← Тараджим

Тараджим · id 12860

طبقات الشافعيين

ابن كثير

Полный текст (907 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومفردات ألفاظه، ومركباتها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة عبد القاهر بن طاهر الأستاذ أبو منصور البغدادي أحد الأئمة، يقال: إنه كان يحسن سبعة عشر علما، اشتغل على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وروى الحديث عن: أبي عمرو بن نجيد، وأبي عمرو محمد بن جعفر بن مطر، وعنه: الحافظ أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وعبد الغفار بن محمد بن شيرويه، وتفقه عليه: إمام الحرمين في الفرائض، وكانت له حشمة، ومال، وجاه، قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: كان الأستاذ أبو منصور، من أئمة الأصول، وصدور الإسلام بإجماع، صاحب الفضل والتحصيل، بديع الترتيب، غريب التأليف والتهذيب، يراه الجلة مقدما، ويدعوه الأئمة إماما مفخما، قال: ومن خراب نيسابور، أن اضطر مثله إلى مفارقتها، وقيل: إنه لما حصل بإسفرايين، ابتهجوا بمقدمه إلى الغاية، ودفن إلى جانب الأستاذ أبي إسحاق، وذلك في سنة سبع وعشرين وأربع مائة، ووقع حديثه في البيهقي. وحكى عنه ابن الصلاح: أنه كان يرى عدم الشريك في الشركة في الفرائض، وأن أول الواجبات: النظر، ثم ذكر الشيخ أبو عمرو، رحمه الله تعالى، بعد هذه الترجمة، عبد القاهر بن طاهر أبو المعالي البلخي إمام تلك البلاد، وهو أخو عبد الله بن طاهر، كانت له يد في فنون العلم كلها، ومن شعره:

стр. 387

جمع الخيام، وردت الإبل ... وكأنني بهم وقد رحلوا قد كنت أشكو خلف موعدها ... وأقول ذنب ليس يحتمل يا ليتها والدار جامعة ... فقد المواعد ثم تصل عبد الغفار بن عبيد الله بن محمد بن زيرك بن محمد بن كثير بن عبد الله أبو سعد التميمي شيخ همدان، قال الحافظ أبو شجاع شيرويه: كان ثقة، صدوقا، فقيها، عالما، له يد في الأدب، وكان يعظ الناس، ويتكلم في علوم القوم، وله مصنفات في أنواع العلوم، ولم يحمل عنه إلا القليل لقصر عمره، روى عن: أبيه، وأبي بكر بن لال، وغيرهما، وعنه: ابن أخته أبو محمد الفضل محمد بن عثمان القومساني، وغيره، وتوفي سنة ست وثلاثين وأربع مائة. عبد الوهاب بن علي بن الحسن بن محمد أبو تغلب المؤدب قال الخطيب: ويعرف بأبي حنيفة، روى عن: المعافى بن زكريا

стр. 388

الجريري، وكتبنا عنه، وكان صدوقا، وكان أحد حفاظ القرآن، عالما بالفرائض، عارفا بظاهر مذهب الشافعي، مات سنة تسع وثلاثين وأربع مائة. عبيد الله بن أبي الفتح أحمد بن عثمان بن الفرج أبو القاسم الأزهري أحد مشايخ الحافظ أبي بكر الخطيب، وكان أحد المكثرين لرواية الحديث، والجامعين له، مع صدق، وأمانة، واستقامة، وسلامة معتقد، ولد سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، ومات سنة خمس وثلاثين وأربع مائة، عن ثمانين سنة، ذكره ابن الصلاح في الطبقات، ولم أر له سببا، فالله أعلم. علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن البصري، المعروف بالنعيمي قال الخطيب: كان حافظا، عارفا، متكلما، شاعرا، وسمعت محمد بن علي الصوري، يقول: لم أر ببغداد أحدا أكمل من النعيمي، قال الصوري: وكان أبو بكر البرقاني، يقول: هو كامل في كل شيء، لولا بأو فيه، وقال البرقاني: كان شديد التعصب للسنة، وكان يعرف من كل علم شيئا، وقال الشيخ أبو إسحاق: درس بالأهواز، وكان فقيها، عالما بالحديث، متأدبا، متكلما، ثم ذكر شيئا من شعره، وذكر الخطيب أنه توفي في مستهل ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة. عمر بن إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن محمد بن بجاد بن موسى بن سعد

стр. 389

بن أبي وقاص أبو طالب الزهري، ويعرف بابن حمامة أحد أئمة الشافعية ببغداد، سمع: أبا بكر بن القطيعي، وابن ماسي، وعيسى بن محمد الرجحي، وجماعة، وأخذ عن: أبي القاسم الداركي، قال الخطيب: كتبتا عنه، وكان ثقة، ولد سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، ومات سنة أربع وثلاثين وأربع مائة. علي بن أحمد بن محمد بن الحسن بن أبي الحسن الحاكم الإستراباذي كان من أكبر أئمة الشافعية بسمرقند، كان يكتب عامة نهاره، وهو مع ذلك يقرأ القرآن ظاهرا، لا يشغله هذا عن هذا، وكان يقرأ كل يوم ختمة، وكان قد سأل الله في جوف الكعبة القوة على القراءة، وعلى إتيان النساء، فاستجيب له في ذلك. العنبر بن الطيب بن محمد بن عبد الله بن العنبر بن عطاء أبو صالح النيسابوري العنبري الشافعي من بيت العلم، والفضيلة، والحديث، والرياسة، سمع: أمالي جده لأمه يحيى بن منصور القاضي، ومات سنة عشرين وأربع مائة. المفضل بن إسماعيل بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإمام أبو معمر الإسماعيلي الجرجاني

стр. 390

مفتيها، وعالمها، وفاضلها، وابن فاضلها، كان من أذكياء العالم، قرأ القرآن، وطرفا من الفقه، وهو ابن سبع سنين، وسمع من: جده الكبير، ورحل به والده فأسمعه من: الدارقطني، وأبي حفص بن شاهين ببغداد، ومن: يوسف بن الرحيل، وأبي زرعة محمد بن يوسف بمكة، وحدث وأملى بعد موت عمه أبي نصر، إلى أن توفي في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة. محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين أبو عمرو الرزجاهي ورزجاه، بضم الراء المهملة أولها، وقيل: بفتحها، قرية من قرى بسطام، وبسطام: من أعمال قومس. البسطامي الفقيه الشافعي الأديب المحدث. تفقه على الأستاذ أبي سهل الصعلوكي مدة، وكتب الكثير عن: ابن عدي، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي أحمد الغطريفي، وطبقتهم، وعنه: البيهقي، وأبو عبد الله الثقفي، وأبو سعيد بن أبي صادق، وآخرون، وكانت له حلقة بنيسابور، ومجلس لإملاء الحديث، والأدب، ثم انتقل إلى بلده بسطام، ومات بها في الربيع الأول سنة ست وعشرين وأربع مائة، عن خمس وثمانين سنة، ﵀. محمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن النيلي الفقيه أحد أئمة الشافعية بخراسان، مع زهد، وصلاح، وكبر قدر، وله شعر جيد، وله ديوان شعر، وروى الحديث عن: أبي عمرو بن

стр. 391

حمدان، وأبي أحمد الحاكم، وغيرهما: وأملى مدة، وطال عمره، وحدث عنه: أحمد بن عبد الملك المقري، وإسماعيل بن عبد الغافر، مات سنة ست وثلاثين وأربع مائة، عن ثمانين سنة. محمد بن عبد الملك بن مسعود بن أحمد الإمام أبو عبد الله المسعودي المروزي الشافعي صاحب أبي بكر القفال المروزي، أحد أصحاب الوجوه، شرح مختصر المزني، وكان إماما مبرزا، زاهد، ورعا، توفي سنة نيف وعشرين وأربع مائة. قال أبو سعد السمعاني: كان إماما فاضلا، مبرزا، زاهد، ورعا، حسن السيرة، شرح مختصر المزني، فأحسن فيه، وسمع الحديث من أستاذه القفال، توفي سنة نيف وعشرين وأربع مائة، ومن غرائبه، ما حكاه الفوراني في الإبانة، أن المصلي في العيد، يقول بين كل تكبيرتين: سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك. وقال الشيخ محيي الدين النواوي، ﵀: وقع في البيان نسبة كتاب الإبانة إلى المسعودي، وهو غلط فاحش فاعرفه واجتنبه. قال النواوي: ومن طرق المسعودي، ما حكاه في الوسيط عنه في مسألة من حلف على البيض، وقد ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في الطبقات، وسماه محمد بن عبد الله، والمعروف ما ذكرناه من أنه: محمد بن عبد الملك، ونبه ابن الصلاح على ما نبه عليه الشيخ محيي الدين النواوي، من نسبة صاحب البيان كتاب الإبانة إلى المسعودي وهو وهم، وإنما الإبانة لأبي القاسم الفوراني، تلميذ

стр. 392

المسعودي المذكور، لكن وقعت الإبانة إلى أهل اليمن منسوبة إلى المسعودي، فذلك الذي حمل أبا الخير اليمني صاحب البيان على ذلك. وذكر الشيخ أبو عمرو، أن المسعودي كان يختار أن يقول المصلي صلاة العيد بين كل تكبيرتين: سبحانك اللهم، وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، قال: وحكى إمام الحرمين، عن القاضي حسين، قال: سئل القفال، وهو يتكلم على العوام، عن رجل حلف بطلاق زوجته، لا يأكل البيض، فلقيه إنسان وفي كُمِّهِ شيء، فقال: إن لم آكل ما في كُمِّ فلان، فامرأتي طالق، فكان في كُمِّهِ بيض، فما الحية في ألا يقع طلاقه، فتفكر ولم يحضره الجواب، فلما نزل قال المسعودي، من تلامذته: الوجه جعل ذلك البيض في القبيطاء، يعني: الحلاوة الناطف، ثم يأكله ولا يقع طلاقه. محمود بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد بن عكرمة بن أنس بن مالك الأنصاري أبو حاتم القزويني وأصله من آمل طبرستان المناظر، من ساكني آمل طبرستان، قدم جرجان، وسمع من: أبي نصر الإسماعيلي، وتفقه ببغداد على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وسمع بالري من: حمد بن عبد الله، وأحمد بن محمد البصير، ثم رجع إلى وطنه، وصار شيخ تلك البلاد في العلم والفقه، وتوفي بها سنة أربعين وأربع مائة، قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: هو شيخنا أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري، المعروف

стр. 393

بالقزويني، تفقه بآمل على شيوخ البلد، ثم قدم بغداد، وحضر مجلس الشيخ أبي حامد، ودرس الفرائض على ابن اللبان، وأصول الفقه على القاضي أبي بكر الأشعري، المعروف بابن الباقلاني، وكان حافظا للمذهب، والخلاف، صنف كتبا كثيرة في المذهب، والخلاف، والأصول، والجدل، ودرس ببغداد، وآمل، ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعت به، وبالقاضي أبي الطيب، رحمهما الله. محمود بن سبكتكين السلطان الكبير أبو القاسم عين الدولة ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور كان ملك غزنة، وما والاها من بلادها من الناحية الشرقية، وغزا الهند، ودخل منه إلى السومنات، وكسر طاغوتهم الأعظم، وأخذ منه أموالا، وجواهر، وذهبا كثيرا، لا يحد ولا يوصف، وكانت فيه شهامة، وقوة، وجلد، وفي كل سنة كان له غزوة وفتوح، وامتدت مماليكه، وطالت أيامه، وكانت فيه محبة للسنة، وأهلها، واتباع للخبر، والأثر، وإنما ذكرته في الشافعية، وإن كان ملكا، للحكاية التي ذكرها إمام الحرمين، من أن محمود بن سبكتكين كان حنفي المذهب، محبا للحديث، يسأل عنه، وعن معانيه، ثم اجتمع بأبي بكر القفال، وجماعة من فقهاء مرو، وتناظروا في أي المذهبين أرجح، فوقع الاتفاق على أن يصلوا صلاتين على المذهبين، فصلى القفال بطهارة، وستارة، على ما لا يجوز الشافعي غيره، قال: ثم صلى على ما يجوز لأبي حنيفة، رحمه

стр. 394

الله، فلبس جلد كلب مدبوغا، قد لطخ ربعه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان في الحر فاجتمع عليه البعوض والذباب، وتوضأ منكسا، ثم أحرم، وكبر بالفارسية، وقرأ بالفارسية: دوير كك ستر، ثم نقر نقرتين كنقرات الغراب، من غير فصل ولا ركوع، وتشهد، ثم ضرط في آخرها، من غير نية السلام، فقال محمود: إن لم يكن هذا مما يجوزه أبو حنيفة قتلتك، فأحضروا كتب أصحاب أبي حنيفة، فوجدوا ذلك شائعا فيها، فرجع الملك إلى مذهب الشافعي، أورد هذه الحكاية: إمام الحرمين في عبارة طويلة، وفي صحة هذا نظر، لأن القفال، ﵀، أجل قدرا أن يصدر عنه مثل هذا، أو قريب منه، والله أعلم. قال عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي: كان السلطان محمود بن سبكتكين، صادق النية في إعلاء كلمة الله، مظفرا في الغزوات، وكان ذكيا، بعيد الغور، موفق الرأي، وكان مجلسه مورد العلماء، وقبره بغزنة، توفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة.

стр. 395

المرتبة الرابعة من الطبقة الخامسة من أصحاب الشافعي فيها من أول سنة إحدى وأربعين إلى آخر سنة خمسين وأربع مائة

стр. 396

أحمد بن عبد الله بن أحمد بن ثابت الإمام أبو نصر الثابتي البخاري الشافعي تفقه على الشيخ أبي حامد ببغداد، وأفتى، وكانت له حلقة بجامع المدينة، وروى عن: طاهر المخلص، وأبي القاسم بن حبابة، وغيرهما، قال الخطيب: وكتبت عنه، إلا أنه كان لينا في الرواية، وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه، توفي في رجب سنة سبع وأربعين وأربع مائة، وصلى عليه القاضي الماوردي، ودفن بباب حرب، إلى جانب الشيخ أبي حامد، رحمهما الله، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: رأيت له كتابا في الفرائض سماه بالمهذب والمقرب، وفيه مع حساب الفرائض شيء من الحساب العام. أحمد بن علي بن عبد الله أبو بكر الزجاجي، بضم الزاي، البغدادي المؤذن الشافعي سمع: أبا حبابة، وأبا حفص الكتاني، قال الخطيب: كتبت عنه، وكان دينا، فقيها، شافعيا، وذكر لي أنه سمع من زاهر بن أحمد السرخسي، إلا أن كتابه ببلده بطبرستان، وقال ابن خيرون: كان صالحا، وتوفي في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وأربع مائة. أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن عمر بن

стр. 397

عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن المنكدر أبو بكر القرشي التيمي المنكدري من أهل مروروذ، وقال الخطيب: ورد بغداد في حداثته، فتفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني , وسمع الحديث من جماعة، وكتبت عنه، وكان فاضلا، أديبا، شاعرا، وسألته عن مولده، فقال: سنة أربع وسبعين وثلاث مائة، وبلغنا أنه توفي ببلده، سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة، ﵀. أحمد بن محمد بن علي بن نمير العلامة أبو سعيد الخوارزمي الضرير الفقيه الشافعي تلميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، قال الخطيب: درس، وأفتى، وكان يقدم على أبي القاسم الكرخي، وعلى أبي نصر الثابتي، ولم يكن بعد القاضي أبي الطيب الطبري أحد أفقه منه، كتبت عنه عن، عبيد الله بن أحمد الصيدلاني، وتوفي في صفر سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. أحمد بن منصور بن أبي الفضل أبو الفضل الضبعي السرخسي قال أبو سعد السمعاني: قدم بغداد، وتفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وتخرج عليه، وكان إماما، فاضلا، مناظرا، واعظا.

стр. 398

وقال أبو الفتح العياض في رسالته: في الصدر ما أنوره! وفي مجلس النظر ما أفطنه! وفي الفقه ما أثبته وأفصحه! وفي الوعظ على المنبر ما أتقنه وأنصحه! وقال السمعاني: كان مولده في حدود سنة سبعين وثلاث مائة، وحدث في سنن أبي داود، عن القاضي أبي عمر الهاشمي، وذكره ابن الصلاح في الطبقات، ولم يذكر وفاته. إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني النيسابوري الواعظ المفسر المتفنن كان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة، وكان أبوه أبو نصر من أئمة الوعظ بنيسابور، فقتل ولولده هذا تسع سنين، فأجلس مكانه في سنة ثنتين وثمانين وثلاث مائة، وحضر أول مجلس أئمة الوقت في بلده، كالشيخ أبي الطيب الصعلوكي، وكان في كفالته، وتحت نظره، وفي كنفه، وهو معلمه، ومهذبه، وكالأستاذ أبي بكر بن فورك، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، ثم كانوا يلازمون مجلسه، ويتعجبون من فصاحته، وكمال ذكائه، وحسن إيراده، حتى صار إلى ما صار إليه، وكان مشتغلا بكثرة الطاعات، والعبادات، حتى كان يضرب به المثل، وروى الحديث عن: الحسن بن أحمد المجلدي، وزاهر بن أحمد السرخسي، وأبي سعيد عبد الله بن محمد الرازي، وعبد الرحمن بن أبي سريج، وطبقتهم. وعنه: البيهقي، وعبد

стр. 399

العزيز الكناني، وعلي بن الحسين بن صصري، ونجا بن أحمد، ونصر الله الخشنامي، وأبو القاسم المصيصي، وخلق كثير، آخرهم موتا أبو عبد الله الفراوي. قال عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور: كان أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع نحوا من عشرين سنة، وكان حافظا كثير السماع والتصنيف، حريصا على العلم، سمع بنيسابور، وهراة، وسرخس، والشام، والحجاز، والجبال، وحدث: بخراسان، والهند، وجرجان، والشام، والثغور، والقدس، والحجاز، ورزق العزة والجاه، في الدين والدنيا، وكان حمالا للبلد، مقبولا عند الموافق المخالف، مجمعا على أنه: عديم النظير، وكان سيف السنة، ودامغ أهل البدعة. وقال الشيخ الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا شيخ الإسلام صدقا، وإمام المسلمين حقا، أبو عثمان الصابوني، ثم ذكر حكاية، وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: سمعت معمر بن الفاخر، يقول: سمعت عبد الرشيد بن ناصر الواعظ بمكة، يقول: سمعت إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، يقول: سمعت الإمام أبا المعالي الجويني، يقول: كنت بمكة أتردد في المذاهب، فرأيت النبي، ﷺ ، فقال: عليك باعتقاد ابن الصابوني، وروى نحو هذا من وجه آخر، وقال عبد العزيز بن أحمد الكناني: ما رأيت شيخا في معنى أبي عثمان الصابوني، زهدا، وعلما، كان يحفظ من كل فن، لا يقعد به شيء، وكان يحفظ التفسير من كتب كثيرة، وكان من حفاظ الحديث. وقال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ولأبي عثمان، مصنف في السنة، واعتقاد السلف، أفصح فيه بالحق، فرحمه الله، ورضي عنه، وذكر عبد الغافر ترجمة الإمام مطولة جدا، وذكر سبب موته، أنه ورد عليه كتاب من بخاري، يذكرون أن عندهم وباء عظيما، فقرأه

стр. 400

على الناس على المنبر، وأنه وعظ ذلك اليوم، وتغير حاله، ومكث يجيء عليه وجع البطن من ساعته، ولم يزل كذلك سبعة أيام حتى مات، ﵀، وَصُلِّيَ عليه يوم الجمعة بعد العصر، الرابع من المحرم سنة تسع وأربعين وأربع مائة، وصلى عليه: ابنه أبو بكر، ثم أخوه أبو يعلى إسحاق، ﵀، قال: وقد قال فيه البارع الزوزني: ماذا اختلاف الناس في متفنن ... لم يبصروا للقدح فيه سبيلا والله ما رقى المنابر خاطب ... أو واعظ كالحبر إسماعيلا جعفر بن محمد بن عثمان الفقيه أبو الخير المروزي الشافعي نزيل معرة النعمان صنف في المذهب كتاب الذخيرة، وكان قدومه المعرة، سنة ثماني عشرة وأربع مائة فدرس بها، واشتغل، وتفقه عليه أهلها، ومات سنة سبع وأربعين وأربع مائة. الحسن بن الحسين أبو علي الخلعي الفقيه الشافعي والد القاضي أبي الحسن الخلعي وبإفادته لولده أدرك ولده سماعا عاليا، توفي بمصر، في شوال سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. الحسين بن علي بن جعفر بن علكان ابن الأمير أبي دلف

стр. 401

العجلي أبو عبد الله الجرباذقاني، المعروف بابن ماكولا وهو عم الأمير أبي نصر مصنف الإكمال، قاضي القضاة ببغداد الشافعي، وَلِيَهَا سنة عشرين وأربع مائة، قال الخطيب: ولم نر قاضيا أعظم نزاهة منه، وكان عارفا بمذهب الشافعي، سمعته يقول: سمعت من أبي عبد الله بن منده بأصبهان، ولد سنة ثمان وستين وثلاث مائة، ومات في شوال سنة سبع وأربعين وأربع مائة وهو قاضي بغداد، ﵀. رافع بن نصر أبو الحسن البغدادي الحمال الشافعي الفقيه المفتي الزاهد تفقه على الشيخ أبي حامد، وأخذ الأصول على الباقلاني، وروى عن أبي عمر بن مهدي الفارسي، وروى عنه: جعفر السراج، وسهل بن بشر الإسفراييني، وعبد العزيز الكناني، وكان موصوفا بالزهد، والعبادة، والمعرفة، وله شعر حسن، قال محمد بن طاهر: سمعت هياج بن عبيد، يقول: كان لرافع الحمال قدم في الزهد، وإنما تفقه أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي أبو يعلى بن الفراء، بمعاونة رافع لهما، وكان يحمل وينفق عليهما، ومن شعره، رحمه الله تعالى: كد كد العبد إن ... أحببت أن تحتسب حرا واقطع الآمال عن فضل ... بني آدم طرا

стр. 402

أنت ما استغنيت عن مثلك ... أعلى الناس قدرا أقام بمكة يفتي بها مدة، إلى أن توفي بها سنة سبع وأربعين وأربع مائة. سالم بن عبد الله أبو معمر الهروي، يعرف بغدلجة أي: تصغير غدل، ذكره أبو عاصم العبادي في طبقة الشيخ أبي محمد الجويني، وناصر، وشبههما، وذكره غيره، أنه كان يقال: إنه ما عبر جسر بغداد مثله، يعني: في زمانه، له كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة، ذكره ابن الصلاح. سليم بن أيوب بن سليم الفقيه أبو الفتح الرازي الشافعي الأديب المفسر نزيل الشام، تفقه بالشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وعلق عنه تعليقة، وروى عنه، وعن: أحمد بن محمد البصير، وأحمد بن محمد بن المحبر، وأحمد بن فارس اللغوي، وحمد بن عبد الله، ومحمد بن جعفر التميمي، ومحمد بن عبد الله الجعفي، وجماعة، وعنه جماعة منهم: الحافظ أبو بكر الخطيب، والفقيه نصر بن إبراهيم الفقيه، وبه تفقه: أبو نصر الطريثيثي، وسهل بن بشر الإسفراييني، وأبو القاسم بن علي بن إبراهيم

стр. 403

النسيب، وقال: هو ثقة، فقيه، مقرئ، محدث، وقال سهل بن بشر الإسفراييني: حدثني سليم الرازي، أنه كان في صغره بالري، وله نحو عشر سنين، فحضر بعض الشيوخ وهو يلقن، فقال لي: تقدم فاقرأ، فجهدت أن أقرأ الفاتحة، فلم أقدر على ذلك لانغلاق لساني، فقال لي: لك والدة؟ قلت: نعم، قال: قل لها تدعو لك أن يرزقك الله قراءة القرآن والعلم، قلت: نعم، فرجعت فسألتها الدعاء، فدعت لي، ثم إني كبرت، ودخلت بغداد، وقرأت بها العربية والفقه، وعدت إلى الري، فبينا أنا في الجامع، أقابل مختصر المزني، وإذا الشيخ قد حضر، وسلم علينا وهو لا يعرفني، فسمع مقابلتنا وهو لا يعلم ما نقول، ثم قال: متى يتعلم مثل هذا، فأردت أن أقول: إن كانت لك والدة قل لها تدعو لك فاستحييت منه، أو كما قال. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: بلغني أن سليما تفقه بعد أن جاوز الأربعين، قال: وقرأت بخط غيث الأمنازي، غرق سليم الفقيه في بحر القلزم، عند ساحل جدة بعد الحج، في صفر سنة سبع وأربعين وأربع مائة، وقد نيف على الثمانين، وكان فقيها مشارا إليه، صنف الكثير في الفقه، وغيره ودرس، وهو أول من نشر هذا العلم بصور، وانتفع به جماعة، منهم: الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، وحدث عنه أنه كان يحاسب نفسه، على الأنفاس، لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة، ﵀. طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر القاضي العلامة أبو الطيب الطبري من آمل طبرستان

стр. 404

أحد أئمة المذهب، وشيوخه المشاهير الكبار، سمع بجرجان من: أبي أحمد الغطريفي، وَفَاتَهُ أبو بكر الإسماعيلي، فإنه قدمها والإسماعيلي مريض، فبقى أياما ثم مات، قبل أن يسمع منه شيئا، وبنيسابور من: الفقيه أبي الحسن الماسرخسي، وتفقه عليه بها، وببغداد من: الحافظ أبي الحسن الدارقطني، وموسى بن عرفة، والمعافى بن زكريا، وعلي بن عمر الحربي، وغيرهم، وعنه: الحافظ أبو بكر الخطيب، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو محمد بن الأبنوسي، وخلق كثير، آخرهم موتا: القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، ﵀. قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: ومنهم: شيخنا، وأستاذنا أبو الطيب الطبري، توفي عن مائة وسنتين، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي، ويشهد، ويحضر المواكب إلى أن مات، تفقه بآمل على أبي علي الزجاجي صاحب ابن القاضي، وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي، وعلى القاضي أبي القاسم بن كج بجرجان، ثم ارتحل إلى نيسابور، وأدرك أبا الحسن الماسرخسي، وصحبه أربع سنين، ثم ارتحل إلى بغداد، وعلق عن أبي محمد البافي الخوارزمي صاحب الداركي، وحضر مجلس الشيخ أبي حامد، ولم أر ممن رأيت أكمل اجتهادا، وأشد تحقيقا، وأجود نظرا منه، شرح المزني، وصنف في الخلاف، والمذهب، والأصول، والجدل كتبا كثيرة ليس لأحد مثلها، ولازمت مجلسه بضعة عشر سنة، وَدَرَّسْتُ أصحابه في مجلسه سنين بإذنه، ورتبني في حلقته، وسألني أن أجلس في مجلسه

стр. 405

للتدريس، ففعلت في سنة ثلاثين وأربع مائة، أحسن الله عني جزاءه، ورضي عنه، وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: كان أبو الطيب ورعا، عارفا بالأصول والفروع، محققا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه، وعلقت عنه الفقه سنين، وقال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المؤدب، سمعت أبا محمد البافي، يقول: أبو الطيب الطبري، أفقه من أبي حامد الإسفراييني، وسمعت أبا محمد، يقول: أبو الطيب، أفقه من أبي محمد البافي، وقال القاضي أبو بكر بن بكر الشامي: قلت للقاضي أبي الطيب شيخنا، وقد عمر: لقد متعت بجوارحك أيها الشيخ، فقال: ولم لا، وما عصيت الله بواحدة منها قط، أو كما قال، وقال غير واحد: سمعنا أبا الطيب الطبري، يقول: رأيت النبي، ﷺ ، في النوم، فقلت: يا رسول الله، أرأيت من روى عنك أنك، قلت: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها» ، الحديث، أحق هو؟ قال: نعم، قلت: كان مولده ببلده آمل طبرستان، سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة، ثم رحل في طلب العلم إلى بلدان شتى، حتى استقر به المنزل ببغداد، فتفقه بها، وبرع، وساد، وأفتى، وصنف، وولي قضاء ربع الكرخ، بعد موت القاضي الصيمري، ولم يزل حاكما إلى أن مات بها، في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مائة، ﵀ وأكرمه. ومن مفرداته: أن خروج المني ينقض الوضوء، ومنها: أن صلاة الكافر في دار الحرب، يكون إسلاما، ومنها: لو فرقت صيعان صبرة، فباع واحدا منها مبهما، صح لانتفاء الغرر، قال النووي: والصحيح خلافه في الثلاثة. قَرَأْتُ عَلَى الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ، فَسَّحَ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكَ الإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ قُدَامَةَ، وَالشَّيْخُ السَّيِّدُ فَخْرُ الدِّينِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ الْمقدسيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: أنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ

стр. 406

بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ طَبَرْزَدَ، أنا الشَّيْخَانِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الْمَوَاهِبِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَلُوكٍ الْوَرَّاقُ، قَالا: أنا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيُّ، أنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ غِطْرِيفٍ، بِجُرْجَانَ، ثنا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى، إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان بن عبد السلام القاضي، أبو محمد الأصبهاني ويعرف بابن اللبان، أحد العلماء العباد من الشافعية، اشتغل في الفروع على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وفي الأصول والكلام على القاضي أبي بكر الباقلاني، وسمع الحديث من: أبي بكر المقرئ، وإبراهيم بن خرشيد قوله، وأبي طاهر المخلص، وأحمد بن فراس العبقسي، وغيرهم، وقرأ بالروايات، وروى عنه: الخطيب، وأبو علي الحداد، وقرأ عليه بالروايات جماعة، وأخذ عنه علم الكلام آخرون منهم: القاضي أبو يعلى بن الفراء، وأبو محمد التميمي، الحنبليان. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان ثقة، ولي قضاء إيذج، وله مصنفات كثيرة، وكان من أحسن الناس تلاوة

стр. 407

للقرآن، وحسن العبارة في المناظرة، مع تدين، وعبادة، وورع بين، وحسن خلق، وتقشف ظاهر، سمعته، يقول: حفظت القرآن، وأنا ابن خمس سنين، وأحضرت مجلس ابن المقرئ ولي أربع سنين، فتحدثوا في سماعي، فقال ابن المقرئ: اقرأ: والمرسلات فقرأتها، ولم أغلط فيها، فقال: اسمعوا له، والعهدة على، قال الخطيب: ولم أر أجود، ولا أحسن قراءة منه، مات بأصبهان، في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وأربع مائة. عبد الملك بن عبد الله بن محمود بن صهيب بن مسكين أبو الحسن المصري الفقيه الشافعي ويعرف أيضا بالزجاج، روى عن: أبيض بن محمد الفهري صاحب النسائي، وعبيد الله بن محمد بن أبي غالب البزار، وعلي بن الحسين الأنطاكي قاضي أذنة، وأبي بكر بن المهندس، وغيرهم، وروى عنه: الرازي في مشيخته المشهورة، مات في سنة سبع وأربعين وأربع مائة. عبد الله بن عبد الأعلى بن محمد بن هارون أبو القاسم الرقي، المعروف بابن الحراني أخذ الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وروى الحديث عن: ابن حبابة، والمخلص، وأبي حفص الكناني، وغيرهم، وكتب عنه الخطيب البغدادي، وقال: كان ثقة، قال: وسألته عن مولده، فقال: سنة

стр. 408

أربع وستين وثلاث مائة، قال: وكان دخولي بغداد سنة ست وثمانين. قال الخطيب: وبلغني أنه مات سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة، بالرحبة وكان قد سكنها. عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد أبو القاسم البزار، المعروف بالمنيري روى عنه الخطيب، وقال: كان صدوقا، فاضلا، فقيها، على مذهب الشافعي، ﵀، ذكره ابن الصلاح، وساق في ترجمته بسنده إلى الأوزاعي، حدثني عبد الله بن عامر، قال: أعطى داود، ﵇، من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط، حتى إن كان الطير الوحش لتعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا وإن الأنهار لتقف. عبد الجبار بن علي الأستاذ أبو القاسم الإسفراييني تلميذ الشيخ أبي إسحاق الإسفراييني، وشيخ إمام الحرمين في الكلام، له المصنفات في الأصلين، وفي الجدل، وهو الذي حكى عن شيخه الأستاذ أبي إسحاق، أنه قال: لو أن رجلا وطئ زوجته معتقدا أنها أجنبية، فعليه الحد، ذكره ابن الصلاح، ولم يؤرخ وفاته. علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر أبو القاسم

стр. 409

المعروف بابن المسلمة، الملقب برئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الورى، وزير القائم بأمر الله. قال الخطيب البغدادي: كان قد اجتمع فيه من الأصالة، ووفر العقل، وسداد المذهب، وحسن الاعتقاد، وذكر أنه كان قد اجتمع فيه فنون من الفقه، والقراءة، والعروض، وغير ذلك. صلبه البساسيري في ذي الحجة سنة خمسين وأربع مائة، وله من العمر ثلاث وخمسون سنة، ﵀، ذكره ابن الصلاح في الطبقات. علي بن محمد بن حبيب القاضي أبو الحسن الماوردي البصري أحد أصحاب الوجوه في المذهب، مؤلف الحاوي الكبير، الذي هو في المصنفات عديم النظير في بابه، وله التفسير، والأحكام السلطانية، وأدب الدين والدنيا، وغير ذلك من المصنفات النافعة، روى الحديث عن: الحسن بن علي الجبلي، صاحب أبي خليفة الجمحي، وعن خضر بن محمد بن الفضل، ومحمد بن عدي المنقري، ومحمد بن المعلى، وعنه جماعة منهم: الحافظ أبو بكر الخطيب، وقال: كان من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه، وغير ذلك، وكان ثقة، ولي القضاء ببلدان شتى، ثم سكن بغداد، وآخرهم موتا أبو

стр. 410

العز بن كادش. وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: ومنهم أقضي القضاة أبو الحسن الماورردي البصري، تفقه على أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وارتحل إلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، ودرس بالبصرة، وبغداد سنين كثيرة، وله مصنفات كثيرة في الفقه، والتفسير، وأصول الفقه، والأدب، وكان حافظا للمذهب، وقال ابن خيرون: وكان رجلا عظيم القدر، مقدما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحسان في كل فن من العلم، وذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في الطبقات، واتهمه بالاعتزال في بعض المسائل، بحسب ما فهمه عنه في تفسيره، في موافقة المعتزلة فيها، فالله أعلم، ثم روى عنه حديث: «هل أنت إلا أصبع دميت» ، وأثنى عليه القاضي ابن خلكان في الوفيات، وعلى مصنفاته، وذكر أنه لم يكن أبرز شيئا من مصنفاته في حياته، وإنما أوصى رجلا من أصحابه إذا حضره الموت أن يضع يده في يده، فإن رآه قبض على يده فلا يخرج من مصنفاته شيئا، وإن رآه بسط يده، أي علامة قبولها، فليخرجها، فبسطها، ولله الحمد والمنة، قال الخطيب، وغير واحد: توفي ببغداد، بعد موت القاضي أبي الطيب بأحد عشر يوما، في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مائة، عن ست وثمانين سنة، ﵀، قلت: لما قدم السلطان طغرلبك قربه، وأدناه، وحظي عنده، وأكرمه، ولما كتب في تقليد الملك شاهنشاه بتاريخ الفقهاء في جواز ذلك، فسوغه القاضي أبو الطيب، ومنع ذلك الماوردي، وما زاده ذلك من الملك إلا قربا وحظوة، وله اختيارات غريبة، ووجوه منقولة عنه، في الأصول، والفروع، وعلوم الحديث. محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الله القاضي أبو الفضل

стр. 411

السعدي البغدادي الفقيه الشافعي أحد تلامذة الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، ثم سكن مصر، وأملى، وأفاد، وسمع الحديث من: أبي بكر بن شاذان، وأبي طاهر المخلص، وابن جميع بصيدا، وجماعة. وسمع معجم الصحابة للبغوي من ابن بطة العكبري، وروى عنه: سهل بن بشر الإسفراييني، وعلي بن مكي الأزدي، ومحمد بن أحمد الرازي، وآخرون، وحدث عنه: الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، ومات قبله بنيف وثلاثين سنة، وتوفي في شعبان، وقيل: في شوال، سنة إحدى وأربعين وأربع مائة. محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عمر بن ميمون الإمام أبو الفرج الدارمي البغدادي نزيل دمشق، بعد ما أقام بالرحبة مدة، مصنف كتاب الاستذكار في المذهب، تفقه على أبي الحسين الأردبيلي، وعلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان إماما، بارعا، له وجه في المذهب، وسمع الحديث من: أبي عمرو بن حيويه، وأبي الحسين بن المظفر، وأبي بكر بن شاذان، وأبي الحسن الدارقطني، وجماعة، وعنه: أبو علي الأهوازي، وهو من أقرانه، وأبو طاهر محمد بن الحسين الجبائي، وعبد العزيز بن أحمد الكناني، والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، سمع منه بدمشق، وقال: هو أحد الفقهاء، موصوف

стр. 412

بالذكاء، وحسن الفقه، والحساب، والكلام في دقائق المسائل، وله شعر حسن. وقال الخطيب: حدثني أبو الفرج الدارمي: سمعت أبا عمرو بن حيويه، سمعت ابن سريج، وقد سئل عن القرد، فقال: هو طاهر هو طاهر، وقال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: كان فقيها، حاسبا، شاعرا، متصرفا، ما رأيت أفصح منه لهجة، قال لي: مرضت فعادني الشيخ أبو حامد الإسفراييني، فقلت: مرضت فارتحت إلى عائد ... فعادني العالم في واحد ذاك الإمام ابن أبي طاهر ... أحمد ذو الفضل أبو حامد مولده: سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة في شوال، وتوفي بدمشق ليلة الجمعة مستهل ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وأربع مائة، وشهده خلق كثير، ودفن بمقبرة باب الفراديس، ﵀، وقد ذكر الشيخ الإمام تقي الدين بن الصلاح، أنه وقف على كتاب الاستذكار، فأثنى عليه ثناء بليغا، لما فيه من الفرائد، والفوائد، والغرائب، والعجائب، مع الإيجاز، والاختصار. محمد بن عبد الواحد بن محمد أبو طاهر البغدادي البيع، المعروف بابن الصباغ وهو والد العلامة أبي نصر عبد السيد، صاحب الشامل، قال الخطيب: كان ثقة، درس الفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكانت له حلقة

стр. 413

الفتوى، وسمع الحديث من: ابن شاهين، وعلي بن العزيز بن مدرك، وأبي القاسم بن حبابة، وغيرهم، وكتبنا عنه، وكان ثقة، توفي في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وأربع مائة. منصور بن عمر بن علي الإمام أبو القاسم البغدادي الكرخي أحد فقهاء الشافعية، تفقه بالشيخ أبي حامد، وروى عن: أبي طاهر المخلص، وأبي القاسم الصيدلاني، وعنه: الخطيب البغدادي، وقال: هو من أهل كرخ جدان، وقال الشيخ أبو إسحاق الرازي في طبقات الشافعية: ومنهم شيخنا أبو القاسم منصور الكرخي، تفقه على أبي حامد الإسفراييني، وله عنه تعليقة، وله في المذهب كتاب الغنية، ودرس ببغداد، ومات في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وأربع مائة. ناصر بن الحسين بن محمد بن علي القرشي العمري أبو الفتح المروزي الفقيه الشافعي أحد أصحاب القفال، تفقه عليه بمرو، وبنيسابور على: أبي طاهر بن محمش، وأبي الطيب الصعلوكي، ودرس في حياتهما، وتفقه به خلق كثير منهم: البيهقي، وأبو إسحاق الجيلي، وكان عليه مدار الفتوى، والمناظرة، وكان فقيرا، قانعا باليسير، متواضعا، خيرا، وكان من أفراد

стр. 414

الأئمة، وقد جلس للتحديث، وأملى، وروى عن: أبي العباس السرخسي، وأبي محمد المخلدي، وأبي سعيد بن عبد الوهاب الرازي، وأبي محمد بن عبد الوهاب بن أبي سريج الأنصاري، وغيرهم، وروى عنه: إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، ومسعود بن ناصر السجزي، وأبو صالح المؤذن، وغيرهم، توفي بنيسابور، في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وأربع مائة.

стр. 415

إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الفيروزابادي، نسبة إلى بلد تسمى فيروزاباد، من بلاد شيراز، ولد سنة سبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة، وسمع الحديث من الحافظ أبي بكر البرقاني، وأبي علي بن شاذان، وأبي عبد الله الصوري الحافظ، وأبي الفرج محمد بن عبيد الله الخرجوشي الشيرازي وغيرهم، وروى عنه خلق منهم الحافظ أبو بكر الخطيب ومات قبله، والفقيه أبو الوليد الباجي، والإمام أبو عبد الله الحميدي، وأبو القاسم السمرقندي، وأبو البدر إبراهيم بن محمد الكرخي، ويوسف بن أيوب الهمداني، وأبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن عبد السلام، وحدث ببغداد وهمدان ونيسابور وغيرها من البلاد، ودرس أصول الكلام على أبي حاتم القزويني صاحب القاضي أبي بكر الباقلاني، وتفقه بفارس على أبي عبد الله بن البيضاوي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن رامين، وبالبصرة على الخرزي، وقرأ على أبي القاسم الداركي، ثم دخل بغداد سنة خمس عشرة وأربع مائة في شوالها، وقيل: سنة ثمانية عشر، فتفقه على الإمام أبي الطيب الطبري ولازمه، واشتهر به وأعاد عنده، ودرس بمسجد باب المراتب، قال ﵀: فكنت أعيد الدرس مائة مرة، وأعيد القياس ألف مرة، وإذا كان في المسألة شاهد من شعر العرب حفظت تلك القصيدة بكمالها، فلهذا برز ﵀ على أهل زمانه، وتقدم على ضربائه وأقرانه، وانتهت إليه رئاسة المذهب، إذ اختصر التنبيه وبسط المهذب مع الزهد والديانة والعفة والأمانة والبلاغة والفصاحة والرياضة والسماحة، وقد ذكر أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه، فقال له: يا شيخ، فكان يفرح، ويقول: سماني رسول الله ﷺ شيخًا. قال الحافظ أبو سعد السمعاني: كان الشيخ أبو إسحاق إمام الشافعية المدرس ببغداد في النظامية، شيخ الدهر وإمام العصر، رحل إليه الناس من الأمصار، وقصدوه من كل الجوانب والأقطار، وكان يجرى مجرى أبي العباس بن سريج، قال: وكان زاهدًا ورعًا متواضعًا ظريفًا كريمًا جوادًا سخيًا طلق الوجه دائم البشر، حسن المجالسة مليح المحاورة، وكان يحكي الحكايات الحسنة والأشعار المبتدعة المليحة، ويحفظ منها شيئًا كثيرًا، وكان يضرب به المثل في الفصاحة. وقال الإمام أبو سعد السمعاني: تفرد الإمام أبو إسحاق الشيرازي بالعلم الوافر كالبحر الزاخر، مع السيرة الجميلة والطريقة المرضية، جاءته الدنيا صاغرة، فأباها واطرحها وقلاها، قال: وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلاميذه وأشياعه، صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، كسا أصحاب الدين والإسلام أنجمًا وشهبًا. قلت: وممن أخذ عنه العلم الإمام العلامة أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، ذو الفنون، وقال: شهدت شيخنا أبا إسحاق لا يخرج شيئًا إلى فقير إلا أحضر إليه، ولا يتكلم في مسألة إلا قدم الاستعانة بالله ، وأخلص القصد في نصرة الحق، ولا صنف مسألة إلا بعد أن يصلي ركعتين، فلا حرم سماع اسمه، وانتشرت تصانيفه شرقًا وغربًا، لبركة إخلاصه. وحكى الحافظ أبو عبد الله بن النجار في تاريخه عن أبي بكر محمد بن أحمد بن الخاضبة، قال: سمعت بعض أصحاب الشيخ أبي إسحاق، قال: رأيت الشيخ يركع ركعتين عند فراغ كل فصل من المهذب، وقال أبو سعد السمعاني: سمعت الرئيس أبا الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب مذاكرة، يقول: كان عميد الدولة بن جهير الوزير كثيرًا ما يقول: الشيخ الإمام أبو إسحاق وحيد عصره فريد دهره مستجاب الدعوة، وكان الوزير أبو علي نظام الملك يثني عليه، ويقول: كيف حالي مع رجل لا يفرق بيني وبين نهروز الفراش في المخاطبة؟ قال لي: بارك الله فيك، وقال له لما صب عليه كذلك. وحكى السمعاني أن الشيخ ﵀ دخل إلى بعض المساجد، فأكل شيئًا ثم انصرف، وقد نسي فيه دينارًا، فلما رجع وجده، فأبى أن يأخذه، وقال: لعل هذا سقط من غيري، والذي نسيته أخذه آخذ، وحكى أنه ربما دخل هو وأصحابه إلى بعض المساجد ليأكلوا طعامًا، فيتركون منه مقدرًا جيدًا لمن يريده من الفقراء والمحاويج، وأنه بعث رجلًا يشتري له بقرصة شيئًا على قرصة أخرى، فلما جاء قال: لعله أشبه عليك القرصة التي وكلتك في الشراء بها بالأخرى، وأبى أن يأكله. وقال أبو سعد السمعاني: كان يتوسوس في الطهارة، سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: كان الشيخ أبو إسحاق يتوضأ في الشط فيغسل وجهه مرات، فقال له رجل: يا شيخ، أما تستحيي تغسل وجهك كذا وكذا مرة، فقال له: لو صح لي الثلاث ما زدت عليها، ونقل الشيخ أبو زكريا النواوي في أول شرح المهذب أنه كان يومًا يمشي ومعه بعض أصحابه، فعرض في الطريق كلب، فزجره صاحبه، فنهاه الشيخ، وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشتركة. وقال أبو سعد السمعاني: سمعت القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري، يقول: حملت فتوى إلى ذلك الشط لأستفتي الشيخ أبا إسحاق، فرأيته في الطريق وهو يمشي، فمضى إلى دكان الخباز أو بقال، فأخذ قلمه ودواته وكتب جوابه ومسح القلم في ثوبه وأعطاني الفتوى. وقال السمعاني: سمعت القاضي أبا بكر محمد بن القاسم الشهرزوري بالموصل يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا خطأ أحد بين يديه، وقال: أي سكتة فاتتك، قال: وسمعت محمد بن علي الخطيب، سمعت محمد بن محمد بن يوسف القاشاني بمرو، سمعت محمد بن عمر بن هانئ القاضي، يقول: إمامان ما اتفق لهما الحج أبو إسحاق والقاضي أبو عبد الله الدامغاني، أما أبو إسحاق فكان فقيرًا، ولكن لو أراد لحملوه على الأعناق، والدامغاني لو أراد الحج على السندس والإستبرق لأمكنه. قلت: أما فقر الشيخ فعذر واضح له في ترك الحج، فإنه كان متقللًا من الدنيا من مبتدئه إلى آخر عمره ﵀، فقد حكي عنه، أنه قال: كنت أشتهي ثريدًا بماء الباقلاء أيام اشتغالي، فما صح لي أكله لاشتغالي بالدرس وأخذي النوبة، وذكر السمعاني أنه قال: قال أصحابنا ببغداد: كان الشيخ أبو إسحاق إذا بقي مدة لا يأكل شيئًا صعد إلى النصرية وله فيها صديق، فكان يثرد له رغيفًا ويشربه بماء الباقلاء، فربما صعد إليه وقد فرغ، فيقول الشيخ أبو إسحاق: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] . وقال الفقيه أبو بكر الطرطوشي المالكي: أخبرني أبو العباس الجرجاني القاضي بالبصرة، قال: كان الشيخ أبو إسحاق لا يملك شيئًا من الدنيا، فبلغ به الفقر حتى لا يجد قوتًا ولا ملبسًا، ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة، فيقوم لنا نصف قومة، كي لا يظهر منه شيء من العري، وكنت أمشي معه، فتعلق به باقلاني، فقال: يا شيخ أفقرتني وكسرتني وأكلت رأس مالي، ادفع إلي ما عندك، فقلنا: وكم لك عنده؟ فقال: أظنه حبتين ذهبًا، أو حبتين ونصف، وذكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه قرئ بخط ابن الأنماطي، أنه وجد بخط أبي علي الحسن بن أحمد الكرماني الصوفي الذي غسل الشيخ أبا إسحاق، أنه سمعه، يقول: ولدت سنة تسعين وثلاث مائة، ودخلت بغداد سنة ثماني عشرة وأربع مائة، ومات ولم يترك درهما ولا عليه درهم، وكذلك كان يقضي عمره. قلت: هذا، وقد نال من رئاسة العلم مبلغًا كبيرًا، وعظم تعظيمًا زائدًا، وهو أول من درس في المدرسة النظامية ببغداد، بعد أن درس بها ابن الصباغ نحوًا من عشرين يومًا، وذلك أنه لما كملت وقد رسم أن يدرس بها الشيخ أبو إسحاق، واجتمع الناس بها خرج للدرس، فلقيه شهاب الدين، فقال: يا شيخ كيف يحل لك أن تدرس بمدرسة مغصوبة؟ فذهب وبقيت، فلما تعذر حصوله أحضر الإمام أبو نصر ابن الصباغ فدرس بها، فلما وصل الخبر إلى نظام الملك أبى ذلك، وأمر أن يدرس الشيخ أبو إسحاق، فقال: ما بنيناها إلا على اسمه، وتنصل مما نسب إلى المدرسة من الغصب، فدرس بها الشيخ إلى أن توفي. ولما ندبه الإمام المقتدر بأمر الله أمير المؤمنين للرسالة إلى البلاد الشرقية، وذلك في ذي الحجة من سنة خمس وسبعين وأربع مائة، ذكر أنه لما شاقه أمير المؤمنين بالرسالة، قال: وما ندري أنا بك أمير المؤمنين وأنا لم أرك قبل هذا قط؟ فتبسم وأعجبه ذلك وأحضر له من عرفه به، فلما خرج الشيخ في الرسالة خرج معه جماعة من أعيان أصحابه، قال السمعاني: لما خرج الشيخ أبو إسحاق إلى نيسابور خرج في صحبة جماعة من تلامذته كانوا أئمة الدنيا، كأبي بكر الشاشي، وأبي عبد الله الطبري، وأبي معاذ الأندلسي، والقاضي علي الميانجي، وأبي الفضل بن فتيان قاضي البصرة، وأبي الحسن الآمدي، وأبي القاسم الزنجاني، وأبي علي البارقي، وأبي العباس ابن الرطبي. قال السمعاني: وسمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق رسولًا إلى نيسابور تلقاه الناس لما قدم، وحمل الإمام أبو المعالي الجويني غاشية فرسه ومشى بين يديه، وقال: أنا أفتخر بهذا. قال السمعاني: وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلاميذه وأشياعه وأتباعه، وكفاهم بذلك فخرا. وحكي عن الشيخ أبي إسحاق، أنه قال: خرجت إلى خراسان فما دخلت بلدة ولا قرية إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها تلميذي أو من أصحابي. وذكر الحافظ ابن النجار أن الشيخ لما ورد بلاد العجم كان يخرج إليه أهلها بنسائهم وأولادهم، فيمسحون أردانهم، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، ولما وصل إلى ساوة خرج صوفياتها وفقهاؤها وشهودها، وكلهم أصحاب الشيخ يخدمونه، وكان كل واحد يسأله أن يحضر في بيته ويتبرك بدخوله وأكله، قال: وخرج جميع من كان في البلد من أهل الصناعات، ومعهم من الذين يتبعونه طرفا ينشرونه على محفته، وخرج الخبازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم ويدفعهم من حواليه ولا ينتهون، وخرج من بعدهم أصحاب الفاكهة والحلوى وغيرهم، وفعلوا كفعلهم، ولما بلغت النوبة إلى الأساكفة خرجوا وقد عملوا مداسات لطيفة للصغار ونثروها، فجعلت تقع على رءوس الناس، والشيخ أبو إسحاق يتعجب، فلما انتهوا بدأ يداعبنا ويقول: رأيتم النثار ما أحسنهم، أي شيء وصل إليكم منه، فنقول لعلمنا أن ذلك يعجبه: يا سيدي، وأنت أي شيء كان حظك منه، فيقول: أنا غطيت رأسي بالمحفة، قال: وخرج إلينا المتعبدات ومعهن السبح، فجعلن يلقين سبحهن إلى محفته ليلمسهن بيده، ليحصل لهن البركة، فجعل يمرهن على يديه، ويتبرك بهن ويقصد في حقهن ما قصدن في حقه، وقال شيرويه الديلمي في تاريخ همدان: أبو إسحاق الشيرازي إمام عصره، وقدم علينا رسولًا من أمير المؤمنين إلى السلطان ملك شاه، سمعت منه ببغداد وهمدان وكان ثقة فقيهًا زاهدًا في الدنيا على التحقيق أوحد زمانه. قلت: وقد اجتمع في رحلته هذه بإمام الحرمين لما ورد نيسابور كما تقدم، وحمل الغاشية بين يدي الشيخ، وقال: أنا أفتخر بهذا، ويقال: إنهما تناظرا، فعلاه الشيخ أبو إسحاق بالحجة لاقتداره على طريقة الجدل والبحث، هذا مع اتساع إمام الحرمين في العلم والفصاحة والخطابة والتحصيل، وكان الفقيه أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمداني حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي عزاء، وكان قبل سنة أربعين يعني وأربع مائة، فتكلم الشيخ أبو إسحاق فأجاد، فلما خرجنا قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رآه الشافعي لتجمل به. وقال الإمام أبو بكر الشاشي مصنف المستظهري، وهو تلميذ الشيخ أبي إسحاق: شيخنا أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر، وقال الموفق الحنفي: الشيخ أبو إسحاق أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء. وقال الحافظ أبو طاهر السلفي: سألت شجاعًا الذهلي عن أبي إسحاق، فقال: إمام أصحاب الشافعي، والمقدم عليهم في وقته ببغداد، وكان ثقة ورعًا صالحًا عالمًا بمعرفة الخلاف علمًا لا يشاركه فيه أحد. وقال الحافظ أبو سعد السمعاني: أنا أبو القاسم حيدر بن محمود الشيرازي بمرو، قال: سمعت الشيخ أبا إسحاق، قال: كنت نائمًا ببغداد، فرأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، فقلت: يا رسول الله، بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك خبرًا أشرف به في الدنيا، وأجعله ذخرة للآخرة، فقال: يا شيخ، وسماني شيخا، وخاطبني به، وكان يفرح بهذا، ثم قال: قل عني: من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره، وهذا المنام عليه لوائح الصدق، فإن الفقهاء لهجوا بتسمية الشيخ أبي إسحاق، ولما رواه في المنام شاهد في الصحيح، وهو قوله ﵇: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، أي: من أراد أن يسلم، فليسلم الناس منه، فإن الجزاء من جنس العمل. وقال السمعاني: رأيت بخط الشيخ أبي إسحاق رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم نسخة ما رآه الشيخ السيد أبو محمد عبد الله بن الحسن بن نصر المؤيدي رحمه الله تعالى رأيت في النوم سنة ثمان وستين وأربع مائة ليلة الجمعة أن أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي طول الله عمره في منامي يطير مع أصحابه في السماء الثالثة أو الرابعة، فتحيرت، وقلت في نفسي: هذا هو الشيخ الإمام مع أصحابه يطير، وأنا معهم استعظامًا لتلك الحال والرؤية. قلت: في هذه الفكرة إذ تلقى الشيخ ملك وسلم عليه من الرب ﵎، وقال له: إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول: ما الذي تدرس لأصحابك؟ فقال له الشيخ: أدرس ما نقل عن صاحب الشرع، فقال له الملك: فاقرأ علي شيئًا لأسمعه، فقرأ عليه الشيخ مسألة لا أذكرها، فاستمع إليه الملك وانصرف، وأخذ الشيخ يطير هو وأصحابه معه، فرجع ذلك الملك بعد ساعة، وقال للشيخ: إن الله يقول: الحق ما أنت عليه وأصحابك، فادخل الجنة معهم. وقال السمعاني: صنف الشيخ أبو إسحاق المهذب في المذهب والتنبيه، واللمع وشرحه، والمعونة في الجدل، والملخص وغير ذلك. قلت: صنف المهذب من تعليق الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وابتدأ في تصنيفه من سنة خمس وخمسين، وفرغه يوم الأحد سلخ رجب من سنة تسع وستين، فمكث في تصنيفه أربع عشرة سنة، وأما التنبيه فاختصر من طريقة الشيخ أبي الطيب الطبري شيخه، وله أيضًا النكت، والتبصرة، وطبقات الفقهاء، ومن كلامه الحسن: العلم لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالمًا ولا يكون عاملًا، ثم أنشد لنفسه ﵀: علمت ما حلل المولى وحرمه ... فاعمل بعلمك إن العلم للعمل وقال أيضًا: الجاهل بالعالم لم يقتد، فإذا كان العالم لا يعمل، فالجاهل ما يرجو من نفسه، فالله الله يا أولادي، نعوذ بالله من علم يصير حجة علينا، ومن شعره: أحب الكأس من غير المدام ... وألهو بالحسان بلا حرام وما حبي لفاحشة ولكن ... رأيت الحب أخلاق الكرام وله أيضًا: سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل وله أيضًا: تمسك إن ظفرت بود حر ... فإن الحر في الدنيا قليل وله أيضًا: حكيم رأى النجوم حقيقة ... ويذهب في أحجامها كل مذهب يخبر عن أفلاكها وبروجها ... وما عنده علم بما في المغيب يشير ﵀ إلى أن علم التفسير صحيح، وهكذا هو عند المحققين من علماء الهيئة، فأما علم الأحجام وهو المشهور بعلم التنجيم، فباطل والاشتغال به غير طائل. وذكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح أن الشيخ أبا إسحاق كان يقول من الشعر على البديهة ما يسنح له، وأنه قال يومًا لمرتب المدرسة النظامية يعني بعينها وكان رجلا حسنا، فقال على وجه البسط به: وشيخنا الشيخ أبو طاهر ... جمالنا في الشرف الظاهر ثم حكي أن أبا طاهر هذا طال عمره، وتأخرت مدته في المدرسة النظامية إلى سنة ثلاثين وخمس مائة، فعمر بعد الشيخ أبي إسحاق بضعا وخمسين سنة، وقد امتدح بشعر من أحسنه ما حكاه السمعاني عن الرئيس أبي الخطاب علي بن عبد الرحمن بن هارون بن الجراح ﵀: سقيًا لمن صنف التنبيه مختصرًا ... ألفاظه الغر واستقصى معانيه إن الإمام أبا إسحاق صنفه ... لله والدين لا للكبر والتيه رأى علومًا عن الأفهام شاردة ... فجازها ابن علي كلها فيه نصب الشرع إبراهيم منتصرًا ... يذود عنه أعاديه ويحميه وقال أبو الحسن علي بن فضال القيرواني: كتاب التنبيه ذا أم رياض ... أم لآلئ قلوبهن البياض جمع الحسن والمسائل طرا ... دخلت تحت كله الأبعاض قل طولًا وضاق عرضًا مداه ... وهو بعدد الطوال العراض وقال السلار العقيلي: كفاني إذا عن الحوادث صارم ... ينيلني المأمول بالإثر والأثر يقد ويفري في اللقاء كأنه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النظر وقال عاصم بن الحسن في الشيخ أبي إسحاق ﵀ ورضي عنه: تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضيره الجسم النحيل. توفي ﵀ ليلة الأحد، وقيل: يوم الأحد الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة، سنة ست وسبعين وأربع مائة ببغداد، فاجتمع بجنازته خلق عظيم، ويقال: إنه أول من صلى عليه أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله، ثم صلى عليه صاحبه أبو عبد الله الطبري، ودفن بباب أبرز ﵀، وقد رثاه الأستاذ القاسم عبد الله بن ناقياء بأبيات، منها: أجرى المدامع بالدم المهراق ... خطب أقام إقامة الآفاق خطب شجا منا القلوب بلوعة ... بين التراقي ما لها من راق ما للليالي لا يألف شملنا ... بعد ابن بجرتها أبي إسحاق إن قيل مات فلم يمت من ذكره ... حي على مر الليالي باق. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وجلس أصحابه لعزائه بالمدرسة النظامية، فلما انقضى العزاء رتب مؤيد الملك من نظام الملك أبا سعد المتولي مدرسًا، فلما وصل إلى نظام الملك باني المدرسة، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة من أجل الشيخ، وعاب على من تولى مكانه، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد ابن الصباغ مكانه. قلت: قد تقدم أن الشيخ أبا نصر درس فيها قبله، ثم صارت إليه بعده، إلى أن توفي سنة ثمان وسبعين، وكل من ابن الصباغ، والمتولي له وجه في المذهب، وليس للشيخ أبي إسحاق وجه في المذهب، وإنما له احتمال ولد إمام الحرمين والغزالي، وذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في طبقات أصحاب الأشعري، في آخر كتابه: تبيين كذب المفترى على أبي الحسن الأشعري، فقال: رأيت بخط بعض الثقات: ما قول السادة الفقهاء في قوم اجتمعوا على لعن الأشعرية وتكفيرهم؟ وما الذي يجب عليهم؟ أفتونا، فأجاب جماعة فمن ذلك: الأشعرية أعيان السنة، انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضية وغيرهم، فمن طعن فيهم، فقد طعن على أهل السنة، ويجب على الناظر في أمر المسلمين تأديبه بما يرتدع به كل أحد، وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي. قلت: أما طريقة الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري في الصفات بعد أن رجع عن الاعتزال، بل وبعد أن قدم بغداد، وأخذ عن أصحاب الحديث كزكريا الساجي وغيره، فإنها من أصح الطرق وللمذهب، فإنه يثبت الصفات العقلية والخبرية، ولا ينكر منها شيئًا، ولا يكيف منها شيئًا، وهذه طريقة السلف والأئمة من أهل السنة والجماعة، حشرنا الله في زمرتهم وأماتنا على اتباعهم ومحبتهم، إنه سميع الدعاء جواد كريم. وعلى هذا المنوال جرى الأئمة من أصحاب الأشعري، كأبي عبد الله بن مجاهد والقاضي أبي بكر الباقلاني وأضرابهم ﵏، ولنذكر شيئًا من روايتنا من طريقه ﵀. قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الإِمَامِ الْحَافِظِ الْحُجَّةِ، أَبِي الْحَجَّاجِ يُوسُفَ ابْنِ الزَّكِيِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ الْمِزِّيُّ، أنا الشَّيْخُ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبُخَارِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهَا، ثنا زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَسَنِ الأَشْعَرِيَّةُ، إِجَازَةً مِنْ نَيْسَابُورَ، أنا أَبُو سَعْدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ الأُسْتَاذِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ إِلَى الشَّيْخِ الْفَقِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الْفِيرُوزَابَاذِيِّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْبَرَّازُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ الْعَبَّادَانِيُّ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَازِنٍ الْغضُوبَةُ الطَّائِيُّ سَائِرًا سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهُ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» . هذا حديث صحيح متفق على صحته رواه البخاري في كتاب العلم، عن إسماعيل بن أوس عن مالك، عن هشام به، وأخرجه مسلم من حديث وكيع به، ومن طرق أخر عن اثني عشر رجلًا عن هشام به، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق أخر عنه به، فالحديث يجزم تواتره إلى هشام بن عروة، وهو أحد الأئمة الأثبات عن أبيه، وهو من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أحد عباد الصحابة ورابع العبادلة، وهم: ابن عباس وابن الزبير وعبد الله بن عمر وهو ﵃ أجمعين وَبِالإِسْنَادِ الْمُتَقَدَّمِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيِّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، ثنا عُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . هذا حديث حسن من هذا الوجه، رواه أبو داود في كتاب العلم عن موسى بن إسماعيل التبوذكي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن الحكم به، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمارة بن زاذان الصيدلاني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: وفي الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو. قلت: ورواه من وجوه أخر متعددة، والله أعلم وَقَرَأْتُ أيضًا عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ، قَالَ: أنا الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْوَاسِطِيُّ، خَطِيبُ كَفَرْسُوسِيَّةَ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، قَالَ: أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَاسوَيْهِ الْوَاسِطِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، قَالَ: أنا أَبُو الْخَيْرِ مَسْعُودُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ صَدَقَةَ بْنِ مُطَرِّزٍ الْخَبَّازُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْكَرَمِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَوْزِيُّ، إِمْلاءً بِالْجَامِعِ بِوَاسِطَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلْخَ شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ، قَالَ: أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، بِبَغْدَادَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْبَرْقَانِيُّ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَمِنْ جَمِيعِ سَخَطِكَ وَغَضَبِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلا، وَلَمْ يُخَرِّجْ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وقرأت أيضًا على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزني، أنا أبو الحسن ابن البخاري، وأحمد بن شيبان، قالا: أنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي، أنا الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن عمر بن أحمد السمرقندي، أنا إبراهيم بن علي الفيروزابادي الفقيه، ثنا القاضي أبو الطيب، وهو طاهر بن عبد الله الفقيه، ثنا القاضي أبو الفرج بن طرار، ثنا أبي، ثنا أبو أحمد الختلي، أنا عمر بن محمد بن الحكم النسائي، حدثني إبراهيم بن زيد النيسابوري، أن ليلى الأخيلية بعد موت توبة يعني ابن الحمير، وهو مجنونها تزوجت، ثم إن زوجها بعد ذلك مر بقبر توبة وليلى معه، فقال لها: يا ليلى، تعرفين هذا القبر؟ فقالت: لا، فقال: هذا قبرة توبة، فسلمي عليه، فقالت: امض لشأنك فما تريد من توبة وقد بليت عظامه، قال: أريد تكذيبه، أليس هو الذي يقول: ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني تربة وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح فوالله، لا برحت حتى تسلمي عليه، فقالت: السلام عليك يا توبة ورحمك الله وبارك لك فيما صرت إليه، فإذا طائر قد خرج من القبر حتى ضرب صدرها، فشهقت شهقة، فماتت فدفنت إلى جانب قبره، ونبتت على قبره شجرة، وعلى قبرها شجرة، فطالتا فالتقتا، هذه حكاية مشهورة، ولم أرها بإسناد إلا بهذا، والله أعلم. الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن العباس بن جعفر بن أبي جعفر المنصور العباسي أبو علي المكي الشافعي الحناط لأنه كان يبيع الحنطة، وكان آخر من بقي ببلاد الحجاز، وكان ثقة مأمونًا، روى عن أحمد بن إبراهيم بن فراس، وعبد الله بن أحمد السقطي وغيرهما، وعنه أبو المظفر السمعاني، وعبد المنعم القشيري، ومحمد بن طاهر، وطائفة من حجاج المغاربة، وثقه السمعاني في الأنساب، ومات سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة. قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْقُضَاعِيِّ الْمِزِّيِّ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكَ الشَّيْخُ الإِمَامُ بَقِيَّةُ الْمَشَايِخِ فَخْرِ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ الْمَقْدِسِيُّ، بِقِرَاءَتِكَ عَلَيْهِ، قَالَ: أنا الْقَاضِي الإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي أَسْعَدُ بْنُ أَبِي الْمُنَجَّا بْنِ بَرَكَاتٍ التَّنُوخِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّ مِائَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبَّاسِيُّ الْمَكِّيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ فِي

стр. 416

الطبقة السادسة من أصحاب الشافعي ﵏ ورضي عنه المرتبة الأولى منها من سنة إحدى وخمسين وأربع مائة إلى سنة ستين

стр. 417

ولكن يوزن للرجل في ذلك، لكنه سمع مصنفات عديدة، ومع هذا فاته أشياء، منها مسند الإمام، وسنن النسائي، وابن ماجه، وجامع الترمذي كل هذه ليست عنده إلا ما قل منها، وأعلى مشايخه إسنادًا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، وأعلمهم وأعلاهم منزلة الحاكم، وله مشايخ من الكبار كأبي طاهر بن محمش، وأبي بكر بن فورك، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر الحيري، وأبي علي الروذباري، وأبي زكريا المزكي، وغيرهم من أصحاب محمد بن يعقوب أبي العباس الأصم، وأخذ عنه جماعة كثيرون منهم: ابنه إسماعيل، وحفيده أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أبي بكر، وزاهر الشحامي، وأبو عبد الله الفراوي، وعبد الجبار بن محمد الخواري وغيرهم. وأخذ الفقه في مذهب الشافعي عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي وغيره، وبرع في المذهب وانتصر له، وصنف الكتب الفقهية، والحديثية المليحة المفيدة فمن ذلك: (نصوص الشافعي) ، وهو أول من جمعها، واحتج لها، و (مناقب الشافعي) ، و (مناقب أحمد بن حنبل) ، وكتاب (السنن الكبير) ، و (السنن الصغير) ، و (السنن والآثار) ، وهو على جادة المذهب والخلافات، وهو من الكتب الباهرة، و (دلائل النبوة) ، وهو من النافعات الشافيات، و (الأسماء والصفات) ، و (البعث والنشور) ، وكتاب (الاعتقاد) ، وكتاب (الدعوات الكبير) ، و (الصغير) ، وكتاب (الزهد) ، وكتاب (المدخل) ، وكتاب (الآداب) ، وكتاب (الترغيب والترهيب) ، وكتاب (الأسرى) ، وغير ذلك من المؤلفات الجامعة المفيدة، وقال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه، وقال عبد الغافر الفارسي: كان على

стр. 418

سيرة العلماء قانعا باليسير من الدنيا، مجملا في زهده وورعه، وذكر غيره أنه سرد الصوم ثلاثين سنة، كان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاث مائة، فسمع الذي سمع، ثم أقام في بلده بيهق لتصنيف كتبه، ثم إنه طلب إلى نيسابور لنشر العلم، فأجاب، وذلك في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، فاجتمع العلماء لقراءة تصانيفه، وسماع فوائده، فلم يزل كذلك حتى مات في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مائة بنيسابور، ونقل تابوته إلى بلده بيهق ﵀. وحكى الشيخ أبو عمرو في الطبقات عن البيهقي أنه قال: التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، وقراءة الفاتحة من واجباتها، وأما التكبيرات الثلاث، والدعاء للميت، فيحتمل وجهين، ثم قال ابن الصلاح: وهذا غريب جدا، ولم أجده في كتبه ولعله نقل عنه يعني لفظا. الحسن بن علي بن مكي بن إسرافيل بن حماد الإمام أبو علي الحمادي النسفي أحد الأعلام، كان على مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، رحل في طلب الحديث، وسمع بنيسابور من أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني، وإسماعيل بن محمد بن حاجب الكسائي، قال ابن السمعاني: وحدثنا عنه الحسين بن الخليل، مات سنة ستين وأربع مائة، وقد عمر دهرًا.

стр. 419

باي بن جعفر بن باي أبو منصور الجيلي وعن أبي الفضل بن خيرون أنه ضبطه بياءين متتاليتين من تحت، وقال أبو سعد السمعاني: باي حكاهما ابن الصلاح، والمشهور ما ذكرناه، سكن بغداد وأخذ عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان أحد مدرسي تلامذته بعده، وولي القضاء بباب الطاق، وحريم الخلافة، وكانت له حلقة بجامع المدينة، قال الخطيب البغدادي: روى عن أبي الحسن ابن الجندي، وأبي القاسم الصيدلاني، وعبد الرحمن بن عمر الخلال وغيرهم، وكتبنا عنه، وكان ثقة، ومات في أول المحرم سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة. علي بن حميد بن علي بن محمد بن حميد بن خالد أبو الحسن الذهلي إمام جامع همذان، وشيخ السنة بها، والمشار إليه في الورع والديانة، وأخذ عن القاضي يوسف بن أحمد ابن كج، وروى عنه الحديث، وعن خلق كثير منهم أبو بكر بن لال، وأبو عمر بن مهدي، وابن تركان، وعبد الرحمن بن أبي الليث، فقال شيرويه: حدثني عنه يوسف الخطيب، وعامة كهولنا، وكان صدوقًا ثقة أمينًا ورعًا جليل القدر محتشمًا عني بهذا الشأن، ولد سنة سبع وسبعين وثلاث مائة، ومات في

стр. 420

ثاني عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة بها، وقبره يزار رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عباد القاضي أبو عاصم العبادي الهروي الفقيه الشافعي أحد أعيان الأصحاب، روى الحديث عن أحمد بن محمد بن سهل القراب وغيره، وحدث عنه إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأخذ الفقه عن القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي بهراة، وعن القاضي أبي عمر البسطامي بنيسابور، ثم صار إمامًا دقيق النظر تنقل في النواحي، وصنف كتاب (المبسوط) ، وكتاب (الهادي) ، وكتاب (القاضي) ، وكتاب (المياه) ، وكتاب (الأطعمة) ، وكتاب (الزيادات) ، و (زيادات الزيادات) ، وله كتاب (طبقات الفقهاء) ، وأخذ عنه أبو سعد الهروي وغيره، ومات في شوال سنة ثمان وخمسين وأربع مائة عن ثلاث وثمانين سنة، قال أبو سعد السمعاني: كان إمامًا متثبتًا مناظرًا دقيق النظر سمع الكثير، وتفقه وصنف كتبًا في الفقه ﵀. محمد بن أحمد أبو عبد الله المروزي المعروف بالخضري نسبة إلى بعض أجداده، أحد أصحاب الوجوه من كبار تلامذة القفال، كان يضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلة النسيان، وكانت له معرفة بالحديث، وكان ثقة في نقله، وله في المذهب وجوه غريبة

стр. 421

يحكيها الخراسانيون، وقد نقل الخضري، عن الشافعي ﵀ أنه صحح دلالة الصبي في القبلة، ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي، فيمن مات في حدود سنة ستين وأربع مائة، قال: ومات وهو في عشر الثمانين. محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمرو بن أحمد القاضي أبو علي بن أبي عمرو الطوسي المعروف بالعراقي لطول مقامه ببغداد تفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وسمع منه الحديث، ومن القاضي أبي القاسم يوسف بن كج الدينوري، وأبي حاتم أحمد بن محمد الحاتمي، وأبي زكريا عبد الله بن أحمد البلاذري وغيرهم، وسمع منه جماعة منهم: الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني، وذكره في كتابه في الفقهاء، وقال: سمعته يقول: أقمت ببغداد إحدى عشرة سنة، كنت أختلف إلى أبي محمد البافي، ثم اختلفت عشر سنين إلى أبي حامد، فلما رجعت قصدت جرجان، فحضرت مجلس الإمام أبي سعد الإسماعيلي، وناظرت بين يديه، ثم دخلت نيسابور، وحضرت مجلس الإمام أبي الطيب الصعلوكي، وناظرت فيه ثم رجعت إلى وطني، قال الجرجاني: ودرس الفقه وولي القضاء إلى أن توفي، وكان حسن السيرة والعشرة، معظمًا عند كافة الناس، وله صيت بين العلماء، كتبت عنه بين يدي أبي عثمان الصابوني، أملى علينا بحضرته، وبنى مدرسته على باب جامع طابران، وله آثار بها، قال الجرجاني: وتوفي سنة تسع وخمسين وأربع مائة. محمد بن بيان بن محمد الكازروني الآمدي الفقيه

стр. 422

الشافعي سكن آمد وتفقه به جماعة، وروى عن أحمد بن الحسين بن سهل بن خليفة، والقاضي أبي عمر الهاشمي، وأبي الفتح بن أبي الفوارس، وابن رزقويه وغيرهم، ورحل إليه الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، فتفقه عليه، وروى عنه أيضًا، وإبراهيم بن فارس الأزدي، وأبو غانم بن عبد الرزاق المغربي، وعبد الله بن الحسن بن النحاس، قال ابن عساكر: وحدثني ضبة بن أحمد أنه لقيه وسمع منه، وكان قد قدم دمشق حاجًا، فحدث به وذكر ابن النجار، أن أبا علي الفارقي قرأ عليه القرآن، وأنه توفي سنة خمس وخمسين وأربع مائة. محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القاضي أبو عبد الله القضاعي الحاكم بالديار المصرية الشافعي، من أعيان الفقهاء والمحدثين والمصنفين، له كتاب (الشهاب) ، وهو مشهور، (تاريخ وأخبار الشافعي) ، ومعجم شيوخه، وقد روى عن جماعة كثيرين من الحفاظ وغيرهم، وحدث عنه الحافظ أبو بكر الخطيب، والحميدي مصنف الجمع بين الصحيحين، والأمير أبو نصر ابن ماكولا، وقال: كان متفننا في عدة علوم، ولم أر بمصر من يجري مجراه، وقال غيث الأرمنازي: وكان ينوب

стр. 423

في الحكم بمصر، وله تصانيف، وقال الحافظ أبو طاهر السلفي: كان من الثقات الأثبات شافعي المذهب والاعتقاد. محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين الإمام أبو سهل بن جمال الإسلام أبي محمد الموفق ابن القاضي العلامة أبي عمر البسطامي ثم النيسابوري ذكره عبد الغافر الفارسي، فقال: سلالة الإمامة، وقرة عين أصحاب الحديث، انتهت إليه رئاسة الشافعية بعد أبيه، فأجراها في أحسن مجرى، ووقعت في أيامه وقائع ومحن للأصحاب، وكان يقيم رسم التدريس، لكنه كان رئيسًا صيتًا ذكيًا قليل الكلام، ولد سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة، وسمع من مشايخ وقته بخراسان، والعراق مثل: البصروي، وأبي حسان المزكي، وأبي حفص بن مسرور، وكان بيتهم مجمع العلماء، وملتقى الأئمة، وذكر أنه وقع في حق الأشعرية في ذلك الزمان ما وقع بسبب تعنت المعتزلة بهم عند الدولة، رسم بالقبض على الرئيس الفراتي، وأبي القاسم القشيري، وأبي المعالي الجويني يعني إمام الحرمين، وأبي سهل بن الموفق، ومنعهم من المحافل، وكان أبو سهل غائبًا ببعض النواحي، فلما حضر استعان بأعوانه وحشدته، وناهض نائب البلد، وقوي عليه وهزم أصحابة، وأخرج الفراتي، والقشيري من سجنه ثم سار إلى السلطان طغرلبك، فرسم بسجنه، فسجنه شهرًا وأخذت ضياعه، وأملاكه ثم بعد ذلك أفرج عنه، وعوض عما أخذ منه، ثم حظي عند السلطان، وحسن حاله، وأذن له في الرجوع على خراسان، فلما مات طغرلبك، وقام بعده ولده ألب رسلان كانت له عنده منزلة ووجاهة زائدة، وحرمة وافرة،

стр. 424

وهم أن يستوزره، فسعى في إهلاكه، فقتل، فحمل تابوته إلى نيسابور، وناحوا عليه مدة بعد مدة، وأظهر الناس عليه الجزع والأسف سرًا، وكانت مراثيه تقال في الأسواق، وذلك سنة ست وخمسين وأربع مائة. محمود بن الحسن العلامة أبو حاتم القزويني الطبري الفقيه المتكلم أحد أعيان الشافعية، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: ومنهم شيخنا أبو حاتم المعروف بالقزويني، تفقه بآمل على شيوخ البلد، ثم قدم بغداد، وحضر مجلس الشيخ أبي حامد، ودرس الفرائض على ابن اللبان، وأصول الفقه على القاضي أبي بكر الأشعري، وكان حافظًا للمذهب والخلاف، وصنف كتبًا كثيرة في الخلاف والأصول والمذهب، ودرس ببغداد وآمل، ومات بها، ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعت به، وبأبي الطيب الطبري ذكره شيخنا الذهبي، فيمن مات تقريبًا في حدود سنة ستين وأربع مائة، قال السلفي: ثنا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الْقَزْوِينيُّ، إِمْلاءً بِمَكَّة، أنا أَبِي، بِآمُلَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ النَّابُلُسِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، أنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»

стр. 425

المرتبة الثانية من الطبقة السادسة من أصحاب الشافعي ﵁ فيها من سنة ستين وأربع مائة إلى سنة سبعين
следующие страницы →