Полный текст (907 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قدم الشافعي، ﵁، من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار في منديل، فضرب خباءه في موضع خارجا من مكة، وكان الناس يأتونه فيه، فما برحت حتى ذهبت كلها، قال البيهقي: وقال غيره، عن الربيع، في هذه الحكاية، وفرق المال كله في قريش، ثم دخل مكة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: كان الشافعي، ﵁، أسخى الناس بما يجد، وكان يمر بنا: فإن وجدني، وإلا قال: قولوا لمحمد، إذا جاء يأتي المنزل، فإني لست أتغدى حتى يجيء، فربما جئته، فإذا قعدت معه على الغداء، قال: يا جارية اضربي لنا فالوذج، فلا تزال المائدة بين يديه حتى يفرغ منه ويتغدى، وقال داود بن علي الظاهري: حدثنا أبو ثور، قال: كان الشافعي، ﵁، من أجود الناس وأسمحهم كفا، كان يشتري الجارية الصناع، التي تطبخ وتعمل الحلواء، ويشترط عليها هو أن لا يقربها، لأنه كان عليلا لا يمكنه أن يقرب النساء في وقته
لباسور كان به، ويقول لنا: تشهوا ما أحببتم، فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون، قال: فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي لنا اليوم كذا وكذا، فكنا نحن الذين نأمرها بما نريد، وهو مسرور بذلك.
وروى أبو القاسم بن عساكر بإسناده، عن أبي جعفر أحمد بن
стр. 37
الحسن المعدل، قال: أنشدت للشافعي، ﵁:
يا لهف نفسي على مال أجود به ... على المقلين من أهل المروءات
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما لست أملك إحدى المصيبات
وعنه قال: ما تقرب إلى الله بعد الفرائض، أفضل من طلب العلم، وقال الربيع: قال لنا الشافعي، ﵁: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
وقال أبو ثور: قال الشافعي، ﵁: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه، وقال: ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القلة.
وعنه قال: ما كذبت قط، ولا حلفت بالله صادقا ولا كاذبا، ولا تركت غسل الجمعة في حر، ولا برد، ولا سفر، ولا غيره، وقال: طلب فضول الدنيا عقوبة، عاقب الله بها أهل التوحيد، وعنه: أنه كان يستصحب في مشيه العصا، فقيل له في ذلك، فقال: لأذكر أني مسافر من الدنيا، وقال سياسة الناس أشد من سياسة الدواب.
وقال: لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته إلا حارا، وقال: أهل المروءة في جهد، وقال، ليس بأخيك من احتجت إلى مدارته، وقال: من صدق في أخوة أخيه، قبل علله، وسد خلله، وغفر زللَه.
وقال: من علامة الصدق أن تكون لصديق صديقك صديقا، وقال: ليس سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا هم يعدل فراقهم، وقال: لا تقصر في حق أخيك، اعتمادا على مودته، وقال: لا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ردك.
стр. 38
وقال: من وعظ أخاه سرا: فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
وقال: من سام بنفسه فوق ما يساوي، رده الله إلى قيمته، وقال: التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام.
وقال: أرفع الناس قدرا: من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلا ما لا يرى فضله.
وقال: الشفاعات زكاة المروءات، وقال: إذا كثرت الحوائج فابدأ بأهمها، وقال: من كتم سره كانت الخيرة في يده، وهذه نبذه مختصرة محذوفة الأسانيد، لتخف على الأسماع، والله أعلم.
ومن معرفته بالفراسة: ما تقدم من خبر الذي ضيفه لما رجع من اليمن، وما جرى له معه، ووافق ما تفرس فيه الشافعي، ﵀.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، عن الربيع بن سليمان، قال: اشتريت للشافعي، ﵁، طيبا بدينار، فقال: ممن اشتريت؟ فقلت: من ذلك الأشقر الأزرق، قال: أشقر أزرق، رده، رده، ما جاءني خير قط من أشقر.
قال: وأخبرني أبي، حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: احذر: الأعور، والأحول , والأحدب , والأشقر، والكوسج، وكل من به عاهة في بدنه، وكل ناقص الخلق، فاحذره: فإنه صاحب التواء ومعاملة عسرة.
وقال الشافعي ﵁: فإنهم أصحاب خبث.
قال ابن أبي حاتم: إنما يعني: إذا كانت ولادتهم بهذه الحالة، فأما من حدث فيه هذه العلل، وكان في الأصل صحيح التركيب، لم تضر مخالطته.
стр. 39
وقال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم، أخبرنا أبو نصر الخطيب، حدثنا أبو بكر بن أبي الحديد، حدثنا محمد بن بشر الزنبري، سمعت الربيع، يقول: كنت عند الشافعي، ﵁، أنا، والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه وخذله، وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد، قال الربيع: فدخلت على البويطي في أيام المحنة، فرأيته مقيدا إلى أنصاف ساقيه، مغلولة، يعني: يديه، إلى عنقه، قال: وسمعت الربيع، يقول: كنت في الحلقة، إذ جاءه، يعني: الشافعي، رجل سأله عن مسألة، فقال له الشافعي: أنت نساج؟
فقال: عندي أجراء، وقد روى عنه أشياء تدل على تبحره في علم الطب، فعنه أنه قال: عجبت لمن يدخل الحمام، ثم لا يأكل من ساعته، كيف يعيش، وعجبا لمن يحتجم، ثم يأكل من ساعته كيف يعيش؟ وقال: من أكل الأترج ثم نام، لم آمن عليه أن تصيبه ذبحة، وعنه قال: ثلاثة أشياء دواء من لا دواء له، وأعيت الأطباء مداواته: العنب، ولبن اللقاح، وقصب السكر، ولولا قصب السكر ما أقمتم ببلدكم، رواه الربيع المصري عنه، وعنه قال: عجبا لمن تعشى البيض المسلوق،
стр. 40
ثم نام كيف لا يموت، وعنه قال: الفول يزيد في الدماغ، والدماغ يزيد في العقل، وعنه قال: لم أر للوباء مثل دهن البنفسج، يدهن به
ويشرب، وعنه قال: كان غلامي أعشى لا يبصر باب الدار، فأخذت له زيادة الكبد فكحلته بها فأبصر، وقال صالح جزرة: عن الربيع، قال الشافعي، ﵁: لا أعلم بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه.
وقال حرملة: كان الشافعي، ﵁، يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى.
ومن كلامه الحسن ومواعظه وشعره: قال يونس بن عبد الأعلى، قال لي الشافعي، ﵁: ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فعليك بما فيه صلاحك فالزمه.
وقال الشافعي أيضا: إن لم يكن العلماء العاملون أولياء الله، فلا أعلم لله وليا.
وقال يونس بن عبد الأعلى: قلت للشافعي، ﵁: إن صاحبنا، يعني: الليث بن سعد، كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال: قصر ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
وعن الشافعي، ﵁، أنه قال: أقدر الفقهاء على المناظرة، من عود لسانه على الركض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقته العيون واللألحاظ، وعنه أنه قال: بئس الزاد إلى المعاد: العدوان على العباد، وعنه قال: العالم يسأل عما يعلم وما لا يعلم، فيستثبت ما يعلم، ويتعلم ما لا يعلم، والجاهل يغضب من التعليم، ويأنف من التعلم.
وعنه قال: ضياع الجاهل قلة عقله، وضياع العالم قلة إخوانه، وأضيع منهما من آخى من لا عقل له، وعنه قال:
стр. 41
من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان، وعنه قال: إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب فحينئذ يصغر عندك عملك، وعنه قال: آلات الرسالة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وإهداء النصيحة، وأداء الأمانة، وعنه قال: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم.
قال الحافظ البيهقي: أخبرنا الحاكم، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المؤذن، سمعت محمد بن عيسى الزاهد، يقول، فيما بلغنا: إن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن، فجزع عليه جزعا شديدا، حتى امتنع من الطعام والشراب، فبلغ ذلك محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، فكتب إليه: أما بعد، فعز نفسك بما تعزى به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمض المصائب فقد سرور مع حرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر؟ فأقول:
إني معزيك لا أني على ثقة ... من الخلود ولكن سنة الدين
فما المعزى بباق بعد صاحبه ... ولا المعزى ولو عاشا إلى حين
قال: فكانوا يتهادونه بينهم بالبصرة.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحسين
стр. 42
بن محمد بن فنجويه الدينوري، بالدامغان، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا محمد بن إبراهيم الفانجاني الأصبهاني، حدثنا عمر بن عبد الله الخبازي، أخبرني محمد بن سهل، حدثني الربيع: سمعت الشافعي، ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت، ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفي عليه يغيب
غفلنا لعمر الله حتى تداركت ... علينا ذنوب بعدهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ... ويأذن في توباتنا فنتوب
وروى ابن عساكر بسنده، عن المزني: أنشدنا الشافعي، ﵀، لنفسه:
لا تأس في الدنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافيه
إن فات شيء كنت تدعي له ... ففيهما من فائت كافيه
رواه أبو داود منفردا به عن سليمان بن داود المهري عن ابن وهب به.
وروى أبو علي الحسن بن الحسين الهمداني، المعروف بابن
стр. 43
حمكان، وهو ضعيف بسنده، عن المزني، قال: أنشدنا الشافعي، ﵀:
الليل شيب والنهار كلاهما ... رأسي لكثرة ما تدور رحاهما
يتناهبان لحومنا ودماءنا ... نهبا علانية ونحن نراهما
قال: وأنشدنا الزبير بن عبد الواحد، أنشدنا ابن حوصا، بدمشق، للشافعي، ﵁:
أمت مطامعي فأرحت نفسي ... فإن النفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتا ... ففي إحيائه عرض مصون
إذا طمع يحل بقلب عبد ... علته مهانة وعلاه هون
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ: سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب المأموني، سمعت أبا عمرو الزاهد، ينشد للشافعي، ﵁:
وإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدق
стр. 44
وإذا سمعت بأن محروما أتى ... ماء ليشربه فغاض فحقق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقد رواه ابن عساكر بإسناده، عن ابن خالويه النحوي، قال: حدثونا عن العباس بن الأزرق، قال: دخلت على أبي عبد الله محمد بن إدريس فذكر مصر، ثم قال: فقال الشافعي، ﵁:
إن الذي رزق اليسار فلم يصب ... حمدا ولا أجرا لغير موفق
فالجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق
وإذا سمعت بأن محروما أتى ... ماء ليشربه فغاض فحقق
وإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدق
وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلي بعيش ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقال الأستاذ أبو منصور التميمي البغدادي: أنشدنا عبد الله بن عمر المالكي، أنشدني أبي، قال: أنشدني يونس بن عبد الأعلى، للشافعي، ﵁:
ما حك جلدك مثل ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك
وإذا قصدت لحاجة ... فاقصد لمعترف بقدرك
стр. 45
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنشدنا أبو الحسين علي بن أحمد بن أسد الأديب، أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد الكوفي، أنشدني علي بن محمد العلوي الحماني، للشافعي، ﵁، ورحمه:
وذي حسد يغتابني حيث لا يرى ... مكاني ويثني صالحا حين أسمع
تورعت أن أغتابه من ورائه ... وما هو إذ يغتابني يتورع
قال القاضي أبو عمر محمد بن الحسين بن محمد البسطامي: ثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ، أنا الكازروني، ثنا أبو إسماعيل إبراهيم بن محمد الأصبهاني، ثنا أبو العباس الأبيوردي، قال: خرج الشافعي، ﵁، إلى اليمن، إلى ابن عم له، فبره ببر غير طائل، فكتب إليه الشافعي، ﵁:
أتاني بريد منك في غير كنهه ... كأنك عن بري بذاك تحيد
لسانك هش بالنوال ولا أرى ... يمينك إذ جاد اللسان تجود
إذا كان ذو القربى لديك مبعدا ... ونال الندى من كان منك بعيد
стр. 46
تفرق عنك الأقربون لشأنهم ... وأشفقت أن تبقى وأنت وحيد
وأصبحت بين الحمد والذم واقفا ... فيا ليت شعري أي ذاك تريد
قال: فكتب إليه ابن عمه أن خذ هذه خمس مائة دينار وخمس مائة درهم فاصرفها في نفقتك، وخمسة أثواب من عصب اليمن فاجعلها في عيبتك ونجيب فاركبه.
وقال أبو العباس المبرد: دخل رجل على الشافعي، ﵁، فقال: إن أصحاب أبي حنيفة، ﵀، لفصحاء فأنشأ الشافعي، ﵁، يقول:
فلولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد
وأشجع في الوغي من كل ليث ... وآل مهلب وأبي يزيد
ولولا خشية الرحمن ربي ... حسبت الناس كلهم عبيدي
стр. 47
فصل في رحلة الإمام الشافعي، ﵁، إلى الديار المصرية، ووفاته بها
قد تقدم أنه، ﵀، قدم العراق ثلاث مرات، الأولى في سنة أربع وثمانين ومائة، وذلك بسبب مرافعة نائب اليمن فيه، وفي أقوام معه، فدخل الشافعي، ﵁، على الرشيد مقيدا في الحديد، فلم يزل يخاطبه حتى تبين براءته مما نسب إليه من التشيع والخروج مع أهل البيت، وكان قد قذفه بذلك بعض الجهلة لحاله وإمامته، ثم أحسن إليه الرشيد وأطلق له قريبا من خمسة آلاف دينار كما تقدم، ثم رجع إلى الحجاز، ثم عاد إلى بغداد في سنة خمس وتسعين فاجتمع بأحمد بن حنبل، وأضرابه في ذلك الزمان، ثم عاد إلى الحجاز، وقد اشتهر ذكره ببغداد وغيرها، ثم رجع إليها في سنة ثمان وتسعين،
ثم حسن في رأيه المصير إلى الديار المصرية فسافر إليها على طريق الشام، ويقال: إنه اجتاز بحران وأنه دخل بيت المقدس، وأما دمشق فلم أر أحدا ذكر أنه وردها، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر مع تحريره، وكثرة إطلاعه، ترجم للشافعي، ﵁، في التاريخ لمروره في الشام إلى الديار المصرية، ولم يقع له أنه دخل دمشق وهذا عجيب، وقد زعم أنه دخل مصر مرتين، المرة الأولى على طريق الشام من العراق أيام محمد بن الحسن، والثانية من مكة صحبه عبد الله بن الزبير الحميدي، وفي هذا نظر، والله أعلم، وإنما حمله على هذا ما رواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي
стр. 48
حاتم: ثنا أبو بشر
بن أحمد بن حماد في طريق مصر، ثنا أبو بكر بن إدريس، سمعت الحميدي، يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة، فقال لي ذات يوم، أو ذات ليلة: هاهنا رجل من قريش له بيان ومعرفه، فقلت له: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم يزل بي حتى اجترني إليه، وكان الشافعي، ﵁، قبالة الميزاب فجلسنا إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه، وكان ذلك مني بالقرشية، يعني: معنى الحسد، وقال أحمد: فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش تكون له هذه المعرفة، وهذا
البيان، أو نحو هذا من القول، تمر مائة مسألة يخطئ خمسا، أو عشرا، اترك ما أخطأ، وخذ ما أصاب، قال: فكأن كلامه وقع في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه، فلم يزل يقدم مجلس الشافعي، ﵁، حتى كان لا يقرب مجلس سفيان، قال: وخرجت مع الشافعي إلى مصر، وكان هو شاركنا في العلو ونحن في الأوسط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح، فأصيح: يا غلام، فيسمع صوتي، فيقول: بحقي عليك ارق، فأرقي، فإذا قرطاس ودواة، فأقول فيه: يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث، أو مسألة، فخفت أن يذهب علي، فأمرت بالمصباح وكتبته.
قلت: صنف كتبه الجديدة كلها بمصر، في مدة نحو خمس سنين، ﵀، ورضي عنه.
وقال ابن أبي الدنيا: سمعت أبا سعيد أحمد بن عبد الله بن قنبل، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: قلت بيتين من الشعر:
стр. 49
أرى دائما نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها أرض المفاوز والقفر
فوالله ما أدري إلى الخفض والغنى ... أساق إليها أم أساق إلى القبر
قال أبو سعيد: فسيق والله إليهما جميعا، ﵀، ورضي عنه، وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أنا أبو نعيم، ثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي، سمعت إبراهيم بن علي بن عبد الرحيم، بالموصل، يحكى عن الربيع، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول في قصة ذكرها:
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها أرض المهامة والقفر
فوالله ما أدري أللفوز والغنى ... أساق إليها أم أساق إلى قبري
قال: فوالله ما كان بعد قليل حتى سيق إليهما جميعا، ﵀، ورضي عنه.
وقال حرملة بن يحيى: قدم علينا الشافعي سنة تسع وتسعين ومائة ومات سنة تسع وتسعين ومائة ومات سنة أربع ومائتين عندنا بمصر، وقال أبو عبد الله بن منده: حدثت عن الربيع: سمعت
стр. 50
أشهب بن عبد العزيز وهو ساجد يدعو على الشافعي، يقول: اللهم أمت الشافعي ولا تذهب علم مالك، فبلغ الشافعي فتبسم وأنشأ، يقول:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن مت ما الداعي على بمخلد
وقد رواها ابن حمكان من غير هذا الوجه، وقد مات الشافعي فلم يتأخر بعده أشهب إلا سبعة عشر يوما، رحمهما الله، وقال أحمد بن خزيمة: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني، يقول: دخلت على محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، في مرضه الذي مات فيه، فقلت: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ قال: فرفع رأسه، وقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء فعالي ملاقيا، وعلى الله واردا، ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ، يقول:
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا من نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ... ربي كان عفوك أعظما
стр. 51
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما
فإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما
فلولاك لم يغو بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما
وإني لآتي الذنب أعلم قدره ... وأعلم أن الله يعفو ترحما
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنا أبو الفضل محمد بن حمزة بن إبراهيم الفزاري، أنا والدي الشيخ العالم أبو يعلى حمزة بن إبراهيم، ثنا الشيخ إسماعيل بن موسى النفيلي، ثنا الشيخ أبو بكر محمد بن نصر، ثنا أبو محمد بن أحمد الخطيب، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن شاكر، يعني: في كتابه مناقب الشافعي، وقال: سمعت المزني، قال: دخلت على الشافعي، ﵁، عند وفاته، فقلت له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، وبكأس المنية شاربا، وعلى الله ورادا، ولسوء أعمالي ملاقيا، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنيها، أو إلى
النار فأعزيها، فقلت: عظني، فقال لي: اتق الله، ومثِّل الآخرة في قلبك، واجعل الموت نصب عينيك، ولا تنس موقفك بين يدي الله، وكن من الله على وَجَلٍ، واجتنب محارمه، وأد فرائضه، وكن مع الله حيث كنت، ولا تستصغرن نعم الله عليك، وإن قَلَتِ، وقابلها بالشكر، وليكن صمتك تفكرا، وكلامك ذكرا، ونظرك عبرة، واعف عمن
стр. 52
ظلمك، وصل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعذ بالله من النار بالتقوى، فقلت: زدني، فقال: ليكن الصدق لسانك، والوفاء عمادك، والرحمة ثمرتك، والشكر طهارتك، والحق تجارتك، والتودد زينتك، والكياسة فطنتك، والطاعة معيشتك، والرضا
أمانتك، والفهم بصيرتك، والرجاء اصطبارك، والحق جلبابك، والصدقة حرزك، والزكاة حصنك، والحياء أميرك، والحلم وزيرك، والتوكل درعك، والدنيا سجنك، والفقر ضجيعك، والحق قائدك، والحج والجهاد بغيتك، والقرآن محدثك، والله مؤنسك، فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته، ثم رمى بطرفه نحو السماء، واستعبر وأنشأ، يقول:
إليك إله الحق أرفع رغبتي ... وإن كنت يا ذا المن والجود مجرما
فلما قسى قلبي، وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلت ذا عفو عن الذنب ... لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما
فلولاك ما يغوى بإبليس عابد ... فكيف، وقد أغوى صفيك آدما
فإن تعف عني تعف عن متمرد ... ظلوم غشوم ما يزايل مأثما
وإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما
وجرمي عظيم من قديم وحادث ... وعفوك يا ذا العفو أعلى، وأجسما
стр. 53
وهذا سياق غريب جدا، وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ما لقيت أحدا لقي من السقم ما لقي الشافعي، فدخلت عليه، فقال لي: يا أبا موسى، اقرأ على ما بعد العشرين والمائة من آل عمران وأخف القراءة، ولا تثقل، فقرأت عليه فلما أردت القيام، قال: لا تغفل عني فإني مكروب، قال يونس: عني الشافعي بقراءتي ما بعد العشرين والمائة، ما لقي النبي، ﷺ ، وأصحابه، ﵃، أو نحوه.
وقال البيهقي: أنا عبد الله الحافظ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان المرادي، يقول: دخلت على الشافعي، وهو مريض، فسألني عن أصحابنا؟ فقلت له: إنهم يتكلمون، فقال لي الشافعي: ﵃، ما ناظرت أحدا قط على الغلبة، وبودي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب، يعني: كتبه، على أن لا ينسب إلى منه شيء، قال هذا الكلام يوم الأحد، ومات هو يوم الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين، قال: وسئل الربيع عن سن الشافعي، فقال: نيف وخمسون سنة، قال البيهقي: وقيل توفي يوم الجمعة، وقال ابن أبي حاتم، ثنا
الربيع بن سليمان المصري، ثنا أبو الليث الخفاف، وكان معدلا عند القضاة، ثنا العزيزي، وكان متعبدا، قال: رأيت ليلة مات الشافعي في المنام كأنه، يقال: مات النبي، ﷺ ، في هذه الليلة , وكأني رأيته يغسل في بيت عبد الرحمن الزهري، في مسجد الجامع، وكان يقال لي: يخرج به العصر، فأصبحت فقيل لي: مات الشافعي،
стр. 54
وقيل: نخرج به بعد الجمعة، فقلت الذي رأيت في المنام، قيل لي: يخرج بعد العصر، وكأني رأيت في النوم حين أخرج به كان معه سرير امرأة رثة السرير، فأرسل أمير مصر ألا يخرج به إلا بعد العصر، فحبس إلى بعد العصر، قال العزيزي: فشهدت جنازته فلما صرت
إلى الموضع الواسع، رأيت سريرا مثل سرير تلك المرأة رثة السرير مع سريره، قال الربيع: توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة بعد ما صلى المغرب، آخر يوم في رجب، ودفناه يوم الجمعة، وانصرفنا، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين، وهكذا قال غير واحد في تاريخ وفاته، أنه سنه أربع ومائتين، وقد تقدم أنه ولد سنة خمسين ومائة فيكون عمره يوم مات أربعا وخمسين سنة، ﵀، ورضي عنه، وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي، قرأت على قبر محمد بن إدريس الشافعي، بمصر على لوحين من حجارة، أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، نسبته إلى إبراهيم الخليل، صلى الله عليه وعلى نبينا
وسلم، هذا قبر محمد بن إدريس، الشافعي، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن صلاته، ونسكه، ومحياه، ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمر، وهو من المسلمين، عليه حيّ، وعليه مات، وعليه يبعث حيا، إن شاء الله، وتوفي أبو عبد الله ليوم بقي من رجب سنة أربع ومائتين.
قلت: وكان من صفته الظاهرة، ﵀، ورضي عنه، أنه كان طويلا، جسيما، نبيلا، خفيف العارضين، وكان يخضب، خلافا للشيعة، وكان مهيبا، ﵁، قال ابن خزيمة: سمعت الربيع، يقول: والله: ما اجترأت أن أشرب الماء، والشافعي ينظر إلي هيبة له.
стр. 55
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: قرأت على أبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي، عن أبي عبد الله محمد بن المعلا الأزدي، قال: قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، يرثي الشافعي، ﵁:
بملتفتيه للمشيب طوالع ... ذوائد عن ورد التصابي روادع
تصرفه طوع العنان وربما ... دعاه الصبا فاقتاده فهو طائع
ومن لم يزعه لبه وحياؤه ... فليس له من شيب فوديه وازع
هل النافر المذعور للحظ راجع ... أم النصح مقبول أم الوعظ نافع
أم الهمك المهموم بالجمع عالم ... بأن الذي يوعى من المال ضائع
وإن قصاراه على فرط ظنه ... فراق الذي أضحى له وهو جامع
ويخمل ذكر المرء ذي المال بعده ... ولكن جمع العلم للمرء رافع
ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع
معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع
مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع
ظواهرها حكم ومستنبطاتها ... لما حكم التفريق فيه جوامع
لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع
إذا المفظعات المشكلات تتابعت ... سما منه نور في دجاهن لامع
أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع
توخى الهدى فاستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع
ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع
وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع
بطئ عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخش لبسا يسارع
جرت لبحور العلم أمداد فكره ... لها مدد في العالمين ينابع
وأنشأ له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع
تسربل بالتقوى وليدا وناشئا ... وخص بلب الكهل مذ هو يافع
وهذب حتى لم تشر بفضيلة ... إذا التمست إلا إليه الأصابع
فمن يك علم الشافعي إمامه ... فمرتعه في باحة العلم واسع
سلام على قبر تضمن جسمه ... وجادت عليه المدجنات الهوامع
لقد غيبت أثراؤه جسم ماجد ... جليل إذا التفت عليه المجامع
لئن فجعتنا الحادثات بشخصه ... لهن لما حكمن فيه فواجع
فأحكامه فينا بدور زواهر ... وآثاره فينا نجوم طوالع
ولابن دريد فيه قصيدة أخرى، نونية جيدة المطلع، قوية المنزع، روية المشرع، مدحه فيها فأبدع، وجرى في مضمار فضائله فأسرع، والله يغفر له، ويسامحه.
وهذه نبذة مختصرة، من فضائل الشافعي، ﵀، وشمائله، ولو تقصينا أخباره مبسوطة، لطال الكتاب، ولكنا اقتصرنا على هذا القدر، إذ فيه مقنع لذوي الألباب.
وقد جمع الناس ترجمة الشافعي قديما وحديثا، فأول من نعرف جمعها: داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري، ثم أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وزكريا بن يحيى الساجي، والدارقطني، وأبو علي الحسن بن الحسين الهمداني، المعروف بابن حكمان، وهو ضعيف، وفيما ينقله نكارة، ولا يكاد يخلو ما يرويه عن غرابة ونكارة، وأبو الحسين الرازي والد تمام، والحاكم النيسابوري، وأبو الحسين محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري السجستاني، والحافظ أبو بكر البيهقي، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر، في تاريخه، ذكر ترجمة بليغة أطنب فيها، وأكثر، وأطيب، وذكر أشياء من ترجمة أبي علي بن
حمكان، وأشياء من رحلة الشافعي لعبد الله بن محمد البلوي، وهو كذابٌ وَضَّاعٌ، وقد أعرضت في هذه الترجمة عن كثير من ذلك، وذكرت مقاصد ما ذكره هؤلاء الأئمة، مما هو صحيح، أو قريب منه، ولا يخفي ذلك على أولى العلم.
وكذلك جمع ترجمة الإمام الشافعي: أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، أستاذ المتكلمين في زمانه، في مجلد وأطال العبارة فيها، ولكنه اعتمد على منقولات كثيرة مكذوبة، لا نقد عنده في ذلك، فلهذا كثر فيها الغرائب والمنكرات من حيث النقل.
والله تعالي هو الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، العلي العظيم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
فصل
وقد وقع لي حديث عزيز عظيم، من رواية الإمام الشافعي، ﵁، فيه بشارة عظيمة، لعموم المؤمنين، ولا سيما للأبرار والمقربين، أحببت أن أسوقه بسندي إلى سيد المرسلين، ﷺ .
وَقَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ شَيْخُنَا الإِمَامُ الْحَافِظُ، أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ ابْنُ الزَّكِيِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ الْمِزِّيُّ، ﵀، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَالْمُسْلِمُ بْنُ عَلانَ، قَالا: أنا حَنْبَلُ ابْنُ الرُّصَافِيِّ الْمُكَبِّرُ، وَأنا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ،
ثنا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثنا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» ، وهكذا رواه النسائي، من حديث مالك، والترمذي، وابن ماجه من حديث الزهري به، وقال الترمذي: حسن صحيح، قلت: وهذا فرد من الأفراد اجتمع في سنده
ثلاثة من الأئمة الأربعة وهذا عزيز جدا، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن الشافعي أحاديث أخر غير هذا، بل قد روى عن رجل عنه
وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، ثنا الشَّافِعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، صَلَّى صَلاةَ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وهذا على شرط الصحيح ولم يخرجوه، ومما استغرب من رواية الشافعي، ﵁، ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي
أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْجُرَشِيُّ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا الشَّافِعِيُّ، ثنا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» ، ثم قال الخطيب: لا أعلم أحدا رواه عن الشافعي إن لم يكن الربيع وهمَ فيه، لأن هذا الحديث في الموطأ عن مالك، ﵁، عن الزهري، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
قلت: وهكذا أخرجه مسلم في صحيحه عن يحيى، والنسائي عن قتيبة، والترمذي عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى القزاز كلهم، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، به.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: تفرد به كذلك الربيع، عن الشافعي، وقد رواه المزني، والزعفراني، وحرملة، عن الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، فقيل: إنه وهمَ فيه الربيع، وقيل: بل هو محفوظ عن مالك
فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم الثقة المأمون، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا روح بن عبادة، ثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁، عن رسول الله، ﷺ ، قال: «فضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمسة وعشرين جزءا»
стр. 56
باب ذكر المسائل التي انفرد بها الإمام الشافعي، ﵁، من دون إخوانه من الأئمة، أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، ﵃ أجمعين، وذلك مرتب على أبواب الفقه .
من كتاب الطهارة إلى الصلاة
فمن ذلك أنه كره استعمال الماء المشمس، واختلف الأصحاب فيه على وجوه، والمستند حديث: «لا تفعلي يا حميراء» ، وهو ضعيف جدا من جميع طرقه، والأثر عن عمر لم يصح سنده أيضا، والمرجع فيه إلى الطب، وقال في أحج القولين بنجاسة الماء إذا مات فيه ما ليس له نفس سائلة كسائر الميتات، ووافق في الآخر الثلاثة لحديث فامقلوه، وجعل المرجع في ضابط الماء إلى القلتين، لحديث ابن عمر، ﵄، ووافقه أحمد في رواية، وقسم الماء إلى طاهر وطهور ونجس، وكذا عند أحمد في رواية، وعنه قول استعمال أواني الذهب والفضة أن النهي عنها محمول على التنزيه، ووافق في القول الآخر الثلاثة
على التحريم، وهو الصحيح وفي اتخاذها فقط وجهان: أحدهما: يجوز خلافا للثلاثة، وحكاه ابن أبي موسى الحنبلي قولا عن الشافعي، والأصح في المذهب أنه لا يجوز اتخاذها، لأنه ذريعة إلى استعمالها ووفاقا لهم، وقال: فيمن اشتبه عليه ماء طاهر، وماء نجس، أنه يتحرى ويتوضأ بالماء الطاهر، على ما غلب في ظنه مطلقا، وعن الإمام أحمد: أنه لا يتحرى بل يتيمم، وعن أبي حنيفة: إن كانت الأواني الطاهرة أكثر من النجسة تحرى وإلا فلا، وعن مالك: يتوضأ بكل منها،
стр. 57
ويصلي بعددها، وعنهم روايات أخر غير ما ذكرنا، والغرض أنه عن كل واحد قول.
وكره السواك للصائم بعد الزوال لإزالته الخلوف من الفم، ووافقه أحمد في رواية، وحكى الترمذي، عن الشافعي أنه لا يكره، والحالة هذه كقول الثلاثة لعموم أحاديث الترغيب في السواك.
وقال: بوجوب الختان على الرجال والنساء وعن أبي حنيفة، ومالك: أنه سنة مطلقا، وقال أحمد بوجوبه على الرجال وسنيته للنساء.
وقال: إنه يجزئ في مسح الرأس ما يطلق عليه المسح ولو على شعرة ووافقه أحمد في رواية، وقال مالك، وأحمد في الرواية الأخرى: باشتراط الاستيعاب، وعن أبي حنيفة مقدار ربع الرأس، أو الناصية، أو ثلاثة أصابع، روايات، واستحب الشافعي تكرار مسحه ثلاثا لعموم أحاديث في الصحيح، ونص بعضها في السنن، ووافقه أحمد في رواية، وهكذا في مسح الأذنين، ووافقه في استحباب تكرار مسحهما ثلاثا.
وقال الشافعي: يجزئ في مسح الخف ما يقع عليه الاسم، وقال مالك: يجب استيعابه.
وقال أحمد: يجب مسح أكثره، وقال أبو حنيفة: يجب مسح مقدار ثلاثة أصابع.
وقال: بانتقاض الوضوء من لمس النساء الأجنبيات مطلقا لعموم الآية، وله في ذوات المحارم قولان، وقال مالك: إن لمس بشهوة انتقض وإلا فلا، وقال أبو حنيفة: لا ينتقض إلا أن يمس برأس ذكرة شفرها، وعن أحمد ثلاث روايات كقولي الشافعي ومالك، والثالثة: لا ينتقض مطلقا والله أعلم، وقال في الجديد: بانتقاض الوضوء أيضا من مس حلقة الدبر، وهو رواية أحمد، وله قول آخر أنه لا ينتقض وفاقا للثلاثة، وعنه في لحم الجزور قول حكاه ابن القاص: أنه ينقض الوضوء لحديث في صحيح
стр. 58
مسلم، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عن الشافعي أنه لا ينقض كقولهم، وانفرد الشافعي بإيجاب الغسل من انزال
المني مطلقا، وإن كان بغير شهوة خلافا لهم، وكذا عنده يجب الغسل على من خرج منه منى بعد الغسل، وقال مالك: لا غسل عليه، وقال أبو حنيفة: إن كان خروجه بعد البول فلا غسل، وإن كان قبله وجب، وعن أحمد ثلاث روايات كالثلاثة.
وقال الشافعي فيمن بدنه صحيح وجريح أنه: يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح، وقال مالك: يغسل الصحيح ويمسح الجريح ولا يتيمم، وقال أبو حنيفة: إن كان الأكثر صحيحا غسله ولا يمس ولا يتيمم، وإن كان جريحا يتيمم ولا مسح ولا غسل.
ومن كتاب الصلاة إلى الزكاة
الجديد في مذهب الشافعي أنه لا وقت للمغرب إلا وقت واحد لحديث جابر، وابن عباس، ﵃، وهو رواية عن مالك، والقديم، وعليه الفتوى، والمختار من جهة الدليل أن وقتها موسع إلى غيبوبة الشفق كقول الثلاثة، لثلاثة أحاديث في صحيح مسلم والجديد من مذهبه أن تعجيل العشاء أفضل لعموم الأحاديث الواردة فِي فضيلة أول الوقت، والقول الآخر: أن تأخيرها أفضل، كقول الثلاثة لما ورد في ذلك من الدليل الخاص به، وله قول آخر: أنه إن اجتمع الجماعة عجل وإلا أخر، والله أعلم.
وذهب الشافعي، ﵁، إلى أن الأذان تسع عشرة كلمة، يكبر أربعا في أوله مع الترجيع، وهو أذان أبي محذورة، وقال الإمام مالك: هو
стр. 59
سبع عشرة كلمة، يكبر في أوله مرتين مع الترجيع، وقال أبو حنيفة، وأحمد: وهو خمس عشرة كلمة، يكبر أربعا في أوله من غير ترجيع وهو أذان بلال، واختار الشافعي إقامة بلال ﵄، إحدى عشرة كلمة: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» ، ووافقه الإمام أحمد في رواية، وقال مالك: الإقامة
فرادى كهذا إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة مرة واحدة فجعلها عشر كلمات، وقال أبو حنيفة: الإقامة هي الأذان مثنى مثنى كما تقدم، وزيادة قد قامت الصلاة مرتين، فجعلها سبع عشرة كلمة، والجديد من مذهب الشافعي، ﵁، أنه لا تثويب في أذان الصبح، وقال في القديم: هو سنة كقول الثلاثة، وهو المفتى به للحديث وقد اختلفوا في موضعه من الأذان.
وقال في الجديد: من صلى باجتهاده إلى القبلة ثم تبين الخطأ لزمه الإعادة , وقال في القديم: لا إعادة عليه، كقول أبي حنيفة، وأحمد، وقال مالك: إن تبين أنه كان منحرفا فلا إعادة عليه، وإن كان مستدبرا، فعنه روايتان.
ومن أفراده: الجهر بالبسملة في الصبح والأولين من المغرب والعشاء، وقال أبو حنيفة، وأحمد: يسر بها، وقال مالك: لا يقرؤها بالكلية، ثم هي عند الشافعي، ﵁، من أول الفاتحة
стр. 60
آية على الصحيح، وقيل: بعض آية، وكذا من سائر السور على أصح القولين، وقال مالك، وأبو حنيفة: ليست بآية لا من الفاتحة، ولا من غيرها، وقال أحمد: ليست آية من غيرها رواية واحدة، وهل هي من الفاتحة؟ على روايتين، وعنه أنها إنما أُنْزِلَتْ منفصلة عن السُّوَرِ للفصل بينها، وليست منها، والله أعلم، ثُمَّ الجديد من مذهبه أنه يجب على المأموم قراءة الفاتحة فيما أسر فيه الإمام وجهر،
لعموم قوله، ﷺ : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» ، وقوله في القديم: أنها لا تجب في الجهرية، وتجب في السرية، وقالوا في المشهور عنهم: ليس على المأموم قراءة لا في الجهرية ولا في السرية، لما جاء في الحديث: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» ، وقال الشافعي: يؤمِّن الإمام على قراءة نفسه، وله في المأموم قولان، وقال مالك: يؤمِّن المأموم، وعنه في الإمام روايتان، وقال أبو حنيفة: لا يؤمن هذا ولا هذا، وقال الإمام أحمد: يؤمن هذا وهذا، للحديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ، والجديد من المذهب
قراءة ال ﴿ [في الأخريين من الرباعية، وقال في القديم: لا يسن وعليه الفتوى، وهو قول الثلاثة، وقال الشافعي بصحة صلاة من قرأ في صلاته من مصحف، وعن الإمام أحمد مثله، وعنه أن ذلك يجوز في النافلة دون الفريضة كمذهب مالك،
стр. 61
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة من فعل ذلك مطلقا.
وقال الشافعي: لا يجزئ السجود على كور العمامة خلافا للثلاثة، إلا رواية عن أحمد كالشافعي، وقال في الجديد باستحباب الصلاة عن النبي، ﷺ ، في التشهد الأول ولم يستحبه في القول الآخر كمذهب الثلاثة، وقال الشافعي بوجوب التشهد الأخير، وهو المشهور عن أحمد، وعنه رواية كقول أبي حنيفة، ومالك أنه سنة وليس بفرض، ثم اختلفوا أي التشهدات أفضل، فاختار الشافعي ما رواه ابن عباس، ﵄، لأنه أكثر ذكرا وهو في صحيح مسلم، واختار مالك ما رواه في موطئه، عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه قال على المنبر، واختار مالك أبو حنيفة، وأحمد تشهد ابن
مسعود، ﵁، عن رسول الله، ﷺ ، وهو في الصحيحين ومذهب الإمام الشافعي، ﵁، أن الصلاة على النبي، ﷺ ، في التشهد الأخير فرض لا تصح الصلاة بدونه، خلافا لهم، وقد ادعى بعضهم أن الشافعي، ﵁، تفرد بهذا المذهب دون العلماء ولا سلف له فيه، وليس كما قالوا، بل قد روى هذا عن ابن مسعود، وجابر، وابن عمر، وأبي مجلز، والشعبي، والباقر، وغيرهم، وهو الذي اختاره الإمام أحمد بن حنبل في آخر أمره، وصار إليه، وذهب إليه ابن المواز من المالكية، وقد أفردت في ذلك مصنفا حتى أنه اختلف أصحاب الإمام أحمد في وجوب الصلاة
عليهم، كما أرشدهم إلى ذلك في الحديث الصحيح إلى آخره، قال: لأن أحمد اختار ذلك.
ومذهب الشافعي أن الإمام والمنفرد يقنت في صلاة الصبح بعد الرفع من الركعة الثانية جهرا هذا هو الصحيح في المذهب، وقال مالك: القنوت قبل الركوع الثاني، وقال أبو حنيفة وأحمد:
стр. 62
القنوت في الوتر لا في الصبح، ثم اختلفا في محله كاختلاف الشافعي، ومالك في الصبح، فأبو حنيفة قبل الركوع، وأحمد بعده، وجادة المذهب أنه لا يتأكد سجود التلاوة للسامع بخلاف التالي والمستمع، وقال مالك وأحمد: يتأكد في حق الجميع، وإن تفاوتوا، وأوجبه أبو حنيفة على الجميع، واختلفوا في تعداد سجود التلاوة وتعيينه.
فقال الشافعي في الجديد: هن أربع عشرة سجدة، في الأعراف، والرعد، والنحل، وسبحان , ومريم، وسجدتان في الحج، والفرقان، والنمل، وآلم تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ، وأما سجدة ص فسجدة شكر ليست سجدة من عزائم السجود عنده، وذلك من أفراده إلا رواية عن أحمد، وقال أبو حنيفة: هن أربع عشرة ولكن أسقط التي في آخر الحج، وعوض منها سجدة ص، وقال مالك: هن إحدى عشرة، فأسقط التي في آخر الحج، واللواتي في المفصل، وهن التي في النجم، والانشقاق، واقرأ واعتبر سجدة ص، وهو القول القديم للشافعي، وقال أحمد: هن خمس عشرة إلا أربع عشرة التي ذكرها
الشافعي مع زيادة سجدة ص، والله أعلم.
وقال: إن سجود السهو سنة إن ترك جاز، وقال أحمد: بل هو واجب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وقال مالك: إن كان عن نقصان فواجب، وإلا استحب، ثم مذهب الشافعي في الجديد، أن محله قبل السلام مطلقا،
стр. 63
إلا أن ينساه فيسجد بعد السلام، وقال أبو حنيفة: محله بعده مطلقا، وقال مالك: إن كان عن نقصان فقبله، وإلا فبعده، فإن اجتمعا سجد قبله، وعن أحمد روايات منها: أنه يتبع ما ورد في الحديث فيسجد، كما جاء وما عداه فقبل السلام، واتفق الأئمة على كراهة حضور المرأة الشابة الجماعة، قال الشافعي: وهكذا حكم العجوز التي يشتهي مثلها، وقال مالك وأحمد: لا يكره وذلك للعجائز.
وقال محمد بن الحسن عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: لا يكره لهن ذلك في الفجر والعشاء ويكره في الباقي، ولنا قول بصحة صلاة القارئ خلف الأمي، والجديد: لا تصح صلاته كقول مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة: أنه لا يصح صلاة المأموم ولا الإمام أيضا، وللشافعي قول آخر، وهو أنه تصح صلاته وراءه في السرية دون الجهرية، لأنه في السرية لا يتحمل الإمام عن المأموم القراءة، وهذا القول من أفراده أيضا، وقال الشافعي بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل، ومن يصلي فرضا خلف فرض آخر، سواء وافقه في العدد، أو خالفه، خلافا لهم في ذلك، ولنا قول آخر، أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر
القصير، والقول الآخر كقولهم: إنه لا يجوز إلا في الطويل، ومنع أبو حنيفة من ذلك إلا بعرفة ومزدلفة في جماعة.
وقال الشافعي بجواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بعذر المطر في الجماعة، لحديث ابن عباس، ﵄، وقال مالك وأحمد: يجوز ذلك في المغرب والعشاء، ولا يجوز في الظهر والعصر،
стр. 64
وأبو حنيفة أشد منعا، لهذا، وهذا مطلقا، والله أعلم.
وقال الشافعي بوجوب الجمعة على من سمع النداء سواء، كان بينه وبين البلد قليلا، أو كثيرا، وقال مالك وأحمد: إن كان بينه وبينها فرسخ فما دونه وجب عليه الحضور، وإلا فلا، وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة إلا على أهل المصر، ولا تجب على الخارجين عنه , ولو سمعوا النداء، وقال الشافعي: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين نفسا أحرارا بالغين عقلاء مقيمين في الموضع لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة، وقال مالك: تنعقد بمن يتقرى بهم قرية، ويكون بينهم البيع والشراء من غير حضر، وقال أبو حنيفة: لا تنعقد إلا في مصر جامع عظيم، ومع هذا تصح بثلاثة غير الإمام، وعن أحمد
روايات كالجماعة إمام ومأموم واثنان مع الإمام، وكقول الشافعي، وعنه لا بد من خمسين نفسا، وقال الشافعي بوجوب الجلوس بين الخطبتين، وقالوا: هي سنة، قال أبو حنيفة وأحمد: وكذلك القيام فيهما سنة أيضا.
وقال الشافعي في الجديد: لا يحرم الكلام حال الخطبة على الخطيب ولا المستمع ولكن يكره، وعن أحمد رواية مثله، والمشهور عنه أنه يحرم على المستمع دون الخطيب، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم: يحرم الكلام حينئذ عليهما، قال مالك: لكن للإمام أن يتكلم في الخطبة بما فيه مصلحة، كزجر الداخلين عن الزحام ونحو ذلك وإذا كلم أحدا على التعيين جاز كذلك الرد عليه، لقصة عمر، وعثمان، ﵄، وقال الشافعي: فيما إذا صلوا من الجمعة ركعة ثم دخل وقت العصر أنهم يتمونها ظهرا، وقال أحمد ومالك: يتمونها جمعة، وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة بالكلية
стр. 65
ويستأنفون
صلاة الظهر فرادي، وكذا قال مالك فيما إذا لم يدركوا ركعة من وقت الجمعة بل أقل منها، أو لم يدركوا شيئا بالكلية، أنهم يصلون الظهر فرادى، وقال الشافعي في مثل هذا: بل يصلون الظهر جماعة، والله أعلم.
ومذهب الشافعي: أنه يستحب أن يكبر في العيدين بعد تكبيرة الافتتاح سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية، بعد تكبيرة القيام، وقال مالك وأحمد: بل تكبر في الأولى بعد تكبيرة الافتتاح ستا، وفي الثانية خمسا، وقال أبو حنيفة: ثلاثا في الأولى قبل القراءة، وثلاثا في الثانية بعد القراءة ليوالي بين القراءتين، وهو رواية عن أحمد، وقال الشافعي: الأفضل في التكبير في العيدين أن يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» ، فيكبر ثلاثا أولا ويشفع التكبير في آخره، وقالوا: بل الأفضل أن يشفع التكبير في أوله وآخره كالأذان.
وأما وقت التكبير ففي عيد الفطر من رؤية الهلال إلى أن يخرج الإمام لصلاة العيد، وهو رواية عن أحمد، وفي قول عنه: إلى أن يحرم بصلاة العيد، وفي قول: إلى أن يفرغ منها، وعن أحمد رواية أخرى: إلى أن يفرغ من العيد والخطبتين، وقال مالك: يبتدي من أول يوم العيد دون ليلته إلى أن يخرج الإمام لصلاة العيد، وقال أبو حنيفة: لا يشرع التكبير في عيد الفطر.
وأما عيد الأضحى فعن الشافعي في ابتدائه وانتهائه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الجادة في المذهب أن يبتدئ من صلاة الظهر يوم النحر، وتختم بصلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول مالك.
والثاني: من ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
والثالث: من صلاة الصبح
стр. 66
يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وعليه عمل الناس اليوم، وهذا القول والذي قبله من أفراد المذهب، وقال أبو حنيفة: يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر ولا فرق عند هؤلاء بين الحلال والمحرم.
وقال أحمد بن حنبل: يكبر الحلال من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر آخر أيام التشريق، كالقول الثالث للشافعي: وإن كان محرما فمن ظهر يوم النحر إلى العصر آخر أيام التشريق، ثم اتفقوا على أن ذلك مشروع من بعد صلاة الفريضة في الجماعة، واختلفوا في المنفرد، هل يكبر أم لا؟ وقال الشافعي في أحد قوليه: يكبر خلف النوافل أيضا، والقول الثاني لا كقوله، وانفرد الشافعي باستحباب صلاة العيد في المساجد إلا أن يضيق عن الناس فيخرجون إلى الصحراء، وقال الثلاثة باستحبابها في الصحراء إلا أن يكون ثَمَّ عذر من مطر، أو نحوه، فيصلون في المساجد.
وقال الشافعي بجواز التنقل قبل صلاة العيد للإمام والمأموم في المسجد والمصلى، لكن إذا ظهر الناس لا يصلي قبلها، وقال أحمد: لا يتنفل قبلها، ولا بعدها مطلقا، وقال أبو حنيفة: لا يتنفل قبلها مطلقا، ويجوز التنفل بعدها مطلقا، وقال مالك: إن كان في المصلى، فإنه لا يتنفل لا قبلها ولا بعدها، وإن كان في المسجد فعلى روايتين، إحداهما كالمصلي، والثانية له أن يصلي ركعتين قبل الجلوس، وانفرد الشافعي باستحباب خطبتين بعد صلاة الكسوف، أو الخسوف، ووافقه أحمد في رواية عنه، ولا يختلف مذهبه أنها تفعل في أوقات الكراهة، وهو رواية عن مالك وأحمد، والمشهور عنهم أنه يذكر،
ويسبح، ولا يصلي.
وقال الشافعي بوجوب كفن المرأة على زوجها، وإن كانت
стр. 67
ذا مال خلافا لهم، وقال في الجديد: الولي أولى بالصلاة على قريبه من المولى، وقال في القديم: بل الولي أولى، كقول مالك وأبي حنيفة، وقال أحمد: يقدم الوصي ثم الوالي ثم الولي، وقال: إنه يسرح شعر الميت تسريحا خفيفا، وقالوا: لا يسرح، وله قول أنه يختن الميت إذا لم يختتن في حال الحياة، كذلك تقليم الأظافر، وقص الشارب، وهو رواية عن أحمد , ومنع الباقون من ذلك حتى قال مالك: يعزر من فعل ذلك، وقال بجواز تغسيل الرجل المرأة إذا كانت محرما منه، ومنعوا من ذلك، وأجاره مالك عن عدم وجود النساء.
وقال الشافعي يُصَلَّى على الميت في قبره ما لم يبل جسده، وإن كان قد صُلِّيَ عليه قبل ذلك، وقال أحمد: إلى شهر وهو وجه في المذهب، وقال أبو حنيفة: لا يُصَلَّى عليه في القبر إلا إذا لم يكن الولي قد صَلَّى عليه فيُصَلِّي عليه إلى ثلاثة أيام، وقال مالك: لا يُصَلَّى عليه إلا إذا لم يكن قد صُلِّيَ عليه، أو صُلِّيَ بغير إذن الإمام، أو الولي، ولنا وجه: أنه يُصَلَّى عليه إلى ثلاثة أيام، ووجه: أنه يُصَلَّى عليه أبدا، ووجه: أنه إنما يُصَلِّي عليه من كان من أهل الصلاة عليه عند موته، فأما من لم يكن أهلا لذلك فلا يشرع له الصلاة عليه، وعلى كل حال فلا تشرع صلاة
الجنازة على قبر النبي، ﷺ ، وإن كان جسده لم يبل، صلوات الله عليه وسلامه، لأنه السلف والأئمة، رضوان الله عليهم، ورحمته، لم يفعلوه، وفيه وجه غريب في المذهب أن ذلك مستحب، والله أعلم، وقال الشافعي، ﵁، باستحباب تسطيح القبر لحديث علي: " لا ترى قبرا مشرفا إلا سويته، واستحبوا تسنيمه، وهو وجه عندنا لأن قبر رسول الله، ﷺ ، كان متسنما لا مشرفا ولا لاطيا.
ومن كتاب الزكاة
قال الشافعي، ﵁، فيمن وجب عليه ابنه مخاض وليست عنده، ولا ابن لبون: أنه مخير بين شراء بنت مخاض، أو ابن لبون، وقال مالك
стр. 68
وأحمد: يتعين عليه شراء ابنه مخاض، وقال أبو حنيفة: تجزئه هي، أو قيمتها، وقال: إنه تجزئ الصغير عن الصغار في الغنم، وقالوا: لا تؤخذ إلا كبيرة بالقسط، كما تؤخذ الصحيحة عن المراض بالقسط، ومذهب الشافعي: أن الذهب لا يضم إلى الفضة في إكمال نصابها خلافا لهم، إلا أن أحمد وافق الشافعي في إحدى الروايتين عنه في ذلك.
وقال الشافعي: فيمن أخرج المكسرة عن الصحاح: أنها لا تجزئه مطلقا، وقال أبو حنيفة: تجزئه مع الإساءة، وقال أحمد: لا تجزئه حتى يخرج ما بينهما من التفاوت، وعن مالك نحوه، وله قول آخر: إن زكاة العروض لا تجب، وهو غريب جدا، والمشهور عنه وجوبها كقول الجماعة، ثم إنه يقول بوجوب تقويم العرض بما اشتراه من ذهب، أو فضة، أو غيره , فإن بلغ نصابا زكاة وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يقوم بما هو أنفع للمساكين من عين، أو نقد، وعند الشافعي: أنه إذا انقضت قيمة العرض في أثناء الحول عن النصاب فإن ذلك لا يضر، بخلاف نقص بقية النصب فإنه لا تجب الزكاة والحالة هذه، وقال مالك، وأحمد: أيما نصاب نقص في أثناء حوله فلا زكاة فيه، العروض وغيرها سواء.
وقال أبو حنيفة: متى كان النصاب كاملا في ابتداء الحول وانتهائه، وجبت الزكاة، وله قولان مطلقان في الدَّيْنِ هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ والمشهور أنه لا يمنع، وهم يفرقون بين الأموال الباطنة فلا تجب فيها الزكاة مع الدَّيْنِ بخلاف الظاهرة، وعنده أنه لا يضم الحنطة إلى الشعير، ولا إلى شيء من القطاني في إكمال النصاب، وقال مالك: تضم الحنطة إلى
стр. 69
الشعير لا إلى القطاني، وعن أحمد، كالشافعي، وكمالك، وعنه أيضا أنه يضاف كل من هذه الأجناس إلى الآخر مطلقا، وأما أبو حنيفة فعنده لا يفتقر شيء من ذلك إلى النصاب بل يخرج من قليلة وكثيره، ولا يفتقر إلى ضم شيء منها
إلى الآخر، واعتبر الشافعي الحول في زكاة المعدن في أحد قوليه خلافا لقولهم، وقال: فمن وجد ركازا في داره، إن ادعاه فهو له، وإلا فهو لمالك الدار أولا إن ادعاه، وإلا فهو لقطة إن كان عليه اسم الإمام، وإلا ففي بيت المال مع الأموال الضائعة، وكذلك رواية عن أحمد.
وقال أبو حنيفة يخمسه الواجد، والباقي لصاحب الخطة أولا، ولوارثه من بعده، فإن لم يعرفوا فلبيت المال، وقال أصحاب مالك: هو لواجده بعد تخميسه، وهو رواية عن أحمد، وقال بعضهم: إن كانت الأرض فتحت عنوة فهو للجيش، وإلا فلمن صالح عليها، وقال بعضهم: هو لصاحب الأرض الأول، وقال في القديم: فيمن منع زكاة ماله أنها تؤخذ منه قهرا، وشطر ماله تعزيرا لمقتضى حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقال في الجديد: يعزر كقول مالك، وعن أحمد يستتاب ثلاثة أيام فإن أداها وإلا قتل، ولم يحكم بكفره، وعنه يكفر.
وقال حنيفة: يطالب بها فإن امتنع حبس حتى يؤديها كسائر الحقوق ومذهب الشافعي: إن البر أشرف أجناس صدقة الفطر، وقال مالك وأحمد: التمر ثم الزبيب، وقال أبو حنيفة: أغلاها ثمنا، ومذهبه وجوب استيعاب أصناف الزكاة بالإعطاء خلافا لهم، إلا أحمد في رواية، وله في المؤلفة
стр. 70
تفصيل وأقوال، منها ما هو من أفراده عن إخوانه كما هو مفصل في موضعه، وكذلك له في الغارمين تفصيل آخر، وعند الشافعي: أن ابن السبيل هو المجتاز والمنشئ سفرا أيضا، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه كقول مالك وأبي حنيفة: أنه المجتاز فقط.
وقال الشافعي: أقل ما يدفع إلى ثلاثة من كل صنف، وقالوا: يجوز الصرف إلى واحد من كل صنف، وحد الشافعي: الغنى الذي لا يجوز معه أخذ الزكاة بالكفاية، وهو رواية عن أحمد، وحد أحمد في الرواية الأخرى بملك خمسين درهما، أو قيمتها ذهبا وإن لم تكفه، وهو رواية في مذهب مالك، ولهم، أعني: المالكية، رواية بتحديد ذلك بأربعين درهما، وحد ذلك أبو حنيفة: بملك النصاب من أي مال كان، والله أعلم.
ومذهب الشافعي: أنه يجوز للمرأة صرف زكاتها إلى زوجها لحديث زينب امرأة ابن مسعود، ﵄، وهو رواية عن أحمد والمشهور عنه، كقول أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وقال مالك: إن كان يستعين بالزكاة في نفقتها ومؤنتها لم يجزئ، وإن كان له أولاد من غيرها، أو نحوه، جاز.
ومن كتاب الصيام
المشهور من مذهب الشافعي، ﵁: إذا رأى أهل بلد الهلال فإنه يجب عليهم وعلى من وافقهم في ذلك المطلع الصيام، فإن اختلفت المطالع فلا يتعدى وجوب الصيام إلى غيرهم، وعن أبي حنيفة وأحمد: إذا رآه أهل قطر وجب على أهل الأرض الصيام ولا يجب الصيام بالحساب، ولا يرجع في ذلك إلى قول المنجم، وعن ابن سريج وغيره من أصحابنا، بل إذا أخبر بذلك من
стр. 71
يقبل قوله، لأن ذلك يغلب على الظن وجود الهلال بصحة علم السير غالبا، والله أعلم.
ومذهب الشافعي في الأسير إذا اجتهد فصام شهرا فوافق ما قبل رمضان: أنه يجزئه ذلك في أحد قوليه خلافا لهم، ومن طلع عليه الفجر وهو مجامع فإن نزع مع طلوع الفجر صح صومه، وإن استدام بعده لزمه القضاء والكفارة، وقال أحمد: متى طلع الفجر وهو مجامع لزمه القضاء والكفارة سواء نزع، أو استدام.
وقال أبو حنيفة: إن نزع معه صح صومه وإن استدام فعليه القضاء بلا كفارة، وقال مالك: إن نزع معه لزمه القضاء وإن استدام فالقضاء والكفارة، وله قول في الموطوءة في نهار رمضان مكرهة، أو نائمة، أنه لا يفسد صيامها خلافا لهم، ومذهب الشافعي أن من أفطر بغير الجماع لا كفارة عليه، ووافقه أحمد في رواية وخالفه الباقون وله قول فيمن عجز عن كفارة الجماع أنها تستقر في ذمته، وقال في الآخر: تسقط عنه كقولهم، ومذهبه أن من قطر في إحليله شيئا أنه يفطر ويقضى خلافا لهم، ومذهبه فيمن مات وعليه صوم من شهر رمضان، أو منذور، أنه يطعم عنه كل يوم مدا من طعام، هذا هو الجديد من
قوليه، وقال في القديم: يصام عنه فيهما، أعني: النذر والقضاء، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا أوصى بشيء فعل عنه وإلا فلا، وقال أحمد: يطعم عنه في القضاء، ولا يصام عنه في النذر، ولا يطعم، والله أعلم.
ومذهبه أن أرجى الليالي لطلب ليلة القدر، ليلة إحدى وعشرين، ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وقال أحمد: ليلة
стр. 72
السبع وعشرين أرجاها، وقال مالك: تطلب في الأوتار من العشر الأخير، عن أبي حنيفة: أنها تطلب في جميع السنة، والله أعلم، ومذهب الشافعي: أن الصوم ليس بشرط في صحة الاعتكاف نهارا، ووافقه أحمد في رواية وخالفه في الأخرى، ومالك وأبو حنيفة لم يصححوا الاعتكاف نهارا بدونه، ومذهبه أن من نذر الاعتكاف ليلا لم يلزمه نهارا، أو نهارا لم يلزمه ليلا، ولو نذر اعتكاف يومين متتابعين لزمه اعتكافهما، ولا تلزمه الليلة التي بينهما، نص عليه، وقد اختلف الأصحاب فيها على
وجهين وصححوا أنها تلزمه، والغرض من هذا أن مذهب الثلاثة فيمن نذر اعتكاف شهر رمضان، ولم يشترط التتابع أنه يلزمه اعتكافه بلياليه، ونص أحمد فيمن نذر اعتكاف يومين أنه يلزمه الليلة التي بينهما، بل مذهب أبي حنيفة فيمن نذر اعتكاف يومين أنه يلزمه اعتكاف يومين وليلتين، فيدخل في المسجد بعد غروب الشمس حتى يستكمل ذلك، وأبلغ من ذلك مذهب مالك، فمن نذر اعتكاف يوم أنه لا يصح حتى يضيف إليه ليلة، والله أعلم.
ومذهب الشافعي فيمن جامع ناسيا وهو معتكف: أنه لا يبطل اعتكافه خلافا لهم، وأوجب أحمد مع ذلك الكفارة في أظهر الروايتين عنه، ومذهبه في المعتكف أنه يخرج إلى الجمعة إن شرط في نذره ذلك وإلا بطل، وقال مالك: يبطل بكل حال.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: لا يبطل شرط، أو لم يشرط؛ لأنه مستثنى بالشرع، ونقل ابن المنذر، عن الشافعي فيمن نذر الاعتكاف صامتا أنه يتكلم ولا التفات إلى نذره، لحديث أبي إسرائيل وزينب الأحمسية، وما أظن بقية الأئمة يخالفونه
стр. 73
في هذا، والله أعلم، فإن الصمت مطلقا من البدع في الإسلام، وإنما هو من أمور الجاهلية، كما قال الصديق، فإلزامه بالنذر لا يلزم، والله أعلم.
ومن كتاب الحج
قال الشافعي، ﵁: لا يشترط في وجوب الحج على المرأة وجود المحرم، وكذا قال مالك، بشرط أن تحج مع جماعة النسوة، وأما الشافعي، فقال: لها أن تسافر مع امرأة واحدة ووحدها إذا كان الطريق آمنا، على الصحيح من المذهب، وللشافعي في أفضل النسك أربعة أقوال: أحدها: الإفراد ثم التمتع ثم القران وهذا جادة المذهب، وهو قول مالك، والثاني: التمتع ثم القران، وهو قول أبي حنيفة،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .، والرابع: الإطلاق أفضل ابتداء ثم يصرفه بعد إلى أيها شاء.
وقال المروزي عن أحمد: من ساق الهدى فالقران أفضل؛ لأنه، ﷺ ، فعل ذلك، ومن لم يسق الهدى فالتمتع أفضل، كما أمر به رسول الله، ﷺ ، أصحابه، فأفضلية الإطلاق على القول الرابع من أفراد الشافعي، ومذهب الشافعي: أن المعضوب إذا بذل له ولده الطاعة في الحج، أو نحوه، مما لا منة له عليه في ذلك، وكذا المال، في قوله: إنه يلزمه القبول، ويجب عليه الحج بذلك خلافا لهم، وله قول فيمن بينه وبين مكة بحر لا يمكنه الوصول إليها إلا فيه إنه لا يلزمه الحج، والصحيح كقولهم، وذلك في غير أوان اغتلام البحر، أما إذا اغتلم وهاج واضطربت أمواجه فلا يحل
سلوكه بلا خوف، والله أعلم، ومذهبه أن من أحرم عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لم ينصرف إلى ذلك
стр. 74
الغير، ويقع عن نفسه خلافا لهم، ومذهب الشافعي: أن وجوب الحج ليس على الفور وإنما يجب على التراخي بشرط سلامة العاقبة، وهو رواية عن أحمد والمشهور عنه، كقول مالك، وأبي حنيفة أنه على الفور، ومذهبه أن أشهر الحج شوال وذي القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ويوم النحر لا يدخل فيها عنده خلافا لأبي حنيفة وأحمد، وقال مالك: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، ومذهبه أن الإحرام بالحج في غير أشهره لا ينعقد بل يكون عمرة على الصحيح من مذهبه، وقالوا بصحة الإحرام بالحج في سائر
السنة، إلا رواية عن أحمد كالشافعي، ومذهبه أنه يستحب إظهار التلبية في مساجد الأمصار كالصحاري خلافا لهم، وله قول أن من دفع من عرفة قبل أن تغرب الشمس أنه قد صح حجه ولا دم عليه، وإن لم يعد إلى عرفة ليلا، وعنه قول آخر: أن عليه دما، والحال هذه كقول أبي حنيفة وأحمد، وقال مالك: من دفع منها قبل الغروب ولم يعد إليها ليلا لم يصح حجه، وعنده أن الجمع في الوقوف بين الليل والنهار ركن، وقالوا: بل هو واجب، وللشافعي، قول: أنه مستحب كما تقدم والله أعلم.
واستحب الشافعي للإمام أن يخطب الناس يوم النحر خلافا لهم، وله قول أن الحلاق استباحة محظور لا نسك، والقول الآخر نسك كقولهم، وقال الشافعي: إن كان مع المتمتع هدى فالأفضل أن يحرم بالحج يوم التروية، وإلا أحرم ليلة السادس من ذي الحجة.
وقال أبو حنيفة: يستحب له تقديم الإحرام على يوم التروية مطلقا، وقال مالك وأحمد: يستحب له الإحرام يوم التروية مطلقا، قلت: اليوم السابع من ذي الحجة يسمى يوم الزينة لأنه يزين فيه البدن
стр. 75
بالحلي والقلائد لأجل الخروج إلى منى، واليوم الثامن يقال له يوم التروية، لأنهم يتروون من الماء للمسير إلى عرفة، واليوم التاسع يوم عرفة , والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، وهذه الأيام الثلاثة بعد النحر هي أيام التشريق، ولكل واحد منهما اسم خاص، وكذا الأيام الثلاثة قبله لكل اسم خاص، كما ذكرنا، والله
أعلم.
ومذهب الشافعي أن المتمتع إذا فرغ من العمرة فرجع إلى الميقات وأحرم بالحج منه، سقط عنه دم التمتع، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسقط حتى يرجع إلى أهله في بلده، زاد مالك: أو يبلغ مسافة أبعد من بلده، والصحيح من قول الشافعي: أنه يصح الإحرام بالعمرة، وإن لم يخرج إلى أدنى الحل وعليه دم، والقول الثاني: أنه لا يصح إلا من أدنى الحل، كقول الثلاثة، ومذهب الشافعي: أنه يجوز للمحرم الغسل بالسدر والخطم لحديث الذي وقصته راحلته، فقال، ﵇: «اغسلوه بماء وسدر» ، الحديث، وقال في آخره: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ، وقال في أحد القولين: إنه يلزم المحرم إذا تكرر
منه فعل محظورات الإحرام تكرار الفدية، وإن لم يكفر عن الأول، وهو الذي صححه الأكثرون من الأصحاب، وقال في القول الآخر: تلزمه فدية واحدة ما لم يكفر عن الأول، وهو قول أحمد.
وقال أبو حنيفة: إن تكرر ذلك منه في مجلس واحد ففدية واحدة، وإن كان في مجالس تكررت الفدية، وقال مالك: أما الجماع فتكرر فديته، وغيره لا تكرر إلا أن يكون قد كفر عن الأول،
следующие страницы →