← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12878

شرح الورقات - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (401 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قد يجتمع الواجب مع المحظور في عملٍ واحد، باعتبارين، يعني مع انفكاك الجهة كالصلاة في الدار المغصوبة، وهو ما حرم من الواجبات لأمرٍ عارض لا لذاته، فإذا انفكت الجهة يمكن أن يوصف الفعل بأنه واجب، وفي الوقت نفسه محظور، ولذا يختلف أهل العلم في حكم الصلاة في الدار المغصوبة، والمعروف عند أهل العلم أن النهي إذا عاد إلى ذات العبادة أو إلى شرطها فإنها تبطل مع التحريم، أما إذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط وما لا تقوم إلا به، فإنها تصح مع التحريم، يعني فرق بين أن يصلي شخص وعليه عمامة حرير، أو خاتم حرير أو ستر عورته بسترة حرير أو ما أشبه ذلك أو سترة مغصوبة محرمة، مع انفكاك الجهة: يبالغ بعض الناس بالانفكاك، كما أن من أهل العلم والمعروف عن الظاهرية أن كل نهي يقتضي الفساد، كل نهي يقتضي الفساد، ولو لم يعد إلى العبادة نفسها ولا إلى شرطها. الصلاة في المسجد المزخرف على هذا إذا قلنا: كل نهي يقتضي الفساد، الصلاة في المسجد المزخرف المشيّد المنهي عنه فاسدة عند الظاهرية؛ لوجود النهي وهو نهي خارج عن العبادة، لكن كل نهي يقارن هذه العبادة ولو كان خارجاً عنها فإنه يقتضي الفساد. وبالمقابل من يبالغ بانفكاك الجهة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما يقوله بعض الأشعرية من وجوب غض البصر من قبل الزاني عن المزني بها، نعم، يجب عليه أن يغض بصره؛ لأن هذا حرم بخطاب وهذا حرم بخطاب، ارتكب هذا لا يجوز له أن يرتكب هذا، هذه مبالغة في فك الجهات؛ إنما حرم النظر من أجل الوقوع في الفاحشة، لا شك أن الجهات قد تنفك وقد تتحد فإذا اتحدت الجهة لم يصح العمل وإذا انفكت الجهة قد يصح وقد لا يصح كما مثّلنا. يطلق الحرام المرادف للمحظور من حيث الحقيقة ضد الحلال، والحلال هو في الأصل المباح، الحلال المباح، فكيف يكون الحرام ضد الحلال؟ جاء في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل]، كيف جاء الحلال ضد الحرام؟ ونقول: التحليل والتحريم لله ؟ نحن عرفنا أن الحرام في حده ضد الواجب، كما قلنا في الواجب أنه ضد الحرام.

стр. 37

المقابلة هنا من حيث الحد والحقيقة وإلا .. ؟ طالب:. . . . . . . . . نعم، الحد والحقيقة، نعم، طيب، وكونه ضد الحلال؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ أيوه؟ طالب:. . . . . . . . . الحلال يعني أعم من أن يكون مخيراً في فعله أو تركه، أعم من ذلك، فيشمل ما يفعله المكلف، سواء كان مقتضىً فعله مع جزم أو من غير جزم أو مأذون فيه. ثم قال -رحمه الله تعالى- في القسم الخامس وهو المكروه: والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله: هو اسم مفعول من الكراهة، وهو المبغض، وتعريفه عند المؤلف بلازمه كسوابقه، وحقيقته هو ما طلب الشارع تركه من غير جزم، وطلب الترك يخرج الواجب والمندوب والمباح؛ لأن الواجب والمندوب مطلوب فعلهما، والمباح غير مطلوب لا فعله ولا تركه، مخير فيه، وقوله: من غير جزم: يخرج المحظو، وهذا ما استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، هذا ما استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، ويطلق المكروه ويراد به الحرام، ولذا يقسم أهل العلم الكراهة إلى قسمين: كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، وجاء في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [(٣٨) سورة الإسراء] بعد أن ذكر جملة من المحرمات، ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، وجاء في كلام السلف والأئمة ما يوافق ذلك، يطلق السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الكراهة ويريدون بها كراهة التحريم، ولو قيل: إن هذا هو الغالب في إطلاقهم الكراهة لما بعد؛ لأنهم يتورعون من إطلاق اللفظ الشديد، فالإمام أحمد كثيراً ما يقول: "أكره كذا"، "لا يعجبني كذا"، وإن كانت الأمور محرمة: "أكره المتعة"، وهو يحرمها ويجزم بتحريمها، ولذا يخطئ كثير من أتباع الأئمة في فهم نصوصهم لمخالفتها لما جرى عليه الاصطلاح. يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: وضابط المكروه عكس ما ندب ... كذلك الحرام عكس ما يجب وبهذا تكون الأحكام التكليفية الخمسة قد انتهى الكلام عنها، وأما الحكم الوضعي وهو داخل في الحد السابق للحكم: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً، هذا هو الخطاب، أو الحكم الوضعي، وهو ما وضعه الشارع علامة ونصبه دلالة للمكلف.

стр. 38

مثال يوضح الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي: مثال: الزكاة تجب في مال من اكتمل عليه النصاب، من اكتمل عنده النصاب تجب عليه الزكاة، فإن كان مكلفاً فحكمه من باب التكليف، الحكم التكليفي يجب عليه، ووجوبها في مال غير المكلف -في مال الصبي والمجنون- حكم تكليفي وإلا وضعي؟ وضعي، من باب ربط الأسباب بالمسببات، وجد السبب فليوجد المسبب، وجد المال فلتوجد الزكاة، هذا المثال يوضح الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، ظاهر وإلا مو ظاهر؟ عند وجوب الزكاة في من اكتمل عنده النصاب: زيد من الناس مكلف حر بالغ عاقل عنده مبلغ من المال، تجب عليه الزكاة، نقول: تجب عليه الزكاة، لماذا؟ لأنه مكلف، فالحكم حينئذٍ تكليفي، الوجوب من الأحكام التكليفية، وأما وجوبها في مال الصبي والمجنون فليس من باب الأحكام التكليفية لماذا؟ لأنه غير مكلف؟ إنما وجوبها من باب الحكم الوضعي، من باب ربط الأسباب بالمسببات، وجد السبب، وجد المال فليوجد المسبب وهو الزكاة. والأحكام الوضعية كثيرة من السبب والعلة والشرط والمانع والرخصة والعزيمة والصحة والبطلان، فالسبب ما جعله الشارع علامةً على مسببه، أقول: فالسبب: ما جعله الشارع علامةً على مسببه، وربط وجود السبب بوجوده وعدمه، ويطلق أيضاً بإزاء علة الحكم. والشرط: ما يتوقف وجود الحكم على وجوده، ويلزم من عدمه عدم الحكم، والمانع: ما يلزم من وجوده عدم الحكم، والرخصة: ما شرعه الله من الأحكام تخفيفاً على المكلفين في حالاتٍ خاصة تقتضي ذلك التخفيف، وقيل في تعريفها: ما ثبت على خلاف دليلٍ شرعي لمعارضٍ راجح، لكنها تثبت بأدلة؛ المعارض الراجح هو الدليل الآخر الذي اقتضى ذلك التخفيف لوجود سببه. والعزيمة: ما شرعه الله أصالةً من الأحكام العامة التي لا تختص بحالٍ دون حال، ولا بمكلفٍ دون مكلف، وقيل: ما ثبت على وفق دليلٍ شرعي لعدم المعارض. عرف المؤلف الصحيح بقوله: الصحيح ما يتعلق به النفوذ، ويعتد به: وهو في اللغة السليم من المرض والعيب، يقال: زيد صحيح إذا كان سليماً من المرض، والدينار والدرهم صحيح إذا سلم من العيب والتكسير والغش.

стр. 39

فالصحيح من العبادات والمعاملات ما تعلق به النفوذ والاعتداد، وذلك بأن يكون قد جمع ما يعتبر فيه شرعاً من الشروط والأركان وانتفت موانعه، والنفوذ من فعل المكلف والاعتداد كما هو معروف من فعل الشارع، وقيل في الصحيح: ما ترتبت آثاره عليه وسقط به الطلب، تترتب آثاره عليه في العبادات، تترتب الآثار من ثواب الله ويسقط به الطلب بحيث لا يؤمر بالعبادة مرةً أخرى، فالصلاة المكتملة بشروطها وأركانها وواجباتها صحيحة. والباطل عرفه المؤلف بقوله: ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به: وذلك بأن لا يستجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عبادةً كان أو عقداً، وقيل: ما لا يسقط به الطلب ولا تتربت آثاره عليه. البيع الصحيح المكتمل للشروط: اشترى زيد من عمرو سيارة إذا كانت الشروط مكتملة والموانع منتفية والعقد صحيح فالعقد صحيح، إذن تترتب الآثار على هذا العقد، فينتفع المشتري بالسلعة وينتفع البائع بالثمن وهكذا، وأما إذا كان مختلاً من بعض الشروط، اختل فيه بعض الشروط فإنه لا تترب آثاره عليه، وهو مرادف -أعني الباطل للفاسد- عند جمهور العلماء، خلافاً للحنفية الفاسد والباطل بمعنىً واحد، إلا في مسائل يسيرة فرّق بين الفاسد والباطل في المناسك وفي النكاح. يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: وضابط الصحيح ما تعلقا ... به نفوذ واعتداد مطلقا والفاسد الذي لم تعتدد ... ولم يكن بنافذٍ إذا عُقد والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 40

شرح متن الورقات في أصول الفقه (٣) الجهل البسيط والمركب- تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً – أقسام الكلام الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا يقول: أعتقد والله أعلم أن هذا الدرس صعب، ولا أستطيع أن أفهمه فماذا أفعل؟ أقول: العلم الأصل فيه أنه يحتاج إلى معاناة، فالذي لا يُفهم من أول مرة، في المرة الثانية والثالثة وهكذا، الذي لا يفهم من خلال كتاب، يفهم من خلال كتابٍ آخر، فإذا لم تفهم المتون التي ألفها المتقدمون، فارجع إلى المختصرات التي كتبها المتأخرون؛ لأنها كتبت بلغتك، وهي توطئ وتسهل الطريق لك حتى تفهم كلام المتقدمين، وكتب المتقدمين لا غنى عنها لطالب العلم. وبالنسبة للفهم الناس يتفاوتون فيه، منهم سريع الفهم، ومنهم البطيء في فهمه، فالبطيء في فهمه عليه أن يكرر، والسريع في فهمه عليه أن يتجاوز ما فهمه، والله المستعان، وعليك أن تلجأ بصدق وتنكسر بين يدي ربك أن يعينك على فهم العلم الشرعي، والعمل به. هذا يريد التوضيح بشيءٍ من الأمثلة. الأمثلة -إن شاء الله- يأتي وقتها. يقول: إذا عامد -يعني متعمد- عمل ما هو مكروه في مذهبٍ واحد، حرام في مذهبٍ آخر، فكيف يكون عمل الإنسان على هذين المذهبين؟ يعمل بالراجح عنده، وما يدين الله به، إذا كان من أهل النظر، وإذا لم يكن من أهل النظر بأن كان عامياً أو في حكم العامي من المبتدئين، فإنه تبرأ بذمته إذا قلّد من جمع بين العلم والعمل والتقوى والورع، والله المستعان: وليس في فتتواه مفتٍ متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع يقول: هل إعفاء اللحية واجب أم فرض؟ هو واجب اتفاقاً، وكونه فرض -على قول الجمهور- الواجب والفرض لا فرق بينهما. يقول: اجتماع الواجب والمحظور في عملٍ واحد كالصلاة في المسجد المزخرف، هل الصلاة في المسجد المزخرف جائزة؟ على كل حال الجهة منفكة، والنهي عاد لأمرٍ خارج عن الصلاة وعن شرطها، فالصلاة صحيحة. يقول: ما معنى يعتد به ويتعلق به النفوذ الذي جاء في تعريف الصحيح؟

стр. 41

الذي يعتد به: بمعنى أنه لا يؤمر بإعادته، إذا كان عبادة فتبرأ ذمته بفعله، وذلك إذا كان مستوفياً للشروط والأركان والواجبات، أما إذا اختل شرط من الشروط أو ركن من الأركان مع القدرة عليه فإنه حينئذٍ لا يعتد به ولا يعد صحيحاً، ولا تترتب آثاره عليه، ومثله في المعاملات، وهذه العبارة مألوفة، إذا قيل: تعتد بهذه الركعة أو لا تعتد بها: يعني أنها صحيحة مجزئة أو غير صحيحة. إذا كانت الكراهة عند السلف تعني التحريم، فهل قول النبي ﵊ أنه كان يكره الحديث بعد صلاة العشاء يفيد التحريم؟ الكراهة هنا للتنزيه، والصارف عن التحريم .. ، أولاً الكراهة لفظ مشترك، وليست نص في التحريم، ولا في كراهة التنزيه، لفظ مشترك ليست مثل الأمر أو النهي، يعني لو قال: لا تتحدثوا بعد صلاة العشاء، قلنا: الأصل في النهي التحريم، ويصرفه عن التحريم كونه ﵊ سمر في بعض الليالي. وعلى كل حال السهر داء ابتلي به الناس، لكن إن كان على علم أو إصلاحٍ بين الناس أو مدارسة خير أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو عبادة أو تأليف أو ما أشبه ذلك فهو خير -إن شاء الله تعالى- لكنه خلاف الأصل. يقول: هل يلزم من قولهم: الحرام ما حرمه الله، والحلال ما أحله الله إذا لم يكن هناك نص، أن يكون الدخان حلالاً؛ حيث أنه لم يأتِ نص على تحريمه؟ أولاً: الجملتان ليستا بمتفقتين، بل هذه لها دلالة وتلك لها دلالة أخرى، وقال بهذه أقوام، وقال بتلك أقوام، فالحرام ما حرمه الله يعني: أن ما عداه حلال، ما لم ينص عليه فهو حلال، والذي يقول: إن الحلال ما أحله الله فمعناه أن الذي لم ينص على حله فهو حرام. أما بالنسبة للدخان فجاءت النصوص التي تومئ إلى منعه، ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف]، والمعتمد عند أهل العلم من المحققين أنه حرام، وهو ضار أيضاً. يقول بعض أهل العلم: لا ثواب إلا بنية: ((إنما الأعمال بالنيات)) بلا شك، يقول: فهل الإنفاق على الزوجة بدون استحضار النية يثاب عليه الزوج أم لا؟

стр. 42

حتى ما يضعه في فيِّ امرأته يثاب عليه إذا قصد بذلك أن تستعين هذه المرأة في هذا الأكل على طاعة الله وأن يسقط عنه ما أوجبه الله عليه، لا شك أن استحضار مثل هذا قدر زائد، قدر من الثواب زائد على مجرد ثواب وجوب النفقة، فيستحضر النية مع ذلك، إذا لم يستحضر النية فالوجوب سقط عنه، بمعنى أنه لا يؤمر أن ينفق عليها ثانية إذا لم يستحضر النية، الإنفاق صحيح، لكن يبقى أنه إذا استحضر النية كما إذا استحضر النية في أكله هو وشربه ونومه وجماعه وما أشبه ذلك فإنه يثاب على ذلك قدراً زائداً على مجرد الفعل. يقول: ما رأيكم في القول الذي يقول: من قلد عالماً لقي الله سالماً؟ أقول: إذا كان لديه أهلية النظر في النصوص وعنده الآلة التي يستطيع بها الاستنباط من الكتاب والسنة فإنه لا يسوغ له التقليد، بل حرمه جمع غفير من أهل العلم، والمقلد عند عامة أهل العلم ليس من أهل العلم، على ما سيأتي في الاجتهاد والتقليد -إن شاء الله تعالى- أما بالنسبة للعامي ومن في حكمه ممن ليست لديه أهلية النظر فإن فرضه التقليد، لكن من يقلد، يقلد من تبرأ ذمته بتقليده. يقول: هل يجوز القول لعلي كرم الله وجهه؟ من حيث الأصل الدعاء لا شيء فيه، لكن تخصيص علي ﵁ بهذا الدعاء دون غيره من الصحابة لا شك أنه يشم منه رائحة -رائحة الميل إلى علي ﵁ وهو أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين، مشهود له بالجنة، وفضائله جمة ﵁ وأرضاه- لكن الميل إليه وتفضيله على غيره بما في ذلك أبي بكر وعمر وعثمان هذا لا شك أنه تشيّع، وإن لم يتعرض لسب الشيخين، أما إذا تعرض لسبهما فهو رفض نسأل الله العافية.

стр. 43

على كل حال تخصيص علي ﵁ بمثل هذه العبارة، أو بمثل قول بعضهم: ﵇ كل هذا لا يليق ولا يسوغ، فالترضي عن الصحابة هو الجادة عند أهل العلم، وهم على حدٍ سواء، كما أن النبي ﵊ خص بالصلاة والسلام فلا يقال له: ، وإن كان عزيزاً جليلاً، لكن العرف عند أهل العلم جرى على ذلك، فالله يقال: ، ولا يقال للنبي ﵊ وإن كان عزيزاً جليلاً: ، وإنما يقال: ﷺ ، وبهذا يحصل الامتثال، امتثال الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]، فإن زيد على ذلك فليقل: صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، أما الاقتصار على الآل فهو من عمل بعض المبتدعة، وهذا مشبه لعمل بعض المبتدعة، والاقتصار على الصحب دون الآل فيه مشابهة لمبتدعة آخرين، فإذا زيد على النبي ﵊ فلتكن الزيادة للآل والصحب معاً، ولكلٍ حقه، فالآل أمر النبي ﵊ بالاعتراف بحقهم وفضلهم، والصحابة فضلهم وصيانتهم وحفظهم وتبليغهم للدين معروف، فلا نشبه الروافض ولا نشبه النواصب، فإذا زدنا على ما نخرج به من العهدة فلتكن الزيادة للآل والصحب معاً؛ لنبتعد عن مشابهة المبتدعة الذين هم على طرفي نقيض. وما جاء في التشهد -الصلاة الإبراهيمية- هذا خاص بالصلاة، وأما خارج الصلاة فتبرأ الذمة ويخرج الإنسان من العهدة إذا قال: ﷺ ؛ لأنه مأمور بذلك، وأما الاقتصار على الصلاة دون السلام والعكس فقد نص النووي على كراهة ذلك، نص النووي على كراهة الاقتصار على الصلاة دون السلام أو العكس في مقدمة شرح مسلم، لكن خصّ ابن حجر الكراهة بمن كان ديدنه ذلك، يعني طول عمره يصلي ولا يسلم أو يسلم ولا يصلي، أما من كان يصلي أحياناً، ويسلم أحياناً، ويجمع بينهما أحياناً، فهذا لا كراهة بالنسبة له، والاقتصار على الصلاة دون السلام موجود في كلام كثير من أهل العلم، في مقدمة مسلم وفي كثيرٍ من كتب الشافعي ﵀ حتى النووي نفسه ﵀ في بعض كتبه صلى ولم يسلم.

стр. 44

هناك أسئلة عامة وفي قضايا كبرى تؤجل ويسأل عنها الشيخ. يقول: ما الفرق بين الدليل القطعي والدليل الظني؟ هذا سيأتي -إن شاء الله- في هذا الدرس، إن شاء الله تعالى. يقول: هل ينصح من أراد الحفظ أن يحفظ النثر –الورقات- أو يحفظ النظم؟ النظم أثبت، ولذا يحرص كثير من أهل العلم على تحفيظ طلابه النظم؛ لأنه يثبت، أما النثر فهو ينسى. يقول: هل هناك فرق بين المكروه وخلاف الأولى أو هما سواء؟ لا، هناك فرق؛ المكروه فيه مخالفة للدليل الذي يدل على المنع لولا وجود الصارف من التحريم إلى الكراهة، وخلاف الأولى هو ما هو في أمرين مباحين أحدهما أولى من الآخر، ففعل المفضول خلاف الأولى، وفعل الفاضل هو الأولى. يقول: ما حجة من قال: إن المباح ليس حكماً تكليفياً؟ حجته أن الإباحة ليس فيها كلفة ولا مشقة؛ لأنها مردودة إلى اختيار المكلف إن شاء فعل وإن شاء ترك، فمن هذه الحيثية ليس فيها تكليف، في الأمر المباح إن شئت فعلته وإن شئت تركته لذاته، لا لما يترتب عليه من آثار، هذا المباح إن حصل به إعانة على فعل واجب أو مستحب صار له حكماً، وإن حصل بسببه تفريط وتضييع للواجبات صار حراماً وهكذا، لكن هو في الأصل مباح، وليس فيه تكليف؛ لأن ما يرد فيه إلى اختيار المكلف ليس فيه تكليف، هذه وجهة نظر من يقول: إن المباح ليس حكماً تكليفياً، وإنما ذكر من باب تتميم القسمة، أما من يقول: إنه حكم تكليفي فيرى أن الحكم هو خطاب الله والإباحة حصلت بخطاب الله. هذا سؤال مسجوع يقول: يا شيخ، نبئنا عن كتب المبتدئين؛ لنحفظ ونكون من المتعلمين، وننشر العلم في تلك الأرضين، فنرضي رب العالمين، فنكون من الفائزين؟

стр. 45

على كل حال في كل علمٍ من العلوم كتب للمبتدئين وأخرى للمتوسطين وثالثة ورابعة وهكذا، سلالم وجواد مطروقة عند أهل العلم، تحتاج إلى شيءٍ من البسط، وقلنا بالنسبة لهذا العلم: إن أولى ما يبدأ به مثل هذا الكتاب الذي هو الورقات، ثم بعد ذلكم إذا أتقنه وضبطه وسمع عليه ما سجل من أشرطة، وقرأ الشروح والحواشي على هذا الكتاب، نعم، ينتقل إلى الكتب التي تلي مثل هذا الكتاب، إما مختصر التحرير أو مختصر الروضة، ثم بعد ذلكم ينظر في المطولات عند الحاجة، ويعتني بمسودة آل تيمية والموافقات للشاطبي وإرشاد الفحول للشوكاني وغيرها من الكتب التي تمتاز بشيءٍ من التحقيق. الأسئلة كثيرة جداً، والوقت نخشى أن يضيق على شرح الكتاب. سم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فقد قال إمام الحرمين ﵀: والفقه أخص من العلم، والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع، والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو في الواقع. والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال، وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال، والنظر: هو الفكر في حال المنظور فيه، والاستدلال: طلب الدليل، والدليل: هو المرشد إلى المطلوب، والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: والفقه أخص من العلم: الفقه الذي تقدم تعريفه اصطلاحاً أخص من العلم؛ لأن الفقه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية، فهو أخص من العلم، والعلم أعم منه مطلقاً، بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل فقه علم وليس كل علم فقهاً؛ لأن العلم يطلق على جميع العلوم. الفقيه يقال له: عالم، وعالم يعني بالفقه، المفسر يقال له: عالم، لكن لا يقال له: فقيه، المحدث يقال له: عالم، لكن إذا لم تكن به دراية لا يقال له: فقيه، النحوي عالم، يعني في النحو، لكن لا يقال له: فقيه وهكذا.

стр. 46

فالعلم أعلم مطلقاً من الفقه، وقد يرِد الفقه ويراد به ما يرادف العلم الشرعي، كما في حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، ((يفقهه في الدين)): هل معنى هذا أن الذي يعرف المسائل والأحكام الشرعية بأدلتها، ولا يعرف غير هذا النوع من العلوم يدخل في هذه الدعوى؟ لا يعرف إلا الأحكام، يعرف أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والبيوع والمعاملات والجنايات وغيره، يعرف الفقه بجميع أبوابه، لكنه ليست له يد فيما يتعلق بالسنة أو بكتاب الله مما هو قدر زائد على ما يحتاجه الفقيه. هل .. ، نتصور أن النبي ﵊ يقول مثل هذا الكلام: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، يفقهه: المراد بالفقه هنا الفهم، والدين بجميع أبوابه، فيشمل جميع أبواب الدين التي منها معرفة العقائد والأحكام والتفسير والمغازي وغيرها، جميع أبواب الدين داخلة في الفقه المدعو به هنا أو المخبر عنه هنا، وقد دعا النبي ﵊ لابن عمه عبد الله بن عباس ﵁ أن يفقهه في الدين وأن يعلمه التأويل. سمى بعض العلماء الاعتقاد: الفقه الأكبر، وهو تسمية له مأخوذة من الفقه بالمعنى الأعم لا بمعناه الخاص، وفي قرة العين -شرح الورقات- يقول: وكذا بالمعنى اللغوي ما تقدم بالنظر إلى المعنى الاصطلاحي الفقه أخص من العلم، يقول: وكذا بالمعنى اللغوي؛ فإن الفقه الفهم والعلم المعرفة وهي أعم، لا يمكن أن يفهم إلا وهو عارف، لكن يمكن أن يعرف وهو غير فاهم؟! على كلامه هو، يقول: المعرفة أعمّ من الفقه الذي هو الفهم، فعلى هذا كل فاهمٍ عارف، وليس كل عارف فاهماً، وإن قلنا: إن الفقه هو الفهم الدقيق للمسائل الخفية اتضح الأمر أكثر، صار الفقه بمعناه اللغوي أخص، ويقال: عالم وعلام وعليم لكن لا يقال: عارف؛ لأن المعرفة تستلزم سبق الجهل، وعرفنا الجواب عن مثل قوله ﵊: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)). يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: والعلم لفظ للعموم لم يخصّ ... للفقه مفهوماً بل الفقه أخص ثم قال -رحمه الله تعالى-:

стр. 47

والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع: العلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع، العلم المقصود به: ما لا يحتمل النقيض وهو اليقين. عرفه المؤلف -رحمه الله تعالى- بأنه معرفة المعلوم، أي إدراك ما من شأنه أن يعلم على ما هو به في الواقع، كإدراك حقيقة الإنسان بأنه -كما يقول أهل العلم- حيوان ناطق، فعندنا علم وعندنا جهل، وعندنا ظن وشك ووهم، فالعلم ما لا يحتمل النقيض، العلم لا يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه، وذكر في قرة العين أن هذا الحد لأبي بكر الباقلاني، يعني التعريف الذي اعتمده المصنف: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع: هو الذي قرره أبو بكر الباقلاني وهو معروف، وتبعه المصنف واعتُرض بأن فيه دوراً، اعترض بأن فيه دوراً؛ لأن المعلوم مشتق من العلم، المعلوم مشتق من العلم، فكيف تعرف المعلوم وأنت لا تعرف العلم؟ أنت لا تعرف ما اشتق منه، فكيف يقال: العلم معرفة المعلوم؟ المعلوم اسم مفعول مشتق من المصدر الذي هو العلم، فكيف يعرف المصدر بمعرفة بعض مشتقاته فالذي لا يعرف الأصل لا يعرف الفرع؟ يقول: اعترض بأن فيه دوراً؛ لأن المعلوم مشتق من العلم، فلا يعرف المعلوم إلا بعد معرفة العلم، أيش معنى الدور؟ الدور هو أيش؟! طالب:. . . . . . . . . لا، الدور شيء والتسلسل شيء آخر. طالب:. . . . . . . . . طيب، صحيح، أخونا .. طالب:. . . . . . . . . نعم، ترتيب الشيء على شيءٍ مترتب عليه، الدور ترتيب الشيء على شيءٍ مترتب عليه، يعني في مثل قول الشاعر: لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب أيش السبب؟ نعم، هل السبب أنه جفاه لأنه شاب، أو السبب أنه شاب لأنه جفاه؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 48

نعم هذا دور، ويقول العلماء في الفرائض -في مسائل الغرقى والهدمى-: إن كل واحد يرث من الآخر من تلاد ماله لا من مما ورثه منه؛ لأنه يلزم عليه الدور؛ لأنه ما تنتهي المسألة أبداً، فيرث كل واحد من الثاني من تلاد ماله من ماله القديم قبل الوفاة، لا مما ورثه منه؛ دفعاً للدور، وهذا مر بكم، ولا أريد أن أطيل في مثل هذا التفصيل؛ لأن أكثر الحاضرين قد يشق عليهم فهم مثل هذا الكلام، وجاءت تنبيهات كثيرة على أن مستوى بعض الإخوان أقل من مستوى الكتاب، لكن تكون هذه توطئة لقراءته مرتان ومراجعة شروحه فيفهم بإذن الله، وإن كان في الحضور يعني من يستحق الزيادة في البسط والتفصيل، لكن نقتصر بمثل هذا على قدر الحاجة. كيف يلزم الدور على تعريف المؤلف: العلم معرفة المعلوم؟: تصوير ذلك؟ نعم؟ قالوا المعلوم مشتق من العلم فكيف تعرف الفرع وأنت لا تعرف الأصل؟! طالب:. . . . . . . . . العلم معرفة المعلوم: لو أردنا أن نختار أي مسألة من المسائل العلمية، نقول: وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، هذا علم وإلا معلوم؟ طالب:. . . . . . . . . معلوم، ومعرفة هذا الحكم علم، معرفة هذا الحكم علم، والحكم معلوم، حكم المسألة معلوم، ومعرفة هذا الحكم علم، كيف نعرف المعلوم ونحن لا نعرف العلم؟

стр. 49

هنا قالوا: لأنه يلزم عليه الدور، لكن بأسلوبٍ مبسّط جداً، نقول: إن المعلوم لا شك أنه مشتق من العلم، لكن العلم بجملته يشتمل على معلومات كثيرة، العلم إجمالاً يشتمل على معلومات كثيرة، هذا الكتاب مثلاً علم، وفي هذا الكتاب -الذي هو بمجموعه علم- فيه معلومات كثيرة، فمعرفة هذه المعلومات تدريجياً إذا اكتملت صارت علماً، والأصل الذي يشتق منه هذه الجزئيات وهذه المسائل، العلم -علم الأصول أو علم الفقه أو علم الفرائض أو علم الحديث أو ما أشبه ذلك- هو عبارة عن مسائل تجتمع وتكتمل شيئا فشيئاً حتى تصير علماً، وهذا شيء ملاحظ في المحسوسات، فالمادة التي تتركب من مجموعة جزئيات لا تسمى مادة إلا إذا اكتملت هذه الجزئيات، فإذا أحضرت الماء وأحضرت معه .. ، غليت هذا الماء ووضعت فيه شيء من السكر والشاي صار شاي، فبمجموع هذه الأمور يصير شيئاً، وبمجموع المسائل يصير علماً، بمجموع هذه المعلومات يصير علماً، وإذا فسر المعلوم بأنه ما من شأنه أن يعلم انتفى الدور. وقولهم انتقد أيضاً بأن قوله: على ما هو به في الواقع: قدر زائد في الحد، على ما هو به في الواقع: لا يحتاج إليه؛ لأن المعلوم لا يستحق أن يكون معلوماً إلا إذا كان على ما هو به في الواقع؛ إذا خالف الواقع هل يستحق أن يسمى معلوماً؟ لا يستحق، إذن على ما هو به في الواقع: قدر زائد في الحد، والحدود ينبغي أن تكون مع كونها جامعةً مانعة أن تكون أيش؟ مختصرة، لكن هم لا يأبون في التعاريف والحدود التصريح بما هو مجرد توضيح، إذا لم يترتب عليه تطويل للحد، فليكن هذا مما هو تصريح بما هو مجرد توضيح ولا مانع منه. قوله: معرفة المعلوم: يفضي عدم المعرفة والجهل بقسميه، وعلى ما هو به يخرج الجهل المركب على ما سيأتي. يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: وعلمنا معرفة المعلوم ... إن طابقت بوصفها المحتوم والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع، العلم كما هو مصدر علم يعلم علماً، والجهل أيضاً مصدر جهل يجهل جهلاً وجهالةً.

стр. 50

يقول: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع: تصور الشيء: إدراكه، يقول الدمياطي في حاشيته على شرح المحلي -وما أحسن قوله- في تعريف العلم: "معرفة"، وفي تعريف الجهل: "تصور" فإنه ليس بمعرفةٍ أصلاً وإنما هو حصول الشيء في الذهن، يعني الجهل على ما قرره المؤلف هو مجرد حصول الشيء في الذهن، ولذا لم يكن مطابقاً للواقع، وإلا صار معرفةً وعلماً. على خلاف ما هو به: وبعض النسخ: على خلاف ما هو عليه، كأن يتصور الشخص الإنسان: بأنه حيوان راغٍ أو ناهق أو صاهل أو ما أشبه ذلك، هذا علم؟ هذا مطابق للواقع؟ ليس بمطابقٍ للواقع، ليس بمطابقٍ للواقع فهو جهل، وكأن تسأل شخصاً عن ما وراء هذا الجدار فيخبرك، أيش الذي وراء هذا الجدار -وهو لا يعلم ما الذي وراءه- فيخبرك بخبر يخالف الواقع، تسأله ما الذي وراء هذا الجدار يقول: لك جمل، هذا جهل عند المؤلف. بعضهم يرى أن الجهل الذي عرفه المؤلف هو الجهل المركب، ويقسم الجهل إلى قسمين: جهل بسيط، وهو عدم العلم، وخلو النفس عن الإدراك، وجهل مركب وهو معرفة أو تصور الشيء على خلاف ما هو به، فإذا سألت شخصاً، فقلت له: ما الذي وراء هذا الجدار؟ قال: لا أدري، هذا جهل، بسيط وإلا مركب؟ بسيط، إذا قال لك: جمل، والواقع أنه سيارة، بسيط وإلا مركب؟ مركب. الجهل البسيط كعدم علمه بما تحت الأرضين، أو بما في قاع البحار، لكن الجهل المركب أن نقول: إن تحت الأرضين كذا، وفي قاع البحار كذا، مما هو على خلاف الواقع، فإذا قلت لزيد مثلاً: عرف الفاعل؟ فقال: لا أدري، نقول: إنه جاهل، لكن جهله بسيط، وإن قال: هو من وقع عليه الفعل، قلنا: هذا جاهل جهلاً مركباً. أيش معنى مركب؟ طالب:. . . . . . . . . لأنه مركب من جهلين، هو جاهل بحقيقة هذا الشيء، وهو جاهل أيضاً بحقيقة نفسه، يجهل أنه جاهل، يقول الشاعر: قال حمار الحكيم يوماً ... لو أنصف الدهر كنت أركب لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مركب يعني صاحبه الذي ركبه أجهل منه؛ لأنه لا يدري أنه لا يدري، فجهله مركب من جهلين. والشعراء يتجاوزون في مثل هذا فينسبون بعض الأفعال إلى الدهر، وهنا يقول: لو أنصف الدهر كنت أركب! ولا يقول قائل: إن القائل حمار وهو غير مكلف.

стр. 51

طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . قال حمار الحكيم يوماً ... لو أنصف الدهر كنت أركب نسب عدم الإنصاف إلى الدهر، وهذا يوجد في كلام الشعراء كثيراً، وهو مخالفة ظاهرة، لكن قد يقول قائل: إن القائل حمار وهو غير مكلف، قال حمار .. ؛ لأن فاعل قال من؟ حمار الحكيم، وهو غير مكلف، وما دام غير مكلف فالأمر فيه سعة، يقول ما شاء، نقول لا، مثل ما قال الأخ يصير جاهلاً مركباً. لأنني جاهل بسيط: الحمار لا يدري، لكن هل يدري أنه لا يدري؟ هنا الإشكال. وصاحبي جاهل مركب: الحكيم من الحكيم؟ هؤلاء الفلاسفة الذين يهرفون بما لا يعرفون، يتكلمون بما وراء .. ، بما فوق إدراكهم وإحاطتهم، وهنا: قال حمار الحكيم يوماً: نسبة القول إلى من لا يصلح منه القول، أو من لا يصدر منه القول، يجوز وإلا لا؟ قال الحمار كذا، قال الذئب كذا، يعني لو عقدنا مناظرة بين حمار وحصان، أو بين حمار وجمل محاورة، يجوز مثل هذا؟ نقول: قال الحمار وقال الجمل؟ يجوز وإلا ما يجوز؟ طالب:. . . . . . . . . من الذي أجازه؟ طالب:. . . . . . . . . إسناد مجازي، هذا إذا قلنا بالمجاز، إذا قلنا بالمجاز على ما سيأتي. على كل حال عقد المناظرات الوهمية التي يقصد منها بيان الحق مثلاً، لو عقدنا مناظرة بين سني وقدري مثلاً، سني وجبري، كما فعل ابن القيم في (شفاء العليل)، قال السني كذا، قال الجبري كذا، قال السني كذا قال القدري كذا، يجوز وإلا ما يجوز؟ طالب:. . . . . . . . . قال وإلا ما قال؟ طالب:. . . . . . . . . نسبه إلى أيش؟ طالب:. . . . . . . . . لكن هل قال وإلا ما قال؟ هذه العلوم مبتكرة من هذا الشخص، لا ينقلها عن شخصٍ بعينه، دعونا في مثالٍ أوضح، مناظرة بين العلوم، قال علم التفسير كذا، قال علم الحديث كذا، وتتفاخر هذه العلوم بعضها على بعض، ووجدت هذه .. هاه؟ طالب:. . . . . . . . . هل نقول: إن هذا داخل في حيّز الكذب؟ أو نقول: إن هذا سلكه أهل العلم للفائدة المترتبة عليه، والمفسدة مغمورة في جانب المصلحة؟

стр. 52

هذا موجود عند أهل العلم، والحكم يسري على المقامات مثلاً: حدث الحارث بن همام قال: قال عيسى بن هشام قال فلان، نعم، هل نقول: إن هذا خلاف الواقع فهو كذب، يدخل في نصوص الوعيد الوارد في من كذب؟ أو نقول: نتجاوز عن مثل هذا؛ لوجود المصلحة الكبيرة؛ لأن المقامات فيها ذخيرة لغوية لا توجد في غيرها؟ وإن قيلت على لسان شخصٍ مجهول أو لا حقيقة له؟ طالب:. . . . . . . . . إذا قررنا مبدأ المصلحة والمفسدة قلنا: المصلحة ظاهرة، نعم، الناس بحاجة إلى تأليف مناظرات مبسطة يدركها آحاد الطلاب، أو يدركها عامة الناس؛ ليجادلوا من يجادلهم، والأبواب مفتوحة الآن للمبتدعة في هذه القنوات، يقولون ما شاؤوا، وغزوا الناس في عقر دورهم، يعني لو عقدت مناظرات مبسطة وميسرة بين هذه الفرق تناسب أفراد المتعلمين -بل عامة الناس- صار فيها خير كثير وقرر فيها الحق، فهل نقول: إن مثل هذه المصلحة الراجحة تغمر بجانبها المفسدة، وقد جاء جواز الكذب في مواضع، نظراً للمصلحة؟ المبالغة على خلاف الواقع في بعض صورها، المبالغات: ((أما أبو جهم فكان لا يضع عصاه عن عاتقه))، رجل ضرَّاب للنساء أو كثير الأسفار، لكنه إذا نام عصاه على عاتقه وإلا يضعه؟ نقول: هذا من باب المبالغة، ويتجاوز فيها ما لا يتجاوز في غيره، فمثل هذه الأمور عند كثيرٍ من أهل العلم مغتفرة، ولا شك أن الإنسان الذي يحتاط لنفسه ويتحرى ويتوقف عن مثل هذه الأمور له ذلك، لكن هذه موجودة في كتب أهل العلم -مناظرات بين بَشر- ابن القيم عقد مناظرة طويلة في بدائع الفوائد بين شخصين، أحدهما يقول بطهارة المني، والآخر يقول بنجاسته، وأفاض في ذلك بكلامٍ لا يوجد عند غيره، عقد مناظرات في شفاء العليل بين سني وقدري وما أشبه ذلك، كلاماً نفيساً. فأهل العلم ألفوا .. ، أيضاً المقامات وإن كان الحريري في آخر مقامته تمنى أن لو خرج منها كفافاً لا له ولا عليه، والله المستعان. ما الذي جرّنا إلى هذا الكلام؟ قال حمار الحكيم. يقول ناظم الورقات: والجهل قل تصور الشيء على ... خلاف وضعه الذي به علا وقيل حد الجهل فقد العلم ... بسيطاً أو مركباً قد سمي بسيطه في كل ما تحت الثرى ... تركيبه في كل ما تصورا

стр. 53

وسمي الجهل المركب بذلك لاستلزامه لجهلٍ آخر، لأنه جهل مدرك بما في الواقع مع جهله بأنه جاهل، ففيه جهلان، ولذا قيل: جهلت وما تدري بأنك جاهل ... ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري من أقبح الأشياء أن يعرف الإنسان ما كلف به وأمر به شرعاً ويخالف بعد تمام المعرفة لحكم الله في مسألةٍ ما، ثم يخالفها، ويعصي أمر الله ويرتكب ما حرمه الله عليه، فهو باستحقاق اسم الجهل أولى، مثل هذا باستحقاق اسم الجهل أولى، والله يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [(١٧) سورة النساء] قرر أهل العلم أن كل من عصى الله فهو جاهل، وإن كان عارفاً بالحكم هو جاهل، وكل من تاب في وقت الإمكان فقد تاب من قريب، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم فهذا العاصي الذي يعرف حكم الله في هذه المسألة ويخالف، ويرتكب ما حرم الله عليه هو باستحقاق اسم الجهل أولى من الذي لا يدري. ثم قال -رحمه الله تعالى-: والعلم الضروري: ما لا يقع عن نظرٍ واستدلال كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق، أو بالتواتر، وأما العلم المكتسب: فهو ما يقع عن نظرٍ واستدلال: لما عرف العلم وما يقابله من الجهل، ذكر أقسام العلم، وأنه ينقسم إلى قسمين: ضروري قطعي، والقسم الثاني: علم مكتسب نظري، وعرفنا أن العلم يراد به ما لا يحتمل النقيض بحالٍ من الأحوال، يعني سواء كان ضرورياً قطعياً، أو نظرياً مكتسباً النتيجة مفاد الخبر مائة بالمائة، ما ينزل ولا واحد بالمائة، لا مجال فيه للاحتمال الآخر أو النقيض. فقال عن الأول –الضروري- وأنه لا يحتاج إلى مقدمات ولا إلى نظر ولا استدلال كما يحصل بإحدى الحواس الخمس، يعني إذا نظرت إلى هذه الورقة وجزمت بأنها بيضاء بعد نظرها، هل في احتمال ولا واحد بالمليون أنها غير بيضاء؟

стр. 54

نعم، ما في احتمال، مائة بالمائة النتيجة، وكما لو كانت سوداء أو خضراء فنظرت إليها، سمعت صوت تميزه عن غيره، شممت رائحة، ذقت طعماً، لمست شيئاً، كل هذا مورث للعلم الضروري القطعي الذي لا يحتمل النقيض. ما يدرك بواسطة الحواس الخمس لا يحتاج في تصديقه إلى مقدمات، بل يحصل الجزم به بدون مقدمات، بل بمجرد حصول هذا الإدراك، الذي يدرك بواسطة الحواس الخمس لا يحتاج إلى مقدمات، ومفترضة في شخصٍ يميز بين الألوان والروائح والأصوات، شخص سمع نهيق الحمار وهو يعرف الحمار من قبل، هل يحتمل أن يسأل عن هذا الصوت هل هو نهيق حمار أو صياح ديك؟ لا يحتمل، لكن شخص سمع صوت حيوان لم يألفه ولم يعرفه ما سمع صهيل الفرس في عمره كله يمكن يسأل ما هذا؟ فإذا استقر عنده صار من الضروريات. ومثل العلم الحاصل بالحواس الخمس العلم الحاصل بالتواتر، فسامعه ملزم بتصديقه من أول وهلة دون نظرٍ في رجاله، ومثله -بل أولى منه- ما ثبت بالقرآن، ولهذا لما كانت الحوادث والوقائع المتقدمة والسابقة على زمن النبي ﵊ الثابتة لديه بالتواتر -في قصة الفيل مثلاً وقصص الأمم السابقة المتلقاة المتداولة بين الناس التي يتداولها الناس بعضهم عن بعض، طبقةً عن طبقة، تتواتر- هذه القصص -كقصة أصحاب الفيل- شاهدها النبي ﵊؟؟ لم يشاهدها، لكنها بلغته بطريقٍ متواتر، بطريق التواتر، فجاء الاستفهام عنها بالقرآن بأي صيغة؟ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [(١) سورة الفيل]، فعبّر عنها بالرؤية، فنزّل المتواتر منزلة المشاهد في القطعية.

стр. 55

فالعلوم الضرورية كالمسائل المعلومة من الدين بالضرورة مما لا يعذر أحد بجهله كوجوب الصلاة وتحريم الزنا ونحو ذلك، فمثل هذه لا يحتاج السامع، ولا تحوج المتكلم إلى استدلال، يعني لو قال شخص لآخر مسلم عاش بين المسلمين: صلِّ فإن الصلاة واجبة وتأثم إذا تركت الصلاة، هل يستطيع أن يقول له: ما الدليل على ذلك؟ أو يقول له مثلاً: الزنا حرام السرقة حرام الربا حرام، هل يطالبه بالدليل؟ لا يطالبه بالدليل؛ لأن مثل هذه الأمور معلومة من الدين بالضرورة، أمور قطعية ضرورية، لا تحتاج لا إلى نظر ولا إلى استدلال، ومثله ما استفاض لدى الخاص والعام من المسلمين وغيرهم من وجود بعض البلدان كمكة والمدينة وبغداد وما أشبه ذلك من البلدان المشهورة، هذه علوم ضرورية، يعني لو قال لك شخص: جئت من بغداد، أو من دمشق أو القاهرة أو ما أشبه ذلك، تقول: انتظر انتظر؛ حتى أرجع إلى معجم البلدان فأرى هذه البلدة فعلاً موجودة وإلا لا؟! يحتاج إلى ذلك؟! ما يحتاج؛ هذه أمور ضرورية. هناك طائفة -ملاحدة هم دهريون- موجودة في الهند يقال لهم: السمنية، السمنية هؤلاء يقولون: إنه ليس هناك علم إلا ما يدرك من طريق الحواس، الأخبار مهما كثر ناقلوها لا يعتمد عليهم، وهؤلاء لا عبرة بقولهم. إذا عرفنا ذلك فالحواس الخمس سبب للإدراك، البصر سبب للإبصار، والسمع سبب لإدراك الصوت وهكذا. والسبب عند أهل السنة يحصل به المسبب، يحصل به .. ، والله هو المسبب فلا تستقل الأسباب بالتأثير، خلافاً للمعتزلة، ولا تلغى آثارها بالكلية كما تقول الأشعرية. الأسباب الناس فيها طرفان ووسط، فمثلاً في وقت الشتاء، الناس بحاجة إلى دفء، إذا لبست من الثياب ما يحصل به الدفء، فعند الأشعرية الثياب هي التي وقتك من البرد، وهي مستقلة بالتأثير عند المعتزلة، مستقلة بالتأثير، وعند الأشعرية لا قيمة لها، وإنما يحصل الدفء عندها لا بها، وعند أهل السنة: حصل بها الدفء والله هو الذي جعل فيها هذا التأثير، ولو شاء لسلبها هذا التأثير.

стр. 56

فالأسباب التي أمرنا باتخاذها لا نعتمد عليها اعتماداً كلياً فالاعتماد على الله المسبب، وهو الذي جعل فيها مثل هذا التأثير، ولو شاء لسلبه منها، ولذا تجد بعض الناس يفعل بعض الأسباب ومع ذلك لا يستفيد منها، تتخلف آثارها بوجود مانع، أو لأمرٍ يريده الله . الدعاء سبب؛ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر]، قد لا تحصل الإجابة؛ لوجود مانع، قد يجاب بغير ما سأل، ولذا يستشكل كثير من الناس، يقول: فلان صلى الصبح مع الجماعة وحصل له حادث كيف؟ ((من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي))؟ نعم صلاة الجماعة سبب، الأوراد والأذكار أسباب، لكن قد تتخلف، فعلى الإنسان أن يفعل الأسباب ولا يعتمد عليها، يعتمد على مسببها، ولا نقول: إنها تستقل بالتأثير أو لا أثر لها بالكلية. عند الأشعرية يجوز أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس -صغار البعوض بالأندلس- ما هو بإلزام هذا موجود بالحرف في كتبهم، هذه ما هي مسألة إلزامية، موجود بالحرف في كتبهم، يجوز أن يرى الأعمى وهو بالصين، البقة -صغار البعوض وهي في الأندلس- وهو أعمى، كيف أعمى ما يشوف؟ وهل السبب يحصل به شيء؟ ما يحصل به شيء، إنما يحصل عنده لا به، يلزمون بـ ... ، كأن .. ، كلامهم مخالف لعقول الناس كلهم، لكن هم خرجوا من هذا بقولهم .. ، قد تقول لهم: ما الفرق بين هذا الأعمى، ليش هذا الأعمى يضرب الجدار، والمبصر. . . . . . . . . من الباب؟ ما في فرق بينهما، في فرق بين الأعمى والمبصر؟ نعم، هذا يصفخ الجدار والعمود وكذا ... الباب، إذن البصر له قيمة وسبب، يقول لك: لا، الإبصار حصل عنده لا به، تقول: طيب أنا أشرب الماء وأروى من شربه، يقولون: حصل الري عند الشرب لا به، طيب وإذا أكلت شبعت، يقول: حصل الشبع عند الأكل لا به.

стр. 57

لكن يدخل هذا الكلام في ما معنا من الجهل المركب؛ لأن هذا الذي يقول: أعمى الصين يجوز أن يرى بقة الأندلس، هذا يعرف أنه لا يعرف؟ لا، عند نفسه أنه من أذكى الناس، وقد يوجد الذكاء لكن إذا لم يكن العون من الله فالذكاء لا شك أنه نعمة وفضل من الله كغيره من النعم التي تفضل بها الله على عباده، لكن إذا ما استغل هذا الذكاء فيما يرضي الله ويوصل إلى جنته صار نقمة ما صار نعمة، فالإنسان قد يؤتى الذكاء لكن لا يؤتى الزكاء، وبعضهم يقول: الزكاء هو الذكاء لا .. نعم، ما في أحد إذا أراد أن يقول: الذكاء قال: الزكاء؟ القسم الثاني من أقسام العلم: هو العلم المكتسب، عرفه المصنف بقوله: هو ما يقع عن نظرٍ واستدلال: وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال: وذلك كالعلم بأركان العبادات وشروطها وأركان العقود وغيرها مما لا يدركه كل أحد، مما لا يدركه كل أحد إلا بالنظر والبحث عن مقدماته، كدقائق العلوم الثابتة بالأدلة مما لا خلاف فيه بين العلماء. إذن عرفنا أن العلم هو لا يحتمل النقيض، لا يحتمل النقيض، والذي فيه خلاف يحتمل النقيض وإلا ما يحتمل؟ الذي فيه خلاف يحتمل النقيض، وأما ما يختلف فيه أهل العلم من المسائل فإنها لا تدخل في هذا بل هي ظنية كما سيأتي في تعريف الظن. فالعلم بقسميه الضروري القطعي، والنظري المكتسب لا يحتمل النقيض بحال بخلاف الظن على ما سيأتي، لكن الفرق بينهما أن الضروري لا يحتاج إلى نظر كالعلم بأن الواحد ليس باثنين، إذا قلت لزيد من الناس: كم نصف الاثنين؟ يقول: انتظر معي آلة خليني أشوف، يمكن؟ ما يحتاج إلى أن انظر واستدلال ولا مقدمات ولا شيء بيقول لك: واحد على طول. إذا قلت له: النار باردة وإلا حارة؟ يقول: اصبر خليني أشوف؟ لا ما يمكن، هذا لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال فهو علم ضروري، بخلاف النظري إذا قلت للواحد: كم نصف الاثنين؟ قال لك مباشرة واحدة، لكن إذا قلت لزيد من الناس: كم سبع ١٩٥٥ كم سبعها؟ هذه ضرورية وإلا نظرية تحتاج إلى نظر واستدلال وقسمة و .. ؟

стр. 58

هذه نظرية، لا يمكن أن يقول لك مباشرة إلا عاد إذا كانت الموهبة متميزة جداً يقول لك: سبعها ١١٥، هذا يحتاج إلى نظر واستدلال، يحتاج إلى آلة يحتاج إلى قسمة، فإن مثل هذا يحتاج إلى مقدمات وقسمة ونحو ذلك، والنتيجة لا تحتمل النقيض، يعني إذا استقر الأمر وعرفت أن سبعها ١١٥ صارت في النتيجة مثل واحد نصف الاثنين، مائة بالمائة. ولذا فإن التمثيل من قبل بعضهم بأن المذي نجس، وأن طواف الوداع واجب، وأن عقد الإجارة عقد لازم، وغير ذلك من المسائل المختلف فيها هنا التمثيل بمثل هذا فيه نظر؛ لأن هذه المسائل لا تدخل في العلم بل هي ظنية، وسيأتي ما بين العلم والظن، ووجوب العمل بالجميع، هذا أمر متقرر، ونقرره فيما سيأتي -إن شاء الله تعالى- فيه نظر على مقتضى صنيع في التفريق بين العلم النظري والظن على ما سيأتي. يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: والعلم إما باضطرارٍ يحصل ... أو باكتسابٍ حاصل فالأول كالمستفاد بالحواس الخمس ... بالشم أو بالذوق أو باللمس والسمع والإبصار ثم التالي ... ما كان موقوفاً على استدلال ثم قال -رحمه الله تعالى-: والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه، والاستدلال طلب الدليل، والدليل هو المرشد إلى المطلوب: النظر، وهو التأمل، وليس المراد به الرؤية بالبصر؛ لأن النظر يطلق ويراد به الرؤية البصرية، نظرت إلى كذا، المراد به: الرؤية بالبصر، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [(٢٢ - ٢٣) سورة القيامة]، فالمراد بالنظر هنا: التأمل والتفكير في الشيء لمعرفة حقيقته، والمنظور فيه أعمّ من أن يكون أحكاماً شرعية أو غيرها، لكن لما كان علم أصول الفقه مما يحتاج إليه من يعاني استنباط الأحكام الشرعية صار الاهتمام بالنسبة للنظر في الأحكام الشرعية، فالنظر والتأمل هو طريق معرفة الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها من قبل من لديه أهلية النظر، من قبل من لديه أهلية النظر، وهو المجتهد على ما سيأتي.

стр. 59

والفكر حركة النفس في المعقولات لا في المحسوسات، والاستدلال طلب الدليل المؤدي إلى المطلوب، والدليل هو المرشد إلى المطلوب، والمراد به اسم الفاعل الدال، فالذي يدل غيره -الطريق المحسوس- كي لا يضل ولا يتيه نسميه دليل، فهو داله على مراده ومقصوده. واتخذ النبي ﵊ ابن أريقط من أجل أيش؟ نعم، يدله، فالذي يرشد الناس إلى حكم المسألة دليل وهو الدال، وهكذا بمعنى دال، فإذا سمعت بحكمٍ شرعي فطلبت دليله، ثم تأملت في الدليل ثبوتاً ونفياً وبحثت عن وجه الدلالة من هذا الدليل استوفيت ما ذكره المصنف من الاستدلال والنظر والتفكر في الدليل والتأمل فيه وهكذا. يقول الناظم: وحد الاستدلال قل ما يجتلب ... لنا دليلاً مرشداً لما طلب ثم جاء إلى ما يتمم القسمة من ذكر الظن والشك بعد أن ذكر العلم والجهل، قال: الظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر: فلما ذكر العلم الذي لا يحتمل النقيض ذكر ما يحتمله -يحتمل النقيض- إما مع الرجحان أو مع التساوي، فالراجح من الاحتمالين هو الظن، ويقابله المرجوح وهو الوهم، ومع التساوي يسمى شك، فإذا بلغك الخبر، وليكن مثلاً قدوم زيد، بلغك أن زيداً قدم، فإن كان تصديقك لهذا الخبر نسبته مائة بالمائة، فهو أيش؟ العلم، وإن كان نسبة تصديقك سبعين بالمائة مثلاً فهو الظن، وإن كانت النسبة خمسين بالمائة فهو الشك، وإن كانت النسبة ثلاثين بالمائة مثلاً فهو الوهم، فالعلم موجب للعمل بلا خلاف، والظن موجب له عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم، الظن موجب للعمل عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم، ونؤكد على هذا؛ لأن المبتدعة لهم مسلك، ولأهل السنة مسلك.

стр. 60

المبتدعة لما يقسمون المعلوم إلى مثل هذه الأقسام لهم هدف ومقصد ومغزى أن يقولوا: أكثر الأدلة ظنية، وأخبار الآحاد ظنية، والظن لا يثبت به علم، إذن العقائد لا تثبت بالمظنونات، فينفون الأسماء والصفات من هذه الحيثية -من هذه الجهة- ونحن ننفصل من هذا ونقول: ما تثبت به الأحكام تثبت به العقائد، فالظن موجب للعمل في جميع أبواب الدين عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم، تثبت بغلبة الظن، وأكثر الأحكام من هذا النوع، وغالب الأحكام مربوط بغلبة الظن ومعلق به. وقد يرد الظن ويراد به اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [(٤٦) سورة البقرة]. ويرد ويراد به المرجوح، ويراد حينئذٍ الوهم، وهو الذي لا يغني من الحق شيئاً. والشك عند أهل العلم لا يزيل اليقين، فمن تيقّن الطهارة وشك في الحدث فهو على طهارة بخلاف ما إذا غلب على ظنه، احتمال ضعيف أنه انتقضت طهارته يلتفت إلى هذا الاحتمال؟ يبني على غلبة الظن، لكن لو كان متردد على حدٍ سواء نقول: الشك لا يرفع اليقين. إذا عرفنا هذا فالذي يفيده القرآن الكريم ومتواتر السنة هو العلم، وأما خبر الآحاد ففي الأصل .. ، قرب الشيخ؟ إذا عرفنا هذا فالذي يفيده القرآن الكريم ومتواتر السنة هو العلم، وأما خبر الآحاد ففي الأصل لا يفيد إلا الظن عند جمهور العلماء، وقد يفيد العلم بالقرائن على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم، وبيان ذلك .. ، قد يقول قائل: كيف خبر صحيح يفيد الظن؟ خبر صحيح نقله العدل الضابط عن مثله بسندٍ متصل وسلم من الشذوذ والعلة، كيف نقول يفيد الظن؟ نقول: نعم، بيان ذلك أن الراوي العدل الضابط المتقن مهما بلغ من الدرجات العليا في هذه الأوصاف -ولنأخذ على ذلك من الأمثلة مالك نجم السنن- مهما بلغ الراوي في هذه الأوصاف فإنه ليس بمعصوم، بل هو كغيره يطرأ عليه الخطأ والنسيان، وقد وهم الإمام مالك في بعض الأحاديث وفي بعض أسماء .. ، وفي أسماء بعض الرواة لذا فإن خبره يحتمل النقيض.

стр. 61

يعني إذا جاءك خبر عن شخص قال لك شخص بمنزلة مالك عندك: قدم زيد ألا يحتمل أن هذا الشخص وهم أو أخطأ؟ الاحتمال قائم، إذن خبره يحتمل النقيض، وما دام الاحتمال قائماً فإن الخبر يفيد الظن، وهذا الاحتمال وإن كان ضعيفاً إلا أنه لا يمكن نفيه، لا يمكن نفي هذا الاحتمال. لما عرفنا أن العصمة خاصة بمن عصمه الله وهو نبيه ﵊ أما من عداه فيحتمل عليه الخطأ والسهو والغفلة والنسيان، وما دام هذا الاحتمال موجوداً فإن الخبر لا يرتفع إلى درجة العلم اليقيني القطعي، وإنما هو مفيد للظن، لو صارت نسبة صدق الخبر ٩٩% فهو ظن ما لم يصل إلى المائة بالمائة. وما دام الاحتمال قائماً فإن خبر الثقة لا يثبت العلم لهذا الاحتمال، فعلى هذا لا يفيد إلا الظن، فإذا احتفت به قرينة، إذا احتفت به قرينة ارتفع احتمال النقيض؛ لأن الاحتمال في الأصل ضعيف، ووجدت هذه القرينة التي تقاوم هذا الاحتمال فإنه حينئذٍ يفيد العلم إذا احتفت به قرينة، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم، وهذا خلافاً لمن يزعم أن خبر الواحد يفيد العلم مطلقاً كحسين الكرابيسي وداود الظاهري، أو يزعم أن خبر الواحد يفيد الظن مطلقاً. ولا تلازم بين الظن هنا وعدم العمل، بل لا بد أن يعمل به، وعرفنا أن خبر الواحد وإن كان مما يفيد الظن فإن العمل بالظن واجب عند جميع من يعتد بقوله من أهل العلم. يقول الناظم: والظن تجويز امرئ أمرين ... مرجحاً لأحد الأمرين فالراجح المذكور ظناً يسمى ... والطرف المرجوح يسمى وهما والشك تجويز بلا رجحان ... لواحدٍ حيث استوى الأمران يحتاج أن نعيد هذا وإلا ما يحتاج؟

стр. 62

نعم، عرفنا أن العلم هو الذي لا يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه، فنتيجة صدق الخبر، أو نسبة صدق الخبر فيه مائة بالمائة، إذا نزلت هذه النسبة ولو واحد صارت النسبة تسع وتسعين بالمائة فهو ظن؛ لأنه احتمال راجح، فإذا كانت النسبة خمسين بالمائة فهو الشك، إذا نزلت النسبة عن الخمسين إلى الصفر فهو وهم، والصفر كذب، نعم والصفر هو الكذب، فإذا صارت النسبة أقل من مائة فهو الظن، والراوي الضابط الحافظ المتقن كما مثلنا بمالك -رحمه الله تعالى- مهما بلغ من الحفظ والضبط والإتقان فإنه لا بد أن يتصف بالوصف الملازم الذي لا ينفك عنه الإنسان -وهو السهو والخطأ والغفلة والنسيان- وإن كانت النسبة ضعيفةً والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 63

شرح متن الورقات في أصول الفقه (٤) تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً لهذا الفن – أبواب أصول الفقه – تعريف الكلام وأقسامه- الحقيقة والمجاز -أقسام الحقيقة– تعريف الأمر وصيغه- وهل يقتضي الفور أم التراخي- وهل يقتضي التكرار أم لا – ومن يتناوله خطاب التكليف بالأمر والنهي ومن لا يتناوله الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا سؤال عن القنوات الفضائية وظهور وخروج بعض أهل العلم ومساهمتهم فيها بحجة أنهم ينشرون الخير ويقللون الشر. فمثل هذا السؤال: أنا بالنسبة لي شخصياً لا أرى المشاركة، ولو لم يكن فيها إلا التصوير؛ فالتصوير بجميع أنواعه وأشكاله داخل في نصوص الوعيد التي جاءت في التصوير، ومثل هذا السؤال ينبغي أن يطرح على الشيخ حفظه الله. يقول: ما رأيكم بمراقي أبي السعود؟ أيش أبو السعود هذه؟ مراقي السعود، هذا نظم في أصول الفقه مشهور عند المالكية وانتشر عندنا أخيراً، تبنّاه بعض الإخوان الآخذين عن بعض الشناقطة، وهو نظم جيد وشامل يعتني به الشيخ الأمين الشنقيطي -رحمة الله عليه- في مصنفاته، وهو الذي شهره بيننا، وإلا ما كان معروفاً على صعوبةٍ في أبياته، أبياته ليست سهلة ميسرة، لكنه نظم طيب، الذي تسعفه الحافظ بحفظه لا بأس جيد. الأسئلة كثيرة جداً، والوقت قصير: يقول: هل اختلاف أقوال العلماء والمذاهب رحمة أم عذاب؟ الأصل أن الخلاف شرٌّ؛ ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [(١١٨ - ١١٩) سورة هود]، هذا الأصل، وهذا المقصود به الخلاف والاختلاف فيما لا يسوغ فيه الاختلاف، أما إذا عمل كل شخص بما يدين الله به ويعتقده حقاً على حسب اجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد، أو تقليد من تبرأ ذمته بتقليده إن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا شك أن الحجر على العقول وإلزامهم بقولٍ واحد فيه تضييق، وفتح باب الاجتهاد والمجال لمجتهدي الأمة هذا فيه خير كثير -إن شاء الله تعالى-؛ لأن المجتهد مأجور سواء أصاب أو لم يصب، إن أصاب له أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، فهو من هذه الحيثية رحمة للأمة، بحيث لم يضيق الله عليها في فهومها ويلزمها بقولٍ واحد.

стр. 64

ما الدليل على أن الظن يفيد العمل ولا يفيد العلم والمعروف أن العمل ثم العلم و. . . . . . . . .؟ مسألة إفادة خبر الواحد الظن وتقريره وبسطه، تقرير هذه المسألة وبسطها وما يرد عليها وتنظيرها، والاحتجاج لها ومن قال بها ومن خالف، مبسوط هذا كله في شرح النخبة، في آخر شرح من شروح النخبة ويصدر قريباً، وسوف تقوم الراية بتوزيعه إن شاء الله تعالى. يقول: هل تنصحون طلاب العلم بالعناية بكتب وأشرطة الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه- لكثرتها؟ هذا يحتاج إلى سؤال؟! مثل هذا يحتاج إلى سؤال؟! الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه- هو الذي ذلل العلم لطلابه، وهو الذي يسره لمريديه، من يجرؤ من طلاب العلم بمفرده -أعني المبتدئين- على قراءة زاد المستنقع بمفرده لولا شرح الشيخ -رحمة الله عليه- وتسهيله وتيسيره وتبسيطه، فالشيخ -رحمة الله عليه- ذلل العلم وسهله لطلابه ومريديه، فعلى طالب العلم أن يعتني بكتب الشيخ وكتب غيره من المحققين من هذه البلاد وغيرها من المتقدمين والمتأخرين. هذا يسأل سؤال خارج عن الموضوع وبعيد كل البعد يقول: هل هناك فرق بين جماعة الإخوان وأهل السنة والجماعة، نرجو التوضيح؟ على كل حال جماعة الإخوان جماعة برزت في مصر وصار لها فروع في كثيرٍ من بلدان المسلمين وصار لها انتشار، وعليهم ملاحظات؛ لأنهم لا يعتنون بالتفريق بين المحقق وغيره، يهمهم الانطواء تحت لواءٍ واحد، وعلى أن تجمعهم كلمة (الإسلام)، وما عدا ذلك مما يتعلق بالعلم والعمل في الفروع والأصول هذا لا يعنون به كثيراً، فتجد السني ينتسب إليها، تجد الأشعري ينتسب إليها، تجد المعتزلي والشيعي وغيرهم ينتسبون إليها؛ فهم يجمعون أكبر قدر ممكن يمكن أن يعينهم على ما يريدون تحقيقه، والله المستعان، وأما أهل السنة والجماعة فهم ينضوون تحت معتقدٍ واحد، لا يختلفون فيه ومن خالفهم عن معتقدهم فهو مبتدع لا يدخل تحت مسمى أهل السنة والجماعة. يقول: يوجد ظاهرة سيئة لدى الملتزمين والمستقيمين، وهي ظاهرة عدم السلام على بعض أو على مَن .. أيش؟

стр. 65

المقصود أن مسألة ترك السلام على المسلم بحججٍ واهية هذا لا شك أنه من تلبيس الشيطان، وهو حرمان عظيم؛ لبس الشيطان على كثيرٍ من الناس بحيث لا يبدؤون غيرهم بالسلام فيحرمون الأجر، ولا يدخل المسلمون الجنة حتى يتحابوا، ومن أعظم ما ينشر المودة والمحبة بذل السلام، فالمسلم يسلم عليه مهما تلبس به من المخالفات التي لا تخرجه عن دائرة الإسلام، نعم إذا ترتب على هجره وترك السلام عليه مصلحة –الزجر مثلاً- وردعه عما هو متلبس به لا بأس، لكن لنعلم أن الهجر علاج، إن كان ينفع وإلا فالخلطة والنصيحة وبذلها ومحضها لأخيك المسلم هو المتعين، وإذا قلت: السلام عليكم أدركت عشر حسنات. وبعض الإخوان من الشباب عنده في نفسه أنه قد حفظ جميع الثغور -ثغور الإسلام- وأن من عداه لا يفهم شيئاً أو يدرك شيئاً، أو .. ، لا، أنت عندك أخطاء كثيرة، وغيرك عنده أخطاء، وكل الناس خطاء، فبعض الناس بتركه السلام على أخيه يُشم منه أنه يدعي الكمال لنفسه، فعلى المسلم أن يتواضع لأخيه، وأن يبدأه بالسلام؛ ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). يقول: هل أدرس مختصراً لجميع الفنون ثم أرتقي؟ أم أقرأ مختصراً ثم أتوسع .. ؟ تقرأ مختصراً في كل فن ثم ترتقي إلى ما بعده من المختصرات اللائفة بالمتوسطين وهكذا على الجادة المعروفة عند أهل العلم. يقول: يقال إن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد هو من تقسيم المعتزلة كالرازي المفسّر، هل هذا صحيح؟ أولاً الرازي أشعري وليس بمعتزلي، ومن أشد الناس على المعتزلة -وإن كان يوافقهم في كثير من أمور العقيدة- هو أشعري من جهة، وجبري في باب القضاء والقدر، وعليه ملاحظات وطوام، وتفسيره لا ينبغي لطالب العلم المتوسط -فضلاً عن المبتدئ- أن يقرأ فيه؛ لأنه مشحون بالشبه، مع ضعف الرد على هذه الشبه، وهو من أشد الناس في بدعته، وتكلم في أهل السنة بكلامٍ قبيح، ومع ذلكم لما سئل شيخ الإسلام عنه وعن غيره من رؤوس المبتدعة قال: وأما أبو عبد الله الرازي فكثير من الناس يطعن في قصده، والذي أراه أنه ينثر ما يراه حقاً.

стр. 66

وليس معنى هذا أننا نقلل من الشر الذي تضمنته كتب الرازي، لا، لكن لا بد من الاعتدال والإنصاف، لا بد من الاعتدال والإنصاف، ولذا لا ينصح طالب العلم أن يقرأ في تفسيره، ويقول عن كتاب التوحيد لابن خزيمة: (كتاب الشرك)، ورمى إمام الأئمة ابن خزيمة بعظائم الأمور، تهجّم على غيره من أئمة السنة، لكن يبقى أن الميزان له كفتان، والله المستعان، وكلام شيخ الإسلام مثل ما سمعتم، لكن على طالب العلم أن يجتنب مثل هذه الكتب المشتملة على البدعة التي تقرر البدع وتذب عنها وتورث الشبه التي قد لا يستطيع الإنسان اجتثاثها. أما تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد فهو كغيره من الاصطلاحات، الصحيح والضعيف والحسن، بالنسبة لعلوم الحديث، والعام والخاص والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم بالنسبة لأصول الفقه، وكذلكم ما يتعلق بقواعد التفسير وعلوم القرآن، المصطلحات بهذه التسميات كلها حادثة، لا توجد في عصر السلف من الصحابة والتابعين، أما كونه منسوب إلى المعتزلة فشيخ الإسلام يقول به، ويقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، ويقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، ويمثل للمتواتر اللفظي بحديث: ((من كذب .. )) كما يمثل به غيره من أهل العلم، ويمثل للتواتر المعنوي في كل كتابٍ من كتبه بما يناسب المقام، مثّل للتواتر المعنوي في منهاج السنة بفضائل أبي بكرٍ وعمر، وفي كل كتابٍ من كتبه يمثل بما يليق بالمقام -رحمة الله عليه- لا شك أن هذا اصطلاح لا يوجد عند الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، لكنه مجرد اصطلاح يوضح ويقرب للطالب المشهور والعزيز و .. ، كلها لست موجودة عند سلف الأمة. المقصود أن هذه الاصطلاحات وإن وجدت أسماؤها فحقائقها موجودة؛ إذ لا يختلف اثنان أن الأخبار متفاوتة في دلالاتها، والرواة متفاوتون في الثقة والضبط والإتقان والحفظ والعدالة، وتبعاً لتفاوتهم في ذلك تتفاوت أخبارهم، فلا نقول: إن خبر زيد يساوي مائة بالمائة لخبر عمرو؛ الأخبار متفاوتة، وهذا التفاوت يتطلب أسماء لهذه الأخبار المتفاوتة، واصطلح أهل العلم على هذه التسمية ولا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 67

اللوازم التي يلتزمها المبتدعة لهذا التقسيم لا نلتزم بها، ولذا الشيخ أحمد شاكر لما قسم هذا التقسيم وأقره قال بعد ذلك: لا يغرنك ما يقوله المبتدعة من لوازم لهذا التقسيم، هم يقصدون بخبر الواحد وأنه لا يفيد إلا الظن أنه لا يحتج به في العقائد، ونحن نقول: لا فرق بين العقائد والأحكام، ما تثبت به الأحكام تثبت به العقائد والكل شرع، وهذا مبسوط في شرح النخبة كما ذكرنا آنفاً. يقول: نأمل الإكثار من التنبيهات التربوية وما يتعلق بحسن الخلق؟ نحن نشكو من ضيق الوقت على الكتاب، وإلا في النفس أشياء تتعلق بالطلب وطالب العلم وأدب طالب العلم وما ينبغي أن يتحلى به من أخلاق، لكن الوقت لا يسعف، والله المستعان. يقول: يظهر من السؤال السابق أن السائل كأنه أخرج جماعة الإخوان من أهل السنة والجماعة، أرجو التنبيه حتى لا يختلط الأمر على البعض، وليس معنى ذلك أنهم ليس عندهم أخطاء، لكن أن يخرجوا من أهل السنة والجماعة فهذا أمر صعب؟

стр. 68

عرفنا أن جماعة الإخوان لا يفرقون بين أفراد هذه الجماعة، وليس لهم شرط في المعتقد، يعني لم يعتمدوا على أهل السنة والجماعة اعتماداً كلياً، بل فيهم من ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، وفيهم من ينتسب إلى الأشاعرة، وفيهم من ينتسب إلى المعتزلة، وفيهم من طوائف البدع من فيهم، فجماعة الإخوان أعم من أن يكونوا مبتدعة أو أهل سنة، وكل شخص يحكم عليه بمفرده، فهي جماعة تنظيمية، وإن كنا لا نؤيد مثل هذه التنظيمات، لكنه تنظيم وجد وانضوى تحت هذا التنظيم من ينتسب إلى مذهب أهل السنة، ولا يخرج عن كونه من أهل السنة لانتمائه إلى هذه الجماعة؛ لأنه ليس لها اسم معين، أو ضابط يضبطهم، هم لا يلزمون أحد بمعتقد معين، لا يقولون: أنت سني لا بد أن تعتنق مذهب الأشاعرة وتدخل معنا، أو تدخل مذهب المعتزلة وتدخل معنا، هي مجرد جماعة تنظيمية تجمع السني والمبتدع كما ذكرنا، لكن على الإنسان لا سيما في مثل هذه الأوقات التي توالت فيها الفتن والمحن أن يعتصم بالكتاب والسنة، وأن يلتف حول أهل العلم المحققين المعروفين بالعلم والعمل والورع والتقوى، ويترك عنه هذه الجماعات، لا جماعة إخوان، لا جماعة تبليغ، لا جماعة يمين ولا شمال، يعتصم بالكتاب والسنة؛ ففيهما المخرج من هذه الفتن الباطنة والظاهرة، وبعض الناس قد لا يشهد في واقعه فتن؛ قد يكون مفتون في قلبه، المفتون في الرجل، المفتون في أهله وماله، فتنة الرجل في جاره، الفتن كثيرة منها ما ظهر ومنها ما بطن، فنعوذ بالله من الفتن كلها صغيرها وكبيرها خفيها وظاهرها، والله المستعان. يقول: قال حمار الحكيم يوماً ... لو أنصفوني لكنت أركب وهنا الذي ذكرناه وهو في أكثر المصادر: لو أنصف الدهر، ومعروف أن الشعراء ينسبون إلى الدهر الشيء الكثير من هذا، ودواوينهم مشحونة بمثل هذه المخالفة، لكن كأن هذا تعديل للبيت من قبل بعض أهل التحري الذي لا يريد أن ينطق ولو ناقل ولو آثر من غيره بالمخالفة، كأن هذا تعديل وإلا فالأصل: لو أنصف الدهر، وهذه المخالفة نبهنا عليها سابقاً، ولا يقول قائل إن هذه مقالة حمار وهو غير مكلف، كما نبهنا سابقا.

стр. 69

يقول: اسم الرازي ذكر لأكثر من عالم فنود منكم ذكرهم، وهل منهم أحد من أهل السنة والجماعة؟ الرازي نسبة إلى الري، نسبة إلى الري –بلد- كل من انتسب إلى هذا البلد قال الرازي، فالإمام أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وابن أبي حاتم الرازي، هؤلاء أئمة من كبار أهل الحديث ومن كبار أهل السنة والجماعة، أبو عبد الله بن الخطيب الرازي هو الأشعري المعروف المتوفى سنة ست وستمائة، أبو بكر الراوي المتطبب المعروف الفيلسوف، نسأل الله العافية، نعوذ بالله من البدع وأهلها. ما حكم الاعتماد على الأسباب؟ الاعتماد على الأسباب قدح في التوحيد، كون الإنسان يعتمد على السبب ولا ينظر إلى المسبِّب لا شك أنه قدح ونقص في التوحيد، كما أن إلغاء الأسباب وإهمال الأسباب نقص في العقل. أنت تقول: اتقيت البرد بهذه الملابس، أليس هذا من إضافة النعمة للسبب، والله يقول: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [(٨٣) سورة النحل]؟ ألا تقول: أنبت الربيع، نعم، أنبت الربيع، ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [(٦١) سورة الأنعام]، فقد ينسب الفعل إلى السبب، لكن مع الاعتراف بالمسبب، مات فلان، هو مات أو الله هو الذي توفاه؟ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾ [(٤٢) سورة الزمر]، ومع ذلكم قال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، فقد ينسب الفعل إلى السبب، لكن مع الاعتراف بالمسبب. نريد نصيحة لمن لا يرد السلام إذا ألقي عليه من الغرباء؟ أما بذل السلام تقدم الكلام فيه، فإذا غلب على الظن أن الشخص الذي يسلم عليه مسلم، فلا يحرم الإنسان نفسه، وفي بلاد المسلمين الغالب أن الشخص الذي تمر به -في الغالب- أنه مسلم، لكن لو حصل عندك شك في كونه مسلم أو غير مسلم حينئذٍ توقف؛ لأنه لا يجوز إلقاء السلام على الكافر، أما رد السلام فلا يجوز بحال تركه؛ لأن رده واجب، إذا شككت في إسلامه وعدم إسلامه، إن غلب على ظنك أنه مسلم قلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإن شككت في إسلامه فقل: وعليكم، والله المستعان. ضاع كثير من الوقت عن الكتاب. سم

стр. 70

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال إمام الحرمين ﵀: وأصول الفقه: طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وأبواب أصول الفقه: أقسام الكلام، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنص والظاهر والمؤول، والأفعال والناسخ والمنسوخ، والإجماع والأخبار، والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة، وصفة المفتى والمستفتى وأحكام المجتهدين، فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف، والكلام ينقسم إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، وينقسم أيضاً إلى تمنٍّ وعرض وقسم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول رحمه الله تعالى: وأصول الفقه: طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها: سبق تعريف أصول الفقه باعتبار جزئي المركب، وأنه مركب من كلمتين: أصول وفقه، وعرفنا معنى كلمة الأصول ومعنى كلمة الفقه، والآن هذا هو التعريف الثاني باعتباره علم على هذا الفن المعروف. عرفه المؤلف بأن المراد بأصول الفقه: طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها: فالمراد بأصول الفقه -كما ذكر- طرق الفقه إجمالاً، كمطلق الأمر والنهي، وفعل النبي ﵊ والإجماع والقياس، هذه طرق الفقه إجمالاً لا تفصيلاً، من حيث البحث فيها بأن الأول: وهو الأمر للوجوب، والثاني: وهو النهي للتحريم، والفعل: فعل النبي ﵊ والإجماع والقياس وغيرها حجج، يحتج بها على خلافٍ فيها، سيأتي إن شاء الله تعالى. وكيفية الاستدلال بها: أي كيفية الاستدلال بهذه الأصول من حيث تطبيقها على فروع المسائل، وكيفية العمل عند تعارضها بما يسمى بمباحث تعارض الأدلة من تقديم للخاص على العام والمقيد على المطلق والناسخ على المنسوخ وهكذا.

стр. 71

والكلام هذا يجر -كيفية الاستدلال بها، والاستفادة منها- يجر إلى معرفة المستفيد منها والمجتهد، المجتهد له أوصاف وله شروط، وليس لكل أحدٍ أن يجتهد، نعم، إذا تأهل الإنسان بالشروط التي ذكرها أهل العلم المستمدة من الشرع، فإن له -بل عليه- أن يجتهد، أما إذا لم يتأهل صار فرضه تقليد من تبرأ ذمته بتقليده؛ ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل]. ونحن نشاهد كثرة من يدعي الاجتهاد في هذه الأوقات، لا شك أن مثل هذا غرور وتلبيس من الشيطان، وفيه ما هو ردة فعل لقرونٍ مضت من قفل باب الاجتهاد، والآن فتح الاجتهاد على مصراعيه؛ تجد من يحفظ شيئاً ولو يسيراً من العلم تجده يتكلم في عضل المسائل، تجد المبتدئ -بل بعض العامة- يجرؤ على إفتاء الناس وتوجيههم، والمبتدئ في حكم العامي، وكثير من المبتدئين -ومن يظن أنه تعلم وهو ما عرف إلا الشيء اليسير- تجده يتصدى لإفتاء الناس وتوجيههم لما يعرف وما لا يعرف، وهذا الأمر خطير جداً؛ لأنه ينصب نفسه موقعاً عن الله وحكماً بين عباده بالدعوى، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [٦٠) سورة الزمر] أيش معنى كذبوا على الله؟ الذي يفتي بلا علم يكذب على الله؛ يدخل دخولاً أولياً في هذه الآية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] نص في الموضوع، فإذا ربطنا بين الآيتين عرفنا خطورة الإفتاء بغير علم، وعندنا من تقوم بهم الحاجة -ولله الحمد-من أهل العلم الراسخين المحققين. وبالمقابل تقاعس المتأهل وتأخره عن نفع الناس في هذا المجال لا يجوز؛ وهو كتم للعلم، بل يتعيّن على من تأهل لإفتاء الناس أن يفتيهم، ولا يجوز له أن يتأخر والحاجة قائمة.

стр. 72

وبعض الناس لا يتحرى إذا أراد أن يسأل، لا يبحث عمن تبرأ ذمته بتقليده، والله يقول: ﴿اسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، بل يتجه كثير من الناس لسؤال بعض المفتونين؛ بحثاً عن الرخص، والإنسان إذا بحث عن الرخصة في هذه المسألة، والرخصة في تلك المسألة، والرخصة في المسألة الثالثة والرابعة والعاشرة خرج من دينه؛ لأن الدين تكاليف، فإذا كان الدين كله رخص ما صار هناك دين، ما صار هناك تكليف، والله المستعان. هذه الأمور الثلاثة -طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستفيد منها- هذه هي أصول الفقه، هذا ما قاله كثير من الشراح، وكأن الأوضح مما ذكر أن يراد بأصول الفقه: أدلة الفقه الإجمالية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل في هذه الأدلة؛ نأخذ الكتاب مجملاً وكيف نستفيد منه، حجة بالإجماع، لكن كيف نستفيد من هذا الكتاب، السنة حجة إجماعاً، الإجماع القياس وهكذا -على الخلاف فيه- المقصود أن كيف نستفيد من هذه الأدلة الإجمالية، وبيان حال من يستفيد منها. يقول الناظم رحمه الله تعالى: أما أصول الفقه معنىً بالنظر ... للفن في تعريفه فالمعتبر في ذاك طرق الفقه أعني المجملة ... كالأمر أو كالنهي لا المفصلة وكيف يستدل بالأصول ... والعالم الذي هو الأصولي ثم ذكر أبواب الفقه على سبيل الإجمال، أبواب أصول الفقه ذكرها إجمالاً، ثم تحدث عنها بالتفصيل واحداً تلو الآخر على نفس الترتيب الإجمالي، وهذا أشرنا سابقاً إلى أنه يعرف بأيش؟ باللف والنشر المرتب، فسرد هذه الأبواب سرداً أشبه ما يكون بالفهرس من الأبواب التي يريد أن يتحدث عنها، وعدتها عشرون باباً على سبيل الإجمال ثم تكلم عنها بالتفصيل الملائم لهذا المختصر، وليس المراد به التفصيل المبسوط الذي يوجد في المطولات، لا، هو تفصيل نسبي ملائم لهذا المختصر ومناسب لإدراك المبتدئين، وإن كانت الأوراق فيها كثير ممن يقول: إنهم لا يفهمون بعض هذا الكلام الذي يذكر في الكتاب، هو لا شك أن الأفهام متفاوتة، ولولا ضيق الوقت لزدنا في التوضيح، لكن مع الإجمال في التوضيح يمكن ما نأخذ ولا نصف الكتاب، والله المستعان.

стр. 73

ثم شرع -رحمه الله تعالى- يفصل ما أجمله، وينشر ما لفّه، فقال: فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف: والكلام مصدر، أو قل: اسم مصدر من تكلم يتكلم تكلماً وكلاماً، ويختلف المراد به من فنٍ إلى آخر -المراد بالكلام- فالمراد به عن اللغويين: كل ما يلفظ به، سواء كان مفيداً أو غير مفيد، يسمى كلاماً، سواء كان مركباً أو غير مركب، فإذا قلت: زيد، كلام،، زيد قائم كلام، ديز عكس زيد -مقلوب زيد- كلام، كل ما يلفظ به كلام، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، فكلام النائم كلام، كلام بعض الطيور كلام، هذا من حيث الأصل في اللغة. وعند النحويين: هو اللفظ المركب المفيد فائدة يحسن السكوت عليها، فالكلام المفرد، الكلمة المفردة ليست بكلام، والكلام غير المفيد (إن قام زيد) هذا ليس بكلام وإن كان مركباً من ثلاث كلمات، والكلام غير المقصود ليس بكلام عند النحويين. وعند الفقهاء: ما اشتمل على حرفين فصاعداً، وهو الذي يبطلون به الصلاة، ولذا يقولون: إن بان حرفان من الكلمة بطلت الصلاة، والمقصود به الكلام الذي لا يحتاج إليه. والكلام جمع كلمة، والكلمة إما اسم أو فعل أو حرف، وفي الألفية -في ألفية ابن مالك-: كلامنا لفظ مفيد كاستقم ... واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة والقول عم ... وكلمة بها كلام قد يؤم أي: قد يقصد. وأقل ما يترتب الكلام منه اسمان: نحو: زيد قائم. أو اسم وفعل: مثل: قام زيد، أو ضُرب زيد، أو فعل وحرف: نحو: ما قام، ومثل هذا أثبته بعضهم كالمصنف، ولم يعدّ الضمير الراجع في (قام) -الراجع إلى المتحدث عنه مثلاً- لعدم ظهوره؛ هو يعد الكلمات الموجودة أمامه، أما المستتر فهو لا يعده، وعليه جرى المصنف، والجمهور على عده كلمة، فالضمير المستتر في حكم الضمير المتصل. أو اسم وحرف: وذلك في النداء نحو: يا زيد، وإن كان المعنى: أدعو زيداً، لكن في الصورة حرف -حرف نداء- وإن كان معنى هذا الحرف، معنى الفعل: أدعو.

стр. 74

يقول العبادي في شرحه: وقضية تعبيره بأقل أن الكلام قد يتركب من أكثر مما ذكر؛ لأنه أقل ما يتركب منه الكلام ما ذكر، وقضية ما ذكر -مفهوم الأقل- أن هناك أكثر، فهل نستطيع أن نسمي الجمل كلاماً؟ جمل نسميها كلاماً؟ يقول: قد يتركب من أكثر ما ذكر، كجملتين وكفعلٍ واسمين أو ثلاثة أو أربعة، وعليه جمع كابن هشام، لكنه خلاف ما دلت عليه عبارة ابن الحاجب، أيش معنى هذا الكلام؟ قالوا: فهموا من كلام المصنف أن أقل ما يتركب منه الكلام ما ذكر، أن الكلام قد يتركب من أكثر مما ذكر، وهذا مفهوم العبارة، وهذا عليه جمع، يعني إذا ركب كلام من جمل متعددة -جملتين فأكثر- يسمى كلاماً، نعم؟ قد يقول قائل: كيف ينازعون في مثل هذا وعليه جمع كابن هشام، لكنه خلاف ما دلت عليه عبارة ابن الحاجب، قد يقول قائل: كيف ينازعون في مثل هذا؟ يعني إذا كان: (زيد قائم) كلام فإذا قلت: زيد قائم وقاعد أو قارئ، زيد قائم .. ، أو زيد قاعد وقارئ، هاتان جملتان عطفت إحداهما على الأخرى، والعطف على نية تكرار العامل -كما يقول أهل العلم- كيف يختلفون؟ يقول: وخلاف ما دلت عليه عبارة ابن الحاجب، أنه لا يسمى كلاماً أصلاً؟ طالب:. . . . . . . . . أيش يقول؟ طالب:. . . . . . . . . أيش؟ طالب:. . . . . . . . . الآن عرفنا أنه إذا اشتمل على جملة اسم وفعل، أو اسم وحرف، أو فعل وحرف هذا كلام، وهذا أقل الكلام، هذا أقل الكلام، مفهومه أنه إذا تركب من جملتين أو من ثلاث كلمات -اسم وفعل وحرف، أو فعل واسمين أو ثلاثة أسماء أو أربعة- لا يسمى كلاماً عند بعضهم، والمفهوم من كلام المصنف أنه يسمى كلاماً. على كل حال ما الفائدة المرتبة على هذا الخلاف؟ طالب:. . . . . . . . . في فائدة تترتب على هذا الخلاف؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . يعني إذا حلف أن لا يتكلم، أو أن لا يصدر منه كلام، فجاء بكلامٍ طويل يصير تكلم وإلا ما تكلم؟ على ما عليه الجمع -كابن هشام وما يفهم من كلام المؤلف- كلاماً، لكن إذا حلف لا يتكلم بكلامٍ طويل، كلام مركب من جمل؟ على مقتضى عبارة ابن الحاجب أنه ما تكلم.

стр. 75

إذا قال لزوجته: إن تكلمت بكلام فأنت طالق، أو قال لعبده: إن تكلمت بكلام فأنت حر، فتكلم بكلامٍ كبير ما جاب جملة واحدة، أو نقول: هي تطلق بالجملة الأولى، وهو يعتق بالجملة الأولى، ويحنث في الجملة الأولى وما عدا ذلك قدر زائد على الكلام؟ نعم؟ يقول الناظم: أقل ما منه الكلام ركبوا ... اسمان أو اسم وفعل كـ_ (اركبوا) كذاك من فعلٍ وحرف وجدا ... وجاء من اسم وحرفٍ في النداء ثم قال -رحمه الله تعالى- في بيان أقسام الكلام: والكلام ينقسم إلى أمرٍ ونهيٍ وخبرٍ واستخبار وينقسم أيضاً إلى تمنّ وعرض وقسم: يريد المصنف أن الكلام من حيث دلالته ينقسم إلى أمر: وهو ما يدل على طلب الفعل نحو: صلِّ، ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ [(٧٨) سورة الإسراء]، ونهي: وهو ما يدل على طلب الترك، نحو: لا تغتب، وخبر: وهو ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته نحو: جاء زيد، وما جاء عمرو، ويقابل الخبر الإنشاء، ولم يذكره المؤلف بلفظه ذكر أقسامه، الإنشاء: وهو ما لا يحتمل الصدق ولا الكذب، ويدخل فيه الأمر والنهي والتمني والاستفهام والعرض، وذكرها المؤلف، واستخبار: وهو الاستفهام نحو: هل قام زيد؟ فيجاب بـ (نعم) أو (لا). وينقسم أيضاً إلى تمنٍّ: وهو طلب ما لا طمع فيه: ألا ليت الشباب يعود يوماً ... . . . . . . . . . ليت أمس يرجع، أو يعود: ما لا طمع فيه، أو فيه طمع، لكنه مع عسرٍ شديد، كقول منقطع الرجاء الذي لا يثبت على الراحلة ولا يستطيع أن يسافر مثلاً: ليتني أحج. وعرض: وهو الطلب برفق وهدوء، وهو المصدَّر بـ (ألَا): ألا تنزل عندنا، والعرض يناسب بعض الناس الذين يهابون، فإذا كنت تهاب شخصاً ولا تستطيع أن تأمره أو تصر على أمره بشيءٍ -ولو على جهة الإكرام- ومثله -بل من باب الأدب- إذا أراد الطالب تنبيه شيخٍ على خطأٍ وقع فيه، يأتي بصيغة العرض: ألا يكون المعنى كذا؟ أو يقول: ما رأيكم بكذا، أو: ألا يكون مراد فلان بكذا كذا، وهكذا.
следующие страницы →