← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1287

شرح المقنع للبهاء المقدسي

بهاء الدين المقدسي

Полный текст (1 549 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والطويل، وجامعًا لأكثر الأحكام، عرية عن الدليل والتعليل، ليكثر علمه، ويقل حجمه، ويسهل حفظه وفهمه، ويكون (مقنعًا) لحافظيه، نافعًا للناظر فيه» (١). وكذا ورد اسمه في النسخ المخطوطة للكتاب، وليس بينها اختلاف فيما اطلعت عليه من النسخ. كما أثبت اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف كل من ترجم للموفق، كالسبط ابن الجوزي، والذهبي، وابن رجب، وبرهان الدين ابن مفلح، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم. وقد جاء اسم الكتاب مصرحًا به في مقدمات شروحه، كشرح ابن أخيه المسمى بالشرح الكبير (٢)، وشرح ابن مفلح (٣)، وما أثبت في طرة مخطوط شرح البهاء عليه وفي النقل عنه كما سيأتي في المبحث الثاني، ولا أرى أن الاستقصاء في ذكر ما يثبت ذلك أكثر له مزيد فائدة، والله أعلم. تتمة: في بيان الزيادات على كتاب المقنع: ولما فرغ ابن قدامة من كتابه المقنع قُرئ عليه الكتاب وصحح فيه (٤)، وأذن لبعض كبار طلابه بإصلاح ما يراه، وقد نص ابن رجب أنه _________ (١) المقنع ص ٢١، كما أن العبارة في مقدمة كتاب الكافي على نحو مقدمة المقنع. (٢) الشرح الكبير ١/ ٥. (٣) المبدع ١/ ١٨. (٤) ومن ذلك ما ذكره في الإنصاف ٤/ ٤١٠ في مسألة ائتمام المتوضئ بالمتيمم: «تنبيه: قوله: وائتمام المتوضئ بالمتيمم، هذه المسألة وجدتها في نسخة مقروءة على المصنف من أولها إلى آخرها، وعليها خطه، وأكثر النسخ ليس فيها ذلك، والحكم صحيح، وصرح به الأصحاب»، قلت: وهذه المسألة لم توجد في أغلب نسخ المقنع عندي حتى المتقدمة منها، ووجدتها في نسخة متأخرة.

стр. 37

الشارح ابن أبي عمر (١)، وإليه أشار المرداوي في بعض المواضع بالإنصاف، وأبهمه وابن المُنَجَّا في الممتع وابن مفلح في المبدع في مواضع، ولم يذكروا اسمه (٢)، ومن تلك المسائل: المسألة الأولى: في موجبات الغسل، قال في المقنع: (وفي الولادة العارية عن الدم وجهان)، قال في الإنصاف: «قوله: العارية عن الدم، من زوائد الشارح». (٣) المسألة الثانية: في زكاة المعدن، قال في المقنع: (ففيه الزكاة في الحال، ربع العشر من قيمته، أو من عينها إن كانت أثمانًا)، قال في الإنصاف: «تنبيه: قوله: أو من عينها إن كانت أثمانًا، ليس هذا من كلام المصنف، وإنما زاده بعض من أجاز له المصنف الإصلاح، قاله ابن المُنَجَّا، وقال: إنما اقتصر المصنف على قوله: من قيمته، إما لأن الواجب فى الأثمان من جنسه ظاهر، وإما على سبيل التغليب؛ لأنه ذكر الأثمان وأجناسًا كثيرة، فغلب الأكثر. انتهى، قلت: الأول أولى، فالقيمة إنما تكون فى غير الأثمان». (٤) المسألة الثالثة: في خيار العيب، قال في المقنع: (وإن كان المبيع مما ينقصه التفريق، كمصراعي باب، وزوجي خف، أو ممن يحرم _________ (١) ذيل الطبقات ٤/ ١٤٧، ولم أقف على غير هؤلاء ممن ذكر مسألة إصلاح المقنع، ومما يقوي أن المأذون له بالإصلاح هو الشارح ابن أبي عمر أن المسألة الثالثة الآتية لم أجد الإصلاح والتعديل إلا عنده وعند ابن مفلح صاحب المبدع، ولعله تابعه عليه لكون البرهان ابن مفلح اعتمد في شرحه على الشرح الكبير كثيرًا. (٢) ولعل سبب الإبهام أن هناك غير الشارح ابن أبي عمر ممن أذن له الموفق بالإصلاح، وتلك المواضع في كتاب الممتع: ١/ ١٦٨، ١/ ٦٣٥، ١/ ٧٢٧، ٣/ ٢٤٧، وفي المبدع: ٥/ ٢٥٩، ٦/ ٤١، وفي الإنصاف: ١/ ١٦٥، ٢/ ١٠٦، ١١/ ٤٢٣، ١٢/ ٢٥٤. (٣) المقنع ص ٣٢، والممتع لابن المنجا ١/ ٤١، والإنصاف ٢/ ١٠٦. (٤) المقنع ص ٩١، والممتع لابن المنجا ١/ ٧٦٩، والإنصاف ٦/ ٥٨٢.

стр. 38

التفريق بينهما؛ كجارية وولدها)، قال في الإنصاف: «تنبيه: قول المصنف: وجارية وولدها، كذا وجد في نسخ مقروءة على المصنف، وزاد من أذن له في الإصلاح: أو ممن يحرم التفريق بينهما، قاله ابن منجى في شرحه، قلت - أي المرداوي: وفي تمثيل المصنف كفاية، ويقاس عليه ما ذكر، وقد نبه المصنف على ذلك في كتاب الجهاد». (١) قلت: وهذه المواضع وردت ضمن القدر الذي حققته من شرح البهاء على المقنع مما اتفق على إيراده ابن المُنَجَّا والمرداوي، وشرح البهاء على المقنع لم يتضمنها، ورغبت بالإشارة إليه دون تحقيقه تنبيهًا للباحثين في ضبط عبارات المقنع وألفاظه. وقد بدا في بعضها أن الإصلاح غير مرضي عنه عند الأصحاب، ولم يبدو شيء في بعضها الآخر، وبالجملة فهذه النقول تحتاج إلى تتمة بحث وتأمل وجمع وتحقيق، لعل الله ييسر من يحققها. المسألة الثانية: أصول الكتاب ومصادره: ليس بين أيدينا نصٌّ من الموفق ابن قدامة يوضح أصل كتابه ومصادره، كما أنه ليس للموفق إشارة أو إحالة إلى أحد مصادره من كتبه المغني والكافي والمقنع والعمدة، توضح الإشارة لأحد هذه الكتب ضمن كتاب آخر، والله أعلم. وعليه فسيكون اجتهادي في بيان أصول الكتاب ومصادره بناء على أمرين: الأول: تتبع واستقراء نصوص كتاب المقنع، والثاني: تقصي كلام أهل العلم حوله، خصوصًا المعتنين به، وذلك ضمن الفرعين الآتيين. _________ (١) المقنع ص ١٣٦، والممتع لابن المنجا ٢/ ٤٥٧، والإنصاف ١١/ ٤٢٣.

стр. 39

* الفرع الأول: تتبع واستقراء نصوص كتاب المقنع: لا شك أن لمختصر الخرقي والمختصرات بعده كالإرشاد لابن أبي موسى والهداية لأبي الخطاب أثرًا على كتاب المقنع، وقد شابه ابن قدامة صاحب الهداية في ترتيب كتابه ومسائله (١)، فقد سبق في ترجمة الموفق عنايته بمختصر الخرقي، وحفظه له منذ الصغر، والاعتناء بزوائده. ولما كان الموفق ﵀ قد نص في مقدمته أنه اجتهد في جمع مادته وترتيبها وإيجازها وتقريبها، فإن في ذلك إشارة إلى أن ما اعتنى به منذ صغره وحفظه وشرحه كان له أثرٌ في كتاب المقنع، يؤكد ذلك ويقرره نقله عن أبي القاسم الخرقي في أكثر من ثمانين موضعًا. كما أن لكتاب الهداية لأبي الخطاب أثرًا ظاهرًا على الكتاب حيث نقل عن أبي الخطاب قريبًا من نقل الخرقي في الكتاب. (٢) كما أجد لاختيارات القاضي أبي يعلى أثرًا في مادة الكتاب واستمداده، حيث نقل عنه ما يزيد عن مئة اختيار. (٣) كما نَقَل عن أبي بكر عبد العزيز غلام الخلال (٤)، ونقل عن أبي بكر الخلال، والحسين بن حامد، وعن أبي علي النجاد، وأبي إسحاق بن _________ (١) وقد أشار الزركشي في شرح الخرقي إلى هذا المعنى في ٧/ ٣٢٣ و ٧/ ٣٩٩، حيث قرر بعض المسائل من المقنع وقال: «تبعًا للهداية»، وهذا أيضًا من تقرير شيخي أ. د عبد السلام بن محمد الشويعر وفقه الله في تسجيل له في شرح مقدمة الإنصاف وخاتمته، وما صوبه أثناء مناقشة الرسالة. (٢) وعند توثيق اختيارات أبي الخطاب في أثناء تحقيقي لشرح البهاء أجد أن أغلبها من كتاب الهداية، ويندر أن يكون التوثيق من غيره خاصة إذا كان كلام أبي الخطاب واقعًا ضمن متن المقنع. (٣) وكان غالب التوثيق في شرح البهاء من كتبه الثلاثة: الروايتين والوجهين، والجامع الصغير، والتعليقة الكبيرة فيما وجد منها من أجزاء. (٤) وبعض هذه النقول تم توثيقها من كتاب زاد المسافر ومن قطعة من كتاب الشافي الذي هو أصل كتاب زاد المسافر، وبعضها لم أقف عليه.

стр. 40

شاقْلا، وكتبهم مفقودة - يسر الله وجودها -. * الفرع الثاني: كلام أهل العلم حول كتاب المقنع: بتقصي كلام أهل العلم حول المقنع لم أجد فيمن ترجم له أو من شرح كتابه ما يدل على أصل الكتاب ومصادر استمداده، ويمكن أن نخلص بعد ذلك إلى القول بأن كتاب المقنع للموفق ابن قدامة كان جمعًا وتحريرًا من عدة كتب ممن سبقه، مضافًا إليها خلاصة اطلاعه على كتب المذهب المتقدمة عليه. يؤكد ذلك أنه بعد تأليفه صحح فيه ونَقَّح، وقرئ عليه الكتاب، وأذن بالإصلاح فيه لابن أخيه الشارح ولعله لغيره أيضًا، ولم يكن لهذا التصحيح ضابط مذكور بين الناقلين عنه، فعليه يكون كتاب المقنع نسيج خلاصة فقهية من عدة كتب وتأصيلات علمية أصله من الموفق وتتمات بعض مسائله من تلاميذه، والله أعلم. وتبقى مسألة جديرة بالبحث والعناية وهي أن كتب الموفق المشهورة في الفقه أربعة: ١ - المغني الذي ضمنه خلاف السلف والمذاهب الفقهية مع بسط في المسائل والخلاف والتدليل عليها. ٢ - والكافي الذي اقتصر فيه على خلاف المذهب في أشهر الروايات والتدليل عليها. ٣ - والمقنع الذي جعله متنًا مختصرًا على أشهر الروايتين في المذهب مجردًا عن الدليل والتعليل. ٤ - والعمدة وهو متن أخصر من الذي قبله، جعله على رواية واحدة تسهيلًا وتيسيرًا. وقد أوضح ابن بدران أن الموفق قد ألف أربعة كتب في المذهب

стр. 41

يمكن للطالب التدرج فيها لبلوغ الرتب العلية في الاجتهاد عن طريق دراسة كتاب العمدة ثم المقنع ثم الكافي ثم المغني (١). إلا أن هذه الكتب لا يعرف على جهة اليقين المتقدم منها من المتأخر، إلا عن طريق بعض الإشارات: منها أن لكتاب المغني تأليفًا قديمًا وجديدًا، كما قرر ذلك الزركشي وابن المنجا وابن مفلح والمرداوي بالنقل عن القديم في عدد من المواضع فضلًا عن الجديد. (٢) وأن كتاب الكافي مقدم في الجملة باختيار الشيخ على غيره، قال المرداوي: «اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، ومن أعظمهم الشيخ الموفق لا سيما في الكافي» (٣). - وأن كتاب المقنع متأخر عنهم جميعًا؛ فلذلك اعتمد المتأخرون ترتيبه والله أعلم. ولم أجد أكثر من هذه الإشارات في تقديم وتأخير كتب الموفق من حيث القوة، إذ البحث في أسبقيتها في التأليف يفيد فائدة بدهية في معرفة ما استقر عليه اختياره وتوجيهه للمسائل. _________ (١) المدخل ص ٤٣٣. (٢) ينظر: على سبيل المثال: الفروع ٩/ ٧٨، والمبدع ١/ ٤٤، وشرح الزركشي ١/ ١٢٥، والإنصاف ١/ ١٢٢، وللاستزادة حول هذا الموضوع بحث بعنوان: المغني القديم والمغني الجديد في كتب الحنابلة، من إعداد: د. عبد الله بن عبد العزيز التميمي، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض قسم الفقه. (٣) مقدمة تصحيح الفروع ١/ ٣١.

стр. 42

المسألة الثالثة: قيمة الكتاب العلمية وتقييمه: تتجلى قيمة الكتاب في أمور سأذكرها من دون تقصٍّ، لكثرة القائلين بها تفاديًا للتطويل، مع الاعتماد ما أمكن على أقدم المقررين لها، وذلك كما يلي: الأول: ما سبق من مكانة مؤلفه الموفق ابن قدامة وثناء العلماء عليه عمومًا. الثاني: ثناء كبار علماء المذهب على الكتاب وعنايتهم به، فمن ذلك: - ما قاله البرهان ابن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): «وكنت قرأت فيه - أي في أثناء انشغالي بالعلم - كتاب المقنع لشيخ الإسلام العلامة موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، تغمده الله برحمته، وأسكنه بُحبوحة جنته، وهو من أجلِّها تصنيفًا، وأجملها ترصيفًا، وأغزرها علمًا، وأعظمها تحريرًا، وأحسنها ترتيبًا وتقريرًا، فتصديت لأن أشرحه شرحًا يُبين حقائقه، ويوضح دقائقه، ويذلل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نِقابه، أنبه فيه على ترجيح ما أطلق، وتصحيح ما أغلق» (١). - وقال المرداوي (ت ٨٨٥ هـ): «أما بعد، فإن كتاب المقنع في الفقه، تأليف شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، قدس الله روحه، ونور ضريحه، من أعظم الكتب نفعًا، وأكثرها جمعًا، وأوضحها إشارةً، وأسلسها عبارةً، وأوسطها حجمًا، وأغزرها علمًا، وأحسنها تفصيلًا وتفريعًا، وأجمعها تقسيمًا وتنويعًا، وأكملها ترتيبًا، وألطفها تبويبًا؛ قد حوى غالب أمهات مسائل المذهب، فمن حصلها فقد ظفر بالكنز والمطلب، فهو كما قال _________ (١) مقدمة المبدع ١/ ١٣.

стр. 43

مصنفه فيه: جامعًا لأكثر الأحكام، ولقد صدق وبر ونصح، فهو الحبر الإمام، فإن من نظر فيه بعيني التحقيق والإنصاف، وجد ما قال حقًّا وافيًا بالمراد من غير خلاف» (١). الثالث: إقبال الطلاب من بعد عصر المؤلف على العناية بالكتاب حفظًا وتدريسًا، وشرحًا وتلخيصًا، ونظمًا وتنقيحًا، حتى غدا أصلًا لجل المتون الفقهية الآتية بعده إلى يومنا، قال ابن المنجا (ت ٦٩٥ هـ): «ولما رأيت همم المشتغلين بمذهب الإمام المبجل، أحمد بن محمد بن حنبل ﵁، متوفرة على حفظ الكتاب المسمى بالمقنع، تأليف الشيخ الإمام، العالم العلامة، شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله المقدسي، أحببت أن أشرحه، وأبين مراده وأوضحه، وأذكر دليل كل حكم وأصححه» (٢). وقال ابن بدران: «واعلم أن لأصحابنا ثلاثة متون حازت اشتهارًا أيما اشتهار، أولها مختصر الخرقي فإن شهرته عند المتقدمين سارت مشرقًا ومغربًا، إلى أن ألف الموفق كتابه المقنع فاشتهر عند علماء المذهب قريبًا من اشتهار الخرقي، إلى عصر التسعمئة حيث ألف القاضي علاء الدين المرداوي التنقيح المشبع، ثم جاء بعده تقي الدين أحمد ابن النجار الشهير بالفتوحي فجمع المقنع مع التنقيح في كتاب سماه منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، فعكف الناس عليه وهجروا ما سواه من كتب المتقدمين» (٣). قلت: أصل مادة ما جاء بعد كتاب المقنع كالتنقيح ومنتهى الإرادات وزاد المستقنع وغيرها هي من كتاب المقنع، فسبحان من بارك في علم _________ (١) مقدمة الإنصاف ١/ ٥ - ٦. (٢) مقدمة الممتع شرح المقنع ١/ ٨٨. (٣) المدخل ص ٤٣٤.

стр. 44

هذا الكتاب ونفع به. ونخلص مما سبق أن للكتاب حظوة عند المشتغلين بالمذهب، واهتمامًا لدى المبتدئين والمنتهين فيه، مع ما كان عليه الكتاب من حسن الترتيب والتقسيم، وجودة العبارة والتفهيم، ومع ما حواه من شمول غالب أمهات أحكام مسائل المذهب. ويبقى أنه من ناحية تقويم الكتاب؛ فإن الكتاب ألفه الموفق مختصرًا لدرجةٍ من درجات المبتدئين في الفقه كما قال الموفق عنه في مقدمة الكتاب ص ٢١: «اجتهدت في جمعه وترتيبه، وإيجازه وتقريبه، وسطًا بين القصير والطويل، وجامعًا لأكثر الأحكام عرية عن الدليل والتعليل». وقال ابن بدران: «وذلك أن موفق الدين راعى في مؤلفاته أربع طبقات، فصنف العمدة للمبتدئين، ثم ألف المقنع لمن ارتقى عن درجتهم ولم يصل إلى درجة المتوسطين» (١). ولما كان حال المقنع في هذه الدرجة اكتنفت عباراته الاختصار وخلو الدليل، إلا أنه لم يجعله على قول واحد كحال العمدة في الفقه، فجمع إلى ذلك حكاية روايتين في بعض مسائله وأحيانًا قليلة أكثر من روايتين، ليجعل لقارئه والمعتني به مجالًا إلى كد ذهنه، ليتمرن على تصحيح المسائل والرقي في النظر إلى عللها ومآخذها. ولذلك نجده يكثر من نسبة اختيار أئمة المذهب إلى قائلها دون نسبة الروايات إلى الإمام، مع كون تلك الروايات معلومة عنده مصدر قائلها ومنزلتها بين نصوص الإمام كما هو ظاهر في المغني، وما ذلك إلا ليجعل القارئ المبتدئ يرتقي في معرفة فقهاء المذهب بالرجوع إلى تقريراتهم والوقوف عليها لتكون سبيلًا إلى فهم كلام الإمام وصولًا إلى _________ (١) المدخل ص ٤٣٣.

стр. 45

ضبط قواعد المذهب أصولًا وفروعًا، المبنية على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وغيرها كما هو مقرر في موضعه في كتب الأصول. ونتج عما سبق أن حوى الكتاب على مصطلحات وعبارات تحتاج إلى شرح يُبين المراد منها، كما قال المرداوي: «إلا أنه ﵀، أطلق في بعض مسائله الخلاف من غير ترجيح، فاشتبه على الناظر فيه الضعيف من الصحيح، ويكرر في كتابه أشياء كثيرة، عبارته فيها مختلفة الأنواع، فيحتاج إلى تبيينها، وأن يكشف عنها القناع» (١). وسيأتي في المسألة الآتية ذكر شيء من المصطلحات التي احتوى عليها الكتاب ومعانيها بحول الله وقوته. المسألة الرابعة: منهج المصنف في تأليفه، وبيان مصطلحاته: وفيهما فرعان: * الفرع الأول: منهج ابن قدامة في التأليف: يمكن استنباط منهج الموفق ابن قدامة في تأليف كتاب المقنع من خلال النظر في كتابه بالأمور التالية: ١ - جعل كتابه موجزًا جامعًا لأكثر الأحكام على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ لمن أراد ضبط أحكام فروع المذهب. ٢ - رتب تلك الأحكام مبتدئًا بالعبادات، ثم المعاملات، ثم الأنكحة والطلاق، ثم الجنايات والحدود، ثم الأقضية والشهادات، جامعًا أبواب وفروع تلك الكتب تحت كل كتاب منها ليكون الكتاب على ما أراد مصنفه مقنعًا للناظر فيه. ٣ - جرد الموفق الكتاب عن التعليل والتدليل، وعلل ذلك بقوله: _________ (١) مقدمة الإنصاف ١/ ٦.

стр. 46

«ليكثر علمه»، أي تكثر أحكامه باستظهار العلل في الأحكام وكد الذهن في تحريرها وتنقيحها؛ لتكون أداة للتخريج والتفريع على قواعد المذهب، ومع ذلك فإنه يشير أحيانًا قليلة إلى الدليل والنص عليه أيضًا، ولكن هذا على سبيل الندرة. ٤ - أطلق الموفق الرواية والخلاف في مسائل كثيرة منه، قال في الإنصاف ١/ ٦: «ولم يبين الصحيح من المذهب والمشهور، والمعمول عليه والمنصور، وما اعتمده أكثر الأصحاب وذهبوا إليه، ولم يعرجوا على غيره ولم يعولوا عليه». ٥ - يورد الفروع الفقهية والمسائل المجمع عليها، والمسائل المشهورة على حالها، كقوله في فروض الوضوء: «وفروضه ستة: غسل الوجه، والفمُ والأنفُ منه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وترتيبه على ما ذكر الله تعالى» (١). ٦ - ما كان الترجيح فيه مختلفًا في المذهب يطلق فيه الخلاف أو الروايات أحيانًا، كما ورد أيضًا في ذات مسألة فروض الوضوء بقوله: «والموالاة على إحدى الروايتين»، وأحيانًا يطلقها على هيئة سؤال، كقوله في إزالة النجاسات عدا نجاسة الكلب والخنزير: «وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: إحداهن: يجب غسلها سبعًا، وهل يشترط التراب؟ على وجهين» (٢). ٧ - ربما يذكر بعض المصطلحات ويعقبها بالتعريف، كقوله عند ذكر الموالاة في الوضوء: «وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله»، وفي الاعتكاف: «الاعتكاف: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى»، وفي الفيء: «الفيء: وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال»، _________ (١) المقنع ص ٢٨. (٢) المقنع ص ٣٦.

стр. 47

وتعريف الضمان: «وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق» (١). ٨ - يهتم الموفق بذكر قيود المسألة الواحدة مع الخلاف فيها إن وجد في موضع قريب منها، ولا يشتت الفروع المرتبة فيها، ومثال ذلك في مسألة المسح على العمامة ص ٣٠ قال: «ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه، ولا يجوز على غير المحنكة، إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز في أحد الوجهين، ويجزئه مسح أكثرها، وقيل: لا يجزئ إلا مسح جميعها». ٩ - يهتم الموفق بحكاية الخلاف بين القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب، كما يهتم كثيرًا بالنقل عن أبي القاسم الخرقي، ويصدر النقل عنه باسمه أحيانًا، وأحيانًا ب (قال الشيخ)، وبالنقل عن أبي بكر غلام الخلال، وكل ذلك على سبيل التنبيه والاختصار وأحيانًا مع ذكر عباراتهم، مع إيراد اختيارات وخلاف غيرهم من فقهاء المذهب، كأبي بكر الخلال، والحسين بن حامد، وأبي علي النجاد، وأبي إسحاق ابن شاقْلا. ١٠ - يذكر المصنف فروع الأحكام في المذهب على مذهب الإمام أحمد، أو مما اختاره كبار الأصحاب في المذهب من الروايات عن الإمام، أو مما اختاره كبار الأصحاب تخريجًا على أقوال الإمام وقواعده، وربما يخرج ويفرع هو نفسه على تلك الأقوال أقوالًا ومسائل. ١١ - يذكر الموفق العبادات التي وردت على هيئات مختلفة ولا تضاد بينها، كما في صفة الغسل حيث ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ، وأحوال صلاة الخوف فذكر خمسة أوجه لها، وصفة الحج _________ (١) المقنع ص ٢٨، ١٠٧، ١٤٤، ١٨٠.

стр. 48

بين القارن والمتمتع والمفرد. ١٢ - يبدأ الموفق في حكاية المسائل المتفق عليها في الباب، وأحيانًا يبدأ بذكر التعريف بالمسألة، ثم يشرع بذكر الفروع المتعلقة بها والشروط والأنواع والتقاسيم الواردة فيها إن وجدت، وربما يذكر بعض الأدعية الواردة في العبادة بنصها، كالصلاة والسلام على النبي ﷺ في التشهد، وأذكار الركوع والسجود، والدعاء عند أداء الزكاة، والدعاء الوارد في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر ونحو ذلك. ١٣ - يهتم الموفق بذكر أجناس المسائل وأشباهها، ومن ذلك قوله في باب الآنية: «ولبن الميتة وإنفحتها نجسة في ظاهر المذهب، وعظمها وقرنها وظفرها نجس، وصوفها وشعرها وريشها طاهر» (١)، وكقوله في ضبط صفات السلم: «فأما المعدود والمختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرؤوس ونحوها ففيه روايتان» (٢)، وكقوله في باب الربا والصرف: «والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس: كالأدِقَّة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وعنه: جنس واحد، وكذلك اللبن، وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء. واللحم والشحم والأَلْية والكبد أجناس» (٣). * الفرع الثاني: مصطلحات كتاب المقنع: أجاد المرداوي خاصة في مقدمة كتابه الإنصاف في بيان مصطلحات الموفق في كتابه المقنع ومرامي مصطلحاته بما لا مزيد عليه ولا غنى _________ (١) ص ٢٥. (٢) ص ١٧٢. (٣) ص ١٦٧.

стр. 49

عنه، فقال في مقدمته: «اعلم - رحمك الله تعالى - أن المصنف ﵀، يكرر في كتابه أشياء كثيرة، عبارته فيها مختلفة الأنواع، فيحتاج إلى تبيينها، وأن يكشف عنها القناع» (١)، ثم ساق ذكرها تباعًا في أكثرَ من ثلاثين ضابطًا. ويتلخص كلام المرداوي فيها على الآتي: ١ - بيان منهج الموفق ابن قدامة في إطلاق الرواية والوجه والاحتمال، ومتى يحمل ذلك على مطلق الخلاف ومتى لا يحمل؟ ٢ - بيان طريقة المصنف في إيراد النصوص عن الإمام أحمد وأصحابه أو التخريج على أقوالهم، وما يجوز فيه التخريج وما لا يجوز. ٣ - بيان اصطلاحات الموفق في المقنع ببيان معنى: الصحيح من المذهب، أو الروايات، أو الأوجه، أو الأقوال، وبيان اختيار الموفق في المسائل. ٤ - بيان ما عليه العمل من مذهب الإمام أحمد من غيره. وإيراد الضوابط في هذا الموضوع دون دراستها لا فائدة فيه، والموضوع فيها جديرٌ بالدراسة والاهتمام، قيض الله من يقوم به ويعمل عليه. المسألة الخامسة: شروح الكتاب والناقلون عنه: أركز في هذه المسألة فقط على من عمل على الكتاب أصالة بشرح أو تنقيح أو نظم أو اختصار ونحوه، دون متابعة العمل الذي أجري على كتاب المقنع، إذ تتبع تلك الأعمال يطول، وموضوع هذه الدراسة توطئة لأحد شروح كتب المقنع، فرأيت الاقتصار على من عمل على الكتاب أصالة، مع ذكر فوائد حول طباعته من عدمه أو كونه ضمن المخطوطات التي لم تطبع إن تيسر لي معلومات حولها. _________ (١) ص ١٧٦.

стр. 50

وسأورد الأعمال الواردة على المقنع ضمن ثلاثة فروع، أبتدئ في كل فرع بأقدمها من حيث وفاة مؤلفها. * الفرع الأول: الشروح والحواشي على الكتاب: شروح المقنع والحواشي عليه من أوائل الأعمال التي جرت عليه، وما وقفت عليه منها: أولًا: شرح مؤلفه الموفق ابن قدامة عليه لكتاب المناسك، وهو مفقود - يسر الله وجوده (١). ثانيًا: شرح المقنع، للإمام بهاء الدين عبد الرحمن بن ابراهيم المقدسي (ت: ٦٢٤ هـ)، وهو موضوع التحقيق والدراسة. ثالثًا: الشرح الكبير على المقنع، أو الشافي، أو تسهيل المطلب في تحصيل المذهب، وكلها أسماء وردت لهذا الشرح (٢)، للإمام شمس الدين عبد الرحمن بن محمد المقدسي (ت: ٦٨٢ هـ) ووالده هو المكنى بأبي عمر أخي الموفق ابن قدامة، قال الشارح في وصفه: «اعتمدت في جمعه على كتابه - أي الموفق - المغني، وذكرت فيه من غيره ما لم أجده فيه من الفروع والوجوه والروايات، ولم أترك من كتاب المغني إلا شيئًا يسيرًا من الأدلة، وعزوت من الأحاديث ما لم يعز مما أمكنني عزوه» (٣). _________ (١) نسبه له الشيخ بكر بو زيد ﵀ في المدخل المفصل ٢/ ٨٤٤ وعزاه إلى مقدمة الإنصاف ١/ ١٥، وبالرجوع إليها تبين أن شارح كتاب الحج من المقنع القاضي موفق الدين المقدسي، ولم يرد في سيرة الموفق أنه تولى القضاء والله أعلم، ولذلك نفى نسبة الكتاب إلية الشيح التركي حفظه الله في المذهب الحنبلي ٢/ ٢١٧، إلا أنه يشكل عليه ما في الإنصاف في كتاب الصلاة ٣/ ١٤ في مسألة من حج ثم ارتد إذا فعله قبل ردته قال: «وأما إعادة الحج، إذا فعله قبل ردته، فالصحيح من المذهب أنه لا يلزمه إعادته، نص عليه … وجزم به المصنف في هذا الكتاب في باب حكم المرتد، وصححه القاضي والموفق في شرح مناسك المقنع» والله أعلم. (٢) ينظر: المذهب الحنبلي للتركي ٢/ ٢٨٨، ٢٩١. (٣) مقدمة الشرح الكبير ١/ ٥.

стр. 51

وكتاب الشرح الكبير هو المعني في كتب أصحاب المذهب (بالشرح)، ويلقب مؤلفه ب (الشارح)، قال ابن بدران في بيان طريقته في الشرح: «وبالجملة فطريقته فيه أنه يذكر المسألة من المقنع فيجعلها كالترجمة، ثم يذكر مذهب الموافق فيها والمخالف لها، ويذكر ما لكل من دليله، ثم يستدل ويعلل للمختار، ويزيف دليل المخالف، فمسلكه مسلك الاجتهاد، إلا أنه اجتهاد مقيد في مذهب أحمد» (١). وأشهر طبعات الكتاب هي النسخة بتحقيق الشيخ الدكتور: عبد الله ابن عبد المحسن التركي، وقد ضم معها في أعلاها متن المقنع وأردف الشرح الكبير بكتاب الإنصاف للمرداوي، ويقع في واحد وثلاثين مجلدًا، وصدر الكتاب عن عدة دور نشر منها دار عالم الكتب. رابعًا: الممتع في شرح المقنع، للإمام أبي البركات زين الدين منجى بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الدمشقي (ت ٦٩٥ هـ): قال في خطبته: «أحببت أن أشرحه، وأبين مراده وأوضحه، وأذكر دليل كل حكم وأصححه» (٢)، قال ابن بدران في بيان طريقته في الشرح: «وطريقته أنه يذكر المسألة من [المغني] (٣) ويبين دليلها ويحقق المسائل والروايات، ولم يتعرض لغير مذهب الإمام» (٤). والكتاب مطبوع في ستة مجلدات بتحقيق الشيخ الدكتور: عبد الملك ابن عبد الله بن دهيش ﵀ (١٣٦٠ - ١٤٣٤ هـ)، وصدر عن المحقق نفسه. خامسًا: شرح المقنع، للإمام أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان _________ (١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد الصفحة ٤٣٨. (٢) الممتع ١/ ٨٨. (٣) هكذا كما هو في المطبوع، ولعلها: المقنع. (٤) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد الصفحة ٤٣٥.

стр. 52

(ت: ٦٩٥ هـ) في أربعة مجلدات (١)، ولم يطبع، وتوجد قطعة منه تقع في (١٣ لوحة) في المكتبة الظاهرية رقم (٢٦٩٤)، وعنها نسخة في مركز جمعة الماجد رقم (٢٤٦٩٥٨)، والنسخة عندي من كتاب الزكاة وهي ذات خط يصعب قراءته، وعليها هوامش وإلحاقات. سادسًا: مجمع البحرين في شرح المقنع، للإمام محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المقدسي المرداوي (ت: ٦٩٩ هـ)، بلغ به إلى أثناء الزكاة، وهو من الكتب التي أثنى عليها المرداوي في الإنصاف ١/ ٢٤ على طريقته في التأليف، وقال: «فإنه قال - أي ابن عبد القوي - فيه: أبتدئ بالأصح في المذهب نقلًا أو الأقوى دليلًا، وإلا قلت مثلًا: روايتان أو وجهان» (٢)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. سابعًا: شرح المقنع، للإمام سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي البغدادي ثم المصري (ت ٧١١ هـ)، قال ابن رجب: «وشرح قطعة من كتاب المقنع في الفقه من العاريَّة إلى آخر الوصايا، وكلامه في الحديث أجود من كلامه في الفقه؛ فإنه كان أجود فنونه» (٣). وبالاطلاع عليه وجدت أنه بدأ بشرح كتاب العاريَّة من دون مقدمة، ويورد نص المقنع ويشرحه شرحًا مجملًا يورد فيه أقوال الإمام وخلاف المذاهب الأربعة أحيانًا والخلاف في المذهب، ويظهر في شرحه عنايته بالأدلة من السنة سندًا ومتنًا وبيان درجتها. والكتاب محقق في عدة رسائل علمية، ومطبوع في خمس مجلدات، صدر عن دار لطائف لنشر الكتب والرسائل العلمية. _________ (١) ذكره ابن حميد في الدر المنضد في الترجمة رقم ٥٠، والشيخ الدكتور عبد الله التركي في المذهب الحنبلي ٢/ ٢٩٥. (٢) مقدمة الإنصاف ١/ ٢١. (٣) ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٣٣٨.

стр. 53

ثامنًا: شرح المقنع، للإمام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ)، ولم أجد من ذكر ذلك عنه غير نقل اختياره من كتاب شرح المقنع منسوبًا له، وذلك في كتاب: النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح صاحب الفروع. (١) ثامنًا: شرح المقنع، للإمام عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلي (ت ٧٣٤ هـ) الملقب ب: ابن عبيدان، وبلغ بشرحه من أول الكتاب إلى باب ستر العورة (٢)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. تاسعًا: شرح المقنع، للإمام شمس الدين محمد بن مفلح (ت ٧٦٣ هـ) صاحب الفروع، شرحه في ثلاثين مجلدًا (٣)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. عاشرًا: حواشي المقنع، لشمس الدين محمد بن مفلح أيضًا (٤)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. الحادي عشر: شرح المقنع، للإمام أبي المحاسن جمال الدين يوسف بن محمد المرداوي (ت: ٧٦٩ هـ) (٥)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. الثاني عشر: شرح المقنع، للإمام أبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٠٣ هـ)، وهو ابن صاحب كتاب الفروع شمس _________ (١) / ٢٤٩. (٢) ذكره المرداوي في مقدمة الإنصاف ١/ ٢١. (٣) ذكره البرهان ابن مفلح في المقصد الأرشد ٢/ ٥٢٠. (٤) ذكره البرهان ابن مفلح في المقصد الأرشد ٢/ ٥٢١، والمرداوي في مقدمة الإنصاف ١/ ٢١. (٥) ذكره ابن المبرد في الجوهر المنضد ص ١٧٧.

стр. 54

الدين ابن مفلح (١)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. الثالث عشر: التعليقة على المقنع، للإمام برهان الدين إبراهيم بن إسماعيل المقدسي المشهور بابن النقيب (ت ٨٠٣ هـ) (٢)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. الرابع عشر: شرح مناسك المقنع، للشيخ محمود بن محمد الفَومَني الرابغي ثم المكي (٨٧٢ هـ) (٣) - يسر الله وجوده -. الخامس عشر: المبدع شرح المقنع، للشيخ: أبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن شمس الدين محمد بن مفلح - صاحب الفروع - (ت ٨٨٤ هـ)، قال ابن بدران في بيان طريقته في الكتاب (٤): «مزج المتن بالشرح، ولم يتعرض فيه لمذاهب المخالفين إلا نادرًا، ومال فيه إلى التحقيق، وضم الفروع، سالكًا مسلك المجتهدين في المذهب، فهو أنفع شروح المقنع للمتوسطين، وعلى طريقته سار شارح الإقناع، ومنه يستمد». والكتاب مطبوع، وأشهر طبعاته هي طبعة دار المكتب الإسلامي في عشر مجلدات. (٥) السادس عشر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لمؤلفه: علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ)، وطريقته كما حكاها هو عن نفسه في مقدمته ١/ ٦: «فأحببت - إن يسر الله تعالى - أن أبين الصحيح من المذهب والمشهور، أو المعول عليه والمنصور، وما _________ (١) ذكره البرهان ابن مفلح في المقصد الأرشد ١/ ٢٣٧. (٢) ذكره البرهان ابن مفلح في المقصد الأرشد ١/ ٢١٥. (٣) ذكره ابن حميد في السحب الوابلة ص ١١١٧، وقال: إنه يمتلك نسخة منه. (٤) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٤٣٥. (٥) فائدة: نسخة المقنع التي اعتمد عليها ابن مفلح في شرح الكتاب قابلها على نسخة المؤلف، أثبت ذلك في عدة مواضع من كتابه، منها في ١/ ٢٩٤.

стр. 55

اعتمده أكثر الأصحاب، وذهبوا إليه، ولم يعرجوا على غيره ولم يعولوا عليه». وقال ابن بدران (١): «وطريقته فيه أنه يذكر في المسألة أقوال الأصحاب، ثم يجعل المختار ما قاله الأكثر منهم، سالكًا في ذلك مسلك ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي وغيره من كتب التصحيح، فصار كتابه مغنيًا للمقلد عن سائر كتب المذهب». والكتاب مطبوع، وأشهر طبعاته كما سبق في الكلام على الشرح الكبير الطبعة بتحقيق الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. السابع عشر: حاشية للشيخ الإمام سليمان بن عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ)، وهي مطبوعة عن مكتبة الأخيار في أربعة مجلدات، وكتب في طرة الكتاب: أنها منقولة من خط الشيخ سليمان. والكتاب ليس فيه مقدمة، وفي أعلاه متن المقنع، ويليه في الحاشية الشرح، بدأ في الحاشية بكتاب الطهارة، وعلق على جمل مختارة من متن المقنع. * الفرع الثاني: الأعمال التي هذبت الكتاب ونقحته وعملت على تقريبه: أولًا: منظومة عِقد الفرائد وكنز الفوائد، للإمام محمد بن عبد القوي صاحب مجمع البحرين، سبق ذكره، نظم به المؤلف كتاب المقنع، وضم إليه زوائد المحرر على المقنع، كما ذكر جملة من زوائد الكافي والمغني على المقنع، وتقع في نحو خمسة آلاف بيت، والكتاب مطبوع قديمًا في دار المكتب الإسلامي. ثانيًا: مختصر المقنع، للإمام شمس الدين محمد بن أبي الفتح _________ (١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد الصفحة ٤٣٦.

стр. 56

البعلي صاحب كتاب المطلع (ت ٧٠٩ هـ). (١) ثالثًا: تصحيح الخلاف المطلق في المقنع، للإمام محمد بن عبد القادر الجعفري النابلسي (ت ٧٩٧ هـ) (٢)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. رابعًا: مختصر تصحيح الخلاف المطلق في المقنع، للمؤلف السابق، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. خامسًا: تصحيح المقنع، للإمام شمس الدين بن أحمد النابلسي (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. سادسًا: تصحيح المقنع أو مختصر تصحيح الخلاف المطلق في المقنع، للإمام عز الدين أحمد بن نصر الله الكناني (ت ٨٧٦ هـ) (٤)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. سابعًا: التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، للإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) صاحب الإنصاف، وبهذا الكتاب يلقب المرداوي بالمنقح، قال ابن بدران في وصف الكتاب: «فصحح فيه الروايات المطلقة في المقنع، وما أطلق فيه من الوجهين أو الأوجه، وقيد ما أخل به من الشروط، وفسر ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، _________ (١) نسبه إليه الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في المدخل المفصل ٢/ ٧٣٣، وقال: «منه نسخة في المكتبة البلدية بالإسكندرية برقم: ٣٨٣١»، وقد تبين لبعض من اطلع عليها أنها نسخة لمختصر الشيح موسى الحجاوي الآتي ذكره، والله أعلم، وذكر هذه النسخة الشيخ التركي في كتابه المذهب الحنبلي ٢/ ٣١٥ ولم ينسبها لأحد. (٢) ذكره ابن العماد في شذرات الذهب ٦/ ٣٤٩. (٣) ذكره الشيخ بكر أبو زيد في المدخل المفصل ٢/ ٩٩٥. (٤) ذكره البرهان ابن مفلح في الجوهر المنضد، وقال محققه الدكتور عبد الرحمن العثيمين ﵀ في تعليقه على كتاب الجوهر المنضد ص ٧: «ذكر لي صديقنا الدكتور أحمد بن عبد الله حميد أن في مكتبة والده سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ منه نسخة خطية».

стр. 57

واستثنى من عمومه ما هو مستثنًى على المذهب حتى خصائص النبي ﷺ ، وقيد ما يحتاج إليه مما فيه إطلاقه، ويحمل على بعض فروعه ما هو مرتبط بها، وزاد مسائل محررة مصححة، فصار كتابه تصحيحًا لغالب كتب المذهب، وبالجملة فهذا الفاضل - يعني العلاء المرداوي - يليق بأن يطلق عليه مجدد مذهب أحمد في الأصول والفروع» (١). والكتاب مطبوع عن المكتبة السلفية، وبتحقيق الدكتور ناصر السلامة، صدر عن مكتبة الرشد. ثامنًا: تصحيح الخلاف المطلق في المقنع، للإمام أبي اليُمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي (ت ٩٢٨ هـ) (٢)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده. تاسعًا: زاد المستقنع في اختصار المقنع، للإمام الشيخ أبي النجا شرف الدين موسى بن أحمد بن سالم بن أحمد الحجَّاوي، المقدسي، ثم الصالحي (ت ٩٦٨ هـ)، وشهرة الكتاب تغني عن الكلام عنه، قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «وهو المتن الذي صار في دار الحنابلة «جزيرة العرب» - لاسيما الديار النجدية منها - أصلًا في دراسة المذهب، ومفتاحًا للطلب، فاشتغل به الناس قراءة، وإقراءً، وحفظًا، وتلقينًا، وشرحًا في حلق المشايخ في المساجد، وفي المعاهد النظامية، حتى كان بعض العلماء يشرحه بفك العبارة فقط للمبتدئين، ويذكر الدليل للمتوسطين، ولمن بعدهم: يذكر ذلك مع الخلاف في المذهب، والخلاف العالي. ولم يؤلف بعده متن مشبع بالمسائل، والمهمات مثله، بَلْهَ أن يفوقه في كثرتها، واحتوائها؛ حتى قيل: إن مسائله بالنص والمنطوق نحو ثلاثة _________ (١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٤٣٦. (٢) ذكره ابن حميد في السحب الوابلة ص ٥١٨.

стр. 58

آلاف مسألة، ونحوها في الإيماء والمفهوم، الجميع نحو ستة آلاف مسألة» (١)، وطبع طبعات كثيرة جدًا، وهي مشتهرة بين طلاب العلم. * الفرع الثالث: الأعمال التي تناولت المقنع من جهة الزيادة عليه بجمعه إلى غيره أو الاستدلال له: أختم هذه المسألة بذكر فرع للأعمال التي تناولت المقنع من جهة الزيادة عليه بجمعه إلى غيره أو الاستدلال له. أولًا: المطلع على أبواب المقنع، للإمام شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي المنسوب له مختصر المقنع آنفًا، أتى فيه على الألفاظ الغريبة في المقنع وبَيَّن معانيَها وضبطها، قال ابن بدران في وصفه: «وقد انتدب لشرح لغات المقنع، العلامة اللغوي محمد بن أبي الفتح البعلي، فألف في هذا النوع كتابه المطلع على أبواب المقنع، فأجاد في مباحث اللغة، ونقل في كتابه فوائد منها، دلت على رسوخ قدمه في اللغة والأدب، وكثيرًا ما يذكر فيه مقالًا لشيخه الإمام محمد بن مالك المشهور صاحب الألفية، ورتب كتابه على أبواب المقنع، ثم ذيله بتراجم ما ذكر في المقنع من الأعلام، فجاء كتابه في غاية الجودة» (٢). والكتاب مطبوع عدة طبعات في جزء واحد، ومنها تحقيق محمود الأرناؤوط وياسين الخطيب، وصدر عن مكتبة السوادي. (٣) ثانيًا: زوائد الكافي والمحرر على المقنع، للإمام ابن عبيدان البعلي شارح المقنع، سبق ذكره، وقد أوضح ﵀ طريقته في الكتاب فقال في _________ (١) المدخل المفصل ٢/ ٧٧٠. (٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٤٣٦. (٣) فائدة: نسخة المقنع التي اعتمد عليها البعلي في شرح الكتاب هي نسخة المؤلف أثبت ذلك في عدة مواضع من كتابه، كما أنه قرأ المقنع على من قرأه على المصنف كما في ص ٢٤٠.

стр. 59

مقدمته: «فإنه لما يسر الله تعالى جمع زوائد الكافي وزوائد المحرر على المقنع أحببت أن أجمع بينهما، لتكثر الفائدة في ذلك، ويسهل تناولهما على طالبهما، ولا أتعرض في هذه لمسألة ذكرها في المقنع، وفيها وجه أو رواية لم يذكرها، وإنما الغرض المسائل التي لم تذكر فيه بالكلية، اللهم إلا أن تكون إحدى الروايتين أو أحد الوجهين، يتفرع عليه شيء من المسائل، فإني أذكر ذلك، وأسوقها على أبواب الكافي وترتيبه، لكونها أكثر وأسهل عبارة، وغالب زوائد المحرر داخل فيها». والكتاب نشر عام ١٩٧٩ م، وهو مطبوع الآن بتحقيق الدكتور ناصر السلامة، صدر عن مكتبة الرشد. ثالثًا: كفاية المستقنع لأدلة المقنع أو الانتصار في الحديث على أبواب المقنع، للإمام أبي المحاسن جمال الدين، صاحب حواشي المقنع، سبق ذكره، جرى في ترتيب كتابه على أبواب المقنع، فيذكر الباب ويورد الأحاديث الواردة فيه كالمحرر لابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ) أو بلوغ المرام لابن حجر (ت ٨٥٣ هـ)، قال مؤلفه (١): «وقربته من أبواب كتاب المقنع في الفقه؛ لينتفع به من أراده من جميع الأنام». والكتاب مطبوع عدة طبعات، منها بتحقيق الدكتور أحمد معبد عبد الكريم في جزأين، صدر عن دار الكيان. رابعًا: المطلع في الأحكام على أبواب المقنع، للإمام ابن عبيدان، صاحب شرح المقنع، سبق ذكره، جرى في ترتيب كتابه على أبواب المقنع، فيذكر الباب ويورد الأحاديث الواردة فيه، والكتاب حقق في رسالة ماجستير في جامعة أم القرى عام (١٤٠٩ هـ)، ولا أعلم إن كان قد طبع أم لا. _________ (١) ص ٦٧.

стр. 60

خامسًا: الصوت المسمع في تخريج أحاديث المقنع، للإمام أبي المحاسن جمال الدين يوسف بن حسن ابن عبد الهادي الشهير بابن المِبْرَد (ت ٩٠٩ هـ)، والكتاب مفقود - يسر الله وجوده -. سادسًا: المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح، للإمام أبي العباس شهاب الدين أحمد بن عبد الله العُسكري الصالحي (ت ٩١٠ هـ) وصل فيه إلى الوصايا، جمع فيه مؤلفه بين المقنع وكتاب التنقيح المشبع للمرداوي، وقد بين مؤلفه قصده من التأليف بأنه رام إلى تصحيح ما فات المنقح من مسائل، وما وقع فيه من إيهام، فعزم على جمع كتابه التنقيح مع أصله مع تصحيح المذهب فيما لم يصححه المنقح، ليكون الكتاب مغنيًا للطالب عند مراجعته، كما أن العسكري عمل على زيادة مسائل لم تذكر، وأسقط منه ما يستغني عنه، طلبًا للاختصار، وحذرًا من التكرار (١). والكتاب مطبوع بتحقيق الدكتور عبد الكريم بن محمد العمريني في جزأين، وصدر عن دار أسفار بدولة الكويت. سابعًا: التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح، للإمام أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن محمد الشويكي (ت ٩٣٩ هـ)، ووصف الشويكي القصد من كتابه توضيح عبارة المقنع والتنقيح، وردَّ ما أسقطه المنقح من كلام الموفق، وذكر مواضع قدم فيها المنقح غير المذهب، ومواضع فرع فيها على ما يوهم أنه المذهب، وربما اعترض عليه في بعض مسائل فيها خلل في التصحيح، وربما زاد ونقص، وبالجملة فقد قال مؤلفه: «هو كالشرح لبيان مجمله، وحل مقفله» (٢). والكتاب مطبوع حققه الدكتور ناصر الميمان في ثلاثة مجلدات، _________ (١) في المقدمة ١/ ١٣٠. (٢) مقدمة كتاب التوضيح ١/ ٢٠٩.

стр. 61

وصدر الكتاب عن دار المكتبة المكية. ثامنًا: منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات، للإمام تقي الدين محمد بن أحمد الفُتُوحي الشهير بابن النجار (ت ٩٧٢ هـ)، وشهرة الكتاب تغني عن الكلام عنه، قال ابن بدران: «هو كتاب مشهور، عمدة المتأخرين في المذهب، وعليه الفتوى فيما بينهم» (١). وقال الشيخ بكر أبو زيد: «وهذا الكتاب اعتمده المتأخرون من عصر المؤلف، حتى كان والد المؤلف يَقْرؤه للطلاب، ويثني عليه، وكاد الكتاب لشهرته ينسي ما قبله من متون المذهب المطولة، فعكف الناس عليه، شرحًا، وتحشية، واختصارًا، وجمعًا له مع غيره» (٢). وطبع طبعاتٍ كثيرةً مشتهرةً بين طلاب العلم، منها بتحقيق الدكتور عبد الغني عبد الخالق، وطبعة أ. د عبد المحسن التركي، وصدر الكتاب عن دار عالم الكتب. هذا ما تيسر لي جمعه حول الأعمال التي وردت على المقنع أصالة، وثمة أعمالٌ أخرى ملحقة ببعض ما سبق ذكره من الكتب والمؤلفات، وهي ما بين مختصر لها، أو جامع بينها وبين كتاب آخر، أو شارح أو محشٍّ عليها، ولم أذكرها خشية الإطالة، فإن العناية بكتاب المقنع ممتدة إلى يومنا الحاضر، لا سيما ما لحق كتابي منتهى الإرادات وزاد المستقنع من أعمال. ولعل هذه النبذة تكون كافية لبيان عظم هذا الكتاب وأثره في المذهب، إذ يبدو أنه أكثر كتاب في المذهب جرت عليه الأعمال من بعده والله أعلم، قال ابن المنجا: «ولقد أجاد فيما صنع، وأحسن فيما _________ (١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٤٣٩. (٢) المدخل المفصل ٢/ ٧٧٨.

стр. 62

جمع، ورتب فأسجع، وأوجز فأقنع، وقرب فأبدع، فجعل الله نصيبه من ثمرات الجنة أحسن ما أينع» (١)، فلا غرو بعد ذلك أن يكون جديرًا بالعناية والدراسة أكثر مما سبق ذكره، والله أعلى وأعلم. * * * _________ (١) الممتع شرح المقنع ١/ ٩٠.

стр. 63

المبحث الثاني التعريف ببهاء الدين المقدسي وكتابه (شرح المقنع) في هذا المبحث أتناول التعريف بصاحب الشرح - البهاء المقدسي - وذلك ببيان حياته، ومنزلته العلمية بين فقهاء الحنابلة، وسأحاول بإذن الله الإسهاب في ترجمة هذا العلم الإمام - وفق تيسير الله وإعانته - بذكر كل ما أقف عليه من حاله وأخباره؛ لكوني لم أقف على ترجمة له وافية تولي قدره وبيان منزلته، واستدعى ذلك مني الوقوف على كل تراجم شيوخه الذين أخذ عنهم العلم أو سمع منهم مما ذكره المترجمون له، والوقوف كذلك على تراجم طلابه الذين أخذوا عنه وسمعوا منه، وصولًا إلى صياغة ترجمةٍ تحكي قدر الإمكان واقع سيرته (١)، وسيكون ذلك وفق المطلبين الآتيين. * * * * _________ (١) رجعت إلى جميع تراجم شيوخ البهاء المقدسي وتلاميذه بحمد الله، وأثبت سنة الوفاة على وفق ما انتهى إليه د. عواد بشار معروف في تحقيقه لكتاب تاريخ الإسلام، كما أثبت أشهر الألقاب العلمية التي شهر بها شيوخ البهاء وتلاميذه، ولم أوثق ذلك في الحاشية تجنبًا لإثقال الدراسة بالحواشي لا سيما مع كثرة الأعلام الآتي ذكرهم في هذا المبحث.

стр. 64

المطلب الأول التعريف ببهاء الدين المقدسي اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو الإمام، الفقيه، المحدث، المناظر، المفتي، الحنبلي، بهاء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي مولدًا الدمشقي الصالحي موطنًا ووفاة. ولد البهاء بقرية السَّاوِيا (١)، من أعمال نابلس في فلسطين في سنة (٥٥٥ هـ) كما ذكر البهاء ذلك عن نفسه (٢). وبعد سيطرة الصليبيين على بلاد فلسطين هاجر والد البهاء إلى دمشق - كما حصل لوالد الموفق ابن قدامة - برفقة ابنه عبد الرحمن سرًّا وخوفًا منهم، ثم سافر بعد ذلك إلى مصر طلبًا للتجارة، وماتت والدة البهاء وهو دون سن البلوغ، وتولت عمته فاطمة زوجة أبي عمر شقيق الموفق كفالته وتربيته، فنشأ البهاء ﵀ في حال أشبه باليتم في كنف آل قدامة ﵏. _________ (١) الساويا: هي إحدى قرى محافظة نابلس جنوبًا، وهي على اسمها إلى يومنا. (٢) قال الدكتور محمد مطيع الحافظ: «ذكر ذلك الضياء المقدسي في استدعاء الإجازة نقلًا عن المطهر ابن سديد قال: سألته عن مولده فقال: في سنة خمس وخمسين وخمسمئة». الفتح المبين في المشيخة البلدانية ١/ ٢٨٤.

стр. 65

أسرته ومعيشته: والدته ست النظر بنت أبي المكارم. وجدَّته من جهة أبيه شقيقة الشيخ محمد والد الشيخين أبي عمر والموفق ابنَي قدامة. ومن أعمامه الشيخ عبد الواحد والد الحافظ ضياء الدين المقدسي، وعمته فاطمة أم عمر، وهي زوجة الشيخ أبي عمر شقيق الموفق ابن قدامة عليهم رحمة الله. أشقاؤه، جمال الدين أبو بكر محمد بن إبراهيم، توفي قبله (٥٦٣ - ٦٠٠ هـ)، قال الضياء عنه: «كان فقيهًا، زاهدًا، ورعًا، كثير الخوف من الله، كان يعرف بالزاهد، رحل مع أخيه البهاء عبد الرحمن إلى بغداد، وسمع الكثير بها وبدمشق، وكان يتنظف ويبالغ في الوضوء» (١). زوجته، تزوج البهاء من ابنة عمه زينب بنت عبد الواحد. أبناؤه، وُلد للبهاء ﵀ ولدان، محمد وإبراهيم، أما إبراهيم فتوفي في حياته (٥٩١ - ٦١٤ هـ)، وحصّل طرفًا صالحًا من الفقه، والفرائض، والنحو، وقال الشعر، قال الحافظ الضياء عنه: «كان يحب الاشتغال في العلم، وكان حسن الأخلاق، كريم النفس، سمعت والده يقول عنه: ما أظنه قط غضب، وسمعت والده يقول أيضًا وكنّا سمعنا بموته يقول: رأيت قائلًا يقول: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ [التوبة: ٢١]، وتوفي في حياة والده في حمص عن ثلاث وعشرين سنة، وفجع به والده البهاء وكان ذلك يوم الاثنين التاسع عشر من شهر شعبان (٢). وأما محمد الملقب بتقي الدين أبي الرضا المقدسي (٥٧٩ - ٦٤٣ هـ)، _________ (١) تاريخ الإسلام ١٢/ ١٢٢، وبيوتات العلم ص ١٤٥. (٢) تاريخ الإسلام ١٣/ ٣٩٥، والمقصد الأرشد ١/ ٣٣١، وبيوتات العلم ١٠٤٤.

стр. 66

فقد كان فقيهًا، فاضلًا، سليم الباطن، كثير السكوت، رافق الحافظ الضياء المقدسي في عدد من رِحلاته في العلم إلى مصر وبغداد، وتوفي محمد بن البهاء عن ابنتيه فاطمة وآمنة وكانتا من الصالحات العابدات (١). عمل والد البهاء إمامًا في أهل ساويا، وكان ذا خلق كريم، قال الضياء المقدسي عنه: «ولد في حدود سنة خمس وعشرين وخمسمئة، وسألت عنه خالي الموفق فقال: كان رجلًا كاملًا حسن الخلق، كان يمازحني وأنا صغير، وكنت أحبه لحسن خلقه» (٢). نشأ البهاء ﵀ نشأة أشبه باليتم، فبعد أن هاجر به والده من فلسطين ورحل عنه إلى مصر تاجرًا طالبًا للرزق توفيت والدته - رحمها الله - وهو دون سن البلوغ، ويظهر لي من خلال النصوص الآتية أن والده لم يترك له ما يكفي لمعيشته، ولعل سبب ذلك قرب هجرته من فلسطين وترك داره في الساويا. واتفق في هذه الأثناء قدوم الحافظ عبد الغني المقدسي من الإسكندرية، ويسر الله للبهاء عناية الحافظ به من ذلك الحين عناية علمية، فدربه على الكتابة، وأعطاه رزقًا (٣)، وختم البهاء على الحافظ عبد الغني القرآن في نحو سنة (٥٧٠ هـ)، وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة. وكان مما جرى بين البهاء وبين الحافظ مباحثات، منها: سؤال البهاء له بقوله: «هؤلاء المشايخ يُحكى عنهم من الكرامات ما لا يُحكى عن _________ (١) تاريخ الإسلام ١٥/ ٦٥٢، ١٥/ ٧٣٤. (٢) التنويه والتبيين في سيرة محدث الشام الحافظ ضياء الدين المقدسي ص ٣٦. (٣) الرزق: بالكسر أو الفتح هو العطاء، قال ابن فارس: «الراء والزاء والقاف أصل واحد يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت». ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٣٨٨، ولسان العرب ١٠/ ١١٥، وتاج العروس ٢٥/ ٣٣٦.

стр. 67

العلماء، أيش السبب في هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامات كثيرة - أو قال: تُريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم - وقد كان للحافظ كرامات كثيرة» (١). ثم رحل البهاء في سنة اثنتين وسبعين إلى حرّان في حلْقة الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦١٤ هـ)، ولقي في حرّان الشيخ أحمد بن أبي الوفاء (ت ٥٧٥ هـ) المعروف بغلام أبي الخطاب وسمع منه، ولقي سليمان بن أبي العطاف (ت ٦٢٧ هـ). وفي هذه الحقبة من تاريخه يحدثنا البهاء عن نفسه فيما نقله عنه تلميذه أبو العباس سيف الدين أحمد بن عيسى بن الشيخ الموفق عبد الله ابن قدامة فيقول (٢): «فأَلِفْتُهم، وأُشير علي بالمقام بها لأجود حفظ الختمة، فقعدت بها في دار ابن عبدوس فأحسن إلي، وقرأت القرآن على جماعة في ستة أشهر، وصليت التراويح بهم، وكنت أستحي كثيرًا، فأفرغ وقد ابتل ثوبي من العرق في البرد، فجمعوا لي شيئًا من الفطرة من حيث لا أعلم، واشترى لي ابن عبدوس دابةً وجهزني. وسافرت مع حجاج حران إلى بغداد، وقد سبقني العماد ومعه ابن أخته عبد الله بن عمر بن أبي بكر، والشهاب محمد بن خلف، فسمعت بالموصل على خطيبها جزءًا، ثم دخلت بغداد وقد مات الشيخ علي البطائحي فحزنت كثيرًا، لأنني كنت أريد أن أقرأ عليه الختمة. ثم سمعنا الحديث، فأول جزء كتبته: جزء من حديث مالك، على شُهدة، ولم ندرك أعلى سندًا منها، وسمعنا عليها: معاني القرآن للزجاج، ومصارع العشاق للسراج، وموطأ القعنبي. _________ (١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٠. (٢) نقلت ما قاله البهاء عن نفسه في هذا الموضوع بأكمله، للإحاطة بسيرته إجمالًا، ثم نقلت منها أجزاء بعد ذلك فيما يناسب الحديث عن حياته العلمية.

стр. 68

وسمعت على عبد الحق بن يوسف كثيرًا؛ وكان من بيت الحديث، فإنه روى عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، وكان صالحًا فقيرًا، وكان عسرًا في السماع جدًّا، وسمعنا عليه: الإبانة للسجزي بقراءة الحافظ عبد الغني، ومرضت ففاتني مجلس، وكان يمشي معي من بيته إلى مكي الغرّاد فيعيد فوتي، ورزقت منه حظًّا؛ لأنه كان يراني منكسرًا مواظبًا، وكان يعيرني الأجزاء فأكتبها، وألهم في آخر عمره القرآن فكان يقرأ كل يوم عشرين جزءًا أو أكثر. وسمعت على أبي هاشم الدوشابي، وكان هراسًا يربي الحمام، فقلت لرفيقي عبد الله بن عمر: أريد أفاتحه في الطيور عسى يلتفت علينا، فنقرأ عليه هذين الجزأين فقال: لا تفعل، فقلت: لا بد من ذلك، فقلت: يا سيدي، إن كان عندك من الطيور الجياد تعطينا وتفيدنا، فالتفت إلي وقال: يا بني، عندي الطيرة الفلانية بنت الطيرة الفلانية، ولي قنص من فلان، وانبسط، فسمعنا عليه الجزأين ولم نَعُدْ إليه. وسمعنا على ابن صَيْلا، وأبي شاكر السِّقلاطوني، وتَجَنِّي، وابن يلدرك، ومَنوجِهْر، وابن شاتيل، ثم أخذنا في سماع الدرس على ناصح الإسلام أبي الفتح، وكنت قليل الفهم لضيق صدري. وكنت أحب كتابة الحديث؛ فلو كتبت النهار كله لم أضجر، وربما سهرت من أول الليل، فما أشعر إلا بالصباح. وأشار علي الحافظ عبد الغني بالسفر معه إلى أصبهان، فاتفق سفره وأنا مريض، ثم توفي أبي سنة خمس وسبعين. ثم اشتغلت في مسائل الخلاف على الشيخ أبي الفتح اشتغالًا جيدًا، وكنت إذ ذاك فقيرًا ليس لي بلغة إلا من الشيخ أبي الفتح - يعني ابن المنِّي - واتفق غلاء كثير فأحسن إلي، ثم وقع المرض، فخاف عليَّ فجهزني وأعطاني.

стр. 69

واتفقت أنا وعلي ابن الطالباني، ويحيى ابن الطباخ، فترافقنا إلى الموصل، ثم ذهبنا إلى مَراغة (١) في طلب علم الخلاف، فاكتريت إلى حران، وصبر علي الجمال بالأجرة إلى حران، وكنت أقترض من التجار ما أتبلغ به، ثم أقمت بحران نحو سنة أقرأ على شمس الدين بن عبدوس كتاب الهداية لأبي الخطاب. ثم مضيت إلى دمشق، وتزوجت ببنت عمي زينب بنت عبد الواحد، وأنفق علي عمي، وساعدني الشيخ أبو عمر، فكنت في أرغد عيش. إلى أن سافرت إلى بغداد سنة تسع وسبعين ومعي أخي أبو بكر، وابن عمي أحمد - يعني: الشمس البخاري - وهما دون البلوغ، وتركت زوجتي حاملًا بابني محمد، فأقمنا بحران، وصمنا رمضان، وسافرنا مع الحجاج، وجهزَنا ابن عبدوس بالكراء والنفقة، ولم تكن لي همة إلا علم الخلاف، فشرعت في الاشتغال على الشيخ أبي الفتح، وكان معيده الفخر إسماعيل الرَّفَّاء، ثم سافرت سنة ثلاث وثمانين، وخلفت ببغداد أخي، وابن عمي، فسافر ابن عمي إلى بخارى، ولحقني أخي» (٢). وفي هذا النقل العزيز عن البهاء ﵀ يتبين لنا الآتي: أولًا: أن البهاء نشأ نشأةً يغلب عليها قلة العيش والفقر وعدم الاستقرار، ومع ذلك نجده صابرًا في رِحلاته في العلم، ناهلًا من أعالي المسندين في زمنه، طامعًا في المزيد من السماع رغم قله ذات يده، حتى بلغ به أنه كان يقترض ليتبلّغ إلى السماع، ولم يسلك سبيل والده في التجارة. ثانيًا: كما نخلص إلى شخصيته التي اتسمت بالحياء مع الرغبة الشديدة في العلم، ولا أدلّ على ذلك من حزنه بوفاة الشيخ علي البطائحي - مسند زمانه في القراءات - وغيرها حزنًا كثيرًا لرغبته في ختم القرآن عليه. _________ (١) مراغة: بلدة مشهورة عظيمة أعظم وأشهر بلاد أذربيجان. ينظر: معجم البلدان ٥/ ٩٣. (٢) تاريخ الإسلام ٤٥/ ١٩٥.

стр. 70

ثالثًا: كما يظهر لنا بإزاء حرصه على العلم ذكاؤه وفطنته في سماع الحديث، يدل على ذلك موقفه في سماع الحديث على أبي هاشم الدوشابي. رابعًا: وتظهر لنا شخصية البهاء أيضًا في تركيزه على أخذ العلم وتلقيه وسماعه من خلال رِحلاته في طلب العلم، وكثرة مشايخه، وتركه زوجته وهي حامل بابنه محمد، وعدم حرصه على رغد العيش وتحصيله بالتجارة ونحوها، رغم إتاحة الفرصة له باللحاق بوالده بعد وفاة والدته. خامسًا: تزوج البهاء من ابنة عمه زينب بنت عبد الواحد، أخت الحافظ ضياء الدين المقدسي، وأنفق عليه في زواجه عمه، وساعده الشيخ أبو عمر زوج عمته ﵏. ولا شك أن هذه الصفات أثّرت في تربية البهاء وصقل شخصيته إلى أن وُصِفَ بالإمامة في الدين، فإنه ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. ومما جاء في صفاته الخَلقية والخُلقية ما نقله الحافظ أبو الفتح عمر بن محمد بن منصور الحاجب (ت ٦٣٠ هـ): «كان أكثر مقامه بنابلس، وكان مليح المنظر، مُطرح التكلّف، كثير الفائدة، ذا دين وخير، قوّالًا للحق، لا يخاف في الله لومة لائم، راغبًا في التحديث» (١). حقبة زمانه السياسية: لا يختلف عصر البهاء كثيرًا عن عصر شيخه الموفق ابن قدامة، وذلك لتقارب مولدهما ووفاتهما، فليس بين البهاء وابن قدامة سوى أربع عشرة سنة في سنة الولادة، وأربع سنين في الوفاة. _________ (١) تاريخ الإسلام ١٣/ ٧٦٨.

стр. 71

رِحلاته في العلم وشيوخه: بعد أن تولى الحافظ عبد الغني رعاية البهاء وتلقينه أصول العلم ومآخذه بحفظ القرآن، وتعليمه الكتابة، سمع بدمشق قبل أن يرحل منها من عبد الله بن عبد الواحد الكناني في سنة سبع وستين (توفي ما بين ٥٧١ - ٥٨٠ هـ)، ومن القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري (ت ٥٧٢ هـ)، ومن محمد بن بركة الصلحي (ت ٥٦٥ هـ) ومن أبي الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي العجائز (ت ٥٧٦ هـ)، قال الذهبي في تاريخ الإسلام: «وجماعة». ويلاحظ أن هؤلاء الذين أخذ عنهم البهاء في هذه المرحلة كانوا من أكابر الشيوخ في دمشق سنًّا آنذاك؛ إلا أنهم لم يكونوا بذاك الشهرة المقصودة بالإسناد كما سيأتي عمن أخذ عنهم في رحلاته العلمية. رحلته الأولى إلى حَران: بعد أن اشتَدَّ البهاء في العلم، قام الحافظ عبد الغني بتزويده ما يتبلغ به في الرحلة إلى حلْقة الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦١٤ هـ)، وكانت هذه أول رحلة له إلى حرّان. وفي حرّان قعد في دار الفقيه شمس الدين أبي الفتح ابن عبدوس (ت قبل ٦٠٠ هـ)، فأكرمه وأحسن إليه، وكان عمره آنذاك قد تجاوز الخامسة عشرة، وجلس في مبتدأ إقامته يقرأ القرآن على جماعة في نحو ستة أشهر، وكان يصلي بهم التراويح. رحلته الثانية إلى الموصل وبغداد: ثم رحل إلى بغداد مع العماد المقدسي وابن أخته عبد الله بن عمر بن أبي بكر (ت ٥٨٦ هـ)، الذي قال عنه البهاء: «كان أبو القاسم عبد الله بن عمر فيه من الذكاء والفطنة ما يدهش أهل بغداد، كان يحفظ درس الشيخ إذا ألقي عليه مرة أو مرتين، وكنت أتعب حتى أحفظه» (١). _________ (١) تاريخ الإسلام ١٢/ ٨١٦.

стр. 72

وفي أثناء الطريق إلى بغداد نزل بالموصل وسمع على خطيبها جزءًا، ثم رحل إلى بغداد قاصدًا الشيخ علي البطائحي (ت ٥٧٢ هـ) ليختم عليه القرآن، ولكن الشيخ عليًّا وافته المنية قبل أن يدركه البهاء فحزن عليه حزنًا كثيرًا، فقد كان الشيخ علي مقرئًا شهيرًا عالمًا بالقرآن وبالقراءات العشر بارعًا فيها وباللغة العربية (١). وأدرك في بغداد المعمَّرة الشيخة شُهدة بنت أحمد الإبري الكاتبة (ت ٥٧٤ هـ) مسندة العراق، فكان أول جزء كتبه وقرأه عليها جزء حديث مالك، قال البهاء: «ولم أدرك أعلى سندًا منها»، وسمع عليها: معاني القرآن للزجاج، ومصارع العشاق للسراج، والموطأ للقعنبي كما مر في النقل عنه (٢)، وكتاب التوكل لابن أبي الدنيا (٣). وسمع ببغداد أيضًا من عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي كثيرًا (ت ٥٧٥ هـ)، وكان من المحدثين المشهورين ببغداد، قال البهاء: «وكان من بيت الحديث، فإنه روى لنا عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه» (٤)، وسمع عليه: الإبانة للسجزي بقراءة الحافظ عبد الغني المقدسي، وقال البهاء: «ومرضت ففاتني مجلس، وكان - الشيخ عبد الحق - يمشي معي من بيته إلى مكي الغراد فيعيد فوتي» (٥)، وقال أيضًا: «ورزقت منه حظًّا؛ لأنه كان يراني منكسرًا مواظبًا، وكان يعيرني الأجزاء أكتبها»، وروى عنه البهاء في حديثه كثيرًا. وسمع ببغداد أيضًا على أبي هاشم عيسى بن أحمد الدوشابي (ت ٥٧٥ هـ)، وفيه قال: «وسمعت على أبي هاشم الدوشابي، وكان هراسًا يربي الحمام، فقلت لرفيقي عبد الله بن عمر: أريد أفاتحه في _________ (١) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥١٢. (٢) المصدر السابق. (٣) ينظر: ص ٦٣. (٤) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٥٤. (٥) تاريخ الإسلام ١٣/ ٧٦٨.

стр. 73

الطيور عسى يلتفت علينا، فنقرأ عليه هذين الجزأين فقال: لا تفعل، فقلت: لا بد من ذلك، فقلت: يا سيدي، إن كان عندك من الطيور الجياد تعطينا وتفيدنا، فالتفت إلي وقال: يا بني، عندي الطيرة الفلانية بنت الطيرة الفلانية، ولي قنص من فلان، وانبسط، فسمعنا عليه الجزأين ولم نعد إليه». واشتغل ببغداد أيضًا على أبي الفتح بن المنّي نصر بن فتيان (ت ٥٨٣ هـ)، وكان بارعًا في المذهب يقصده الطلاب من البلدان، وتخرّج عليه أئمة الفقه في المذهب، قال البهاء: «ثم أخذنا في سماع الدرس عليه، وكنت قليل الفهم لضيق صدري، وكنت أحب كتابة الحديث فلو كتبت النهار كله لم أضجر، وربما سهرت من أول الليل فما أشعر إلا بالصباح»، وكان الشيخ أبو الفتح يحسن إلى البهاء ويكرمه. كما سمع ببغداد على أبي بكر عتيق بن عبد العزيز الحربي الخباز (ت ٥٧٣ هـ) (١)، وأبي شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني (ت ٥٧٣ هـ) وهو شيخ مسند معمَّر (٢)، وتَجَنِّي أم عتب الوهبانية (ت ٥٧٥ هـ) (٣)، وهي شيخة مسندة معمَّرة، وعلى أسعد ابن يلدرك وهو من شيوخ العراق المسندين المعمّرين (ت ٥٧٤ هـ)، وعلى أبي الفضل منوجهر بن محمد الكاتب (ت ٥٧٥ هـ)، وعلى أبي الفتح عبيد الله بن شاتيل (ت ٥٨١ هـ) وهو شيخ محدث مشهور روى عنه البهاء حديثًا في أثناء النص المحقق. وسمع أيضًا ببغداد من أحمد بن مسعود الهاشمي (ت ٥٧٥ هـ)، وأبي المظفر أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حمدي (ت ٥٧٦ هـ)، وأبي بكر أحمد بن علي بن الحسين بن الناعم (ت ٥٧٤ هـ)، وأحمد بن الحسين بن سلامه المنبجي الحنفي (ت ٥٧٢ هـ)، والحسن بن علي بن _________ (١) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٢٥. (٢) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٣٢. (٣) تاريخ الإسلام ١٢/ ٥٥٠، وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٥٥٠.

стр. 74

الحسن بن شيرويه (ت ٥٧٨ هـ)، وأبي صالح سعد الله بن نجا بن الوادي (ت ٥٧٤ هـ)، وأبي الفضل عبد المحسن بن تريك الأزجي (ت ٥٧٥ هـ)، وأبي العز عبد المغيث بن زهير الحربي (ت ٥٨٣ هـ)، ومحمد بن نسيم العيشوني (ت ٥٧٤ هـ)، وأبي السعادات نصرالله القزاز (ت ٥٨٣ هـ)، وأبي العز محمد بن محمد بن مواهب (ت ٥٧٦ هـ)، وأبي الثناء محمد بن محمد بن هبة الله الزيتوني (ت ٥٧٣ هـ)، وأبي الفضل مسعود بن علي بن النادر (ت ٥٧٦ هـ)، وأبي بكر المبارك بن المبارك بن الحكيم الخياط (ت ٥٧٦ هـ)، قال الذهبي: «وغيرهم كثير». وأراد الرحلة إلى أصبهان مع الحافظ عبد الغني الذي أشار عليه بذلك، فاتفق سفر الحافظ عبد الغني مع مرض البهاء ولم يتيسر له الرحلة إليها، وجلس يكمل السماع من ابن المنّي إلى أن وقع مرضٌ في بغداد، قال البهاء: «ثم اشتغلت في مسائل الخلاف على الشيخ أبي الفتح اشتغالًا جيدًا، وكنت إذ ذاك فقيرًا ليس لي بلغة إلا من الشيخ أبي الفتح - يعني ابن المني - واتفق غلاء كثير فأحسن إلي، ثم وقع المرض، فخاف علي فجهزني وأعطاني، واتفقت أنا وعلي ابن الطالباني، ويحيى ابن الطباخ، فترافقنا إلى الموصل». رحلته الثالثة إلى مراغة: حيث قال: «ثم ذهبنا إلى مَراغة في طلب علم الخلاف، فاكتريت إلى حران، وصبر علي الجمال بالأجرة إلى حران، وكنت أقترض من التجار ما أتبلغ به». رحلته الرابعة إلى حران: رجع البهاء إلى حرّان مرة أخرى، وأخذ في قراءة كتاب الهداية لأبي الخطاب على شمس الدين بن عبدوس، وأتمّه في حدود سنة. رحلته الخامسة إلى دمشق: وبعد حران رحل إلى دمشق، وتزوج فيها، وتفقّه على الموفق ابن قدامة، ولازمه وعلّق عنه الفقه واللّغة وقرأ

стр. 75

العربية، وقد اتفق الموفق والبهاء في أخذ العلم عن عدة من شيوخ، ومن ذلك: سماع الموفق مع البهاء في مجلس علم لأمالي ابن بُشران على الشيخ أبي الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف بقراءة الموفق عليه وسماع البهاء في شهر رمضان سنة ٥٧٤ هـ ببغداد (١)، كما سمع البهاء على الموفق بجامع دمشق في حلقة الحنابلة سنة ٥٧٧ هـ (٢). رحلته السادسة إلى بغداد: ثم رحل البهاء مرة أخرى إلى بغداد في أثناء حمل زوجته بابنه محمد، وكان معه أخوه أبو بكر وابن عمه أحمد الشمس البخاري أخو الحافظ الضياء - وكانا دون سن البلوغ - واشتغل في هذه الأثناء بعلم الخلاف أي علم الفقه اشتغالًا كلِّيًّا على الشيخ أبي الفتح، قال البهاء: «ولم تكن لي همةٌ إلا علم الخلاف، فشرعت بالاشتغال على الشيخ أبي الفتح» (٣). رحلته السابعة ورجوعه إلى نابلس: وفي سنة ٥٨٣ هـ رجع إلى نابلس بعد فتح بيت المقدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي، وصار أكثر مقامه فيها، وأمّ بالجامع الغربي منها، وصار يحدث بما سمع، وانتفع به خلق كثير. ومن هذه النقولات تظهر لنا معالم حياة البهاء المقدسي العلمية في الأمور التالية: أولًا: تأصل البهاء بالعلم في حياته على يد شيخه الحافظ عبد الغني المقدسي، فأخذ عنه القرآن ومبادئ العلم كما سبق، كما أخذ عن بعض المسندين في دمشق إلا أنهم لم يكونوا بتلك الشهرة، ورحل عدة رحلات إلى بغداد والموصل وحرّان، وسمع من أعالي المحدثين هناك، وكانت همته في مقتبل عمره منصرفة إلى علم الحديث، ثم اتجه إلى علم _________ (١) من كتاب البيوتات الحنابلة ٢/ ٨٥٧. (٢) البيوتات الحنابلة ٢/ ٨٥٨. (٣) المصدر السابق.
следующие страницы →