Полный текст (401 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[شرح الورقات في أصول الفقه]ـ
مؤلف الأصل: أبو المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: ٤٧٨هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ١٦ درسا]
стр. 2
شرح متن الورقات في أصول الفقه (١)
مبادئ العلوم- تعريف أصول الفقه
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا يخفى ما ورد من النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ في مدح العلم ورفع أهله الدرجات في الدنيا والآخرة، والمراد بالعلم الممدوح في النصوص الشرعية هو العلم الشرعي المورث لخشية الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر].
هذا هو العلم الممدوح المذكور في نصوص الوحيين، الذي يورث الخشية لله والذي يبعث على العمل الصالح، فالعلم الذي لا يبعث على العمل في الحقيقة ليس بعلم، فالعلم هو ما أورث العمل الصالح الموصل إلى رضوان الله هذا هو العلم الممدوح في النصوص، ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في سورة الزمر من قوله -جل وعلا-: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، بعد ذلكم قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر]، فدل على أن أهل العلم هم الذين يتقون الله ويخشونه ويعملون بعلمهم، أما الذي لا يعمل بما علم هذا في الحقيقة ليس من أهل العلم، وإن حصل على شيءٍ من العلوم والمعارف، لكنه ليس بعالم، ولذا جاء في الحديث -وفيه كلام طويل لأهل العلم-: ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله))، فالعدول هم الذين يحملون العلم الشرعي، العدول الذين يعملون بالعلم هم العلماء، هم الذين يحملون العلم، وفي هذا دليل على أن ما يحمله بعض الفساق من العلوم والمعارف لا يسمى علماً على الحقيقة.
стр. 3
إذا عرفنا هذا فالعلم الممدوح المذكور مداره على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مداره على نصوص الوحيين الكتاب والسنة، فمنهما يؤخذ وعليهما المعول في تحصيله، وقد مضى الجيل الأول من الصحابة على ذلك فاقتصروا على نصوص الوحيين؛ لأنهم ليسو بحاجة إلى غيرهما؛ الكتاب عربي والرسول ﵊ عربي فليسو بحاجة إلى تعلم العربية.
عاصروا النبي وعايشوه ﵊ وعرفوا مقاصده وفهموا عنه ما أنزل عليه وما بيّنه في سنته ﵊ فليسوا بحاجة إلى قواعد وضوابط تعينهم على فهم الكتاب والسنة، هي موجودة حاضرة في أذهانهم، لكنهم ليسو بحاجة إلى تدوين لها؛ لأنهم على علم واطلاع بها.
ومن أراد أن يعرف قدر السلف وعلم السلف وفضل علمهم على الخلف فليقرأ في رسالة الحافظ ابن رجب -رحمة الله عليه- التي أسماها: (فضل علم السلف على الخلف).
وإذا ارتفعت نفس الإنسان وعلت به عن قدره فليقرأ في (مقدمة موضح أوهام الجمع والتفريق) للخطيب؛ ليرى قدره ويعرف أقدار السلف.
أقول هذا؛ لئلا يقول قائل: هذه العلوم حادثة، وقد قيل، والتصنيف في هذه الأمور أمر طارئ حادث بعد عصر السلف.
أقول السلف ليسو بحاجة إلى مثل هذه القواعد وهذه الضوابط التي تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فليسو بحاجة إلى مؤلفات في العربية؛ لأنهم عرب خلص أقحاح لا يحتاجون إلى شيءٍ من ذلك، لكن لما اتسعت رقعة البلاد ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وخالط العربَ غيرُهم من الأمم احتاجوا أن يؤلفوا في العربية، وفي علوم الآلة كلها، وإن شئت فقل: علوم الوسائل التي منها ما نحن بصدد شرحه وهو أصول الفقه.
стр. 4
وعلى هذا إذا عرفنا أن هذه العلوم التي يسميها أهل العلم علوم الآلة التي هي مجرد وسائل لفهم المقاصد من نصوص الوحيين فلا ينبغي لطالب العلم أن يصرف كلَّ وقته لهذه العلوم، بل عليه -لا أقول ينبغي- بل عليه أن يأخذ منها بقدر ما يحتاج إليه في فهم الكتاب والسنة، وليس معنى هذا التقليل من شأن هذه العلوم، القدر الذي يتوقف عليه فهم الكتاب والسنة أمر لا بد منه سواء كان في علوم العربية، أو في أصول الفقه أو في علوم الحديث، أو في قواعد التفسير وعلومه، وغير هذه العلوم مما يحتاجه من يعاني نصوص الوحيين.
ومع هذا التوجيه وعدم إضاعة جميع الوقت في تحصيل هذه الوسائل .. ؛ لأن من الناس من يستهويه علم النحو مثلاً أو علم أصول الفقه فتجده في جميع مراحل عمره، في شبابه، في كهولته، في شيخوخته، إلى أن يموت وهو يقرأ ويقرئ ويدرس ويؤلف في النحو فقط.
إذا عرفنا أن هذا وسيلة لفهم الكتاب والسنة فكيف نقدمه على الغاية والمقصد، ومثله تجد مثلا ًالشخص يتدرج في علم النحو ويقرأ الأجرومية ثم القطر ثم الألفية ثم يطلع إلى ما فوق ذلك من شروح الألفية والمفصل وشروحه وكتاب سيبويه ثم ينتهي عمره على لا شيء، والنحو كما قال أهل العلم: كالملح في الطعام، معناه إذا زاد ضرَّ، لكنه لا بد منه.
ومثله أصول الفقه، تجد بعض الناس يقرأ الورقات ويقرأ شروح الورقات وما نظم فيها، وشروح المنظومات، ثم يطلع إلى مختصر التحرير أو التحرير مع شرحه، ثم الروضة مع شروحها ثم المستصفى ثم البحر المحيط وغيره ويفني عمره في ذلك، فلا إفراط ولا تفريط.
стр. 5
على طالب بالعلم أن يكون متوسطاً في أموره، لا يهمل هذه العلوم بالكلية، كما سمعنا بعض الدعاوى التي تدعو إلى ذلك فيقلل من شأن هذه العلوم، وجدت دعاوى تقلل من شأن العربية، ما أدري كيف يفهم الإنسان الكتاب والسنة وهو لا يعرف العربية، وجدت دعاوى تقلل من شأن أصول الفقه، وهو علم حادث ودخله ما دخله من علم الكلام، نعم، هو علم حادث أوجدته الحاجة، لكن أصوله حاضرة في أذهان الصحابة والتابعين، قد يقول قائل: أصول الفقه لو كان الناس بحاجةٍ إليه استغنى عنه الصحابة والتابعون، ولم يؤلف فيه حتى جاء الإمام الشافعي على رأس المائتين فألف -فكتب الرسالة- إذن هو حادث، نقول: لا، كان معلوم عند أهل العلم من الصحابة والتابعين في أذهانهم، لما وجدت الحاجة ودعت الضرورة إلى التأليف ألف فيه، ومثله الدعاوى التي تقال في علوم الحديث مثلاً، وتدعو إلى نبذ القواعد وغير ذلك، وهذا له مجال آخر.
ومثله أيضاً التقليل من شأن كتب الفقه، والاجتهاد والمطالبة بالاجتهاد والتفقه من الكتاب والسنة رأساً –مباشرةً- لأنهما الأصل، والأمر كذلك هما الأصل، لكن متى يتأهل الإنسان للاجتهاد؟
وهذا الكلام مبسوط في موضعٍ آخر والدورة مدتها قليلة، والإخوان يشيرون إلى أن إكمال الكتاب أمر مفضل عندهم، وإن كان على حساب نوعية الشرح؛ لأن هناك مسائل تحتاج إلى بسط، وتحتاج إلى توضيح وزيادة في ضرب الأمثلة، لكن كما أشار الإخوان لا بد من تكميل الكتاب؛ لأن من الإخوة ممن حضر من خارج البلاد، ولا يتسنى لهم حضور مجالس أخرى لإكمال الكتاب، وعلى كل حال سوف يكون الشرح متوسطاً -إن شاء الله- بقدر ما يحل إشكالات الكتاب ورموزه.
علم الأصول علم في غاية الأهمية، كيف يعرف الطالب الذي ينتسب لطلب العلم الشرعي، وكيف يفهم من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ ما يخاطب به من التكاليف -من الأوامر والنواهي- وهو لا يعرف العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم وغير ذلك من مباحث أهل العلم؟
стр. 6
فهذا العلم لا غنى لطالب العلم عنه البتة، يقول الشوكاني في مقدمة كتابه إرشاد الفحول: "وبعد: فإن علم أصول الفقه لما كان هو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل وتقرير الدلائل في غالب الأحكام، وكانت مسائله المقررة وقواعده المحررة تؤخذ مسلمةً عند كثيرٍ من الناظرين كما تراه في مباحث الباحثين، وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد لما قاله بكلمةٍ من كلام أهل الأصول أذعن له المنازعون وإن كانوا من الفحول؛ لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن وقواعده مؤسسةٌ على الحق الحقيق بالقبول، مربوطةٌ بأدلةٍ علميةٍ من المعقول والمنقول، تقصر عن القدح في شيءٍ منها".
الشوكاني يشيد بهذا العلم، ويشير إلى ما دخله مما كدره من مباحث علم الكلام، وأشار إلى أنه نقّح هذا العلم وهذّبه وحرّره، ولذا سمى كتابه: (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول).
وعلم الأصول لا إشكال في أنه دخله كثير من مباحث علم الكلام مما طالِب العلم في غنية عنه، وجد محاولات لتنقية هذا العلم وتصفيته من هذه الشوائب، لكن يبقى أن أكثر كتب الأصول مشتملة على كثيرٍ من المباحث التي طالب العلم ليس بحاجةٍ إليها، بل صارت سبباً في صد كثيرٍ من طلاب العلم عن تحصيل هذا العلم؛ لأنها أمور معقدة والحاجة إليها ليست داعية، وهذا يلحق بما أشرنا إليه سابقاً أن طالب العلم ينبغي أن يكون متوسطاً في الأخذ من هذا العلم، يأخذ ما يحتاج إليه ويعتني به بقدر الحاجة، وما عدا ذلك مما اشتملت عليه مطولات هذا الفن يبقى لأناس .. ، لطائفةٍ مخصوصة تعتني بهذا العلم لبيانه وإيضاحه.
إذا عرفنا هذا فالجادة المطروقة عند أهل العلم البداءة في العلوم كلها بالمختصرات؛ لأن عقل الناشئة لا يحتمل المطولات، وجاء عن ابن عباس في بيان معنى الرباني: أنه هو الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره؛ ليتمكن الطالب المبتدئ من حفظ هذه المختصرات وفهمها، ثم بعد ذلك يرتقي إلى ما بعدها مما يناسب الطبقة الثانية من طبقات المتعلمين، وهكذا يرتقي بعد ذلك إلى ما يناسب الطبقة الثالثة وهكذا.
стр. 7
فأهل العلم قسموا المتعلمين إلى طبقات: المبتدئين، المتوسطين، المنتهين المحصلين، ولكل طبقةٍ كتب في كل فن، والشوكاني له كتاب في آداب الطلب وطبقات المتعلمين أشار إلى شيءٍ من ذلك.
وهذه المتون وهذا التدرج أمر عرفي اصطلاحي يختلف في كل بلدٍ عن البلد الآخر، فكل أهل بلد لهم عناية بكتب خاصة، كما أن لأهل كل مذهب عناية بكتب خاصة دون غيرها.
من أجود ما ألف للمبتدئين في هذا الفن: (كتاب الورقات) -الذي نحن بصدد شرحه- لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الشافعي المتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
قد يقول قائل: إن قراءتنا لمثل هذا الكتاب ترويج لكتب المبتدعة، الجويني من رؤوس الأشعرية -كما هو معروف- ومن المنظرين في المذهب والقائمين عليه -من أئمتهم- لكنه رجع عن مذهبه، والكتاب في الجملة خالٍ عن البدعة، وعلى طالب العلم أن يكون منصفاً في أقواله وأحكامه على الناس، فالحق يقبل ممن جاء به، نعم، إذا وجد نظيره لشخصٍ لم يتلبس بشيءٍ من المخالفات هذا هو الأصل، كما أن الأصل في الرواية أن تكون عن سنيٍّ لم يتلبس ببدعة، لكن إذا لم يوجد هذا الحديث وهذا الخبر إلا عند من رمي بنوعٍ من البدعة، فتحصيل مصلحة رواية هذا الخبر وحفظه للأمة مقدمة على هجر هذا المبتدع وترك الرواية عنه، وكتب السنة -بما في ذلك الصحيحين- طافحة بالرواية عن المبتدعة، فالحق يقبل ممن جاء به، وتفصيل رواية المبتدع وقبولها أو ردها مبسوط في كتب علوم الحديث، والذي دعانا إلى ذلك أن مؤلف هذا الكتاب كان متلبساً ببدعة.
وبعض الإخوان -وهذا من شدة حرصهم وغيرتهم على السنة ولا يظن بهم إلا خيراً- يرى أن يهجر كل ما جاء عن المبتدعة؛ ولهم في ذلك سلف، الإمام مالك -رحمة الله عليه- لا يجيز الرواية عن مبتدعٍ البتّة؛ إماتة لذكره وإخماداً لبدعته، لكن واقع كتب السنة كصحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة المعتمدة خُرِّجَ فيها لكثير من المبتدعة؛ وذكرنا أن تحصيل الفائدة المرتبة على الخبر الذي جاءنا من طريق هذا المبتدع -الذي هو ليس من الغلاة في بدعته ولا يدعو إليها- مقدم على مصلحة إماتته وإخماد بدعته.
стр. 8
هذا الكتاب المختصر الذي هو بقدر الكف في خمس ورقات بعد تأليفه اشتهر وانتشر في أقطار الأرض شرقاً وغرباً، وعني به العلماء، وشرحه واعتنى به العدد الكبير من أهل العلم، شرحوه ونظموه وحفظوه، وجعلوه الدرجة الأولى في سلم الصعود إلى هذا العلم.
فنذكر ممن شرحه ما تيسر: فشرحه جلال الدين المحلي المتوفى سنة أربع وستين وثمانمائة، شرحاً مختصراً جداً؛ اقتصر فيه على تحليل بعض الألفاظ، وهذا الشرح أيضاً صار له من القبول ما لا يتصور؛ فعني به العلماء فشرحوه، شرح من قِبل جمعٍ كثير من أهل العلم، شرحه ابن القاسم العبادي في شرحين كبير وصغير وكلاهما مطبوع، وشرحه الرعيني المعروف بالحطاب في شرحٍ متوسط، وعليه حاشية، على شرح الرعيني حاشية للشيخ محمد بن حسين الهدة السوسي التونسي، وهذا شرح مطبوع في تونس قديماً، ولعل كثير من طلاب العلم لا يعرفه، وممن شرَح شرْح المحلي علي بن أحمد التجاري، وشرحه أيضاً في حاشيةٍ مبسّطة الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي ومحمد بن عبادة العدوي المالكي، وهناك حاشية لأحد المعاصرين أسماها: (النفحات على شرح الورقات) لأحمد بن عبد اللطيف الخطيب، وهناك حاشية أخرى لمعاصرٍ أخر تسمى: (الثمرات على الورقات) تأليف الخضر بن محمد اللجمي، هذه كلها شروح وحواشي على شرح المحلي.
ممن شرح الأصل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حمزة الرملي، واسمه (غاية المأمول في شرح ورقات الأصول)، وشرحه أيضاً كمال الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن إمام الكاملية، وشرحه أيضاً أحمد بن عمر بن زكريا التلمساني واسم كتابه: (غاية المرام في شرح مقدمة الإمام).
من شروح المعاصرين شرح جيد في أسلوبٍ مناسب وواضح للمتعلمين، الشرح للشيخ عبد الله بن صالح الفوزان، شرح جيد مناسب ومتوسط ليس بالطويل الممل ولا بالمختصر القصير الاختصار المخل، ينبغي لطالب العلم أن يعتني به.
ممن نظم الورقات الشيخ شرف الدين يحيى العمريطي نظماً سهلاً سلساً، جاء في مطلع منظومته قوله:
قال الفقير الشرف العمريطي ... ذو العجز والتقصير والتفريط
الحمد لله الذي قد أظهرا ... علم الأصول للورى وأشهرا
على لسان الشافعي وهونا ... فهو الذي له ابتداءً دوّنا
стр. 9
وتابعته الناس حتى صار ... كتباً صغار الحجم أو كبارا
وخير كتبه الصغارِ ما سمي ... بالورقات للإمام الحرمي
وقد سئلت مدةً في نظمه ... مسهلاً لحفظه وفهمه
فلم أجد مما سئلت بدّا ... وقد شرعت فيه مستمدا
من ربنا التوفيق للصواب ... والنفع في الدارين بالكتاب
هذا النظم نظم سهل وسلس يحفظ به هذا المتن؛ لأن النظم في الغالب هو الذي يثبت بخلاف النثر، والعمريطي تصدى لنظم كثير من المتون، نظم الأجرومية بنظمٍ أيضاً كذلك نزر سهل سلس، وهذا النظم أيضاً مشروح، شرحه شخص يدعى عبد الحميد قدس من أهل مكة.
وقبل البدء بشرح الكتاب نذكر المبادئ العشرة التي جرت العادة بذكرها قبل البدء في كل فن؛ ليتصور هذا الفن ويعرف، وتعرف أهميته وقيمته، وهذه المبادئ يجمعها قول الناظم:
إن مبادئ كل علم عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة
ونسبة وفضله والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
فأول هذه المبادئ الحد: والمراد بالحد التعريف وتعريف هذا العلم سيأتي في كلام المصنف.
الموضوع –موضوع هذا العلم-: الأدلة الشرعية إجمالاً لا تفصيلاً، وكيفية الإفادة منها وحال المستفيد منها.
والثمرة من هذا العلم: القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، فالذي يضبط هذا العلم ويتقن علم الأصول لا شك أنه يستطيع أن يتعامل مع النصوص الشرعية ويعرف كيف يستنبط منها الأحكام.
ونسبته إلى غيره من العلوم التباين؛ فهو علم مستقل من وجه، وإن تداخلت بعض مباحثه ومسائله في علومٍ أخرى كما سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
وفضله: كفضل غيره من علوم الشرعية التي جاء الحث على تعلمها وتعليمها في الكتاب والسنة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وواضعه: الإمام محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- في الرسالة –رسالته التي صنّفها في هذا العلم- وهي أيضاً تصلح أن تكون قاعدةً لكثيرٍ من مباحث علم .. ، علوم الحديث، وحكى الأسنوي وغيره الإجماع على ذلك، الإجماع على أن أول من صنف في الأصول الإمام الشافعي.
стр. 10
واسمه: علم أصول الفقه، اسم هذا العلم علم أصول الفقه، وهناك علم أصول الحديث، وعلم أصول الحديث يسمى مصطلح الحديث، ويسمى علوم الحديث، وهنا نقول: أصول الفقه، فهل نستطيع أن نقول: هذا علم مصطلح الفقه أو علم علوم الفقه، كما قلنا: علم مصطلح الحديث أو علم علوم الحديث؟؟
هذا العلم نظير لذلك العلم، سموه أصول الفقه، وهناك قالوا: أصول الحديث وعلوم الحديث ومصطلح الحديث، هل نستطيع أن نقول مصطلح الفقه؟ نسميه بمصطلح الفقه؟
العلماء قاطبةً اصطلحوا واتفقوا على هذه التسمية، بينما في العلم الآخر منهم من سماه مصطلح الحديث، ومنهم من قال: علوم الحديث، ومنهم من قال: علم دراية الحديث، أو علم الحديث درايةً، أو علوم الحديث، وغير ذلك من التسميات، لكن هنا قالوا: علم أصول الفقه، والمسألة اصطلاحية ولا مشاحاة في الاصطلاح، وإلا فهذا العلم نظير ذلك العلم.
لا مشاحّة في الاصطلاح: وهذه الكلمة يطلقها كثير من أهل العلم وهي بحاجة إلى قيد؛ فهناك من الاصطلاحات ما يشاحح صاحبه، وهناك من الاصطلاحات ما لا مشاحّة فيه، فإذا تضمّن الاصطلاح مخالفةً لما تقرر عند أهل أيِّ علمٍ من العلوم فإنه يشاحح فيه، إذا ترتب على هذا الاصطلاح مخالفة لنص شرعي، أو لأمرٍ مقرر عند أهل علمٍ من العلوم فإنه حينئذٍ يشاحح فيه.
لو قال قائل: أنا أصطلح لنفسي أن أسمي هذه الجهة الشمال .. ، أسمي الجنوب شمالاً، والشمال جنوب، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح؟! أو أقول: السماء تحت والأرض فوق، وأبيّن في مقدمة الكتاب، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح؟!
يشاحح في اصطلاحه، لكن لو قال: الشمال شمال والجنوب جنوب، لكن الناس، أو جمهور الناس على أن الشمال يوضع في رأس الخارطة، وأنا أبى أقلب الخارطة أخلي الجنوب فوق والشمال تحت، نقول: لا مشاحة من الاصطلاح؟ هل يغير من الواقع شيئاً؟
ما يغير من الواقع شيئاً، يعني لو جعل الجنوب في الخارطة فوق، قلب الخارطة، صار الجنوب فوق والشمال تحت، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح.
لو قال قائل: أنا أؤلف الفرائض وأسمي أخ الأب خالاً، الناس يسمونه عمَّاً وأنا أسميه خالاً؟ وأسمي أخَ الأم عمَّاً وإن سماه الناس خالاً، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح؟!
стр. 11
يشاحح في اصطلاحه؛ لأن هذا يخالف النصوص الشرعية، يخالف ما تقرر في علم الفرائض، وغير ذلك من الولايات التي هي للعصبة دون ذوي الأرحام، هذا مخالف لما تقرر في الشرع، لو قال: أهل بلدي يسمون أبا الزوجة خالاً وأنا أسميه عمَّاً أو العكس، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح؟ أبو الزوجة سواء سمي خالاً أو عماً فيه فرق؟ لا مشاحة في الاصطلاح.
ولذا لما قسم البغوي -رحمه الله تعالى- كتابه المصابيح إلى الصحاح والحسان نوزع في اصطلاحه؛ لأنه يخالف ما تقرر في علوم الحديث؛ لأن في السنن ما هو صحيح، وفي السنن ما هو ضعيف، وقاعدته أن ما كان في الصحيحين فهو من الصحاح، وما كان من السنن فهو من الحسان، فهذه القاعدة مما ينبغي تقييدها، فلا تطلق:
والبغوي قسم المصابحَ ... إلى الصحاح والحسان جانحَا
أن الحسان ما رووه في السنن ... رد عليه بهما غير الحسن
فإذا خالف الاصطلاح ما تقرر شرعاً أو ما اتفق عليه أهل علم من العلوم فإنه يشاحح فيه.
استمداد هذا العلم: قالوا لثلاثة أشياء، في كتب الأصول يقولون: يستمد من اللغة العربية، وعلم الكلام، وتصور الأحكام، كيف يستمد من هذه العلوم؟ هم جعلوا علم الكلام من مصادر هذا العلم، من أي وجه؟ ما علاقة علم الكلام بعلم الأصول؟
الذين أقحموا علم الكلام في الأصول وملؤوا كتب الأصول بكثيرٍ من مباحث المنطق، بل بعضهم خصص المقدمة لعلم المنطق ليستعين بها على فهم ما سيأتي، وما سيرد في الكتاب من مباحث علم الكلام، هذا لا شك أنه أساء.
إذنً كيف يستمد علم الأصول من علم الكلام ونحن نقول: استمداده من علم التوحيد، ومن أي وجه يستمد علم الأصول من علم التوحيد؟
قالوا: لتوقف تصديق دلالة الأدلة الشرعية على معرفة الله وعلى تصديق المبلغ عنه، وأيضاً يستمد هذا العلم من اللغة العربية؛ لأنها لغة الكتاب والسنة، فالاستدلال بهما يتوقف على فهم معانيهما، وبعض الناس يقلل من شأن اللغة العربية بالنسبة لطالب العلم الشرعي، وهو لا يعرف أن بعض المسائل التي اختلف فيها أهل العلم سبب الخلاف فيها الخلاف في إعرابها.
стр. 12
((ذكاة الجنين ذكاةُ أمه)): قال بعضهم: ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)): تبعاً لتغير الإعراب تغير الحكم، فالذي يقول: ذكاةُ الجنين -وهم الأكثر- ذكاةُ أمه، يقول: ذكاةُ الجنين هي ذكاةُ أمه فلا يحتاج إلى تذكية، والذي يقول: ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه، يقول هو منصوب على نزع الخافض، فتكون ذكاته كذكاة أمه فلا بد من تذكيته، عند أصحاب القول الأول لا يحتاج إلى تذكية، إذا ذكيت أمه وخرج من بطنها ميتاً خلاص ذكاة أمه تكفي، والذين يقولون: ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه يقولون: لا بد من تذكيته كذكاة أمه، والمسألة معروفة.
من أهل العلم من يقول: إن من يلحن في النصوص فإنه يدخل في حديث من كذب، ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))، إذا قلت: إنما الأعمالَ بالنيات، هل قال الرسول ﵊: إنما الأعمالَ بالنيات أو تكون كذبت عليه حينئذٍ؟ لأنه قال: ((إنما الأعمالُ بالنيات))، وهكذا.
فشأن العربية في فهم نصوص الكتاب والسنة أمر لا يخفى على أحد، بل لا بد من العناية بعلم العربية؛ كي نفهم الكتاب والسنة.
مما يستمد .. ، أو يستمد أصول الفقه من الأحكام الشرعية، إيش معنى الأحكام الشرعية؟
هذا يريد رفع الصوت، وهذا يقول: صوتي ليس واضحاً .. مدري والله!
قالوا: مما يستمد منه علم الأصول الأحكام الشرعية، كيف يستمد الأصول من الفروع؟ كيف يستمد الأصول من الفروع؟
المراد أنه يستمد من تصور هذه الأحكام؛ ليتمكّن من إيضاح المسائل الأصولية بضرب الأمثلة الفرعية.
لا شك أن الاستمداد من هذه العلوم إنما ذكرها من ذكرها بعد أن نظر في واقع كتب الأصول، سبر كتب الأصول ونظر في واقعها وجدها مشتملة على هذه الأمور، لوجود الأمثلة من الأحكام الشرعية؛ لتوضيح المسائل الأصولية قالوا: إن الأصول مستمد من تصور هذه الأحكام.
لا شك أن الأصولي لا بد أن يكون على معرفة ودراية بكثيرٍ من المسائل الفرعية؛ ليتمكّن من توضيح هذا العلم.
وهل هذا العلم مأخوذ بعد النظر في الفروع؟
стр. 13
يعني إذا نظرنا إلى جملة من الفروع وجدناها تنطوي أو تنضوي تحت أصلٍ واحد فاستنبطنا هذا الأصل من مجموع هذه الفروع، وهذا ما يعرف بالقواعد الأصولية، أو أن هذه الفروع مأخوذة من تلك الأصول؟ أو كل واحد مأخوذ من الثاني فيلزم عليه الدور؟
يعني مقتضى تسميتهم هذا العلم علم الأصول أن الفروع مأخوذة من هذه الأصول، وهو مقتضى الوجود، وأن هذا العلم وجد بعد معرفة الأحكام وتصور الأحكام، قلنا، أو قال بعضهم: إن هذا العلم مستمد من الأحكام الشرعية، نعم، لو قلنا: إن كل واحد مستمد من الثاني قلنا: يلزم عليه الدور، قلنا: يلزم عليه الدور.
لا شك أن المسائل والأحكام الشرعية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهذا العلم -أعني علم الأصول- يعين على فهم الكتاب والسنة الذَيْنِ تستمد وتستنبط منهما الأحكام.
حكمه: حكم هذا العلم فرض كفاية، حكم تعلم هذا العلم فرض كفاية؛ كغيره من العلوم الشرعية، وقد يتعيّن على بعض الأشخاص إذا لم يوجد غيره ممن يستطيع القيام به ممن ينوء بهذا العلم، قد يتعين على بعض الأشخاص؛ لأن فروض الكفاية إذا لم يقم بها أحد أثم الناس، وإذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
مسائل هذا العلم: مباحثه وقضاياه التي تذكر في كتبه مما يحتاج إليه.
ثم قال في البيت الأخير:
والبعض بالبعض اكتفى: يعني أن بعض الناس اكتفى ببعض هذه المبادئ، لكن من درى الجميع حاز الشرفا: كذا قيل، ويحتمل أن يكون المعنى: أن بعض الناس اكتفى ببعض مسائل العلم، بعض الناس اكتفى ببعض مسائل العلم دون بعض، أو ببعض العلوم دون بعض، ومن درى وعرف الجميع حاز من المسائل العلمية أو من العلوم .. ، قد حاز الشرف في الدنيا والآخرة، والأجر والثواب العظيم من الله .
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني ﵀:
стр. 14
هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزئين مفردين أحدهما: الأصول، والثاني: الفقه، فالأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره، والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
بسم الله الرحمن الرحيم: المؤلف: افتتح الكتاب أو الرسالة المختصرة الموجزة بالبسملة؛ اقتداءً بالقرآن الكريم حيث افتتحت جميع سوره -عدا براءة- بالبسملة، وعملاً بحديث: ((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)): هذا يستدل به كثير من أهل العلم على افتتاح ما يريدون افتتاحه بالبسملة أو الحمدلة، والحديث بجميع طرقه وألفاظه حكم عليه جمع من أهل العلم بالضعف وإن حسّن بعضهم لفظ الحمد، وهو مع ضعفه يستدل به الجمهور الذين يرون العمل بالضعيف في الفضائل وهذا منها، لكن القول المرجح أن الضعيف لا يعمل به لا في الأحكام ولا في الفضائل ولا في المغازي ولا في التفسير ولا في العقائد من باب أولى وهكذا، فالحديث ضعيف، لكن العمدة في ذلك الاقتداء بالقرآن الكريم.
جاء الأمر بالتسمية في مواضع: كالأكل والشرب والدخول والخروج وما أشبه ذلك، وليكن هذا منها، بل من أهمها.
لم يذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- الحمدلة والتشهد والصلاة على النبي ﵊ مبالغةً في الاختصار، ويحتمل أن يكون قد أتى بها لفظاً، يجاب عن صنيع المؤلف بأنه هداه إلى ذلك الاختصار الشديد، والاحتمال قائم في كونه جاء بهذه الأمور لفظاً، كما أجيب عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في تركه الصلاة على النبي ﵊ في بعض المواضع عند رواية الحديث، قالوا: لعله يأتي بها لفظاً وإن لم يكتبها.
стр. 15
فهذه: بسم الله الرحمن الرحيم، فهذه: في بعض النسخ: هذه، بدون الفاء، بسم الله الرحمن الرحيم، فهذه ورقات: وفي بعض النسخ: هذه ورقات، والفاء إن وجدت فهي واقعة في جواب (أما بعد) المقدرة التي يؤتى بها للانتقال من موضوعٍ إلى آخر، ومن أسلوبٍ آخر، أما بعد: فهذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه: فالفاء واقعة في جواب (أما بعد): وأما: حرف شرط، وبعد: قائم مقام الشرط، وجواب الشرط الفاء وما دخلت عليه، ما دخلت عليه الفاء.
والإتيان بـ (أما بعد): سنة ثبتت عن النبي ﵊ في أكثر من ثلاثين حديثاً، فلا يليق بطالب العلم تركها، طالب العلم المؤتسي بالنبي ﵊ عليه أن يلازمها.
أما بعد: ولا تقوم الواو مقام أما، وإن جرى كثير من المؤلفين والمتحدثين على الاقتصار عليها دون أما، وأشار بعض من ألف من المتأخرين أنها تقوم مقامها، كما في شرح المواهب للزرقاني وغيره؛ نظراً لشيوعها وكثرتها، وإلا فالأصل (أما بعد).
ولا حاجة ولا داعي للإتيان بـ (ثم) قبلها، فإذا قلت: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، ما تقول ثم أما بعد، لا داعي لـ (ثم)؛ لأنها لم ترد بها النصوص، ولا توجد في أساليب أهل العلم من المتقدمين، وإن وجدت في بعض نسخ تفسير الطبري، لكنه لا داعي ولا حاجة إليها؛ النصوص الثابتة عن النبي ﵊ ((أما بعد)) بدون (ثم).
إن احتيج إلى (أما بعد) مرة ثانية للانتقال إلى موضعٍ آخر وأسلوب آخر عطفت على ما قبلها (ثم أما بعد)، إذا قلتها في الموضع الأول: (أما بعد) واحتجت إليها للفصل بين الموضوعين أو الأسلوبين تقول: (ثم أما بعد) لا بأس، وأهل العلم مختلفون في أول من قالها على ثمانية أقوال نجملها في قول الشاعر:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئاً ... بها عدّ أقوال وداود أقرب
ويعقوب أيوب الصبور وآدم ... وقس وسحبان وكعب ويعرب
أقرب الأقوال أنه داود ﵇ وأنها فصل الخطاب الذي أوتيه.
стр. 16
و (بعد): قائم مقام الشرط، ظرف مبني على الضم؛ لحذف المضاف إليه مع كونه منوياً، ومعروف قبل وبعد والجهات الست لها ثلاث حالات، إن أضيفت أعربت، وإن قطعت عن الإضافة مع عدم نية المضاف إليه أعربت مع التنوين، وإن قطعت عن الإضافة مع نية المضاف إليه بنيت على الضم، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [(٤) سورة الروم].
والإشارة فهذه: الأصل في المشار إليه أن يكون موجوداً حاضراً، فهذه: الإشارة هي إلى حاضر على كل حال، فإن كانت كتابة المقدمة بعد تأليف الكتاب صارت الإشارة إلى موجود في الأعيان، وإن كانت كتابة هذه المقدمة قبل تأليف الكتاب صارت الإشارة إلى حاضر في الذهن لا في الأعيان، يشير إلى ما في ذهنه من الكلام الذي سوف يفرغه في هذه الورقات.
فهذه ورقات تشتمل: ورقات جمع ورقة، جمع مؤنث سالم، وجموع السلامة من جموع القلة عند سيبويه، وعَبّر بذلك (هذه ورقات)؛ لأن هذا هو واقعها، هذه ورقات، عبر بذلك؛ لأن الواقع كذلك، ولكي ينشط القارئ لحفظها وفهمها ودرسها، كما قال تعالى في أيام الصيام: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة]، فوصف الشهر بأنه أيام معدودات؛ تنشيطاً للمسلم على صيامها وتقليلاً لها.
فهذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه: تشتمل: تحتوي على معرفة، والمعرفة هي والعلم بمعنىً واحد عند جمع من أهل العلم، وفرق بعضهم بين المعرفة والعلم؛ لأن المعرفة تستلزم سبق الجهل، بخلاف العلم فإنه لا يستلزم سبق الجهل، ولذا يوصف الله بأنه عالم وعليم وعلَّام، ولا يوصف بأنه عارف؛ قالوا: لأن المعرفة تستلزم سبق الجهل، وجاء في الحديث: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)): قالوا هذا من باب المقابلة والمشاكلة في التعبير على أن دائرة الإخبار أوسع من دائرة الأسماء، إلى غير ذلك مما قاله أهل العلم.
على معرفة فصولٍ من أصول الفقه: فصول: جمع فصل، وهو اسم لطائفةٍ من المسائل العلمية، والفصل أو الفصول تندرج تحت الأبواب، ويندرج تحتها المسائل، والأبواب تندرج تحت الكتب.
стр. 17
هذا التقسيم اصطلاحي عرفي من العرف الخاص عند أهل العلم، يؤلفون الكتب على هذا: كتاب يشتمل على كتب، وهذه الكتب تشتمل على أبواب، وهذه الأبواب تشتمل على فصول، والفصول على مسائل إلى غير ذلك، وهذا أغلبي إذ قد توجد الكتب والأبواب دون الفصول، وقد توجد الأبواب دون الكتب، وقد توجد الفصول دون الأبواب، وهكذا، لكن الغالب هكذا.
على فصولٍ من أصول الفقه: على فصول من أصول الفقه ..
بالنسبة للأسئلة يا إخوان: المتعلقة بالكتاب ومباحث الكتاب سوف نجيب عليها بإذن الله وما عدا ذلك مما هو خارج الكتاب فالشيخ موجود، ولا يفتى ومالك في المدينة -كما قال أهل العلم- وليس لنا أن نتقدم بين يدي الشيخ فنجيب بحضرته، فالأمور التي تتعلق بالكتاب لا مندوحة لنا من الجواب عنها، لكن الذي لا علاقة له بالكتاب فالشيخ موجود أمدّ الله في عمره.
فعلى كل حال تفرز الأسئلة من قبل الإخوان ويجاب عنها في الدرس اللاحق -إن شاء الله تعالى- وهكذا سوف تكون الطريقة، إجابة اليوم تكون غداً وهكذا يفرزها الإخوان، ما يتعلق بالكتاب ومسائل الكتاب نجيب عنها، وما عدا ذلك يرجأ حتى يحضر الشيخ.
الآن الشيخ حضر وإلا .. ؟
طالب:. . . . . . . . .
انتهى الوقت وإلا .... ؟
طالب:. . . . . . . . .
وين الإخوان؟
طالب:. . . . . . . . .
ما لهم حد معين .. ؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني نواصل على طول لما يجي الشيخ؟ .. يعني ما في فاصل ... من أجل الإخوان .. ؟
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال ..
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
فهذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزئين مفردين: يعني أن أصول الفقه .. ، هذه أو هذا التركيب مؤلف من جزئين مفردين، يعني أن هذا العلم المسمى بهذا الاسم المركب من هاتين الكلمتين المفردتين: أصول وفقه، فله حينئذٍ أكثر من تعريف، تعريف باعتبار جزئي المركب، وتعريف باعتباره علم على هذا الفن المعروف، تعريف باعتبار جزئي المركب؛ لأنه قال: وذلك مؤلف من جزئين مفردين: أصول وفقه، من جزئين: الجزء الأول أصول، والجزء الثاني الفقه، مفردين: ما المراد بالإفراد هنا؟
ما يقابل ... نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 18
لا، يقابل الجمع أصول مفرد وإلا جمع؟
طالب: جمع.
كيف يقول من جزئين مفردين؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يقول: وذلك مؤلف: مركب من جزئين: أصول وفقه، مفردين: كل واحد منهما مفرد، والإفراد هنا يقابل أيش؟
التركيب، التركيب الجملي؛ لأن كلمة أصول جمع، فلا يراد بالإفراد هنا ما يقابل التثنية والجمع؛ لأن كلمة أصول جمع.
ثم أخذ يعرف جزئي المركب، فبدأ بالأصل.
أصول: النسبة إلى هذا العلم، ماذا تقول في النسبة إلى هذا العلم، شخص معتني بهذا العلم أكثر من غيره من العلوم تسميه أيش؟
طالب: أصولي.
أصولي كذا؟ نعم؟ هاه؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أصولي كذا؟ الياء ياء النسب مشددة ولا بد، ياء كيا الكرسي زيدت للنسب، والبحث ليس فيها، نعم، مشددة، فالنسبة إلى تيماء تيميِّ بالتشديد، وشيخ الإسلام ابن تيميَّة بالتشديد، لا شك أن الياء مشددة، لكن يبقى أن النسبة إلى الجمع حكمها .. ، أهل العلم ينصون على أن النسبة إلى الجمع شاذة، إذا أردت أن تنسب إلى كلمة هي في الأصل جمع تعيد الكلمة إلى مفردها ثم تنسب، إلا إذا كانت شهرة الجمع أقوى من شهرة المفرد، كالنسبة إلى الأنصار وإلى الأعراب، أو إذا كان الجمع لا واحد له من لفظه تنسب إلى الجمع.
فالأصل ما يبنى عليه غيره: الأصل الذي هو واحد الأصول ما يبنى عليه غيره، كأصل الجدار وأساسه الذي يبنى عليه، وأصل الشجرة التي تتفرع منه فروعها وأغصانها، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾ [(٢٤) سورة إبراهيم]، فالأصل هو الأساس، وهو ما يبنى عليه غيره، ويقابله الفرع -يقابل الأصل الفرع- وهو ما يبنى على غيره: كبقية الجدار التي بنيت على الأصل وعلى الأساس، وكفروع الشجرة وأغصانها هي فروع.
ومنهم من يقول: إن الأصل ما منه الشيء، ما منه الشيء، فالأب أصل بالنسبة لولده، والولد فرع، ولذا يقولون في الوارثين أنهم أصول وفروع، وأيضاً حواشي.
والفرع ما يبنى على غيره والفقه: ... ، أخشى أن الشيخ يبي يجي وإلا ... ؟ الشيخ قرب، وإلا إيش صار عليه؟
طالب:. . . . . . . . .
هو بيجي من هنا؟
стр. 19
طالب:. . . . . . . . .
طيب لا بأس ..
والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد: الفقه في اللغة الفهم، ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [(٢٨) سورة طه]، يعني: يفهموه.
معرفة الأحكام الشرعية: هل الفقه والمعرفة أو هو الأحكام؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
هل الفقه هو المعرفة للأحكام، أو هو الأحكام؟
طالب:. . . . . . . . .
هو يقول: معرفة الأحكام الشرعية: يخرج بذلك من الأحكام ما ليس بشرعي، فلا يدخل في الفقه، والأحكام جمع حكم، وسيأتي في بيان الأحكام التكليفية والوضعية تعريف الحكم.
معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد: المقصود بها المسائل الفرعية، ويخرج بذلك المسائل العقلية، والمسائل العقدية؛ لأنه ليس طريقها الاجتهاد.
التي طريقها الاجتهاد: حقيقةً فعلاً، أو بالقوة القريبة من الفعل، فالفقيه من يعرف جملةً صالحة من الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، فالذي يعرف من الأحكام الشرعية بأدلتها بالفعل، وهي حاضرة في ذهنه يسمى فقيه، الأولى من يسمى الفقيه.
الذي لا يعرف الأحكام ليست حاضرة في ذهنه، لكنه يستطيع الوصول إلى معرفة هذه الأحكام بأدلتها، ويستطيع أن ينظر في أقوال أهل العلم ويوازن بينها وينظر في أدلتهم ويرجح، وإن لم تكن المسائل حاضرة في ذهنه، فإنهم يسمونه فقيه بالقوة القريبة من الفعل.
فالشخص الذي إذا سألته عن مسألة في الطهارة يفتح على أوائل الكتب مثلاً -أوائل كتب الفقه مثلاً- وينظر فيها ويتصورها وينظر في أدلتها، ومن خالف ومن وافق وأدلة الجميع ويوازن هذا فقيه، لكن إذا سألته عن مسألة في الطهارة بحث في أواخر الكتب وأوساطها هذا تسميه فقيه؟! لا بالفعل ولا بالقوة القريبة منه، هذا ليس بفقيه أصلاً.
فالإمام مالك -رحمه الله تعالى- لما سئل عن أربعين مسألة أو ثمان وأربعين مسألة، فأجاب عن جلّ هذه المسائل -أكثر من ثلاثين مسألة- قال: "لا أدري"، هل استطاع أحد أن يقول: إن الإمام مالك ليس بفقيه؟ هل يستطيع أحد أن يقول: الإمام مالك ليس بفقيه؟ لا يستطيع، كيف نقول: فقيه، وهو لا يعرف إلا الشيء اليسير من هذه المسائل، هو فقيه؛ لديه القدرة التامة والآلة المكتملة في استنباط الأحكام، فهو فقيه بالقوة حينئذٍ.
نقف على الأحكام السبعة، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 20
شرح متن الورقات في أصول الفقه (٢)
أنواع الحكم
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول هذا: بعض طلاب العلم يقولون: إن متن الورقات لا يصلح للحفظ؛ لأنه يوجد فيه أخطاء في التعاريف، ويقول: الحل في ذلك أن نأخذ تعاريف الشيخ ابن عثيمين ﵀ وتُحفظ، هل هذا الكلام صحيح؟
أقول: كتب العلماء التي هي الجادة في التحصيل عند أهل العلم لا بد من العناية بها، وما فيها من أخطاء لا تعدو أن تكون وجهات نظر، يصوبها البعض ويحكم عليها البعض الآخر بأنها خلاف الصواب، ومن يشرح هذه الكتب عليه أن يبيّن الخطأ من الصواب، ويبقى أيضاً أن هذا من وجهة نظره هو.
ولذا نجد في شراح الورقات وفي غيرها من الكتب التي ألفها أهل العلم، وليسو من أهل العصمة، فيها ما فيها، كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول ﵊ فالجادة التي اعتمدها أهل العلم وسلكها الأئمة المتقدمون في تربية أولادهم أو أبنائهم الطلاب وتنشئتهم على التحصيل العلمي لا بد من سلوكها، فيؤخذ مثل هذا المتن؛ لأنه أخصر متن في أصول الفقه، وألفاظه سهلة ميسرة.
وأما ما يكتبه المتأخرون وهم يكتبون بلغة العصر لا شك أنها كتب نافعة وجليلة ومفيدة، لكن ليتنبه طالب العلم أنه كلما قوي الأسلوب وصعب على الطالب أنه هو الذي يربي فيه ملكة الأخذ والرد والنقاش، وهو الذي يفتّق ذهنه، أما ما يكتبه المعاصرون فهم يكتبون بلغة العصر، وهذه ليس فيها إشكال في الجملة، كتب واضحة ومبسطة، فهذه في الغالب لا تحتاج إلى شرح، يفهمها الطالب بمفرده.
стр. 21
فعلى طالب العلم أن يتمرّن على كتب المتقدمين؛ لأنه إذا سار على الدرب والطريق والجادة المسلوكة، وحصل من العلم ما يؤهله لتعليم الناس، أو للقضاء وفصل الخصومات بينهم، أو لإفتائهم لا يأمن أن يعيّن في بلدٍ ليس فيه غيره ممن ينتسب إلى العلم، فقد يحتاج إلى مراجعة هذه الكتب، وهو لم يتعود على أساليب المتقدمين فيصعب عليه الإفادة منها، بخلاف كتب المتأخرين، وهذا واضح وظاهر في الدراسة النظامية؛ نجد كثير من الطلاب الذين اعتمدوا على المذكرات التي يكتبها الأساتذة يصعب عليهم كل شيء من العلم، ولا يستطيعون التعامل مع كتب أهل العلم، بينما الذين تربوا على الكتب التي ألفها المتقدمون بأساليب قوية متينة هم الذين في الغالب حصلوا واستفادوا؛ لأنه من اليسير جداً أن تنزل من الصعب إلى السهل، لكن العكس هذا صعب.
على كل حال ما كتبه الشيخ -رحمة الله عليه- جدير بالعناية والإفادة منه، لكن ما سلكه أهل العلم في تربية الناشئة على أسلوبٍ معين في التحصيل أمر لا بد منه.
يقول: جاء في بعض النسخ المطبوعة حديثاً ومقابلة على نسخٍ خطية ذكر الحمد والصلاة على النبي ﵊.
هذا موجود في بعض النسخ، هذا موجود في بعض النسخ الخطية، لكن أكثر النسخ مجردة من الحمد والشهادة والصلاة، حتى مجردة من (أما بعد)، ليس فيها إلا ذكر البسملة.
يقول: حديث: ((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)): أليس قد حسنه بعض أهل العلم، كابن الصلاح وغيره؟
الذين حسّن من ألفاظه لفظ الحمد، ((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله .. )) أما سائر ألفاظه وطرقه فهي ضعيفة.
هذا يريد إعادة المبادئ العشرة التي تطلب عند شرح كل كتاب؟
هذه موجودة في الشريط، وأظن الشريط يوزع اليوم أو .... متى؟
طالب: بعدما تنتهي الدورة؟
بعد الدورة، مو كل يوم بيومه؟
طالب:. . . . . . . . .
سوف يوزع بعد الدورة وهو موجود في غالب الشروح المختصرة.
يقول: نود لو لم يفصَّل في النحو؟
стр. 22
النحو عرض .. ، عارض لبيان أهمية النحو لطالب العلم، ولن نرجع إليه إلا عند الحاجة والضرورة القصوى، وعدم التفصيل والاستطراد جاء من كثيرٍ من الإخوان، وجاء ضده من بعضهم، وطلب بعضهم الاستطرادات والفوائد التي لا توجد في كثيرٍ من الشروح الموجودة بين أيديهم.
على كل حال هذه مسألة نعاني منها في كل الدروس، فمن الطلاب من يرى الاقتصار على تحليل اللفظ، وفهم الكتاب الذي بأيدينا، والاستطرادات لها موضع آخر، وبعض الإخوان يرى أن الفائدة في الاستطراد، وأما تحليل اللفظ فالكتاب مشروح بشروحٍ كثيرة.
يقول: أنا طالب علم وقرأت علم الفروع من مذهب الإمام مالك، ولكني رأيت كثيراً من طلبة العلم يقولون في هذا ليس بعلم!!
أقول: طالب العلم المبتدئ عليه أن يتفقّه على ما ذكره أهل العلم، وكل يعتني بالكتاب المعروف المشهور في بلده، وليس معنى هذا أنه إذا اعتنى بالكتاب الفقهي -كالزاد عندنا مثلاً أو العمدة أو الدليل، أو مختصر خليل عند المالكية أو المتون الأخرى في المذاهب الأخرى- ليس معنى هذا أنه يأخذ هذه الأحكام قضايا مسلمة وهذه الكتب دساتير لا يحاد عنها، لا، إنما تكون هذه الكتب كعناصر بحث يفهم الطالب المسألة ويتصورها ويستدل لها، وينظر من قال بها من أهل العلم وأدلتهم ومن خالف أدلتهم، ثم يوازن بين هذه الأدلة ويخرج بالقول الصحيح الراجح، فإذا أتم كتاباً على هذه الطريقة فإنه يدرك من الفقه ما لا يدركه غيره ممن ينادي بالتفقه رأساً من الكتاب والسنة.
طالب العلم إذا تأهل فرضه أن يتفقه من الكتاب والسنة ولا ينظر إلى أقوال الرجال، إلا من باب الاستئناس، أما إذا لم يتأهل طالب العلم فإن عليه أن يسلك ما سلكه أهل العلم، ولا نقول بالتقليد، لا، إنما نقول بالاتباع، يأخذ هذا الكتاب المختصر، ويتصور مسائل هذا الكتاب، ويستدل لهذه المسائل، ثم بعد ذلك ينظر من وافق ومن خالف وأدلة الجميع ويوازن، وحينئذٍ يكون قد أتقن هذا الفن ومعوله وعمدته في الأدلة.
يقول: هل يجوز أن نهجر المبتدعة وأفعالهم السّحَّار وأفعالهم؟
стр. 23
السحار لا شك أنهم كفرة فحدهم القتل فضلاً عن كونهم يذمون، ويخبر عنهم وعن أفعالهم ويحذر منهم، والمبتدعة من كفر ببدعته فحكمه حكمهم، من كانت بدعته مكفرة فحكمه حكم الكفار، ومن كانت بدعته مفسقة ولا تخرجه من الملة فحكمه حكم المسلمين، لكن إذا خشي من ضرره على المسلمين يحذر منه.
طالب:. . . . . . . . .
يقول: بماذا ينصح طالب العلم المبتدئ أن يقرأ في علم أصول الفقه؟
يقرأ في هذا الكتاب وما كتب حوله والمناقشات التي نوقش فيها المؤلف وما كتب على الكتاب، ثم ينتقل إلى ما هو أعلى منه، إما مختصر التحرير مع شرحه أو مختصر الروضة مع شرحه.
يقول: قلتم: إنه لا ينبغي الإفراط في تعلم أصول الفقه، فما المراحل التي ينبغي أن يسلكها في هذا العلم؟
ذكرنا أن المبتدئ يبتدئ بمثل هذا الكتاب ثم ينتقل بعده إلى مختصر الروضة مع شرحه أو مختصر التحرير مع شرحه، ثم إذا فهم هذه الكتب يبقى المسألة مراجعات، عند الحاجة يراجع الكتب المبسوطة.
يقول: هل من أخطأ في أي حديث ينطبق عليه حديث: ((من كذب .. ))؟
من أخطأ، من يعرى من الخطأ كما قال الإمام أحمد ﵀ ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة]، لكن يذكر المثال الذي ذكرناه بالأمس أن من أخطأ في إعراب كلمة من حديث النبي ﵊ يدخل .. ، هذا من باب التحذير والتحري والتثبت ونقل الحديث كما هو بفصه وبلفظه إن أمكن، وإلا فبمعناه.
يقول: ما دام هذا العلم وغيره من علوم الآلة وسيلة وعلى الطالب التوسط فيها فنرجو بيان ما يكفي دراسة المتوسط؟
ذكرنا هذا بالنسبة للأصول.
ويقول بالنسبة لعلم النحو؟
علم النحو يقرأ الآجرومية وتتمتها وما كتب عليهما، وإن نشطت نفسه لحفظ الألفية إذا كانت الحافظة تسعفه فهي خير زادٍ لطالب النحو.
يقول بعض طلبة العلم: إنه لا يسوغ أن يطلق لفظ الإمامة على من تلبس ببدعة كابن حجر والنووي والعز بن عبد السلام، وإذا قلنا: الإمام يطلق على علماء الحديث يقال: العلامة فلان النووي والحافظ ابن حجر .. ؟
стр. 24
على كل حال هذه أمور نسبية، وقد يكون الإنسان إمام في باب وهو في الباب الآخر أقل منه في ذلك، فلا يمنع أن يقال: فلان إمام في باب كذا، إمام في النحو وإن كان ضعيفاً في باب الرواية، إمام في الحديث وإن كان ضعيفاً في باب العربية، وهكذا، الإمام أحمد قالوا: إنه إمام في السنة، إمام في الفقه، إمام في الزهد، إمام في الفقر رحمة الله عليه.
الكتاب الذي معنا سئل عنه كثيراً، في أسئلة ... !
كتاب أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف كتاب جيد ومرتب ومنظم، إلا أنه لا يناسب المبتدئين، يعني من فهم هذا الكتاب وقرأ شروحه يقرأ في مثل كتاب الشيخ خلاف ﵀.
يقول: ما حكم خروج بعض المشايخ والدعاة لما يترتب على ذلك من الفتن والضلال بقصد الدعوة إلى الله؟
الخروج: إن كان المراد به الخروج عن هذه البلاد إلى بلاد الكفر مثلاً، فالسفر إلى بلاد الكفر معروف عند أهل العلم حكمه والإقامة فيها أيضاً -في بلاد الكفر- حكمها التحريم، والهجرة واجبة وباقية إلى قيام الساعة، حسب الإمكان إذا أمكن ذلك، وإلا فالله استثنى المستضعفين.
يقول ما حكم خروج بعض المشايخ والدعاة ... ؟
ما هو موضح، الخروج إلى بلاد الكفر، إلى غيرها من البلدان، الخروج في القنوات ابتلي الناس به أيضاً ووجد من ينتسب إلى العلم يخرج إلى الناس في هذه القنوات مما يكسبها الشرعية، على كل حال هذه أمور تحتاج إلى شيءٍ من البسط، ولعل الشيخ يعرض عليه مثل هذا السؤال.
يقول: هل البسملة في كتاب الله من السور أو من سورة الفاتحة أو كغيرها؟
السؤال ركيك، لكن الواضح أنه يسأل عن البسملة في الفاتحة، أهل العلم يختلفون هل البسملة آية في أوائل السور، بعد اتفاقهم على أنها آية من سورة النمل، واتفاقهم على أنها ليست بآية في أول سورة التوبة، والخلاف معروف.
والذي يراه شيخ الإسلام وبه يقول كثير من الحنفية أنها آية واحدة نزلت للفصل بين السور، وليست بآية في كل سورة، هي آية واحدة نزلت للفصل بين السور، ومنهم من يرى أنها آية في كل سورة، ومنهم من يرى أنها ليست بآية مطلقاً، والآية مبسوطة في كتب أحكام القرآن، وفي –أيضاً- كتب الفقه.
стр. 25
هذا يسأل يقول: إنك ذكرت أنك ستذكر أحسن الطبعات للكتب؟ يعني في مقارنة شروح الكتب الستة، ولم تفعل؟
ذكرناها في مناسبات كثيرة، ذكرنا أفضل الطبعات في مناسباتٍ كثيرة، ولو الوقت يسعف ذكرنا الآن، لكن الوقت ضيق والله المستعان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال إمام الحرمين ﵀:
والأحكام سبعة الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والفاسد، فالواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، والمندوب: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، والمباح: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله، والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله، والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول -رحمه الله تعالى-:
والأحكام سبعة: ثم ذكرها: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل.
الأحكام: جمع حكم والحكم مصدر حكم يحكم إذا قضى، ومعنى الحكم في الأصل المنع، ومنه حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها، ومنه قول جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكمُ أن أغضبا
الحكم في الاصطلاح: يعرفه بعض العلماء بأنه خطاب الله، خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً، خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً، فجعلوا الحكم نفس الخطاب، هذا تعريف أكثر الأصوليين، جعلوا الحكم نفس الخطاب ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [(٤٣) سورة البقرة] هذا حكم، ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ [(٣٢) سورة الإسراء] هذا حكم، ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [(٢) سورة المائدة] هذا حكم، ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [(٧٨) سورة الإسراء] هذا حكم، فجعلوا الحكم نفس الخطاب.
стр. 26
لكن الفقهاء جعلوا الحكم ما يقتضيه الخطاب، فجعلوا الحكم الوجوب المأخوذ من هذا الأمر في قوله -جل وعلا-: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾، وجعلوا الحكم تحريم الزنا المأخوذ من قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾، ولعل هذا أقرب.
والمراد بخطاب الله ما هو أعم مما جاء في القرآن فقط، بحيث يشمل ما جاء عن الله على لسان نبيه ﵊ فخطاب الله سواء كان في كتابه، أو على لسان رسوله ﵊ كله خطاب من الله، والذي يجيء عن النبي ﵊ هو من عند الله؛ ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم]، فالذي يقوله النبي ﵊ ابتداءً، ولا ينبه على أنه خلاف مراد الله هو خطاب الله أما اجتهاده ﵊ وله أن يجتهد- فإن وافق ما عند الله وهذا هو الكثير الغالب- فهو من عند الله حقيقة، وإن أخطأ ﵊ في اجتهاده نبّه على خطئه في ارتكابه خلاف الأولى، كما جاء في قصة الأسرى، أسرى بدر، المقصود أن ما يجيء من عند النبي ﵊ هو من عند الله حقيقةً.
والمراد بأفعال المكلفين: ما يشمل الأفعال من جميع الجوارح، من أفعال القلوب وأفعال اللسان، أقوال اللسان والبدن.
طلباً: سواءً كان الطلب لفعل الشيء أو الطلب للكف عن شيء، وطلب الفعل يشمل الطلب الجازم وهو ما يعرف بالواجب، ويشمل الطلب من غير جزم فيشمل المندوب، وطلب الكف يشمل ما كان مع جزم فيدخل فيه المحظور، وما كان من غير جزمٍ فيدخل فيه المكروه.
أو تخييراً: من غير طلب لا فعل ولا كف، وهو غير مطلوب أصلاً، والمكلف مخير بين فعله وعدم فعله، وهذا هو المباح. أو وضعاً: فيدخل فيه ذلك الحكم الوضعي.
ما جاء من قولهم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً هذا هو ما يعرف بالحكم التكليفي، أو وضعاً يشمل الحكم الوضعي، والوضع يشمل ما ستأتي الإشارة إليه من الصحيح والفاسد وغيرهما.
стр. 27
إذا عرفنا هذا فالأحكام عند أهل العلم تنقسم إلى قسمين: أحكام تكليفية، وأحكام وضعية، أحكام تكليفية وأخرى وضعية، والأحكام التكليفية .. ، والأصل في التكليف أنه إلزام ما فيه كلفة ومشقة، هذا الأصل فيه، ولا شك أن الشرع فيه تكاليف وفيه ما يشق على النفوس؛ لأن الجنة حفّت بالمكاره، هذا هو السبب في تسمية الأحكام بالتكليف؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، ولا يمنع أن يكون هذا التكليف .. ، يكون في بداية الأمر، ثم بعد ذلك يكون تلذذ بالطاعة، يعالج الإنسان نفسه على هذه التكاليف حتى تصير ديدناً لها فتتلذذ بها، وهذا معروف عند المسلمين قديماً وحديثاً، كثير من الناس يتلذذ بالطاعة، والرسول ﵊ يقول: ((أرحنا يا بلال بالصلاة))، وحال أو لسان حال كثيرٍ من المسلمين يقول: أرحنا من الصلاة.
لا شك أن الصلاة تكليف على خلاف ما ترضاه النفس، لكن إذا اعتادها الإنسان وتعلق قلبه بها حدِّث ولا حرج من اللذة وانشراح الصدر في الصلاة، وجاهد السلف -بل كثير من الناس في القديم والحديث- جاهدوا أنفسهم من أجل قيام الليل، جاهدوا مدة ثم صار من شأنهم وديدنهم فتلذذوا به، وهكذا غير الصلاة من العبادات كالصيام في الهواجر من أشقّ الأمور على النفس، الصيام في الهواجر، لكنه من ألذ الأشياء عند من عوّد نفسه عليها وصار شأناً له وديدناً له والله المستعان، وقل مثل ذلك في سائر العبادات، كتلاوة القرآن، التلذذ بمناجاة الله والخلوة به، والله المستعان، وهذا محروم منه كثير من الناس، والسبب انشغالهم بهذه الدنيا، والله المستعان.
стр. 28
فالأحكام التكليفية خمسة استوعبها المؤلف فذكرها كلها، الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه، وطريق الحصر في الخمسة الاستقراء؛ لأن الطلب إما أن يكون طلباً للفعل أو الكف عنه أو للتخيير، فالأول إن كان جازماً على ما تقدم فهو الواجب، وإن كان من غير جزمٍ فهو المندوب، والثاني طلب الكف، إن كان مع جزمٍ فهو المحظور، وإن كان من غير جزم فهو المندوب، وإن كان الثالث الذي هو التخيير هو الإباحة، فالإباحة حكم شرعي؛ لأنها بخطابٍ من الله على خلافٍ بين أهل العلم في ذلك، منهم من يقول: إن ذكر الإباحة وإدراجها ضمن الأحكام من باب تتميم القسمة؛ إذ ليست هي حكم، وليست بتكليف، وليس فيها كلفة ولا مشقّة، والذي يقول: إنها من التكليف وأدرجها في الأحكام التكليفية قال: إنها جاءت بخطابٍ من الله، وخطاب الله هو الحكم،
والأحكام الوضعية، والمراد بالحكم الوضعي: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين لا بالاقتضاء ولا بالتخيير، والأحكام الوضعية كثيرة: السبب، والعلة، والشرط، والمانع، والرخصة، والعزيمة، والصحة، والفساد، وأما المؤلف فاقتصر منها على اثنين، وساقها مساقاً واحداً مع أحكام التكليف اختصاراً؛ لأن الكتاب ألف للمبتدئين، وهم لا يستوعبون ذكر جميع الأقسام.
وأنتم تلاحظون أن الكتب التي تؤلف بالتدريج -ولنأخذ على سبيل المثال مؤلفات الموفق ابن قدامة في الفقه- العمدة، المقنع، الكافي، المغني، فللمبتدئين العمدة، وللطبقة الذين يلونهم من المتوسطين المقنع، وللطبقة الثالثة الكافي، وللمنتهين المغني، وطريقتهم في التأليف أنهم يقتصرون على ما يحتاج إليه المبتدئ، ثم الطبقة الذين يلونهم، يذكرون ما ذكروه للمبتدئين، ويزيدون عليه مما يحتاجه المتوسطون، فهل المقنع مجرد من الأحكام الموجودة في العمدة؟ لا، وهل الكافي مجرد عما اشتمل عليه المقنع؟ لا، موجود فيه كل ما ذكر في هذه الكتب، والتكرار عند أهل العلم مقصود، ولذا يعمد بعض الناس إلى ذكر زوائد الكافي على المقنع مثلاً، أو ذكر زوائد المقنع على العمدة، هذه طريقة ما غابت عن بال أهل العلم حينما ألفوا هذه الكتب، إنما يستفيد الطالب من هذا التكرار.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
стр. 29
والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حرما
مع الصحيح مطلقاً والفاسد ... من قاعدٍ هذان أو من عابد
ثم شرع -رحمه الله تعالى- في تعريف هذه الأحكام التي سردها، عرّفها بلوازمها على طريقة اللف والنشر المرتب، لو نظرنا في كلام المؤلف:
الواجب المندوب المباح المكروه المحظور الصحيح الفاسد، فالواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه الصحيح والباطل، على نفس ترتيب اللف، نشرها بعد أن لفها، واللف والنشر أسلوب عند أهل العلم، يذكرون الأقسام على سبيل الإجمال ثم يفصلونها، وهو موجود في نصوص الكتاب والسنة أيضاً.
اللف والنشر: تذكر الأمور إجمالاً ثم بعد ذلك تفصّل، فإن كان ترتيب التفصيل على نفس ترتيب الإجمال سمي اللف والنشر المرتب، وإن كان ترتيب التفصيل يختلف عن ترتيب الإجمال سمي اللف والنشر المشوش يعني غير المرتب، وكل من اللف والنشر المرتب والمشوش جاء في أفصح الكلام، جاء في أفصح الكلام، ففي مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [(١٠٦) سورة آل عمران]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [(١٠٧) سورة آل عمران]، هذا لف ونشر، لكنه مشوش غير مرتب؛ لأنه بدأ باللفظ، بالذين ابيضت وجوههم، وثنى بالذين اسودت وجوههم، لكنه في النشر بدأ بالذين اسودت وجوههم، ثم ثنى بالذين ابيضت وجوههم.
والفائدة البلاغية اعتنى بها المفسرون في تقديم الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم تراجع في مظانها.
وفي سورة هود: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ [(١٠٥ - ١٠٦) سورة هود]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ [(١٠٨) سورة هود]، لف ونشر مرتب.
стр. 30
ثم ذكر .. ، سرد الأحكام التكليفية واستوعبها؛ لشدة حاجة المبتدئ إليها، واقتصر من الأحكام الوضعية على قسمين وسردها وساقها مع الأحكام التكليفية مساقاً واحداً، ولا اعتراض عليه في ذلك؛ فالكل أحكام، لو أردت أن تذكر أسماء أشخاص تسردهم، تفهرس كتاب، تقول: أسماء الرواة مثلاً، أو أسماء الأعلام، فإما أن تفرد الرجال ثم تتبعهم بالنساء وهذه طريقة، أو تخلط الجميع وترتب على الحروف هذه أيضاً طريقة، فكل من الطريقتين معروف ومعمول بهما؛ لأن الجميع يشمله الحكم، هذا حكم وهذا حكم، نعم إن ميّزت التكليفية عن الوضعية بعنوانٍ مستقل هذا أدق، لكن إن سردتها مساقاً واحداً فلا بأس، وهذا وهذا كله معمول به.
ثم أخذ يعرف هذه الأحكام فقال:
فالواجب: الفاء هذه إيش يسمونها؟
طالب:. . . . . . . . .
فالواجب: نعم
طالب:. . . . . . . . .
تعرفوا معاني الحروف؟ ما في فاء يقال لها: التفريعية؟
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، فالواجب: أنا أقصد الفاء هذه .. أيش؟
طالب:. . . . . . . . .
هل نقول تفريعية أو فصيحة؟ أو ما تعرفون الفرق؟
وجاء سؤال وطلب يقول: لا تفصلون في المسائل النحوية والله المستعان، يا إخوان العلوم مترابطة لا ينفك بعضها عن بعض، ولذا الذين يطالبون بفصل أصول الفقه عن علوم الحديث يطالبون بأمرٍ غير سائغ، ويأتينا علم السنة مبحث مهم من مباحث أصول الفقه، ومباحث علوم السنة لا تستغني عن مباحث أصول الفقه على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
يقول: فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه: الواجب في اللغة هو الساقط كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [(٣٦) سورة الحج]: يعني إذا سقطت على الأرض بعد نحرها؛ لأن الأصل أن الإبل تنحر قائمة، فإذا نحرت وهي قائمة ثم سقطت فكلوا منها.
اصطلاحاً: عرفه المؤلف -رحمة الله عليه- بأنه ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه: يثاب المكلف على فعله إذا فعله على جهة الامتثال، واستحضار التعبد لله به، من يفعل الواجب وهو غافل عن التعبد به، أو لا يعرف أنه واجب هذا يثاب عليه؟ يفعل الواجب، لكن على سبيل التقليد، رأى الناس يفعلون ففعل، لا على جهة التعبد لله ؟
стр. 31
((إنما الأعمال بالنيات))، إذا ما نوى التعبد لله بهذا الفعل فلا ثواب له.
ويعاقب على تركه: أي يستحق العقاب تاركه، وإلا فهو عاصٍ، وحكم العصاة معروف، الذين لم تبلغ معصيتهم إلى درجة الشرك، هم تحت المشيئة، ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء]، فتارك الواجب معرض نفسه لعقوبة الله .
وهذا التعريف للواجب باللازم والأثر المترتب عليه، وأما حقيقته وماهيته: فهو ما طلب الشارع فعله على سبيل الجزم.
واختار الطوفي في تعريفه أنه ما ذمّ تاركه مطلقاً، يذم تاركه فيخرج بذلك جميع الأحكام، يخرج المندوب؛ لأنه لا يذم تاركه، ويخرج بذلك المحظور والمكروه؛ لأنه يمدح تاركه على ما سيأتي.
والواجب مرادف للفرض عند جمهور العلماء، خلافاً للحنفية الذين يفرقون بين الفرض والواجب، فيجعلون الفرض ما ثبت بدليلٍ قطعي، والواجب ما ثبت بدليلٍ ظني.
فزكاة الفطر الثابتة بقول ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر"، فرض وإلا واجب عند الحنفية؟
واجبة، والصحابي يقول: "فرض"؛ لأنها ثبتت بدليلٍ ظني عندهم.
وصلاة العيد عندهم واجبة؛ لأنها ثبتت بدليلٍ ظني، دليل ظني: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر]، هذا دليل ظني وإلا قطعي؟!
طالب:. . . . . . . . .
هم عندهم صلاة العيد واجبة وليست بفرض؛ لأنها ثبتت بدليل ظني، وهو قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، ظني الدلالة، وإن كان قطعي الثبوت.
والواجب له تقاسيم باعتبارات، منه تقسيم باعتبار الفعل نفسه، فالفعل منه المعيّن: وهو الذي لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والزكاة والصوم، ومنه المبهم من غير تعيين كخصال الكفارة. وقسمه أهل العلم باعتبار الوقت سعة وضيقاً، إلى موسع ومضيق، فالموسع الذي يتسع وقته لغيره فيزيد على فعله كأوقات الصلوات، والمضيق ما لا يتسع وقته إلى فعل غيره كشهر رمضان.
стр. 32
وقسم أيضاً باعتبار الفاعل إلى قسمين: عيني وكفائي. فالعيني: ما يلزم كل مكلف بعينه ونفسه بحيث لا ينوب غيره ولا يقوم غيره مقامه، والكفائي: ما يثبت من فعل البعض فينوب بعض الناس عن بعض بفعله، واجب على الأعيان وواجب على الكفاية فالذي يلزم به الناس كلهم –المكلفون- إذا توافرت الشروط ألزموا به هذا يسمى واجب على الأعيان.
الصلوات هل يصلي أحد عن أحد؟ هل تسقط بفعل البعض؟ لكن هناك ما يسمى بالواجب على الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وأيهما أفضل؟
جماهير أهل العلم على أن الواجب العيني أفضل من واجب الكفاية؟ والمؤلف يرى أن الواجب على الكفاية أفضل من الواجب العيني، والتفصيل في هذه المسألة يطول.
من الواجبات ما هو محدد -عيّن له الشارع مقداراً- كالصلوات المفروضة، ومنه ما هو غير محدد، يجب لكنه من غير تحديد، تحدده الحاجة، كإنقاذ الغرقى وإغاثة الملهوفين هذا واجب لكن هل له حد محدد؟ أنقذت اليوم غريقاً، ورأيت غريقاً من الغد تقول: يكفي أنا أنقذت أمس واحد؟ لا ليس له حد محدد؛ هذا مربوط بسببه.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
فالواجب المحكوم بالثواب ... في فعله والترك بالعقاب
ثم قال ﵀: والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه: المندوب في اللغة اسم مفعول من الندب وهو الدعاء إلى الفعل، أو الدعاء إلى الأمر المهم، وقد عرفه المؤلف -رحمه الله تعالى- بلازمه كسابقه، بلازمه والأثر المترتب عليه.
قال: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه: ويأتي فيه ما ذكر في الواجب من أن الثواب معلق بقصد الامتثال؛ لأن الأعمال بالنيات، قصد الامتثال ونية التعبد لله .
стр. 33
وعرّف المندوب باعتبار حقيقته بأنه مأمور به، يجوز تركه لا إلى بدل، أو ما طلب فعله لا على سبيل الجزم، وهو مرادف للسنة والمستحب، وهو مأمور به، خلافاً لبعضهم، المندوب مأمور به، خلافاً لبعضهم ممن قال: لو كان مأموراً به لعصى تاركه؛ إذ المعصية مخالفة الأمر كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور]، هذا تهديد لمخالفي الأمر، فدل على أن مخالف المندوب حيث لم يدخل في هذا الوعيد أنه ليس بأمر ولا مأمور به، وفي الحديث الصحيح: ((لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك)) مع أنه مندوب إجماعاً، إذن المندوب ليس بمأمور به، هذا ما قاله بعضهم.
والصواب أنه مأمور به، وهو قول عامة أهل العلم، والمقصود بالأمر في الآية وفي الحديث: أمر الإيجاب لا أمر الاستحباب، أمر الإيجاب لا أمر الاستحباب، فأمر الاستحباب أمر لكنه لم يتوعّد على تركه، وهذا يدل على أن الأمر في الأصل الوجوب، أن الأمر في الأصل للوجوب، ولا يصرف عنه إلا بصارف، بدليلٍ شرعي.
يقول الناظم:
والندب ما في فعله الثواب ... ولم يكن في تركه عقاب
ثم قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
والمباح ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه: المباح في اللغة الموسع فيه، ويسمى طلق، يعني مطلق من غير تقييد لا بأمر إيجاب ولا بأمر ترك وكف، فهو مأذون فيه، وتعريفه عند المؤلف كسابقيه بلازمه: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه: وحقيقته وماهيته: ما خيّر المكلف بين فعله وتركه لذاته، فلم يقصد الشارع أن يفعله المكلف، ولم يقصد أن يكفّ عنه لذاته، لا باعتبارٍ آخر؛ لأنه قد يكون الفعل هذا في الأصل مباح، لكنه لذاته، أما إذا نظرنا إليه باعتبارٍ آخر فقد يكون حراماً وقد يكون واجباً، يكون واجباً متى؟
стр. 34
إذا لم يتم الواجب إلا به، ويكون حراماً إذا شغل عن واجب أو أدى إلى ارتكاب محظور، فالمباح من حيث هو مباح لذاته لم يطلب فعله ولا تركه، فهو مخير فيه -المكلف مخير فيه- لكن إن أدى المباح إلى ترك واجب أو ارتكاب محظور صار محظوراً، لكن لا لذاته وإنما لأمرٍ عارض، إذا توقف فعل الواجب على هذا المباح صار واجباً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
وليس في المباح من ثواب ... فعلا ًوتركاً بل ولا عقاب
وعرفنا أن المباح من أهل العلم من قال: إنما ذكر في الأحكام التكليفية من باب تتميم القسمة، فالقسمة خماسية، إما طلب فعل، أو طلب كف، أو تخيير لا طلب فعل ولا طلب كف، مخير المكلف، تتميم للقسمة العقلية، وعلى هذا ليس من الأحكام التكليفية.
ومنهم من يقول: إنه من الأحكام التكليفية، يعني ما الذي يدريك أن هذا مباح إلا بخطاب الشرع، وأهل العلم يختلفون في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، وفي حكمها ما سكت الشرع عنه، وعلى هذا هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟
من أهل العلم من يقول: الحلال ما أحله الله، ومنهم من يقول: الحرام ما حرّمه الله، هناك فرق بين الجملتين؟
طالب:. . . . . . . . .
فرق وإلا ما فيه؟ نعم، في فرق، فرق كبير، الحلال ما أحله الله، وبعضهم يقول: الحرام ما حرّمه الله.
إذا كنت في مكانٍ ما فوجدت شيئاً -نبات أو حيوان- وليس عندك فيه نص يدلك على جواز أكله ولا على المنع منه، تأكل وإلا ما تأكل؟ إذا قلنا: الحرام ما حرمه الله؟
طالب:. . . . . . . . .
تأكل، تأكل نعم، على هذا تأكل؛ لأنه ما عندك نص يدل على تحريمه، وإذا قلنا: الحلال ما أحله الله ليس عندك نص يدل على حله، إذن قف لا تأكل، هناك فرق كبير بين العبارتين، والذي يسمعها في بادئ الأمر يقول: صح، الحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله، شو يصير؟
فعلى سبيل المثال: بعض الناس إذا صار عنده مرض أو نقص في بعض الأمور في جسده قيل له: تأكل من لحم السقنقور، معروف وإلا ما هو بمعروف؟
стр. 35
هو موجود عند العطارين على كل حال، مجفف وموجود عندهم، وبعض الناس يخرج إلى البر وفي الرمال يصطاده فيأكله، هذا جاري على قاعدة أيش؟ الحرام ما حرمه الله، لكن الذي يمنعه جارٍ على قاعدة: الحلال ما أحله الله، نعم، وصف لك مثل هذه الدويبة، وصفت لك علاج تحتاج إلى دليل لتأكل هذه الدويبة؟
الورع بابه معروف، كون الإنسان يتورع ولا يدخل في جوفه إلا ما يطمئن إليه ويجزم بحله هذا شيء، لكن أيضاً منع الناس من غير دليل يحتاج إلى .. ، أقول: منع الناس لما يحتاجون إليه يحتاج إلى دليل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاًٌ﴾ [(٢٩) سورة البقرة]، على كل حال هذه المسألة تحتاج إلى بسط وتمثيل وتنظير، وذكر أقوال أهل العلم، والمقام لا يحتمل هذا، لكن هذا يورث بحث أصل المسألة إن شاء الله تعالى.
والمحظور: -وهو القسم الرابع- ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله: والمحظور اسم مفعول من الحظر، وهو المنع، يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [(٢٠) سورة الإسراء]، عرفه المؤلف كسوابقه بلازمه فقال: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله: والمقصود أنه يستحق العقاب، لا أنه يجزم بعقابه كما مضى في تعريف الواجب، ففاعل المحظور معرض نفسه لعقاب الله المرتب على فعل هذا المحظور، وإن كان في الأصل تحت المشيئة إذا لم يكن تركُه .. ، أو يكون ما تركه مكفراً أو يكون من الأمور المتفق عليها وتركها جاحداً لها.
وحقيقته ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً، خرج بطلب الترك الواجب والمندوب والمباح، وخرج بالجازم المكروه، والمحظور ضد الواجب، ضد وإلا نقيض؟ ضد وإلا نقيض؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
صحيح صحيح
طالب:. . . . . . . . .
يجتمعان؟ لا يجتمعان، هنا يمكن ارتفاع الواجب والمحظور؟
لا يمكن أن يجتمعا مع اتحاد الجهة، لكن هل يمكن أن يرتفعا ويحل محلهما شيء ثالث؟ يمكن، يرتفع الحظر والوجوب، وتحل الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب، الندب والاستحباب، فهما ضدان.
стр. 36
قد يجتمع الواجب مع المحظور في عملٍ واحد، باعتبارين، يعني مع انفكاك الجهة كالصلاة في الدار المغصوبة، وهو ما حرم من الواجبات لأمرٍ عارض لا لذاته، فإذا انفكت الجهة يمكن أن يوصف الفعل بأنه واجب، وفي الوقت نفسه محظور، ولذا يختلف أهل العلم في حكم الصلاة في الدار المغصوبة، والمعروف عند أهل العلم أن النهي إذا عاد إلى ذات العبادة أو إلى شرطها فإنها تبطل مع التحريم، أما إذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط وما لا تقوم إلا به، فإنها تصح مع التحريم، يعني فرق بين أن يصلي شخص وعليه عمامة حرير، أو خاتم حرير أو ستر عورته بسترة حرير أو ما أشبه ذلك أو سترة مغصوبة محرمة، مع انفكاك الجهة: يبالغ بعض الناس بالانفكاك، كما أن من أهل العلم والمعروف عن الظاهرية أن كل نهي يقتضي الفساد، كل نهي يقتضي الفساد، ولو لم يعد إلى العبادة نفسها ولا إلى شرطها.
الصلاة في المسجد المزخرف على هذا إذا قلنا: كل نهي يقتضي الفساد، الصلاة في المسجد المزخرف المشيّد المنهي عنه فاسدة عند الظاهرية؛ لوجود النهي وهو نهي خارج عن العبادة، لكن كل نهي يقارن هذه العبادة ولو كان خارجاً عنها فإنه يقتضي الفساد.
وبالمقابل من يبالغ بانفكاك الجهة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما يقوله بعض الأشعرية من وجوب غض البصر من قبل الزاني عن المزني بها، نعم، يجب عليه أن يغض بصره؛ لأن هذا حرم بخطاب وهذا حرم بخطاب، ارتكب هذا لا يجوز له أن يرتكب هذا، هذه مبالغة في فك الجهات؛ إنما حرم النظر من أجل الوقوع في الفاحشة، لا شك أن الجهات قد تنفك وقد تتحد فإذا اتحدت الجهة لم يصح العمل وإذا انفكت الجهة قد يصح وقد لا يصح كما مثّلنا.
يطلق الحرام المرادف للمحظور من حيث الحقيقة ضد الحلال، والحلال هو في الأصل المباح، الحلال المباح، فكيف يكون الحرام ضد الحلال؟
جاء في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل]، كيف جاء الحلال ضد الحرام؟ ونقول: التحليل والتحريم لله ؟
نحن عرفنا أن الحرام في حده ضد الواجب، كما قلنا في الواجب أنه ضد الحرام.
стр. 37
المقابلة هنا من حيث الحد والحقيقة وإلا .. ؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، الحد والحقيقة، نعم، طيب، وكونه ضد الحلال؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟ أيوه؟
طالب:. . . . . . . . .
الحلال يعني أعم من أن يكون مخيراً في فعله أو تركه، أعم من ذلك، فيشمل ما يفعله المكلف، سواء كان مقتضىً فعله مع جزم أو من غير جزم أو مأذون فيه.
ثم قال -رحمه الله تعالى- في القسم الخامس وهو المكروه:
والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله: هو اسم مفعول من الكراهة، وهو المبغض، وتعريفه عند المؤلف بلازمه كسوابقه، وحقيقته هو ما طلب الشارع تركه من غير جزم، وطلب الترك يخرج الواجب والمندوب والمباح؛ لأن الواجب والمندوب مطلوب فعلهما، والمباح غير مطلوب لا فعله ولا تركه، مخير فيه، وقوله: من غير جزم: يخرج المحظو، وهذا ما استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، هذا ما استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، ويطلق المكروه ويراد به الحرام، ولذا يقسم أهل العلم الكراهة إلى قسمين: كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، وجاء في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [(٣٨) سورة الإسراء] بعد أن ذكر جملة من المحرمات، ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، وجاء في كلام السلف والأئمة ما يوافق ذلك، يطلق السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الكراهة ويريدون بها كراهة التحريم، ولو قيل: إن هذا هو الغالب في إطلاقهم الكراهة لما بعد؛ لأنهم يتورعون من إطلاق اللفظ الشديد، فالإمام أحمد كثيراً ما يقول: "أكره كذا"، "لا يعجبني كذا"، وإن كانت الأمور محرمة: "أكره المتعة"، وهو يحرمها ويجزم بتحريمها، ولذا يخطئ كثير من أتباع الأئمة في فهم نصوصهم لمخالفتها لما جرى عليه الاصطلاح.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
وضابط المكروه عكس ما ندب ... كذلك الحرام عكس ما يجب
وبهذا تكون الأحكام التكليفية الخمسة قد انتهى الكلام عنها، وأما الحكم الوضعي وهو داخل في الحد السابق للحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً، هذا هو الخطاب، أو الحكم الوضعي، وهو ما وضعه الشارع علامة ونصبه دلالة للمكلف.
стр. 38
مثال يوضح الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي:
مثال: الزكاة تجب في مال من اكتمل عليه النصاب، من اكتمل عنده النصاب تجب عليه الزكاة، فإن كان مكلفاً فحكمه من باب التكليف، الحكم التكليفي يجب عليه، ووجوبها في مال غير المكلف -في مال الصبي والمجنون- حكم تكليفي وإلا وضعي؟
وضعي، من باب ربط الأسباب بالمسببات، وجد السبب فليوجد المسبب، وجد المال فلتوجد الزكاة، هذا المثال يوضح الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، ظاهر وإلا مو ظاهر؟
عند وجوب الزكاة في من اكتمل عنده النصاب: زيد من الناس مكلف حر بالغ عاقل عنده مبلغ من المال، تجب عليه الزكاة، نقول: تجب عليه الزكاة، لماذا؟ لأنه مكلف، فالحكم حينئذٍ تكليفي، الوجوب من الأحكام التكليفية، وأما وجوبها في مال الصبي والمجنون فليس من باب الأحكام التكليفية لماذا؟ لأنه غير مكلف؟ إنما وجوبها من باب الحكم الوضعي، من باب ربط الأسباب بالمسببات، وجد السبب، وجد المال فليوجد المسبب وهو الزكاة.
والأحكام الوضعية كثيرة من السبب والعلة والشرط والمانع والرخصة والعزيمة والصحة والبطلان، فالسبب ما جعله الشارع علامةً على مسببه، أقول: فالسبب: ما جعله الشارع علامةً على مسببه، وربط وجود السبب بوجوده وعدمه، ويطلق أيضاً بإزاء علة الحكم.
والشرط: ما يتوقف وجود الحكم على وجوده، ويلزم من عدمه عدم الحكم، والمانع: ما يلزم من وجوده عدم الحكم، والرخصة: ما شرعه الله من الأحكام تخفيفاً على المكلفين في حالاتٍ خاصة تقتضي ذلك التخفيف، وقيل في تعريفها: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعي لمعارضٍ راجح، لكنها تثبت بأدلة؛ المعارض الراجح هو الدليل الآخر الذي اقتضى ذلك التخفيف لوجود سببه.
والعزيمة: ما شرعه الله أصالةً من الأحكام العامة التي لا تختص بحالٍ دون حال، ولا بمكلفٍ دون مكلف، وقيل: ما ثبت على وفق دليلٍ شرعي لعدم المعارض.
عرف المؤلف الصحيح بقوله: الصحيح ما يتعلق به النفوذ، ويعتد به: وهو في اللغة السليم من المرض والعيب، يقال: زيد صحيح إذا كان سليماً من المرض، والدينار والدرهم صحيح إذا سلم من العيب والتكسير والغش.
стр. 39
فالصحيح من العبادات والمعاملات ما تعلق به النفوذ والاعتداد، وذلك بأن يكون قد جمع ما يعتبر فيه شرعاً من الشروط والأركان وانتفت موانعه، والنفوذ من فعل المكلف والاعتداد كما هو معروف من فعل الشارع، وقيل في الصحيح: ما ترتبت آثاره عليه وسقط به الطلب، تترتب آثاره عليه في العبادات، تترتب الآثار من ثواب الله ويسقط به الطلب بحيث لا يؤمر بالعبادة مرةً أخرى، فالصلاة المكتملة بشروطها وأركانها وواجباتها صحيحة.
والباطل عرفه المؤلف بقوله: ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به: وذلك بأن لا يستجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عبادةً كان أو عقداً، وقيل: ما لا يسقط به الطلب ولا تتربت آثاره عليه.
البيع الصحيح المكتمل للشروط: اشترى زيد من عمرو سيارة إذا كانت الشروط مكتملة والموانع منتفية والعقد صحيح فالعقد صحيح، إذن تترتب الآثار على هذا العقد، فينتفع المشتري بالسلعة وينتفع البائع بالثمن وهكذا، وأما إذا كان مختلاً من بعض الشروط، اختل فيه بعض الشروط فإنه لا تترب آثاره عليه، وهو مرادف -أعني الباطل للفاسد- عند جمهور العلماء، خلافاً للحنفية الفاسد والباطل بمعنىً واحد، إلا في مسائل يسيرة فرّق بين الفاسد والباطل في المناسك وفي النكاح.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
وضابط الصحيح ما تعلقا ... به نفوذ واعتداد مطلقا
والفاسد الذي لم تعتدد ... ولم يكن بنافذٍ إذا عُقد
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 40
شرح متن الورقات في أصول الفقه (٣)
الجهل البسيط والمركب- تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً – أقسام الكلام
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا يقول: أعتقد والله أعلم أن هذا الدرس صعب، ولا أستطيع أن أفهمه فماذا أفعل؟
أقول: العلم الأصل فيه أنه يحتاج إلى معاناة، فالذي لا يُفهم من أول مرة، في المرة الثانية والثالثة وهكذا، الذي لا يفهم من خلال كتاب، يفهم من خلال كتابٍ آخر، فإذا لم تفهم المتون التي ألفها المتقدمون، فارجع إلى المختصرات التي كتبها المتأخرون؛ لأنها كتبت بلغتك، وهي توطئ وتسهل الطريق لك حتى تفهم كلام المتقدمين، وكتب المتقدمين لا غنى عنها لطالب العلم.
وبالنسبة للفهم الناس يتفاوتون فيه، منهم سريع الفهم، ومنهم البطيء في فهمه، فالبطيء في فهمه عليه أن يكرر، والسريع في فهمه عليه أن يتجاوز ما فهمه، والله المستعان، وعليك أن تلجأ بصدق وتنكسر بين يدي ربك أن يعينك على فهم العلم الشرعي، والعمل به.
هذا يريد التوضيح بشيءٍ من الأمثلة.
الأمثلة -إن شاء الله- يأتي وقتها.
يقول: إذا عامد -يعني متعمد- عمل ما هو مكروه في مذهبٍ واحد، حرام في مذهبٍ آخر، فكيف يكون عمل الإنسان على هذين المذهبين؟
يعمل بالراجح عنده، وما يدين الله به، إذا كان من أهل النظر، وإذا لم يكن من أهل النظر بأن كان عامياً أو في حكم العامي من المبتدئين، فإنه تبرأ بذمته إذا قلّد من جمع بين العلم والعمل والتقوى والورع، والله المستعان:
وليس في فتتواه مفتٍ متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
يقول: هل إعفاء اللحية واجب أم فرض؟
هو واجب اتفاقاً، وكونه فرض -على قول الجمهور- الواجب والفرض لا فرق بينهما.
يقول: اجتماع الواجب والمحظور في عملٍ واحد كالصلاة في المسجد المزخرف، هل الصلاة في المسجد المزخرف جائزة؟
على كل حال الجهة منفكة، والنهي عاد لأمرٍ خارج عن الصلاة وعن شرطها، فالصلاة صحيحة.
يقول: ما معنى يعتد به ويتعلق به النفوذ الذي جاء في تعريف الصحيح؟
следующие страницы →