← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المحقق إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض كلية الشريعة قسم الفقه -، وذلك لاستكمال متطلبات درجة الدكتوراه في الفقه. وقد تكونت لجنة المناقشة من أصحاب الفضيلة: • د. خالد بن سعد الخشلان الأستاذ المشارك في قسم الفقه بالكلية، مقررًا. • أ. د الوليد بن عبد الرحمن الفريان الأستاذ في قسم الفقه بالكلية، عضوًا. • أ. د عبد السلام بن محمد الشويعر الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية، عضوًا. ونوقشت الرسالة في يوم الخميس ١١/ ٥/ ١٤٤٠ هـ الموافق ١٧/ ١/ ٢٠١٩، وأجيزت بحمد الله بتقدير: (ممتاز مع مرتبة الشرف الثانية).

стр. 2

مقام الشكر إن من مقتضيات شكر نعمة الله على عبده اللهج بالثناء عليه دومًا، والحمد له أبدًا، ولزوم عبوديته وما يحبه ويرضاه حياةً إلى الممات، فأول الشكر وأوسطه وآخره لله وحده الكريم الرحيم أن هداني إلى طريق العلم، وحبب إلي سبله، ووفقني لتحصيله، وأوقفني على أسبابه، ومنها دراستي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بدءًا من مرحلة الماجستير ثم الدكتوراه، فلقد لقيت من ذلك علمًا جَمًّا، وصحبة أستاذٍ وهِمة، وتفريج كربةٍ وهَمًا، فاللهم لك الحمد كثيرًا كما أنعمت كثيرًا، ولك الشكر مزيدًا كما تفضلت مزيدًا. وإن من لوازم شكر المنعم سبحانه شكرَ عباده على إحسانهم لبعض، فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، ومن هذا المقام أشكر كل من أعانني بعد الله على شحذ همتي في العلم من أقرباء ومشايخ وزملاء، ومن أخصهم: أعمامي الفضلاء، ومنهم عميد العائلة ومقدمها ومقام الوالد فيها العم بدر بن نصف العصفور، وعمي أ. د. فؤاد بن نصف العصفور، وصديقه العزيز أ. د. أحمد بن عبد المحسن الطريقي؛ على حرصهم الدؤوب في مواصلة الدراسة والعمل عليها. ثم الشكر موصول إلى الجامعة الغراء والصرح البنَّاء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قبلة المتعلمين، ووجهة المتفقهين، وعضد الدارسين، ممثلة بمديرها ووكلائها وعمدائها، واصلًا الشكر إلى عمداء كلية الشريعة خاصة ورؤساء قسم الفقه المتعاقبين في أثناء دارستي والأساتذة الكرام فيه، وخصوصًا من تتلمذت على أيديهم ونهلت من علومهم.

стр. 3

كما أخَص مشرفي على الرسالة فضيلة د. خالد بن سعد الخشلان الذي وقف معي موقف الناصح الأمين، لما غمرني بكرمه في بيته المعمور بالطاعة، وأولاني من سنام وقته ومعرفته وعلمه، وطالع الرسالة مطالعة الناقد البصير، وأوقفني على ما أخطأت فيه موقف الطالب المستنير، فجزاه الله عني خير ما جزى شيخًا عن تلاميذه، وأولاه توفيقه وإحسانه خير ما جزى محسنًا عن إحسانه. وكان من جميل تقدير الله تعالى أن عَرضتُ موضوع تحقيق هذا الكتاب ابتداءً على شيخنا الفاضل أ. د الوليد بن عبد الرحمن الفريان، فأرشدني إلى إطلاع أ. د عبد الرحمن بن سليمان العثيمين ﵀ على الموضوع، وفي الثالث والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ١٤٣٥ هـ رحلتُ من الرياض إلى القصيم قاصدًا عنيزة، راغبًا لقيا الشيخ المحقق الأديب الأريب أ. د عبد الرحمن العثيمين شامة الحنابلة في عصرنا، فاستضافني في بيته المعمور، وفي قاع لؤلؤ مغمور، وعرضت عليه شرح المقنع للإمام أبي محمد بهاء الدين المقدسي، وكان مجلسًا جميلًا في مكتبته المنيفة اكتسبت فيه فوائد بديعة، وحكمًا بليغة، ودقائق في أعلام الحنابلة وكتبهم نفيسة، ووعدني بتذييل رؤيته على الشرح في لقاء آخر، ثم في الثامن من شهر رجب من السنة ذاتها، ساق لي ربي الخير بأن صحبت شيخنا المفضال أ. د سعد بن ناصر الشثري - زاده الله من علمه، وفتح عليه من فضله وبره - ظهرًا إلى بلدة عنيزة قاصدين أول من قصدناه فضيلة أ. د عبد الرحمن العثيمين (١)، وفي هذا المساء المبارك وفَّى _________ (١) وكما قال شيخنا مخاطبًا الدكتور عبد الرحمن في أول دخولنا عليه: لا يصلح المرور بهذه البلدة إلا بالسلام ابتداء على مقدمها الدكتور عبد الرحمن العثيمين، ثم جلسنا عنده قبل المغرب نحتسي القهوة والقدوع، واطلعنا على مكتبته العامرة وكتبه الباهرة الحافلة بخزائن الأدب وعيون أخبار من هب ودب، وتجاذبا عفا الله عنهما أطراف الحديث حول القبائل والبلدان والكتب وطبعاتها، وكان شيخنا حريصًا على إمتاع الشيخ عبد الرحمن بالقصص القديمة وذكر كرمه على العلم وأهله، وكان الشيخ أبو سليمان يكبر الشيخ سعدًا ويجله في موقف لا يراد له نهايَة.

стр. 4

أ. د العثيمين ﵀ بما وعد، وذيل على شرح المقنع بعد رؤيته مشكورًا مأجورًا، وأملى في ورقة مسطورةٌ فيها حروفه وكلماته إطراءً وإعجاباً بالمخطوط، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات (١). كما عرضت موضوع الرسالة وتحقيقها أيضًا على شيخنا المفضال أ. د عبد السلام بن محمد الشويعر، وأرشدني إلى إطلاع أ. د عبد الله بن محمد المنيف على المخطوط، فأثنى مشكورًا على نسخته، وكتب حوله كتابة نافعة مفيدة، بيَّن فيها أصل المخطوط ومداده ونسخه وناسخه، ثم عرج على تملكاته بما لا مزيد عليه (٢). ثم تصدر المرشدان الفاضلان قمة النظر في الكتاب وتقييمه؛ بقبولهما فحصَ الرسالة وتقويمَها ومناقشتَها ثم إجازتَها، فشكر الله لهما وللأستاذين الفاضلين، وبارك في علمهم، ووفقهم ربي لخيري الدنيا والآخرة. وأختم بمسك الختام بشكر أفضل عطاء الدنيا، وأجلى مِنَن الله عليَّ، وأرغب من أبتغي طاعته وبره بعد شكر الله ورسوله؛ والدتي الكريمة، المعطاءة الرحيمة، صاحبة الفضل العلي، والقدر الجلي، والمقام الزكي، على ما ربتني عليه، وأردفتني إليه، وحثتني عليه، وصبرت حتى تَبلَّغت في ابنها الدرجة، وما فتئت رعايتها وشحذها لهمتي منذ أن كنت صغيرًا، فاللهم ارحمها ووالدِي كما ربياني صغيرًا. وختام الشكر موصول لأصحابي، وأولاهم زوجتي ورفيقة دربي كريمة الأصل والمعدن والطيب، الصابرة المحتسبة المعينة، ومساعدي _________ (١) انظر: ١/ ١٣٧. (٢) انظر: ١/ ١٣٨.

стр. 5

في كتابة الرسالة وتحريرها؛ د. أنس بن عادل اليتامى ود. عبد العزيز بن عدنان العيدان ود. يعقوب بن طالب العبد الهادي، الذين لم يألوا جهدًا في مقابلة الرسالة ومدارسة ألفاظها معي، وكان لهم الفضل علي في الدراسة والتحقيق والإخراج، ولباقي إخواني وزملائي وأبنائي، وفق الله الجميع بتوفيقه، وسددهم بتسديده.

стр. 6

مقدمة التحقيق الحمد لله تبارك بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق سبع سموات طباقًا، وفاوت بينها قدرًا بقدرته بلا تفاوت بينهم حكمة واقتدارًا، الحمد لله الذي زين السماء الدنيا بمصابيح، وجعل العلم هاديًا إليها ورجومًا للشياطين، الحمدُ للهِ الَّذي علَّم ووفَّق، وألهَم وفهَّم وحقَّق، وجاد وتلطَّف وترفَّق، ومَنَّ علينا بما لا يُحصَى وتصدَّق (١)، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مِلءَ السموات وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعدُ، أهلُ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد وكلنا له عبد، لا مانع لما أعطى، ولا معطيَ لما منع، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ. والصلاة والسلام على أعلم خلق الله وأصدقهم، من بعثه ربنا ليعلم الناس بالقلم؛ وليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه ويهديهم إلى صراط مستقيم، نبيِّنا وقدوتِنا وأسوتِنا وحبيبِنا وشفيعِنا محمدٍ، صلى الله عليه صلاة دائمة مزيدة إلى يوم القيامة، يوم نرجو من الله تعالى الحسنى وزيادة، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فأحمَدُ الله على مَا أكرمني به من ميراث النبوة، وأشكره على ما هداني إليه من العلم، الذي هو أنفس الأعلاق، وأجلُّ مكتسب في الآفاق، وإنّ من نعم الله على عبده أن يوفقه لطريق العلم متفقهًا في الدين، ولا ريب أن العلم الشرعي هو خير طريق يوصل إلى الله وإلى الدار الآخرة. _________ (١) مقدمة التنقيح المشبع للمرداوي.

стр. 7

وإن من أشرف العلوم الشرعية العلمَ المتعلقَ بالحلال والحرام، ومعرفة ما يجب على المسلم في دينه ودنياه، ولأجل ذلك اهتم علماء الإسلام بعلم الفقه كثيرًا، وألفوا فيه مؤلفات نافعة لا تحصى، إلا أن كثيرًا منها ما زال حبيس خزائن المخطوطات في أنحاء العالم. ومن هذه المخطوطات كتاب (شرح المقنع) للإمام بها الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي الحنبلي، وهو من الكتب المهمة في المذهب الحنبلي؛ نظرًا لكون مؤلفه من أخص تلاميذ الموفق ابن قدامة مؤلف المقنع، وأول شارح لكتابه، كما سيأتي تقريره قريبًا. ولكون هذا الشرح لم يطبع من قبل، مع ما لمؤلفه من المكانة في المذهب الحنبلي، فإني رغبت في دراسة هذا المخطوط وتحقيقه، ويبلغ الموجود منه (٢٩٥) لوحة من بداية المخطوط في كتاب الطهارة إلى نهاية المخطوط في كتاب البيوع في أثناء فصل الكفالة، وذلك لاستكمال متطلبات درجة الدكتوراة في الفقه، وقد ساعدني في العثور عليه أخي الشيخ د. أنس بن عادل اليتامى - وفقه الله لكل خير - من مصدره في إدارة المخطوطات في وزارة الأوقاف بدولة الكويت التي لا تدخر جهدًا في خدمة الباحثين وطلاب العلم (١)، والمخطوط في الوزارة ضمن تملكات ووقف الشيخ عبد الله بن خلف الدّحيان ﵀ وغفر له (٢). فشرعت - بحمد الله - في تحقيق الكتاب وفق المنهج الآتي بيانه، ومما واجهني من صعوبات في أثناء التحقيق الركون إلى نسخة واحدة، وهي وإن كانت واضحة ومشكولة - في الجملة - ومقابلة إلا أن ما اعتراها من الخروم والرطوبة وسبق القلم جعلني أقف عند بعض الألفاظ معتمدًا على الله في دراسة سياقها وسباقها، ومراجعة أصولها في كتب _________ (١) كما تفضلت الإدارة مشكورة بإطلاعي على أصل المخطوط للنظر في بعض مشكلاته والتأكد من ألفاظه فجزاهم الله خيرًا. (٢) الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان الحربي الحنبلي السلفي الأثري، (١٢٩٢ - ١٣٤٩)، علامة الكويت وقاضيها، أخذ العلم عن والده والشيخ محمد بن عبد الله الفارس وغيرهما، ورحل إلى الزبير ونجد والمدينة المنورة وأخذ عن علمائهم واستجازهم، تولى إمامة المسجد البدر في الحي القبلي، كما تولى القضاء بإلزام الشيخ أحمد الجابر له، ولم يأخذ أجرة عليه، وله اليد الطولى في جمع كتب المذهب الحنبلي وغيرها وشرائها ووقفها على طلاب العلم شرط الانتفاع بها، ومكتبته عامرة بنفائس الكتب والمخطوطات، آل كثير منها مؤخرًا إلى إدارة المخطوطات في وزارة الأوقاف بدولة الكويت، وخير من جمع سيرته وأوعى أخباره وأفرد الكتابة فيه فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي في النشرة الصادرة عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، ومنها استفدت ترجمته.

стр. 8

المذهب، وأحيانًا في كتب الحديث واللغة لأسدد عبارة المصنف ما أمكن، وأظهر الكتاب على مراد المصنف وقصده، ولا يخفى على كل من له عناية بتحقيق المخطوط ما يواجهه المحقق من صعوبات التحقيق على النسخة الفريدة، والله المعين. وقدمت - بين يدي الدراسة والتحقيق - بمقدمة، بيَّنْت فيها أهميةَ الموضوع وأسبابَ اختياره، وأهدافَه. وقسمت الدراسة إلى قسمين: القسم الأول: قسم دراسي، درست فيه أصلَ الشرح المحقق، وهو كتاب المقنع للموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي، مبتدئًا بالتعريف به، ثم بكتابه المقنع، وبيان مكانته العلمية وحظوته الشرفية بين أوساط علماء الحنابلة، واستقرَيْتُ نصوصَه، وكلامَ أهل العلم عليه، إلى أن وقفت على منهج الموفق في تأليفه، وختمت بذكر ما وقفت عليه من شروح الكتاب والناقلين عنه. كما تناولت في القسم الدراسي الشرحَ المحقق، ابتدأت بالتعريف بمؤلفه بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، واستطردت في ذلك؛ لكوني لم أقف على ترجمة وافية لحياة هذا العلم الهُمام، ثم بينت اسم الكتاب ونِسبتَه إلى مؤلفه، ومنزلة الشرح بين كتب المذهب، وكلام أهل العلم عليه، ومنهج البهاء المقدسي في تأليفه.

стр. 9

وللمخطوط حاشية أثبتُّها في مواضعها في تحقيق الكتاب، وبينت منهجَ المحشي فيها، ومنهجَ ناسخ المخطوط، ومواضع السقط في المخطوط. والقسم الثاني: قسم التحقيق، شرعت في تحقيق ودراسة المخطوط كله وفق منهج علمي يأتي بيانه، وأرجو أن أكون قد اتبعت في عملي أصولَ أهل العلم المحققين في ضبط النص وإخراجه. كما درست مسائل الكتاب وفق المنهج المعتمَد المقرر في قسم الفقه بكلية الشريعة على ما يأتي بيانه. وبعد، فدونك أيها القارئ الكريم بضاعة العامل فيه على التقصير، يروم العفو من ربه السِّتير، ممتثلًا ختام المقدمة مقالةَ شيخ الحنابلة ومقدمِهم في زمانه الشيخ منصور بن يونس البهوتي في مقدمة كشافه على الإقناع: «وأستغفر الله تعالى مما يقع لي من الخلل في بعض المسائل المسطورة، ومن عثر على شيءٍ مما طغى به القلم، أو زلَّت به القدم، فليدرأ بالحسنة السيئة، ويُحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان، وأن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب» (١). والله أسالُ الإعانة منه والسداد والتوفيق والرشاد، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه نصف بن عيسى بن نصف العصفور عفا الله عنه وعن والديه وإخوانه وزوجه وذريته والمسلمين في منطقة بيان بدولة الكويت يوم الخميس ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١ هـ الموافق ٢١/ ١١/ ٢٠١٩ م _________ (١) ينظر: كشاف القناع ١/ ٢.

стр. 10

تمهيد أهمية الموضوع وأسباب اختياره لا شك أن الباحث في الفقه الإسلامي يجني عدة ثمرات من تحقيقه لنصوص أهل العلم والتدقيق في عباراتهم وفي المذهب الحنبلي خاصة، ومن ذلك تحقيق كتاب شرح المقنع للإمام بهاء الدين المقدسي ﵀ للاعتبارات التالية: أولًا: أهمية الكتاب المشروح (المقنع) للموفق ابن قدامة: فقد أطنب الفقهاء في الثناء على الكتاب حتى عدوه في الشهرة بعد مختصر الخرقي، ويكفي دليلًا على ذلك تتابع أئمة الحنابلة على شرحه والعناية به، وستأتي ترجمة الإمام الموفق ابن قدامة والتعريف بكتابه المقنع وشروحه. ثانيًا: شارح الكتاب بهاء الدين المقدسي: ويمكن حصر هذا الاعتبار في النقاط التالية: ١ - كون البهاء المقدسي من فقهاء المذهب الحنبلي المعتبرين، وصاحب مكانة علمية، وقد وصف بالإمام، والعالم، والمحدث، والفقيه، والصالح، والورع، والزاهد، كما سيأتي في ترجمته، ولذلك جعله المرداوي أحد الأعلام الذين يدور عليهم معرفة المذهب (١)، _________ (١) وذلك من خلال اعتماده على كتاب العدة شرح العمدة. ينظر: مقدمة الإنصاف ١/ ٢٢.

стр. 11

ووصف أحمد بن نصر الله البغدادي ﵀ شرحه: بأنه شرح محقق، وقال: «وهو عندي في ثلاث مجاليد كبار» (١). ٢ - أن شارح كتاب المقنع من أكبر تلاميذ الموفق، وأول شارح لكتاب المقنع (٢)، وهو من أعرف الناس بمقاصد شيخه في الفتيا والتأليف، وقد لازم شيخه ونقل عنه فقهه في هذا الشرح وغيره كما سيأتي، يبين ذلك ويوضحه قرب ولادة بهاء الدين ووفاته من شيخه الموفق ابن قدامة، فإن الموفق ﵀ ولد في سنة (٥٤١ هـ) وولد البهاء في سنة (٥٥٥ هـ)، وتوفي الموفق سنة (٦٢٠ هـ) وتوفي البهاء سنة (٦٢٤ هـ)، وكان مأخذهما عن كثير من شيوخهما واحدًا. ٣ - تضلع بهاء الدين في المذهب الحنبلي مما أثر ذلك في انتشار علمه بين الناس، حتى قال عنه الحافظ ضياء الدين المقدسي: «كان فقيهًا إمامًا مناظرًا اشتغل على ابن المَنِّي، وسمع الكثير، وكتبه، وأقام سنين بنابلس بعد الفتوح بجامعها الغربي وانتفع به خلق»، وقال الذهبي عنه: «وكان بصيرًا بالمذهب» (٣). ٤ - ظهور شخصية البهاء في شرح المقنع كإمام من أئمة الفقه الحنبلي من خلال النظر في استدلاله على المسائل الفقهية، وعنايته بسبك عبارة المادة المشروحة، وظهور ترجيحاته التي زادت على المئة _________ (١) استفدت النقل مما أمدني به الشيخ الفاضل: أبو جنة الحنبلي مصطفى بن محمد القباني بصور عن مخطوط كتاب مختصر الذيل على طبقات الحنابلة لابن نصر الله في الجزء المتعلق بترجمة البهاء فجزاه الله خيرًا، والكتاب قيد تحقيقه وفقه الله، كما استفدت من كلام ابن نصر الله من مقدمة الشيخ عبد العزيز بن محمد المانع ﵀ على كتاب المبدع ١٠/ ١ طبعة المكتب الإسلامي، إذ قال: «ذكر ذلك في مختصره لطبقات شيخه ابن رجب، وهو موجود بخطه في دار الكتب المصرية». (٢) ينظر تقرير هذه المسألة في ١/ ١١٣ من القسم الدراسي. (٣) ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٧١).

стр. 12

وغير ذلك مما سيأتي من مميزات الشرح. أهداف تحقيق ودراسة كتاب (شرح المقنع): ١ - إخراج الكتاب كما أراده المؤلف. ٢ - دراسة عصر المؤلف، وتقصي الناحية العلمية في زمانه، وبيان مكانة المؤلف منها. ٣ - التطلع إلى الإسهام في إخراج ما اندثر من كتب أهل العلم وتراثهم، وجعلها متداولة بين طلاب العلم للإفادة منها. الدراسات السابقة: بعد البحث والسؤال - بحسب الإمكان - ومراجعة بعض قوائم الرسائل الموجودة في المكتبات، والبحث في فهارس الرسائل العلمية، لم أقف على من حقق الكتاب أو قام بطباعته. ونظرًا لكون المخطوط الذي بين أيدينا ناقصًا ومجهولًا أصالة فقد اجتهدت في البحث عن تتمته في فهارس المخطوطات حول العالم ما أمكن، مما عسى أن يتمم نقص المخطوط أو يوضح نسبته لمؤلفه، ولكن لم أعثر على ما يفيد ذلك. ولا أدعي في ذلك استقصاءً أو كمالًا، وإني لا أزال في طور البحث والتنقيب عما يفيدني في الباب، واللهَ أسألُ الفتحَ منه والإعانة والتيسير. تقسيمات دراسة الكتاب: اشتمل العمل في الكتاب المحقق على مقدمة وقسمين: دراسي، وتحقيقي، ثم فهارس علمية: أما المقدمة: فتشمل الافتتاحية، وتمهيد في الموضوع وأسباب اختياره، وأهدافه، والدراسات السابقة، وتقسيمات البحث، ومنهج البحث.

стр. 13

* القسم الأول: القسم الدراسي، وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالموفق ابن قدامة المقدسي وكتابه (المقنع). وفيه مطلبان: المطلب الأول: التعريف بالموفق ابن قدامة المقدسي. المطلب الثاني: التعريف بالكتاب المشروح (المقنع). وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى: اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه. المسألة الثانية: أصول الكتاب ومصادره. المسألة الثالثة: قيمة الكتاب العلمية وتقييمه. المسألة الرابعة: منهج المصنف في تأليفه، وبيان مصطلحاته. المسألة الخامسة: شروح الكتاب والناقلون عنه. المبحث الثاني: التعريف ببهاء الدين المقدسي وكتابه (شرح المقنع). وفيه مطلبان: المطلب الأول: التعريف ببهاء الدين المقدسي. المطلب الثاني: التعريف بشرح المقنع، وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه. المسألة الثانية: أصول الكتاب ومصادره. المسألة الثالثة: قيمة الكتاب العلمية وتقييمه. المسألة الرابعة: منهج المصنف في شرحه، والمحشي على الكتاب. المسألة الخامسة: شروح الكتاب والناقلون عنه. المسألة السادسة: نسخة الكتاب ووصفها.

стр. 14

* القسم الثاني: القسم التحقيقي: تحقيق ودراسة المخطوط البالغ قدره خمسة وتسعين ومئتي لوحة (٢٩٥) لوحة، من أوله في أثناء كتاب الطهارة في باب المياه، إلى أثناء كتاب المعاملات في باب الضمان فصل الكفالة. منهج التحقيق والدراسة: أولًا: تحقيق النص: اتبعت في تحقيق نص المخطوط المنهج العلمي المتبع في قسم الفقه مع إضافة خدمة النص وفق ما يأتي: ١ - استنساخ الشرح من النسخة المخطوطة. ٢ - تسديد السقط وتصحيح التصحيف والتحريف الحاصل في النسخة المخطوط، مع الإشارة إلى سبب التصحيح في الحاشية غالبًا. ٣ - اتباع قواعد الرسم المعروفة اليوم والتصحيح اللغوي، ومن ذلك قمت بتعديل الكلمات التي يتغير رسمها كتابة عن الرسم المعاصر في الصلب نحو: (كل ما)، و (إن ما)، (ها هنا)، (مسئلة)، و (مائة)، وأنواع الهمزات. كما قمت بتعديل الكلمات المذكرة الواردة في سياق الجملة المؤنثة والعكس وأشرت لذلك في موضعه. ٤ - عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها في المصحف، ووضعها بين معكوفين في الصلب []، وإن كان هناك سقط أو خطأ عما هو في المصحف عدلته بما يوافق الرسم، وأشرت إليه في الحاشية. ٥ - تخريج الأحاديث والآثار دون تطويل، والحكم عليها ما لم تكن في الصحيحين أو أحدهما بذكر حكم أهل العلم عليها من المتقدمين إن وجد، فإن لم أجد فأذكر حكم المتأخرين أو المعاصرين، فإن لم أجد

стр. 15

اجتهدت في دراسة سند الحديث والحكم عليه. ٦ - الترجمة للأعلام غير المشهورين الوارد ذكرهم في النص المحقق بتراجم مختصرة، دون ما يورد في القسم الدراسي. ٧ - شرح الألفاظ الغريبة، والتعريف بالأمكنة والقبائل، وضبط ما استطعت من الكلمات وفق أشهر اللغات الواردة فيها في كتب اللغة. ٨ - إحالة النصوص التي يوردها المصنف إلى مصادرها الأصلية. ٩ - التعليق العلمي حسب ما يقتضيه المقام. ١٠ - قد أضيف عبارات يقتضيها السياق نحو: تتمة الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، والترضي عن الصحابة ﵃ في الموضع المناسب (١). ١١ - رقمت اللوحات بحسب انتهاء كل وجه في اللوحة الواحدة، واضعًا رقم اللوحة وبإزائه رمز (أ) للوجه الأيمن، ورمز (ب) للوجه الأيسر، وذلك في الحواشي الجانبية. ١٢ - رقمت المسائل الواردة في الشرح باللون الأحمر، فجعلت الرقم الأيمن عامًّا لحصر جميع المسائل الواردة في المخطوط، والرقم الأيسر خاصًّا بمسائل الباب الواحد. _________ (١) في مواضع من المخطوط رسمت مواضع الصلاة على النبي ﷺ بدون التسليم عليه: (صلى الله عليه)، وجريت في نسخ رسم تلك المواضع على ما في غالب المخطوط من إتمام الصلاة والتسليم؛ لكونه لم يظهر لي أن هذا منهج المؤلف أو الناسخ لعدم الالتزام به، وقد قال العلامة المحقق أحمد شاكر في مقدمة كتاب الرسالة للشافعي ص ٢٩: «ومما يلاحظ في النسخة - أي نسخة الربيع بن سليمان لكتاب الرسالة - أن الصلاة على النبي لم تكتب عند ذكره في كل مرة، بل كتبت في القليل النادر، بلفظ: «صلى الله عليه». وهذه طريقة العلماء المتقدمين، في عصر الشافعي وقبله، وقد شدد فيها المتأخرون، وقالوا: ينبغي المحافظة على كتابة الصلاة والتسليم، بل زادوا أنه لا ينبغي للناسخ أن يتقيد بالأصل إذا لم توجد فيه»، إلا أنه ﵀ اختار بعد ذلك البقاء على الرسم على تفصيل ذكره.

стр. 16

١٣ - ميزت متن المقنع عن الشرح في كثير من المسائل وفق الطاقة وذلك بتسويده، مع مقابلته بما هو مطبوع من متن المقنع في النسخة بتحقيق الشيخين محمود الأرناؤوط وياسين الخطيب، ومع ما ورد في عبارة المقنع عند الشارح ابن أبي عمر وابن مفلح والمرداوي، وما لم أميز فيه متن المقنع أشير إلى عبارة المقنع في الحاشية أحيانًا (١). ثانيًا: دراسة النص: راعيت في دراسة النص المحقق المنهج العلمي المتبع في قسم الفقه وفق المنهج الآتي: ١ - إيراد الدليل على الحكم المعين إذا أغفله المؤلف. ٢ - إذا أشار المؤلف إلى خلاف، أو أغفل ذكر بعض المذاهب الفقهية الأربعة، أستوفيه. ٣ - توثيق ما ينسبه المؤلف من آراء فقهية من كتبها المعتمدة، مع التحقق من صحة النسبة. ٤ - الاهتمام بالروايات والأقوال في المذهب إن أوردها المؤلف، وذلك على النحو الآتي: أ عزو الرواية أو القول إلى مصادرهما، وإضافة كل ما ورد في _________ (١) في كثير من الأحيان تكون مسائل المقنع في شرح البهاء متوافقة مع المطبوع من المقنع، إلا أنه في بعض المواضع يكون هناك اختلاف، قد يرجع ذلك إلى مقتضى دمج الشرح مع المتن، وقد يرجع أيضًا إلى أن نسخة المقنع التي في يد البهاء مختلفة في مواضع عما هو مطبوع، وعليه سيُلحَظ في مواضع عدم انسجام نصوص المقنع أحيانًا، لعدم اتصالها بحروف العطف ونحوها، وسيُلحَظ اختلافٌ في نسق بعض العبارات في تقديم أو تأخير ونحوها، إلا أني اجتهدت في محاولة تمييز متن المقنع، وقابلت المطبوع على ما انتهيت إليه مع وجود هذه العقبات لفائدة الإحاطة إجمالًا بعبارة المقنع وتمييزها عن الشرح، وأرجو أن أكون قد وفقت في المقصد والعمل.

стр. 17

كتب المذهب على أنه رواية دون أوجه الأصحاب وأقوالهم واختياراتهم، إلا إذا أشار إليها المصنف فإني أوثقها وأضيف ما زاد عليها إن وجد أحيانًا، وأكتفي غالبًا بما ذكره المصنف من الأوجه والأقوال إن وافق المذهب، وإن لم يوافق المذهب أذكر ما وجد من الأوجه فيما وافق المذهب، كما أذكر أحيانًا بعض الأوجه والاختيارات لمقتضى السياق أو لوجاهة الاختيار، أو للاختلاف في كون الوجه رواية عن الإمام ونحو ذلك. ب وما ينسبه المصنف إلى الإمام بقوله: «وعنه» أو «نص عليه» ونحو ذلك؛ فإني أجتهد في توثيقه ما أمكن من كتب المسائل عن الإمام أو الكتب التي تنقل اسم راوي المسألة عن الإمام، بخلاف ما إذا قال المصنف: «في رواية»؛ لكون الأولى ظاهرة في قول الإمام أو اختياره، بخلاف ما إذا قال: «في رواية» لاحتمالها التخريج ونحوها. ت - تحقيق الروايات وبيان معتمدها، والصحيح منها في كل مسألة، وأوثق الخلاف فيها، وأستظهر المذهب عند المتقدمين والمتأخرين - دون تقصٍّ لكتبهم -، وأعتمد ما استقر عليه المتأخرون، متَّبعًا في الغالب تحرير الإمام المرداوي، وأقارن معه ما تيسر لي الاطلاع عليه من كتب المذهب، وألتزم في تحرير الخلاف المذهبي عبارة أهل العلم في تقرير أقوالهم. ث - كل مسألة لم أجد فيها خلافًا في المذهب من جهة الرواية عن الإمام فإني لا أتطرق غالبًا إلى توثيقها تجنُّبًا لتطويل الحواشي، إلا إذا لزم الأمر فإني أوضح سبب توثيقي لها، وعليه تكون المسائل في النص المحقق المجردة عن التوثيق هي المذهب المعتمد عند المتأخرين والله أعلم. ٥ - أثبت في الحاشية السفلى الحواشي التي على جانب المخطوط

стр. 18

بما يناسب موضعها من عبارة المصنف بقول: (حاشية). ٦ - إذا قلت في الحاشية: (ما قرره المصنف) فأعني به في جملة ما يرد على الفقرة التي عليها الحاشية والمسألة المتصلة بها، وليس ما قبلها أو بعدها من مسائل. وإذا وضعت رقم الحاشية على القوس أو نهاية كلمة قبل نقطة نهاية الفقرة فإني أعلق على هذا الموضع بما يناسب، وإذا وضعت رقم الحاشية بعد نقطة نهاية الفقرة فإني أعلق على الفقرة بأكملها أو المسألة التي تسبق الحاشية بما يناسب، وكل رقم للحاشية لاحق بعد الفقرة فهو متعلق به، أبدأ في التعليق بما أراه الأَوْلى. ٧ - عند قولي في الحاشية: (المصنف)، أعني به صاحب الكتاب الشارح (البهاء)، وإذا قلت: في المطبوع من المقنع، فأعني به نسخة المقنع بتحقيق الشيخين محمود الأرناؤوط وياسين الخطيب، الصادر عن مكتبة السوادي بجدة سنة ١٤٢١ هـ. ٨ - أثبَتُّ في النص المحقق الصواب من الكلمات المصحفة من دون وضع قوسين، وأجعل حاصرتين [ … ] للكلمات التي تصرفت فيها، وفي كلتا الحالتين أعلق في الهامش على سبب التصحيح، كما علقت على الكلمات المحتملة للصواب لغيرها في الهامش دون وضع حواصر. ٩ - في فهرس الموضوعات أردفت بعض الفصول غير المسماة مما يندرج تحتها من المسائل الواردة في أثناء الشرح بموضوعها. ثالثًا: عمل الفهارس: ١ - فهرس الآيات. ٢ - فهرس الأحاديث. ٣ - فهرس الآثار.

стр. 19

٤ - فهرس لترجيحات المصنف وتصحيحه للمذهب. ٥ - فهرس الأعلام المترجم لهم. ٦ - فهرس الألفاظ المعرَّفة والغريبة. ٧ - فهرس الأماكن والقبائل. ٨ - فهرس المصادر والمراجع. ٩ - فهرس الموضوعات. * * *

стр. 20

المبحث الأول التعريف بالموفق ابن قدامة المقدسي وكتابه (المقنع) لما كان كتاب المقنع للشيخ الموفق ابن قدامة المقدسي أصلًا للمادة العلمية المشروحة في النص المحقق، وكان من المشهور لدى الخاصة والعامة من أهل العلم ما لكتاب المقنع من المكانة العلمية والحظوة الشرفية بين أوساط علماء الحنابلة، إذ هو واسطة العقد الثمين الذي انتظمت عليه جل شروح فقهاء المذهب من بعده، وتناولته أيدي الطلاب عنايةً وحفظًا ومطالعةً ومدارسةً، وعُقدت عليه المجالس العلمية، ونُظمت به القوافي الألفية، وكان محطًّا للراكب والراجل لسَبر دقائق أبواب الفقه، والممتع في تسلسل معاني الأحكام، والمبدع في سبك وجمع عبارات من سبقه من الفقهاء، ومجمع البحرين بين علمي المتقدمين والمتأخرين في المذهب، والمنقِّح لمذهب الإمام الرباني والحبر المتفاني أحمد بن حنبل الشيباني، حتى غدا المقنع زاد كل ذي زاد في المذهب، وروضةً لمن رام ضبط فروع المذهب، فكان البدء بالتعريف بمؤلفه الشيخ الموفق عبد الله ابن قدامة المقدسي وبيان مكانته العلمية في أوساط المذهب وكتابه المقنع مهمًّا للوقوف على أصل استمداد الشرح المحقق المبارك الذي بين أيدينا شرح بهاء الدين المقدسي على المقنع. وسينتظم هذا المبحث وفق مطلبين:

стр. 21

١ - مطلب في التعريف بالموفق ابن قدامة المقدسي. ٢ ومطلب في التعريف بكتابه المقنع. أسأل الله فيهما الإعانة والتيسير والسداد والتسهيل، وهو حسبي ونعم الوكيل. * * *

стр. 22

المطلب الأول التعريف بالموفق ابن قدامة المقدسي لا يخفى على المشتغلين في العلم أن الشيخ الموفق عبد الله ابن قدامة المقدسي له شهرة كبيرة بين فقهاء المذهب الحنبلي في عصره وبعد وفاته إلى يومنا الحاضر، ولأجل ذلك اهتم العلماء قديمًا بالعناية بسيرته وحياته، والعناية بمآثره العلمية. وأما في العصر الحديث فقد تناول عدد من الباحثين مؤلفاته لاستخراج اختياراته ومكنون توجيهاته أصولًا وفروعًا عبر رسائل علمية مفردة بين مستقل ومستكثر، وعليه رأيت الإيجاز في ترجمته بالقدر اللازم وعدم الإسهاب فيها والإحالة على مصادرها (١). فاقتصرت في هذا المطلب على ذكر نبذة عن عصر المؤلف، وعن الحركة العلمية فيه، وحياته الذاتية والعلمية. _________ (١) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٢/ ١٧٠، ومرآة الزمان في تواريخ الأعيان ٤/ ٢٩٦، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٣/ ٢٩١، والمقصد الأرشد لابن مفلح ٢/ ١٧، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ١٥٦، والمدخل لابن بدران ص ٤٢٤، والمدخل المفصل لبكر أبو زيد ١/ ٥٢٤، والمذهب الحنبلي للتركي ص ٢١٢، وموسوعة البيوتات العلمية بدمشق القسم الأول ١/ ٧٦٢، ٧٦٧، ٨٥٣ د. محمد مطيع حافظ، ومقدمة الرسائل العلمية بعنوان: ابن قدامة وآثاره الأصولية د. عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد ص ٨١ - ٩٨، والإجماع عند الأصوليين دراسةً وتطبيقًا للإجماعات التي حكاها ابن قدامة في المغني للباحث مازن عبد اللطيف البخاري ص ٣ - ٢٨، والقواعد الفقهية وتطبيقاتها عند ابن قدامة د. الجيلاني المريني ص ١٥ - ٣٠.

стр. 23

اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو الشيخ، الإمام، القدوة، العلامة، المجتهد، شيخ الإسلام، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، الجَمَّاعيلي المقدسي نشأةً وأصلًا، ثم الدمشقي الصالحي موطنًا ووفاةً، المولود في قرية جَمَّاعيل إحدى قرى جبل نابلس بفلسطين (١)، في منتصف القرن السادس الهجري في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمئة للهجرة (٥٤١ هـ). نشأ الموفق ﵀ بين أسرة علمٍ وفضلٍ وتقًى، فكان والده ﵀ (٤٩٨ - ٥٥٩ هـ) إمامًا في العلم، معدودًا من كبار العلماء في ذلك الزمان، كما أنه عرف بالصلاح والعبادة والعمل، وقد ولي الخطابة أول أمره في جَمَّاعيل. وكان له غير الموفق ابنه محمد المكنى والمشهور بأبي عمر (ت ٦٠٧ هـ)، وعبيد الله (ت ٥٧٥ هـ)، ورابعة (ت ٦٢٠ هـ)، ورقية (ت ٦٢١ هـ)، وفاطمة، ومكية، وآمنة. أسرته ومعيشته: كان والد الموفق ﵀ عميد عائلته وكبيرهم في حياته، وكان يُدرس الحديث وغيره من العلوم، ولما غزا الصليبيون بلاد نابلس ضيقوا على أهل العلم عمومًا وعليه وأسرته خصوصًا، فقرر الهجرة سرًّا مع ابن أخيه محمد بن أبي بكر، وزوج أخته عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي _________ (١) ونسبته المقدسي لأن نابلس وأعمالها جميعًا من مضافات بيت المقدس وبينهما مسيرة يوم واحد. ينظر: معجم البلدان ٢/ ١٦٠.

стр. 24

وابن أخته عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي، إلى دمشق في جبل قاسيون (١). ولما استقر في الجبل لحق بالشيخ أحمد - والد الموفق - أولاده وزوجتاه سعيدة بنت أحمد ابن أبي الفتح أم أولاده السابقين، وسعيدة بنت أحمد بن عبد الله بن عمر بن شبيب، وبنوا في الجبل مسجدًا وبيوتات لهم، وكان الجبل آنذاك موحشًا من اللصوص والسباع. وفي دمشق تزوج الموفق بابنة عمته مريم بنت أبي بكر بن عبد لله بن سعد، فولد له محمد المكنى بأبي الفضل، وعيسى المكنى بأبي المجد، ويحيى المكنى بأبي العز، وبنتاه صفية وفاطمة، وكانوا جميعًا أهل صلاح وخير، مشهودًا لهم بذلك، وتوفيت زوجته وأولاده جميعًا في حياته، ولم يعقب منهم سوى ابنه عيسى. وبعد استقرارهم في الجبل توافد الناس عليهم ناهلين مما حباهم الله من العلم، وكان والد الموفق الشيخ أحمد وأبناؤه قد غلب عليهم الصلاح والتقوى فسُمُّوا بالصالحين، وسميت المنطقة بعد ذلك بالصالحية نسبة إلى صلاحهم الذي اشتَهَروا به، حتى قيل: الصالحية جنةٌ … والصالحون بها أقاموا فعلى الدِّيار وأهلِها … مني التَّحيةُ والسلامُ واعتزل والد الموفق في آخر حياته الناس، وآثر التخلي عن أمور الدنيا، تاركًا تصريف شؤون أولاده لابنه أبي عمر. وبعد وفاة الشيخ أحمد أسس أبو عمر المدرسة العمرية وجامع الحنابلة، حتى صارا قبلة للعلم والعلماء في تدريس المذهب الحنبلي. _________ (١) قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق، وفيه عدة مغاور وكهوف. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٢٩٥، والقلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون ص ٨٧، وفي ذكر أخبار الصالحية الآتية في الكتاب استفدت من قرائتي للمصدر الأخير.

стр. 25

وفي جَمَّاعيل حفظ الموفق القرآن منذ صغره، وسمع الحديث من والده قبل الهجرة وبعدها، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه، ورحل إلى بغداد سنة (٥٦١ هـ)، وله عشرون سنة. وظهر بالشيخ أبي عمر والشيخ الموفق منذ ذلك الوقت وقبله من الصلاح والديانة والجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين والأحوال الزَّكية ما جعل لهم القبول في الأرض، حتى قال فيهم سبط ابن الجوزي مقولته المشهورة: «شاهدت من الشيخ أبي عمر وأخيه الموفق ونسيبهم العماد ابن إبراهيم بن علي المقدسي ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساني أهلي وأوطاني، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون منهم في دار المقامة» (١). وكذلك الحال في أختيهما رابعة زوجة الحافظ عبد الغني المقدسي، ورقية والدة الحافظ الضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) اللتين اشتَهَرتا بالصلاح والديانة، وهذا مما يدل على أن الموفق ﵀ نشأ في بيت علم وفضل وصلاح، فرحمهم الله ورضي عنهم. ثم إن هذا العلم والصلاح انتشر في ذريتهم، وأضاء في عاقبتهم، حتى صار لقب المقادسة وصفًا ملازمًا لهذه الأسرة المباركة العريقة. وكان من نتائج هذه الهجرة المباركة والصبر الجميل على البلاء المبين أن مكن الله لهم في الأرض، وتوافد الناس عليهم رجالًا وركبانًا وعلى كل ضامرٍ طالبًا للعلم والتعليم يأتيهم من كل فج عميق. حقبة زمانه السياسية: عاش الموفق حقبة أواخر الدولة العباسية، وكانت هذه الفترة مليئة بالتقلبات السياسية، ومنها سقوط دولة الفاطميين في مصر التي أنشئت _________ (١) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ٤/ ٢٩٦.

стр. 26

على يد العاضد عبد الله بن يوسف الحافظ عام ٣٥٩ هـ، واستمرت أكثر من مئتي سنة تقريبًا، وكان الموفق آنذاك في سن الشباب في العقد الثالث من عمره، وكذلك شهد عصره كسر حصون الصليبيين في المعركة الشهيرة معركة حطين التي تحرر فيها القدس الشريف - أعاده الله للمسلمين - وشارك في هذه المعركة بقيادة صلاح الدين الأيوبي عام ٥٨٣ هـ بعد أن سيطر الصليبيون عليه نحو تسعين سنة. صفاته الخُلقية والخَلقية: ألف الحافظ ضياء الدين المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) في سيرة الموفق وغيره من المقادسة جزءين سماه سِيَرَ المقادسة، ضمنه سيرة الموفق وابن أبي عمر والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهم (١)، نقل ذلك الذهبي وابن رجب وابن مفلح وغيرهم. ومما نقل عن الضياء المقدسي في أثر الموفق بين الناس ومعاملته لهم ومكانته بين أهله وقرابته ومن حوله قوله: «وكان فقيهًا، إمامًا، خطيبًا، عفيفًا، متورعًا، محبوبًا إلى الناس، ذا بشاشةٍ، وحسن خلقٍ، وكان مليح الكتابة، خطب مدة بالجامع المظفري، وسعى في مصالحه، وكان لا يتناول من وقفه إلا شيئًا يسيرًا، سمعته يقول: إذا مضيت في حاجةٍ من أمر الجامع ربما اشتريت لي شيئًا آكل حَسْبُ» (٢). وذكر المؤرخون أن الموفق ﵀ كان ذا هيبةٍ ووقارٍ، وحلمٍ وتُؤدة، وكانت أوقاته مستغرَقة في العلم والعمل. (٣) _________ (١) ولا علم لي إن كان طبع أو لا، وقال عبد القادر الأرناؤوط في مقدمة تحقيق كتاب المقنع حاشية ص ١٠: «ومنه نسخة خطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق، وهو جدير بالتحقيق والنشر». (٢) تاريخ الاسلام ٤٤/ ٢٥٤. (٣) ويظهر أن ذلك كله بتوفيق من الله من أثر عبادته بسلوك الإخلاص فيها كما سيأتي في آخر هذا الفرع.

стр. 27

كما أنه أوتي - مع سَعة فهمه واطلاعه على العلوم - ذكاءً وفطنةً، فكان يفحم الخصوم بالحجج والبراهين، ولا يتحرّج ولا ينزعج من المناظرة ومطارحة العلم، وكان لا يناظر أحدًا إلا ويبتسم. (١) ومما نقله الحافظ الضياء في صفته الخَلقِيَّة أنه: «كان تامَّ القامة، أبيض، مُشرق الوجه، أدعَجَ العينين، كأنَّ النُّور يخرج من وجهه لحُسنه، واسع الجبين، طويل اللّحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، لطيف اليدين، نحيف الجسم» (٢). كما كان ﵀ كثير الحياء، عزوفًا عن الدنيا وأهلها، هيِّنًا لينًا متواضعًا، محبًّا للمساكين، حسن الأخلاق، جوادًا، سخِيًّا، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سُبُعًا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السُّنة في الغالب إلا في بيته اتباعًا للسُّنة، وكان صحيح الاعتقاد، مبغضًا للمشبهة، قال فيه سبط ابن الجوزي: «من رآه كأنما رأى بعض الصحابة، كأن النور يخرج من وجهه» (٣). رِحلاته في العلم وشيوخه: رحلته الأولى إلى بغداد: رحل إليها وهو شاب في سنة ٥٦١ هـ (٤)، وقرأ فيها مختصر الخرقي مع ابن خالته عبد الغني المقدسي على الشيخ عبد القادر الجِيلاني، حيث أدركاه نحوًا من خمسين يومًا، ونزلا في مدرسته، ولما توفي الشيخ عبد القادر لازم الموفق الشيخ ابن المَنِّي، وبقي في بغداد نحوًا من أربع سنين، كما قرأ على عدد من المشايخ في بغداد، منهم: شيخ بغداد أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٧٠، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب (٧/ ١٥٦). (٢) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٨، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب (٧/ ١٥٦). (٣) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (٢٢/ ٢٦٦) (٤) المطلع للبعلي ص ٥٥٨.

стр. 28

(ت ٥٦٢ هـ)، وأبو الفتح محمد بن عبد الباقي المعروف بابن البطي (ت ٥٦٤ هـ)، ثم رجع إلى دمشق (١). رحلته الثانية إلى بغداد: عاد إليها ومكث فيها نحو سنة، قرأ على ابن المني مرة أخرى. رحلته الثالثة إلى بغداد: قال ابن أبي الفتح: «ثم حج سنة ثلاث وسبعين، ومضى على طريق العراق ودخل بغداد وأقام ثالثة واشتغل، فقيل: إنه في هذه السفرة، كرر على مئة مسألة من الخلاف، ثم رجع واشتغل بالإشغال والتصنيف» (٢). ثناء العلماء عليه: مما ذكره الضياء المقدسي في سيرته: «أنه إمام في القرآن وتفسيره، إمام في الحديث ومشكلاته، إمام في الفقه بل أوحد زمانه فيه، إمام في علم الخلاف، إمام في الفرائض، إمام في الأصول، إمام في النحو، إمام في الحساب، إمام في النجوم السيارة ومنازلها». وقال أيضًا: «وسمعت البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم يقول: كان شيخنا أبو الفتح ابن المني يقول للشيخ الموفق: اسكن هنا فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد، ولا تُخلِّف فيها مثلك، وكان الموفق يقول: إن لي أولادًا ولا يمكنني المقام» (٣). قال ابن مفلح: «وكان العماد - أي: المقدسي، وهو من طبقة شيوخه (ت ٦١٤ هـ) - يعظمه كثيرًا ويجلس بين يديه كجلوس المتعلم من العالم» (٤). _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٦. (٢) المطلع ص ٥٥٩. (٣) تاريخ الإسلام ١٣/ ٦٠١، والمقصد الأرشد ٢/ ١٧، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ١٥٦. (٤) المقصد الأرشد ٢/ ١٧.

стр. 29

وقال الشيخ أبو بكر بن الحلاوي محمد بن معالي بن غنيمة الحنبلي مفتي بغداد (ت ٦١١ هـ): «ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق» (١). وقال أبو عمرو ابن الصلاح الشافعي (ت ٦٤٣ هـ): «ما رأيت مثل الشيخ الموفق، وله مصنفات كثيرة في أصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والأنساب، والزهد، والرقائق، وغير ذلك، ولو لم يكن من تصانيفه إلا المغني لكفى وشفى» (٢). وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي (ت ٦٨٦ هـ): «لم تطب نفسي بالإفتاء حتى صار عندي نسخة من المغني» (٣). وقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): «وبلغني من غير وجه عن الإمام أبي العباس ابن تيمية ﵀ أنه قال: ما دخل الشام - بعد الأوزاعي - أفقه من الشيخ الموفق» (٤). أخلاقه مع طلابه: وكان مع أقرانه وطلابه دمث الخلق، كثير المؤانسة، قريب المنال، قليل الضجر، ومما يدل على ذلك ما نقله الذهبي عن الضياء المقدسي قوله: «وسمعت البهاء يقول: كان الشيخ في القراءة يمازحنا، وينبسط، وكلموه مرة في صبيان يشتغلون عليه، فقال: هم صبيان، ولا بد لهم من اللعب، وأنتم كنتم مثلهم، وكان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره، وكان يؤثر، وسمعت البهاء يصفه بالشجاعة، وقال: كان يتقدم إلى العدو، وجرح في كفه، وكان يرامي _________ (١) المقصد الأرشد ٢/ ١٧، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ١٥٦. (٢) المقصد الأرشد ٢/ ١٧. (٣) المقصد الأرشد ٢/ ١٨. (٤) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨٦، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ١٥٨.

стр. 30

العدو» (١). وقال الحافظ الضياء أيضًا: «وسمعت البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم يقول: لم أر فيمن خالطت أجملَ منه ولا أكثر احتمالًا، وكان متواضعًا، يقعد إليه المساكين ويسمع كلامهم ويقضي حوائجهم ويعطيهم، وكان حسن الأخلاق، لا نكاد نراه إلا مبتسمًا، يحكي الحكايات لجلسائه ويخدمهم، ويمزح ولا يقول إلا حقًّا» (٢). وبعد ذلك أقول: لا شك أن من اجتمعت فيه هذا الصفات الحسنة، والمكارم الفاضلة، والمعاشرة الجميلة، مع القوة في الحجة والبرهان، والشجاعة في الجهاد بالميدان، قد اجتمعت لديه خصال أولياء الله الصالحين، ولا غرو بعد ذلك كله في إدراك معنى قول سبط ابن الجوزي: «من رآه كأنما رأى بعض الصحابة». ومن خلال قراءة ترجمة الموفق في حياته الشخصية يمكن تلخيص أسباب نيل الموفق هذا التوفيق الرباني بأمور أذكرها تذكيرًا وتنبيهًا على اختصار إذ الشواهد والدلائل عليها ظاهرة ومستفيظة: فمنها: الحرص على إخفاء العمل وعدم إظهاره والتباهي به. ومنها: الخلوة بين العبد وبين ربه ذكرًا ومناجاةً ودعاءً وتفكرًا. ومنها: العناية بورد القرآن والاستزادة به. ومنها: مخاطبة الناس بالحسنى، والسعي في حاجاتهم، وأولاها تعليمهم وتدريسهم. ومنها: كسر النفس، وبذل مهجتها لله، ومخالفة الهوى، والصبر على ذلك. ومنها: الحرص على اتباع السنة وروم صحة الاعتقاد، والسير على منهاج السلف في أخذ العلم وفهمه والعمل به. _________ (١) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٧١. (٢) تاريخ الإسلام ١٣/ ٦٠١.

стр. 31

ومنها: حب الضعفاء والمساكين، والقرب منهم ومؤانستهم. ومنها: البعد عن الدنيا وعدم الاشتغال بها عن الآخرة. قال ابن أبي الفتح البعلي (ت ٧٠٩ هـ) بعد أن قرر نحو ما سبق: «فلذلك نفع الله تعالى الخلق به في حياته، واتصل النفع به بعد موته بتصانيفه، بحيث لا يكاد يستغني عنها أحد من أهل مذهبه» (١). ولا شك أن من صَبَرَ نفسه على هذه الأخلاق أو بعضها يؤتيه الله من الخير بمثل ما آتى عباده المُخلَصين، والله في عون العبد، وهو الهادي ونعم الوكيل. تلاميذه: كان الموفق ﵀ ذا اشتغال بالحديث والفقه سماعًا وإسماعًا، ومن ذلك ما قاله الذهبي: «حدث عنه: البهاء عبد الرحمن، والجمال أبو موسى ابن الحافظ، وابن نقطة، وابن خليل، والضياء، وأبو شامة، وابن النجار، وابن عبد الدائم، والجمال ابن الصيرفي، والعز إبراهيم بن عبد الله، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي، والشمس ابن الكمال، والتاج عبد الخالق، والعماد بن بدران، والعز إسماعيل ابن الفراء، والعز أحمد ابن العماد، وأبو الفهم بن النَّميس، ويوسف الغسولي، وزينب بنت الواسطي، وخلق، آخرهم موتًا التقي أحمد بن مؤمن» (٢). مصنفاته: إن للموفق تصانيفَ كثيرة ذاع صيتها واشتَهَر، وأصبح كثيرٌ منها عمدة من بعده في التأليف والعناية، وهي معدودة مشهورة في غير ما موضع، _________ (١) المطلع ص ٥٦٠. (٢) سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٧.

стр. 32

وقد حفظ الله كثيرًا منها من الدرس والضياع، وكانت تصانيفه مميزة بأمور، ذكر طرفًا منها ابن رجب بقوله: «وتصانيفه في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث، ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم، وهذه طريقة أحمد والمتقدمين، وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات، من غير تفسير (١) ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل» (٢). وأذكر في هذا الفرع طرفًا منها، فمن تصانيفه في أصول الدّين: - البرهان في مسألة القرآن، مطبوع عن مكتبة الهدى النبوي في مصر. - لمعة الاعتقاد، مطبوع عن دار ركائز في الكويت وغيرها. - مسألة العلو، مطبوع عن مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة وأخرى. - ذم التأويل، مطبوع عن دار الفتح في الشارقة. - كتاب القدر، لم يطبع. - منهاج القاصدين في فضائل الخلفاء الراشدين، مطبوع عن المكتب الإسلامي. - رسالة إلى الشيخ فخر الدّين ابن تيمية في عدم تخليد أهل البدع في النار، لم يطبع. _________ (١) قال ابن تيمية في المجموع ٥/ ٥٠ في معنى قول أهل العلم من غير تفسير: «قول من غير تفسير أي من غير تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات». (٢) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢١٩.

стр. 33

- تحريم النظر في كتب أهل الكلام، مطبوع عن دار عالم الكتب في الرياض. ومن تصانيفه في الحديث: - المنتخب من العلل للخلّال، مطبوع عن دار الراية. - مشيخة شيوخه في أجزاء كثيرة، لم يطبع. ومن تصانيفه في الفقه والأصول: - المغني، وهو شرح لمختصر أبي القاسم الخرقي، مطبوع عن دار هجر في مصر. - الكافي، مطبوع عن دار هجر في مصر. - المقنع، مطبوع عن مكتبة السوادي، وهو موضوع الدراسة في المطلب الثاني. - مختصر الهداية، لم يطبع. - العمدة في الفقه، مطبوع عن دار البشائر في لبنان. - الهادي، قال في الإنصاف ١/ ١٨: «ورأيت في نسخة معتمدة، أن اسم الهادي: عمدة الحازم، في تلخيص المسائل الخارجة عن مختصر أبي القاسم» مطبوع عن دار النوادر. - ذم الموسوسين، مطبوع عن دار الفاروق الحديثة بمصر. - روضة الناظر وجُنَّة المُناظِر في أصول الفقه، مطبوع عن مكتبة الرشد بالرياض. - وله فتاوى ومسائل منثورة. ومن تصانيف في اللغة: - قنعة الأريب في الغريب من حديث الرسول ﷺ ، لم يطبع. ومن تصانيف في الأنساب:

стр. 34

- التبيين في نسب القرشيين، مطبوع عن المجمع العلمي العراقي. - الاستبصار في نسب الأنصار، مطبوع عن دار الفكر. ومن تصانيفه في الزهد والرقائق: - كتاب التوابين، مطبوع عن دار الكتاب العربي. - كتاب المتحابين في الله، مطبوع عن مؤسسة الريان. - كتاب الرِّقة والبكاء، مطبوع عن دار القلم في دمشق. (١) قال ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٩٨ هـ): «وانتفع بتصانيفه المسلمون عمومًا، وأهل المذهب خصوصًا، وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه» (٢). وفاته: وقد وافته المنية بدمشق يوم السبت يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمئة بمنزله، وله من العمر ثمانون سنة، وصُلِّيَ عليه من الغد، وحُمل إلى سفح قاسيون، وكان الجمع في الصلاة عليه عظيمًا، امتد الناس في طرقات الجبل فملؤوها. فاللهم ارحم عبدك الموفق برحمتك الواسعة، وأعْلِ درجته في منازل الشهداء والصالحين، مع النبيين والصديقين، وألحقنا بهم وأنت السميع العليم القدير المجيب، أنت مولانا، نعم المولى ونعم النصير. * * * * _________ (١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٩١، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ١٦١. (٢) شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ١٦١.

стр. 35

المطلب الثاني التعريف بالكتاب المشروح (المقنع) وفيه خمس مسائل: لما كان كتاب المقنع معدودًا من أشهر مؤلفات الموفق ابن قدامة، وهو أصل كثير من الشروح الفقهية والحواشي في المذهب، ومن ذلك شرح البهاء الذي بين أيدينا، رأيت أن أفرد له دراسة خاصة، أتناول فيها اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه، وأصول الكتاب ومصادره، وقيمة الكتاب العلمية وتقييمه، ومنهج المصنف في تأليفه، وبيان مصطلحاته، وشروح الكتاب والناقلين عنه، وذلك في المسائل الخمس الآتية، والله أسأل التيسير والإعانة. وأشير إلى أني لم أقف على دراسة وافية لكتاب المقنع، مع ما لكتاب المقنع من الأهمية التي يحظى بها بين كتب المذهب من عهد الموفق إلى يومنا الحاضر، فلعل الكلام والاجتهاد في هذا المطلب يكون نواة خير لترسيخ قيمة الكتاب العلمية والاستفادة منه. المسألة الأولى: اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه: لا يكاد يختلف في اسم كتاب المقنع ونسبته إلى مؤلفه، وقد أشار المصنف ذاته إلى اسمه في مقدمته فقال: «فهذا كتاب في الفقه على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵁، اجتهدت في جمعه وترتيبه، وإيجازه وتقريبه، وسطًا بين القصير

стр. 36

والطويل، وجامعًا لأكثر الأحكام، عرية عن الدليل والتعليل، ليكثر علمه، ويقل حجمه، ويسهل حفظه وفهمه، ويكون (مقنعًا) لحافظيه، نافعًا للناظر فيه» (١). وكذا ورد اسمه في النسخ المخطوطة للكتاب، وليس بينها اختلاف فيما اطلعت عليه من النسخ. كما أثبت اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف كل من ترجم للموفق، كالسبط ابن الجوزي، والذهبي، وابن رجب، وبرهان الدين ابن مفلح، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم. وقد جاء اسم الكتاب مصرحًا به في مقدمات شروحه، كشرح ابن أخيه المسمى بالشرح الكبير (٢)، وشرح ابن مفلح (٣)، وما أثبت في طرة مخطوط شرح البهاء عليه وفي النقل عنه كما سيأتي في المبحث الثاني، ولا أرى أن الاستقصاء في ذكر ما يثبت ذلك أكثر له مزيد فائدة، والله أعلم. تتمة: في بيان الزيادات على كتاب المقنع: ولما فرغ ابن قدامة من كتابه المقنع قُرئ عليه الكتاب وصحح فيه (٤)، وأذن لبعض كبار طلابه بإصلاح ما يراه، وقد نص ابن رجب أنه _________ (١) المقنع ص ٢١، كما أن العبارة في مقدمة كتاب الكافي على نحو مقدمة المقنع. (٢) الشرح الكبير ١/ ٥. (٣) المبدع ١/ ١٨. (٤) ومن ذلك ما ذكره في الإنصاف ٤/ ٤١٠ في مسألة ائتمام المتوضئ بالمتيمم: «تنبيه: قوله: وائتمام المتوضئ بالمتيمم، هذه المسألة وجدتها في نسخة مقروءة على المصنف من أولها إلى آخرها، وعليها خطه، وأكثر النسخ ليس فيها ذلك، والحكم صحيح، وصرح به الأصحاب»، قلت: وهذه المسألة لم توجد في أغلب نسخ المقنع عندي حتى المتقدمة منها، ووجدتها في نسخة متأخرة.

стр. 37

الشارح ابن أبي عمر (١)، وإليه أشار المرداوي في بعض المواضع بالإنصاف، وأبهمه وابن المُنَجَّا في الممتع وابن مفلح في المبدع في مواضع، ولم يذكروا اسمه (٢)، ومن تلك المسائل: المسألة الأولى: في موجبات الغسل، قال في المقنع: (وفي الولادة العارية عن الدم وجهان)، قال في الإنصاف: «قوله: العارية عن الدم، من زوائد الشارح». (٣) المسألة الثانية: في زكاة المعدن، قال في المقنع: (ففيه الزكاة في الحال، ربع العشر من قيمته، أو من عينها إن كانت أثمانًا)، قال في الإنصاف: «تنبيه: قوله: أو من عينها إن كانت أثمانًا، ليس هذا من كلام المصنف، وإنما زاده بعض من أجاز له المصنف الإصلاح، قاله ابن المُنَجَّا، وقال: إنما اقتصر المصنف على قوله: من قيمته، إما لأن الواجب فى الأثمان من جنسه ظاهر، وإما على سبيل التغليب؛ لأنه ذكر الأثمان وأجناسًا كثيرة، فغلب الأكثر. انتهى، قلت: الأول أولى، فالقيمة إنما تكون فى غير الأثمان». (٤) المسألة الثالثة: في خيار العيب، قال في المقنع: (وإن كان المبيع مما ينقصه التفريق، كمصراعي باب، وزوجي خف، أو ممن يحرم _________ (١) ذيل الطبقات ٤/ ١٤٧، ولم أقف على غير هؤلاء ممن ذكر مسألة إصلاح المقنع، ومما يقوي أن المأذون له بالإصلاح هو الشارح ابن أبي عمر أن المسألة الثالثة الآتية لم أجد الإصلاح والتعديل إلا عنده وعند ابن مفلح صاحب المبدع، ولعله تابعه عليه لكون البرهان ابن مفلح اعتمد في شرحه على الشرح الكبير كثيرًا. (٢) ولعل سبب الإبهام أن هناك غير الشارح ابن أبي عمر ممن أذن له الموفق بالإصلاح، وتلك المواضع في كتاب الممتع: ١/ ١٦٨، ١/ ٦٣٥، ١/ ٧٢٧، ٣/ ٢٤٧، وفي المبدع: ٥/ ٢٥٩، ٦/ ٤١، وفي الإنصاف: ١/ ١٦٥، ٢/ ١٠٦، ١١/ ٤٢٣، ١٢/ ٢٥٤. (٣) المقنع ص ٣٢، والممتع لابن المنجا ١/ ٤١، والإنصاف ٢/ ١٠٦. (٤) المقنع ص ٩١، والممتع لابن المنجا ١/ ٧٦٩، والإنصاف ٦/ ٥٨٢.

стр. 38

التفريق بينهما؛ كجارية وولدها)، قال في الإنصاف: «تنبيه: قول المصنف: وجارية وولدها، كذا وجد في نسخ مقروءة على المصنف، وزاد من أذن له في الإصلاح: أو ممن يحرم التفريق بينهما، قاله ابن منجى في شرحه، قلت - أي المرداوي: وفي تمثيل المصنف كفاية، ويقاس عليه ما ذكر، وقد نبه المصنف على ذلك في كتاب الجهاد». (١) قلت: وهذه المواضع وردت ضمن القدر الذي حققته من شرح البهاء على المقنع مما اتفق على إيراده ابن المُنَجَّا والمرداوي، وشرح البهاء على المقنع لم يتضمنها، ورغبت بالإشارة إليه دون تحقيقه تنبيهًا للباحثين في ضبط عبارات المقنع وألفاظه. وقد بدا في بعضها أن الإصلاح غير مرضي عنه عند الأصحاب، ولم يبدو شيء في بعضها الآخر، وبالجملة فهذه النقول تحتاج إلى تتمة بحث وتأمل وجمع وتحقيق، لعل الله ييسر من يحققها. المسألة الثانية: أصول الكتاب ومصادره: ليس بين أيدينا نصٌّ من الموفق ابن قدامة يوضح أصل كتابه ومصادره، كما أنه ليس للموفق إشارة أو إحالة إلى أحد مصادره من كتبه المغني والكافي والمقنع والعمدة، توضح الإشارة لأحد هذه الكتب ضمن كتاب آخر، والله أعلم. وعليه فسيكون اجتهادي في بيان أصول الكتاب ومصادره بناء على أمرين: الأول: تتبع واستقراء نصوص كتاب المقنع، والثاني: تقصي كلام أهل العلم حوله، خصوصًا المعتنين به، وذلك ضمن الفرعين الآتيين. _________ (١) المقنع ص ١٣٦، والممتع لابن المنجا ٢/ ٤٥٧، والإنصاف ١١/ ٤٢٣.

стр. 39

* الفرع الأول: تتبع واستقراء نصوص كتاب المقنع: لا شك أن لمختصر الخرقي والمختصرات بعده كالإرشاد لابن أبي موسى والهداية لأبي الخطاب أثرًا على كتاب المقنع، وقد شابه ابن قدامة صاحب الهداية في ترتيب كتابه ومسائله (١)، فقد سبق في ترجمة الموفق عنايته بمختصر الخرقي، وحفظه له منذ الصغر، والاعتناء بزوائده. ولما كان الموفق ﵀ قد نص في مقدمته أنه اجتهد في جمع مادته وترتيبها وإيجازها وتقريبها، فإن في ذلك إشارة إلى أن ما اعتنى به منذ صغره وحفظه وشرحه كان له أثرٌ في كتاب المقنع، يؤكد ذلك ويقرره نقله عن أبي القاسم الخرقي في أكثر من ثمانين موضعًا. كما أن لكتاب الهداية لأبي الخطاب أثرًا ظاهرًا على الكتاب حيث نقل عن أبي الخطاب قريبًا من نقل الخرقي في الكتاب. (٢) كما أجد لاختيارات القاضي أبي يعلى أثرًا في مادة الكتاب واستمداده، حيث نقل عنه ما يزيد عن مئة اختيار. (٣) كما نَقَل عن أبي بكر عبد العزيز غلام الخلال (٤)، ونقل عن أبي بكر الخلال، والحسين بن حامد، وعن أبي علي النجاد، وأبي إسحاق بن _________ (١) وقد أشار الزركشي في شرح الخرقي إلى هذا المعنى في ٧/ ٣٢٣ و ٧/ ٣٩٩، حيث قرر بعض المسائل من المقنع وقال: «تبعًا للهداية»، وهذا أيضًا من تقرير شيخي أ. د عبد السلام بن محمد الشويعر وفقه الله في تسجيل له في شرح مقدمة الإنصاف وخاتمته، وما صوبه أثناء مناقشة الرسالة. (٢) وعند توثيق اختيارات أبي الخطاب في أثناء تحقيقي لشرح البهاء أجد أن أغلبها من كتاب الهداية، ويندر أن يكون التوثيق من غيره خاصة إذا كان كلام أبي الخطاب واقعًا ضمن متن المقنع. (٣) وكان غالب التوثيق في شرح البهاء من كتبه الثلاثة: الروايتين والوجهين، والجامع الصغير، والتعليقة الكبيرة فيما وجد منها من أجزاء. (٤) وبعض هذه النقول تم توثيقها من كتاب زاد المسافر ومن قطعة من كتاب الشافي الذي هو أصل كتاب زاد المسافر، وبعضها لم أقف عليه.

стр. 40

شاقْلا، وكتبهم مفقودة - يسر الله وجودها -. * الفرع الثاني: كلام أهل العلم حول كتاب المقنع: بتقصي كلام أهل العلم حول المقنع لم أجد فيمن ترجم له أو من شرح كتابه ما يدل على أصل الكتاب ومصادر استمداده، ويمكن أن نخلص بعد ذلك إلى القول بأن كتاب المقنع للموفق ابن قدامة كان جمعًا وتحريرًا من عدة كتب ممن سبقه، مضافًا إليها خلاصة اطلاعه على كتب المذهب المتقدمة عليه. يؤكد ذلك أنه بعد تأليفه صحح فيه ونَقَّح، وقرئ عليه الكتاب، وأذن بالإصلاح فيه لابن أخيه الشارح ولعله لغيره أيضًا، ولم يكن لهذا التصحيح ضابط مذكور بين الناقلين عنه، فعليه يكون كتاب المقنع نسيج خلاصة فقهية من عدة كتب وتأصيلات علمية أصله من الموفق وتتمات بعض مسائله من تلاميذه، والله أعلم. وتبقى مسألة جديرة بالبحث والعناية وهي أن كتب الموفق المشهورة في الفقه أربعة: ١ - المغني الذي ضمنه خلاف السلف والمذاهب الفقهية مع بسط في المسائل والخلاف والتدليل عليها. ٢ - والكافي الذي اقتصر فيه على خلاف المذهب في أشهر الروايات والتدليل عليها. ٣ - والمقنع الذي جعله متنًا مختصرًا على أشهر الروايتين في المذهب مجردًا عن الدليل والتعليل. ٤ - والعمدة وهو متن أخصر من الذي قبله، جعله على رواية واحدة تسهيلًا وتيسيرًا. وقد أوضح ابن بدران أن الموفق قد ألف أربعة كتب في المذهب
следующие страницы →