائله ... ما لي أرى سبلاً قد حاد عن سبلي
ومايقصّرُ عن علمي ولا فهمي ... عن همّتي فاختبر إن شئت أو فسل
خدمتكم ليكون الدّهر من خدمي ... فما أحالته عن حالاته حيَلي
إن لم تكن بك حالاتي مبدّلة ... فما انتفاعي بعلم الحال والبدل
وقال يشير الى علمه بالنّحو:
مليك إذا ألهى الملوك عن اللهى ... خمار وخمر فارق الدلّ والدّنّا
فلم تثنه الأوتار أوتار قينة ... إذا ما دعاه السيف لم يثنه المثنى
فلو جاد بالدنيا وعاد لضعفها ... لظنّ من استصغاره أنّه ضنّا
فلا عتب في إنعامه غير أنه ... إذا منّ لم يتبع مواهبه منّا
стр. 70
ولأبي الفرج الأصفهاني:
وردنا ذُراهُ مقترين فراشنا ... وردنا حياه مُجْدِبين فأخصبنا
ولما انتجعنا لائذين بظلّه ... أعان وما عنّى ومنّ وما منّا
ولا طعن في إقدامه غير أنه ... لبوس الى حاجاته الضرب والطّعنا
وللمتنبي
وإنّا إذا ما الموت صرّح في الوغى ... لبسنا الى حاجاتنا الطّعن والضربا
وأمدح من هذا قول مهيار:
لمّا رأوك تفرّقت أرواحهم ... فكأنما عرفتك قبل الأعين
فإذا أردت بأن تفلّ كتيبة ... لاقيتها فتسمَّ فيها واكنن
قال ابن خلصة:
لئن وردت من لفظها المنهل العذبا ... لقد جرّبت من لحظها المنصل العضبا
وقالوا كساك الحبّ أثواب ذلّة ... وهل ممكن أن أجمع العزّ والحبّا
أبا حسن أحسنت أيام ساءني ... زماني وكنت الخصب قد عاقب الجدبا
فأوليتني مرعى من الفضل ممرعاً ... وأوردتني شرباً رويت به شربا
وقال:
لا يردّ البكا عليك الذي فا ... ت فلا يعط دمعك المسؤولا
والمسرات والملمات أق ... دار وما أنت قادر أن تحيلا
سلّم الأمر إنما الأمر لل ... هـ وكن قابلاً تكن مقبولا
وقال من أخرى:
تمنّى الأعادي والغرور مناهم ... فكانوا كمن ظن السراب شرابا
وقد غشيت أمَّ اللُهَيْم حصونهم ... بأدهم يكسي الشمس منه ضبابا
كأنّ على جسم الصباح ملاءة ... به وعلى وجه النهار نقابا
стр. 71
خميس يعجّ الجوّ خوف عجاجه ... ملأت الفلا تبّاً به وتبابا
فمن أشقر يحكي صفاء مشقر ... وأشهب مختال يخال شهابا
رماهم بها شهّاد أندية العلا ... وإن عاب لم تعدُ الذوابل عابا
ابن وهبون
هو أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسيّ.
قال في ابن عباد من قصيدة؛ يصف فيها ركوبه البحر يوم نكبته وإخراجه:
كأنّما البحر عين أنت ناظرها ... وكل شطّ بأشخاص الورى شفر
شبّه الشطّ والناس قيام عليه للانتظار بشفر العين وأهدابها.
ولأبي إسحاق بن خفاجة المغربي:
وغدت تحفّ به الغصون كأنّها ... هدب تحفّ بمقلة زرقاء
ومن هذا الباب قول الأسعد بن إبراهيم: وقد سبق:
صفّ كحاشية الرّداء يؤمّه ... صَفّ القنا فكأنّه هدّاب
وقال، وقد أنشد ابن عبّاد:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنّما ... تجيد العطايا واللهى تفتح اللها
تنبّأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنك ترويه إذن لتألّها
فأمر له بمائتي دينار.
стр. 72
وقال ابن وهبون في الغزل:
زعموا الغزال حكاه قلت لهم نعم ... في صدّه عن عاشقيه وهجره
قالوا الهلال شبيهه فأجبتهم ... إن كان قيس الى قلامة ظفره
وكذا يقولون المدام كريقه ... يا رب لا علموا مذاقة ثغره
وقال من قصيدة يرثي ابن عمار لما قتله المعتمد:
عجباً له أبكيه ملء مدامعي ... وأقول لا شلّت يمين القاتل
وذكره مؤلف قلائد العقيان في الشعراء المجيدين، والفضلاء المفيدين. وكان بينه وبين ابن عمار، ما أوجب إعلاقه بدولته وإلحاقه بحملته ومما أورده من شعره قوله:
سقى فسقى الله الزمان من أجله ... بكأسين من لميائه وعقاره
وحيّى فحيّ الله دهراً أتى به ... بآسَيْن من ريحانه وعِذاره
وقوله وقد ركب زورقاً في نهر إشبيلية وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللّجّة وزاد في تلك البهجة، فقال:
كأنّما الشمعتان إذ سمَتا ... خدّ غلام محسن الغَيَدِ
وفي حشا النّهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى الى كبدي
وقوله:
غزال يستطاب الموت فيه ... ويعذب في محاسنه العذاب
يقبّله اللثام هوًى وشوقاً ... ويجني روض خدّيه النّقاب
стр. 73
ووصفه مؤلف قلائد العقيان بالاستهتار بالغلمان، والاشتهار بهذا الشان، حتى صار مقوتاً بسبب ذلك مهجوراً عليه محجوراً، وله في غلام كان يشاربه، وقد تكلّل بدرّ العرق شاربه:
وشادن قد كساه الرّوض حلّته ... يستوقف العين بين الغصن والكثب
مموّه الحسن لم يعدم مقبّله ... في خدّه رونقاً من ذلك الشّنب
تدعو الى حبّه لمياء كلّلَها ... زبرجد النّبت يجلو لؤلؤ الحبب
وله في قينة:
إني لأسمع شدواً لا أحقّقه ... وربما كذبت في سمعها الأذن
متى رأى أحد قبلي مطوّقة ... إذا تغنّتْ بلحن جاوب الفنن
وله في حبيب ودّعه، وسار عنه، وخلّف قلبه معه:
إن سرت عنك ففي يديك قيادي ... أو بنتُ منك فما يبين فؤادي
صيّرت فكري في بعادك مؤنسي ... وجعلت لحظي من وداعك زادي
وعليّ أن أذري دموعي إن أنا ... أبصرت شبهك في سبيل بعادي
كم في طريقي من قضيب يانع ... أبكي عليه ومن صباح باد
تلقاك في طي النّسيم تحيّتي ... ويصوب في ديم الغمام ودادي
وله، وقد اجتاز، على فُرن، ومعه رجل من إشبيلية يسمّى ربيعا، فقال له: صف هذا الفرن. فقال:
رُبّ فرْن رأيته يتلظّى ... وربيعٌ مخالطي وعقيدي
قال شبِّهْه قلت صدر حسود ... خالطته مكارم المحسود
стр. 74
وله، وقد ساير غلاماً وسيماً من أولاد الوزراء ذوي الجلال، وقد وضع يمناه في شماله والناس ينظرون الى هلال شوّال:
يا هلال استتر بوجهك عنّا ... إن مولاك قابض بشمالي
هبك تحكي سناه خداً بخدّ ... قم فجئ لقدّه بمثال
وقال:
بأبي سُكيْران اللّواحظ ما رنا ... إلا وأسكر كل قلب صاح
أمل من الآمال أهيف أحور ... خلعت عليه لطافة الأرواح
متجنّد جعل الفؤاد وطيئه ... ولحاظه بدلاً من الأرماح
علمته سفك الدماء بمهجتي ... وتركته يجني بغير جُناح
وله من أبيات:
بيني وبين الليالي همّة جلل ... لو نالها البدر لاستخذى لها زحل
سَرابُ كُلّ يَبابٍ عندها شنب ... وهول كل ظلام عندها كحل
من أين أبْخس لا في ساعدي قصر ... عن المعالي ولا في مقولي خطل
ذنبي الى الدّهر فلتكره سجيّته ... ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل
ومنها:
جيش فوارسه بيض كأنصله ... وخيله كالقنا عسّالةٌ ذبُلُ
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهم ... فالحرب جاهلة من منهم الأسل
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرح ... كأنّما التّيه في أعطافه كسل
стр. 75
وأورد أبو الصّلت في الحديقة لعبد الجليل بن وهبون من قصيدة يمدح ابن عبّاد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والروم بالموضع المعروف بالزّلاقة من عمل بطليوس، وقد كان طعن فرسه وكبا به، فقدّم إليه بعض من ثبت معه فرساً فركبه.
من قصيدة:
وقفت بحيث تلحظك العوالي ... وهنّ الى مواردها هيام
ولم يثبت من الأشياع إلا ... شقيقك وهو صارمك الحسام
يمان في يدي ماض يمان ... فلا نابي الغرار ولا كهام
ولم يحملك طرفك بل فؤاد ... تعوّد أن يخاض به الحمام
ثبتّ به ثبات القطب لمّا ... أدار رحاه خطب لا يرام
وعادتك الطعام فإن يخرّوا ... جوادك بالطعان فما يلام
ومنها يذكر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وبعض أصحاب الروم ما تعاقدوا عليه من الثبات:
دعا للحرب كل سليل حرب ... يخلِّفه عن الهيجا نظام
تعرّق لحمه واخضرّ جلداً ... فهبّ مع الحسام به حسام
وجاء بعَظْلمِ الصحراء لوناً ... ولكن ثبْتُ مفرقه ثغام
فلم يثن القنا ما بيّتوه ... وتحت النّوم بأس لا ينام
مضوا في أمرهم سحراً ودارت ... بما عقدوا من الحلف المدام
فردّوها على الشّفرات بيضاً ... وحدّد في تعاطيها النّدام
следующие страницы →